القول
في تأويل قوله : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 )
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: «
فانقلبوا بنعمة من الله » ،
فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، من وجههم الذي
توجَّهوا فيه - وهو سيرهم في أثر عدوهم- إلى حمراء الأسد « بنعمة من الله » ، يعني: بعافية من ربهم، لم
يلقوا بها عدوًّا. « وفضل » ، يعني: أصابوا فيها من
الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، الأجر الذي اكتسبوه : « لم يمسسهم سوء » يعني: لم ينلهم بها مكروه من
عدوّهم ولا أذى «
واتبعوا رضوان الله » ، يعني
بذلك: أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر
العدوّ، وطاعتهم « والله
ذو فضل عظيم » ، يعني:
والله ذو إحسان وطَوْل عليهم - بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم،
وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم- بنعمه « عظيم » عند من
أنعم به عليه من خلقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فانقلبوا بنعمة من الله وفضل
» ، قال:
والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال، وافقوا
السوق فابتاعوا، وذلك قوله: «
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل » . قال:
الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر قال ابن جريج: ما أصابوا من البيع نعمة من الله
وفضل، أصابوا عَفْوه وغِرَّته لا ينازعهم فيه أحد قال: وقوله: « لم يمسسهم سوء » ، قال: قتل « واتبعوا رضوان الله » ، قال: طاعة النبيّ صلى الله
عليه وسلم.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « والله ذو فضل عظيم » ، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم.
حدثنا
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس
قال: أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد، « فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان
الله والله ذو فضل عظيم » .
حدثنا
محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أعطي رسول الله صلى الله
عليه وسلم - يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى- ببدر دراهم، ابتاعوا بها من موسم
بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: « فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان
الله » . أما « النعمة » فهي العافية، وأما « الفضل » فالتجارة، و « السوء » القتل.
القول
في تأويل قوله : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ
يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ
قال أبو
جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه
على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين - أبي سفيان وأصحابه من
قريش- لترهبوهم، وتجبنوا عنهم، كما:-
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « إنما ذلكم الشيطان يخوّف
أولياءه » ، يخوف
والله المؤمنَ بالكافر، ويُرهب المؤمن بالكافر.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: « إنما ذلكم الشيطان يخوّف
أولياءه » ، قال:
يخوّف المؤمنين بالكفار.
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
« إنما
ذلكم الشيطان يخوف أولياءه » ، يقول:
الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه » ، أي: أولئك الرهط، يعني النفر
من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقى
الشيطان على أفواههم « يخوّف
أولياءه » ، أي:
يرهبكم بأوليائه.
حدثني
يونس قال، أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير مولى قريش، عن سالم الأفطس في
قوله: « إنما
ذلكم الشيطان يخوف أولياءه » ، قال:
يخوفكم بأوليائه.
وقال
آخرون: معنى ذلك، إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين، أيها المنافقون، في
أنفسكم فتخافونه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر أمر المشركين وعِظمهم
في أعين المنافقين فقال: « إنما
ذلكم الشيطان يخوف أولياءه » ، يعظم
أولياءه في صدوركم فتخافونه.
قال أبو
جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: « يخوف
أولياءه » ؟ وهل
يخوف الشيطان أولياءه؟ [
وكيف ] قيل إن
كان معناه يخوّفكم بأوليائه « يخوف
أولياءه » ؟ قيل:
ذلك نظير قوله: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا [ سورة الكهف: 2 ] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما
ينذر به.
وقد كان
بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل:
« هو
يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب » ،
بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.
قال أبو
جعفر: وليس الذي شبه [ من ] ذلك بمشتبه، لأن « الدراهم » في قول القائل: « هو يعطي الدراهم » ، معلوم أن المعطَى هي « الدراهم » ، وليس كذلك « الأولياء » - في قوله: « يخوف أولياءه » - مخوَّفين، بل التخويف من
الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.
القول
في تأويل قوله : فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 )
قال أبو
جعفر: يقول: فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا
ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر
والظفر، ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا « إن كنتم مؤمنين » ، يقول: ولكن خافونِ دون
المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به
من عندي.
