القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنـزل الله، أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم تقدمه قبله « أمنة » ، وهي الأمان، على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك.

ثم بين جل ثناؤه، عن « الأمنة » التي أنـزلها عليهم، ما هي؟ فقال « نعاسًا » ، بنصب « النعاس » على الإبدال من « الأمنة » .

ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: « يغشى » .

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: ( يَغْشَى ) .

وقرأ جماعة من قرأة الكوفيين بالتأنيث: ( تَغْشَى ) بالتاء.

وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير، إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمَنة، فذكَّره بتذكير « النعاس » .

وذهب الذين قرأوا ذلك بالتأنيث، إلى أنّ الأمَنة هي التي تغشاهم فأنثوه لتأنيث « الأمنة » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير مختلفتين في معنى ولا غيره. لأن « الأمنة » في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس هو الأمنة. فسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته. وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [ سورة الدخان: 43- 45 ] و أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [ سورة القيامة: 37 ] ، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ [ سورة مريم: 25 ] . .

فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فأمِنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمَّت الأخرى أنفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟

قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا من قابلٍ، فقال نعم! نعم! فتخوف المسلمون أن ينـزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: « انظر، فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم، فإن القوم ينـزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا » ووطَّنهم على القتال. فلما أبصرهم الرسولُ قعدوا على الأثقال سراعًا عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم. فلما رأى المؤمنون ذلك صدَّقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا، وبقى أناس من المنافقين يظنون أنّ القوم يأتونهم. فقال الله جل وعز، يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: « ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحقّ ظن الجاهلية » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: أمَّنهم يومئذ بنعاس غشَّاهم. وإنما ينعُسُ من يأمن « يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن أنـزل عليه النعاس يوم أحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارًا قال أبو جعفر: يعني سوطه، أو سيفه.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، فجعلت ما أرى أحدًا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس. .

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن صبَّ عليه النعاس يوم أحد.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: عن أبي طلحة: أنه كان يومئذ ممن غشِيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه، من النعاس.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، عن أنس: أن أبا طلحة حدثهم: أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، ويسقط والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همَّة إلا أنفسهم، « يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية » ، الآية كلها.

حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال، حدثنا ضرار بن صُرد قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عز وجل: « ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمَنةً نعاسًا » . قال: ألقي علينا النوم يوم أحد.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا » ، الآية، وذاكم يوم أحد، كانوا يومئذ فريقين، فأما المؤمنون فغشّاهم الله النعاس أمنةً منه ورحمة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: « أمنة نعاسًا » ، قال: ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنةً لهم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال، قال عبد الله: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا » ، قال: أنـزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيامٌ لا يخافون.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « أمنة نعاسًا » ، قال: ألقى الله عليهم النعاس، فكان « أمنة لهم » . وذكر أن أبا طلحة قال: ألقي عليًّ النعاس يومئذ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة وهشام بن عروة، عن عروة، عن الزبير، أنهما قالا لقد رفعنا رءوسنا يوم أحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته. قال: وتلا هذه الآية: « ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاسًا » .

 

القول في تأويل قوله : وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: « وطائفة منكم » ، أيها المؤمنون « قد أهمتهم أنفسهم » ، يقول: هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء. كالذي:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبُه وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظنونًا كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « وطائفة قد أهمتهم أنفسهم » ، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبةٌ.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وطائفة قد أهمتهم أنفسهم » إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون.

وأما قوله: « ظنّ الجاهلية » ، فإنه يعني أهل الشرك. كالذي:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ظنّ الجاهلية » ، قال: ظن أهل الشرك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: « ظن الجاهلية » ، قال: ظن أهل الشرك.

قال أبو جعفر: وفي رفع قوله: « وطائفة » ، وجهان.

أحدهما، أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: « قد أهمتهم » .

والآخر: بقوله: « يظنون بالله غير الحق » ، ولو كانت منصوبة كان جائزًا، وكانت « الواو » ، في قوله: « وطائفة » ، ظرفًا للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [ سورة الذاريات: 47 ] .

 

القول في تأويل قوله : يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا

قال أبو جعفر: يعني بذلك الطائفة المنافقةَ التي قد أهمَّتهم أنفسهم، يقولون: ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله!.

وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: « إن الأمر كله لله » ، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ.

ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال: « يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك » يقول: يخفي، يا محمد، هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم، في أنفسهم من الكفر والشك في الله، ما لا يبدون لك. ثم أظهر نبيَّه صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرًا عن قيلهم الكفرَ وإعلانهم النفاقَ بينهم: « يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا » ، يعني بذلك، أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد.

وذكر أن ممن قال هذا القول، معتّب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف.

*ذكر الخبر بذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، قال، قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا!

حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، بمثله.

قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ ) ، بنصب « الكل » على وجه النعت لـ « الأمر » والصفة له.

وقرأه بعض قرأة أهل البصرة: ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) برفع « الكل » ، على توجيه « الكل » إلى أنه اسم، وقوله « لله » خبره، كقول القائل: « إن الأمر بعضه لعبد الله » .

وقد يجوز أن يكون « الكل » في قراءة من قرأه بالنصب، منصوبًا على البدل.

قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا، النصبُ في « الكل » لإجماع أكثر القرأة عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية. ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القرأة، لكانت سواءً عندي القراءةُ بأيِّ ذلك قرئ، لاتفاق معاني ذلك بأيَ وجهيه قرئ.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 154 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهرَ للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شككم في دينكم « لبرز الذين كُتب عليهم القتل » ، يقول: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه، من قد كتب عليه القتل منهم، ولخرج من بيته إليه حتى يصرع في الموضع الذي كُتب عليه أن يصرع فيه. .

وأما قوله: « وليبتلي الله ما في صدوركم » ، فإنه يعني به: وليبتلي الله ما في صدوركم، أيها المنافقون، كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم.

ويعني بقوله: « وليبتلي الله ما في صدوركم » ، وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين.

وقد دللنا فيما مضى على أنّ معاني نظائر قوله: « ليبتلي الله » و لِيَعْلَمَ اللَّهُ وما أشبه ذلك، وإن كان في ظاهر الكلام مضافًا إلى الله الوصف به، فمرادٌ به أولياؤه وأهل طاعته وأنّ معنى ذلك: وليختبر أولياءُ الله، وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، [ فيميّزوكم ] من أهل الإخلاص واليقين « وليمحص ما في قلوبكم » ، يقول وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية.

« والله عليم بذات الصدور » ، يقول: والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر، وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ذكر الله تلاومَهم - يعني: تلاوم المنافقين - وحسرتهم على ما أصابهم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل: « لو كنتم في بيوتكم » ، لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذي كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلي به ما في صدوركم « وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور » ، أي لا يخفى عليه ما في صدورهم، مما اسْتَخْفَوْا به منكم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: سئل عن قوله: « قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم » ، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين ولَّوا عن المشركين، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم.

وقوله: « تولَّوا » ، « تفعَّلوا » ، من قولهم: « ولَّى فلان ظهره » .

وقوله: « يوم التقى الجمعان » ، يعني: يوم التقى جمعُ المشركين والمسلمين بأحد « إنما استزلهم الشيطان » ، أي: إنما دعاهم إلى الزّلة الشيطانُ.

وقوله « استزل » « استفعل » من « الزلة » . و « الزلة » ، هي الخطيئة.

« ببعض ما كسبوا » ، يعني ببعض ما عملوا من الذنوب . « ولقد عفا الله عنهم » ، يقول: ولقد تجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه « إن الله غفور » ، يعني به: مغطّ على ذنوب من آمن به واتبع رسوله، بعفوه عن عقوبته إياهم عليها « حليم » ، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة.

ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عُنوا بهذه الآية.

فقال بعضهم: عني بها كلُّ من ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأحد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ « آل عمران » ، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: « إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، قال: لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنـزو كأنني أرْوَى، والناس يقولون: « قُتل محمد » ! فقلت: لا أجد أحدًا يقول: « قتل محمد » ، إلا قتلته!. حتى اجتمعنا على الجبل، فنـزلت: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، الآية كلها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنـزل الله عز وجل ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، الآية، فذكر نحو قول قتادة.

وقال آخرون: بل عني بذلك خاصٌّ ممن ولَّى الدبر يومئذ، قالوا: وإنما عنى به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، الآية.

وقال آخرون: بل نـزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة قوله: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان » ، قال: نـزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر قال ابن جريج: وقوله: « إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم » ، إذ لم يعاقبهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار- حتى بلغوا الجلْعَب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً!!

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: « إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا » الآية، والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، الأنصاريان، ثم الزّرَقَّيان .

وأما قوله: « ولقد عفا الله عنهم » ، فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم. كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: « ولقد عفا الله عنهم » ، يقول: « ولقد عفا الله عنهم » ، إذ لم يعاقبهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله في تولِّيهم يوم أحد: « ولقد عفا الله عنهم » ، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟.

وقد بينا تأويل قوله: « إن الله غفور حليم » ، فيما مضى.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر « إذا ضربوا في الأرض » فخرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة « أو كانوا غُزًّى » ، يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم « لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا » ، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا « ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » ، يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده.

وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم » الآية، قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: « وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى » ، قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم » الآية، أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتلوا.

وأما قوله: « إذا ضربوا في الأرض » ، فإنه اختلف في تأويله. فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إذا ضربوا في الأرض » ، وهي التجارة.

وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « إذا ضربوا في الأرض » ، الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله.

وأصل « الضرب في الأرض » ، الإبعاد فيها سيرًا.

وأما قوله: « أو كانوا غُزًّى » ، فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله.

و « الغزَّى » جمع « غاز » ، جمع على « فعَّل » كما يجمع « شاهد » « شهَّد » ، و « قائل » « قول » ،. وقد ينشد بيت رؤبة:

فــاليوم قَــدْ نَهْنَهِنــي تَنَهْنُهِــي وَأوْلُ حِــــلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَــــفَّهِ

وَقُوَّلٌ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ

وينشد أيضًا:

وقَوْلُهُمْ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ *

وإنما قيل: « لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى » ، فأصحبَ ماضي الفعل، الحرفَ الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل: « وقالوا لإخوانهم » ، ثم قيل: « إذا ضربوا » ، وإنما يقال في الكلام: « أكرمتك إذْ زرتني » ، ولا يقال: « أكرمتك إذا زرتني » . لأن « القول » الذي في قوله: « وقالوا لإخوانهم » ، وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل. وذلك أن العرب تذهب بـ « الذين » مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة « من » و « ما » ، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جميعهنّ أشياء مجهولات غير موقتات توقيت « عمرو » و « زيد » . .

فلما كان ذلك كذلك وكان صحيحًا في الكلام فصيحًا أن يقال للرجل: « أكرمْ من أكرمك » « وأكرم كل رجل أكرمك » ، فيكون الكلام خارجًا بلفظ الماضي مع « من » ، و « كلٍّ » ، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، إذ كان الموصوف بالفعل غير مؤقت، وكان « الذين » في قوله: « لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض » ، غير موقَّتين، أجريت مجرى « من » و « ما » في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء، وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في « ما » :

وإنّــي لآتِيكُـمْ تَشَـكُّرَ مَـا مَضَـى مِـنَ الأمْـرِ واسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ

فقال: « ما كان في غد » ، وهو يريد: ما يكون في غد. ولو كان أراد الماضي لقال: « ما كان في أمس » ، ولم يجز له أن يقول: « ما كان في غد » .

ولو كان « الذي » موقَّتًا، لم يجز أن يقال ذلك. خطأ أن يقال: « لتُكرِمن هذا الذي أكرمك إذا زرته » ، لأن « الذي » ههنا موقّت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام « هذا » ، لكان جائزًا فصيحًا، لأن « الذي » يصير حينئذ مجهولا غير موقت. ومن ذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ سورة الحج: 25 ] فردّ « يصدون » على « كفروا » ، لأن « الذين » غير موقتة. فقوله: « كفروا » ، وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [ سورة مريم: 60 ] وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [ سورة المائدة: 34 ] ، معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم وإلا من يتوب ويؤمن. ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير، والعلة في كل ذلك واحدة. .

وأما قوله: « ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » ، فإنه يعني بذلك: حزنًا في قلوبهم، كما:-

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « في قلوبهم » ، قال: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » ، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 156 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( والله يحيي ويميت ) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.

وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين.

ثم قال جل ثناؤه: « والله بما تعملون بصيرٌ » ، يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « والله يحيي ويميت » ، أي: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 )

قال أبو جعفر: يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين، يقول لهم: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتِلوا أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته. ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمةَ، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله وقتلا في الله، خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حُطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويتأخرون عن لقاء العدو، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون » ، أي: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل، خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة. .

قال أبو جعفر: وإنما قال الله عز وجل: « لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون » ، وابتدأ الكلام: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ بحذف جواب « لئن » ، لأن في قوله: « لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون » معنى جواب للجزاء، وذلك أنه وَعدٌ خرج مخرج الخبر.

فتأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم، ليغفرن الله لكم وليرحمنّكم فدلّ على ذلك بقوله: « لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون » ، وجمع مع الدلالة به عليه، الخبَرَ عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا وما يجمعون فيها.

وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أنه إن قيل: كيف يكون: « لمغفرة من الله ورحمة » جوابًا لقوله: « ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم » ؟ فإن الوجه فيه أن يقال فيه كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم فذلك لكم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك في سبيلي، فقال: « لمغفرة من الله ورحمة » يقول: لذلك خير مما تجمعون، يعني: لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون.

ودخلت اللام في قوله: « لمغفرة من الله » ، لدخولها في قوله: و « لئن » ، كما قيل: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ [ سورة الحشر: 12 ]