القول
في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ
لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ( 26 ) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ( 27 ) .
(
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ ) يقول:
ومن الليل فاسجد له في صلاتك، فسبحه ليلا طويلا يعني: أكثر الليل، كما قال جلّ
ثناؤه: قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا *
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ) يعني: الصلاة والتسبيح.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
بُكْرَةً وَأَصِيلا ) قال:
بكرة: صلاة الصبح، وأصيلا صلاة الظهر الأصيل.
وقوله: ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ
لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ) قال:
كان هذا أوّل شيء فريضة. وقرأ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا
قَلِيلا * نِصْفَهُ ، ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى
مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ... إلى قوله: فَاقْرَءُوا مَا
تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ... إلى آخر الآية، ثم قال: مُحِي هذا عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وعن الناس، وجعله نافلة فقال: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
نَافِلَةً لَكَ قال: فجعلها نافلة.
وقوله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ
الْعَاجِلَةَ ) يقول
تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين بالله يحبون العاجلة، يعني، الدنيا، يقول: يحبون
البقاء فيها وتعجبهم زينتها (
وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ) يقول: ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة، وما لهم فيه النجاة
من عذاب الله يومئذ، وقد تأوّله بعضهم بمعنى: ويذرون أمامهم يوما ثقيلا وليس ذلك
قولا مدفوعا، غير أن الذي قلناه أشبه بمعنى الكلمة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ) قال: الآخرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ
وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا ( 28
) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ( 29 ) .
يقول
تعالى ذكره: نَحْنُ خَلَقْنَا هؤلاء المشركين بالله المخالفين أمره ونهيه ( وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) : وشددنا خلقهم، من قولهم: قد
أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى: قد خلِقَ فأُحسِن خَلْقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) يقول: شددنا خلقهم.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) قال: خَلْقهم.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) : خَلْقهم.
حدثنا بن
عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال
آخرون: الأسْر: المفاصل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، سمعته - يعني: خلادا - يقول: سمعت
أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال: ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة،
هو أقرأني، وقال في هذه الآية (
وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) قال:
هي المفاصل.
وقال
آخرون: بل هو القوّة.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) قال: الأسر: القوّة.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب؛
ومنه قول الأخطل:
مِــنْ
كــلّ مُجْـتَنَبٍ شَـدِيدٍ أسْـرُه سَــلِسِ الْقِيــادِ تَخالُــهُ مُخْتــالا
ومنه قول
العامة: خذه بأسره: أي هو لك كله.
وقوله: ( وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا
أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا ) يقول:
وإذا نحن شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم أمثالهم من الخلق،
مخالفين لهم في العمل.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ
تَبْدِيلا ) قال:
بني آدم الذين خالفوا طاعة الله، قال: وأمثالهم من بني آدم.
قوله: ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ) يقول: إن هذه السورة تذكرة
لمن تذكر واتعظ واعتبر.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ) قال: إن هذه السورة تذكرة.
وقوله: ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلا ) يقول:
فمن شاء أيها الناس اتخذ إلى رضا ربه بالعمل بطاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ
يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( 31 )
.
يقول
تعالى ذكره: ( وَما
تَشاءُونَ ) اتخاذ
السبيل إلى ربكم أيها الناس ( إِلا
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) ذلك
لكم لأن الأمر إليه لا إليكم، وهو في قراءة عبد الله فيما ذُكر ( وَما تَشاءُونَ إِلا مَا
شَاءَ اللَّهُ ) .
وقوله ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا ) فلن
يعدو منكم أحد ما سبق له في علمه بتدبيركم.
وقوله: ( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي
رَحْمَتِهِ ) يقول:
يدخل ربكم من يشاء منكم في رحمته، فيتوب عليه حتى يموت تائبا من ضلالته، فيغفر له
ذنوبه، ويُدخله جنته (
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) يقول: الذين ظلموا أنفسهم،
فماتوا على شركهم، أعدّ لهم في الآخرة عذابا مؤلما موجعا، وهو عذاب جهنم. ونصب
قوله: (
والظَّالمِينَ ) لأن
الواو ظرف لأعدّ، والمعنى: وأعد للظالمين عذابا أليما. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد
الله: (
ولِلظَّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ ) بتكرير
اللام، وفد تفعل العرب ذلك، وينشد لبعضهم:
أقــولُ
لَهَــا إذا ســألَتْ طَلاقًـا إلامَ تُســـارِعينَ إلــى فِــرَاقي?
ولآخر:
فـأصْبَحْنَ
لا يسـأَلْنهُ عَـنْ بِمَـا بِـهِ أصَعَّـد فِـي غاوِي الهَوَى أمْ تَصَوَّبا?
بتكرير
الباء، وإنما الكلام لا يسألنه عما به.
آخر
تفسير سورة الإنسان.
تفسير سورة والمرسلات
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ( 1 )
فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ( 2 ) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ( 3 ) فَالْفَارِقَاتِ
فَرْقًا ( 4 ) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ( 5 ) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ( 6 ) .
اختلف
أهل التأويل في معنى قول الله: (
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) فقال
بعضهم: معنى ذلك: والرياح المرسلات يتبع بعضها بعضا، قالوا: والمرسَلات: هي
الرياح.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهَيل، عن أبي العُبيدين
أنه سأل ابن مسعود فقال: (
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال:
الريح.
حدثنا
خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل،
عن أبي العُبيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، فذكر نحوه.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن أبي العُبيدين،
قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر نحوه.
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) يعني:
الريح.
حدثنا
محمد بن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن إسماعيل
السدي، عن أبي صالح صاحب الكلبي في قوله: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: هي الرياح.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: الريح.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قال: ثنا
وكيع، عن سفيان، عن سَلَمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبيدين، قال: سألت
عبد الله عن (
المُرْسَلاتِ عُرْفا ) قال:
الريح.
ثنا بشر،
قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: هي الريح.
حدثنا
ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: والملائكة التي تُرسَل بالعرف.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، قال: كان مسروق يقول في
المرسلات: هي الملائكة.
حدثنا
إسرائيل بن أبي إسرائيل، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: ثنا شعبة، عن سليمان،
قال: سمعت أبا الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: الملائكة.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح ووكيع عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: هي الرسل ترسل بالعُرف.
حدثنا
عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا
صالح عن قوله: (
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال:
هي الرسل ترسل بالمعروف؛ قالوا: فتأويل الكلام: والملائكة التي أرسلت بأمر الله
ونهيه، وذلك هو العرف.
وقال
بعضهم: عُني بقوله (
عُرْفا ) :
متتابعا كعرف الفرس، كما قالت العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا إليه
فأكثروا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثت عن
داود بن الزبرقان، عن صالح بن بريدة، في قوله: ( عُرْفا ) قال:
يتبع بعضها بعضا.
والصواب
من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عرفا، وقد ترسل
عُرْفا الملائكة، وترسل كذلك الرياح، ولا دلالة تدلّ على أن المعنيّ بذلك أحد
الحِزْبين دون الآخر، وقد عمّ جلّ ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكلّ من
كان صفته كذلك، فداخل في قسمه ذلك مَلَكا أو ريحا أو رسولا من بني آدم مرسلا.
وقوله: ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) يقول جلّ ذكره: فالرياح
العاصفات عصفا، يعني: الشديدات الهبوب السريعات الممرّ.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد، عن عُرْعرة أن رجلا قام إلى عليّ
رضي الله عنه، فقال: ما العاصفات عصفا؟ قال: الريح.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين
أنه سأل عبد الله بن مسعود، فقال: ما العاصفات عصفا؟ قال: الريح.
حدثنا
خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سلمة بن كهيل،
عن أبي العُبيدين، عن عبد الله، مثله.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي
العُبيدين قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر مثله.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي
العُبيدين، قال: سألت عبد الله، فذكر مثله.
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قال: (
فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال:
الريح.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال: هي الرياح.
حدثنا
عبد الحميد بن بَيَان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل قال: سألت أبا صالح
عن قوله: (
فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال:
هي الرياح.
حدثنا
محمد بن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن إسماعيل
السدي عن أبي صالح صاحب الكلبي، في قوله: ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال: هي الرياح.
حدثنا
إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو معاوية الضرير وسعيد بن محمد، عن إسماعيل
بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال: هي الريح.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.
قال: ثنا
وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ رضي الله عنه ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال: الريح.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ) قال: الرياح.
حدثنا
ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقوله: ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) اختلف أهل التأويل في تأويل
ذلك، فقال بعضهم: عُني بالناشرات نَشْرًا: الريح.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي العُبيدين
أنه سأل ابن مسعود عن (
النَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال:
الريح.
حدثنا
خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، عن سَلَمة بن
كهيل، عن أبي العُبيدين، عن ابن مسعود، مثله.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن أبي العُبيدين،
قال: سألت عبد الله بن مسعود، فذكر مثله.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سَلَمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي
العُبيدين، قال: سألت عبد الله، فذكر مثله.
قال: ثنا
وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال: الريح.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا
ابن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن إسماعيل
السدي، عن أبي صالح صاحب الكلبي، في قوله: ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال: هي الرياح.
حدثنا
ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال: الرياح.
وقال
آخرون: هي المطر.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
عبد الحميد بن بيان، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح، عن
قوله: (
وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال
المطر.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال: هي المطر.
قال: ثنا
وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.
وقال
آخرون: بل هي الملائكة التي تنشرُ الكتب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح ( وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ) قال: الملائكة تنشرُ الكتب.
وأولى
الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشرا،
ولم يَخْصُص شيئا من ذلك دون شيء، فالريح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض،
والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض
دون بعض، فذلك على كل ما كان ناشرا.
وقوله: ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ) اختلف أهل التأويل في معناه،
فقال بعضهم: عُنِي: بذلك: الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ) قال: الملائكة.
قال: ثنا
وكيع، عن إسماعيل، عن أبي صالح (
فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ) قال:
الملائكة.
قال: ثنا
وكيع، عن إسماعيل، مثله.
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ) قال: الملائكة.
وقال
آخرون: بل عُنِي بذلك القرآن.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ) يعني القرآن ما فرق الله فيه بين الحقّ والباطل.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالفارقات، وهي الفاصلات بين الحق
والباطل، ولم يخصص بذلك منهنّ بعضا دون بعض، فذلك قَسَم بكلّ فارقة بين الحقّ
والباطل، مَلَكا كان أو قرآنا، أو غير ذلك.
وقوله: ( فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ) يقول: فالمبلِّغات وحي الله
رسله، وهي الملائكة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني محمد
بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ) يعني: الملائكة.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ) قال: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه.
حدثنا ابن
عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ) قال: الملائكة تلقي القرآن.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ) قال: الملائكة.
وقوله: ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يقول تعالى ذكره: فالملقيات
ذكرا إلى الرسل إعذارا من الله إلى خلقه، وإنذارا منه لهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) قال: عذرًا من الله، ونُذْرا
منه إلى خلقه.
حدثنا بشر،
قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) : عذرا لله على خلقه، ونذرًا للمؤمنين ينتفعون به، ويأخذون
به.
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ) يعني: الملائكة.
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض المكيين وبعض
الكوفيين: (
عُذْرًا )
بالتخفيف، أو نُذْرا بالتثقيل: وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين
بتخفيفهما، وقرأه آخرون من أهل البصرة بتثقيلهما والتخفيف فيهما أعجب إليّ وإن لم
أدفع صحة التثقيل لأنهما مصدران بمعنى الإعذار والإنذار.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا تُوعَدُونَ
لَوَاقِعٌ ( 7 ) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 8 ) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (
9 ) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( 10 ) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ( 11 )
لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا
يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) .
يقول
تعالى ذكره: والمرسلات عرفا، إن الذي توعدون أيها الناس من الأمور لواقع، وهو كائن
لا محالة، يعني بذلك يوم القيامة، وما ذكر الله أنه أعدّ لخلقه يومئذ من الثواب
والعذاب.
وقوله: ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ
) يقول:
فإذا النجوم ذهب ضياؤها، فلم يكن لها نور ولا ضوء ( وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ
) يقول:
وإذا السماء شقِّقت وصدّعت (
وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ) يقول:
وإذا الجبال نسفت من أصلها، فكانت هباء منبثا ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) يقول تعالى ذكره: وإذا الرسل
أجلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) يقول:
جمعت.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( أُقِّتَتْ ) قال: أُجِّلَتْ.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
) قال:
أجلت.
حدثنا
أبو كُريب، قال: ثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، جميعا عن سفيان، عن
منصور عن إبراهيم (
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) قال:
أُوعِدَت.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
) قال:
أُقتت ليوم القيامة، وقرأ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ قال: والأجل:
الميقات، وقرأ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ
وَالْحَجِّ ، وقرأ: إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قال: إلى يوم القيامة، قال:
لهم أجل إلى ذلك اليوم حتى يبلغوه.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
) قال:
وعدت.
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة غير أبي جعفر، وعامة قرّاء
الكوفة: (
أُقِّتَتْ ) بالألف
وتشديد القاف، وقرأه بعض قرّاء البصرة بالواو وتشديد القاف ( وُقِّتَتْ ) وقرأه أبو جعفر ( وُقِتَتْ ) بالواو وتخفيف القاف.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن كل ذلك قراءات معروفات ولغات مشهورات بمعنى واحد،
فبأيتها قرأ القارئ فمصيب، وإنما هو فُعِّلَتْ من الوقت، غير أن من العرب من
يستثقل ضمة الواو، كما يستثقل كسرة الياء في أوّل الحرف فيهمزها، فيقول: هذه أجوه
حسان بالهمزة، وينشد بعضهم:
يَحُـــل
أحِــيدَهُ ويُقــالُ بَعْــلٌ ومِثْـــلُ تَمَــوُّلٍ مِنْــهُ افْتِقــارُ
وقوله: ( لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ) يقول تعالى ذكره مُعَجِّبًا
عباده من هول ذلك اليوم وشدّته: لأيِّ يوم أجِّلت الرسل ووقِّتت، ما أعظمه وأهوله؛
ثم بين ذلك: وأيّ يوم هو؟ فقال: أجلت ( لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) يقول: ليوم يفصل الله فيه بين خلقه القضاء، فيأخذ للمظلوم
من الظالم، ويجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) يوم يفصل فيه بين الناس بأعمالهم
إلى الجنة وإلى النار.
وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ
الْفَصْلِ ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأيّ شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل،
معظما بذلك أمره، وشدّة هوله.
كما
حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ
الْفَصْلِ ) تعظيما
لذلك اليوم.
وقوله: ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ) يقول
تعالى ذكره: الوادي الذي يسيل في جهنم من صديد أهلها للمكذّبين بيوم الفصل.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ويل والله طويل.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ
( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ( 17 ) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) .
يقول تعالى
ذكره: ألم نهلك الأمم الماضين الذين كذّبوا رسلي، وجحدوا آياتي من قوم نوح وعاد
وثمود، ثم نتبعهم الآخرين بعدهم، ممن سلك سبيلهم في الكفر بي وبرسولي، كقوم
إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب مدين، فنهلكهم كما أهلكنا الأوّلين قبلهم، ( كَذَلِكَ نَفْعَلُ
بِالْمُجْرِمِينَ ) يقول
كما أهلكنا هؤلاء بكفرهم بي، وتكذيبهم برسلي، كذلك سنتي في أمثالهم من الأمم
الكافرة، فنهلك المجرمين بإجرامهم إذا طغوا وبغوا ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ) بأخبار
الله التي ذكرناها في هذه الآية، الجاحدين قُدرته على ما يشاء.