القول
في تأويل قوله : وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا
قال أبو
جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على
أعقابهم من أهل النفاق، فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ
مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير
ضارَّته. كما:-
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: « ولا يحزنك الذين يسارعون في
الكفر » ، يعني:
أنهم المنافقون.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر » ، أي: المنافقون.
القول
في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَلا
يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 176 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر،
نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما
حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار. وقال ابن إسحاق
في ذلك بما:-
حدثني
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة » ، أن يُحبط أعمالهم.
القول
في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ
بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 177 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه صلى الله عليه وسلم
فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء
الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر
بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم
شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها
به.
وإنما حث
الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص
اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه
ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه
بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره
ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، كما:-
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان » ، أي: المنافقين « لن يضروا الله شيئًا ولهم
عذاب أليم » ، أي:
موجع.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم
المنافقون.
القول
في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ
لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 178 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند
الله ، أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم.
ويعني بـ
«
الإملاء » ،
الإطالة في العمر، والإنساء في الأجل، ومنه قوله جل ثناؤه: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
[
سورة مريم: 46 ] أي:
حينًا طويلا ومنه قيل: « عشتَ
طويلا وتملَّيت حبيبًا » . « والملا » نفسه الدهر، « والملوان » ، الليل والنهار، ومنه قول
تميم بن مقبل:
أَلا يَــا
دِيَــارَ الحَــيِّ بِالسَّـبُعَانِ أَمَــلَّ عَلَيْهَــا بِــالبِلَى
المَلَــوَانِ
يعني: بـ
«
الملوان » ، الليل
والنهار.
وقد
اختلفت القرأة في قراءة قوله: « ولا
تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم » .
فقرأ ذلك
جماعة منهم: ( وَلا
يَحْسَبَنَّ )
بالياء، وبفتح « الألف
» من
قوله: «
أَنَّمَا » ، على
المعنى الذي وصفتُ من تأويله.
وقرأه
آخرون: ( وَلا
تَحْسَبَنَّ ) بالتاء
و «
أَنَّمَا » أيضا
بفتح « الألف
» من « أنما » ، بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد،
الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.
فإن قال
قائل: فما الذي من أجله فتحت « الألف
» من
قوله: « أنما » في قراءة من قرأ بالتاء، وقد
علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت « تحسبن » ، في « الذين كفروا » ، وإذا أعملتها في ذلك، لم يجز
لها أن تقع على « أنما » لأن « أنما » إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل في
شيئين نصبًا؟
قيل: أما
الصواب في العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر « إن » إذا قرئت « تحسبن » بالتاء، لأن « تحسبن » إذا قرئت بالتاء فإنها قد نصبت
« الذين
كفروا » ، فلا
يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسمًا، في « أن » . ولكني
أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء في « تحسبن
» وفتح
الألف من « أنما » ، إنما أراد تكرير تحسبن على « أنما » ، كأنه قصد إلى أنّ معنى
الكلام: ولا تحسبن، يا محمد أنت، الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خيرٌ
لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ
بَغْتَةً [
سورة محمد: 18 ]
بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. وذلك وإن كان وجهًا
جائزًا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.
قال أبو
جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا ) بالياء
من « يحسبن
» ، وبفتح
الألف من « أنما » ، على معنى الحسبان للذين
كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في « أنما » نصبًا لأن « يحسبن » حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه،
وهي تطلب منصوبين.
وإنما
اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح « الألف » من « أنما » الأولى، فدل ذلك على أن
القراءة الصحيحة فى « يحسبن
» بالياء
لما وصفنا.
وأما ألف
« إنما » الثانية، فالكسر على الابتداء،
بإجماع من القرأة عليه:
وتأويل
قوله: « إنما
نُملي لهم ليزدادوا إثمًا » ، إنما
نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثمًا، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر « ولهم عذاب مهين » ، يقول: ولهؤلاء الذين كفروا
بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة.
وبنحو ما
قلنا في ذلك جاء الأثر.
حدثنا
محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن
الأسود قال، قال عبدالله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. وقرأ: « ولا يحسبن الذين كفروا أنما
نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا » ، وقرأ: نُزُلا مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [ سورة آل عمران: 198 ] .
