القول في تأويل قوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 )

قال أبو جعفر: وأما قوله: « ويكلمُ الناس في المهد » ، فإن معناه: إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيهًا عند الله، ومُكلِّمًا الناسَ في المهد.

ف « يكلم » ، وإن كان مرفوعًا، لأنه في صورة « يفعل » بالسلامة من العوامل فيه، فإنه في موضع نصب، وهو نظير قول الشاعر:

بِــتُّ أُعَشِّــيهَا بِعَضْــبٍ بَــاتِرِ يَقْصِــدُ فِــي أَسْــوُقِهَا وَجَــائِرِ

وأما « المهد » ، فإنه يعني به: مضجع الصبيّ في رضاعه، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: « ويكلم الناس في المهد » ، قال: مضجع الصبي في رَضَاعه.

وأما قوله : « وكهلا » ، فإنه: وُمحتَنِكًا فوق الغُلومة، ودُون الشيخوخة، يقال منه: « رجل كهل وامرأة كهلة » ، كما قال الراجز:

وَلا أَعُـــودُ بَعْدَهَـــا كَرِيَّـــا أُمَـــارِسُ الكَهْلَـــةَ وَالصَّبِيَّـــا

وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: « ويكلم الناسَ في المهد وكهلا » ، ويكلم الناس طفلا في المهد دلالةً على براءَة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته وبالغًا كبيرًا بعد احتناكه، بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما ينـزل عليه من كتابه.

وإنما أخبر الله عز وجل عبادَه بذلك من أمر المسيح، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخًا احتجاجًا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطلَ، وأنه كان [ منذ أنشأه ] مولودًا طفلا ثم كهلا يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام، من صِغر إلى كبر، ومن حال إلى حال وأنه لو كان، كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غيرَ جائز عليه. فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتج به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين » : يخبرهم بحالاته التي يتقلب بها في عمره، كتقلب بني آدم في أعمارهم صغارًا وكبارًا، إلا أن الله خَصّه بالكلام في مهده آيةً لنبوته، وتعريفًا للعباد مواقع قدرته.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين » ، يقول: يكلمهم صغيرًا وكبيرًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ويكلم الناس في المهد وكهلا » ، قال: يكلمهم صغيرًا وكبيرًا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وكهلا ومن الصالحين » ، قال: الكهلُ الحليم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كلمهم صغيرًا وكبيرًا وكهلا وقال ابن جريج، وقال مجاهد: الكهل الحليم.

حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: « ويكلم الناس في المهد وكهلا » ، قال: كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا.

وقال آخرون: معنى قوله: « وكهلا » ، أنه سيكلمهم إذا ظهر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته - يعني ابن زيد - يقول في قوله: « ويكلم الناس في المهد وكهلا » ، قال: قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهلٌ.

ونصب « كهلا » ، عطفًا على موضع « ويكلم الناس » .

وأما قوله : « ومن الصالحين » ، فإنه يعني: من عِدَادهم وأوليائهم، لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.

 

القول في تأويل قوله : قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، قالت مريم إذ قالت لها الملائكة أنّ الله يبشرك بكلمة منه : « ربِّ أنَّى يكون لي ولد » ، من أيِّ وجه يكون لي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر؟ فقال الله لها « كذلك الله يخلق ما يشاء » ، يعني: هكذا يخلق الله منك ولدًا لك من غير أن يمسَّك بشر، فيجعله آيةً للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد، فيعطي الولد من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعلٍ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئًا ما أراد [ خلقه ] فيقول له: « كن فيكون » ما شاء، مما يشاء، وكيف شاء، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء » ، يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء، من بشر أو غير بشر « إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن » ، مما يشاء وكيف يشاء « فيكون » ما أراد.

 

القول في تأويل قوله : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( 48 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة الكوفيين: ( وَيُعلِّمُهُ ) بالياء، ردًّا على قوله: كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ، « وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ » ، فألحقوا الخبرَ في قوله: « ويعلمه » ، بنظير الخبر في قوله: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ، وقوله: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: ( وَنُعَلِّمُهُ ) بالنون، عطفًا به على قوله: نُوحِيهِ إِلَيْكَ ، كأنه قال: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ونعلمه الكتاب « . وقالوا: ما بعد نُوحِيهِ في صلته إلى قوله: كُنْ فَيَكُونُ ، ثم عطف بقوله: » ونعلمه « عليه. »

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مختلفتان، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك، لاتفاق معنى القراءتين، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه.