القول
في تأويل قوله : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ
قال أبو
جعفر: يعني بقوله: « ما كان
الله ليذر المؤمنين » ، ما
كان الله ليدع المؤمنين « على ما
أنتم عليه » من
التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا « حتى يميز الخبيث من الطيب » ، يعنى بذلك: « حتى يميز الخبيث » وهو المنافق المستسرُّ للكفر « من الطيب » ، وهو المؤمن المخلص الصادق
الإيمان، بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أحد عند لقاء العدوّ عند خروجهم
إليهم.
واختلف
أهل التأويل في « الخبيث
» الذي
عنى الله بهذه الآية.
فقال
بعضهم فيه، مثل قولنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول
الله: « ما كان
الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب » ، قال: ميز بينهم يوم أحد،
المنافقَ من المؤمن.
حدثنا القاسم
قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز
الخبيث من الطيب » ، قال:
ابن جريج، يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم
أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز
الخبيث من الطيب » ، أي:
المنافقين.
وقال
آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا بشر
قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه » ، يعني الكفار. يقول: لم يكن
الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: « حتى يميز الخبيث من الطيب » ، يميز بينهم في الجهاد والهجرة.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « حتى يميز الخبيث من الطيب » ، قال: حتى يميز الفاجر من
المؤمن.
حدثنا
محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، « ما كان الله ليذر المؤمنين
على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب » قالوا: « إن كان
محمدٌ صادقًا، فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر » !! فأنـزل الله: « ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز
الخبيث من الطيب » ، حتى
يخرج المؤمن من الكافر.
قال أبو
جعفر: والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه
في سياقتها. فكونها بأن تكون فيهم، أشبه منها بأن تكون في غيرهم.
القول
في تأويل قوله : وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ
يَشَاءُ
قال أبو
جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم
بما:-
حدثنا به
محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وما كان الله ليطلعكم على
الغيب » ، وما
كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا.
وقال
آخرون بما:-
حدثنا به
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « وما كان الله ليطلعكم على الغيب » ، أي: فيما يريد أن يبتليكم
به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه « ولكنّ
الله يجتبي من رسله من يشاء » ،
يعلمه.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده،
فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء كما
ميز بينهم بالبأساء يوم أحد وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا
مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه،
فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم، بوحيه ذلك إليه ورسالته، كما:-
حدثنا
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « ولكن الله يجتبي من رسله من
يشاء » ، قال:
يخلصهم لنفسه.
وإنما
قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لأنّ ابتداءها خبرٌ من الله تعالى ذكره أنه
غير تارك عباده - يعني بغير محن- حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل
نفاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: « وما
كان الله ليطلعكم على الغيب » ، فكان
فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالةٌ واضحةٌ على أن
الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم،
إلا بالذي ذكر أنه مميِّزٌ به نعتَهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه.
القول
في تأويل قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 )
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وإن
تؤمنوا » ، وإن
تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم « وتتقوا » ربكم بطاعته فيما أمركم به
نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه « فلكم أجر عظيم » ، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم،
كما:-
حدثنا ابن
حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا » ، أي: ترجعوا وتتوبوا « فلكم أجر عظيم » .
القول
في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ
شَرٌّ لَهُمْ
قال أبو
جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه
جماعة من أهل الحجاز والعراق: ( « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُون » ) بالتاء من « تحسبن » .
وقرأته
جماعة أخر: ( وَلا
يَحْسَبَنَّ )
بالياء.
ثم اختلف
أهل العربية في تأويل ذلك.
فقال بعض
نحويي الكوفة: معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم فاكتفى بذكر « يبخلون » من « البخل » ، كما تقول: « قدم فلان فسررت به » ، وأنت تريد: فسررت بقدومه. و « هو » ، عمادٌ.