وهذا ابتداء خبر من الله عز وجل لمريم ما هو فاعلٌ بالولد الذي بشَّرها به من الكرامة ورفعة المنـزلة والفضيلة، فقال: كذلك الله يخلق منك ولدًا، من غير فحل ولا بعل، فيعلمه الكتاب، وهو الخطّ الذي يخطه بيده والحكمة، وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب والتوراة، وهي التوراة التي أنـزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى والإنجيل، إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريمَ قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه.

وإنما أخبرها بذلك فسَّماه لها، لأنها قد كانت علمت فيما نـزل من الكتب أن الله باعثٌ نبيًا، يوحى إليه كتابًا اسمه الإنجيل، فأخبرها الله عز وجل أن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي سَمعت بصفته الذي وعد أنبياءه من قبل أنه منـزل عليه الكتاب الذي يسمى إنجيلا هو الولد الذي وهبه لها وبشَّرها به.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: « ونعلمه الكتاب » ، قال: بيده.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ونعلمه الكتاب والحكمة » ، قال: الحكمة السنة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة في قوله: « ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل » ، قال: « الحكمة » السنة « والتوراة والإنجيل » ، قال: كان عيسى يقرأ التوراةَ والإنجيل.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « ونعلمه الكتاب والحكمة » ، قال: الحكمة السنة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: أخبرها - يعني أخبر الله مريم - ما يريد به فقال: « ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة » التي كانت فيهم من عهد موسى « والإنجيل » ، كتابًا آخر أحدثه إليه لم يكن عندهم علمه، إلا ذِكرُه أنه كائن من الأنبياء قبله.

 

القول في تأويل قوله : وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ورسولا » ، ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، فترك ذكر « ونجعله » لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر:

وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا

وقوله: « أني قد جئتكم بآية من ربكم » ، يعني: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل بأنه نبيّي وبشيري ونذيري وحجتي على صدقي على ذلك: « أني قد جئتكم بآية من ربكم » ، يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم » ، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم.

 

القول في تأويل قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: « ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم » ، ثم بين عن الآية ما هي، فقال: « أني أخلق لكم » .

فتأويل الكلام: ورسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم، بأنْ أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.

« والطير » جمع « طائر » .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل الحجاز: ( كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا ) ، على التوحيد.

وقرأه آخرون: ( كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ) ، على الجماع فيهما.

قال أبو جعفر: وأعجب القراءات إليّ في ذلك قراءة من قرأ: « كهيئة الطير فأنفخُ فيه فيكون طيرًا » ، على الجماع فيهما جميعًا، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخطّ المصحف. واتباعُ خطّ المصحف مع صحة المعنى واستفاضة القراءة به، أعجب إليّ من خلاف المصحف.

وكان خلق عيسى ما كان يخلق من الطير، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق: أنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: « كن طائرًا بإذن الله » ، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم، فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة.

وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطيرَ من الطين سألهم: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ فقيل له: الخفاش، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قوله: « أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير » ، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: « فأنفخ فيه » ، وقد قيل: « أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير » ؟

قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير. ولو كان ذلك: « فأنفخ فيها » . كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدة، فَتَنْفُخُ فِيهَا [ سورة المائدة: 110 ] : يريد: فتنفخ في الهيئة. وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين: « فأنفخها » ، بغير « في » . وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: « رب ليلة قد بتُّها، وبتُّ فيها » ، قال الشاعر:

مَـا شُـقَّ جَـيْبٌ وَلا قَـامَتْكَ نَائِحَـةٌ وَلا بَكَــتْكَ جِيَــادٌ عِنْـدَ أَسْـلابِ

بمعنى: ولا قامت عليك، وكما قال الآخر:

إحْـدَى بَنِـي عَيِّـذِ اللـهِ اسْـتَمَرَّ بِهَا حُـلْوُ العُصَـارَةِ حَـتَّى يُنْفَـخَ الصُّوَرُ

 

القول في تأويل قوله : وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « وأبرئ » ، وأشفي. يقال منه: « أبرأ الله المريض » ، إذا شفاه منه، « فهو يُبرئه إبراءً » ، و « بَرَأ المريض فهو يَبرَأ بَرْأ » ، وقد يقال أيضًا: « بَرئ المريض فهو يبرَأ » ، لغتان معروفتان.