وقال بعض
نحويي أهل البصرة: إنما أراد بقوله: « ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا
لهم بل هو شر لهم » « لا يحسبن البخل هو خيرًا لهم
» ، فألقى
الاسم الذي أوقع عليه «
الحسبان » به، هو
البخل، لأنه قد ذكر «
الحسبان » وذكر ما
آتاهم الله من فضله « ،
فأضمرهما إذ ذكرهما. قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ
مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ولم يقل: » ومن أنفق من بعد الفتح « ، لأنه لما قال: أُولَئِكَ
أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ [ سورة الحديد: 10 ] ، كان فيه دليل على أنه قد
عناهم. »
وقال بعض
من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة: إنّ « مَنْ » في
قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ في معنى جمع.
ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من
أنفق من بعد الفتح؟ فالأول مكتفٍ. وقال: في قوله: « لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم
» محذوف،
غير أنه لم يُحذف إلا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأن « هو » عائد البخل، و « خيرا لهم » عائد الأسماء، فقد دل هذان
العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله: « يبخلون » من « البخل » .
قال:
وهذا إذا قرئ بـ « التاء
» ، فـ « البخل » قبل « الذين » ، وإذا قرئ بـ « الياء » ، فـ « البخل » بعد « الذين » ، وقد اكتفى بـ « الذين يبخلون » ، من البخل، كما قال الشاعر:
إِذَا
نُهِــيَ السَّــفِيهُ جَــرَى إِلَيْـهِ وَخَــالَفَ وَالسَّــفِيهُ إِلـى
خِـلافِ
كأنه
قال: جرى إلى السفه، فاكتفى عن « السفه
» بـ « السفيه » ، كذلك اكتفى بـ « الذين يبخلون » ، من « البخل » .
قال أبو
جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ » ) بالتاء، بتأويل: ولا تحسبن،
أنت يا محمد، بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم ثم ترك ذكر « البخل » ، إذ كان في قوله: « هو خيرًا لهم » دلالة على أنه مراد في الكلام،
إذ كان قد تقدمه قوله: « الذين
يبخلون بما آتاهم الله من فضله » .
وإنما
قلنا: قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن « المحسبة » من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا
قرئ قوله: « ولا
يحسبن الذين يبخلون » بالياء:
لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله: « هو
خيرًا لهم » خبرًا
عنه. وإذا قرئ ذلك بالتاء، كان قوله: « الذين يبخلون » اسمًا له قد أدّى عن معنى « البخل » الذي هو
اسم المحسبة المتروك، وكان قوله: « هو
خيرًا لهم » خبرًا
لها، فكان جاريًا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بـ « التاء » في ذلك على ما بيناه، وإن كانت
القراءة بـ « الياء
» غير
خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.
قال أبو جعفر:
وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك: ولا تحسبن، يا
محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق
الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات، هو خيرًا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو
شر لهم عنده في الآخرة، كما:-
حدثنا
محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تحسبن الذين يبخلون بما
آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم » ، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل
الله، ولم يؤدُّوا زكاتها.
وقال
آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنـزل الله في التوراة
من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس
قوله: « ولا تحسبن
الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله » إلى سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،
يعني بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « ولا تحسبن الذين يبخلون بما
آتاهم الله من فضله » ، قال:
هم يهود، إلى قوله: وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [ سورة آل عمران: 184 ] .
وأولى
التأويلين بتأويل هذه الآية، التأويل الأوَل، وهو أنه معني بـ « البخل » في هذا الموضع، منع الزكاة،
لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأوَّل قوله: سَيُطَوَّقُونَ
مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال: البخيل الذي منع حق الله منه، أنه
يصير ثعبانًا في عنقه ولقول الله عقيب هذه الآية: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، فوصف جل ثناؤه
قول المشركين من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة أن الله فقيرٌ.
القول
في تأويل قوله : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا
بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
قال أبو
جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: «
سيطوَّقون » ، سيجعل
الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة،
كالذي:-
حدثني
الحسن بن قزعة قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي
مالك العبدي قال: ما من عبد يأتيه ذُو رَحمٍ له، يسأله من فضلٍ عنده فيبخل عليه،
إلا أخرِج له الذي بَخِل به عليه شجاعًا أقْرَع. قال: وقرأ: « ولا تحسبن الذين يبخلون بما
آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة
» إلى آخر
الآية.