واختلف أهل التأويل في معنى « الأكمه » .

فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بالليل، ويُبصر بالنهار.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وأبرئ الأكمه » ، قال: الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نحدَّثُ أن « الأكمه » ، الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين.

حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: « وأبرئ الأكمه والأبرص » ، قال: كنا نحدّث أن الأكمه الذي يولد وهو أعمى، مضموم العينين.

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الأكمه، الذي يولد وهو أعمى.

وقال آخرون: بل هو الأعمى.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وأبرئ الأكمه » ، هو الأعمى.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: الأعمى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وأبرئ الأكمه » ، قال: الأكمه الأعمى.

حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور عن الحسن في قوله: « وأبرئ الأكمه » ، قال: الأعمى.

وقال آخرون: هو الأعمش.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: « وأبرئ الأكمه » ، قال: الأعمش.

قال أبو جعفر: والمعروف عند العرب من معنى « الكمه » ، العَمى، يقال منه: « كمِهَت عينه فهي تَكْمَه كمهًا، وأكمهتها أنا » إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل:

كَــمَّهَتْ عَيْنَيْــهِ حَــتَّى ابْيَضّتَـا فَهْــوَ يَلْحَــى نَفْسَــهُ لَمَّـا نـزعْ

ومنه قول رؤبة:

هَرَّجْــتُ فَــارْتَدَّ ارْتِـدَادَ الأكْمَـهِ فِــي غَــائِلاتِ الحَــائِرِ المُتَهْتِـهِ

وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجًا منه بهذه العِبر والآيات عليهم في نبوته، وذلك أن: الكَمَه والبرص لا علاج لهما، فيقدرَ على إبرائه ذو طِبّ بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله: إنه لله رسول، لأنه من المعجزات، مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالةً على نبوته.

فأما ما قال عكرمة من أن « الكمه » ، العمش، وما قاله مجاهد: من أنه سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما. لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيلُ إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتجَّ به عيسى على بني إسرائيل في نبوته، أنه يبرئ الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، لقدروا على معارضته بأن يقولوا: « وما في هذا لك من الحجة، وفينا خَلقٌ ممن يعالج ذلك، وليسوا لله أنبياءَ ولا رسلا »

ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا، من أنّ « الأكمه » ، هو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلا ولا نهارًا. وهو بما قال قتادة: - من أنه المولود كذلك - أشبهُ، لأن علاجَ مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص.

 

القول في تأويل قوله : وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ

قال أبو جعفر: وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له، كما:-

حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معفل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله.

وأما قوله: « وأنبئكم بما تأكلون » ، فإنه يعني: وأخبرُكم بما تأكلون، مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه « وما تدّخرون » ، يعني بذلك: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه.

يعلمهم أنّ من حجته أيضًا على نبوّته مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره أنّ الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراءِ الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك عَلَمًا له على صدقه، وآيةً له على حقيقة قوله، من أنبيائه ورسله، وَمن أحبّ من خلقه إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجِّمة والمتكهِّنة تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيب؟

قيل: إن المتنجِّم والمتكهِّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك، أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه. ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج، ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه، من غير أصل تقدّم ذلك احتذاه، أو بنى عليه، أو فزع إليه، كما يفزَع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيِّه. فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذِّبة على الله، أو المدَّعية علم ذلك، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرًا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب، فيما يزعمون. فكان عند رجل من المكتِّبين يعلمه كما يعلّم الغلمان، فلا يذهب يعلمه شيئًا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرْملة، ما أذهب أعلّمه شيئًا إلا وحدته أعلمَ به منى! !

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي: لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان غلمان القرية التي كان فيها، فيحدّث الغلمان بما يصنع آباؤهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم. قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم » ، قال: كان عيسى ابن مريم، إذْ كان في الكتّاب، يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدَّخرون.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » ، قال: إن عيسى ابن مريم كان يقول للغلام في الكتّاب: « يا فلان، إن أهلكُ قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام، فتطعمني منه » ؟

قال أبو جعفر: فهكذا فعل الأنبياء وحججها، إنما تأتي بما أتت به من الحجج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل، على غير الوجه الذي يأتي به غيرها، بل من الوجه الذي يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قِبَل الله.

وبنحو ما قلناه في تأويل قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » ، قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه عيسى ابن مريم يقوله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء بن أبي رباح - يعني قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » - قال: الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » ، قال: « ما تأكلون » ، ما أكلتم البارحةَ من طعام، وما خبأتم منه.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي قال: كان - يعني عيسى ابن مريم - يحدّث الغلمان وهو معهم في الكتّاب بما يصنع آباؤهم، وبما يَرْفعون لهم، وبما يأكلون. ويقول للغلام: « انطلق، فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا » ، فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء. فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى! فذلك قول الله عز وجل: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر! فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليس هم هاهنا، فقال: ما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير. قال عيسى: كذلك يكونون! ففتحوا عنهم، فإذا هم خنازير. فذلك قوله: عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ سورة المائدة: 78 ] .

حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: « وما تدخرون في بيوتكم » ، قال: ما تخبأون مخافةَ الذي يمسك أن يخلفه.

وقال آخرون: إنما عنى بقوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » ، ما تأكلون من المائدة التي تنـزل عليكم، وما تدخرون منها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » ، فكان القومُ لما سألوا المائدةَ فكانت خِوانًا ينـزل عليه أينما كانوا ثمَرًا من ثمار الجنة، فأمر القوم أن لا يخونوا فيه ولا يخبئوا ولا يدخروا لغد، بلاءٌ ابتلاهم الله به. فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئًا أنبأهم به عيسى ابن مريم، فقال: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون » ، قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها. قال: فكان أخذ عليهم في المائدة حين نـزلتْ: أن يأكلوا ولا يدّخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادّخروا وخانوا، فذلك قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ سورة المائدة: 115 ] .

قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، معمر، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، ذلك.

وأصل « يدخرون » من « الفعل » ، « يفتعلون » من قول القائل: « ذخرتُ الشيء » بالذّال، « فأنا أذخره » . ثم قيل: « يدّخر » ، كما قيل: « يدَّكِرُ » من: « ذكرت الشيء » ، يراد به « يذتخر » . فلما اجتمعت « الذال » و « التاء » وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وصيرتا « دالا » مشددة، صيروها عَدْلا بين « الذال » و « التاء » . ومن العرب من يغلب « الذال » على « التاء » ، فيدغم « التاء » في « الذال » ، فيقول: وما تَذَّخِرون « ، » وهو مذّخَر لك « ، » وهو مُذَّكِر « . »

واللغة التي بها القراءةُ، الأولى، وذلك إدغام « الذال » في « التاء » ، وإبدالهما « دالا » مشددة. لا يجوز القراءة بغيرها، لتظاهر النقل من القرأة بها، وهي اللغة الجُودَى، كما قال زهير:

إنّ الكَــرِيمَ الَّــذِي يُعْطِيـكَ نَائِلَـهُ عَفْــوًا, وَيُظْلَــمُ أَحْيَانًــا فَيَظَّلِـمُ

يروى « بالظاء » ، يريد: « فيفتعل » من « الظلم » ، ويروى « بالطاء » أيضًا.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ، وإحيائي الموتى، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، ابتداءً من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة لعبرةً لكم ومتفكَّرًا، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم: « إني رسولٌ من ربكم إليكم » ، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق « إن كنتم مؤمنين » ، يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها.

 

القول في تأويل قوله : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقًا لما بين يديّ من التوراة، ولذلك نصب « مصدّقًا » على الحال من جِئْتُكُمْ .

والذي يدل على أنه نصب على قوله : جِئْتُكُمْ ، دون العطف على قوله: وَجِيهًا ، قوله: « لما بين يديّ من التوراة » . ولو كان عطفًا على قوله وَجِيهًا ، لكان الكلام: ومصدّقًا لما بين يديه من التوراة، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم.

وإنما قيل: « ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة » ، لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك. مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفَّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار.

حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ومصدقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حُرّم عليكم » ، كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب، وأشياء من الطير والحيتان.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم » ، قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى. قال: وكان حُرّم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة، لحومُ الإبل والثُّروب، فأحلها لهم على لسان عيسى - وحرّمت عليهم الشحوم، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى - وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صِيصِيَةَ له، وفي أشياء حرّمها عليهم، وشدّدها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى صلوات الله عليه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: « ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم » ، قال: لحوم الإبل والشحوم. لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « ومصدقًا لما بين يدىّ من التوراة » ، أي: لما سبقني منها - « ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم » ، أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته.

حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: « ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم » ، قال: كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم.

 

القول في تأويل قوله : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم. كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وجئتكم بآية من ربكم » ، قال: ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وجئتكم بآية من ربكم » ، ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها.

ويعني بقوله: « من ربكم » ، من عند ربكم.

 

القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بآية من ربكم تعلمون بها يقينًا صدقي فيما أقول « فاتقوا الله » ، يا معشرَ بني إسرائيل، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنـزله على موسى، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه « وأطيعون » ، فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم ربي وربكم، فاعبدوه، فإنه بذلك أرسلني إليكم، وبإحلال بعض ما كان محرّمًا عليكم في كتابكم، وذلك هو الطريق القويمُ، والهدى المتينُ الذي لا اعوجاج فيه، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم » ، تبرِّيًا من الذي يقولون فيه - يعني: ما يقول فيه النصارى - واحتجاجًا لربه عليهم « فاعبدوه هذا صراط مستقيم » ، أي: هذا الذي قد حملتُكم عليه وجئتكم به.

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: « إن الله ربي وربكم فاعبدوه » .

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) بكسر « ألف » « إنّ » على ابتداء الخبر.

وقرأه بعضهم: ( أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) ، بفتح « ألف » « أنّ » ، بتأويل: وجئتكم بآية من ربكم، أنّ الله ربي وربكم، على ردّ « أن » على « الآية » ، والإبدال منها.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا ما عليه قرأة الأمصار، وذلك كسر ألف « إن » على الابتداء، لإجماع الحجة من القرأة على صحة ذلك. وما اجتمعت عليه فحجةٌ، وما انفرد به المنفرد عنها فرأيٌ. ولا يعترضُ بالرأي على الحجة.

وهذه الآية وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجُّوه من أهل نجران، بإخبار الله عزّ وجل عن أن عيسى كان بريئًا مما نسبه إليه مَن نسبه إلى غير الذي وصفَ به نفسه، من أنه لله عبدٌ كسائر عبيده من أهل الأرض، إلا ما كان الله جل ثناؤه خصَّه به من النبوة والحجج التي آتاه دليلا على صدقه - كما آتى سائرَ المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم - وحُجةً على نبوته.

 

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « فلما أحسّ عيسى منهم الكفر » ، فلما وَجد عيسى منهم الكفر.

« والإحساس » ، هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [ سورة مريم: 98 ] .

فأما « الحَسُّ » ، بغير « ألف » ، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [ سورة آل عمران: 152 ] .

« والحَسُّ » أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت:

هَـلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ, أَوْ يُبْكِـيَ الـدَّارَ مَـاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ?

يعني بقوله: « أن تحس له » ، أن ترقّ له.

فتأويل الكلام: فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: « مَن أنصاري إلى الله » ؟، يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، والمولِّين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، « إلى الله » عز وجل؟

ويعني بقوله: « إلى الله » ، مع الله.

وإنما حَسُن أن يقال: « إلى الله » ، بمعنى: مع الله، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه، جعلوا مكان « مع » ، « إلى » أحيانًا، وأحيانًا تخبر عنهما بـ « مع » فتقول: « الذود إلى الذود إبل » ، بمعنى: إذا ضممتَ الذود إلى الذود صارت إبلا. فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه بـ « إلى » ، ولم يجعلوا مكان « مع » « إلى » .

غيرُ جائز أن يقال: « قدم فلانٌ وإليه مالٌ » ، بمعنى: ومعه مال.

وبمثل ما قلنا في تأويل قوله: « مَنْ أنصاري إلى الله » ، قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « من أنصاري إلى الله » ، يقول: مع الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « من أنصاري إلى الله » ، يقول: مع الله.

وأما سبب استنصار عيسى عليه السلام من استنصر من الحواريين، فإن بين أهل العلم فيه اختلافًا.

فقال بعضهم: كان سبب ذلك ما:-

حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما بعث الله عيسى، فأمره بالدعوة، نفتْه بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمُّه يسيحون في الأرض. فنـزل في قرية على رجل فضافَهم وأحسن إليهم. وكان لتلك المدينة ملك جبارٌ معتدٍ، فجاء ذلك الرجل يومًا وقد وقعَ عليه همٌّ وحزن، فدخل منـزله ومريم عند امرأته. فقالت مريم لها: ما شأن زوجك؟ أراه حزينًا! قالت: لا تسألي! قالت: أخبريني! لعل الله يُفرِّج كربته! قالت: فإن لنا ملكًا يجعل على كلّ رجل منا يومًا يُطعمه هو وجنودَه ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نَوبتُه اليوم الذي يريد أن نصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سعة! قالت: فقولي له لا يهتم، فإني آمر ابني فيدعُو له، فيُكْفَي ذلك. قالت مريم لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أمَّهْ، إني إن فعلت كان في ذلك شرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحسنَ إلينا وأكرمنا! قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك، فاملأ قُدُورك وخوَابيك ماء، ثم أعلمني. قال: فلما ملأهنَّ أعلمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدُور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قطّ وإياه طعامًا. فلما جاء الملك أكل، فلما شرب الخمرَ سأل: من أين هذه الخمر؟ قال له: هي من أرض كذا وكذا. قال الملك: فإنّ خمري أوتَي بها من تلك الأرض، فليس هي مثل هذه! قال: هي من أرض أخرى. فلما خلَّط على الملك اشتدّ عليه، قال: فأنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا اللهَ، فجعل الماءَ خمرًا. قال الملك وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرًا، ليُستجابَنّ له حتى يُحييَ ابني! فدعا عيسى فكلمه، فسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه، فقال عيسى: لا تفعلْ، فإنه إن عاش كان شرًا. فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه، فلا أبالي ما كان. فقال عيسى عليه السلام: فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب أينما شئنا؟ قال الملك: نعم. فدعا الله فعاش الغلام. فلما رآه أهل مملكته قد عاش، تنادَوْا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف ابنه، فيأكلنا كما أكلنا أبوه!! فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمُّه، وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: شاركني. فقال اليهودي: نعم. فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهوديّ يريد أن يأكلَ الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء! فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله. فلما أصبحا قال له عيسى: هلمَّ طعامك! فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. فسكت عنه عيسى، فانطلقوا، فمروا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرْنا شاةً من غنمك. قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها. فأرسل عيسى اليهوديّ، فجاء بالشاة فذبحوها وشوَوْها، ثم قال لليهودي: كل، ولا تكسِرنّ عظمًا. فأكلا. فلما شبعوا، قذفَ عيسى العظام في الجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله! فقامت الشاة تَثغُو، فقال: يا صاحبَ الغنم، خذ شاتك. فقال له الراعي: من أنتَ؟ فقال: أنا عيسى ابن مريم. قال: أنت الساحر! وفرّ منه. قال: عيسى لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدَما أكلناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلف كان معه إلا رغيف واحد، فمرُّوا بصاحب بَقر، فنادى عيسى فقال: يا صاحب البقر، أجزرنا من بَقرك هذه عجلا. قال: ابعث صاحبك يأخذه. قال: انطلق يا يهوديّ فجئ به. فانطلق فجاءَ به. فذبحه وشواه وصاحبُ البقر ينظر، فقال له عيسى: كلْ ولا تكسِرَن عظمًا. فلما فرغوا، قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه، وقال: قم بإذن الله. فقام وله خُوَارٌ، قال: خُذ عجلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السحَّار! ثم فر منه. قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه! قالَ عيسى: فبالذي أحيَى الشاة بعد ما أكلناها، والعجلَ بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا، حتى نـزلا قريةً، فنـزل اليهودي أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عَصا مثل عصا عيسى وقال: أنا الآنَ أحيي الموتى! وكان ملك تلك المدينة مريضًا شديد المرض، فانطلق اليهودي يُنادي: من يبتغي طبيبًا؟ حتى أتى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه. فقيل له: إن وجع الملك قد أعيَى الأطباء قبلك، ليس من طبيب يُداويه ولا يُفيء دواؤه شيئًا إلا أمر به فصلب. قال: أدخلوني عليه، فإني سأبرئه. فأدخل عليه فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت ويقول: قُم بإذن الله! فأخذ ليُصْلب، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم، أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم. فأحيى اللهُ الملكَ لعيسى، فقام وأنـزل اليهودي فقال: يا عيسى أنتَ أعظم الناس عليّ منةً، والله لا أفارقك أبدًا. قال عيسى فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي لليهودي: أنشُدك بالذي أحيى الشاة والعجلَ بعد ما أكلناهما، وأحيى هذا بعد ما مات، وأنـزلك من الجِذْع بعد ما رُفعت عليه لتصلب، كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس! فانطلقا، حتى مرّا على كنـز قد حفرته السباع والدواب، فقال اليهودي: يا عيسى، لمن هذا المال؟ قال عيسى: دعه، فإنّ له أهلا يهلكون عليه. فجعلت نفسُ اليهودي تَطلَّعُ إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى. ومرّ بالمال أربعة نَفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه، فقال: اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نحملُ عليها هذا المال. فانطلق الرجلان فابتاعا دوابّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سَمًّا، فإذا أكلا ماتا، فكان المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم! ففعلا. وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعامُ والدوابّ بيني وبينك. فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا. وأعْلِم ذلك عيسى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقتسمه، فأخرجه، فقسمه عيسى بين ثلاثة، فقال اليهودي: يا عيسى، اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت!! وما هذه الثلاثة؟ قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف. قال اليهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف، تعطيني هذا المال؟ فقال عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال: عيسى: خذ حظي وحظَّك وحظَّ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة. فلما حمله مَشى به شيئًا، فخُسِف به. وانطلق عيسى ابن مريم، فمر بالحواريِّين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك. فقال: أفلا تمشون حتى نصطادَ الناس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فآمنوا به وانطلقوا معه. فذلك قول الله عز وجل: « مَنْ أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصارُ الله آمنا بالله واشهدْ بأنا مسلمون » .

7122م - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: « فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله » ، الآية قال: استنصر فنصرَه الحواريون، وظهر عليهم.

وقال آخرون: كان سببُ استنصار عيسى من استنصرَ، لأن من استنصرَ الحواريِّين عليه كانوا أرادُوا قتله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: « فلما أحس عيسى منهم الكفر » ، قال: كفروا وأرادُوا قتله، فذلك حين استنصر قومه « قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصارُ الله » .

« والأنصار » ، جمع « نصير » ، كما « الأشراف » جمع « شريف » ، « والأشهاد » جمع « شهيد » .

وأما « الحواريون » ، فإن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي من أجله سموا « حواريون » .

فقال بعضهم: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: مما روى أبي قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: إنما سمُّوا « الحواريين » ، ببياض ثيابهم.

وقال آخرون: سموا بذلك: لأنهم كانوا قَصّارين يبيِّضون الثياب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأة قال: « الحواريون » ، الغسالون الذين يحوّرون الثياب، يغسلونها.

وقال آخرون: هم خاصّة الأنبياء وصفوتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، أن قتادة ذكرَ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان من الحواريين. فقيل له: من الحواريُّون؟ قال: الذين تصلح لهم الخلافة.

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله: « إذ قال الحواريون » ، قال: أصفِياء الأنبياء.

قال أبو جعفر: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى « الحواريين » ، قولُ من قال: « سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين » .

وذلك أن « الحوَر » عند العرب شدة البياض، ولذلك سمي « الحُوَّارَى » من الطعام « حُوّارَى » لشدة بياضه، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين « أحور » ، وللمرأة « حوراء » . وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكرنا، من تبييضهم الثيابَ، وأنهم كانوا قصّارين، فعرفوا بصحبة عيسى، واختياره إياهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا، فجرى ذلك الاسم لهم، واستُعمل، حتى صار كل خاصّة للرجل من أصحابه وأنصاره: « حواريُّه » ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم.

« إنّ لكلّ نبيَ حواريًّا، وَحوَاريَّ الزبير » .

يعني خاصته. وقد تسمي العرب النساء اللواتي مساكنهن القرَى والأمصار « حَوَاريَّات » ، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن، ومن ذلك قول أبي جَلْدة اليشكري:

فَقُــلْ لِلْحَوَارِيَّــاتِ يَبْكِـينَ غَيْرَنَـا وَلا تَبْكِنَــا إلا الكِــلابُ النَّــوابِحُ

ويعني بقوله: « قال الحواريون » ، قال هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا، من تبييضهم الثياب: « آمنا بالله » ، صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون.

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله عز وجل أن الإسلامَ دينُه الذي ابتعثَ به عيسى والأنبياءَ قبله، لا النصرانية ولا اليهوديةَ وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « فلما أحسّ عيسى منهم الكفر » والعدوان « قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله » ، وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضلَ من ربهم « واشهد بأنا مسلمون » ، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفدَ نصارَى نجران.