حدثنا
ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبى قزعة، عن رجل، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده،
فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شُجاع يتلمَّظ حتى يطوِّقه « . »
حدثنا
ابن المثنى قال، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة حجر
بن بيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمِه
فيسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عليه، إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من
النار يتلمظ حتى يطوِّقه « . ثم
قرأ: » ولا
تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله « حتى انتهى إلى قوله: » سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة « . »
حدثني
زياد بن عبيد الله المرّي قال، حدثنا مروان بن معاوية وحدثني عبدالله بن عبدالله
الكلابي قال، حدثنا عبدالله بن بكر السهمي، وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا
عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، واللفظ ليعقوب جميعًا، عن بهز بن حكيم بن
معاوية بن حيدة، عن أبيه. عن جده قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا
يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده، فيمنعه إياه، إلا دُعِيَ له يوم القيامة
شجاعٌ يتلمَّظ فضله الذي منع.
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن
عبدالله بن مسعود: «
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، قال: ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخلت به!
.
حدثنا
محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت
أبا وائل يحدّث: أنه سمع عبدالله قال في هذه الآية: « سيطوقون ما بخلوا له يوم
القيامة » ، قال:
شجاع يلتوي برأس أحدهم.
حدثني
ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة قال، حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا
النضر بن شميل قال، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبدالله بمثله -
إلا أنهما قالا قال: شجاع أسود.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي
وائل، عن ابن مسعود قال: يجيء ماله يوم القيامة ثعبانًا، فينقر رأسه فيقول: أنا
مالك الذي بخلت به! فينطوي على عنقه.
حدثت عن
سفيان بن عيينة قال، حدثنا جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن
ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله،
إلا مثَل له شجاع أقرع يطوقه. ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ولا تحسبن الذين يبخلون بما
آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم » الآية.
حدثنا
محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا « سيطوقون ما بخلوا به » ، فإنه يُجعل ماله يوم القيامة
شجاعًا أقرع يطوِّقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي وائل قال:
هو الرجل الذي يرزقه الله مالا فيمنع قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله،
فيُجْعل حية فيطوَّقها، فيقول: ما لي ولك! فيقول: أنا مالك!
حدثنا
المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي
الجعد، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن قوله: « سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، قال: يطوقون شجاعًا أقرع
ينهش رأسه.
وقال
آخرون: معنى ذلك: «
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، فيجعل في أعناقهم طوقًا من نار.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « سيطوقون ما بخلوا به يوم
القيامة » ، قال:
طوقًا من النار.
حدثنا
ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه
قال في هذه الآية: «
سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، قال: طوقًا من نار.
حدثنا
الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: « سيطوقون » ، قال: طوقًا من نار.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: « سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، قال: طوقًا من نار.
وقال آخرون:
معنى ذلك: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من أحبار اليهود، ما
كتموا من ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس
قوله: «
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، ألم تسمع أنه قال: يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبُخْلِ [
سورة النساء: 37\ سورة الحديد: 24 ] ، يعني أهل الكتاب: يقول: يكتمون، ويأمرون الناس بالكتمان.
وقال
آخرون: معنى ذلك: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من
أموالهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في
قوله: «
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة » ، قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخلوا به، إلى قوله:
وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ .
حدثنا
ابن المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد « سيطوقون » ، سيكلفون أن يأتوا بمثل ما
بخلوا به من أموالهم يوم القيامة.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية، التأويل الذي قلناه في ذلك في مبدإ قوله: « سيطوقون ما بخلوا به » ، للأخبار التي ذكرنا في ذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدَ أعلم بما عَنى الله تبارك وتعالى
بتنـزيله، منه عليه السلام.
القول
في تأويل قوله : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه الحي الذي لا يموت، والباقي بعد فَناء جميع خلقه.
فإن قال
قائل: فما معنى قوله: « له
ميراث السموات والأرض » ، و « الميراث » المعروف، هو ما انتقل من ملك
مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟
قيل: إن
معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء.
وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: « ولله ميراث السموات والأرض » ، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن
أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي
إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه
غيره.
وإنما
معنى الآية: « لا
تحسبن الذي يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما
بخلوا به يوم القيامة » ، بعد
ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه
وميراث غيره من خلقه.
ثم أخبر
تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر
خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ
بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره.