الجزء التاسع عشر
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ لا
يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى
رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ( 21
)
يقول
تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا, ولا يَخْشَون عقابنا, هلا
أنـزل الله علينا ملائكة, فتخبرَنا أن محمدًا محقّ فيما يقول, وأن ما جاءنا به
صدق, أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك, كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: وَقَالُوا لَنْ
نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ثم قال بعد: أَوْ
تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا يقول الله: لقد استكبر قائلو هذه
المقالة في أنفسهم، ونعظموا، (
وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) يقول:
وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدّه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج، قال: قال كفار قريش: ( لَوْلا أُنـزلَ عَلَيْنَا
الْمَلائِكَةُ )
فيخبرونا أن محمدا رسول الله (
لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا ) لأن « عتا » من ذوات الواو, فأخرج مصدره
على الأصل بالواو، وقيل في سورة مريم وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
وإنما قيل ذلك كذلك لموافقة المصادر في هذا الوجه جمع الأسماء كقولهم: قعد قعودا,
وهم قوم قعود, فلما كان ذلك كذلك, وكان العاتي يجمع عتيا بناء على الواحد, جعل
مصدره أحيانا موافقا لجمعه, وأحيانا مردودا إلى أصله.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ
الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ( 22 )
يقول
تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
أَوْ نَرَى رَبَّنَا بتصديق محمد الملائكة, فلا بشرى لهم يومئذ بخير ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) يعني
أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا, حراما محرّما عليكم اليوم البشرى أن
تكون لكم من الله; ومن الحجر قول المتلمس:
حَـنَّتْ
إلـى نَخْلَـةَ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا حِجْــرٌ حَـرَامٌ ألا تِلْـكَ
الدَّهـاريسُ
ومنه
قولهم: حجر القاضي على فلان, وحجر فلان على أهله; ومنه حجر الكعبة, لأنه لا يدخل
إليه في الطواف, وإنما يطاف من ورائه; ومنه قول الآخر.
فَهَمَمْــتُ
أنْ أَلْقَــى إلَيْهـا مَحْجَـرًا فَلَمِثْلُهَــا يُلْقَــى إلَيْــهِ
المَحْجَــرُ
أي مثلها
يُركب منه المُحْرَمُ.
واختلف
أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله: ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) ومن قائلوه؟ فقال بعضهم:
قائلو ذلك الملائكة للمجرمين نحو الذي قلنا فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأجلح, قال: سمعت الضحاك بن
مزاحم, وسأله رجل عن قول الله (
وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
تقول الملائكة: حراما محرما أن تكون لكم البُشرى.
حدثني
عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, عن الحسن, عن قتادة ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) قال:
هي كلمة كانت العرب تقولها, كان الرجل إذا نـزل به شدّة قال: حجرا, يقول: حراما
محرّما.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ
لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) لما جاءت زلازل الساعة, فكان من زلازلها أن السماء انشقت
فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا على شفة كل شيء
تشقَّق من السماء, فذلك قوله: (
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
وَيَقُولُونَ ) : يعني
الملائكة تقول للمجرمين حراما محرمًا أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين
رأيتمونا.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) قال:
يوم القيامة (
وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
عوذا معاذا.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله,
وزاد فيه: الملائكة تقوله.
وقال
آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( يَوْمَ يَرَوْنَ
الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) قال
ابن جُرَيج: كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا حجرا, فقالوا حين عاينوا الملائكة.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: (
حِجْرًا ) عوذا,
يستعيذون من الملائكة.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحِجْر هو الحرام,
فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البُشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة
فإنها الاستجارة, وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم,
فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ( 23 ) أَصْحَابُ
الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ( 24 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَدِمْنَا ) وعمدنا
إلى ما عمل هؤلاء المجرمون ( مِنْ
عَمَلٍ ) ; ومنه
قول الراجز:
وَقَـــدِمَ
الخَـــوَارِجُ الضُّــلالُ إلَـــى عِبــادِ رَبِّهِــمْ وَقــالُوا
إنَّ
دِمَاءَكُم لَنا حَلالُ
يعني
بقوله: قدم: عمد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَقَدِمْنَا ) قال: عَمَدنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله وقوله: ( فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً
مَنْثُورًا ) يقول:
فجعلناه باطلا لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان.
والهباء:
هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوّة يحسبه الناظر غبارًا ليس بشيء
تقبض عليه الأيدي ولا تمسه, ولا يرى ذلك في الظل.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن عكرمة أنه قال في هذه
الآية (
هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال:
الغبار الذي يكون في الشمس.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: الشعاع في كوّة أحدهم إن
ذهب يقبض عليه لم يستطع.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: شعاع الشمس من الكوّة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: ما رأيت شيئا يدخل البيت
من الشمس تدخله من الكوّة, فهو الهباء.
وقال
آخرون: بل هو ما تسفيه الرياح من التراب, وتذروه من حطام الأشجار, ونحو ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال:
ما تسفي الريح تَبُثُّهُ.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: هو ما تذرو الريح من
حطام هذا الشجر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: الهباء: الغبار.
وقال
آخرون: هو الماء المهراق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) يقال: الماء المهراق.
وقوله
جلّ ثناؤه: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) يقول تعالى ذكره: أهل الجنة
يوم القيامة خير مستقرّا, وهو الموضع الذي يستقرّون فيه من منازلهم في الجنة من
مستقرّ هؤلاء المشركين الذين يفتخرون بأموالهم, وما أوتوا من عرض هذه الدنيا في
الدنيا, وأحسن منهم فيها مقيلا.
فإن قال
قائل: وهل في الجنة قائلة؟ فيقال: ( وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) فيها؟ قيل: معنى ذلك: وأحسن فيها قرارا في أوقات قائلتهم في
الدنيا, وذلك أنه ذكر أن أهل الجنة لا يمرّ فيهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار
من أوّله إلى وقت القائلة, حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة, فذلك معنى قوله: ( وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
* ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) يقول: قالوا في الغرف في
الجنة, وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة, وذلك الحساب اليسير, وهو مثل
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا .
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن إبراهيم, في قوله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: كانوا يرون أنه يفرغ من
حساب الناس يوم القيامة في نصف النهار, فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: لم ينتصف النهار حتى
يقضي الله بينهم, فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. قال: وفي قراءة
ابن مسعود: ( ثُمَّ
إِنَّ مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحيم ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: قال ابن عباس: كان
الحساب من ذلك في أوّله, وقال القوم حين قالوا في منازلهم من الجنة, وقرأ ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن سعيدًا الصوّاف حدثه
أنه بلغه أن يوم القيامة يقضي على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب
الشمس, وأنهم يقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس, فذلك قول الله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
قال أبو
جعفر: وإنما قلنا: معنى ذلك: خير مستقرا في الجنة منهم في الدنيا, لأن الله تعالى
ذكره عَمَّ بقوله: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) جميع أحوال الجنة في الآخرة
أنها خير في الاستقرار فيها, والقائلة من جميع أحوال أهل النار, ولم يخُصّ بذلك
أنه خير من أحوالهم في النار دون الدنيا, ولا في الدنيا دون الآخرة, فالواجب أن
يعمَّ كما عمّ ربنا جلّ ثناؤه, فيقال: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرًّا في
الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة, وأحسن منهم مقيلا وإذا كان ذلك معناه, صحّ
فساد قول من توهم أن تفضيل أهل الجنة بقول الله: ( خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) على غير الوجه المعروف من كلام الناس بينهم في قولهم: هذا
خير من هذا, وهذا أحسن من هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا ( 25 ) الْمُلْكُ
يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (
26 )
اختلف
القرّاء في قراءة قوله (
تَشَقَّقُ ) فقرأته
عامَّة قرّاء الحجاز (
وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ ) بتشديد
الشين بمعنى: تَتَشقق, فأدغموا إحدى التاءين في الشين فشدّدوها, كما قال: ( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى
الْمَلإِ الأَعْلَى )
وقرأ ذلك
عامة قرّاء أهل الكوفة: (
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ) بتخفيف
الشين والاجتزاء بإحدى التاءين من الأخرى.
والقول
في ذلك عندي: أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ
فمصيب. وتأويل الكلام: ويوم تُشقق السماء عن الغمام. وقيل: إن ذلك غمام أبيض مثل
الغمام الذي ظلل على بني إسرائيل, وجعلت الباء, في قوله: ( بِالْغَمَامِ ) مكان « عن » كما تقول: رميت عن القوس
وبالقوس وعلى القوس, بمعنى واحد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ) قال:
هو الذي قال: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ الذي يأتي الله فيه يوم القيامة, ولم يكن
في تلك قطّ إلا لبني إسرائيل. قال ابن جُرَيج: الغمام الذي يأتي الله فيه غمام
زعموا في الجنة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا معتمر بن سليمان, عن عبد الجليل, عن أبي حازم, عن عبد الله بن
عمرو قال: يهبط الله حين يهبط, وبينه وبين خلقه سبعون حجابا, منها النور والظلمة
والماء, فيصوّت الماء صوتا تنخلع له القلوب.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة في قوله: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ يقول: والملائكة حوله.
قال: ثني
حجاج, عن مبارك بن فضالة, عن عليّ بن زيد بن جُدعان, عن يوسف بن مهران, أنه سمع
ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نـزل منها من الملائكة أكثر من الجنّ
والإنس, وهو يوم التلاق, يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض, فيقول أهل الأرض: جاء
ربنا, فيقولون: لم يجيء وهو آت, ثم تَتَشقق السماء الثانية, ثم سماء سماء على قدر
ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة, فينـزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نـزل
من السماوات ومن الجنّ والإنس. قال: فتنـزل الملائكة الكُروبيون, ثم يأتي ربنا
تبارك وتعالى في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة,
وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة, قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه, وكلّ
ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول: سبحان الملك القدوس, وعلى رءوسهم شيء مبسوط
كأنه القباء, والعرش فوق ذلك, ثم وقف.
قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن هارون بن وثاب, عن شهر بن حوشب, قال: حملة
العرش ثمانية, فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمّ وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد
علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهمّ وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش
يهبط عليهم فوقهم شخصت إليه أبصارهم, ورجفت كُلاهم في أجوافهم, قال: وطارت قلوبهم
من مقرّها في صدورهم إلى حناجرهم.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنـزلَ الْمَلائِكَةُ تَنـزيلا ) يعني يوم القيامة حين تشقق
السماء بالغمام, وتنـزل الملائكة تنـزيلا.
وقوله: ( وَنـزلَ الْمَلائِكَةُ
تَنـزيلا ) يقول:
ونـزل الملائكة إلى الأرض تنـزيلا ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ) يقول: الملك الحقّ يومئذ خالص
للرحمن دون كلّ من سواه, وبطلت الممالك يومئذ سوى ملكه. وقد كان في الدنيا ملوك,
فبطل الملك يومئذ سوى ملك الجبار ( وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) يقول: وكان يومُ تشقُّق
السماء بالغمام يوما على أهل الكفر بالله عسيرا, يعني صعبا شديدا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ( 27 )
يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا (
29 )
يقول تعالى
ذكره: ويوم يعضّ الظالم نفسه المشرك بربه على يديه ندما وأسفًا على ما فرط في جنب
الله، وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صدّه عن سبيل ربه, يقول: يا ليتني
اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلا يعني طريقا إلى النجاة من عذاب الله ، وقوله ( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي
لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .
اختلف
أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (
الظَّالِمُ )
وبقوله: (
فُلانًا ) فقال
بعضهم: عني بالظالم: عقبة بن أبي معيط, لأنه ارتدّ بعد إسلامه, طلبا منه لرضا
أُبيّ بن خلف, وقالوا: فلان هو أُبيّ.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن
عباس قال: كان أُبيّ بن خلف يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي
معيط, فنـزل: (
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) ...
إلى قوله (
خَذُولا ) قال: ( الظَّالِمُ ) : عقبة, وفلانا خليلا أُبيّ
بن خلف.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة، عن الشعبيّ في قوله: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلانًا خَلِيلا ) قال:
كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف, فأسلم عقبة, فقال أمية: وجهي من وجهك
حرام إن تابعت محمدا فكفر; وهو الذي قال: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة وعثمان الجزري, عن مقسم
في قوله: (
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) قال:
اجتمع عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف, وكانا خليلين, فقال أحدهما لصاحبه: بلغني
أنك أتيت محمدا فاستمعت منه, والله لا أرضى عنك حتى تتفل في وجهه وتكذّبه, فلم
يسلطه الله على ذلك, فقتل عقبة يوم بدر صبرا . وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبيّ صلى
الله عليه وسلم بيده يوم أُحد في القتال, وهما اللذان أنـزل الله فيهما: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) .
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن ابن عباس, ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ ) ...
إلى قوله: (
فُلانًا خَلِيلا ) قال:
هو أُبيّ بن خلف, كان يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي معيط.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ ) قال:
عقبة بن أبي معيط دعا مجلسا فيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لطعام, فأبى النبيّ
صلى الله عليه وسلم أن يأكل, وقال: « ولا آكُل حتى تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ, وأنَّ
مُحمَّدًا رسُولُ الله » , فقال:
ما أنت بآكل حتى أشهد؟ قال: « نعم » , قال: أشهد أن لا إله إلا
الله وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله. فلقيه أمية بن خلف فقال: صبوت؟ فقال: إن أخاك
على ما تعلم, ولكني صنعت طعاما فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك, فقلته, وليس من نفسي.
وقال
آخرون: عنى بفلان: الشيطان.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فُلانًا خَلِيلا ) قال: الشيطان.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله. وقوله: ( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ
الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ) يقول
جلّ ثناؤه مخبرا عن هذا النادم على ما سلف منه في الدنيا, من معصية ربه في طاعة
خليله: لقد أضلني عن الإيمان بالقرآن, وهو الذكر, بعد إذ جاءني من عند الله,
فصدّني عنه، يقول الله: (
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا ) يقول: مسلما لما ينـزل به من البلاء غير منقذه ولا منجيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( 30 ) وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ
هَادِيًا وَنَصِيرًا ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: وقال الرسول يوم يعضّ الظالم على يديه: يا ربّ إن قومي الذين بعثتني
إليهم لأدعوهم إلى توحيدك اتخذوا هذا القرآن مهجورا.
واختلف
أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجورا, فقال بعضهم: كان اتخاذهم ذلك هجرا,
قولهم فيه السييء من القول, وزعمهم أنه سحر, وأنه شعر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ
مَهْجُورًا ) قال:
يهجُرون فيه بالقول, يقولون: هو سحر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَقَالَ الرَّسُولُ ) ... الآية: يهجرون فيه
بالقول. قال مجاهد: وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ قال:
مستكبرين بالبلد سامرا مجالس تهجرون, قال: بالقول السييء في القرآن غير الحقّ.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال, ثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, في قول الله: ( إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا
هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) قال:
قالوا فيه غير الحقّ، ألم تر إلى المريض إذا هذي قال غير الحق.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا
له.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ
إِنَّ َ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) لا يريدون أن يسمعوه, وإن
دعوا إلى الله قالوا لا. وقرأ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قال:
ينهون عنه, ويبعدون عنه.
قال أبو
جعفر: وهذا القول أولى بتأويل ذلك, وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ , وذلك هجرهم إياه.
وقوله: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وكما جعلنا
لك يا محمد أعداء من مشركي قومك, كذلك جعلنا لكل من نبأناه من قبلك عدوّا من مشركي
قومه, فلم تخصص بذلك من بينهم. يقول: فاصبر لما نالك منهم كما صبر من قبلك أولو
العزم من رسلنا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن عباس: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) قال: يوطن محمدا صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدوّا من
المجرمين كما جعل لمن قبله.
وقوله: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا ) يقول
تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديا يهديك إلى الحقّ, ويبصرك الرشد,
ونصيرا: يقول: ناصرا لك على أعدائك, يقول: فلا يهولنك أعداؤك من المشركين, فإني
ناصرك عليهم, فاصبر لأمري, وامض لتبليغ رسالتي إليهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ( 32 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله
(
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ) يقول: هلا نـزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن ( جُمْلَةً وَاحِدَةً ) كما أنـزلت التوراة على موسى
جملة واحدة؟ قال الله: (
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) تنـزيله عليك الآية بعد الآية, والشيء بعد الشيء, لنثبت به
فؤادك نـزلناه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان الله ينـزل عليه الآية, فإذا علمها نبيّ الله
نـزلت آية أخرى ليعلمه الكتاب عن ظهر قلب, ويثبت به فؤاده.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) كما أنـزلت التوراة على موسى,
قال: (
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) قال: كان القرآن ينـزل عليه جوابا لقولهم: ليعلم محمد أن
الله يجيب القوم بما يقولون بالحقّ, ويعني بقوله: ( لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) لنصحح به عزيمة قلبك ويقين
نفسك, ونشجعك به.
وقوله ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) يقول: وشيئا بعد شيء علمناكه
حتى تحفظنه، والترتيل في القراءة: الترسل والتثبت.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: نـزل متفرّقا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان ينـزل آية وآيتين
وآيات جوابا لهم إذا سألوا عن شيء أنـزله الله جوابا لهم, وردّا عن النبيّ فيما
يتكلمون به. وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان بين ما أنـزل القرآن
إلى آخره أنـزل عليه لأربعين, ومات النبيّ صلى الله عليه وسلم لثنتين أو لثلاث
وستين.
وقال
آخرون: معنى الترتيل: التبيين والتفسير.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: فسرناه تفسيرا, وقرأ:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ
عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا (
34 )
يقول
تعالى ذكره: ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه إلا جئناك من الحق,
بما نبطل به ما جاءوا به, وأحسن منه تفسيرًا.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ) قال:
الكتاب بما تردّ به ما جاءوا به من الأمثال التي جاءوا بها وأحسن تفسيرا.
وعنى
بقوله (
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) وأحسن
مما جاءوا به من المثل بيانا وتفصيلا.
وبنحو الذي
قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن ابن عباس قوله:
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) يقول: أحسن تفصيلا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
قال: بيانا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا يقول: تفصيلا.
وقوله: ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى
وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شرٌّ مَكَانًا يقول تعالى ذكره لنبيه:
هؤلاء المشركون يا محمد, القائلون لك لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً
وَاحِدَةً ومن كان على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله, الذين يحشرون يوم القيامة
على وجوههم إلى جهنم, فيساقون إلى جهنم شرّ مستقرّا في الدنيا والآخرة من أهل
الجنة في الجنة, وأضل منهم في الدنيا طريقا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( الَّذِينَ
يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ) قال: الذي أمشاهم على أرجلهم
قادر على أن يمشيهم على وجوههم ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ) من أهل الجنة (
وَأَضَلُّ سَبِيلا ) قال: طريقا.
حدثني
محمد بن يحيى الأزدي, قال: ثنا الحسين بن محمد, قال: ثنا شيبان, عن قتادة, قوله: (
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ) قال: حدثنا أنس بن مالك
أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: « الَّذِي أَمْشَاهُ عَلى
رِجْلَيْهِ قادرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ » .
حدثنا
أبو سفيان الغنوي يزيد بن عمرو, قال: ثنا خلاد بن يحيى الكوفي, قال: ثنا سفيان
الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, قال: أخبرني من سمع أنس بن مالك يقول: جاء رجل
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: كيف يحشرهم على وجوههم؟ قال: « الَّذِي يَحْشُرُهُمْ عَلى
أرْجُلِهِمْ قادِرٌ بأنْ يَحْشُرُهُمْ عَلى وُجُوههمْ » .
حدثنا
عبيد بن محمد الورّاق, قال: ثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد,
عن أبي داود, عن أنس بن مالك, قال: « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يُحشر أهل النار على
وجوههم؟ فقال: إنَّ الَّذِي أمْشاهُمْ عَلى أقْدامِهِمْ قَادِرٌ عَلى أنْ
يُمْشِيَهُمْ عَلى وُجُوهِهِمْ » .
حدثني
أحمد بن المقدام قال: ثنا حزم, قال: سمعت الحسن يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الآية ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ )
فقالوا: يا نبي الله، كيف يمشون على وجوههم؟ « قال : أرأيْتَ الَّذِي أمْشاهُمْ عَلى أقْدَامِهِمْ ألَيْس
قَادِرًا أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلى وُجُوهِهم » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا منصور بن زاذان, عن علي بن
زيد بن جدعان, عن أبي خالد, عن أبي هريرة, قال: « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدوابّ,
وصنف على أقدامهم, وصنف على وجوههم, فقيل: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي
أمشاهم على أقدامهم, قادر أن يمشيهم على وجوههم. »
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ
وَزِيرًا ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ( 36 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يتوعد مشركي قومه على كفرهم بالله,
وتكذيبهم رسوله ويخوّفهم من حلول نقمته بهم, نظير الذي يحلّ بمن كان قبلهم من
الأمم المكذّبة رسلها ( وَلَقَدْ آتَيْنَا ) يا محمد ( مُوسَى الْكِتَابَ ) يعني
التوراة, كالذي آتيناك من الفرقان وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا
يعني معينا وظهيرا ( فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا ) يقول: فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بإعلامنا وأدلتنا,
فدمرناهم تدميرا. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر من ذكره وهو: فذهبا
فكذبوهما فدمرناهم حينئذ.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ
لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: وقوم نوح لما كذبوا رسلنا, وردّوا عليهم ما جاءوهم به من الحقّ,
أغرقناهم بالطوفان ( وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) يقول: وجعلنا تغريقنا
إياهم وإهلاكنا عظة وعبرة للناس يعتبرون بها ( وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا
أَلِيمًا ) يقول: وأعددنا لهم من الكافرين بالله في الآخرة عذابا أليما, سوى الذي
حلّ بهم من عاجل العذاب في الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ( 38
) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: ودمرنا أيضا عادا وثمود وأصحاب الرسّ.
واختلف
أهل التأويل في أصحاب الرسّ, فقال بعضهم: أصحاب الرسّ من ثمود.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: (
وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: قرية من ثمود.
وقال
آخرون: بل هي قرية من اليمامة يقال لها الفلْج .
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن وهب, قال: ثنا جرير بن حازم, قال: قال قتادة:
الرسّ: قرية من اليمامة يقال لها الفلج.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال عكرمة: أصحاب
الرسّ بفلج هم أصحاب يس.
وقال
آخرون: هم قوم رسوا نبيهم في بئر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي بكر, عن عكرمة, قال: كان
الرسّ بئرا رسُّوا فيها نبيهم.
وقال
آخرون: هي بئر كانت تسمى الرسّ.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس (
وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: هي بئر كانت تسمى الرّسّ.
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى عن
مجاهد في قوله: ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: الرّسّ بئر كان عليها قوم.
قال
أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, قول من قال: هم قوم كانوا على بئر, وذلك أن
الرّسّ في كلام العرب: كلّ محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك; ومنه قول الشاعر:
سَـــبَقْتَ
إلــى فَــرطٍ بــاهِلٍ تنابِلَـــةٍ يَحْـــفِرُونَ الرِّساســا
يريد
أنهم يحفِرون المعادن, ولا أعلم قوما كانت لهم قصة بسبب حفرة, ذكرهم الله في كتابه
إلا أصحاب الأخدود, فإن يكونوا هم المعنيين بقوله: وَأَصْحَابَ الرَّسِّ فإنا
سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج, وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف
لهم خبرا, إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رَسوا نبيهم في حفرة.
إلا ما
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ
أَوَّلَ النَّاسِ يَدخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ الْعَبْدُ الأسْوَدُ » . وذلك أن الله تبارك وتعالى
بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن مِنْ أهلها أحد إلا ذلك الأسود, ثم إن أهل القرية
عدوا على النبيّ عليه السلام, فحفروا له بئرا فألقوه فيها, ثم أطبقوا عليه بحجر
ضخم, قال: وكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره, ثم يأتي بحطبه فيبيعه, فيشتري به
طعاما وشرابا, ثم يأتي به إلى ذلك البئر, فيرفع تلك الصخرة, فيعينه الله عليها,
فيدلي إليه طعامه وشرابه, ثم يعيدها كما كانت, قال: فكان كذلك ما شاء الله أن
يكون. ثم إنه ذهب يوما يحتطب, كما كان يصنع, فجمع حطبه, وحزم حزمته وفرغ منها;
فلما أراد أن يحتملها وجد سِنة, فاضطجع فنام, فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما.
ثم إنه هبّ فتمطى, فتحوّل لشقة الآخر, فاضطجع, فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى.
ثم إنه هبّ فاحتمل حزمته, ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار, فجاء إلى القرية
فباع حزمته, ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي
كانت فيه فالتمسه فلم يجده, وقد كان بدا لقومه فيه بداء, فاستخرجوه وآمنوا به
وصدّقوه, قال: فكان النبي عليه السلام يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون: ما
ندري, حتى قبض الله النبيّ, فأهبّ الله الأسود من نومته بعد ذلك, فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ
ذَلكَ الأسْودَ لأوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ » غير أن هؤلاء في هذا الخبر يذكر محمد بن كعب عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم أنهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته, فلا ينبغي أن يكونوا
المعنيين بقوله: ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) لأن الله أخبر عن أصحاب الرّسّ أنه
دمرهم تدميرا, إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من
الحفرة وآمنوا به, فيكون ذلك وجها ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) يقول:
ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سمَّيناها لكم أمما كثيرة.
كما
حدثنا الحسن بن شبيب, قال: ثنا خلف بن خليفة, عن جعفر بن عليّ بن أبي رافع مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلفت بالمدينة عمي ممن يفتي على أن القرن سبعون
سنة, وكان عمه عبيد الله بن أبي رافع كاتب عليّ رضي الله عنه.
حدثنا
عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا حفص بن غياث, عن الحجاج, عن الحكم, عن إبراهيم قال:
القرن أربعون سنة.
وقوله:
( وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ ) يقول تعالى ذكره: وكل هذه الأمم التي
أهلكناها التي سميناها لكم أو لم نسمها ضربنا له الأمثال يقول: مثلنا له الأمثال
ونبهناها على حججنا عليها, وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ, فلم نهلك أمة إلا بعد
الإبلاغ إليهم في المعذرة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَكُلا ضَرَبْنَا
لَهُ الأمْثَالَ ) قال: كلّ قد أعذر الله إليه, ثم انتقم منه.
وقوله:
( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم
أمرهم استأصلناهم, فدمرناهم بالعذاب إبادة, وأهلكناهم جميعا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تبر الله كلا بعذاب تتبيرا.
حدثنا
أبو كريب قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جُبير ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تتبير بالنبطية.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: بالعذاب.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ
يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ( 40 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرها
الله مطر السوء وهي سدوم, قرية قوم لوط. ومطر السوء: هو الحجارة التي أمطرها الله
عليهم فأهلكهم بها. كما:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى
الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) قال: حجارة, وهي قرية قوم لوط,
واسمها سدوم. قال ابن عباس: خمس قرَّيات, فأهلك الله أربعة, وبقيت الخامسة, واسمها
صعوة. لم تهلك صعوة، كان أهلها لا يعملون ذلك العمل, وكانت سدوم أعظمها, وهي التي
نـزل بها لوط, ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم ينادي نصيحة لهم: يا
سدوم, يوم لكم من الله, أنهاكم أن تعرضوا لعقوبة الله, زعموا أن لوطا ابن أخي
إبراهيم صلوات الله عليهما.
وقوله:
( أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) يقول جلّ ثناؤه: أو لم يكن هؤلاء المشركون
الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يرون تلك القرية, وما نـزل بها من
عذاب الله بتكذيب أهلها رسلهم, فيعتبروا ويتذكروا, فيراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم
محمدا صلى الله عليه وسلم ( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) يقول تعالى
ذكره: ما كذّبوا محمدا فيما جاءهم به من عند الله, لأنهم لم يكونوا رأوا ما حلّ
بالقرية التي وصفت, ولكنهم كذّبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورًا بعد الممات,
يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب, ولا يؤمنون بقيام الساعة, فيردعهم ذلك عما
يأتون من معاصي الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَفَلَمْ يَكُونُوا
يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) بعثا.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ
اللَّهُ رَسُولا ( 41 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت
عليك قصصهم ( إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا ) يقول: ما يتخذونك إلا سخرية
يسخرون منك, يقولون: ( أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ ) إلينا ( رَسُولا ) من بين
خلقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ
كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ( 42 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهزءون برسول الله صلى الله عليه
وسلم إنهم يقولون إذا رأوه: قد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها, فيصدّنا عن
عبادتها لولا صبرنا عليها, وثبوتنا على عبادتها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) يقول
جلّ ثناؤه: سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حلّ بهم على عبادتهم الآلهة ( مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ) يقول: من الراكب غير طريق
الهدى, والسالك سبيل الردى أنت أوهم.
وبنحو ما
قلنا في تأويل قوله: (
لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج ( إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا
عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) قال: ثبتنا عليها.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ( 43 )
يعني
تعالى ذكره: (
أَرَأَيْتَ ) يا
محمد ( مَنِ
اتَّخَذَ إِلَهَهُ ) شهوته
التي يهواها وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر, فإذا رأى أحسن منه رمى به,
وأخذ الآخر يعبده, فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه، فلذلك قال جلّ ثناؤه ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ) يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون
يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
سَبِيلا ( 44 )
( أَمْ تَحْسَبُ ) يا محمد أن أكثر هؤلاء
المشركين (
يَسْمَعُونَ ) ما
يتلى عليهم, فيعون ( أَوْ
يَعْقِلُونَ ) ما
يعاينون من حجج الله, فيفهمون ( إِنْ
هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ ) يقول:
ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها, ولا تفقه, بل هم من البهائم أضلّ
سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها, وتنقاد لأربابها, وهؤلاء الكفرة لا يطيعون
ربهم, ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم, بل يكفرونها, ويعصون من خلقهم وبرأهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا
الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
( 46 )
يقول
تعالى ذكره: (
أَلَمْ تَرَ ) يا
محمد (
كَيْفَ مَدَّ ) ربك ( الظِّلَّ ) وهو ما بين طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) يقول:
ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال: مدّه ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ) قال: الظلّ: ما بين طلوع
الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثنا
محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا أبو محصن, عن حصين, عن أبي مالك, قال: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال:
ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال. ظلّ الغداة قبل أن تطلع
الشمس.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: الظلّ:
ظلّ الغداة.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة, قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال: مدّه من طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) يعني:
من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) يقول:
ولو شاء لجعله دائما لا يزول, ممدودا لا تذهبه الشمس, ولا تنقصه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) يقول:
دائما.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال, ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
لا تصيبه الشمس ولا يزول.
حدثنا
القاسم. قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
لا يزول.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
دائما لا يزول.
وقوله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) يقول
جلّ ثناؤه: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه, أنه خلْق من
خلق ربكم, يوجده إذا شاء, ويفنيه إذا أراد; والهاء في قوله: « عليه » من ذكر الظلّ. ومعناه: ثم
جعلنا الشمس على الظلّ دليلا. قيل: معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي
تنسخه لم يعلم أنه شيء, إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها, نظير الحلو الذي
إنما يعرف بالحامض والبارد بالحارِّ, وما أشبه ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) يقول:
طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) قال:
تحويه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) قال:
أخرجت ذلك الظل فذهبت به وقوله: ( ثُمَّ
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظلّ
إلينا قبضا خفيا سريعا بالفيء الذي نأتي به بالعشيّ.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا
قَبْضًا يَسِيرًا ) قال:
حوى الشمس الظلّ. وقيل: إن الهاء التي في قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا ) عائدة على الظلّ, وإن معنى
الكلام: ثم قبضنا الظلّ إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظلّ
الممدود, قالوا: وذلك وقت قبضه.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله: (
يَسِيرًا ) فقال
بعضهم: معناه: سريعا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا
قَبْضًا يَسِيرًا ) يقول:
سريعا.
وقال
آخرون: بل معناه: قبضا خفيا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عبد العزيز بن رفيع, عن مجاهد
( ثُمَّ
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) قال: خفيا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج ( قَبْضًا يَسِيرًا ) قال: خفيا, قال: إن ما بين
الشمس والظلّ مثل الخيط, واليسير الفعيل من اليسر, وهو السهل الهين في كلام العرب.
فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك, يتوجه لما روي عن ابن عباس ومجاهد؛ لأن سهولة قبض
ذلك قد تكون بسرعة وخفاء. وقيل: إنما قيل ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) لأن الظلّ بعد غروب الشمس لا
يذهب كله دفعة, ولا يقبل الظلام كله جملة, وإنما يقبض ذلك الظلّ قبضا خفيا, شيئا
بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه جزء من الظلام.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ( 47 )
يقول
تعالى ذكره: الذي مدّ الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا هو الذي جعل لكم أيها الناس
الليل لباسا. وإنما قال جلّ ثناؤه ( جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ) لأنه جعله لخلقه جنة يجتنون
فيها ويسكنون، فصار لهم سترا يستترون به, كما يستترون بالثياب التي يُكسونها.
وقوله: (
وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) يقول:
وجعل لكم النوم راحة تستريح به أبدانكم, وتهدأ به جوارحكم. وقوله: ( وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا ) يقول
تعالى ذكره: وجعل النهار يقظة وحياة من قولهم: نَشر الميتُ, كما قال الأعشى:
حَــتى
يقُــولَ النَّــاسُ مِمَّـا رأَوْا يـــا عَجَبــا للْمَيِّــتِ النَّاشِــرِ
ومنه قول
الله: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا
وكان
مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا
عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن
مجاهد, قوله: (
وَجَعَلَ َالنَّهَارَ نُشُورًا ) قال:
ينشر فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
وإنما
اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك, أنه عقيب قوله: ( وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) في الليل. فإذ كان ذلك كذلك,
فوصف النهار بأن فيه اليقظة والنشور من النوم أشبه إذ كان النوم أخا الموت. والذي
قاله مجاهد غير بعيد من الصواب؛ لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشا, وفيه الانتشار
للمعاش, ولكن النشور مصدر من قول القائل: نشر, فهو بالنشر من الموت والنوم أشبه,
كما صحّت الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من
نومه: «
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أماتَنا, وإلَيْهِ النُّشُورُ » .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
طَهُورًا ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا
أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح الملقحة ( بُشْرًا ) : حياة
أو من الحيا والغيث الذي هو منـزله على عباده ( وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) يقول: وأنـزلنا من السحاب
الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهورا. ( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً
مَيْتًا ) يعني
أرضا قَحِطة عذية لا تُنبت. وقال: ( بَلْدَةً مَيْتًا ) ولم يقل ميتة, لأنه أريد بذلك لنحيي به موضعًا ومكانًا
ميتًا (
وَنُسْقِيَهُ ) من
خلقنا (
أَنْعَامًا ) من
البهائم (
وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ) يعني
الأناسيّ: جمع إنسان وجمع أناسي, فجعل الياء عوضا من النون التي في إنسان, وقد
يجمع إنسان: إناسين, كما يجمع النَشْيان نشايين. فإن قيل: أناسيّ جمع واحده إنسيّ,
فهو مذهب أيضًا محكي, وقد يجمع أناسي مخففة الياء, وكأن من جمع ذلك كذلك أسقط
الياء التي بين عين الفعل ولامه, كما يجمع القرقور: قراقير وقراقر. ومما يصحح جمعهم
إياه بالتخفيف, قول العرب: أناسية كثيرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ( 50 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنـزلناه من السماء طهورا لنحيي به الميت
من الأرض بين عبادي, ليتذكروا نعمي عليهم, ويشكروا أيادي عندهم وإحساني إليهم ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلا كُفُورًا ) يقول:
إلا جحودا لنعمي عليهم, وأياديّ عليهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا معتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: سمعت الحسن بن مسلم
يحدّث طاوسا, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرا من عام, ولكنّ
الله يصرّفه بين خلقه; قال: ثم قرأ: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) .
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, قال: ثنا الحسن بن مسلم, عن سعيد بن
جُبير, قال: قال ابن عباس: ما عام بأكثر مطرا من عام, ولكنه يصرفه في الأرضين, ثم
تلا (
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ ) قال:
المطر ينـزله في الأرض, ولا ينـزله في الأرض الأخرى, قال: فقال عكرِمة: صرفناه
بينهم ليذّكروا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ) قال:
المطر مرّة هاهنا, ومرّة هاهنا.
حدثنا
سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان بن عيينة, عن يزيد بن أبي زياد, أنه سمع
أبا جحيفة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ليس عام بأمطر من عام, ولكنه يصرفه,
ثم قال عبد الله: (
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) .
وأما
قوله: (
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) فإن القاسم حدثنا قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج عن ابن
جُرَيج, عن عكرمة: (
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) قال: قولهم في الأنواء.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا
فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ
جِهَادًا كَبِيرًا ( 52 )
يقول
تعالى ذكره: ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كلّ مصر ومدينة نذيرا ينذرهم بأسنا على
كفرهم بنا, فيخفّ عنك كثير من أعباء ما حملناك منه, ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة,
ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى, لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعدّ الله لك
من الكرامة عنده, والمنازل الرفيعة قِبَله, فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من
أن تعبد آلهتهم, فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات, ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا
كبيرا, حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله, ويدينوا به ويذعنوا للعمل
بجميعه طوعا وكرها.
وبنحو
الذي قلنا في قوله: (
وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس، قوله
( فَلا
تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) قال: بالقرآن.
وقال
آخرون في ذلك بما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا
كَبِيرًا ) قال:
الإسلام. وقرأ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقرأ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وقال: هذا
الجهاد الكبير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ( 53 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي خلط البحرين, فأمرج أحدهما في الآخر, وأفاضه فيه. وأصل
المرج الخلط, ثم يقال للتخلية مرج؛ لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره,
فكأنه قد مرجه، ومنه الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, وقوله لعبد الله بن
عمرو: « كَيْفَ
بِكَ يا عَبْدَ اللهِ إذَا كُنْتَ في حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ, قَدْ مَرِجَتْ
عُهُودُهُمْ وأماناتُهُمْ, وصَارُوا هَكَذا وشبَّك بين أصابعه. يعني بقوله: قد
مرجت: اختلطت, ومنه قول الله: فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي مختلط. وإنما قيل للمرج مرج
من ذلك, لأنه يكون فيه أخلاط من الدوابّ, ويقال: مَرَجْت دابتك: أي خليتها تذهب
حيث شاءت. ومنه قول الراجز: »
رَعَى
بِهَا مَرَجَ رَبيعٍ مَمْرَج
وبنحو ما
قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) يعني أنه خلع أحدهما على الآخر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) أفاض أحدهما على الآخر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ ) يقول:
خلع أحدهما على الآخر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد ( مَرَجَ ) أفاض أحدهما على الآخر.
وقوله ( هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ) الفرات: شديد العذوبة, يقال:
هذا ماء فرات: أي شديد العذوبة وقوله ( وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يقول: وهذا ملح مرّ، يعني بالعذب الفرات: مياه الأنهار
والأمطار, وبالملح الأجاج: مياه البحار.
وإنما
عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه, وعظيم سلطانه, يخلط ماء البحر العذب بماء البحر
الملح الأجاج, ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته, وإفساده إياه بقضائه
وقدرته, لئلا يضرّ إفساده إياه بركبان الملح منهما, فلا يجدوا ماء يشربونه عند
حاجتهم إلى الماء, فقال جلّ ثناؤه: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ) يعني حاجزا يمنع كل واحد
منهما من إفساد الآخر (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) يقول:
وجعل كلّ واحد منهما حراما محرّما على صاحبه أن يغيره ويفسده.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يعني أنه خلع أحدهما على الآخر, فليس يفسد العذب المالح,
وليس يفسد المالح العذب, وقوله: (
وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ) قال:
البرزخ: الأرض بينهما (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) يعني:
حجر أحدهما على الآخر بأمره وقضائه, وهو مثل قوله وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
حَاجِزًا .
وحدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
محبسا، قوله: (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
لا يختلط البحر بالعذب.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
حاجزا لا يراه أحد, لا يختلط العذب في البحر. قال ابن جُرَيج: فلم أجد بحرا عذبا
إلا الأنهار العذاب, فإن دجلة تقع في البحر, فأخبرني الخبير بها أنها تقع في
البحر, فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من
البحر, والنيل يصبّ في البحر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان, وقوله ( حِجْرًا مَحْجُورًا ) : أي لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا, لا يبغي أحدهما على
الآخر.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن رجاء, عن الحسن, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
هذا اليبس.
حدثنا
الحسن, قال: ثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
جعل هذا ملحا أجاجًا, قال: والأجاج: المرّ.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يقول: خلع أحدهما على الآخر, فلا يغير أحدهما طعم الآخر ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) هو
الأجل ما بين الدنيا والآخرة (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) جعل
الله بين البحرين حجرا, يقول: حاجزا حجز أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) وجعل
بينهما سترا لا يلتقيان. قال: والعرب إذا كلم أحدهم الآخر بما يكره قال حجرا, قال:
سترا دون الذي تقول.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) دون
القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بينهما حاجزا من الأرض أو من اليبس, لأن
الله تعالى ذكره أخبر في أوّل الآية أنه مرج البحرين, والمرج: هو الخلط في كلام
العرب على ما بيَّنت قبل, فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين,
والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين, وقد أخبر جلّ ثناؤه أنه
مرجهما, وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات, مع
اختلاط كلّ واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كلّ واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه,
فليس هناك مرج, ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس, ويذكرون
به, وإن كان كلّ ما ابتدعه ربنا عجيبا, وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ
الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ( 54 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي خلق من النطف بشرا إنسانا فجعله نسبا, وذلك سبعة, وصهرا,
وهو خمسة.
كما
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في
قوله: (
فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ) النسب:
سبع, قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... إلى قوله وَبَنَاتُ الأُخْتِ
والصهر خمس, قوله: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ... إلى قوله
وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ .
وقوله: ( وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ) يقول: وربك يا محمد ذو قدرة
على خلق ما يشاء من الخلق, وتصريفهم فيما شاء وأراد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ
ظَهِيرًا ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهة لا تنفعهم, فتجلب إليهم نفعا
إذا هم عبدوها, ولا تضرّهم إن تركوا عبادتها, ويتركون عبادة من أنعم عليهم هذه
النعم التي لا كفاء لأدناها, وهي ما عدّد علينا جلّ جلاله في هذه الآيات من قوله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إلى قوله: قَدِيرًا ، ومن قدرته
القدرة التي لا يمتنع عليه معها شيء أراده, ولا يتعذّر عليه فعل شيء أراد فعله, ومن
إذا أراد عقاب بعض من عصاه من عباده أحلّ به ما أحلّ بالذين وصف صفتهم من قوم
فرعون وعاد وثمود وأصحاب الرّسّ, وقرونا بين ذلك كثيرا, فلم يكن لمن غضب عليه منه
ناصر, ولا له عنه دافع (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكان الكافر معينا للشيطان على ربه,
مظاهرا له على معصيته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
يظاهر الشيطان على معصية الله بعينه.
حدثني محمد
بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال:
ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال: معينا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله. قال ابن
جُرَيج: أبو جهل معينا ظاهر الشيطان على ربه.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
عونا للشيطان على ربه على المعاصي.
حدثني
يونس. قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
على ربه عوينا. والظهير: العوين. وقرأ قول الله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا
لِلْكَافِرِينَ قال: لا تكونن لهم عوينا. وقرأ أيضا قول الله: وَأَنْـزَلَ
الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ قال: ظاهروهم:
أعانوهم.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) يعني: أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أبا جهل بن هشام.
وقد كان
بعضهم يوجه معنى قوله: (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) أي وكان الكافر على ربه هينا، من قول العرب: ظهرت به, فلم
ألتفت إليه, إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه, وكأنّ الظهير كان عنده فعيل صرف من
مفعول إليه من مظهور به, كأنه قيل: وكان الكافر مظهورا به. والقول الذي قلناه هو
وجه الكلام, والمعنى الصحيح, لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من
دونه, فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إياهم, وذمّ فعلهم دون الخبر عن هوانهم على
ربهم, ولم يجر لاستكبارهم عليه ذكر, فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا
مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( 56 ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا
مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ( 57 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ) يا محمد إلى من أرسلناك إليه ( إِلا مُبَشِّرًا ) بالثواب الجزيل, من آمن بك
وصدّقك, وآمن بالذي جئتهم به من عندي, وعملوا به ( وَنَذِيرًا ) من كذّبك وكذّب ما جئتهم به من عندي, فلم يصدّقوا به, ولم
يعملوا ( قُلْ
مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول له: قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم, ما أسألكم يا قوم
على ما جئتكم به من عند ربي أجرا, فتقولون: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا
إليه, فلا نتبعه فيه, ولا نعطيه من أموالنا شيئا، ( إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ
يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ) يقول:
لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله, وفيما يقربه
إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوّه, وغير ذلك من سبل الخير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ
الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ
خَبِيرًا ( 58 )
يقول
تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها، فثق به
في أمر ربك وفوّض إليه, واستسلم له, واصبر على ما نابك فيه. قوله: ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) يقول: واعبده شكرا منك له على
ما أنعم به عليك. قوله: (
وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) يقول: وحسبك بالحي الذي لا يموت خابرا بذنوب خلقه, فإنه لا
يخفى عليه شيء منها, وهو محص جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ( 59 )
يقول
تعالى ذكره: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ( الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فقال: ( وَمَا بَيْنَهُمَا ) وقد ذكر السماوات والأرض,
والسماوات جماع, لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين, كما قال القطامي:
ألَـــمْ
يَحْــزُنْكَ أنَّ حِبــالَ قَيْسٍ وتَغْلِــبَ قَــدْ تَبايَنَتــا انقِطاعــا
يريد:
وحبال تغلب فثنى, والحبال جمع, لأنه أراد الشيئين والنوعين.
وقوله: ( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) قيل: كان ابتداء ذلك يوم
الأحد, والفراغ يوم الجمعة ( ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ ) يقول: ثم استوى على العرش الرحمن وعلا عليه, وذلك يوم السبت
فيما قيل. وقوله: (
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) يقول:
فاسأل يا محمد خبيرا بالرحمن, خبيرا بخلقه, فإنه خالق كلّ شيء, ولا يخفى عليه ما
خلق.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) قال: يقول لمحمد صلى الله
عليه وسلم: إذا أخبرتك شيئا, فاعلم أنه كما أخبرتك, أنا الخبير، والخبير في قوله:
(
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) منصوب
على الحال من الهاء التي في قوله به.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا
وَزَادَهُمْ نُفُورًا ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم: ( اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ) أي اجعلوا سجودكم لله خالصا
دون الآلهة والأوثان. قالوا: (
أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ( لِمَا تَأْمُرُنَا ) بمعنى: أنسجد نحن يا محمد لما
تأمرنا أنت أن نسجد له. وقرأته عامة قرّاء الكوفة « لمَا يَأْمُرُنا » بالياء, بمعنى: أنسجد لما يأمر الرحمن، وذكر بعضهم أن
مُسيلمة كان يُدعى الرحمن, فلما قال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم اسجدوا للرحمن,
قالوا: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة؟ يعنون مُسَيلمة بالسجود له.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك, أنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان, قد قرأ بكل
واحد منهما علماء من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَزَادَهُمْ نُفُورًا ) يقول: وزاد هؤلاء المشركين
قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن من إخلاص السجود لله, وإفراد الله بالعبادة بعدا
مما دعوا إليه من ذلك فرارا.
القول
في تأويل قوله تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي
السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ( 61 )
يقول
تعالى ذكره: تقدّس الربّ الذي جعل في السماء بروجا، ويعني بالبروج: القصور, في قول
بعضهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى وسلم بن جنادة, قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس,
قال: سمعت أبي, عن عطية بن سعد, في قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: قصورا في السماء, فيها
الحرس.
حدثنا
محمد بن المثنى, قال: ثني أبو معاوية, قال: ثني إسماعيل, عن يحيى بن رافع, في
قوله: (
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: قصورا في السماء.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن إبراهيم ( جَعَلَ فِي السَّمَاءِ
بُرُوجًا ) قال:
قصورًا في السماء.
حدثني
إسماعيل بن سيف, قال: ثني عليّ بن مسهر, عن إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال:
قصورا في السماء فيها الحرس.
وقال
آخرون: هي النجوم الكبار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن المثنى, قال: ثنا يعلى بن عبيد, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال:
النجوم الكبار.
قال: ثنا
الضحاك, عن مخلد, عن عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: الكواكب.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( بُرُوجًا ) قال: البروج: النجوم.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء, لأن ذلك في
كلام العرب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وقول الأخطل:
كَأَنَّهَــا
بُــرْجُ رُومــيّ يُشَــيِّدُهُ بــانٍ بِجِــصّ وآجُــر وأحْجـارِ
يعني
بالبرج: القصر.
قوله: ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك,
فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) على التوحيد, ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس, وهي
السراج التي عني عندهم بقوله: (
وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) .
كما
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, في قوله: ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا
وَقَمَرًا مُنِيرًا ) قال:
السراج: الشمس.
وقرأته
عامة قرّاء الكوفيين «
وَجَعَلَ فِيها سُرُجا » على
الجماع, كأنهم وجهوا تأويله: وجعل فيها نجوما ( وَقَمَرًا مُنِيرًا ) وجعلوا النجوم سرجا إذ كان يهتدي بها.
والصواب
من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار, لكل
واحدة منهما وجه مفهوم, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَقَمَرًا مُنِيرًا ) يعني بالمنير: المضيء.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا ( 62 )
اختلف
أهل التأويل في تأويل قوله: (
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) فقال بعضهم: معناه: أن الله جعل كل واحد منهما خلفًا من
الآخر, في أن ما فات أحدهما من عمل يعمل فيه لله, أدرك قضاؤه في الآخر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القمي, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية, عن شقيق قال:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: فاتتني الصلاة الليلة, فقال: أدرك
ما فاتك من ليلتك في نهارك, فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر, أو
أراد شكورا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) يقول:
من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار, أو من النهار أدركه بالليل.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال:
جعل أحدهما خلفا للآخر, إن فات رجلا من النهار شيء أدركه من الليل, وإن فاته من
الليل أدركه من النهار.
وقال
آخرون: بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا صاحبه, فجعل هذا أسود وهذا أبيض.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةً ) قال:
أسود وأبيض.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا يحيى بن يمان, قال: ثنا سفيان, عن عمر بن قيس بن أبي
مسلم الماصر, عن مجاهد (
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: أسود وأبيض.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه, إذا ذهب هذا جاء هذا, وإذا جاء
هذا ذهب هذا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو أحمد الزبيري, قال: ثنا قيس, عن عمر بن قيس الماصر, عن
مجاهد, قوله: (
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: هذا يخلف هذا, وهذا يخلف هذا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال:
لو لم يجعلهما خلفة لم يدر كيف يعمل, لو كان الدهر ليلا كله كيف يدري أحد كيف
يصوم, أو كان الدهر نهارا كله كيف يدري أحد كيف يصلي. قال: والخلفة: مختلفان, يذهب
هذا ويأتي هذا, جعلهما الله خلفة للعباد, وقرأ ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) والخلفة: مصدر, فلذلك وحدت,
وهي خبر عن الليل والنهار; والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة, وذلك إذا جاء شيء
مكان شيء ذهب قبله, كما قال الشاعر:
وَلهَـــــا
بالمَـــــاطِرُونَ إذَا أَكَـــلَ النَّمْــلُ الَّــذِي جَمَعَــا
خِلْفَـــةٌ
حَـــتَّى إذَا ارْتَبَعَـــتْ سَـــكَنَتْ مِـــنْ جِــلَّقٍ بِيَعَــا
وكما قال
زهير:
بِهَــا
العِيْـنُ والآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وأطْلاؤُهـا يَنْهَضْـنَ مِـنْ كُـلّ
مَجْثَمِ
يعني
بقوله: يمشين خلفة: تذهب منها طائفة, وتخلف مكانها طائفة أخرى. وقد يحتمل أن
زُهَيرا أراد بقوله: خلفة: مختلفات الألوان, وأنها ضروب في ألوانها وهيئاتها.
ويحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا, وتجيء كذا.
وقوله ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ ) يقول
تعالى ذكره: جعل الليل والنهار, وخلوف كل واحد منهما الآخر حجة وآية لمن أراد أن
يذكَّر أمر الله, فينيب إلى الحق ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) أو أراد شكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل
والنهار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) قال: شكر نعمة ربه عليه
فيهما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ ) ذاك
آية له ( أَوْ
أَرَادَ شُكُورًا ) قال:
شكر نعمة ربه عليه فيهما.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله: (
يَذَّكَّرَ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( يَذَّكَّرَ ) مشددة, بمعنى يتذكر. وقرأه عامة قرّاء الكوفيين: « يَذْكُرَ » مخففة، وقد يكون التشديد
والتخفيف في مثل هذا بمعنى واحد. يقال: ذكرت حاجة فلان وتذكرتها.
والقول
في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب
فيهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلامًا ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) بالحلم والسكينة والوقار غير
مستكبرين, ولا متجبرين, ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, غير أنهم اختلفوا, فقال بعضهم: عنى بقوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) أنهم
يمشون عليها بالسكينة والوقار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
قال: ثنا
عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن مجاهد: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالحلم والوقار.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث; قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد, قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا )
بالوقار والسكينة.
حدثني
يحيى بن طلحة اليربوعي, قال: ثنا شريك, عن سالم, عن سعيد وعبد الرحمن ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) قالا
بالسكينة والوقار.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن شريك, عن جابر, عن عمار, عن عكرمة, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
قال: ثنا
ابن يمان, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أيوب, عن عمرو الملائي ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالطاعة والتواضع.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) بالطاعة
والعفاف والتواضع.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: يمشون على الأرض
بالطاعة.
حدثني
أحمد بن عبد الرحمن, قال: ثني عمي عبد الله بن وهب, قال: كتب إليّ إبراهيم بن
سويد, قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: التمست تفسير هذه الآية ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) فلم
أجدها عند أحد, فأُتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أسامة بن زيد بن أسلم, عن أبيه, قال: لا يفسدون
في الأرض.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: لا يتكبرون على الناس, ولا يتجبرون, ولا يفسدون. وقرأ
قول الله تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن في ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
حلماء, وإن جُهِلَ عليهم لم يجهلوا.
حدثنا
ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
حلماء.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
علماء حلماء لا يجهلون.
وقوله: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) يقول:
وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول, أجابوهم بالمعروف من القول, والسداد
من الخطاب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أبو الأشهب, عن الحسن ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ) ... الآية, قال: حلماء, وإن
جُهل عليهم لم يجهلوا.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن معمر, عن يحيى بن المختار, عن الحسن, في قوله
(
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: إن المؤمنين قوم ذُلُلٌ,
ذلّت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح, حتى يحسبهم الجاهل مرضى, وإنهم لأصحاء
القلوب, ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم, ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة,
فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ والله ما حزنهم حزن
الدنيا, ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة, أبكاهم الخوف من النار, وإنه من
لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعَ نفسه على الدنيا حسرات, ومن لم ير لله عليه نعمة إلا
في مطعم ومشرب, فقد قلّ علمه وحضر عذابه.
حدثنا
ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال:
سدادا.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن
مجاهد (
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: سَدَادا من القول.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوريّ, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) حلماء.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون,
وإن جُهِل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم - خير ليل - صفوا
أقدامهم, وأجْرَوا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جلّ ثناؤه في فكاك رقابهم.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عبادة, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون وإن
جهل عليهم حلموا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ
عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( 65 ) إِنَّهَا
سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 66 )
يقول
تعالى ذكره: والذين يبيتون لربهم يصلون لله, يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام.
وقوله: (
وَقِيَامًا ) جمع
قائم, كما الصيام جمع صائم (
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) يقول تعالى ذكره: والذين
يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه وعذابه حذرا منه ووجلا . وقوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) يقول:
إن عذاب جهنم كان غراما ملحا دائما لازما غير مفارق من عذِّب به من الكفار, ومهلكا
له. ومنه قولهم: رجل مُغْرم, من الغُرْم والدَّين. ومنه قيل للغريم غَريم لطلبه
حقه, وإلحاحه على صاحبه فيه. ومنه قيل للرجل المولع للنساء: إنه لمغرَم بالنساء,
وفلان مغرَم بفلان: إذا لم يصبر عنه; ومنه قول الأعشى:
إنْ يُعَــاقِب
يَكُـنْ غَرَامـا وَإِنْ يُـعْـ ـطِ جَـــزِيلا فَإِنَّـــهُ لا يبـــالي
يقول: إن
يعاقب يكن عقابه عقابا لازما, لا يفارق صاحبه مهلكا له، وقول بشر بن أبي خازم:
وَيــوْمَ
النِّســارِ وَيَــوْمَ الجِفــا رِ كَــانَ عِقَابًــا وَكَــانَ غَرَامـا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن الحسن اللاني, قال: أخبرنا المعافي بن عمران الموصلي, عن موسى بن عبيدة, عن
محمد بن كعب في قوله: ( إِنَّ
عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال:
إن الله سأل الكفار عن نعمه, فلم يردّوها إليه, فأغرمهم, فأدخلهم النار.
قال: ثنا
المعافي, عن أبي الأشهب, عن الحسن, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال: قد علموا أن كلّ غريم
مفارق غريمه إلا غريم جهنم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) قال:
الغرام: الشرّ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) قال:
لا يفارقه.
وقوله ( إِنَّهَا سَاءَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) يقول:
إن جهنم ساءت مستقرًّا ومقاما, يعني بالمستقرّ: القرار, وبالمقام: الإقامة; كأن
معنى الكلام: ساءت جهنم منـزلا ومقاما. وإذا ضمت الميم من المقام فهو من الإقامة,
وإذا فتحت فهو من قمت, ويقال: المقام إذا فتحت الميم أيضا هو المجلس، ومن المُقام
بضمّ الميم بمعنى الإقامة, قول سلامة بن جندل:
يَوْمــانِ:
يَــوْمُ مُقَامــاتٍ وأَنْدِيَـةٍ وَيَـوْمُ سَـيْرٍ إلـى الأعْـداءِ تَـأوِيبَ
ومن
المُقام الذي بمعنى المجلس, قول عباس بن مرداس:
فــأيِّي
مــا وأيُّــكَ كـانَ شَـرًّا فقِيــدَ إلــى المَقَامَــة لا يَرَاهــا
يعني:
المجلس.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا
لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( 67 )
يقول
تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها.
ثم اختلف
أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع, وما الإسراف فيها والإقتار.
فقال بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله وإن قلت: قال: وإياها عني الله,
وسماها إسرافا. قالوا: والإقتار: المنع من حقّ الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: هم المؤمنون لا يسرفون
فينفقون في معصية الله, ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى.
حدثنا
أبو كُريب, قال: ثنا ابن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: لو أنفقت مثل
أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا, ولو أنفقت صاعا فى معصية الله كان سرفا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهما واحدا, ولم يقتروا
ولم يُقصِّروا عن النفقة في الحق.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: لم يسرفوا فينفقوا في
معاصي الله كلّ ما أنفق في معصية الله, وإن قلّ فهو إسراف, ولم يقتروا فيمسكوا عن
طاعة الله. قال: وما أُمْسِكَ عن طاعة الله وإن كثر فهو إقتار.
قال:
أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن
الإسراف ما هو؟ قال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف.
وقال
آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد السلام بن حرب, عن مغيرة, عن إبراهيم,
قوله: (
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: لا يجيعهم ولا يعريهم
ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف.
حدثني
سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس أبو عبد الله المخزومي
المكي, قال: سمعت وهيب بن الورد أبا الورد مولى بني مخزوم, قال: لقي عالم عالما هو
فوقه في العلم, فقال: يرحمك الله أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو؟
قال: هو ما سترك من الشمس, وأكنك من المطر, قال: يرحمك الله, فأخبرني عن هذا
الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما سدّ الجوع ودون الشبع, قال: يرحمك
الله, فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما ستر عورتك, وأدفأك
من البرد.
حدثني يونس,
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح, عن يزيد بن أبي حبيب في هذه
الآية: (
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا ) ...
الآية, قال: كانوا لا يلبسون ثوبا للجمال, ولا يأكلون طعاما للذّة, ولكن كانوا
يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم, ويكتَنُّون به من الحرّ والقرّ, ويريدون من
الطعام ما سدّ عنهم الجوع, وقواهم على عبادة ربهم.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن العلاء بن عبد الكريم, عن يزيد بن مرّة
الجعفي. قال: العلم خير من العمل, والحسنة بين السيئتين, يعني: إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا, وخير الأعمال أوساطها.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا مسلم بن إبراهيم, قال: ثنا كعب بن فروخ, قال: ثنا قتادة, عن
مطرِّف بن عبد الله, قال: خير هذه الأمور أوساطها, والحسنة بين السيئتين. فقلت
لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟ فقال: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا ) ...
الآية.
وقال
آخرون: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا سالم بن سعيد, عن أبي مَعْدان, قال: كنت عند عون بن عبد
الله بن عتبة, فقال: ليس المسرف من يأكل ماله, إنما المسرف من يأكل مال غيره.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك, قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في
هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه, والإقتار: ما قصر
عما أمر الله به, والقوام: بين ذلك.
وإنما
قلنا إن ذلك كذلك, لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة
مرخصا فيهما ما كانا مذمومين, ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما, لأن ما أذن الله
في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ.
فإن قال
قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم ذلك مفهوم في كلّ شيء من المطاعم
والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك, نكره تطويل الكتاب بذكر كلّ نوع
من ذلك مفصلا غير أن جملة ذلك هو ما بيَّنا وذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع
ما يضعف بدنه, وينهك قواه ويشغله عن طاعة ربه, وأداء فرائضه؛ فذلك من السرف, وأن
يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه وينهك قواه ويضعفه عن أداء فرائض ربه؛
فذلك من الإقتار وبين ذلك القوام على هذا النحو, كل ما جانس ما ذكرنا، فأما اتخاذ
الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه مع الناس, وحضوره المحافل والجمع والأعياد دون ثوب
مهنته, أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه, مما ارتفع عما قد يسدّ الجوع,
مما هو دونه من الأغذية, غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته,
فذلك خارج عن معنى الإسراف, بل ذلك من القوام, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد
أمر ببعض ذلك, وحضّ على بعضه, كقوله: « مَا عَلى أحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ: ثَوْبًا
لِمِهْنَتِهِ, وَثَوْبًا لجُمْعَتِهِ وَعِيدِه » وكقوله: « إذَا
أنْعَمَ اللهُ عَلَى عبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ » وما أشبه ذلك من الأخبار التي
قد بيَّناها في مواضعها.
وأما
قوله: (
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) فإنه
النفقة بالعدل والمعروف على ما قد بيَّنا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن أبي سليمان, عن وهب بن منبه, في
قوله: (
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال:
الشطر من أموالهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) النفقة
بالحقّ.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) قال:
القوام: أن ينفقوا في طاعة الله, ويمسكوا عن محارم الله.
قال:
أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفْرة, قال: قلت له: ما القوام؟ قال:
القوام: أن لا تنفق في غير حقّ, ولا تمسك عن حقّ هو عليك. والقوام في كلام العرب,
بفتح القاف, وهو الشيء بين الشيئين. تقول للمرأة المعتدلة الخلق: إنها لحسنة
القوام في اعتدالها, كما قال الحطيئة:
طَــافَتْ
أُمَامَــةُ بالرُّكْبــانِ آونَـةً يـا حُسْـنَهُ مِـنْ قَـوَام مـا
وَمُنْتَقَبـا
فأما إذا
كسرت القاف فقلت: إنه قِوام أهله, فإنه يعني به: أن به يقوم أمرهم وشأنهم. وفيه
لغات أُخَر, يقال منه: هو قيام أهله وقيّمهم في معنى قوامهم. فمعنى الكلام: وكان
إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلا لا مجاوزة عن حد الله, ولا تقصيرا عما
فرضه الله, ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحه جلّ ثناؤه, وأذن فيه ورخص.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَلَمْ يَقْتُرُوا ) فقرأته
عامة قرّاء المدينة « ولمْ
يُقْتروا » بضم
الياء وكسر التاء من أقتر يَقْتِر. وقرأته عامة قرّاء الكوفيين ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) بفتح الياء وضم التاء من قتر
يَقْتُر. وقرأته عامة قرّاء البصرة « وَلمْ يَقْتِروا » بفتح الياء وكسر التاء من قتر يَقْتِر.
والصواب
من القول في ذلك, أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب,
وقراءات مستفيضات وفي قرّاء الأمصار بمعنى واحد, فبأيتها قرأ القارئ فمصيب.
وقد
بيَّنا معنى الإسراف والإقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب, فأغنى
ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وفي نصب القَوام وجهان: أحدهما ما ذكرت, وهو أن يجعل
في كان اسم الإنفاق بمعنى: وكان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما: أي عدلا والآخر
أن يجعل بين هو الاسم, فتكون وإن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع, كما يقال: كان
دون هذا لك كافيا, يعني به: أقلّ من هذا كان لك كافيا, فكذلك يكون في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) لأن
معناه: وكان الوسط من ذلك قواما.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( 68 )
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( 69 )
إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 70 ) وَمَنْ تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر, فيشركون في عبادتهم إياه, ولكنهم
يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة ( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) قتلها ( إِلا بِالْحَقِّ ) إما بكفر بالله بعد إسلامها,
أو زنا بعد إحصانها, أو قتل نفس, فتقتل بها ( وَلا يَزْنُونَ ) فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يقول: ومن يأت هذه الأفعال,
فدعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله بغير الحق, وزنى ( يَلْقَ أَثَامًا ) يقول: يلق من عقاب الله عقوبة
ونكالا كما وصفه ربنا جلّ ثناؤه, وهو أنه ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
فِيهِ مُهَانًا ) ، ومن
الأثام قول بَلْعَاءَ بن قيس الكناني:
جَـزَى
اللـهُ ابْـنَ عُـرْوَةَ حيْثُ أمْسَى عُقُوقـــا والعُقُــوقُ لَــهُ أثــامُ
يعني
بالأثام: العقاب.
وقد ذُكر
أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين
أرادوا الدخول في الإسلام, ممن كان منه في شركه هذه الذنوب, فخافوا أن لا ينفعهم
مع ما سلف منهم من ذلك إسلام, فاستفتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك,
فأنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية, يعلمهم أن الله قابل توبة من تاب منهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: ثني يعلى بن مسلم,
عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قَتَلُوا فأكثروا, فأتوا
محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسن, لو تخبرنا أن لما
عملنا كفارة, فنـزلت (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) ونـزلت: قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى
قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا
تَشْعُرُونَ قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء.
حدثنا
عبد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا سفيان, عن أبي معاوية, عن أبي عمرو الشيباني,
عن عبد الله, قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟ قال: أنْ تَدْعُوَ
للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأَكُلَ
مَعَكَ, وأنْ تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ , وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم من كتاب الله (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) .
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان عن الأعمش ومنصور, عن أبي وائل، عن
عمرو بن شرحبيل, عن عبد الله, قال: قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم؟ أنْ
تَجْعَلَ للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ، قلت: ثم أي؟ قال: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
خَشْيَةَ أَنْ يَأَكُلَ مَعَكَ, قلت: ثم أي؟ قال: أنْ تُزَاني حَلِيلَةِ جَارِكَ « فأنـزل تصديق قول النبي صلى
الله عليه وسلم: (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) » ... الآية.
حدثنا
سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا عليّ بن قادم, قال: ثنا أسباط بن نصر الهمداني, عن
منصور, عن أبي وائل, عن أبي ميسرة, عن عبد الله بن مسعود, عن النبيّ صلى الله عليه
وسلم, نحوه.
حدثني
عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثني عمي يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن سفيان,
عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي
الذنب أكبر؟ ثم ذكر نحوه.
حدثني
أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: ثنا عامر بن مدرك, قال: ثنا السريّ - يعني ابن
إسماعيل - قال: ثنا الشعبي, عن مسروق, قال: قال عبد الله: « خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يوم, فاتبعته, فجلس على نشَز من الأرض, وقعدت أسفل منه, ووجهي حيال
ركبتيه, فاغتنمت خلوته وقلت: بأبي وأمي يا رسول الله, أي الذنوب أكبر؟ قال : » أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدّا وهُوَ
خَلَقَكَ. قلت: ثم مه؟ قال: « أنْ
تَقْتَلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قلت: ثم مه؟ قال: « أنْ تُزَانِي حَلِيلَةِ
جَارِكَ » , ثم
تلا هذه الآية: (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى آخر الآية.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جُبير, أو
حُدثت عن سعيد بن جُبير, أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين
الآيتين التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... إلى آخر
الآية, والآية التي في الفرقان (
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) إلى (
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) قال
ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فلا
توبة له، والتي في الفرقان لما أنـزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله,
وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ, فما ينفعنا الإسلام؟ قال: فنـزلت ( إِلا مَنْ تَابَ ) قال: فمن تاب منهم قُبل منه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جبير, أو قال: حدثني الحكم
عن سعيد بن جُبير, قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي, فقال: سل ابن عباس, عن هاتين
الآيتين, ما أمرهما عن الآية التي في الفرقان ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) الآية, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فسألت ابن عباس عن ذلك, فقال: لما أنـزل الله
التي في الفرقان, قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله, ودعونا مع
الله إلها آخر, فقال: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) الآية. فهذه لأولئك. وأما التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... الآية, فإن الرجل إذا عرف
الإسلام, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فجزاؤه جهنم, فلا توبة له. فذكرته لمجاهد, فقال:
إلا من ندم.
حدثنا
محمد بن عوف الطائي, قال: ثنا أحمد بن خالد الذهني, قال: ثنا شيبان, عن منصور بن
المعتمر, قال: ثني سعيد بن جُبير, قال لي سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: سل ابن
عباس، عن هاتين الآيتين عن قول الله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى ( مَنْ تَابَ ) وعن قوله وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... إلى آخر الآية، قال: فسألت عنها ابن عباس, فقال:
أنـزلت هذه الآية في الفرقان بمكة إلى قوله ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) فقال المشركون: فما يغني عنا
الإسلام, وقد عدلنا بالله, وقتلنا النفس التي حرّم الله, وأتينا الفواحش, قال:
فأنـزل الله ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ... إلى آخر الآية, قال: وأما من دخل في الإسلام وعقله, ثم
قتل, فلا توبة له.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس, قال في هذه الآية (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ... الآية, قال: نـزلت في أهل الشرك.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن سعيد بن جُبير,
قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هذه الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) فذكر
نحوه.
حدثني
عبد الكريم بن عمير, قال: ثنا إبراهيم بن المنذر, قال: ثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان,
مَولى لبني الديل من أهل المدينة, عن فليح الشماس, عن عبيد بن أبي عبيد, عن أبي
هريرة, قال: « صليت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العَتَمة, ثم انصرفت فإذا امرأة عند بابي, ثم
سلمت, ففتحت ودخلت, فبينا أنا في مسجدي أصلي, إذ نقرت الباب, فأذنت لها, فدخلت
فقالت: إني جئتك أسألك عن عمل عملت, هل لي من توبة؟ فقالت: إني زنيت وولدت,
فقتلته, فقلت : ولا لا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة تقول: يا
حسرتاه, أخُلق هذا الحسن للنار؟ قال: ثم صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح
من تلك الليلة, ثم جلسنا ننتظر الإذن عليه, فأذن لنا, فدخلنا, ثم خرج من كان معي,
وتخلفت, فقال: مَا لَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ, ألَكَ حَاجَة؟ فقلت له: يا رسول الله
صليت معك البارحة ثم انصرفت. وقصصت عليه ما قالت المرأة, فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ما قُلْت لَهَا؟ قال: قلت لها: لا والله، ولا نعمت العين ولا كرامة, فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: » بِئسَ
مَا قُلتَ، أمَا كُنْتَ تَقْرَأ هذِهِ الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ... الآية ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) فقال
أبو هريرة: فخرجت, فلم أترك بالمدينة حصنا ولا دارًا إلا وقفت عليه, فقلت: إن تكن
فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة الليلة, فلتأتني ولتبشر; فلما صليت مع النبيّ صلى
الله عليه وسلم العشاء, فإذا هي عند بابي, فقلت: أبشري, فإني دخلت على النبيّ,
فذكرت له ما قلت لي, وما قلت لك, فقال: وبئس ما قلت لها, أما كنت تقرأ هذه الآية؟
فقرأتها عليها, فخرّت ساجدة, فقالت: الحمد لله الذي جعل مخرجًا وتوبة مما عملت, إن
هذه الجارية وابنها حرَّان لوجه الله, وإني قد تبت مما عملت « . »
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك, عن
أبي الجوزاء, قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة, فما شيء من القرآن إلا
سألته عنه, ورسولي يختلف إلى عائشة, فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول: إن
الله يقول لذنب: لا أغفره.
وقال
آخرون: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني المغيرة بن عبد الرحمن
الحراني, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد أنه دخل على أبيه وعنده رجل من أهل العراق,
وهو يسأله عن هذه الآية التي في تبارك الفرقان, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فقال زيد بن ثابت: قد عرفت الناسخة من المنسوخة, نسختها
التي في النساء بعدها بستة أشهر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الضحاك بن
مزاحم: هذه السورة بينها وبين النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثمان
حجج. وقال ابن جُرَيج: وأخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جُبير: هل لمن
قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ فقال: لا فقرأ عليه هذه الآية كلها, فقال سعيد بن جُبير: قرأتها
على ابن عباس كما قرأتها علي, فقال: هذه مكية, نسختها آية مدنية, التي في سورة
النساء، وقد أتينا على البيان عن الصواب من القول في هذه الآية التي في سورة
النساء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو
الذي قلنا في الأثام من القول, قال أهل التأويل, إلا أنهم قالوا: ذلك عقاب يعاقب
الله به من أتى هذه الكبائر بواد في جهنم يُدعى أثاما.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت أبي يحدّث, عن قتادة, عن
أبي أيوب الأزدي, عن عبد الله بن عمرو, قال: الأثام: واد في جهنم.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: واديا في جهنم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, حدثنا ابن حميد
قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, في قوله: ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَامًا ) قال:
واديا في جهنم فيه الزناة.
حدثني
العباس بن أبي طالب, قال: ثنا محمد بن زياد, قال: ثنا شرقي بن قطاميّ, عن لقمان بن
عامر الخزاعيّ, قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهلي, فقلت: حدثني حديثًا
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فدعا لي بطعام, ثم قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « لَوْ
أَنَّ صَخْرَةً زِنَةَ عَشْر عَشْرَوَاتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ ما
بَلَغَتْ قَعْرَهَا خَمْسِينَ خَرِيفا, ثُمَّ تَنْتَهِي إلى غَيٍّ وأثامٍ » . قلت: وما غيّ وأثام؟ قال:
بِئْرَان فِي أَسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أهْلِ النَّار, وهما
اللذان ذكر الله في كتابه أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا وقوله في الفرقان ( وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: الأثام الشرّ, وقال:
سيكفيك ما وراء ذلك: (
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: نكالا قال: وقال: إنه
واد في جهنم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن هشيم, قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم
قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين
خريفا بحجر يهوي فيها أو بصخرة تهوي, عظمها كعشر عشراوات سمان, فقال له رجل: فهل
تحت ذلك من شيء؟ قال: نعم غيّ وأثام.
قوله: ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) اختلفت
القرّاء في قراءته, فقرأته عامة قراء الأمصار سوى عاصم ( يُضَاعفْ ) جزما ( وَيَخْلُدْ ) جزما. وقرأه عاصم: ( يضَاعَفُ ) رفعا ( وَيَخْلُدُ ) رفعا كلاهما على الابتداء,
وأن الكلام عنده قد تناهى عند (
يَلْقَ أَثَامًا ) ثم
ابتدأ قوله: (
يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ ) .
والصواب من القراءة عندنا فيه: جزم الحرفين كليهما: يضاعفْ, ويخلدْ, وذلك أنه
تفسير للأثام لا فعل له, ولو كان فعلا له كان الوجه فيه الرفع, كما قال الشاعر:
مَتـى
تأْتِـهِ تَعْشُـو إلـى ضَـوْءِ نَارِهِ تَجِـدْ خَـيْرَ نَـارٍ عِنْدَهَـا
خَـيْرُ مُوقِدِ
فرفع
تعشو, لأنه فعل لقوله تأته, معناه: متى تأته عاشيا.
وقوله ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في
هوان. وقوله: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) يقول تعالى ذكره: ومن يفعل هذه الأفعال التي ذكرها جلّ
ثناؤه يلق أثاما ( إِلا
مَنْ تَابَ ) يقول:
إلا من راجع طاعة الله تبارك وتعالى بتركه ذلك, وإنابته إلى ما يرضاه الله ( وَآمَنَ ) يقول: وصدّق بما جاء به محمد
نبيّ الله (
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) يقول:
وعمل بما آمره الله من الأعمال, وانتهى عما نهاه الله عنه.
قوله: ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه:
فأولئك يبدّل الله بقبائح أعمالهم في الشرك, محاسن الأعمال في الإسلام, فيبدله
بالشرك إيمانا, وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان به, وبالزنا عفة وإحصانا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات, فرغب الله
بهم عن ذلك, فحوّلهم إلى الحسنات, وأبدلهم مكان السيئات حسنات.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ... إلى آخر الآية, قال: هم الذين يتوبون فيعملون بالطاعة,
فيبدّل الله سيئاتهم حسنات حين يتوبون.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن سعيد, قال: نـزلت ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى آخر الآية في وحشي
وأصحابه, قالوا: كيف لنا بالتوبة, وقد عبدنا الأوثان, وقتلنا المؤمنين, ونكحنا
المشركات, فأنـزل الله فيهم ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله, وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالا مع
المسلمين للمشركين, وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال ابن عباس, في
قوله: (
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: بالشرك إيمانا, وبالقتل
إمساكا, والزنا إحصانا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) وهذه
الآية مكية نـزلت بمكة (
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يعني:
الشرك, والقتل, والزنا جميعا. لما أنـزل الله هذه الآية قال المشركون من أهل مكة:
يزعم محمد أن من أشرك وقتل وزنى فله النار, وليس له عند الله خير, فأنـزل الله ( إِلا مَنْ تَابَ ) من المشركين من أهل مكة, ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) يقول: يبدّل الله مكان الشرك والقتل والزنا: الإيمان بالله,
والدخول في الإسلام, وهو التبديل في الدنيا. وأنـزل الله في ذلك يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ يعنيهم بذلك لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يعني ما كان في الشرك، يقول
الله لهم: (
أَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) , يدعوهم إلى الإسلام, فهاتان الآيتان مكيتان والتي في
النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... الآية, هذه مدنية, نـزلت
بالمدينة, وبينها وبين التي نـزلت في الفرقان ثمان سنين, وهي مبهمة ليس منها مخرج.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا أبو تُمَيْلة, قال ثنا أبو حمزة, عن جابر, عن مجاهد, قال: سُئل
ابن عباس عن قول الله جلّ ثناؤه: ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) فقال:
بُـــدِّلْنَ
بَعْـــدَ حَــرّهِ خَرِيفــا وَبَعْـــدَ طُــولِ النَّفَسِ الوَجِيفــا
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ...إلى
قوله: (
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) فقال
المشركون: ولا والله ما كان هؤلاء الذين مع محمد إلا معنا, قال: فأنـزل الله ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ) قال: تاب من الشرك, قال: وآمن
بعقاب الله ورسوله (
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) قال:
صدّق, (
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: يبدّل الله أعمالهم
السيئة التي كانت في الشرك بالأعمال الصالحة حين دخلوا في الإيمان.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك, فأولئك يبدل الله سيئاتهم في الدنيا حسنات لهم يوم القيامة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أحمد بن عمرو البصري, قال: ثنا قريش بن أنس أبو أنس, قال: ثني صالح بن رستم, عن
عطاء الخراساني, عن سعيد بن المسيب ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: تصير سيئاتهم حسنات لهم
يوم القيامة.
حدثنا
الحسن بن عرفة, قال: ثنا محمد بن حازم أبو معاوية, عن الأعمش, عن المعرور بن سويد,
عن أبي ذرّ, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنِّي لأعْرِفُ آَخِرَ أهْلِ
النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ, وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولا الجَنَّةَ, قال:
يُؤتَى بِرجُلٍ يَومَ القِيَامَةِ, فَيُقَالُ: نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وسَلُوهُ
عَنْ صِغَارِهَا, قال: فَيُقُالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا, وَعَمِلْتَ كَذَا
وكَذَا, قال: فيَقُولُ: يا رَبّ لَقَدْ عَمِلْتُ أشْيَاءَ ما أرَاها هاهُنَا, قال:
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه, قال: فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ مَكَانَ
كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ » .
قال أبو
جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويل من تأوّله: فأولئك يبدل الله
سيئاتهم: أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام, بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال
إلى ما يرضى.
وإنما
قلنا ذلك أولى بتأويل الآية, لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من
القُبح, وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه إلا بتغييرها عما
كانت عليه من صفتها في حال أخرى, فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي
كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة,
وذلك ما لا يقوله ذو حجا.
وقوله: ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) يقول
تعالى ذكره: وكان الله ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده, وراجع طاعته, وذا رحمة به
أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها. قوله: ( وَمَنْ تَابَ ) يقول: ومن تاب من المشركين, فآمن بالله ورسوله ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) يقول: وعمل بما أمره الله
فأطاعه, فإن الله فاعل به من إبداله سيئ أعماله في الشرك بحسنها في الإسلام, مثل
الذي فعل من ذلك بمن تاب وآمن وعمل صالحا قبل نـزول هذه الآية من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) قال: هذا للمشركين الذين
قالوا لما أنـزلت (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى قوله ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) لأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان هؤلاء إلا معنا, قال: ومن تاب وعمل صالحا
فإن لهم مثل ما لهؤلاء (
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) لم تُحظر التوبة عليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( 72 )
اختلف
أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه, فقال
بعضهم: معناه الشرك بالله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: ( لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: الشرك.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
هؤلاء المهاجرون, قال: والزور قولهم لآلهتهم, وتعظيمهم إياها.
وقال
آخرون: بل عني به الغناء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن عبد الأعلى المحاربيّ قال: ثنا محمد بن مروان, عن ليث, عن مجاهد في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
لا يسمعون الغناء.
وقال
آخرون: هو قول الكذب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
الكذب.
قال أبو
جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء, ووصفه بخلاف صفته, حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه,
أنه خلاف ما هو به, والشرك قد يدخل في ذلك, لأنه محسَّن لأهله, حتى قد ظنوا أنه
حق, وهو باطل, ويدخل فيه الغناء, لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت, حتى يستحلي
سامعه سماعه, والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه, حتى يظنّ صاحبه أنه حق,
فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور.
فإذا كان
ذلك كذلك, فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من
الباطل لا شركا, ولا غناء, ولا كذبا ولا غيره, وكلّ ما لزمه اسم الزور, لأن الله
عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور, فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة
يجب التسليم لها, من خبر أو عقل.
وقوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) اختلف
أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذُكر في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: ما كان
المشركون يقولونه للمؤمنين, ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كراما إعراضهم عنهم
وصفحهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
صفحوا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
إذا أوذوا مرّوا كراما, قال: صفحوا.
وقال
آخرون: بل معناه: وإذا مرّوا بذكر النكاح, كفوا عنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوام بن حوشب, عن مجاهد ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام بن حوشب, عن مجاهد،
(
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبي مخزوم, عن سيار ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) إذا
مرّوا بالرفث كفُّوا.
وقال
آخرون: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
هؤلاء المهاجرون, واللغو ما كانوا فيه من الباطل, يعني المشركين وقرأ
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ
وقال
آخرون: عُني باللغو هاهنا: المعاصي كلها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
اللغو كله: المعاصي.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي, أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء
المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مرّوا كراما, واللغو في كلام العرب هو
كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل, أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان
بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مما يُستقبح في بعض
الأماكن, فهو من اللغو, وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما
عظموه على نحو ما عظموه, وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين, فكل ذلك يدخل
في معنى اللغو, فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو, أن يقال: عُني به بعض ذلك
دون بعض, إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذ كان ذلك كذلك, فتأويل
الكلام: وإذا مرّوا بالباطل فسمعوه أو رأوه, مرّوا كراما، مرورهم كراما في بعض ذلك
بأن لا يسمعوه, وذلك كالغناء. وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا, وذلك إذا أو
ذوا بإسماع القبيح من القول، وفي بعضه بأن يَنْهَوْا عن ذلك, وذلك بأن يروا من
المنكر ما يغير بالقول فيغيروه بالقول. وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف, وذلك
بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم, فيستصرخهم المراد ذلك منهم, فيصرخونهم, وكلّ
ذلك مرورهم كراما.
وقد
حدثني ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن مسلم, عن إبراهيم بن
ميسرة, قال: مرّ ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ
لَكَرِيما » .
وقيل: إن
هذه الآية مكية.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت السديّ يقول: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
هي مكية, وإنما عني السديّ بقوله هذا إن شاء الله, أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين
بقتال المشركين بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وأمرهم
إذا مرّوا باللَّغو الذي هو شرك, أن يُقاتلوا أمراءه, وإذا مرّوا باللغو, الذي هو
معصية لله أن يغيروه, ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة, وهذا القول نظير تأويلنا الذي
تأولناه في ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ( 73 )
يقول
تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله, لم يكونوا صما لا يسمعون, وعميا
لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب, فهماء العقول, يفهمون عن الله ما يذِّكرهم به,
ويفهمون عنه ما ينبههم عليه, فيوعون مواعظه آذانا سمعته, وقلوبا وعته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا
صُمًّا وَعُمْيَانًا ) فلا
يسمعون, ولا يبصرون, ولا يفقهون حقا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) قال: لا يفقهون, ولا يسمعون,
ولا يبصرون.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علَية, عن ابن عون, قال: قلت للشعبيّ: رأيت قوما
قد سجدوا ولم أعلم ما سجدوا منه أسجد قال: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) قال: هذا مثل ضربه الله لهم,
لم يدعوها إلى غيرها, وقرأ قول الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... الآية.
فإن قال
قائل: وما معنى قوله ( لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) أوَ يَخرّ الكافرون صما وعميانا إذا ذكروا بآيات الله,
فَيُنْفَى عن هؤلاء ما هو صفة للكفار؟ قيل: نعم, الكافر إذا تُليت عليه آيات الله
خرّ عليها أصم وأعمى, وخرّه عليها كذلك: إقامته على الكفر, وذلك نظير قول العرب:
سببت فلانا, فقام يبكي, بمعنى فظلّ يبكي, ولا قيام هنالك, ولعله أن يكون بكى
قاعدا، وكما يقال: نهيت فلانا عن كذا, فقعد يشتمني: ومعنى ذلك: فجعل يشتمني, وظلّ
يشتمني, ولا قعود هنالك, ولكن ذلك قد جرى على ألسن العرب, حتى قد فهموا معناه.
وذكر الفرّاء أنه سمع العرب تقول: قعد يشتمني, كقولك: قام يشتمني, وأقبل يشتمني;
قال: وأنشد بعض بني عامر:
لا
يُقْنِـــعُ الجَارِيَــةَ الخِضَــابُ ولا الوِشــــاحانِ ولا الجِلْبـــابُ
مــنْ
دُونِ أنْ تَلْتَقِــي الأرْكــابُ وَيَقْعُـــدَ الأيْـــرُ لَــهُ لُعــابُ
بمعنى:
يصير, فكذلك قوله: ( لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) إنما معناه: لم يصَمُّوا عنها, ولا عموا عنها, ولم يصيروا
على باب ربهم صُمًّا وعمْيانًا, كما قال الراجز:
وَيَقْعَدَ
الهَنُ لَهُ لُعَابُ
بمعنى:
ويصير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا
من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) يعنون: من يعمل لك بالطاعة فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا
والآخرة.
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا حزم, قال: سمعت كثيرا سأل الحسن, قال: يا أبا سعيد, قول
الله: ( هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) في الدنيا والآخرة؟ قال: لا
بل في الدنيا, قال: وما ذاك؟ قال: المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله.
حدثنا
الفضل بن إسحاق, قال: ثنا سالم بن قُتَيبة, قال: ثنا حزم, قال: سمعت الحسن فذكر
نحوه.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: قرأ حضرمي ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: وإنما قرّة أعينهم أن يروهم يعملون بطاعة الله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج فيما قرأنا عليه في قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك, ولا يجرُّون الجرائر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك يحسنون عبادتك, ولا يجرّون علينا الجرائر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يسألون الله لأزواجهم
وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
حدثنا
محمد بن عون, قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, قال: ثني أبي, عن صفوان بن عمرو,
عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير, عن أبيه, قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود,
فقال: لقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أشدّ حالة بُعث عليها نبيّ من
الأنبياء في فترة وجاهلية, ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان, فجاء بفرقان فَرق
به بين الحق والباطل, وفرق بين الوالد وولده, حتى إن كان الرجل ليرى ولده ووالده
وأخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإسلام, فيعلم أنه إن مات دخل النار, فلا
تقرّ عينه, وهو يعلم أن حبيبه في النار, وإنها للتي قال الله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ... الآية.
حدثني
ابن عوف, قال: ثني علي بن الحسن العسقلاني, عن عبد الله بن المبارك, عن صفوان, عن
عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَيرٍ, عن أبيه, عن المقداد, نحوه.
وقيل: هب
لنا قرّة أعين, وقد ذكر الأزواج والذريات وهم جمع, وقوله: ( قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) واحدة لأن قوله: قرّة أعين مصدر
من قول القائل: قرّت عينك قرة, والمصدر لا تكاد العرب تجمعه.
وقوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) اختلف
أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه: اجعلنا أئمة يَقْتَدِي بنا من بعدنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن عبد الأعلى بن واصل, قال: ثني عون بن سلام, قال: أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي
روق, عن الضحاك, عن ابن عباس, في قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) يقول: أثمة يُقْتَدَى بنا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) أثمة
التقوى ولأهله يقتدى بنا. قال ابن زيد: كما قال لإبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا .
وقال
آخرون: بل معناه: واجعلنا للمتقين إمامًا: نأتمّ بهم, ويأتمّ بنا من بعدنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في
قوله: (
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) أئمة نقتدي بمن قبلنا, ونكون أئمة لمن بعدنا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا ابن عيينة, عن أبن أبي نجيح, عن
مجاهد: (
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) قال: اجعلنا مؤتمين بهم, مقتدين بهم.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: واجعلنا للمتقين الذين
يتقون معاصيك, ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات, لأنهم إنما سألوا ربهم
أن يجعلهم للمتقين أئمة ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما, وقال: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) ولم
يقل أئمة. وقد قالوا: واجعلنا وهم جماعة, لأن الإمام مصدر من قول القائل: أمّ فلان
فلانا إماما, كما يقال: قام فلان قياما وصام يوم كذا صياما. ومن جمع الإمام أئمة,
جعل الإمام اسما, كما يقال: أصحاب محمد إمام, وأئمة للناس. فمن وحَّد قال: يأتمّ
بهم الناس. وهذا القول الذي قلناه في ذلك قول بعض نحويِّي أهل الكوفة. وقال بعض
أهل البصرة من أهل العربية: الإمام في قوله: ( لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) جماعة, كما تقول: كلهم عُدُول. قال: ويكون على الحكاية كما
يقول القائل: إذا قيل له: من أميركم، هؤلاء أميرنا، واستشهد لذلك بقول الشاعر:
يــا
عــاذِلاتي لا تُـرِدْنَ مَلامَتِـي إنَّ العــوَاذلَ لَسْــنَ لــي بـأمِيرِ
القول
في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ
الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ( 75 )
يقول
تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي, وذلك من ابتداء قوله: وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ... إلى قوله:
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا ... الآية ( يُجْزَوْنَ ) يقول: يُثابون على أفعالهم
هذه التي فعلوها في الدنيا (
الْغُرْفَةَ ) وهي
منـزلة من منازل الجنة رفيعة ( بِمَا
صَبَرُوا ) يقول:
بصبرهم على هذه الأفعال, ومقاساة شدتها. وقوله: ( وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ) اختلفت القرّاء في قراءته,
فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وَيُلَقَّوْنَ ) مضمومة الياء, مشدّدة القاف, بمعنى: وتتلقاهم الملائكة فيها
بالتحية. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: « وَيَلْقَوْنَ » بفتح الياء, وتخفيف القاف.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار بمعنى واحد,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن أعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها « وَيَلْقَوْنَ فِيهَا » بفتح الياء, وتخفيف القاف. لأن
العرب إذا قالت ذلك بالتشديد, قالت: فلان يُتَلَّقَّى بالسلام وبالخير ونحن
نتلقاهم بالسلام, قرنته بالياء وقلما تقول: فلان يُلقَّى السلام, فكان وجه الكلام
لو كان بالتشديد, أن يقال: ويُتَلَقَّوْنَ فيها بالتحية والسلام.
وإنما
اخترنا القراءة بذلك, كما تجيز أخذت بالخطام, وأخذت الخطام.
وقد
بيَّنا معنى التحية والسلام فيما مضى قبل, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 76 ) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا
دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ( 77 )
يقول
تعالى ذكره: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا, خالدين في الغرفة, يعني أنهم ماكثون
فيها, لابثون إلى غير أمد, حسنت تلك الغرفة قرارا لهم ومقاما. يقول: وإقامة.
وقوله: ( قُلْ
مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) يقول
جلّ ثناؤه لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: أيّ شيء يَعُدّكم, وأيّ
شيء يصنع بكم ربي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئا, وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته,
كما قال الشاعر:
كــــأنَّ
بِنَحْـــرِهِ وبمَنْكَبَيْـــهِ عَبِــيرًا بــاتَ يَعْبَــؤُهُ عَـرُوسُ
يقول:
يهيئه ويعمله يعبؤُه عبا وعبوءا, ومنه قولهم: عَبَّأت الجيش بالتشديد والتخفيف
فأنا أعبئه: أُهَيِّئُهُ والعبءُ: الثقل.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي ) يصنع
لولا دعاؤكم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي ) قال:
يعبأ: يفعل.
وقوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول: لولا عبادة من يعبده
منكم, وطاعة من يطيعه منكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي
لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول:
لولا إيمانكم, وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين, ولو كان
له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حبَّبه إلى المؤمنين.
وحدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) قال: لولا دعاؤكم إياه
لتعبدوه وتطيعوه.
وقوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) يقول تعالى ذكره لمشركي قريش
قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم
وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به لو تمسكتم به, كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون
تكذيبكم رسول ربكم, وخلافكم أمر بارئكم, عذابًا لكم ملازما, قتلا بالسيوف وهلاكا
لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا, كما قال أبو ذُؤَيب الهُذَليّ:
فَفاجــــأَهُ
بِعادِيَــــةٍ لِـــزَامٍ كمَــا يَتَفَجَّــرُ الحَــوْضُ اللَّقِيـفُ
يعني
باللزام: الكبير الذي يتبع بعضه بعضا, وباللقيف: المتساقط الحجارة المتهدّم, ففعل
الله ذلك بهم, وصدقهم وعده, وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه, وألحق بعضهم ببعض, فكان
ذلك العذاب اللزام.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني مولى لشقيق بن
ثور أنه سمع سلمان أبا عبد الله, قال: صليت مع ابن الزُّبير فسمعته يقرأ: فقد كذب
الكافرون.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا سعيد بن أدهم السدوسيّ, قال:
ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة, عن عبد المجيد, قال: سمعت مسلم بن عمار, قال:
سمعت ابن عباس يقرأ هذا الحرف: فقد كذب الكافرون ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) .
حدثنا محمد
بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) يقول: كذب الكافرون أعداء
الله.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن ابن مسعود, قال:
فسوف يلقون لزاما يوم بدر.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق. قال: قال عبد
الرحمن: خمس قد مضين: الدخان, واللزام, والبطشة, والقمر, والروم.
حدثني
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال أُبَيِّ بن كعب: هو القتل
يوم بدر.
حدثنا بن
حميد, قال: ثنا سلمة, عن عمرو, عن مغيرة, عن إبراهيم, قال: اللزام: يوم بدر.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: هو يوم بدر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: يوم بدر.
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن مَعْمر, عن منصور, عن سفيان, عن ابن مسعود, قال:
اللزام, القتل يوم بدر.
حُدثت عن
الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ
يَكُونُ لِزَامًا ) الكفار
كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من عند الله, فسوف يكون لزاما,
وهو يوم بدر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله, قال: قد مضى اللزام,
كان اللزام يوم بدر, أسروا سبعين, وقتلوا سبعين.
وقال آخرون:
معنى اللزام: القتال.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: فسوف يكون قتالا اللزام:
القتال.
وقال
آخرون: اللزام: الموت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: موتا.
وقال بعض
أهل العلم بكلام العرب: معنى ذلك: فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو
شرّ. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك. وللنصب في اللزامِ وجه آخر غير الذي
قلناه, وهو أن يكون في قوله (
يَكُون ) مجهول,
ثم ينصب اللزام على الخبر كما قيل:
إذَا كان
طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَقتالا
وقد كان
بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبأ بكم ربي لولا
دعاؤكم ما تَدْعون من دونه من الآلهة والأنداد, وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه
عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.
آخر
تفسير سورة الفرقان, والحمد لله وحده.
تفسير سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : طسم ( 1 ) تِلْكَ آيَاتُ
الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 )
قال أبو
جعفر: وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما في ابتداء فواتح سور القرآن من حروف
الهجاء, وما انتزع به كل قائل منهم لقوله ومذهبه من العلة. وقد بيَّنا الذي هو
أولى بالصواب من القول فيه فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته, وقد ذكر
عنهم من الاختلاف في قوله: طسم و طس , نظير الذي ذكر عنهم في: الم و المر و المص .
وقد
حدثني عليّ بن داود, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن
عباس, في قوله: ( طسم ) قال: فإنه قسم أقسمه الله,
وهو من أسماء الله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( طسم ) قال: اسم من أسماء القرآن.
فتأويل
الكلام على قول ابن عباس والجميع: إن هذه الآيات التي أنـزلتها على محمد صلى الله
عليه وسلم في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنـزلته إليه من قبلها الذي بين لمن
تدبره بفهم, وفكر فيه بعقل, أنه من عند الله جلّ جلاله, لم يتخرّصه محمد صلى الله
عليه وسلم, ولم يتقوّله من عنده, بل أوحاه إليه ربه.
وقوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ
أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) يقول
تعالى ذكره: لعلك يا محمد قاتل نفسك ومهلكها إن لم يؤمن قومك بك, ويصدقوك على ما
جئتهم به والبخْع: هو القتل والإهلاك في كلام العرب; ومنه قول ذي الرُّمة:
ألا
أيُّهَــذَا البــاخعُ الوَجْـدُ نَفْسَـهُ لشَــيْءٍ نَحَتْـهُ عَـنْ يَدَيْـهِ
المَقـادِرُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: ( بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) : قاتل نفسك.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ
أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) قال:
لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك, قال: ذلك البخع.
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) عليهم حرصا.
وأن من
قوله: ( أَلا
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) في
موضع نصب بباخع, كما يقال: زرت عبد الله أن زارني, وهو جزاء; ولو كان الفعل الذي
بعد أن مستقبلا لكان وجه الكلام في « أن » الكسر
كما يقال; أزور عبد الله إن يزورني.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ
عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ( 4 )
اختلف أهل
التأويل في تأويل قوله: (
فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ) ...
الآية, فقال بعضهم: معناه: فظلّ القوم الذين أنـزل عليهم من السماء آية خاضعة
أعناقهم لها من الذلَّة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ
لَهَا خَاضِعِينَ ) قال:
فظلوا خاضعة أعناقهم لها.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( خَاضِعِينَ ) قال: لو شاء الله لنـزل عليه
آية يذلون بها, فلا يلوي أحد عنقه إلى معصية الله.
حدثنا
القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
إِنْ نَشَأْ نُنـزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً ) قال: لو شاء الله لأراهم أمرا
من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بمعصية.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال: ملقين أعناقهم.
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ
لَهَا خَاضِعِينَ ) قال:
الخاضع: الذليل.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين, ويقول: الأعناق: هم
الكبراء من الناس.
واختلف
أهل العربية في وجه تذكير (
خاضعين ) , وهو
خبر عن الأعناق, فقال بعض نحوييّ البصرة: يزعمون أن قوله ( أعْنَاقُهُمْ ) على الجماعات, نحو: هذا عنق
من الناس كثير, أو ذُكِّر كما يذكَّر بعض المؤنث, كما قال الشاعر:
تَمَزَّزْتُهــا
والـدّيكُ يَدْعُـو صَبَاحَـهُ إذا مــا بنـو نَعْشٍ دَنَـوْا فَتَصَوَّبُـوا
فجماعات
هذا أعناق, أو يكون ذكره لإضافته إلى المذكر كما يؤنث لإضافته إلى المؤنث, كما قال
الأعشى:
وتشـرقُ
بـالقَوْلِ الَّـذِي قَـدْ أذَعْتَـه كمَـا شَـرَقَتْ صَـدْرُ القَنـاةِ مِنَ
الدَّم
وقال
العجاج:
لَمَّا
رأى مَتْنَ السَّماء أبْعَدَتْ
وقال
الفرزدق:
إذَا
الْقُنْبُضَـاتُ السُّـودُ طَوَّفْنَ بالضحى رَقَــدْنَ عَلَيهِـنَّ الحِجَـالُ
المُسَـجَّفُ
وقال
الأعشى:
وإن
أمــرأً أهْــدَى إلَيْـكَ وَدُونَـهُ مِـنَ الأرْضِ يَهْمـاءٌ وَبَيْـدَاءُ
خَـيْفَقُ
لَمَحْقُوقَــة
أن تَسْــتَجِيبِي لِصَوْتِـهِ وأنْ تَعْلَمِــي أنَّ المُعــانَ المُـوَفَّقُ
قال:
ويقولون: بنات نعش وبنو نعش, ويقال: بنات عِرس, وبنو عِرس; وقالت امرأة: أنا امرؤ
لا أخبر السرّ, قال: وذكر لرؤبة رجل فقال: هو كان أحد بنات مساجد الله, يعني
الحَصَى. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا بمنـزلة قول الشاعر:
تَـــرَى
أرْمَـــاحَهُمْ مُتَقَلديهـــا إذَا صَــدِئَ الحَــدِيدُ عـلى الكُمـاةِ
فمعناه
عنده: فظلت أعناقهم خاضعيها هم, كما يقال: يدك باسطها, بمعنى: يدك باسطها أنت,
فاكتفى بما ابتدأ به من الاسم أن يكون, فصار الفعل كأنه للأوّل وهو للثاني, وكذلك
قوله: لمحقوقة أن تستجيبي لصوته إنما هو لمحقوقة أنت, والمحقوقة: الناقة, إلا أنه
عطفه على المرء لما عاد بالذكر. وكان آخر منهم يقول: الأعناق: الطوائف, كما يقال:
رأيت الناس إلى فلان عنقا واحدة, فيجعل الأعناق الطوائف والعصب; ويقول: يحتمل أيضا
أن تكون الأعناق هم السادة والرجال الكبراء, فيكون كأنه قيل: فظلت رءوس القوم
وكبراؤهم لها خاضعين, وقال: أحب إلي من هذين الوجهين في العربية أن يقال: إن
الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون, فجعلت الفعل أولا للأعناق, ثم جعلت خاضعين
للرجال, كما قال الشاعر:
عَـلى
قَبْضَـة مَرْجُـوَّة ظَهْـرُ كَفِّـهِ فَـلا المَـرْءُ مُسْـتَحي وَلا هُـوَ
طاعِمُ
فأنث فعل
الظهر, لأن الكفّ تجمع الظهر, وتكفي منه, كما أنك تكتفي بأن تقول: خضعت لك, من أن
تقول: خَضَعَتْ لك رقبتي, وقال: ألا ترى أن العرب تقول: كل ذي عين ناظر وناظرة
إليك, لأن قولك: نظرتْ إليك عيني, ونظرت إليك بمعنى واحد بترك كل, وله الفعل ومرده
إلى العين, فلو قلت: فظلت أعناقهم لها خاضعة, كان صوابا.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون
الأعناق هي أعناق الرجال, وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة, للآية التي
ينـزلها الله عليهم من السماء, وأن يكون قوله « خاضعين » مذكرا,
لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق, فيكون ذلك نظير قول جرير:
أرَى
مَــرَّ السِّــنِينَ أخَــذْنَ مِنِّـي كمَــا أخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الهـلالِ
وذلك أن
قوله: مرّ, لو أسقط من الكلام, لأدى ما بقي من الكلام عنه ولم يفسد سقوطه معنى
الكلام عما كان به قبل سقوطه, وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: فظلت أعناقهم, لأدى
ما بقي من الكلام عنها, وذلك أن الرجال إذا ذلوا, فقد ذلت رقابهم, وإذا ذلت رقابهم
فقد ذلوا.
فإن قيل
في الكلام: فظلوا لها خاضعين, كان الكلام غير فاسد, لسقوط الأعناق, ولا متغير
معناه عما كان عليه قبل سقوطها, فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق, وإن كان قد
ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم, إذا كان الاسم المبتدأ
به, وما أضيف إليه يؤدّي الخبر كل واحد منهما عن الآخر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ
ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد
من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك, وحقيقة ما تدعوهم
إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك, لتذكرهم به, إلا أعرضوا عن استماعه, وتركوا
إعمال الفكر فيه وتدبره.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 6 )
يقول
تعالى ذكره: فقد كذب يا محمد هؤلاء المشركون بالذكر الذي أتاهم من عند الله,
وأعرضوا عنه (
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول: فسيأتيهم أخبار الأمر
الذي كانوا يسخرون منه, وذلك وعيد من الله لهم أنه محلّ بهم عقابه على تماديهم في
كفرهم, وتمرّدهم على ربهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى
الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المشركون المكذّبون بالبعث والنشر إلى الأرض, كم أنبتنا
فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) يعني بالكريم: الحسن, كما
يقال للنخلة الطيبة الحمل: كريمة, وكما يقال للشاة أو الناقة إذا غزرتا, فكثرت
ألبانهما: ناقة كريمة, وشاة كريمة.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ
كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) قال:
من نبات الأرض, مما تأكل الناس والأنعام.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: اخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) قال: حسن.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 9 )
يقول
تعالى ذكره: إن في إنباتنا في الأرض من كلّ زوج كريم لآية. يقول: لدلالة لهؤلاء
المشركين المكذّبين بالبعث, على حقيقته, وأن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض
ذلك النبات بعد جدوبتها, لن يُعجزه أن يُنْشر بها الأموات بعد مماتهم, أحياء من
قبورهم.
وقوله: ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ) يقول:
وما كان أكثر هؤلاء المكذبين بالبعث, الجاحدين نبوتك يا محمد, بمصدقيك على ما
تأتيهم به من عند الله من الذكر.
يقول جلّ
ثناؤه: وقد سبق في علمي أنهم لا يؤمنون, فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم.
وقوله: (
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) يقول: وإن ربك يا محمد لهو العزيز في نقمته, لا يمتنع عليه
أحد أراد الانتقام منه. يقول تعالى ذكره: وإني إن أحللت بهؤلاء المكذبين بك يا
محمد, المعرضين عما يأتيهم من ذكر من عندي, عقوبتي بتكذيبهم إياك, فلن يمنعهم مني
مانع, لأني أنا العزيز الرحيم, يعني أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه من كفره
ومعصيته, أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته.
وكان ابن
جُرَيج يقول في معنى ذلك, ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني الحجاج, عن
ابن جُرَيج قال: كلّ شيء في الشعراء من قوله ( الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم, يقول عزيز, حين انتقم من
أعدائه, رحيم بالمؤمنين, حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع, لأن قوله: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) عقيب
وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث, لم يكونوا أهلكوا, فيوجه إلى أنه
خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه.ولعلّ ابن جُرَيج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك
عقيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمم, وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم
كذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى
أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (
11 )
يقول
تعالى ذكره: واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران ( أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ) يعني
الكافرين قوم فرعون, ونصب القوم الثاني ترجمة عن القوم الأوّل, وقوله: ( أَلا يَتَّقُونَ ) يقول: ألا يتقون عقاب الله على
كفرهم به. ومعنى الكلام: قوم فرعون فقل لهم: ألا يتقون. وترك إظهار فقل لهم لدلالة
الكلام عليه. وإنما قيل: ألا يتقون بالياء, ولم يقل ألا تتقون بالتاء, لأن
التنـزيل كان قبل الخطاب, ولو جاءت القراءة فيها بالتاء كان صوابا, كما قيل: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ
) و
سَتُغْلَبُونَ
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ
أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ
إِلَى هَارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 )
يقول تعالى
ذكره: ( قال ) موسى لربه ( رَبِّ إِنِّي أَخَافُ ) من قوم فرعون الذين أمرتني أن
آتيهم ( أَنْ
يُكَذِّبُونِ ) بقيلي
لهم: إنك أرسلتني إليهم. (
وَيَضِيقُ صَدْرِي ) من
تكذيبهم إياي إن كذّبوني. ورفع قوله: ( وَيَضِيقُ صَدْرِي ) عطفا به على أخاف, وبالرفع فيه قرأته عامة قرّاء الأمصار,
ومعناه: وإني يضيق صدري .وقوله: ( وَلا
يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) يقول:
ولا ينطق بالعبارة عما ترسلني به إليهم, للعلة التي كانت بلسانه. وقوله: ( وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) كلام معطوف به على يضيق.
وقوله: (
فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ) يعني
هارون أخاه, ولم يقل: فأرسل إليّ هارون ليؤازرني وليعينني, إذ كان مفهوما معنى
الكلام, وذلك كقول القائل: لو نـزلت بنا نازلة لفزعنا إليك, بمعنى: لفزعنا إليك
لتعيننا. وقوله: (
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) يقول:
ولقوم فرعون عليّ دعوى ذنب أذنبت إليهم, وذلك قتله النفس التي قتلها منهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثني عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ
فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) قال:
قتل النفس التي قتل منهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: قتْل موسى
النفس.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) قال: قتل النفس.
وقوله: ( فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) يقول: فأخاف أن يقتلوني قودا
بالنفس التي قتلت منهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ كَلا فَاذْهَبَا
بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ ( 17 )
يقول
تعالى ذكره: ( كَلا ) : أي لن يقتلك قوم فرعون. ( فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ) يقول: فاذهب أنت وأخوك
بآياتنا, يعني بأعلامنا وحججنا التي أعطيناك عليهم. وقوله: ( إِنَّا مَعَكُمْ
مُسْتَمِعُونَ ) من قوم
فرعون ما يقولون لكم, ويجيبونكم به. وقوله: ( فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا ) ... الآية, يقول: فأت أنت يا
موسى وأخوك هارون فرعون. (
فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) إليك ب ( أَنْ
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وقال رسول ربّ العالمين, وهو يخاطب اثنين بقوله فقولا لأنه
أراد به المصدر من أرسلت, يقال: أرسلت رسالة ورسولا كما قال الشاعر:
لَقَـدْ
كَـذَبَ الوَاشُـونَ ما بُحْتُ عِندَهمْ بِسُـــوءٍ وَلا أرْسَــلْتُهُمْ
بِرَسُــولِ
يعنى
برسالة, وقال الآخر:
ألا
مــنْ مُبْلِــغٌ عَنّــي خُفافــا رَسُــولا بَيْــتُ أهلِــكَ مُنْتَهاهـا
يعني
بقوله: رسولا رسالة, فأنث لذلك الهاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ
فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ
فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 19 )
وفي هذا
الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه, وهو: فأتيا فرعون فأبلغاه رسالة
ربهما إليه, فقال فرعون: ألم نربك فينا يا موسى وليدا, ولبثت فينا من عمرك سنين؟
وذلك مكثه عنده قبل قتل القتيل الذي قتله من القبط. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ ) يعني:
قتله النفس التي قتل من القبط.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي
فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ
الضَّالِّينَ قال: قتل النفس
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
وإنما
قيل (
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ) لأنها
مرة واحدة, ولا يجوز كسر الفاء إذا أريد بها هذا المعنى. وذُكر عن الشعبي أنه قرأ
ذلك: «
وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ » بكسر
الفاء, وهي قراءة لقراءة القرّاء من أهل الأمصار- مخالفة.
وقوله: ( وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
) اختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين بالله على
ديننا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) يعني على ديننا هذا الذي تعيب.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتنا عليك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) قال: ربيناك فينا وليدا, فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا
نفسا, وكفرت نعمتنا!.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
) يقول:
كافرا للنعمة لأن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر.
قال أبو
جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويل الآية, لأن فرعون لم يكن مقرّا
لله بالربوبية وإنما كان يزعم أنه هو الرب, فغير جائز أن يقول لموسى إن كان موسى
كان عنده على دينه يوم قتل القتيل على ما قاله السديّ : فعلت الفعلة وأنت من
الكافرين, الإيمان عنده: هو دينه الذي كان عليه موسى عنده, إلا أن يقول قائل: إنما
أراد: وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى, على قولك اليوم, فيكون ذلك وجها يتوجه.
فتأويل الكلام إذن: وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك, وإحساننا
إليك في قتلك إياه.
وقد قيل:
معنى ذلك: وأنت الآن من الكافرين لنعمتي عليك, وتربيتي إياك.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ
لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت, أي قتلت تلك النفس التي
قتلت إذن وأنا من الضالين. يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي
بتحريم قتله عليّ. والعرب تضع من الضلال موضع الجهل, والجهل موضع الضلال, فتقول:
قد جهل فلان الطريق وضل الطريق, بمعنى واحد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال ابن
جُرَيج: وفي قراءة ابن مسعود: « وأنا
مِنَ الجَاهِلِينَ » .
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ فقال موسى: لم أكفر, ولكن فعلتها وأنا من الضالين.
وفي حرف ابن مسعود: « فعلتها
إذا وأنا من الجاهلين » .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قبل أن
يأتيني من الله شيء كان قتلي إياه ضلالة خطأ. قال: والضلالة ههنا الخطأ, لم يقل
ضلاله فيما بينه وبين الله.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) يقول:
وأنا من الجاهلين.
وقوله ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا
خِفْتُكُمْ ) ...
الآية, يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى لفرعون: ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ ) معشر الملأ من قوم فرعون ( لَمَّا خِفْتُكُمْ ) أن تقتلوني بقتلي القتيل
منكم. (
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ) يقول:
فوهب لي ربي نبوّة وهي الحكم.
كما
حدثنا موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط عن السديّ: ( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا
)
والحكم: النبوّة.
وقوله: ( وَجَعَلَنِي مِنَ
الْمُرْسَلِينَ ) يقول:
وألحقني بعداد من أرسله إلى خلقه, مبلغا عنه رسالته إليهم بإرساله إياي إليك يا
فرعون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا
عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 22 ) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ ( 23 ) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ ) يعني
بقوله: وتلك تربية فرعون إياه, يقول: وتربيتك إياي, وتركك استعبادي, كما استعبدت
بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ بحقّ. وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر
عليه عنه, وهو: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني, فلم تستعبدني,
فترك ذكر «
وتركتني » لدلالة
قوله ( أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) عليه,
والعرب تفعل ذلك اختصارا للكلام, ونظير ذلك في الكلام أن يستحق رجلان من ذي سلطان
عقوبة, فيعاقب أحدهما, ويعفو عن الآخر, فيقول المعفو عنه هذه نعمة علي من الأمير
أن عاقب فلانا, وتركني, ثم حذف « وتركني
» لدلالة
الكلام عليه, ولأن في قوله: ( أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وجهين:
أحدهما النصب, لتعلق « تمنها
» بها,
وإذا كانت نصبا كان معنى الكلام: وتلك نعمة تمنها علي لتعبدك بني إسرائيل. والآخر:
الرفع على أنها ردّ على النعمة. وإذا كانت رفعا كان معنى الكلام: وتلك نعمة تمنها
عليّ تعبيدك بني إسرائيل. ويعني بقوله: ( أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) : أن اتخذتهم عبيدا لك. يقال
منه: عبدت العبيد وأعبدتهم, قال الشاعر:
عَـلامَ
يُعْبِـدنِي قَـومِي وقـدْ كَـثُرَتْ فِيهــا أبـاعِرُ مـا شـاءُوا وَعُبْـدَانُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال:
قهرتهم واستعملتهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: تمن علي أن عبَّدت
بني إسرائيل, قال: قهرت وغلبت واستعملت بني إسرائيل.
حدثنا
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وربيتني قبل وليدا.
وقال
آخرون: هذا استفهام كان من موسى لفرعون, كأنه قال: أتمنّ عليّ أن اتخذت بني
إسرائيل عبيدا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ ) قال:
يقول موسى لفرعون: أتمنّ عليّ أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدا.
واختلف
أهل العربية في ذلك, فقال بعض نحويي البصرة: وتلك نعمة تمنها عليّ, فيقال: هذا
استفهام كأنه قال: أتمنها علي؟ ثم فسر فقال: ( أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وجعله بدلا من النعمة. وكان
بعض أهل العربية ينكر هذا القول, ويقول: هو غلط من قائله لا يجوز أن يكون همز
الاستفهام يلقى, وهو يطلب, فيكون الاستفهام كالخبر, قال: وقد استقبح ومعه أم, وهي
دليل على الاستفهام واستقبحوا:
تَــرُوحُ
مــنَ الحَــيّ أمْ تَبْتَكــرْ وَمــاذَا يَضُــرُّكَ لَــوْ تَنْتظــرْ?
قال:
وقال بعضهم: هو أتروح من الحيّ, وحذف الاستفهام أوّلا اكتفاء بأم. وقال أكثرهم: بل
الأوّل خبر, والثاني استفهام, وكأن « أم » إذا
جاءت بعد الكلام فهي الألف, فأما وليس معه أم, فلم يقله إنسان.
وقال بعض
نحويي الكوفة في ذلك ما قلنا. وقال: معنى الكلام: وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من
الكافرين لنعمتي: أي لنعمة تربيتي لك, فأجابه فقال: نعم هي نعمة عليّ أن عبدت
الناس ولم تستعبدني.
وقول ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا
رَبُّ الْعَالَمِينَ ) يقول:
وأيّ شيء ربّ العالمين؟
( قال ) موسى هو ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ )
ومالكهن ( وَمَا
بَيْنَهُمَا ) يقول:
ومالك ما بين السموات والأرض من شيء. ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) يقول: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه, فكذلك
فأيقنوا أن ربنا هو ربّ السموات والأرض وما بينهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا
تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 )
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (
28 ) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ ( 29 )
يعني
تعالى ذكره بقوله ( قَالَ
لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ) قال فرعون لمن حوله من قومه: ألا تستمعون لما يقول موسى,
فأخبر موسى عليه السلام القوم بالحواب عن مسألة فرعون إياه وقيله له وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ ليفهم بذلك قوم فرعون مقالته لفرعون, وجوابه إياه عما سأله, إذ قال
لهم فرعون ( أَلا
تَسْتَمِعُونَ ) إلى
قول موسى, فقال لهم الذي دعوته إليه وإلى عبادته ( رَبُّكُمْ ) الذي خلقكم ( وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) فقال فرعون لما قال لهم موسى
ذلك, وأخبرهم عما يدعو إليه فرعون وقومه: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
لَمَجْنُونٌ ) يقول:
إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله, لأنه يقول قولا لا نعرفه
ولا نفهمه, وإنما قال ذلك ونسب موسى عدو الله إلى الجنة, لأنه كان عنده وعند قومه
أنه لا رب غيره يعبد, وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة, فقال موسى عند
ذلك محتجًّا عليهم, ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته, إذ كان عند قوم فرعون أن الذي
يعرفونه ربًّا لهم في ذلك الوقت هو فرعون, وأن الذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك
أخر, كانوا قبل فرعون, قد مضوا فلم يكن عندهم أن موسى أخبرهم بشيء له معنى يفهمونه
ولا يعقلونه, ولذلك قال لهم فرعون: إنه مجنون, لأن كلامه كان عندهم كلاما لا
يعقلون معناه، وقوله: ( قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) فمعناه: الذي أدعوكم وفرعون
إلى عبادته رب المشرق والمغرب وما بينهما يعني ملك مشرق الشمس ومغربها, وما بينهما
من شيء لا إلى عبادة ملوك مصر الذين كانوا ملوكها قبل فرعون لآبائكم فمضوا, ولا
إلى عبادة فرعون الذي هو ملكها. ( إِنْ
كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) يقول:
إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم, وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم؛
فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح, إذ كان فرعون ومن
قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر, وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي
يدعوهم موسى إلى عبادته, هو الملك الذي يملك الملوك. قال فرعون حينئذ استكبارا عن
الحق, وتماديا في الغي لموسى: (
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي ) يقول: لئن أقررت بمعبود سواي ( لأجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ ) يقول:
لأسجننك مع من في السجن من أهله.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ
بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 )
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا
هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره: قال موسى لفرعون لما عرفه ربه, وأنه رب المشرق والمغرب, ودعاه إلى
عبادته وإخلاص الألوهة له, وأجابه فرعون بقوله لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ : أتجعلني من المسجونين ( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ
مُبِينٍ ) يبين
لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه؟ وإنما قال ذلك له, لأن من أخلاق
الناس السكون للإنصاف, والإجابة إلى الحق بعد البيان؛ فلما قال موسى له ما قال من
ذلك, قال له فرعون: فأت بالشيء المبين حقيقة ما تقول, فإنا لن نسجنك حينئذ إن
اتخذت إلها غيري إن كنت من الصادقين: يقول: إن كنت محقا فيما تقول, وصادقا فيما
تصف وتخبر, (
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) يقول جلّ ثناؤه: فألقى موسى
عصاه فتحوّلت ثعبانا, وهي الحية الذكر كما قد بيَّنت فيما مضى قبل من صفته وقوله ( مُبِينٌ ) يقول: يبين لفرعون والملأ من
قومه أنه ثعبان.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن شهر بن حوشب,
عن ابن عباس, قوله: (
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) يقول: مبين له خلق حية.
وقوله: ( وَنـزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ
بَيْضَاءُ ) يقول:
وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع ( للناظرين ) لمن
ينظر إليها ويراها.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا عثام بن عليّ, قال: ثنا الأعمش, عن المنهال, قال: ارتفعت الحية
في السماء قدر ميل, ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها, فجعلت تقول: يا موسى
مرني بما شئت, فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك. بالذي أرسلك, قال: فأخذه بطنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ
إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي
الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: قال فرعون لما أراه موسى من عظيم قدرة الله وسلطانه حجة عليه لموسى
بحقيقة ما دعاه إليه, وصدق ما أتاه به من عند ربه ( لِلْمَلإ حَوْلَهُ ) يعني لأشراف قومه الذين كانوا
حوله. ( إِنَّ
هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) يقول:
إن موسى سحر عصاه حتى أراكموها ثعبانا ( عَلِيمٌ ) ,
يقول: ذو علم بالسحر وبصر به. (
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ) يقول: يريد أن يخرج بني
إسرائيل من أرضكم إلى الشأم بقهره إياكم بالسحر. وإنما قال: يريد أن يخرجكم فجعل
الخطاب للملإ حوله من القبط, والمعنيّ به بنو إسرائيل, لأن القبط كانوا قد
استعبدوا بني إسرائيل, واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا, فلذلك قال لهم: ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ ) وهو يريد: أن يخرج خدمكم
وعبيدكم من أرض مصر إلى الشأم.
وإنما
قلت معنى ذلك كذلك, لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بإرسال بني إسرائيل
معه, فقال له ولأخيه فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وقوله: ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) يقول: فأي شيء تأمرون في أمر
موسى وما به تشيرون من الرأي فيه؟ ( قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ
حَاشِرِينَ ) يقول
تعالى ذكره: فأجاب فرعون الملأ حوله بأن قالوا له: أخِّر موسى وأخاه وأنظره, وابعث
في بلادك وأمصار مصر حاشرين يحشرون إليك كل سحّار عليم بالسحر.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَجُمِعَ السَّحَرَةُ
لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ
مُجْتَمِعُونَ ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: فجمع الحاشرون الذين بعثهم فرعون بحشر السحرة ( لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
) يقول:
لوقت واعد فرعون لموسى الاجتماع معه فيه من يوم معلوم, وذلك يوم الزينة وَأَنْ
يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى .
وقيل
للناس: هل أنتم مجتمعون لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان, ولمن تكون الغلبة, لموسى أو
للسحرة؟
القول
في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ
السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ( 40 )
فلعلنا
نتبع السحرة، ومعنى لعل هنا كي، يقول: كي نتبع السحرة، إن كانوا هم الغالبين موسى،
وإنما قلت ذلك معناها: لأن قوم فرعون كانوا على دين فرعون، فغير معقول أن يقول من
كان على دين: أنظر إلى حجة من هو على خلافي لعلي أتبع ديني، وإنما يقال: أنظر
إليها كي أزداد بصيرة بديني، فأقيم عليه. وكذلك قال قوم فرعون. فإياها عنوا
بقيلهم: ( لعلنا
نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) .
وقيل: إن
اجتماعهم للميقات الذي اتعد للاجتماع فيه فرعون وموسى كان بالإسكندرية.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ
أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ قال: كانوا بالإسكندرية, قال: ويقال: بلغ ذنب الحية من
وراء البحيرة يومئذ, قال: وهربوا وأسلموا فرعون وهمت به, فقال: فخذها يا موسى,
قال: فكان فرعون مما يلي الناس منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئا, قال: فأحدث
يومئذ تحته, قال: وكان إرساله الحية في القبة الحمراء.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ
قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (
41 ) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قَالَ لَهُمْ
مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ
وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ( 44
)
يقول
تعالى ذكره: (
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ ) فرعون
لوعد لموسى وموعد فرعون (
قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا ) سحرنا قبلك ( إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ) مُوسَى ، ( قال ) فرعون لهم ( نَعَمْ ) لكم الأجر على ذلك ( وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ
الْمُقَرَّبِينَ ) منا.
فقالوا عند ذلك لموسى: إما أن تلقي, وإما أن نكون نحن الملقين, وترك ذكر قيلهم ذلك
لدلالة خبر الله عنهم أنهم قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون, على أن ذلك معناه ف
( قَالَ
لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) من حبالكم وعصيكم. ( فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ) من أيديهم ( وَقَالُوا بِعِزَّةِ
فِرْعَوْنَ ) يقول:
أقسموا بقوّة فرعون وشدّة سلطانه, ومنعة مملكته ( إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ) موسى.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ
فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
( 46 ) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (
48 ) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: (
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ ) حين
ألقت السحرة حبالهم وعصيهم. (
فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر
الذي لا حقيقة له, وإنما هو مخاييل وخدعة. ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ) يقول: فلما تبين السحرة أن
الذي جاءهم به موسى حق لا سحر, وأنه مما لا يقدر عليه غير الله الذي فطر السموات
والأرض من غير أصل, خرّوا لوجوههم سجدا لله, مذعنين له بالطاعة, مقرّين لموسى
بالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الحقّ, وأن ما كانوا يعملونه من السحر باطل,
قائلين: (
آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) الذي
دعانا موسى إلى عبادته دون فرعون وملئه. ( رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
آذَنَ لَكُمْ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال فرعون للذين كانوا سحرته فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حق قبل
أن آذن لكم في الإيمان به. (
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) يقول: إن موسى لرئيسكم في السحر,
وهو الذي علَّمكموه, ولذلك آمنتم به. ( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عند عقابي إياكم وبال ما فعلتم, وخطأ ما صنعتم من الإيمان
به.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا
إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ( 50 )
يقول
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مخالفا في قطع ذلك منكم بين قطع الأيدي
والأرجل, وذلك أن أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى, ثم اليد اليسرى والرجل اليمنى,
ونحو ذلك من قطع اليد من جانب, ثم الرجل من الجانب الآخر, وذلك هو القطع من خلاف
وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فوكد ذلك بأجمعين إعلاما منه أنه غير مُسْتَبْقٍ
منهم أحدا. (
قَالُوا لا ضَيْرَ ) يقول
تعالى ذكره: قالت السحرة: لا ضير علينا; وهو مصدر من قول القائل: قد ضار فلانٌ
فلانا فهو يضير ضيرا, ومعناه: لا ضرر.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( لا ضَيْرَ ) قال: يقول: لا يضرنا الذي
تقول, وإن صنعته بنا وصلبتنا. (
إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ) يقول: إنا إلى ربنا راجعون, وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك
إيانا, وثباتنا على توحيده, والبراءة من الكفر به.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 )
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة: إنا نطمع: إنا نرجو أن يصفع لنا ربنا عن خطايانا
التي سلفت منا قبل إيماننا به, فلا يعاقبنا بها.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا ) قال: السحر والكفر الذي كانوا فيه. ( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
لأن كنا أوّل من آمن بموسى وصدقه بما جاء به من توحيد الله وتكذيب فرعون في ادعائه
الربوبية في دهرنا هذا وزماننا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ) قال:
كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها.
وقوله: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى
أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ) يقول:
وأوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه وأبى إلا الثبات على طغيانه بعد ما أريناه
آياتنا, أن أسر بعبادي: يقول: أن سر ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر. ( إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) إن فرعون وجنده متبعوك وقومك
من بني إسرائيل, ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرضهم, أرض مصر.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي
الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 )
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره: فأرسل فرعون في المدائن يحشر له جنده وقومه ويقول لهم ( إِنَّ هَؤُلاءِ ) يعني بهؤلاء: بني إسرائيل ( لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) يعني بالشرذمة: الطائفة
والعصبة الباقية من عصب جبيرة, وشرذمة كل شيء: بقيته القليلة; ومنه قول الراجز:
جَــاءَ
الشِّــتَاءُ وقَمِيصِـي أخْـلاقْ شَــرَاذِمٌ يَضْحَــكُ مِنْــهُ التَّـوَّاقْ
وقيل:
قليلون, لأن كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة; فلما جمع جمع جماعاتهم قيل:
قليلون, كما قال الكُمَيت:
فَــرَدَّ
قَــوَاصِيَ الأحْيَــاء مِنْهُـمْ فَقَــدْ صَــارُوا كَحَــيّ وَاحدينـا
وذكر أن
الجماعة التي سماها فرعون شرذمة قليلين, كانوا ستّ مئة ألف وسبعين ألفا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) , قال:
كانوا ستّ مئة وسبعين ألفا.
قال: ثنا
عبد الرحمن, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عُبيدة, عن عبد الله, قال:
الشرذمة: ستّ مئة ألف وسبعون ألفا.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي,
عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد, قال: اجتمع يعقوب وولده إلى يوسف, وهم اثنان
وسبعون, وخرجوا مع موسى وهم ستّ مئة ألف, فقال فرعون ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) , وخرج
فرعون على فرس أدهم حصان على لون فرسه في عسكره ثمان مئة ألف.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن سعيد الجريري, عن أبي السليل, عن قيس بن
عباد, قال: وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بني إسرائيل, قال: فحدثنا أن
الشرذمة الذين سماهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ستّ مئة ألف, قال: وكان مقدمة
فرعون سبعة مئة ألف, كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة, وفي يده حربة, وهو خلفهم
في الدهم. فلما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر, قالت بنو إسرائيل. يا موسى أين
ما وعدتنا, هذا البحر بين أيدينا, وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا, فقال موسى
للبحر: انفلق أبا خالد, قال: لا لن أنفلق لك يا موسى, أنا أقدم منك خلقا; قال:
فنودي أن اضرب بعصاك البحر, فضربه, فانفلق البحر, وكانوا اثني عشر سبطا. قال
الجريري. فأحسبه قال: إنه كان لكل سبط طريق, قال: فلما انتهى أول جنود فرعون إلى
البحر, هابت الخيل اللهب; قال: ومثل لحصان منها فرس وديق, فوجد ريحها فاشتدّ,
فاتبعه الخيل; قال: فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر, وخرج آخر بني إسرائيل, أمر
البحر فانصفق عليهم, فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا, فسمع
الله تكذيبهم نبيه عليه السلام, قال: فرمى به على الساحل, كأنه ثور أحمر يتراءاه
بنو إسرائيل.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) يعني
بني إسرائيل.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) قال:
هم يومئذ ستّ مئة ألف, ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: وَأَوْحَيْنَا
إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ قال: أوحى الله إلى
موسى أن اجمع بني إسرائيل, كل أربعة أبيات في بيت, ثم اذبحوا أولاد الضأن, فاضربوا
بدمائها على الأبواب, فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتا على بابه دم, وسآمرهم
بقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم, ثم اخبزوا خبزا فطيرا, فإنه أسرع لكم, ثم
أسر بعبادي حتى تنتهي للبحر, فيأتيك أمري, ففعل; فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل
موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا, فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مئة
ألف وخمس مئة ملك مسوّر, مع كل ملك ألف رجل, وخرج فرعون في الكرش العظمى, وقال ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) قال:
قطعة, وكانوا ستّ مئة ألف, مئتا ألف منهم أبناء عشرين سنة إلى أربعين.
قال: ثني
حجاج, عن أبي بكر بن حوشب, عن ابن عباس, قال: كان مع فرعون يومئذ ألف جبار, كلهم
عليه تاج, وكلهم أمير على خيل.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: كانوا ثلاثين ملكا ساقة خلف فرعون يحسبون أنهم معهم
وجبرائيل أمامهم, يرد أوائل الخيل على أواخرها, فأتبعهم حتى انتهى إلى البحر,
وقوله: (
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ) يقول:
وإن هؤلاء الشرذمة لنا لغائظون, فذكر أن غيظهم إياهم كان قتل الملائكة من قتلت من
أبكارهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَإِنَّهُمْ لَنَا
لَغَائِظُونَ ) يقول:
بقتلهم أبكارنا من أنفسنا وأموالنا. وقد يحتمل أن يكون معناه: وإنهم لنا لغائظون
بذهابهم منهم بالعواريّ التي كانوا استعاروها منهم من الحليّ, ويحتمل أن يكون ذلك
بفراقهم إياهم, وخروجهم من أرضهم بكره لهم لذلك.
وقوله ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الكوفة ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) بمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو
أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة: « وأنا لجميع حذرون » بغير ألف. وكان الفرّاء يقول:
كأن الحاذر الذي يحذرك الآن, وكأن الحذر المخلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا; ومن
الحذر قول ابن أحمر:
هَــلْ
أُنسَــأَنْ يَوْمـا إلـى غَـيْرِهِ إنِّـــي حَــوَالِيٌّ وآنّــي حَــذِر
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار متقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ, فمصيب الصواب فيه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, قال: سمعت الأسود بن زيد يقرأ: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) قال:
مقوون مؤدون.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عيسى بن عبيد, عن أيوب, عن أبي
العرجاء, عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرأ: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) يقول: مؤدون.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) يقول:
حذرنا, قال: جمعنا أمرنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) قال:
مؤدون معدون في السلاح والكراع.
ثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج أبو معشر, عن محمد بن قيس قال: كان مع
فرعون ست مئة ألف حصان أدهم سوى ألوان الخيل.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا سليمان بن معاذ الضبي, عن عاصم بن
بهدلة, عن أبي رزين, عن ابن عباس أنه قرأها: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) قال: مؤدون مقوون.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذَلِكَ
وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء, وكنوز ذهب وفضة, ومقام
كريم. قيل: إن ذلك المقام الكريم: المنابر. وقوله ( كذلك ) يقول: هكذا أخرجناهم من ذلك
كما وصفت لكم في هذه الآية والتي قبلها. ( وأورثناها ) يقول: وأورثنا تلك الجنات التي أخرجناهم منها والعيون
والكنوز والمقام الكريم عنهم بهلاكهم بني إسرائيل.وقوله: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) فأتبع
فرعون وأصحابه بني إسرائيل, مشرقين حين أشرقت الشمس, وقيل حين أصبحوا.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) قال:
خرج موسى ليلا فكسف القمر وأظلمت الأرض, وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سننجَى
من فرعون, وأخذ علينا العهد لنخرجنّ بعظامه معنا, فخرج موسى ليلته يسأل عن قبره,
فوجد عجوزا بيتها على قبره, فأخرجته له بحكمها, وكان حكمها أو كلمة تشبه هذا, أن
قالت: احملني فأخرجني معك, فجعل عظام يوسف في كسائه, ثم حمل العجوز على كسائه,
فجعله على رقبته, وخيل فرعون هي ملء أعنتها حضرا في أعينهم, ولا تبرح, حبست عن
موسى وأصحابه حتى تواروا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) قال:
فرعون وأصحابه, وخيل فرعون في ملء أعنتها في رأي عيونهم, ولا تبرح, حبست عن موسى
وأصحابه حتى تواروا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا تَرَاءَى
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قَالَ كَلا
إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ
بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (
63 )
يقول
تعالى ذكره: فلما تناظر الجمعان: جمع موسى وهم بنو إسرائيل, وجمع فرعون وهم القبط
( قَالَ
أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) أي إنا لملحقون, الآن يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا, وذكر
أنهم قالوا ذلك لموسى, تشاؤما بموسى.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: قلت لعبد الرحمن ( فَلَمَّا تَرَاءَى
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) قال: تشاءموا بموسى, وقالوا:
أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا .
حدثنا
موسى, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ) فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون
قد رمقهم قالوا (
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ( قالوا ) يَامُوسَى ( أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا, إنا لمدركون; البحر بين
أيدينا, وفرعون من خلفنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر, عن شهر بن حوشب, عن ابن
عباس, قال: لما انتهى موسى إلى البحر, وهاجت الريح العاصف, فنظر أصحاب موسى خلفهم
إلى الريح, وإلى البحر أمامهم ( قَالَ
أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى الأعرج ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) , وقرأه الأعرج: « إنَّا لَمُدَرَّكُونَ » كما يقال نـزلت, وأنـزلت.
والقراءة عندنا التي عليها قرّاء الأمصار, لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
وقوله: ( كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ ) قال
موسى لقومه: ليس الأمر كما ذكرتم, كلا لن تدركوا إن معي ربي سيهدين, يقول: سيهدين
لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه.
كما
حدثني ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله
بن شداد بن الهاد, قال: لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من
دُهم الخيل, سوى ما في جنده من شية الخيل, وخرج موسى حتى إذا قابله البحر, ولم يكن
عنه منصرف, طلع فرعون في جنده من خلفهم ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) أي للنجاة, وقد وعدني ذلك,
ولا خُلف لموعوده.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ
رَبِّي سَيَهْدِينِ ) يقول:
سيكفيني, وقال: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وقوله ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ
الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) ذكر أن
الله كان قد أمر البحر أن لا ينفلق حتى يضربه موسى بعصاه.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: فتقدم هارون فضرب البحر,
فأبى أن ينفتح, وقال: من هذا الجبار الذي يضربني, حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد,
وضربه فانفلق.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, قال: أوحى الله فيما ذكر إلى
البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له, قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من
الله, وانتظار أمره, وأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر, فضربه بها وفيها
سلطان الله الذي أعطاه, فانفلق.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, ظن سليمان التيمي, عن أبي السليل,
قال: لما ضرب موسى بعصاه البحر, قال: إيها أبا خالد, فأخذه إفْكَلُ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, وحجاج عن أبي: بكر بن عبد
الله وغيره, قالوا: لما انتهى موسى إلى البحر وهاجت الريح والبحر يرمي بتياره,
ويموج مثل الجبال, وقد أوحى الله إلى البحر أن لا ينفلق حتى يضربه موسى بالعصا,
فقال له يوشع: يا كليم الله أين أمرت؟ قال: ههنا, قال: فجاز البحر ما يواري حافره
الماء, فذهب القوم يصنعون مثل ذلك, فلم يقدروا, وقال له الذي يكتم إيمانه: يا كليم
الله أين أمرت؟ قال: ههنا, فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه, ثم قحمه
البحر فأرسب في الماء, فأوحى الله إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر, فضرب بعصاه موسى
البحر فانفلق, فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتلّ سرجه ولا لبده.
وقوله: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول
تعالى ذكره: فكان كل طائفة من البحر لما ضربه موسى كالجبل العظيم. وذُكر أنه انفلق
اثنتي عشرة فلقة على عدد الأسباط, لكل سبط منهم فرق.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول:
كالجبل العظيم, فدخلت بنو إسرائيل, وكان في البحر اثنا عشر طريقا, في كل طريق سبط,
وكان الطريق كما إذا انفلقت الجدران, فقال: كل سبط قد قتل أصحابنا; فلما رأى ذلك
موسى دعا الله فجعلها قناطر كهيئة الطيقان, فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, وحجاج, عن أبي بكر بن عبد
الله وغيره قالوا: انفلق البحر, فكان كل فرق كالطود العظيم, اثنا عشر طريقا في كل
طريق سبط, وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا, وكانت الطرق بجدران, فقال كل سبط: قد
قتل أصحابنا; فلما رأى ذلك موسى, دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان, ينظر
بعضهم إلى بعض, وعلى أرض يابسة كأن الماء لم يصبها قطّ حتى عبر.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لما انفلق البحر لهم صار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) أي
كالجبل على نشز من الأرض.
حدثني
عليّ, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول:
كالجبل.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) قال: كالجبل العظيم.
ومنه قول
الأسود بن يعفر:
حَــلُّوا
بــأنْقِرَةٍ يَســيلُ عَلَيْهِــمُ مــاء الفُـرَاتِ يَجـيءُ مِـنْ أطْـوادِ
يعني
بالأطواد: جمع طود, وهو الجبل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ
أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 )
يعني
بقول تعالى ذكره: (
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) :
وقرّبنا هنالك آل فرعون من البحر, وقدمناهم إليه, ومنه قوله: وَأُزْلِفَتِ
الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ بمعنى: قربت وأُدنيت; ومنه قول العجاج:
طَـــيّ
اللَّيــالي زُلَفــا فَزُلَفــا سَــماوَةَ الهِــلالِ حـتى احْقَوْقَفَـا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) قال:
قرّبنا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ) قال:
هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: دنا فرعون وأصحابه بعد ما
قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر; فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا, قال: ألا
ترون البحر فرق مني, قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم, فذلك قول الله ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ) يقول:
قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون; فلما قام فرعون على الطرق, وأبت خيله أن تتقحم,
فنـزل جبرائيل صلى الله عليه وسلم على ماذيانة, فتشامَّتْ الحُصُن ريح الماذيانة
فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم,
فالتطم عليهم, وتفرد جبرائيل بمقلة من مقل البحر, فجعل يدسها في فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: أقبل فرعون
فلما أشرف على الماء, قال أصحاب موسى: يا مكلم الله إن القوم يتبعوننا في الطريق,
فاضرب بعصاك البحر فاخلطه, فأراد موسى أن يفعل, فأوحى الله إليه: أن اترك البحر
رَهْوا يقول: أمره على سكناته إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ إنما أمكر بهم, فإذا
سلكوا طريقكم غرقتهم; فلما نظر فرعون إلى البحر قال: ألا ترون البحر فرق مني حتى
تفتح لي, حتى أدرك أعدائي فأقتلهم; فلما وقف على أفواه الطرق وهو على حصان, فرأى
الحصان البحر فيه أمثال الجبال هاب وخاف, وقال فرعون: أنا راجع, فمكر به جبرائيل
عليه السلام, فأقبل على فرس أنثى, فأدناها من حصان فرعون, فطفق فرسه لا يقرّ, وجعل
جبرائيل يقول: تقدم, ويقول: ليس أحد أحق بالطريق منك, فتشامت الحصن الماذيانة, فما
ملك فرعون فرسه أن ولج على أثره; فلما انتهى فرعون إلى وسط البحر, أوحى الله إلى
البحر: خذ عبدي الظَّالم وعبادي الظلمة, سلطاني فيك, فإني قد سلطتك عليهم, قال:
فتغطمطت تلك الفرق من الأمواج كأنها الجبال, وضرب بعضها بعضا; فلما أدركه الغرق
قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وكان جبرائيل صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليه لما
ردّ من آيات الله, ولطول علاج موسى إياه, فدخل في أسفل البحر, فأخرج طينا, فحشاه
في فم فرعون لكيلا يقولها الثانية, فتدركه الرحمة, قال: فبعث الله إليه ميكائيل
يعيره: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وقال جبرائيل:
يا محمد ما أبغضت أحدا من خلق الله ما أبغضت اثنين أحدهما من الجن وهو إبليس,
والآخر فرعون فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى : ولقد رأيتني يا محمد, وأنا أحشو
في فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها.
وقد زعم
بعضهم أن معنى قوله: ( وَأَزْلَفْنَا
ثَمَّ الآخَرِينَ )
وجمعنا, قال: ومنه ليلة المزدلفة, قال: ومعنى ذلك: أنها ليلة جمع. وقال بعضهم:
وأزلفنا ثَمَّ وأهلكنا.
وقوله: ( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ
مَعَهُ أَجْمَعِينَ ) يقول
تعالى ذكره: وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع
موسى من بني إسرائيل أجمعين. وقوله: ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ) يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه
من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه.
وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول تعالى ذكره: إن فيما
فعلت بفرعون ومن معه تغريقي إياهم في البحر إذ كذبوا رسولي موسى, وخالفوا أمري بعد
الإعذار إليهم, والإنذار لدلالة بينة يا محمد لقومك من قريش على أن ذلك سنتي فيمن
سلك سبيلهم من تكذيب رسلي, وعظة لهم وعبرة أن ادكروا واعتبروا أن يفعلوا مثل فعلهم
من تكذيبك مع البرهان والآيات التي قد أتيتهم, فيحلّ بهم من العقوبة نظير ما حل
بهم, ولك آية في فعلي بموسى, وتنجيتي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه, وإظهاري
إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم, على أني سالك فيك سبيله, إن أنت صبرت
صبره, وقمت من تبليغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه قيامه, ومظهرك على مكذّبيك,
ومعليك عليهم. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) يقول:
وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما أتاك الله من الحقّ المبين, فسابق في علمي
أنهم لا يؤمنون.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه ممن كفر به وكذّب رسله من أعدائه, ( الرَّحِيمُ ) بمن أنجى من رسله, وأتباعهم من الغرق والعذاب الذي عذب به
الكفرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
إِبْرَاهِيمَ ( 69 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ( 70 )
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: واقصص على قومك من المشركين يا محمد خبر إبراهيم حين قال لأبيه وقومه:
أيّ شيء تعبدون؟ ( قالوا
) لَهُ:
(
نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) يقول: فنظلّ لها خدما مقيمين على عبادتها وخدمتها.
وقد
بيَّنا معنى العكوف بشواهده فيما مضى قبل, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وكان ابن
عباس فيما روي عنه يقول في معنى ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, قوله: ( قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) قال: الصلاة لأصنامهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ
إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قَالُوا بَلْ
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم؟ واختلف أهل
العربية في معنى ذلك: فقال بعض نحويي البصرة معناه: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون
دعاءكم. فحذف الدعاء, كما قال زُهَير:
القــائِدُ
الخَــيْلَ مَنْكُوبًـا دَوَابِرُهـا قـدْ أُحْـكِمَتْ حَكمـاتِ القِـدّ والأبَقـا
وقال:
يريد أحكمت حكمات الأبق, فألقى الحكمات وأقام الأبق مُقامها. وقال بعض من أنكر ذلك
من قوله من أهل العربية: الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن, لأن العرب
تقول: سمعت زيدا متكلما, يريدون: سمعت كلام زيد, ثم تعلم أن السمع لا يقع على
الأناسيّ. إنما يقع على كلامهم ثم يقولون: سمعت زيدا: أي سمعت كلامه. قال: ولو لم
يقدم في بيت زهير حكمات القدّ لم يجز أن يسبق بالأبق عليها, لأنه لا يقال: رأيت
الأبق, وهو يريد الحكمة. وقوله: ( أَوْ
يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) يقول:
أو تنفعكم هذه الأصنام, فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها, أو يضرّونكم فيعاقبونكم
على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم, أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم ( قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا
آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) . وفي
الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك, وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم:
( هَلْ
يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) فكان جوابهم إياه: لا ما
يسمعوننا إذا دعوناهم, ولا ينفعوننا ولا يضرّون, يدل على أنهم بذلك أجابوه. قولهم:
( بَلْ
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) وذلك رجوع عن مجحود, كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا,
ومعنى قولهم: (
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) وجدنا من قبلنا ولا يضرّون, يدّل على أنهم بذلك أجابوه،
قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها, فنحن نفعل ذلك اقتداء
بهم, واتباعا لمنهاجهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ( 76 )
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 77 )
يقول
تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه: أفرأيتم أيها القوم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام
أنتم وآباؤكم الأقدمون, يعني بالأقدمين: الأقدمين من الذين كان إبراهيم يخاطبهم,
وهم الأوّلون قبلهم ممن كان على مثل ما كان عليه الذين كلمهم إبراهيم من عبادة
الأصنام ( فإنهم
عدو لي إلا رب العالمين ) . يقول
قائل: وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟ فإن معنى ذلك: فإنهم عدوّ
لي لو عبدتهم يوم القيامة, كما قال جلّ ثناؤه وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا .
وقوله: ( إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) نصبا على الاستثناء, والعدوّ
بمعنى الجمع, ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر, مثل القعود والجلوس.
ومعنى
الكلام: أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم, فإني منه بريء لا أعبده, إلا رب العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ
يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذَا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 )
يقول:
فإنهم عدوّ لي إلا ربّ العالمين (
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) للصواب من القول والعمل, ويسددني للرشاد. ( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي
وَيَسْقِينِ ) يقول:
والذي يغذوني بالطعام والشراب, ويرزقني الأرزاق ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) يقول: وإذا سقم جسمي واعتل,
فهو يبرئه ويعافيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ
يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ
الدِّينِ ( 82 )
يقول:
والذي يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي. ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) فربي هذا الذي بيده نفعي وضرّي, وله القدرة والسلطان, وله
الدنيا والآخرة, لا الذي لا يسمع إذا دعي, ولا ينفع ولا يضرّ. وإنما كان هذا
الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه, في أنه لا تصلح الألوهة, ولا ينبغي أن تكون
العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال, لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرّا.
وقيل: إن
إبراهيم صلوات الله عليه, عني بقوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ
الدِّينِ ) :
والذي أرجو أن يغفر لي قولي: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا وقولي لسارة: إنها أختي.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي
يَوْمَ الدِّينِ ) قال:
قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي,
حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) قال: قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة ومجاهد نحوه.
ويعني
بقوله (
يَوْمِ الدِّينِ ) يوم
الحساب, يوم المجازاة. وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي
الآخِرِينَ ( 84 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن مسألة خليله إبراهيم إياه ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ) يقول: رب هب لي نبوّة. ( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) يقول: واجعلني رسولا إلى
خلقك, حتى تلحقني بذلك بعداد من أرسلته من رسلك إلى خلقك, وائتمنته على وحيك,
واصطفيته لنفسك.وقوله: (
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) يقول: واجعل لي في الناس ذكرًا جميلا وثناء حسنا, باقيا
فيمن يجيء من القرون بعدي.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر, عن عكرمة, قوله: ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ
صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ )
قَوْلُهُ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا . قال: إن الله فضله بالخُلة حين
اتخذه خليلا فسأل الله فقال: (
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) حتى لا تكذّبني الأمم, فأعطاه الله ذلك, فإن اليهود آمنت
بموسى, وكفرت بعيسى, وإن النصارى آمنت بعيسى, وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم,
وكلهم يتولى إبراهيم; قالت اليهود: هو خليل الله وهو منا, فقطع الله ولايتهم منه
بعد ما أقرّوا له بالنبوّة وآمنوا به, فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا
وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ثم ألحق ولايته بكم فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ فهذا أجره الذي عجل له, وهي الحسنة, إذ يقول: وَآتَيْنَاهُ فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ
صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) قال:
اللسان الصدق: الذكر الصدق, والثناء الصالح, والذكر الصالح في الآخرين من الناس,
من الأمم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ
جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86
) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا
بَنُونَ ( 88 ) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 )
يعني
إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: (
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) أورثني يا ربّ من منازل من هلك من أعدائك المشركين بك من
الجنة, وأسكني ذلك. (
وَاغْفِرْ لأبِي ) يقول:
واصفح لأبي عن شركه بك, ولا تعاقبه عليه ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) يقول: إنه كان ممن ضل عن سبيل
الهدى, فكفر بك.
وقد
بيَّنا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم لأبيه صلوات الله عليه, واختلاف أهل
العلم في ذلك, والصواب عندنا من القول فيه فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا
الموضع.
وقوله: ( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ
يُبْعَثُونَ ) يقول:
ولا تذلني بعقابك إياي يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ
وَلا بَنُونَ ) يقول:
لا تخزني يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا مال كان له في الدنيا, ولا بنوه
الذين كانوا له فيها, فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه, ولا ينجيه منه.
وقوله: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) يقول:
ولا تخزني يوم يبعثون, يوم لا ينفع إلا القلب السليم.
والذي
عني به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب من الشكّ في توحيد الله,
والبعث بعد الممات.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن عون, قال: قلت لمحمد: ما القلب السليم؟
قال: أن يعلم أن الله حقّ, وأن الساعة قائمة, وأن الله يبعث من في القبور.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ ) قال:
لا شك فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال:
ليس فيه شكّ في الحقّ.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: سليم من الشرك.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: سليم من الشرك, فأما
الذنوب فليس يسلم منها أحد.
حدثني
عمرو بن عبد الحميد الآملي, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن جُوَيْبِر, عن الضحاك,
في قول الله: ( إِلا
مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: هو الخالص.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ
أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ( 94 )
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 )
يعني جلّ
ثناؤه بقوله: (
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) وأدنيت الجنة وقرّبت للمتقين, الذين اتقوا عقاب الله في
الآخرة بطاعتهم إياه في الدنيا (
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ) يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل. وقيل
لِلْغَاوِينَ (
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من الأنداد ( هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ) اليوم من الله, فينقذونكم من
عذابه ( أَوْ
يَنْتَصِرُونَ )
لأنفسهم, فينجونها مما يُرَاد بها؟.
وقوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ) يقول:
فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض, وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم. وأصل
كبكبوا: كببوا, ولكن الكاف كرّرت كما قيل: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ يعني به صرّ, ونهنهني
يُنهنهَني, يعني به: نههني.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال. ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( فكبكبوا ) قال: فدهوروا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) يقول: فجمعوا فيها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) قال: طرحوا فيها. فتأويل
الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون.
وذُكر عن
قَتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع. الشياطين.
* ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ) قال:
الغاوون: الشياطين.
فتأويل
الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة. فكبكب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون
من دون الله الأصنام والشياطين.
وقوله: ( وَجُنُودُ إِبْلِيسَ
أَجْمَعُونَ ) يقول:
وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده: كل من كان من تباعه,
من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا وَهُمْ فِيهَا
يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ
نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 98 )
يقول
تعالى ذكره: قال هؤلاء الغاوون والأنداد التي كانوا يعبدونها من دون الله وجنود
إبليس, وهم في الجحيم يختصمون. (
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يقول: تالله لقد كنا في ذهاب عن الحقّ, إن كنا لفي ضلال
مبين, يبين ذهابنا ذلك عنه عن نفسه, لمن تأمله وتدبره, أنه ضلال وباطل. وقوله: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ) يقول
الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب عن الحقّ حين نعدلكم
برب العالمين فنعبدكم من دونه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ) قال:
لتلك الآلهة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَضَلَّنَا إِلا
الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الغاوين في الجحيم: ( وَمَا أَضَلَّنَا إِلا
الْمُجْرِمُونَ ) يعني
بالمجرمين إبليس, وابن آدم الذي سنّ القتل.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة, قوله: ( وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ
) قال:
إبليس وابن آدم القاتل.
وقوله ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ
) يقول:
فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد, فيعفو عنا, وينجينا من عقابه. ( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) من الأقارب.
واختلف
أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين, وبالصديق الحميم, فقال بعضهم: عني
بالشافعين: الملائكة, وبالصديق الحميم: النسيب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ
) قال:
من الملائكة ( وَلا
صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال:
من الناس, قال مجاهد: صديق حميم, قال: شقيق.
وقال
آخرون: كل هؤلاء من بني آدم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي, عن أخيه يحيى
بن سعيد المسمعي, قال: كان قَتادة إذا قرأ: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال: يعلمون والله أن الصديق
إذا كان صالحا نفع, وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.
وقوله ( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
فلو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنؤمن بالله فنكون بإيماننا به من المؤمنين.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 104 )
يقول
تعالى ذكره: إن فيما احتجّ به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة
بينة واضحة لمن اعتبر, على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من
عبادة الأصنام والآلهة, ويقتدون بهم في ذلك ما سنّ فيهم في الدار الآخرة, من
كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم, وما كان أكثرهم في سابق علمه
مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه, ثم لم يتب من كفره حتى
هلك, الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 106
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ) رسل
الله الذين أرسلهم إليهم لما ( قَالَ
لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) فتحذروا عقابه على كفركم به, وتكذيبكم رسله. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من الله ( أمِينٌ ) على وحيه إلي, برسالته إياي
إليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا
عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 )
يقول
تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به, وأطيعوني في نصيحتي لكم,
وأمري إياكم باتقائه. ( وَمَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء
عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم, من ثواب ولا جزاء ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) دونكم
ودون جميع خلق الله, فاتقوا عقاب الله على كفركم به, وخافوا حلول سخطه بكم على
تكذيبكم رسله, وأطيعون: يقول: وأطيعوني في نصيحتي لكم, وأمري إياكم بإخلاص العبادة
لخالقكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ
وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ( 111 ) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 )
يقول
تعالى ذكره: قال قوم نوح له مجيبيه عن قيله لهم: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قالوا: أنؤمن لك يا نوح, ونقرّ بتصديقك فيما
تدعونا إليه, وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات. ( قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قال
نوح لقومه: وما علمي بما كان أتباعي يعملون, إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه,
ولم أكَلَّفْ علم باطنهم, وإنما كلّفت الظاهر, فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا, ومن
أظهر سيئا ظننت به سيئا. يقول: إن حساب باطن أمرهم الذي خفي عني إلا على ربي لو
تشعرون, فإنه يعلم سرّ أمرهم وعلانيته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى
رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) قال:
هو أعلم بما في نفوسهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنَا بِطَارِدِ
الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قَالُوا لَئِنْ
لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني على
التصديق بما جئت به من عند الله. ( إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) يقول: ما أنا إلا نذير لكم من
عند ربكم أنذركم بأسه, وسطوته على كفركم به مبين: يقول: نذير قد أبان لكم إنذاره,
ولم يكتمكم نصيحته. (
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) يقول: قال لنوح قومه: لئن لم
تنته يا نوح عما تقول, وتدعو إليه, وتعيب به آلهتنا, لتكوننّ من المشتومين, يقول:
لنشتمك.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ
مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ( 120 )
يقول
تعالى ذكره: قال نوح: ( رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ) فيما
أتيتهم به من الحقّ من عندك, وردّوا عليّ نصيحتي لهم. ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) يقول:
فاحكم بيني وبينهم حكما من عندك تهلك به المبطل, وتنتقم به ممن كفر بك وجحد
توحيدك, وكذب رسولك.
كما
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) قال:
فاقض بيني وبينهم قضاء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) قال:
يقول: اقض بيني وبينهم. ( ونجني
) يقول:
ونجني من ذلك العذاب الذي تأتي به حكما بيني وبينهم. ( وَمَنْ مَعِيَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
والذين معي من أهل الإيمان بك والتصديق لي.
وقوله ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ
مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يقول: فأنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين - حين فتحنا بينهم
وبين قومهم, وأنـزلنا بأسنا بالقوم الكافرين- في الفلك المشحون, يعني في السفينة
الموقرة المملوءة.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل قوله (
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال:
يعني الموقر.
حدثنا
محمد بن سنان القزاز, قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر, قال: ثنا أبو كدينة, عن
عطاء, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: ( المشحون ) :
الموقر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: المفروغ منه المملوء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: ( المشحون ) المفروغ منه تحميلا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قول الله: ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: هو المحمل.
وقوله: ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ
الْبَاقِينَ ) من
قومه الذين كذبوه, وردوا عليه النصيحة.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 122 )
يقول
تعالى ذكره: إن فيما فعلنا يا محمد بنوح ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون,
حين أنـزلنا بأسنا وسطوتنا, بقومه الذين كذبوه, لآية لك ولقومك المصدّقيك منهم
والمكذّبيك, في أن سنتنا تنجية رسلنا وأتباعهم, إذا نـزلت نقمتنا بالمكذبين بهم من
قومهم, وإهلاك المكذبين بالله, وكذلك سنتي فيك وفي قومك. ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ) يقول:
ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدّقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا. ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه ممن كفر به, وخالف أمره (
الرَّحِيمُ )
بالتائب منهم, أن يعاقبه بعد توبته.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ عَادٌ
الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 124
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 )
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 127 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ عَادٌ ) رسل
الله إليهم. ( إِذْ
قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ) عقاب الله على كفركم به. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من ربي يأمركم بطاعته, ويحذركم على كفركم بأسه, ( أَمِينٌ ) على وحيه ورسالته. ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) بطاعته والانتهاء إلى ما
يأمركم وينهاكم (
وأطيعون ) فيما
آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته. ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أطلب منكم على أمري
إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا. ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: ما جزائي وثوابي على
نصيحتي إياكم إلا على ربّ العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (
129 ) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) والريع: كل مكان مشرف من
الأرض مرتفع, أو طريق أو واد; ومنه قول ذي الرُّمَّة:
طِـرَاقُ
الخَـوَافِي مُشْـرفٌ فَوْق رِيعَةٍ نَــدَى لَيْلِـه فِـي ريشِـهِ يَـتَرَقْرَقُ
وقول
الأعشى:
وَيهْمـــاءُ
قَفْـــرٍ تَجاوَزْتهـــا إذَا خَـــبَّ فِــي رِيعِهــا آلُهَــا
وفيه
لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتحها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ ) يقول:
بكلّ شرف.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال:
بكل طريق.
حدثني
سليمان بن عبيد الله الغيلاني, قال: ثنا أبو قتيبة, قال: ثنا مسلم بن خالد, قال:
ثنا ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: الريع: الثنية الصغيرة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد
مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عكرمة: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ وواد, قال: وقال
مجاهد (
بِكُلِّ رِيعٍ ) بين
جبلين.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: شرف ومنظر.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: بكلّ طريق.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) بكلّ طريق. ويعني بقوله ( آية ) بنيانا, علما.
وقد بينا
في غير موضع من كتابنا هذا, أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن
إعادتها في هذا الموضع.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: الآية: علم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: آية: بنيان.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( آية ) : بنيان.
حدثني
عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: بنيان الحمام.
وقوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك, يقول في قوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وقوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) اختلف أهل التأويل في معنى
المصانع, فقال بعضهم: هي قصور مشيدة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) قال: قصور مشيدة, وبنيان
مخلد.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( مصانع ) : قصور مشيدة وبنيان.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن مجاهد, قال: ( مصانع ) يقول: حصون وقصور.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم, عن رجل, عن مجاهد, قوله: ( مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
تَخْلُدُونَ ) قال:
أبرجة الحمام.
وقال
آخرون: بل هي مآخذ للماء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مصانع ) قال: مآخذ للماء.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة, والعرب تسمي كل
بناء مصنعة, وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة, وجائز أن يكون كان
مآخذ للماء, ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان, ولا هو مما يدرك من جهة العقل.
فالصواب أن يقال فيه, ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون, فتبقون
في الأرض.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: قال في بعض الحروف ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) كأنكم تخلدون.
وكان ابن
زيد يقول: « لعلكم
» في هذا
الموضع استفهام.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ
لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال:
هذا استفهام, يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟.
وكان بعض
أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى « كيما » .
وقوله: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) يقول:
وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف, وضربا بالسياط.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) قال:
القتل بالسيف والسياط.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ( 131 ) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ( 132 )
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم
إياه فيما أمركم ونهاكم, وانتهوا عن اللهو واللعب, وظلم الناس, وقهرهم بالغلبة
والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون, وأعانكم به من بين
المواشي والبنين, والبساتين والأنهار. ( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ) من الله ( عَظِيمٍ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا
أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ( 136 )
يقول
تعالى ذكره: قالت عاد لنبيهم هود صلى الله عليه وسلم: معتدل عندنا وعظك إيانا,
وتركك الوعظ, فلن نؤمن لك ولن نصدّقك على ما جئتنا به.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأَوَّلِينَ ( 137 ) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 )
وقوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك; فقرأته عامة قرّاء المدينة سوى أبي جعفر, وعامة قرّاء
الكوفة المتأخرين منهم: ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) من
قبلنا: وقرأ ذلك أبو جعفر, وأبو عمرو بن العلاء: « إنْ هَذَا إلا خَلْقُ الأوّلينَ » بفتح الخاء وتسكين اللام
بمعنى: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوّلين وأحاديثهم.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, نحو اختلاف القرَّاء في قراءته, فقال بعضهم: معناه: ما
هذا إلا دين الأوّلين وعادتهم وأخلاقهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) يقول:
دين الأوّلين.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) يقول:
هكذا خِلْقة الأوّلين, وهكذا كانوا يحيون ويموتون.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كذب الأوّلين وأساطيرهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
أساطير الأوّلين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: كذبهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
إن هذا إلا أمر الأوّلين وأساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن علقمة, عن ابن
مسعود: ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) يقول:
إن هذا إلا اختلاق الأوّلين.
قال ثنا
يزيد بن هارون, قال. أخبرنا داود, عن الشعبيّ, عن علقمة, عن عبد الله, أنه كان
يقرأ ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) ويقول
شيء اختلقوه.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبيّ, قال: قال علقمة: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
اختلاق الأوّلين.
وأولى
القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) بضم الخاء واللام, بمعنى: إن
هذا إلا عادة الأوّلين ودينهم, كما قال ابن عباس, لأنهم إنما عوتبوا على البنيان
الذي كانوا يتخذونه, وبطشهم بالناس بطش الجبابرة, وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم
عليهم, فأجابوا نبيّهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك, احتذاء منهم سنة من قبلهم
من الأمم, واقتفاء منهم آثارهم, فقالوا: ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأوّلين,
يعنون بالخلق: عادة الأوّلين. ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة
والتأويل, قولهم: ( وَمَا
نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) لأنهم
لو كانوا لا يقرُّون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم, ما قالوا: ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
) بل
كانوا يقولون: إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأوّلين, وما لنا من معذب
يعذبنا, ولكنهم كانوا مقرين بالصانع, ويعبدون الآلهة, على نحو ما كان مشركو العرب
يعبدونها, ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى, فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته:
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ثم قالوا له:
ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم, وما الله معذبنا عليه. كما أخبرنا
تعالى ذكره عن الأمم الخالية قبلنا, أنهم كانوا يقولون لرسلهم: إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ
فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 )
يقول
تعالى ذكره: فكذّبت عاد رسول ربهم هودا, والهاء في قوله ( فكذبوه ) من ذكر هود. ( فأهلكناهم ) يقول: فأهلكنا عادا بتكذيبهم
رسولنا. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول
تعالى ذكره: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها, لعبرة وموعظة لقومك يا محمد,
المكذّبيك فيما أتيتهم به من عند ربك.
يقول:
وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علم الله.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه من أعدائه, (
الرَّحِيمُ )
بالمؤمنين به.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ
الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (
142 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 143 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (
144 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 145 )
يقول
تعالى ذكره: كذّبت ثمود رسل الله, إذ دعاهم صالح أخوهم إلى الله, فقال لهم: ألا
تتقون عقاب الله يا قوم على معصيتكم إياه, وخلافكم أمره, بطاعتكم أمر المفسدين في
أرض الله. (
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من
الله أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته على خلافكم أمره ( أمِينٌ ) على رسالته التي أرسلها معي
إليكم. (
فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أيها
القوم, واحذروا عقابه (
وأطيعون ) في
تحذيري إياكم, وأمر ربكم باتباع طاعته. ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أسألكم على نصحي
إياكم, وإنذاركم من جزاء ولا ثواب. ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: إن جزائي وثوابي إلا
على ربّ جميع ما في السموات, وما في الأرض, وما بينهما من خلق.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتُتْرَكُونَ فِي مَا
هَاهُنَا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ
طَلْعُهَا هَضِيمٌ ( 148 ) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (
149 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا
آمنين, لا تخافون شيئا؟. ( فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) يقول:
في بساتين وعيون ماء. (
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يعني بالطلع: الكُفُرَّى.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله (
هَضِيمٌ ) فقال
بعضهم: معناه اليانع النضيج.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يقول:
أينع وبلغ فهو هضيم.
وقال
آخرون: بل هو المتهشم المتفتت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال محمد بن عمرو في حديثه
تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشّما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: سمعت عبد الكريم
يقول: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: حين تطلع يقبض عليه
فيهضمه.
قال ابن
جُرَيج: قال مجاهد: إذا مسّ تهشّم وتفتَّت, قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه
فتهضمه.
وقال
آخرون: هو الرطب اللين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
هناد, قال: ثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: الهضيم: الرطب اللين.
وقال
آخرون: هو الراكب بعضه بعضا.
ذكر
من قال ذلك:
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) إذا كثر حمل النخلة فركب
بعضها بعضا, حتى نقص بعضها بعضا, فهو حينئذ هضيم.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته, وذلك من
قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه, فكذلك الهضم في الطلع, إنما هو التنقص
منه من رطوبته ولينه إما بمسّ الأيدي, وإما بركوب بعضه بعضا, وأصله مفعول صرف إلى
فعيل.
وقوله: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ
الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول
تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله (
فارهين ) فقرأته
عامة قرّاء أهل الكوفة: (
فارهين ) بمعنى:
حاذقين بنحتها.
وقرأته
عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: «
فَرِهِينَ » بغير
ألف, بمعنى: أشرين بطرين.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته, فقال بعضهم: معنى
فارهين: حاذقين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح وعبد الله بن
شدّاد: (
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال أحدهما: حاذقين, وقال
الآخر: يتجبرون.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا مروان, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح:
(
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال: حاذقين بنحتها.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فارهين ) يقول: حاذقين.
وقال
آخرون: معنى فارهين: مستفرهين متجبرين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن السديّ, عن عبد الله بن شداد في
قوله: «
فَرِهِينَ » قال:
يتجبرون.
قال أبو
جعفر: والصواب: فارهين.
وقال
آخرون ممن قرأه فارهين: معنى ذلك: كيسين.
ذكر
من قال ذلك:
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فارهين ) قال: كيسين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك أنه قرأ ( فارهين ) قال: كيسين.
وقال
آخرون: فرهين: أشرين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول: أشرين, ويقال: كيسين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « بيوتا فرهين » قال: شرهين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بمثله.
وقال
آخرون: معنى ذلك: أقوياء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: « وَتَنْحِتُونَ مِنَ
الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ » قال:
الفره: القويّ.
وقال
آخرون في ذلك بما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن
قتادة, في قوله: «
فَرِهِينَ » قال:
معجبين بصنيعكم.والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها ( فارهين ) وقراءة من قرأ « فَرِهِينَ » قراءتان معروفتان, مستفيضة
القراءة بكل واحدة منهما في علماء القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى
قراءة من قرأ (
فارهين ) :
حاذقين بنحتها, متخيرين لمواضع نحتها, كيسين, من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ « فَرِهِينَ » : مرحين أشرين. وقد يجوز أن
يكون معنى فاره وفره واحدا, فيكون فاره مبنيا على بنائه, وأصله من فعل يفعل, ويكون
فره صفة, كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر
عديّ بن وادع العوفي من الأزد:
لا
أسْــتَكِينُ إذا مــا أزْمَـةٌ أزَمَـتْ وَلَــنْ تَـرَانِي بِخَـيْرٍ فـارِهَ
الطَّلَـبِ
أي مرح
الطلب. وقوله: (
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) يقول
تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم, وخلافكم أمره, وأطيعون
في نصيحتي لكم, وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ
الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (
152 ) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم أمر المسرفين
على أنفسهم في تماديهم في معصية الله, واجترائهم على سخطه, وهم الرهط التسعة الذين
كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله:
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا
يُصْلِحُونَ يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه, ولا يصلحون, يقول: ولا يصلحون
أنفسهم بالعمل بطاعة الله.
وقوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) اختلف
أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
من المسحورين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتاده, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
إنما أنت من المسحورين.
وقال
آخرون: معناه: من المخلوقين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عبيد, قال: ثنا موسى بن عمرو, عن أبي صالح, عن ابن عباس, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
من المخلوقين.
واختلف
أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك, فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس
أو دابة فهو مسحر, وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه, واستشهد على ذلك بقول لبيد:
فَــإِنْ
تَسْــأَلينا فِيـمَ نَحْـنُ فإنَّنـا عَصَـافِيرُ مِـنْ هَـذَا الأنـامِ
المُسَحَّر
وقال بعض
نحويي الكوفيين نحو هذا, غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل
الطعام والشراب, فتُسَحَّر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: « من هذا الأنام المسحر » : من هذا الأنام المعلل
المخدوع. قال: ويُروى أن السحر من ذلك, لأنه كالخديعة.
والصواب
من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس, أن معناه: إنما أنت من
المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا, ولست ربا ولا ملكا فنطيعك, ونعلم
أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة, وهو الذي له سحرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ
مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قَالَ هَذِهِ
نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوهَا
بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل ثمود لنبيها صالح: ( مَا أَنْتَ - يَا صَالِحُ- إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) من بني آدم, تأكل ما نأكل,
وتشرب ما نشرب, ولست بربّ ولا ملك, فعلام نتبعك؟ فإن كنت صادقا في قيلك, وأن الله
أرسلك إلينا (
فَأْتِ بِآيَةٍ ) يعني:
بدلالة وحجة على أنك محقّ فيما تقول, إن كنت ممن صدقنا في دعواه أن الله أرسله
إلينا.
وقد
حدثنا أحمد بن عمرو البصري, قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي, قال: ثنا داود بن أبي
الفرات, قال: ثنا علباء بن أحمر, عن عكرمة, عن ابن عباس: أن صالحا النبيّ صلى الله
عليه وسلم بعثه الله إلى قومه, فآمنوا به واتبعوه, فمات صالح, فرجعوا عن الإسلام,
فأتاهم صالح, فقال لهم: أنا صالح, قالوا: إن كنت صادقا فأتنا بآية, فأتاهم
بالناقة, فكذبوه وعقروها, فعذّبهم الله.
وقوله: ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) يقول تعالى ذكره: قال صالح لثمود لما سألوه آية يعلمون بها
صدقه, فأتاهم بناقة أخرجها من صخرة أو هضبة: هذه ناقة يا قوم, لها شرب ولكم مثله
شرب يوم آخر معلوم, ما لكم من الشرب, ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها
شيئا, ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئا. ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من
الماء, يقول: لها حظّ من الماء, ولكم مثله, والشُّرْب والشَّرْب والشِّرْب مصادر
كلها بالضم والفتح والكسر.
وقد حُكي
عن العرب سماعا: آخرها أقلها شُربا وشِربا.
وقوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) يقول: لا تمسوها بما يؤذيها
من عقر وقتل ونحو ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) لا تعقروها. وقوله: ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول:
فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا
نَادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (
159 )
يقول
تعالى ذكره, فخالفت ثمود أمر نبيها صالح صلى الله عليه وسلم, فعقروا الناقة التي
قال لهم صالح: لا تمسوها بسوء, فأصبحوا نادمين على عقرها, فلم ينفعهم ندمهم,
وأخذهم عذاب الله الذي كان صالح توعدهم به فأهلكهم. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول: إنّ في إهلاك ثمود بما
فعلت من عقرها ناقة الله وخلافها أمر نبي الله صالح لعبرة لمن اعتبر به يا محمد من
قومك. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) يقول:
ولن يؤمن أكثرهم في سابق علم الله. ( وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد (
لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في
انتقامه من أعدائه (
الرَّحِيمُ ) بمن
آمن به من خلقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 161
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 )
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 164 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) من
أرسله الله إليهم من الرسل حين ( قَالَ
لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ) الله أيها القوم. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من ربكم (
أمِينٌ ) على
وحيه, وتبليغ رسالته. (
فَاتَّقُوا اللَّهَ ) في
أنفسكم, أن يحلّ بكم عقابه على تكذيبكم رسوله ( وأطيعون ) فيما
دعوتكم إليه أهدكم سبيل الرشاد. ( وَمَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ من أجر ) يقول:
وما أسألكم على نصيحتي لكم ودعايتكم إلى ربي جزاء ولا ثوابا. يقول: ما جزائي على
دعايتكم إلى الله, وعلى نصحي لكم وتبليغ رسالات الله إليكم, إلا على ربّ العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ
مِنَ الْعَالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ( 166 )
يعني
بقوله: (
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ) : أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم. وقوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ,
فأحله لكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: « وَتَذَرُونَ ما أصْلَحَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ
» .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) قال: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد بنحوه.
وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
عَادُونَ ) يقول:
بل أنتم قوم تتجاوزون ما أباح لكم ربكم, وأحله لكم من الفروج إلى ما حرّم عليكم
منها.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
عَادُونَ ) قال:
قوم معتدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ( 167 ) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ
مِنَ الْقَالِينَ ( 168 )
يقول
تعالى ذكره: قال قوم لوط: (
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ ) عن
نهينا عن إتيان الذكران (
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) من بين أظهرنا وبلدنا. ( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ) يقول لهم لوط: إني لعملكم
الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين, يعني من المبغضين, المنكرين
فعله.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي
مِمَّا يَعْمَلُونَ ( 169 ) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلا
عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ( 171 )
يقول
تعالى ذكره: فاستغاث لوط حين توعده قومه بالإخراج من بلدهم إن هو لم ينته عن نهيهم
عن ركوب الفاحشة, فقال ( رَبِّ
نَجِّنِي وَأَهْلِي ) من
عقوبتك إياهم على ما يعملون من إتيان الذكران. ( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ) من عقوبتنا التي عاقبنا بها
قوم لوط (
أَجْمَعِينَ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) يعني في الباقين, لطول مرور السنين عليها, فصارت هرمة,
فإنها أهلكت من بين أهل لوط, لأنها كانت تدلّ قومها على الأضياف. وقد قيل: إنما
قيل من الغابرين لأنها لم تهلك مع قومها في قريتهم, وأنها إنما أصابها الحجر بعد
ما خرجت عن قريتهم مع لوط وابنتيه, فكانت من الغابرين بعد قومها, ثم أهلكها الله
بما أمطر على بقايا قوم لوط من الحجارة, وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بشواهده المغنية
عن إعادتها.
القول
في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ
( 172 ) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 173 )
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 174 ) وَإِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 175 )
يقول
تعالى ذكره: ثم أهلكنا الآخرين من قوم لوط بالتدمير. ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ
مَطَرًا ) وذلك
إرسال الله عليهم حجارة من سجيل من السماء. ( فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) يقول: فبئس ذلك المطر مطر القوم
الذين أنذرهم نبيهم فكذّبوه. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول
تعالى ذكره: إن في إهلاكنا قوم لوط الهلاك الذي وصفنا بتكذيبهم رسولنا, لعبرة
وموعظة لقومك يا محمد, يتعظون بها في تكذيبهم إياك, وردهم عليك ما جئتهم به من عند
ربك من الحقّ ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) في
سابق علم الله (
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) بمن آمن به .
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ( 176 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 177 )
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 178 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 179 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ ) .
والأيكة: الشجر الملتفّ, وهي واحدة الأيك, وكل شجر ملتفّ فهو عند العرب أيكة; ومنه
قول نابغة بني ذبيان:
تَجْــلُو
بِقــادمَتَيْ حَمَامَــةِ أيْكَـةٍ بَــرَدًا أُسِــفّ لِثاتُــهُ بــالإثْمِدِ
وأصحاب
الأيكة: هم أهل مدين فيما ذُكر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ) يقول:
أصحاب الغيضة.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: الأيكة: مجمع الشجر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, قوله:
(
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: أهل مدين, والأيكة: الملتف من الشجر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ) قال:
الأيكة: الشجر, بعث الله شعيبا إلى قومه من أهل مدين, وإلى أهل البادية, قال: وهم
أصحاب ليكة, وليكة والأيكة: واحد.
وقوله ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ
أَلا تَتَّقُونَ ) يقول
تعالى ذكره: قال لهم شعيب: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم ربكم؟. ( إِنِّي لَكُمْ مِنَ اللَّهِ
رَسُولٌ أَمِينٌ ) على
وحيه. (
فاتقوا ) عقاب ( الله ) على خلافكم أمره ( وأطيعون ) ترشدوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 180 ) أَوْفُوا
الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 )
يقول: ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ ) على نصحي لكم من جزاء وثواب,
ما جزائي وثوابي على ذلك ( إِلا
عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ ) . يقول: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل. ( وَلا تَكُونُوا مِنَ
الْمُخْسِرِينَ ) يقول:
ولا تكونوا ممن نقصهم حقوقهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ
الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا
فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 183 )
يعني
بقوله (
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ ) وزنوا
بالميزان (
الْمُسْتقِيمِ ) الذي
لا بخس فيه على من وزنتم له. ( وَلا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن. ( وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ
مُفْسِدِينَ ) يقول:
ولا تكثروا في الأرض الفساد. قد بيَّنا ذلك كله بشواهده, واختلاف أهل التأويل فيه
فيما مضى, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ ( 184 ) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ
لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 )
يقول
تعالى ذكره: (
واتقوا ) أيها
القوم عقاب ربكم (
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ خَلَقَ الْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يعني بالجبلة: الخلق
الأوّلين. وفي الجبلة للعرب لغتان: كسر الجيم والباء وتشديد اللام, وضم الجيم
والباء وتشديد اللام; فإذا نـزعت الهاء من آخرها كان الضم في الجيم والباء أكثر
كما قال جلّ ثناؤه: «
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جُبُلا كَثِيرًا » وربما سكنوا الباء من الجبْل, كما قال أبو ذؤيب:
مَنايــا
يُقَــرّبْنَ الحُـتُوفَ لأهْلِهـا جِهـارًا وَيَسْـتَمْتِعْنَ بـالأنس الجِـبْلِ
وبنحو ما
قلنا في معنى الجِبِلَّة قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: قوله: ( وَاتَّقُوا الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يقول: خلق الأوّلين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخليقة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخلق الأوّلين, الجبلة:
الخلق.
وقوله: ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ
مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) يقول:
قالوا: إنما أنت يا شعيب معلل تعلل بالطعام والشراب, كما نعلل بهما, ولست ملَكا. ( وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ
مِثْلُنَا ) تأكل
وتشرب (
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ) . يقول: وما نحسبك فيما تخبرنا وتدعونا إليه, إلا ممن يكذب
فيما يقول, فإن كنت صادقا فيما تقول بأنك رسول الله كما تزعم ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) يعني
قطعا من السماء, وهي جمع كِسفة, جمع كذلك كما تجمع تمرة: تمرا .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كسفا ) يقول: قِطَعا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) : جانبا من السماء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) قال:
ناحية من السماء, عذاب ذلك الكسف.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا
تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ
كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 )
يقول
تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: (
رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يقول: بأعمالهم هو بها محيط, لا يخفى عليه منها شيء, وهو
مجازيكم بها جزاءكم. (
فكذبوه ) يقول:
فكذّبه قومه. (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) يعني بالظلة: سحابة ظللتهم, فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم
نارا, وأحرقتهم, وبذلك جاءت الآثار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن زيد بن معاوية,
في قوله: (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أصابهم حرّ أقلقهم في بيوتهم, فنشأت لهم سحابة كهيئة
الظلة, فابتدروها, فلما تتاموا تحتها أخذتهم الرجفة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: كانوا يحفرون الأسراب
ليتبردوا فيها, فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر, وكانت الظلة سحابة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بعث شُعيب
إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين, وإلى أصحاب الأيكة. وكانت الأيكة من شجر ملتف; فلما
أراد الله أن يعذّبهم, بعث الله عليهم حرّا شديدا, ورفع لهم العذاب كأنه سحابة;
فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها, فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا. قال:
فذلك قوله: (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) .
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد, قال: ثنا حاتم بن
أبي صغيرة, قال: ثني يزيد الباهلي, قال: سألت عبد الله بن عباس, عن هذه الآية: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) فقال عبد الله بن عباس: بعث الله عليهم ومدة وحرّا شديدا,
فأخذ بأنفاسهم, فدخلوا البيوت, فدخل عليهم أجواف البيوت, فأخذ بأنفاسهم, فخرجوا من
البيوت هرابا إلى البرية, فبعث الله عليهم سحابة, فأظلتهم من الشمس, فوجدوا لها
بردا ولذة, فنادى بعضهم بعضا, حتى إذا اجتمعوا تحتها, أرسلها الله عليهم نارا. قال
عبد الله بن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة, ( إنه كان عذاب يوم عظيم ) .
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: « يَوْمُ الظُّلَّةِ » قال: إظلال العذاب إياهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب.
قال ابن
جُرَيج: لما أنـزل الله عليهم أوّل العذاب, أخذهم منه حر شديد, فرفع الله لهم
غمامة, فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها, فأصابهم منها روح وبرد وريح طيبة,
فصبّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا, فذلك قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر بن راشد, قال: ثني رجل من
أصحابنا, عن بعض العلماء قال: كانوا عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم
عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق,
فجعلوا كلما عطلوا حدّا وسع الله عليهم في الرزق, حتى إذا أراد إهلاكهم سلط الله
عليهم حرّا لا يستطيعون أن يتقارّوا, ولا ينفعهم ظل ولا ماء, حتى ذهب ذاهب منهم,
فاستظلّ تحت ظلة, فوجد روحا, فنادى أصحابه: هلموا إلى الروح, فذهبوا إليه سراعا,
حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا, فذلك عذاب يوم الظلة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن ابن عباس,
قال: من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة؟ فكذِّبْه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ ) قوم
شعيب, حبس الله عنهم الظل والريح, فأصابهم حرّ شديد, ثم بعث الله لهم سحابة فيها
العذاب, فلما رأوا السحابة انطلقوا يؤمونها, زعموا يستظلون, فاضطرمت عليهم نارا
فأهلكتهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قال: بعث الله إليهم ظلة من سحاب, وبعث إلى الشمس فأحرقت ما
على وجه الأرض, فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة, حتى إذا اجتمعوا كلهم, كشف الله عنهم
الظلة, وأحمى عليهم الشمس, فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى. وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول
تعالى ذكره: إن عذاب يوم الظلة كان عذاب يوم لقوم شُعيب عظيم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 191 )
يقول
تعالى ذكره: إن في تعذيبنا قوم شعيب عذاب يوم الظلة, بتكذيبهم نبيهم شعيبا, لآية
لقومك يا محمد, وعبرة لمن اعتبر, إن اعتبروا أن سنتنا فيهم بتكذيبهم إياك, سنتنا
في أصحاب الأيكة. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) في
سابق علمنا فيهم (
وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا
محمد (
لَهُوَ الْعَزِيزُ ) فى
نقمته ممن انتقم منه من أعدائه (
الرَّحِيمُ ) بمن
تاب من خلقه, وأناب إلى طاعته.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ( 193 ) عَلَى قَلْبِكَ
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )
يقول
تعالى ذكره: وإنّ هذا القرآن (
لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) والهاء
في قوله ( وإنه ) كناية الذكر الذي فى قوله:
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَتَنـزيلُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) قال:
هذا القرآن.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله ( نـزلَ
بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) فقرأته
عامة قرّاء الحجاز والبصرة ( نـزل ) به مخففة ( الرُّوحُ الأمِينُ ) رفعا بمعنى: أن الروح الأمين
هو الذي نـزل بالقرآن على محمد, وهو جبريل. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة. ( نـزل ) مشددة الزاي ( الرُّوحُ الأمِينُ ) نصبا, بمعنى: أن رب العالمين
نـزل بالقرآن الروح الأمين, وهو جبريل عليه السلام.
والصواب
من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان فى قرّاء الأمصار,
متقاربتا المعنى, فأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن الروح الأمين إذا نـزل على
محمد بالقرآن, لم ينـزل به إلا بأمر الله إياه بالنـزول, ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو
إيمان بالله, وأن الله إذا أنـزله به نـزل.
وبنحو
الذي قلنا في أن المعني بالروح الأمين في هذا الموضع جبريل قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبى, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس. في
قوله: ( نـزلَ
بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) قال:
جبريل.
حدثنا
الحسين, قال أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قول الله: ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ
الأمِينُ ) قال:
جبريل.
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج قال: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جبريل.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) قال: جبريل.
وقوله ( عَلَى قَلْبِكَ ) يقول: نـزل به الروح الأمين
فتلاه عليك يا محمد, حتى وعيته بقلبك. وقوله: ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) يقول: لتكون من رسل الله
الذين كانوا ينذرون من أرسلوا إليه من قومهم, فتنذر بهذا التنـزيل قومك المكذّبين
بآيات الله. وقوله: (
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) يقول:
لتنذر قومك بلسان عربي مبين, يبين لمن سمعه أنه عربي, وبلسان العرب نـزل, والباء
من قوله ( بلسان
) من صلة
قوله: ( نـزلَ
) ,
وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نـزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع, إعلاما
منه مشركي قريش أنه أنـزله كذلك, لئلا يقولوا إنه نـزل بغير لساننا, فنحن إنما
نعرض عنه ولا نسمعه, لأنا لا نفهمه, وإنما هذا تقريع لهم, وذلك أنه تعالى ذكره
قال: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا
عَنْهُ مُعْرِضِينَ . ثم قال: لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه, بل يفهمونها,
لأنه تنـزيل رب العالمين نـزل به الروح الأمين بلسانهم العربيّ, ولكنهم أعرضوا عنه
تكذيبا به واستكبارا فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِئُونَ . كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذّبت
رسلها أنباء ما كانوا به يكذّبون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ
الأَوَّلِينَ ( 196 ) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ
بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 197 ) وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (
198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذَلِكَ
سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى
يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ( 201 )
يقول
تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لفي زبر الأوّلين: يعني في كتب الأوّلين, وخرج مخرج
العموم ومعناه الخصوص, وإنما هو: وإن هذا القرآن لفي بعض زبر الأوّلين; يعني: أن
ذكره وخبره في بعض ما نـزل من الكتب على بعض رسله. وقوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) يقول تعالى ذكره: أولم يكن
لهؤلاء المعرضين عما يأتيك يا محمد من ذكر ربك, دلالةٌ على أنك رسول رب العالمين,
أن يعلم حقيقة ذلك وصحته علماء بني إسرائيل. وقيل: عني بعلماء بني إسرائيل في هذا
الموضع: عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم
من بني إسرائيل في عصره.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: كان عبد الله بن سلام من
علماء بنى إسرائيل, وكان من خيارهم, فآمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم, فقال لهم
الله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وخيارهم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( عُلَمَاءُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ ) قال:
عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً ) قال
محمد: ( أَنْ
يَعْلَمَهُ ) قال:
يعرفه. (
عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) . قال
ابن جُرَيج, قال مجاهد: علماء بني إسرائيل: عبد الله بن سلام, وغيره من علمائهم.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: أولم يكن للنبي آية,
علامة أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم؟. وقوله:
(
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يقول تعالى ذكره: ولو نـزلنا هذا القرآن على بعض البهائم
التي لا تنطق, وإنما قيل على بعض الأعجمين, ولم يقل على بعض الأعجميين, لأن العرب
تقول إذا نعتت الرجل بالعجمة وأنه لا يفصح بالعربية: هذا رجل أعجم, وللمرأة: هذه
امرأة عَجْماء, وللجماعة: هؤلاء قوم عُجْم وأعجمون, وإذا أريد هذا المعنى وصف به
العربيّ والأعجمي, لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان, وقد يكون كذلك, وهو من
العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر:
مِــنْ
وَائِــلٍ لا حَــيَّ يَعْــدِلُهُمْ مِــنْ سُــوقَةٍ عَــرَبٌ ولا عُجْـمُ
فأما إذا
أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم, لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان, فإنه يقال:
هذا رجل عجميّ, وهذان رجلان عجميان, وهؤلاء قوم عَجَم, كما يقال: عربيّ, وعربيان,
وقوم عرب. وإذا قيل: هذا رجل أعجميّ, فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر: هذا
أحمري ضخم, وكما قال العجاج:
والدَّهْرُ
بالإنسانِ دَوَّارِيُّ
ومعناه:
دوّار, فنسبه إلى فعل نفسه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, قال: كنت
واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة, فتلا هذه الآية: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: لو نـزل على بعيري هذا
فتكلم به ما آمنوا به لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ
وعجميّ, لو فعلنا ذلك.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى,
قال: كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة, فقرأ هذه الآية ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: فقال: جملي هذا أعجم,
فلو أُنـزل على هذا ما كانوا به مؤمنين.
ورُوي عن
قَتادة في ذلك ما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن
قتادة: (
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) قال: لو نـزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به, لأنهم لا
يعرفون بالعجمية.
وهذا
الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له, لأنه وجَّه الكلام أن معناه: ولو أنـزلناه
أعجميا, وإنما التنـزيل (
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يعني: ولو نـزلنا هذا القرآن العربي علي بهيمة من العجم أو
بعض ما لا يفصح, ولم يقل: ولو نـزلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله.
وقوله ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) يقول: فقرأ هذا القرآن على
كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين.
يقول: لم يكونوا ليؤمنوا به, لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء, وهذا تسلية
من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه, لئلا يشتد وجدُه بإدبارهم عنه,
وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن, لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على
قبولهم منه, والدخول فيما دعاهم إليه, حتى عاتبه ربه على شدّة حرصه على ذلك منهم,
فقال له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثم قال مؤيسه من
إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته, كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه
السورة. ولو نـزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك, فإنك رجل منهم, ويقولون
لك: ما أنت إلا بشر مثلنا, وهلا نـزل به ملك, فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن,
ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق, وأنه تنـزيل من عندي, ما كانوا به مصدقين,
فخفض من حرصك على إيمانهم به, ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء
المشركين, الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء,
فقال: كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن ( وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) (
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ )
التكذيب والكفر ( فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) .
ويعني بقوله: سلكنا: أدخلنا, والهاء في قوله ( سلكناه ) كناية
من ذكر قوله ( مَا
كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) , كأنه
قال: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) قال: الكفر ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ
) .
حدثني عليّ
بن سهل, قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن حميد, عن الحسن, في هذه الآية:
(
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال: خلقناه.
قال: ثنا
زيد, عن حماد بن سلمة, عن حميد, قال: سألت الحسن في بيت أبي خليفة, عن قوله ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال:
الشرك سلكه في قلوبهم. وقوله: ( لا
يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) يقول: فعلنا ذلك؛ بهم لئلا
يصدّقوا بهذا القرآن, حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا, كما رأت ذلك الأمم
الذين قص الله قصصهم في هذه السورة. ورفع قوله ( لا يُؤْمِنُونَ ) لأن العرب من شأنها إذا وضعت في موضع مثل هذا الموضع « لا » ربما جزمت ما بعدها, وربما
رفعت فتقول: ربطت الفرس لا تنفلتْ, وأحكمت العقد لا ينحلّ, جزما ورفعا. وإنما تفعل
ذلك لأن تأويل ذلك: إن لم أحكم العقد انحلّ, فجزمه على التأويل, ورفعه بأن الجازم
غير ظاهر.
ومن
الشاهد على الجزم في ذلك قول الشاعر:
لَـوْ
كُـنْتَ إذْ جِئْتَنـا حـاوَلْتَ رؤْيَتَنا أوْ جِئْتنـا ماشِـيا لا يَعْـرِف
الفَـرَس
وقول
الآخر:
لَطالَمَـــا
حَلأتَمَاهـــا لا تَــرِدْ فَخَلِّياهـــا والسِّـــجَالَ تَبْـــتَرِدْ
القول
في تأويل قوله تعالى : فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 )
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 )
يقول
تعالى ذكره: فيأتي هؤلاء المكذّبين بهذا القرآن, العذاب الأليم بغتة, يعني فجأة ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: لا يعلمون قبل ذلك
بمجيئه حتى يفجأهم بغتة. (
فيقولوا ) حين
يأتيهم بغتة ( هَلْ
نَحْنُ مُنْظَرُونَ ) : أي
هل نحن مؤخَّر عنا العذاب, ومُنْسأ في آجالنا لنئوب, وننيب إلى الله من شركنا
وكفرنا بالله, فنراجع الإيمان به, وننيب إلى طاعته؟. وقوله: ( أَفَبِعَذَابِنَا
يَسْتَعْجِلُونَ ) يقول
تعالى ذكره: أفبعذابنا هؤلاء المشركون يستعجلون بقولهم: لن نؤمن لك حتى تُسْقِطَ
السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا .
القول
في تأويل قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ( 206 )
يقول
تعالى ذكره: ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم بآياتنا, وتكذيبهم
رسولنا.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 )
( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ) يقول: أي شيء أغنى عنهم
التأخير الذي أخرنا في آجالهم, والمتاع الذي متعناهم به من الحياة, إذ لم يتوبوا
من شركهم, هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا؟, وهل نفعهم شيئا؟, بل ضرهم
بازديادهم من الآثام, واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ إلى قوله ( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) قال: هؤلاء أهل الكفر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 209 )
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ( 210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا
يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 )
يقول
تعالى ذكره: ( وَمَا
أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) من هذه
القرى التي وصفت في هذه السور ( إِلا
لَهَا مُنْذِرُونَ ) يقول:
إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم. ( ذِكْرَى ) يقول: إلا لها منذرون
ينذرونهم, تذكرة لهم وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى
وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من الإنذار على ما بيَّنْتُ, والآخر:
الرفع على الابتداء كأنه قيل: ذكرى.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى ) قال: الرسل. قال ابن جُرَيج: و قوله: ( ذِكْرَى ) قال: الرسل.
قوله: ( وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) يقول: وما كنا ظالميهم في
تعذيبناهم وإهلاكهم, لأنا إنما أهلكناهم, إذ عتوا علينا, وكفروا نعمتنا, وعبدوا
غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار, ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن
يفعلوه, فأبوا إلا التمادي في الغيّ.
وقوله: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ ) يقول
تعالى ذكره: وما تنـزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد, ولكنه ينـزل به الروح
الأمين. ( وَمَا
يَنْبَغِي لَهُمْ ) يقول:
وما ينبغي للشياطين أن ينـزلوا به عليه, ولا يصلح لهم ذلك. ( وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) يقول: وما يستطيعون أن
يتنـزلوا به, لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء. ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ
لَمَعْزُولُونَ ) يقول:
إن الشياطين عن سمع القران من المكان الذي هو به من السماء لمعزولون, فكيف
يستطيعون أن يتنـزلوا به.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ ) قال:
هذا القرآن. وفي قوله (
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) قال: عن سمع السماء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, بنحوه, إلا أنه
قال: عن سمع القرآن.
والقرّاء
مجمعة على قراءة ( وَمَا
تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) بالتاء
ورفع النون, لأنها نون أصلية, واحدهم شيطان, كما واحد البساتين بستان. وذُكر عن
الحسن أنه كان يقرأ ذلك: « وَمَا
تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ » بالواو,
وذلك لحن, وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه, أن يكون توهم أن ذلك نظير
المسلمين والمؤمنين, وذلك بعيد من هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( فَلا تَدْعُ ) يا محمد ( مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) أي لا
تعبد معه معبودا غيره (
فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) فينـزل
بك من العذاب ما نـزل بهؤلاء الذين خالفوا أمرنا وعبدوا غيرنا. وقوله: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) يقول
جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك
قرابة, وحذّرهم من عذابنا أن ينـزل بهم بكفرهم.
وذُكر أن
هذه الآية لما نـزلت, بدأ ببني جده عبد المطلب وولده, فحذّرهم وأنذرهم.
*ذكر
الرواية بذلك:
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه,
عن عائشة قالت: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « يا
صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ, يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي
عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا, سَلُوني مِنْ مالي
ما شِئْتُمْ » .
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثني أبي ويونس بن بكير, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: لما
نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: « يا فَاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ, ويا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ » ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.
حدثني
يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا سلامة, قال: قال عقيل: ثني الزهري, قال: قال سعيد بن
المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين أنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) : « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ
الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا,
يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا
فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, سَلِينِي ما
شِئْتِ, لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا » .
حدثني
محمد بن عبد الملك, قال: ثنا أبو اليمان, قال: أخبرنا شعيب عن الزهري, قال: أخبرني
سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين أنـزل عليه: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال: « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله » ثم ذكر نحو حديث يونس, عن
سلامة; غير أنه زاد فيه « يا
صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا » ولم يذكر في حديثه فاطمة.
حدثني
يونس, قال: ثنا سلامة بن روح, قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما أنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) جمع قريشا, ثم أتاهم, فقال لهم: « هَلْ فِيكُمْ غرِيبٌ؟ » فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا
نراه إلا منا, قال: « إنَّهُ
منْكُمْ » ,
فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لهم في آخر كلامه: « لا أعْرِفَنَّ مَا وَرَدَ
عليَّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسُوقُونَ الآخِرَةَ, وجِئْتُمْ إليَّ
تَسُوقُونَ الدُّنْيا » .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, أخبرني سعيد بن المسيب
وأبو سلمة بن عبد الرحمن, أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
أُنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) : « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله
شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا
عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا
صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسُولِ الله لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ
بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا » .
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت الحجاج يحدث, عن عبد الملك بن عمير,
عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنـزل
الله: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: « يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ
أنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي
نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها ببلالها » .
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا أبو أسامة, عن زائدة, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة,
عن أبي هريرة, قال: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم قريشا, فعم وخصّ, فقال: « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ
بْنِ لُؤَيٍّ, يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, يا مَعْشَرَ بِنِي هاشم, يا
مَعْشَرَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ » , يقول لكلهم: « أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, فإني وَاللهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ
الله شَيْئًا, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها بِبلالها » .
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: ثنا أبو عثمان, عن زهير بن عمرو
وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا أنـزل الله على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) ,
فحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه علا صخرة من جبل, فعلا أعلاها حجرا, ثم
قال: « يا آل
عَبْدِ مَنافاه, يا صَباحاه, إنّي نَذِيرٌ, إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَكُمْ مَثَل
رَجُلٍ أتى الجَيْشُ, فَخَشِيَهُمْ على أهْلِهِ, فَذَهَبَ يَرْبَؤُهم فَخَشِيَ أنْ
يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ, فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ: يا صَبَاحَاهُ » ! أو كما قال.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن قسامة بن زهير, قال:
بلغني أنه لما نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) جاء
فوضع أصبعه في أذنه, ورفع من صوته, وقال: « يا بَنِي عَبْدِ مَناف وَاصَبَاحَاهُ » !
قال: ثني
أبو عاصم, قال: ثنا عوف, عن قسامة بن زهير, قال: أظنه عن الأشعري, عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثني
عبد الله بن أبي زياد, قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس, عن عوف, قال: قال قسامة
بن زهير, حدثني الأشعري, قال: لما نـزلت, ثم ذكر نحوه; إلا أنه قال: وضع أصبعيه في
أذنيه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن نُمير, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قام رسول الله صلى الله عليه
وسلم على الصفا, ثم نادى: « يا
صَباحاهُ » ,
فاجتمع الناس إليه, فبين رجل يجيء, وبين آخر يبعث رسوله, فقال: « يا بَنِي هَاشِمٍ, يا بَنِي
عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي فِهْرٍ, يا بَنِي يا بَنِي, أرَأَيْتَكُمْ لَوْ
أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ
عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟ » قالوا:
نعم, قال: « فإنِّي
نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » فقال أبو لهب: تبا لكم سائر اليوم, ما دعوتموني إلا لهذا؟
فنـزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ .
حدثنا
أبو كُرَيب وأبو السائب, قالا ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن
سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا,
فقال: « يا
صباحاهُ! » فاجتمعت
إليه قريش, فقالوا له: مالك؟ فقال: « أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ
مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمُسِّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ » قالوا: بلى, قال: « فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ
يَدَيْ عَذَاب شَدِيد » . قال
أبو لهب: تبا لك, ألهذا دعوتنا أو جمعتنا!, فأنـزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي
لَهَبٍ ... إلى آخر السورة.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ورهطك منهم المخلصين, خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا, فهتف: « يا صَباحاهُ! » فقالوا: من هذا الذي يهتف؟
فقالوا: محمد, فاجتمعوا إليه, فقال: « يا بَنِي فُلان, يا بَنِي فُلان, يا بَنِي عَبْدِ
المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَنَاف » , فاجتمعوا إليه, فقال: « أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا تَخْرُج
بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيّ؟ » قالوا: ما جربنا عليك كذبا, قال: « فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ
يَدَيْ عَذَاب شَدِيدٍ » , فقال
أبو لهب: تبا لك, ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنـزلت هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا
أَبِي لَهَبٍ و قد تب, كذا قرأ الأعمش, إلى آخر السورة.
حدثنا أبو
كريب, قال: ثنا أبو معاوية بن هشام, عن سفيان, عن حبيب, عن سعيد, عن ابن عباس,
قال: لما نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على الصفا, فقال: « يا صَباحاهُ » !
قال ثنا
خالد بن عمرو, قال: ثنا سفيان الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) , قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, فقال: « يا صباحاه ! » فجعل يعددهم: « يا بَنِي فُلان, وَيا بَنِي
فُلان, ويا بَنِي عَبْدِ مَنَاف » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ, قال: لما نـزلت: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) قال:
أتى جبلا فجعل يهتف: « يا
صَباحاهُ » , فأتاه
من خف من الناس, وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلا فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت
; فلما انتهوا إليه قال: « إنَّ
مِنْكُمْ مَنْ جَاءَ لِيَنْظُرَ, وَمِنكُمْ مَنْ أرْسَلَ لينظر مَنِ الهاتف » , فلما اجتمعوا وكثروا قال: « أرَأيتَْكُمْ لَوْ
أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا مُصَبِّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَلِ, أكُنْتُمْ
مُصَدِّقيّ؟ » قالوا:
نعم, ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا, فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ التي
أُنـزلْنَ, وأنذرهم كما أمر, فَجَعَلَ ينادي: « يا قُرَيْشُ, يا بَنِي هاشِمٍ » حتى قالَ: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ,
إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَاب شَدَيد » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عمرو: أنه كان يقرأ: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) ورهطك
المخلصين.
قال: ثنا
سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن
عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن عبد الله بن عباس, عن
عليّ بن أبي طالب: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) دعاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لي: « يا عليُّ, إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي
الأقْرَبِين » , قال: « فضقت بذلك ذرعا, وعرفت أنى متى
ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره, فصمتُّ حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد,
إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام, واجعل عليه رجل شاة,
واملأ لنا عسا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب, حتى أكلمهم, وأبلغهم ما أمرت به
» , ففعلت
ما أمرني به, ثم دعوتهم له, وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه, فيهم
أعمامه: أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب; فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام
الذي صنعت لهم, فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم حِذْية من
اللحم فشقها بأسنانه, ثم ألقاها في نواحي الصحفة, قال: « خذوا باسم الله » , فأكل القوم حتى ما لهم بشيء
حاجة, وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد
ليأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: « اسْقِ
النَّاسَ » ,
فجِئْتُهُمْ بذلك العس, فشربوا حتى رووا منه جميعا, وايم الله إن كان الرجل الواحد
منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم, بدره أبو لهب
إلى الكلام, فقال: لَهَدَّ ما سحركم به صاحبكم, فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم, فقال: « الغد
يا عليّ, إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ,
فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ
الَّذِي صَنَعْتَ, ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي » , قال: ففعلت ثم جمعتهم, ثم دعاني بالطعام, فقرّبته لهم,
ففعل كما فعل بالأمس, فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, قال: « اسقهم » , فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى
رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ,
إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا
جئْتُكُمْ بِهِ, إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ, وَقَدْ
أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ, فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا
الأمْرِ, عَلى أنْ يَكُونَ أخِي » وكَذَا
وكَذَا؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا, وقلت وإني لأحدثهم سنا, وأرمصهم عينا,
وأعظمهم بطنا, وأخمشهم ساقا. أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك, فأخذ برقبتي, ثم قال: « إن هذا أخي » وكذا وكذا, « فاسمعوا له وأطيعوا » , قال: فقام القوم يضحكون,
ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني إسحاق, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن بن أبي
الحسن, قال: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح, ثم قال: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَناف, يا
بَنِي قُصَيّ » , قال:
ثم فخَّذ قريشا قبيلة قبيلة, حتى مرّ على آخرهم, « إنّي أدْعُوكُمْ إلى اللهِ, وأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ » .
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال: أمر محمد أن ينذر قومه, ويبدأ بأهل بيته وفصيلته, قال:
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال:
ولما نـزلت: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « يا فاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ, يا صَفِيَّهُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ, اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ
بِشِقِّ تَمْرَةٍ » .
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) بدأ
بأهل بيته وفصيلته.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لما نـزلت: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) جمع
النبيّ صلى الله عليه وسلم بني هاشم, فقال: « يا بني هاشم, ألا لا ألْفِيَنَّكُمْ تأْتُونِي تَحْمِلُونَ
الدُّنْيَا, ويأتي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ, ألا إنَّ أوْليائي مِنْكُمْ
المُتَّقُونَ, فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لما نـزلت هذه الآية
بدأ بأهل بيته وفصيلته; قال: وشقّ ذلك على المسلمين, فأنـزل الله تعالى: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وقوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ) يقول: وألن جانبك وكلامك ( لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) .
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال:
يقول: لن لهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ
الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 )
يقول
تعالى ذكره: فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم, وأبوا إلا
الإقامة على عبادة الأوثان, والإشراك بالرحمن, فقل لهم: ( إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
تَعْمَلُونَ ) من
عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام. ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ ) فى نقمته من أعدائه ( الرَّحِيمِ ) بمن أناب إليه وتاب من
معاصيه.
( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ
تَقُومُ ) يقول:
الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.
وكان
مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن
جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) قال:
أينما كنت.
( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) اختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك في صلاتك حين تقوم,
ثم تركع, وحين تسجد.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) يقول:
قيامك وركوعك وسجودك.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت أبي وعليّ بن بذيمة
يحدّثان عن عكرمة في قوله: (
يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال: قيامه وركوعه وسجوده.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال عكرمة, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
قائما وساجدا وراكعا وجالسا.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تقلبك في المصلين, وإبصارك منهم من هو خلفك, كما تبصر من
هو بين يديك منهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد : ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) كان
يرى من خلفه, كما يرى من قدّامه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال : ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
المصلين كان يرى من خلفه في الصلاة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
المصلين, قال: كان يرى في الصلاة من خلفه.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وتقلبك مع الساجدين: أي تصرفك معهم في الجلوس والقيام
والقعود.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني عطاء
الخراساني عن ابن عباس, قال: (
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال:
يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في المصلين.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في الساجدين: المصلين.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تصرّفك في الناس.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا ربيعة بن كلثوم, قال: سألت الحسن عن قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في الناس.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله, والساجدون
في قول قائل هذا القول: الأنبياء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, في قوله: ( الَّذِي يَرَاكَ ) ... الآية, قال: كما كانت
الأنبياء من قبلك.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال تأويله: ويرى تقلبك مع الساجدين في
صلاتهم معك, حين تقوم معهم وتركع وتسجد, لأن ذلك هو الظاهر من معناه. فأما قول من
وجهه إلى أن معناه: وتقلبك في الناس, فإنه قول بعيد من المفهوم بظاهر التلاوة, وإن
كان له وجه, لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله, فإنه ليس المفهوم من قول
القائل: فلان مع الساجدين, أو في الساجدين, أنه مع الناس أو فيهم, بل المفهوم بذلك
أنه مع قوم سجود, السجود المعروف, وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من
توجيهه إلى الأنكر.
وكذلك
أيضا في قول من قال: معناه: تتقلب في أبصار الساجدين, وإن كان له وجه, فليس ذلك
الظاهر من معانيه.
فتأويل
الكلام إذن: وتوكل على العزيز الرحيم, الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك, ويرى تقلبك
في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس.
وقوله: ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ) يقول
تعالى ذكره: إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد, وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر,
العليم بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك مؤتما بك, يقول: فرتل فيها
القرآن, وأقم حدودها, فإنك بمرأى من ربك ومسمع.
القول
في تأويل قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى
مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (
222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ( 223 )
يقول
تعالى ذكره: ( هَلْ
أُنَبِّئُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى مَنْ تَنـزلُ الشَّيَاطِينُ ) من الناس؟ ( تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ
أَفَّاكٍ ) يعني
كذّاب بهات (
أَثِيمٍ ) يعني:
آثم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال: كل كذّاب من الناس.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ
أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال:
كذاب من الناس.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال: هم الكهنة تسترق الجن
السمع, ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس.
حدثني
محمد بن عمارة الأسدي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي
إسحاق, عن سعيد بن وهب, قال: كنت عند عبد الله بن الزبير, فقيل له: إن المختار
يزعم أنه يوحى إليه, فقال: صدق, ثم تلا ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَـزَّلُ الشَّيَاطِينُ *
تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) .
وقوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) يقول تعالى ذكره: يلقي
الشياطين السمع, وهو ما يسمعون مما استرقوا سمعه من حين حدث من السماء, إلى ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) من أوليائهم من بني آدم.
وبنحو ما
قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) قال: الشياطين ما سمعته ألقته
على كلّ أفَّاكٍ كذّاب.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) الشياطين ما سمعته ألقته ( عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ ) قال: يلقون السمع, قال:
القول.
وقوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) يقول: وأكثر من تنـزل عليه
الشياطين كاذبون فيما يقولون ويخبرون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري, في قوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) عن عروة, عن عائشة قالت:
الشياطين تسترق السمع, فتجيء بكلمة حقّ فيقذفها في أذن وليه; قال: ويزيد فيها أكثر
من مائة كذبة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ
الْغَاوُونَ ( 224 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( 225 )
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (
227 )
يقول
تعالى ذكره: والشعراء يتبعهم أهل الغيّ لا أهل الرشاد والهدى.
واختلف
أهل التأويل في الذين وصفوا بالغيّ في هذا الموضع فقال بعضهم: رواة الشعر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحسن بن يزيد الطحان, قال: ثنا إسحاق بن منصور, قال: ثنا قيس, عن يعلى, عن عكرمة,
عن ابن عباس; وحدثني أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن قيس; وحدثنا أبو كريب,
قال: ثنا ابن عطية, عن قيس, عن يعلى بن النعمان, عن عكرمة, عن ابن عباس: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
الرواة.
وقال
آخرون: هم الشياطين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) :
الشياطين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: يتبعهم الشياطين.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن سلمة بن
كهيل, عن عكرمة, في قوله: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: عصاة الجنّ.
وقال
آخرون: هم السفهاء, وقالوا: نـزل ذلك في رجلين تهاجيا على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ... إلى آخر الآية, قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, وأنهما تهاجيا, وكان مع
كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء, فقال الله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) .
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من
قوم آخرين, تهاجيا, مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السُّفهاء.
وقال
آخرون: هم ضلال الجنّ والإنس.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
هم الكفار يتبعهم ضلال الجنّ والإنس.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
الغاوون المشركون.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء
المشركين يتبعهم غواة الناس, ومردة الشياطين, وعصاة الجنّ, وذلك أن الله عم بقوله:
(
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض, فذلك على جميع أصناف
الغواة التي دخلت في عموم الآية. قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ألم تر يا
محمد أنهم, - يعني الشعراء - في كلّ واد يذهبون, كالهائم على وجهه على غير قصد, بل
جائرا على الحقّ, وطريق, الرشاد, وقصد السبيل.
وإنما
هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق, فيمدحون
بالباطل قوما ويهجون آخرين كذلك بالكذب والزور.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي
كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) يقول:
في كلّ لَغْوٍ يخوضون.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) قال: في كلّ فنّ يَفْتَنُّون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي
كُلِّ وَادٍ ) قال:
فن (
يَهِيمُونَ ) قال:
يقولون.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) قال: يمدحون قوما بباطل,
ويشتمون قوما بباطل.
وقوله: ( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا
لا يَفْعَلُونَ ) يقول:
وأن أكثر قيلهم باطل وكذب.
كما
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا
لا يَفْعَلُونَ ) يقول:
أكثر قولهم يكذبون.
وعني
بذلك شعراء المشركين.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد: قال رجل لأبي: يا
أبا أسامة, أرأيت قول الله جلّ ثناؤه: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا
يَفْعَلُونَ ) فقال
له أبي: إنما هذا لشعراء المشركين, وليس شعراء المؤمنين, ألا ترى أنه يقول: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ...
إلخ. فقال: فَرَّجت عني يا أبا أسامة; فرّج الله عنك.
وقوله: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) وهذا
استثناء من قوله (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ) . وذكر
أن هذا الاستثناء نـزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم, كحسان بن ثابت,
وكعب بن مالك, ثم هو لكلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها.
وبالذي
قلنا في ذلك جاءت الأخبار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن
يزيد بن عبد الله بن قُسَيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري, قال: لما
نـزلت: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه
الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثنا محمد بن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن
يسار, قال: نـزلت (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) إلى آخر السورة في حسَّان بن ثابت, وعبد الله بن رواحة وكعب
بن مالك.
قال: ثنا
يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة وطاوس, قالا قال: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ) , فنسخ من ذلك واستثنى, قال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ...
الآية.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: ثم استثنى
المؤمنين منهم, يعني الشعراء, فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, فذكر
مثله.
حدثنا
الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
هم الأنصار الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ثم ذكر
نحو حديث ابن حميد عن سلمة.
وقوله: ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
) اختلف
أهل التأويل في حال الذكر الذي وصف الله به هؤلاء المستثنين من الشعراء, فقال
بعضهم: هي حال منطقهم ومحاورتهم الناس, قالوا: معنى الكلام: وذكروا الله كثيرا في
كلامهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) في كلامهم.
وقال
آخرون: بل ذلك في شعرهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
) قال:
ذكروا الله في شعرهم.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الذين استثناهم من
شعراء المؤمنين بذكر الله كثيرا, ولم يخص ذكرهم الله على حال دون حال في كتابه,
ولا على لسان رسوله, فصفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا في كلّ أحوالهم.
وقوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) يقول:
وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم, وإجابتهم عما
هجوهم به.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا
ظُلِمُوا ) قال:
يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وانتصروا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) .
وقيل:
عني بذلك كله الرهط الذين ذكرت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا عليّ بن مجاهد وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداريّ, قال: لما نـزلت: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) جاء
حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم
وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى
الله عليه وسلم: ( إِلا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ثم ذكر
نحوه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
عبد الله بن رواحة وأصحابه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
عبد الله بن رواحة.
وقوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا ) يقول
تعالى ذكره: وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله من أهل مكة ( أَيَّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ ) يقول:
أي مرجع يرجعون إليه, وأي معاد يعودون إليه بعد مماتهم, فإنهم يصيرون إلى نار لا
يُطفأ سعيرها, ولا يَسْكُن لهبها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن
يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) يعني: أهل مكة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) قال: وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون.
آخر
تفسير سورة الشعراء
تفسير سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ
وَكِتَابٍ مُبِينٍ ( 1 ) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( 3 )
قال أبو
جعفر: وقد بيَّنا القول فيما مضى من كتابنا هذا فيما كان من حروف المعجم في فواتح
السور, فقوله: ( طس ) من ذلك. وقد رُوي عن ابن عباس
أن قوله: ( طس ) قسم أقسمه الله هو من أسماء
الله.
حدثني
علي بن داود, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس:
قوله: ( طس ) قسم أقسمه الله هو من أسماء
الله.
فالواجب
على هذا القول أن يكون معناه: والسميع اللطيف, إن هذه الآيات التي أنـزلتها إليك
يا محمد لآيات القرآن, وآيات كتاب مبين: يقول: يبين لمن تدبَّره, وفكَّر فيه بفهم
أنه من عند الله, أنـزله إليك, لم تتخرّصه أنت ولم تتقوّله, ولا أحد سواك من خلق
الله, لأنه لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله, ولو تظاهر عليه الجنّ والإنس.
وخفض قوله : (
وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) عطفا
به على القرآن. وقوله: ( هُدًى
) من صفة
القرآن.
يقول:
هذه آيات القرآن بيان من الله بين به طريق الحق وسبيل السلام. ( وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وبشارة لمن آمن به,
وصدّق بما أنـزل فيه بالفوز العظيم في المعاد.
وفي
قوله: ( هُدًى
وَبُشْرَى ) وجهان
من العربية: الرفع على الابتداء بمعنى: هو هدى وبُشرى. والنصب على القطع من آيات
القرآن, فيكون معناه: تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للمؤمنين, ثم أسقطت الألف
واللام من الهدى والبشرى, فصارا نكرة, وهما صفة للمعرفة فنصبا.
وقوله: ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ ) يقول:
هو هدى وبشرى لمن آمن بها, وأقام الصلاة المفروضة بحدودها. وقوله : ( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) يقول: ويؤدّون الزكاة
المفروضة. وقيل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي.
وقد
بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ ) يقول:
وهم مع إقامتهم الصلاة, وإيتائهم الزكاة الواجبة, بالمعاد إلى الله بعد الممات
يوقنون, فيذلون في طاعة الله, رجاء جزيل ثوابه, وخوف عظيم عقابه, وليسوا كالذين
يكذّبون بالبعث, ولا يبالون, أحسنوا أم أساءوا, وأطاعوا أم عصوا, لأنهم إن أحسنوا
لم يرجوا ثوابا, وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 )
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ
الأَخْسَرُونَ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة, وقيام الساعة, وبالمعاد إلى الله
بعد الممات والثواب والعقاب. (
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ )
يقول:
حببنا إليهم قبيح أعمالهم, وسهَّلنا ذلك عليهم. ( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيَّناها لهم
يتردّدون حيارى يحسبون أنهم يحسنون.
وقوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ
سُوءُ الْعَذَابِ ) يقول
تعالى ذكره: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا, وهم الذين
قتلوا ببدر من مشركي قريش.
يقول:
وهم يوم القيامة هم الأوضعون تجارة والأوكسوها باشترائهم الضلالة بالهدى فَمَا
رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى
الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي
آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي
النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 8 )
يقول
تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتحفظ القرآن وتعلمه ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) يقول: من عند حكيم بتدبير
خلقه, عليم بأنباء خلقه ومصالحهم, والكائن من أمورهم, والماضي من أخبارهم, والحادث
منها. ( إِذْ
قَالَ مُوسَى ) وإذ من
صلة عليم. ومعنى الكلام: عليم حين قال موسى ( لأَهْلِهِ ) وهو في مسيره من مدين إلى مصر, وقد آذاهم برد ليلهم لما
أصلد زنده. (
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) أي
أبصرت نارا أو أحسستها, فامكثوا مكانكم ( سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) يعني من النار, والهاء والألف
من ذكر النار ( أَوْ
آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ )
اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: « بِشِهَابٍ قَبَسٍ » بإضافة الشهاب إلى القبس, وترك
التنوين, بمعنى: أو آتيكم بشعلة نار أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل
الكوفة: (
بِشِهَابٍ قَبَسٍ ) بتنوين
الشهاب وترك إضافته إلى القبس, يعني: أو آتيكم بشهاب مقتبس.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار, متقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلا من
الشهاب, فالتنوين في الشهاب, وإن أضاف الشهاب إلى القبس لم ينون الشهاب. وقال بعض
نحويِّي الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنـزلة قوله وَلَدَارُ الآخِرَةِ
مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأوّل قال:
ومثله حبة الخضراء, وليلة القمراء, ويوم الخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم: إن كان
الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة, لأن القبس نعت, ولا يضاف الاسم إلى نعته إلا في
قليل من الكلام, وقد جاء: وَلَدَارُ الآخِرَةِ و وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ .
والصواب
من القول في ذلك: أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس, فالقراءة فيه بالإضافة,
لأن معنى الكلام حينئذ, ما بينا من أنه شعلة قبس, كما قال الشاعر:
فـــي
كَفِّـــه صَعْــدَةٌ مُثَقَّفَــةٌ فِيهـــا سِـــنانٌ كشُــعْلَة القَبَس
وإذا
أريد بالشهاب أنه هو القبس, أو أنه نعت له, فالصواب في الشهاب التنوين؛ لأن الصحيح
في كلام العرب ترك إضافة الاسم إلى نعته, وإلى نفسه, بل الإضافات في كلامها
المعروف إضافة الشيء إلى غير نفسه وغير نعته.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) يقول: كي تصطلوا بها من
البرد. وقوله: (
فَلَمَّا جَاءَهَا ) يقول:
فلما جاء موسى النار التي آنسها (
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) .
كما
حدثنا عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ ) يقول:
قدّس.
واختلف
أهل التأويل في المعنِّي بقوله ( مَنْ
فِي النَّارِ ) فقال
بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان في النار, وكانت النار نوره تعالى
ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ
العالمين في الشجرة.
حدثني
إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي, قال: ثنا أبو قُتَيبة, عن ورقاء, عن عطاء
بن السائب, عن سعيد بن جُبير, في قول الله: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: ناداه وهو في النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن في قوله: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال:
هو النور.
قال
معمر: قال قَتادة: ( بُورِكَ
مَنْ فِي النَّارِ ) قال:
نور الله بورك.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الحسن البصري: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) .
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ ) بوركت
النار. كذلك قاله ابن عباس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي
النَّارِ ) قال:
بوركت النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: بوركت النار.
حدثنا
محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب, في
قوله: ( أَنْ
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) نور
الرحمن, والنور هو الله (
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
واختلف
أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن
ذكرت ذلك عنه.
وقال
آخرون: معناه النار لا النور.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, أنه
قال: حجاب العزّة, وحجاب المَلِكَ, وحجاب السلطان, وحجاب النار, وهي تلك النار
التي نودي منها. قال: وحجاب النور, وحجاب الغمام, وحجاب الماء, وإنما قيل: بورك من
في النار, ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب
تقول: باركك الله, وبارك فيك.
وقوله: ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) يقول: ومن حول النار. وقيل:
عَنى بمن حولها: الملائكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: يعني الملائكة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن الحسن, مثله.
وقال
آخرون: هو موسى والملائكة.
حدثنا
محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: موسى النبيّ والملائكة,
ثم قال: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وقوله: ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) يقول:
وتنـزيها لله رب العالمين, مما يصفه به الظالمون.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا
اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ
كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا
بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيله لموسى: ( إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ ) في نقمته من أعدائه ( الْحَكِيمُ ) في تدبيره في خلقه، والهاء
التي في قوله: (
إِنَّهُ ) هاء
عماد, وهو اسم لا يظهر في قول بعض أهل العربية. وقال بعض نحويي الكوفة: يقول هي
الهاء المجهولة, ومعناها: أن الأمر والشأن: أنا الله. وقوله: ( وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا
رَآهَا تَهْتَزُّ ) في
الكلام محذوف تُرك ذكره, استغناء بما ذُكِر عما حذف, وهو فألقاها فصارت حية تهتز ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ
كَأَنَّهَا جَانٌّ ) يقول:
كأنها حية عظيمة, والجانّ: جنس من الحيات معروف.
وقال ابن
جُرَيْج في ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن
جُرَيج: (
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ) قال: حين تحوّلت حية تسعى، وهذا
الجنس من الحيات عنى الراجز بقوله:
يَــرْفَعْنَ
بــاللَّيِل إذَا مــا أسْـدَفا أعْنــاقَ جِنَّــانِ وَهامــا رُجَّفَــا
وَعَنَقا
بَعْدَ الرَّسِيم خَيْطَفَا
وقوله: ( وَلَّى مُدْبِرًا ) يقول تعالى ذكره: ولى موسى
هاربا خوفا منها (
وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقول:
ولم يرجع . من قولهم: عقب فلان: إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) قال: لم يرجع.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, عن قتادة, قال: لم يلتفت.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) قال: لم يرجع ( يَا مُوسَى ) قال: لما ألقى العصا صارت
حية, فرعب منها وجزع, فقال الله: ( إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) قال: فلم يرعو لذلك, قال:
فقال الله له: أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ قال: فلم يقف أيضا
على شيء من هذا حتى قال: سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى قال: فالتفت فإذا هي
عصا كما كانت, فرجع فأخذها, ثم قوي بعد ذلك حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها.
وقوله: ( يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) يقول تعالى ذكره: فناداه ربه:
يا موسى لا تخف من هذه الحية, إني لا يخاف لديّ المرسلون. يقول: إني لا يخاف عندي
رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوّة, إلا من ظلم منهم, فعمل بغير الذي أذن له في
العمل به.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قوله: ( يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) قال: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم, فإن
أصابه أخافه حتى يأخذه منه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله الفزاري, عن عبد الله بن المبارك, عن
أبي بكر, عن الحسن, قال: قوله: ( يَا
مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) قال: إني إنما أخفتك لقتلك
النفس, قال: وقال الحسن: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول إلا في هذا الموضع, وهو استثناء مع وعد الله الغفران
المستثنى من قوله: (
إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) بقوله: (
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .وحكم
الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله, وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما
قبله منفيا مثبتا كقوله: ما قام إلا زيد, فزيد مثبت له القيام, لأنه مستثنى مما
قبل إلا وما قبل إلا منفيّ عنه القيام, وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتا
منفيا كقولهم: قام القوم إلا زيدًا; فزيد منفيّ عنه القيام; ومعناه: إن زيدًا لم
يقم, القوم مثبت لهم القيام ( إِلا
مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) , فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة, وأدخله في عداد من
لا يخاف لديه من المرسلين، فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت إلا في هذا الموضع؛ لأن
إلا تدخل في مثل هذا الكلام, كمثل قول العرب: ما أشتكي إلا خيرا، فلم يجعل قوله:
إلا خيرا على الشكوى, ولكنه علم أنه إذا قال: ما أشتكي شيئا أن يذكر عن نفسه خيرا,
كأنه قال: ما أذكر إلا خيرا.
وقال بعض
نحويي الكوفة يقول القائل: كيف صير خائفا من ظلم, ثم بدّل حسنا بعد سوء, وهو مغفور
له؟ فأقول لك: في هذه الآية وجهان: أحدهما أن يقول: إن الرسل معصومة مغفور لها
آمنة يوم القيامة, ومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو, فهذا وجه.
والآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة, لأن المعنى: لا يخاف لديّ
المرسلون, إنما الخوف على من سواهم, ثم استثنى فقال: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا ) يقول:
كان مشركا, فتاب من الشرك, وعمل حسنا, فذلك مغفور له, وليس يخاف. قال: وقد قال بعض
النحويين: إن إلا في اللغة بمنـزلة الواو, وإنما معنى هذه الآية: لا يخاف لديّ
المرسلون, ولا من ظلم ثم بدّل حسنا, قال: وجعلوا مثله كقول الله: لِئَلا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال: ولم أجد
العربية تحتمل ما قالوا, لأني لا أجيز: قام الناس إلا عبد الله, وعبد الله قائم،
إنما معنى الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء التي قبل إلا.
وقد أراه جائزا أن يقول: لي عليك ألف سوى ألف آخر; فإن وضعت إلا في هذا الموضع
صلحت, وكانت إلا في تأويل ما قالوا, فأما مجردة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا
ولكن مثله مما يكون معنى إلا كمعنى الواو, وليست بها قوله خَالِدِينَ فِيهَا مَا
دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ هو في المعنى. والذي شاء
ربك من الزيادة, فلا تجعل إلا بمنـزلة الواو, ولكن بمنـزلة سوى; فإذا كانت « سوى » في موضع « إلا » صلحت بمعنى الواو, لأنك تقول:
عندي مال كثير سوى هذا: أي وهذا عندي, كأنك قلت: عندي مال كثير وهذا أيضا عندي,
وهو في سوى أبعد منه في إلا لأنك تقول: عندي سوى هذا, ولا تقول: عندي إلا هذا.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في قوله ( إِلا
مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ ) عندي
غير ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربية, بل هو القول الذي قاله الحسن
البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما, وهو أن قوله: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) استثناء صحيح من قوله ( لا يَخَافُ لَدَيَّ
الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) منهم
فأتى ذنبا, فإنه خائف لديه من عقوبته، وقد بين الحسن رحمه الله معنى قيل الله
لموسى ذلك, وهو قوله قال: إني إنما أخفتك لقتلك النفس.
فإن قال
قائل فما وجه قيله إن كان قوله ( إِلا
مَنْ ظُلِمَ )
استثناء صحيحا, وخارجا من عداد من لا يخاف لديه من المرسلين, وكيف يكون خائفا من
كان قد وُعد الغفران والرحمة؟ قيل: إن قوله: ( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) كلام آخر بعد الأوّل, وقد
تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم, ومن لم يظلم عند قوله ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) ثم ابتدأ الخبر عمن ظلم من
الرسل, وسائر الناس غيرهم، وقيل: فمن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فإني له غفور رحيم.
فإن قال
قائل: فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت ب ( ثُمَّ ) إن لم
يكن عطفا على قوله: (
ظَلَمَ ) ؟ قيل:
على متروك استغني بدلالة قوله ( ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) عليه
عن إظهاره, إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره, وهو فمن ظلم من الخلق. وأما
الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية, فقد قالوا على مذهب العربية, غير أنهم أغفلوا
معنى الكلمة وحملوها على غير وجهها من التأويل. وإنما ينبغي أن يحمل الكلام على
وجهه من التأويل, ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج لا على إحالة
الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل.
وقوله: ( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا
بَعْدَ سُوءٍ ) يقول
تعالى ذكره: فمن أتى ظلما من خلق الله, وركب مأثما, ثم بدل حسنا, يقول: ثم تاب من
ظلمه ذلك وركوبه المأثم, (
فَإِنِّي غَفُورٌ ) يقول:
فإني ساتر على ذنبه وظلمه ذلك بعفوي عنه, وترك عقوبته عليه ( رَحِيمٌ ) به أن أعاقبه بعد تبديله
الحسن بضده.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسين,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) ثم تاب
من بعد إساءته (
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ )
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي
جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 12 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيله لنبيه موسى: ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) ذكر أنه تعالى ذكره أمره أن
يدخل كفه في جيبه; وإنما أمره بإدخاله في جيبه, لأن الذي كان عليه يومئذ مِدرعة من
صوف. قال بعضهم: لم يكن لها كُمٌّ. وقال بعضهم: كان كمها إلى بعض يده.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين قال ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي
جَيْبِكَ ) قال:
الكف فقط في جيبك، قال: كانت مدرعة إلى بعض يده, ولو كان لها كُمٌّ أمره أن يدخل
يده في كمه.
قال: ثني
حجاج, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبيه, عن عمرو بن ميمون قال: قال ابن مسعود: إن
موسى أتى فرعون حين أتاه في ذُرْ مانقة, يعني جبة صوف.
وقوله: ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ ) يقول: تخرج اليد بيضاء بغير
لون موسى ( مِنْ
غَيْرِ سُوءٍ ) يقول:
من غير برص ( فِي
تِسْعِ آيَاتٍ ) , يقول
تعالى ذكره: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء, فهي آية في تسع آيات مُرسل
أنت بهنّ إلى فرعون; وترك ذكر مرسل لدلالة قوله ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) على أن ذلك معناه, كما قال
الشاعر:
رأتْنِــي
بِحَبْلَيْهــا فَصَـدَّتْ مخافَـةً وفِـي الحَـبْلِ رَوْعـاءُ الفُـؤَادِ فَرُوقُ
ومعنى
الكلام: رأتني مقبلا بحبليها, فترك ذكر « مقبل » استغناء
بمعرفة السامعين معناه في ذلك, إذ قال: رأتني بحبليها; ونظائر ذلك في كلام العرب
كثيرة.
والآيات
التسع: هنّ الآيات التي بيَّناهنّ فيما مضى.
وقد
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) قال:
هي التي ذكر الله في القرآن: العصا, واليد, والجراد, والقمل, والضفادع, والطوفان,
والدم, والحجر, والطمس الذي أصاب آل فرعون في أموالهم.
وقوله: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ ) يقول:
إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فاسقين, يعني كافرين بالله، وقد بيَّنا معنى
الفسق فيما مضى.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاءت فرعون آياتنا, يعني: أدلتنا وحججنا, على حقيقة ما دعاهم
إليه موسى وصحته, وهي الآيات التسع التي ذكرناها قبل. وقوله ( مُبْصِرَةً ) يقول: يبصر بها من نظر إليها
ورآها حقيقة ما دلت عليه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) قال:
بينة (
قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ،
يقول: قال فرعون وقومه: هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين, يقول: يبين للناظرين له
أنه سحر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 )
وقوله: ( وَجَحَدُوا بِهَا ) يقول: وكذبوا بالآيات التسع
أن تكون من عند الله.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَجَحَدُوا بِهَا ) قال: الجحود: التكذيب بها.
وقوله: (
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) يقول:
وأيقنتها قلوبهم, وعلموا يقينا أنها من عند الله, فعاندوا بعد تبينهم الحق,
ومعرفتهم به.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني,
عن ابن عباس: (
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) قال:
يقينهم في قلوبهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: ( وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال:
استيقنوا أن الآيات من الله حق, فلم جحدوا بها؟ قال: ظلما وعلوّا.
وقوله: ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) يعني بالظلم: الاعتداء,
والعلو: الكبر, كأنه قيل: اعتداء وتكبرا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال: تعظما واستكبارا, ومعنى
ذلك: وجحدوا بالآيات التسع ظلما وعلوّا, واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله,
فعاندوا الحقّ بعد وضوحه لهم, فهو من المؤخر الذي معناه التقديم.
وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) .
ويقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة
تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة, وماذا حل بهم من إفسادهم في
الأرض ومعصيتهم فيها ربهم, وأعقبهم ما فعلوا, فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون, وزروع
ومقام كريم, إلى هلاك في العاجل بالغرق, وفي الآجل إلى عذاب دائم لا يفتر عنهم وهم
فيه مبلسون. يقول: وكذلك يا محمد سنتي في الذين كذّبوا بما جئتهم به من الآيات على
حقيقة ما تدعوهم إليه من الحق من قومك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ
وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى
كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ) وذلك علم كلام الطير والدواب, وغير ذلك مما خصهم الله
بعلمه. (
وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول
جلّ ثناؤه: وقال داود وسليمان: الحمد لله الذي فضلنا بما خصنا به من العلم الذي
آتاناه ، دون سائر خلقه من بني آدم في زماننا هذا على كثير من عباده المؤمنين به
في دهرنا هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ
وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ ) أباه ( دَاودَ ) العلم الذي كان آتاه الله في
حياته, والمُلك الذي كان خصه به على سائر قومه, فجعله له بعد أبيه داود دون سائر
ولد أبيه (
وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) يقول: وقال سليمان لقومه: يا
أيها الناس علمنا منطق الطير, يعني فهمنا كلامها; وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل
من بني آدم إذ فهمه عنها.
وقد
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: ( وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ
عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) قال:
بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس, وخمسة وعشرون
للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير, وكان له ألف بيت من قوارير على
الخشب; فيها ثلاث مائة صريحة, وسبع مائة سرية, فأمر الريح العاصف فرفعته, وأمر
الرخاء فسيرته، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد أردت أنه لا
يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته. وقوله: ( وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يقول:
وأعطينا ووهب لنا من كلّ شيء من الخيرات ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) يقول: إن هذا الذي أوتينا من
الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا المبين, يقول: الذي يبين لمن تأمَّله وتدبره
أنه فضل أعطيناه على من سوانا من الناس.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 )
يقول
تعالى ذكره: وجمع لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير في مسير لهم، فهم يوزعون.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله (
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) فقال
بعضهم: معنى ذلك: فهم يحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس,
قال: جعل على كل صنف من يرد أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير، كما تصنع
الملوك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, عن قَتادة في قوله: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يردّ أوّلهم على آخرهم.
وقال
آخرون: معنى ذلك فهم يساقون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يوزعون: يُساقون.
وقال
آخرون: بل معناه: فهم يتقدمون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, قال: قال الحسن: ( يُوزَعُونَ ) يتقدمون.
قال أبو
جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: يردّ أوّلهم على آخرهم; وذلك
أن الوازع في كلام العرب هو الكافّ, يقال منه: وزع فلان فلانا عن الظلم: إذا كفَّه
عنه, كما قال الشاعر:
أَلَــمْ
يَــزَعِ الهَـوَى إذْ لَـمْ يُـؤَاتِ بَـلى وَسَـلَوْت عَـنْ ضَلَـب الفَتـاة
وقال
آخر:
عَـلى
حِينَ عاتَبْتُ الْمَشيبَ عَلى الصّبا وقُلْــتُ ألَمَّـا أصْـحُ والشَّـيْبُ
وَازع
وإنما
قيل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء: وزعة: لكفهم إياهم عنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى
وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ) حتى إذا أتى سليمان وجنوده على وادي النمل ( قَالَتْ نَمْلَةٌ
يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ
وَجُنُودُهُ ) يقول:
لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى, قالا ثنا سفيان, عن الأعمش, عن رجل يقال له
الحكم, عن عوف في قوله: (
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ) قال: كان نمل سليمان بن داود مثل الذباب.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ
قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي
بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )
يقول
تعالى ذكره: فتبسم سليمان ضاحكا من قول النملة التي قالت ما قالت, وقال: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) يعني بقوله ( أَوْزِعْنِي ) ألهمني.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس في قوله: ( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) يقول:
اجعلني.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) قال: في كلام العرب, تقول: أوزع فلان بفلان, يقول: حرض
عليه. وقال ابن زيد: (
أوْزِعْني ) ألهمني
وحرّضني على أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ.
وقوله: ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَاهُ ) يقول:
وأوزعني أن أعمل بطاعتك وما ترضاه ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) يقول: وأدخلني برحمتك مع
عبادك الصالحين, الذين اخترتهم لرسالتك وانتخبتهم لوحيك, يقول: أدخلني من الجنة
مداخلهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) قال:
مع عبادك الصالحين الأنبياء والمؤمنين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ( 20 )
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَتَفَقَّدَ ) سليمان
(
الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) . وكان سبب تفقده الطير وسؤاله عن الهدهد خاصة من بين
الطير, ما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت عمران عن
أبي مجلز, قال: جلس ابن عباس إلى عبد الله بن سلام, فسأله عن الهدهد: لم تفقَّده
سليمان من بين الطير فقال عبد الله بن سلام: إن سليمان نـزل منـزلة في مسير له,
فلم يدر ما بُعْد الماء, فقال: من يعلم بُعْد الماء؟ قالوا: الهدهد, فذاك حين
تفقده.
حدثنا
محمد, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا عمران بن حدير, عن أبي مجلز, عن ابن عباس وعبد الله
بن سلام بنحوه.
حدثني أبو
السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس, قال: كان سليمان بن داود يوضع له ستّ مائة كرسي, ثم يجيء أشراف الإنس
فيجلسون مما يليه, ثم تجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس قال: ثم يدعو الطير
فتظلهم, ثم يدعو الريح فتحملهم, قال: فيسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر, قال:
فبينا هو في مسيره إذ احتاج إلى الماء وهو في فلاة من الأرض, قال: فدعا الهدهد,
فجاءه فنقر الأرض, فيصيب موضع الماء, قال: ثم تجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ
الإهاب, قال: ثم يستخرجون الماء. فقال له نافع بن الأزرق: قف يا وقاق، أرأيت قولك
الهدهد يجيء فينقر الأرض, فيصيب الماء, كيف يبصر هذا, ولا يبصر الفخّ يجيء حتى يقع
في عنقه؟ قال: فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه,
قال: كان سليمان بن داود إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير, وقام له
الجنّ والإنس حتى يجلس على سريره, حتى إذا كان ذات غداة في بعض زمانه غدا إلى
مجلسه الذي كان يجلس فيه, فتفقد الطير. وكان فيما يزعمون يأتيه نوبا من كل صنف من
الطير طائر, فنظر فرأى من أصناف الطير كلها قد حضره إلا الهدهد, فقال: ما لي لا
أرى الهدهد.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أوّل ما فقد سليمان الهدهد نـزل
بواد فسأل الإنس عن ماءه, فقالوا: ما نعلم له ماء, فإن يكن أحد من جنودك يعلم له
ماء فالجنّ فدعا الجنّ فسألهم, فقالوا: ما نعلم له ماء وإن يكن أحد من جنودك يعلم
له ماء فالطير, فدعا الطير فسألهم, فقالوا: ما نعلم له ماء, وإن يكن أحد من جنودك
يعلمه فالهدهد, فلم يجده, قال: فذاك أوّل ما فقد الهدهد.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ
الْغَائِبِينَ ) قال:
تفقد الهدهد من أجل أنه كان يدله على الماء إذا ركب, وإن سليمان ركب ذات يوم فقال:
أين الهدهُد ليدلنا على الماء؟ فلم يجده؛ فمن أجل ذلك تفقده، فقال ابن عباس: إن
الهدهد كان ينفعه الحذر ما لم يبلغه الأجل؛ فلما بلغ الأجل لم ينفعه الحذر, وحال
القدر دون البصر، فقد اختلف عبد الله بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه, فقال
عبد الله: كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي
نـزل به في مسيره، وقال وهب بن منبه: كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بالنوبة
التي كان ينوبها، والله أعلم بأي ذلك كان إذ لم يأتنا بأيّ ذلك كان تنـزيل, ولا
خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.
فالصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير, إما للنوبة التي
كانت عليها وأخلت بها, وإما لحاجة كانت إليها عن بُعد الماء.
وقوله: ( فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى
الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) يعني بقوله ( مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) أخطأه بصري فلا أراه وقد حضر
أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق فلم يحضر؟.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( مَا لِيَ لا أَرَى
الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أخطأه بصري في الطير, أم غاب فلم يحضر؟.
وقوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) يقول:
فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر، وأنه غائب غير شاهد, أقسم ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) وكان
تعذيبه الطير فيما ذُكر عنه إذا عذبها أن ينتف ريشها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب قال: ثنا الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن
عباس, في قوله: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عطاء, عن مجاهد, عن ابن عباس في: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) عذابه:
نتفه وتشميسه.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه وتشميسه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) قال:
نتف ريشه كله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا
) قال:
نتف ريش الهدهد كله, فلا يغفو سِنة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: نتف ريشه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) يقول:
نتف ريشه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه
الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قيل لبعض أهل العلم: هذا الذبح, فما
العذاب الشديد؟. قال: نتف ريشه بتركه بَضعة تنـزو.
حدثنا
سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن بشار, عن ابن عباس, في قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) قال:
نتفه.
حدثني
سعيد بن الربيع, قال: ثنا سفيان, عن حسين بن أبي شدّاد, قال: نتفه وتشميسه ( أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
كما حدثت
عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في
قوله: ( أَوْ
لأذْبَحَنَّهُ ) يقول:
أو لأقتلنه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عباد بن العوّام, عن حصين, عن عبد الله بن
شدّاد: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) ... الآية, قال: فتلقَّاهُ
الطير, فأخبره, فقال: ألم يستثن.
وقوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول:
أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ بن الحسين الأزدي, قال: ثنا المعافى بن عمران, عن سفيان, عن عمار الدُّهْني,
عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( أَوْ
لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة أعذره بها, وهو مثل قوله: الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ يقول: بغير بينة.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن رجل, عن عكرمة, قال: كل شيء في
القرآن سلطان, فهو حجة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله, بن يزيد, عن قباث بن رزين, أنه سمع
عكرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: كل سلطان في القرآن فهو حجة, كان للهدهد سلطان.
حدثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر بين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : أي
بحجة عذر له في غيبته.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول:
ببينة, وهو قول الله الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ بغير بينة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال:
بعذر أعذره فيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
( 22 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) فمكث
سليمان غير طويل من حين سأل عن الهدهد, حتى جاء الهدهد.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله: (
فَمَكَثَ ) فقرأت
ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم: « فَمَكُثَ » بضمّ
الكاف, وقرأه عاصم بفتحها, وكلتا القراءتين عندنا صواب؛ لأنهما لغتان مشهورتان,
وإن كان الضمّ فيها أعجب إليّ, لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.
وقوله: ( فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ
تُحِطْ بِهِ ) يقول:
فقال الهدهد حين سأله سليمان عن تخلفه وغيبته: أحطت بعلم ما لم تحط به أنت يا
سليمان.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ ) قال: ما لم تعلم.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) ثم جاء الهدهد, فقال له
سليمان: ما خلَّفك عن نوبتك؟ قال: أحطت بما لم تحط به.
وقوله: ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ
بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) يقول:
وجئتك من سبإ بخبر يقين.
وهو ما
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه:
(
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) أي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: ( مِنْ
سَبَإٍ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة ( مِنْ
سَبَإٍ )
بالإجراء. المعنى أنه رجل اسمه سبأ. وقرأه بعض قرّاء أهل مكة والبصرة ( مِنْ سَبَأَ ) بترك الإجراء, على أنه اسم
قبيلة أو لامرأة.
والصواب
من القول في ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان, وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء
من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب; فالإجراء في سبأ, وغير الإجراء صواب, لأن
سبأ إن كان رجلا كما جاء به الأثر, فإنه إذا أريد به اسم الرجل أجري, وإن أريد به
اسم القبيلة لم يجر, كما قال الشاعر في إجرائه:
الْــوَارِدُونَ
وَتَيْــمٌ فِــي ذَرَا سَـبإٍ قَـدْ عَـضَّ أعْنـاقَهُمْ جِـلدُ الجَوَاميسِ
يروى:
ذرا, وذرى, وقد حُدثت عن الفرّاء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء كيف لم
يجر سبأ؟ قال: لست أدري ما هو; فكأن أبا عمرو ترك إجراءه إذ لم يدر ما هو, كما
تفعل العرب بالأسماء المجهولة التي لا تعرفها من ترك الإجراء، حكي عن بعضهم: هذا
أبو معرور قد جاء, فترك إجراءه إذ لم يعرفه في أسمائهم. وإن كان سبأ جبلا أجري؛
لأنه يُراد به الجبل بعينه، وإن لم يجر فلأنه يجعل اسما للجبل وما حوله من البقعة.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُهَا
وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (
24 )
يقول
تعالى مخبرا عن قيل الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في مغيبه عنه: ( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ ) يعني
تملك سبأ, وإنما صار هذا الخبر للهدهد عذرا وحجة عند سليمان, درأ به عنه ما كان
أُوعد به؛ لأن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحدا له مملكة معه, وكان مع ذلك صلى
الله عليه وسلم رجلا حبِّب إليه الجهاد والغزو, فلما دله الهدهد على ملك بموضع من الأرض
هو لغيره, وقوم كفرة يعبدون غير الله, له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل, والثواب
العظيم في الآجل, وضمّ مملكة لغيره إلى ملكه, حقَّت للهدهد المعذرة, وصحّت له
الحجة في مغيبه عن سليمان.
وقوله: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يقول:
وأوتيت من كلّ شيء يؤتاه الملك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي عُبيدة الباجي, عن الحسن, قوله: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يعني:
من كل أمر الدنيا.
وقوله ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يقول: ولها كرسي عظيم. وعني
بالعظيم في هذا الموضع: العظيم في قدره, وعظم خطره, لا عظمه في الكبر والسعة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) قال:
سرير كريم, قال: حَسن الصنعة, وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
قال: ثني
حجاج, عن أبي عبيدة الباجي, عن الحسن قوله: ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يعني سرير عظيم.
وقوله: ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا
يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ, وقومها من سبأ, يسجدون
للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: وحسَّن لهم إبليس
عبادتهم الشمس, وسجودهم لها من دون الله, وحبَّب ذلك إليهم ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
) يقول:
فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم, وهو دين الله الذي بعث به
أنبياءه, ومعناه: فصدّهم عن سبيل الحقّ ( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: فهم لما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس
من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبيل الحقّ ولا يسلكونه, ولكنهم في ضلالهم الذي
هم فيه يتردّدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا
تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ ( 26 )
اختلف
القرّاء في قراءة قوله ( أَلا
يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) فقرأ
بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين « ألا »
بالتخفيف, بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فأضمروا « هؤلاء » اكتفاء
بدلالة « يا » عليها. وذكر بعضهم سماعا من
العرب: ألا يا ارحمنا, ألا يا تصدّق علينا; واستشهد أيضا ببيت الأخطل:
ألا يـا
اسْـلَمي يـا هِنْـدَ هنْدَ بَنِي بَدرٍ وَإنْ كـان حَيَّانـا عِـدًا آخِـرَ
الدَّهْـر
فعلى هذه
القراءة اسجدوا في هذا الموضع جزم, ولا موضع لقوله « ألا » في الإعراب. وقرأ ذلك عامة
قرّاء المدينة والكوفة والبصرة ( أَلا
يَسْجُدُوا ) بتشديد
ألا بمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله « ألا » في موضع نصب لما ذكرت من معناه
أنه لئلا (
ويسجدوا ) في
موضع نصب بأن.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما
علماء من القراء مع صحة معنييهما.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول « يا » في قراءة من قرأه على وجه
الأمر, فقال بعض نحوييِّ البصرة: من قرأ ذلك كذلك, فكأنه جعله أمرا, كأنه قال لهم:
اسجدوا, وزاد « يا » بينهما التي تكون للتنبيه, ثم
أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا, وأذهبت الألف التي في « يا » ؛ لأنها ساكنة لقيت السين,
فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه « يا » التي
تدخل للنداء يكتفى بها من الاسم, ويكتفى بالاسم منها, فتقول: يا أقبل, وزيد أقبل,
وما سقط من السواكن فعلى هذا.
ويعني
بقوله: (
يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) يخرج
المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء, ونبات في الأرض ونحو ذلك.
وبالذي
قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وإن اختلفت عبارتهم عنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, قراءة عن مجاهد: ( يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي
السَّمَاوَاتِ ) قال:
الغيث.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) قال: الغيث.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال:
خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق, والمطر من السماء, والنبات من
الأرض, كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه, ففتق السماء, وأنـزل منها المطر,
وأخرج النبات.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم
بن جابر, في قوله: ( أَلا
يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ويعلم كل خفية في السموات
والأرض.
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا أسامة بن زيد, عن معاذ بن
عبد الله, قال: رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبا عن
البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر؟ قال: سمعت كعبا يقول: البذر ينـزل
من السماء ويخرج من الأرض, قال: صدقت.
قال أبو
جعفر: إنما هو تبيع, ولكن هكذا قال محمد: وقيل: يخرج الخبء في السموات والأرض, لأن
العرب تضع « من » مكان « في » و « في » مكان « من » في الاستخراج ( وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ ) يقول:
ويعلم السرّ من أمور خلقه, هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها,
وذلك على قراءة من قرأ ألا بالتشديد. وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه:
ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله: « ألا يا هؤلاء اسجدوا » . وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: « ألا تَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي
يَعْلَمُ سرَّكُمْ وما تُعْلِنُون » .
وقوله: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
) يقول
تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح العبادة إلا له, لا إله إلا هو, لا معبود سواه تصلح
له العبادة, فأخلصوا له العبادة, وأفردوه بالطاعة, ولا تشركوا به شيئا ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) يعني بذلك: مالك العرش العظيم
الذي كل عرش, وإن عظم, فدونه, لا يُشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد; في قوله: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ
بِهِ إلى قوله ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) هذا كله كلام الهدهد.
حدثنا ابن
حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق بنحوه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 27 ) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ
إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ( 28 )
يقول تعالى
ذكره: ( قَالَ
) سليمان
للهدهد: (
سَنَنظُرُ ) فيما
اعتذرت به من العذر, واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا, وفيما جئتنا به من الخير ( أَصَدَقْتَ ) في ذلك كله ( أَمْ كُنْتَ مِنَ
الْكَاذِبِينَ ) فيه ( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ )
فاختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك; فقال بعضهم: معناه: اذهب بكتابي هذا, فألقه إليهم,
فانظر ماذا يَرْجِعونَ, ثم تول عنهم منصرفا إليّ, فقال: هو من المؤخَّر الذي معناه
التقديم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: فأجابه سليمان, يعني أجاب الهدهد لما
فرغ: (
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ) وانظر
ماذا يرجعون, ثم تول عنهم منصرفا إلي. وقال: وكانت لها كوّة مستقبلة الشمس, ساعة
تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها, فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها, واستبطأت الشمس,
فقامت تنظر, فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه, وطار حتى قامت تنظر الشمس.
قال أبو
جعفر: فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ على أن الهدهد تولى إلى سليمان راجعا بعد
إلقائه الكتاب, وأن نظره إلى المرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب
سليمان إليها.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم, ثم تولّ عنهم, فكن قريبا منهم,
وانظر ماذا يرجعون; قالوا: وفعل الهدهد, وسمع مراجعة المرأة أهل مملكتها, وقولها
لهم: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم
بعضا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قوله:
(
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي كن قريبا ( فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) وهذا القول أشبه بتأويل
الآية؛ لأن مراجعة المرأة قومها, كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب, ولم يكن الهدهد
لينصرف وقد أمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره
به سليمان.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ
سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلا
تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: فذهب الهدهد بكتاب سليمان إليها, فألقاه إليها فلما قرأته قالت
لقومها: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
كتب - يعني سليمان بن داود- مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن داود,
إلى بلقيس بنت ذي سرح وقومها, أما بعد, فلا تعلو عليّ، وأتوني مسلمين, قال: فأخذ
الهدهد الكتاب برجله, فانطلق به حتى أتاها, وكانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت
الشمس نظرت إليها, فسجدت لها, فأتى الهدهد الكوّة فسدّها بجناحيه حتى ارتفعت الشمس
ولم تعلم, ثم ألقى الكتاب من الكوّة, فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه, فأخذته.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قال: بلغني أنها
امرأة يقال لها بلقيس, أحسبه قال: ابنة شراحيل, أحد أبويها من الجنّ, مؤخر أحد
قدميها كحافر الدابة, وكانت في بيت مملكة, وكان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر
كلّ رجل منهم على عشرة آلاف, وكانت بأرض يقال لها مأرب, من صنعاء على ثلاثة أيام;
فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داود, كتب الكتاب وبعث به مع الهدهد, فجاء
الهدهد وقد غَلقت الأبواب, وكانت تغلِّق أبوابها وتضع مفاتيحها تحت رأسها, فجاء
الهدهد فدخل من كوّة, فألقى الصحيفة عليها, فقرأتها, فإذا فيها: ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) وكذلك
كانت تكتب الأنبياء لا تطنب, إنما تكتب جملا.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في
كتابه إنه وإنه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فمضى الهدهد بالكتاب, حتى إذا
حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب.
وقوله: ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) والملأ أشراف قومها، يقول تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف
قومها: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
واختلف
أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم, فقال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختوما.
وقال
آخرون: وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بالكرم لكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن
زيد.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ
كِتَابٌ كَرِيمٌ ) قال:
هو كتاب سليمان حيث كتب إليها.
وقوله ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كُسِرت إنَّ الأولى والثانية على الردّ على « إني » من قوله: ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ
كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
ومعنى الكلام: قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب, وإنه من سليمان.
وقوله ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول:
ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا عليّ.
ففي « أنْ » وجهان من العربية: إن جعلت
بدلا من الكتاب كانت رفعا بما رفع به الكتاب بدلا منه; وإن جعل معنى الكلام: إني
ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا علي كانت نصبا بتعلق الكتاب بها.
وعنى
بقوله: ( أَلا
تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا
تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تمتنعوا من الذي دعوتكم
إليه إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابن زيد: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تتكبروا علي؟ قال: نعم; قال: وقال ابن زيد: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ذلك في
كتاب سليمان إليها. وقوله: (
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول:
وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ
( 32 ) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ
إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ) تقول: أشيروا عليّ في أمري
الذي قد حضرني من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقي إليّ, فجعلت المشورة فتيا.
وقوله: ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً
أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) تقول:
ما كنت قاضية أمرا في ذلك حتى تشهدون, فأشاوركم فيه.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: دعت قومها تشاورهم ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ
أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) يقول في الكلام: ما كنت لأقطع
أمرا دونك ولا كنت لأقضي أمرا, فلذلك قالت: ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا ) بمعنى: قاضية.
وقوله: ( قَالُوا نَحْنُ أُولُو
قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) يقول
تعالى ذكره: قال الملأ من قوم ملكة سبأ, إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو
القوّة على القتال, والبأس الشديد في الحرب, والأمر أيتها الملكة إليك في القتال
وفي تركه, فانظري من الرأي ما ترين, فَمُرينا نأتمر لأمرك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) عرضوا لها القتال, يقاتلون
لها, والأمر إليك بعد هذا, (
فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مجاهد, قال: كان مع
ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول مع كل قيول مئة ألف.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن مجاهد,
عن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل, مع كل قيل مائة ألف.
قال: ثنا
وكيع, قال: ثنا الأعمش, قال: سمعت مجاهدا يقول: كانت تحت يد ملكة سبأ اثنا عشر ألف
قيول، والقيول بلسانهم: الملك تحت يد كلّ ملك مائة ألف مقاتل.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ
إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 )
يقول
تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها, إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان,
إن أمرتهم بذلك: ( إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً ) عنوة وغلبة ( أفْسَدُوها ) يقول: خرّبوها ( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) وذلك باستعبادهم الأحرار,
واسترقاقهم إياهم; وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع فقال الله: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: وكما قالت
صاحبة سبأ تفعل الملوك, إذا دخلوا قرية عنوة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو بكر, في قوله: ( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال أبو بكر: هذا عنوة.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا أبو بكر, قال: ثنا الأعمش, عن مسلم, عن ابن عباس, في
قوله: ( إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) قال: إذا دخلوها عنوة خرّبوها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ
إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال ابن عباس: يقول الله: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 )
ذكر أنها
قالت: إني مرسلة إلى سليمان, لتختبره بذلك وتعرفه به, أملك هو, أم نبيّ؟ وقالت: إن
يكن نبيا لم يقبل الهدية, ولم يرضه منا, إلا أن نتبعه على دينه, وإن يكن ملكا قبل
الهدية وانصرف.
*ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قالت: ( وَإِنِّي
مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) قال: وبعثت إليه بوصائف
ووصفَاء, وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى
يعرف الذكر من الأنثى, ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نترك ملكنا, ونتبع
دينه, ونلحق به.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
بجوار لباسهم لباس الغلمان, وغلمان لباسهم لباس الجواري.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قولها: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
مائتي غلام ومائتي جارية. قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: قوله: ( بِهَديَّةٍ ) قال: جوار ألبستهن لباس
الغلمان, وغلمان ألبستهم لباس الجواري.
قال ابن
جُرَيج: قال: قالت: فإن خلص الجواري من الغلمان, وردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي
لنا أن نتبعه.
قال ابن
جُرَيج, قال مجاهد: فخلص سليمان بعضهم من بعض, ولم يقبل هديتها.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا سفيان, عن معمر, عن ثابت البُنَانيّ, قال: أهدت له صفائح الذهب
في أوعية الديباج، فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجرّ بالذهب, ثم
أمر به فألقي في الطرق، فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يُلتفت إليه, صغر في أعينهم ما
جاءوا به.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا
دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ... الآية, وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما همته
الدنيا فسنرضيه, وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبلَ غيره ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك, لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها,
إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك, وكان دينها ودين قومها فيما ذكر الزنديقية;
فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها, فبعثت إلى
المقَاولة من أهل اليمن, فقالت لهم: يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ
إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله
( بِمَ
يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ثم
قالت: إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من الملوك قبله, فإن يكن الرجل نبيا
مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوّة, وإن يكن الرجل ملكا يكاثر, فليس بأعز منا, ولا
أعدّ. فهيَّأت هدايا مما يُهدَى للملوك, مما يُفتنون به, فقالت: إن يكن ملكا
فسيقبل الهدية ويرغب في المال, وإن يكن نبيا فليس له في الدنيا حاجة, وليس إياها
يريد, إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره, أو كما قالت.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) بعثت
بوصائف ووصفاء, لباسهم لباس واحد, فقالت: إن زيَّل بينهم حتى يعرف الذكر من
الأنثى, ثم رد الهدية فهو نبي, وينبغي لنا أن نتبعه, وندخل في دينه; فزيل سليمان
بين الغلمان والجواري, وردّ الهدية, فقال ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف
ووصفاء يختلفون في ثيابهم, ليميز الغلمان من الجواري, قال: فدعا بماء, فجعل
الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل, وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق. قال:
وكان أبي يحدثنا هذا الحديث.
حدثنا
عبد الأعلى, قال: ثنا مروان بن معاوية, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
أرسلت بلبنة من ذهب, وقالت: إن كان يريد الدنيا علمته, وإن كان يريد الآخرة علمته.
وقوله: ( فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
الْمُرْسَلُونَ ) تقول:
فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي, أبقبول
وانصراف عنا, أم بردّ الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه؟ وأسقطت الألف
من « ما » في قوله ( بِمَ ) وأصله: بما, لأن العرب إذا
كانت « ما » بمعنى: أي, ثم وصلوها بحرف
خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره, كما قال جلّ ثناؤه عَمَّ
يَتَسَاءَلُونَ و قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ , وربما أثبتوا فيها الألف, كما قال
الشاعر:
عَلامَـــا
قــامَ يَشْــتُمِني لَئِــيمٌ كَخِــنزيرٍ تَمَــرَّغَ فِــي تُــرَاب
وقالت: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ ) وإنما
أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَمَلَئِهِمْ ،
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ
أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ
مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 37 )
وقوله: ( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) .
إن قال
قائل: وكيف قيل: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) فجعل
الخبر في مجيء سليمان عن واحد, وقد قال قبل ذلك: ( فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) فإن كان الرسول كان واحدا,
فكيف قيل ( بِمَ
يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) وإن
كانوا جماعة فكيف قيل: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) قيل:
هذا نظير ما قد بيَّنا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه
الخبر, عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه, يُشار إليه بعينه, فسمي
في الخبر. وقد قيل: إن الرسول الذي وجَّهته ملكة سبأ إلى سليمان كان امرأ واحدا,
فلذلك قال: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) يُراد
به: فلما جاء الرسول سليمان; واستدلّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول
سليمان للرسول: (
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) وقد
ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله, فلما جاءوا سليمان على الجمع, وذلك للفظ قوله: ( بِمَ يَرْجِعُ
الْمُرْسَلُونَ ) فصلح
الجمع للفظ والتوحيد للمعنى.
وقوله: ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) يقول: قال سليمان لما جاء
الرسول من قبل المرأة بهداياها: أتمدونن بمال.
واختلف
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه بعض قرّاء أهل المدينة « أتُمِدونَنِي » بنونين, وإثبات الياء. وقرأه
بعض الكوفيين مثل ذلك, غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه
بعض قرّاء البصرة بنونين, وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأه بعض قرّاء
الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء. وكلّ هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب,
لأنها معروفة في لغات العرب, مشهورة في منطقها.
وقوله: ( فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ ) يقول:
فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل ( بَلْ أَنْتُمْ
بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) يقول:
ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إليّ, بل أنتم تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم,
لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا, ومكاثرة بها, وليست الدنيا وأموالها من حاجتي, لأن لله
تعالى ذكره قد مكَّنني منها وملَّكني فيها ما لم يُمَلِّك أحدا.
( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) وهذا قول سليمان لرسول المرأة
(
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم
على دفعهم عما أرادوا منهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوُصفاء, والخيل العراب, وأصناف من أصناف
الدنيا, قال للرسل الذين جاءوا به: ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) لأنه لا حاجة لي بهديتكم,
وليس رأيي فيه كرأيكم, فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها, ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ
بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) .
حدثنا
عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي
صالح في قوله: (
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) قال: لا طاقة لهم بها. وقوله:
(
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) يقول: ولنخرجنّ من أرسلكم من
أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا
أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) , أو
لتأتيني مسلمة هي وقومها.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 )
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ
مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ
طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 )
اختلف
أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه
الهدهد بنبأ صاحبة سبأ, وقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ وأخبره
أن لها عرشا عظيما, فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم
يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين. وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع
الهدهد إلى المرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه على ما
وصفه به الهدهد, قالوا: ولولا ذلك كان محالا أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري, هل
هو في الدنيا أم لا؟ قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل
مجيء عرشها إليه, وقبل علمه صدق الهدهد بذلك, لم يكن لقوله له سَنَنْظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ معنى؛ لأنه لا يُلِم بخبره الثاني من
إبلاغه إياها الكتاب, أو ترك إبلاغه إياها ذلك, إلا نحو الذي علم بخبره الأوّل حين
قال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ قالوا: وإن لم يكن في الكتاب
معهم امتحان صدقه من كذبه, وكان محالا أن يقول نبي الله قولا لا معنى له وقد قال:
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ علم أن الذي امتحن به صدق
الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه, على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه,
ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قال: إن سليمان أوتي ملكا, وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره; فلما فقد الهدهد
سأله: من أين جئت؟ ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب, قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ
بِنَبَإٍ يَقِينٍ قال له سليمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: إِنِّي وَجَدْتُ
امْرَأَةً بسبأ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ
عَظِيمٌ فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا, أنكر أن يكون لأحد في الأرض
سلطان غيره, فقال لمن عنده من الجنّ والإنس: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ
بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) قال سليمان: أريد أعجل من ذلك
( قَالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر,
الذي إذا دعي به أجاب: ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) فدعا بالاسم وهو عنده قائم,
فاحتمل العرش احتمالا حتى وُضع بين يدي سليمان, والله صنع ذلك; فلما أتى سليمان
بالعرش وهم مشركون, يسجدون للشمس والقمر, أخبره الهدهد بذلك, فكتب معه كتابًا ثم
بعثه إليهم, حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ... إلى وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
فقالت لقومها ما قالت وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفاء, وألبستهم لباسا
واحدا, حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى,
ثم رد الهدية, فإنه نبي, وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتبع دينه ونلحق به, فردّ
سليمان الهدية وزيل بينهم, فقال: هؤلاء غلمان وهؤلاء جوار وقال: أَتُمِدُّونَنِ
بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ
بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ... إلى آخر الآية.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ... الآية; قال: وأنكر سليمان أن يكون
لأحد على الأرض سلطان غيره, قال لمن حوله من الجنّ والإنس: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) ...
الآية.
وقال
آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب, وإنما سأل من عنده إحضاره عرش
المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده, وبعد أن أقبلت المرأة إليه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: لما
رجعت إليها الرسل بما قال سليمان: قالت: والله عرفت ما هذا بملك, وما لنا به طاقة,
وما نصنع بمكاثرته شيئا, وبعثت: إني قادمة عليك بملوك قومي, حتى أنظر ما أمرك, وما
تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بسرير ملكها, الذي كانت تجلس عليه, وكان من ذهب مفصص
بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ, فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض, ثم أقفلت عليه
الأبواب. وكانت إنما يخدمها النساء, معها ستّمائة امرأة يخدمنها; ثم قالت لمن خلفت
على سلطانها, احتفظ بما قِبَلك, وبسرير ملكي, فلا يخلص إليه أحد من عباد الله, ولا
يرينه أحد حتى آتيك; ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلِ معها من ملوك
اليمن, تحت يد كلّ قَيْلِ منهم ألوف كثيرة, فجعل سليمان يبعث الجنّ, فيأتونه
بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلة, حتى إذا دنت جمع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت
يده, فقال: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ ) .
وتأويل
الكلام: قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجن والإنس: ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) يعني سريرها.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) قال:
سرير في أريكة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: عرشها
سرير في أريكة. قال ابن جُرَيج: سرير من ذهب, قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا )
بسريرها.
وقال ابن
زيد في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) قال:
مجلسها.
واختلف
أهل العلم في السبب الذي من أجله خصّ سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه
المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها, فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف
له الهدهد صفته, وخشي أن تسلم فيحرُم عليه مالها, فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن
يحرُم عليه أخذه بإسلامها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: أخبر سليمانَ
الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتيه, وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر
مكلَّل باللؤلؤ, فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحلّ لهم أموالهم, فقال للجنّ: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) .
وقال
آخرون: بل فعل ذلك سليمان ليعاتبها به, ويختبر به عقلها, هل تثبته إذا رأته, أم
تنكره؟
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أعلم الله سليمان أنها ستأتيه,
فقال: (
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) حتى يعاتبها, وكانت الملوك
يتعاتبون بالعلم.
واختلف
أهل التأويل في تأويل قوله (
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتوني مستسلمين طوعا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ ) يقول:
طائعين.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتوني مسلمين الإسلام الذي هو دين الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بحرمة الإسلام فيمنعهم وأموالهم, يعني الإسلام يمنعهم.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في السبب الذي من أجله خصّ سليمان بسؤاله الملأ من
جنده بإحضاره عرش هذه المرأة دون سائر ملكها عندنا, ليجعل ذلك حجة عليها في نبوته,
ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه, أنها خلَّفته في بيت في جوف أبيات, بعضها في
جوف بعض, مغلق مقفل عليها, فأخرجه الله من ذلك كله, بغير فتح أغلاق وأقفال, حتى
أوصله إلى ولية من خلقه, وسلمه إليه, فكان لها في ذلك أعظم حجة, على حقيقة ما
دعاها إليه سليمان, وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوّته.
فأما
الذي هو أولى التأويلين في قوله (
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بتأويله, فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل, من أن معناه
طائعين, لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة, وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه
وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة.
وقوله: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ
الْجِنِّ ) يقول
تعالى ذكره: قال رئيس من الجنّ مارد قويّ. وللعرب فيه لغتان: عفريت, وعفرية; فمن
قال: عفرية, جمعه: عفاري; ومن قال: عفريت, جمعه: عفاريت.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال مجاهد: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ
الْجِنِّ ) قال:
مارد من الجنّ ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة وغيره, مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن بعض أصحابه: ( قَالَ عِفْريتٌ ) قال: داهية.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني وهب بن سليمان, عن شعيب الجبائي قال: العفريت
الذي ذكره الله: اسمه كوزن.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم: ( قَالَ عِفْريتٌ ) اسمه: كوزن.
وقوله: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) يقول:
أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا.
وكان
فيما ذُكر قاعدا للقضاء بين الناس, فقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا
الذي جلست فيه للحكم بين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلى انتصاف النهار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة وغيره, مثله, قال: وكان يقضي قال:
قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي فيه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) يعني
مجلسه.
وقوله ( وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) على ما
فيه من الجواهر, ولا أخون فيه.
وقد قيل:
أمين على فرج المرأة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) يقول:
قويّ على حمله, أمين على فرج هذه.
قوله: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله, وكان رجلا فيما ذكر من بني آدم, فقال
بعضهم: اسمه بليخا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو عثمة, قال: ثنا شعبة, عن بشر, عن قتادة, في قوله: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
كان اسمه بليخا.
حدثني
يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله: ( الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتَابِ ) رجل من
الإنس.
حدثنا
ابن عرفة, قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريّ, عن العلاء بن عبد الكريم, عن مجاهد,
في قول الله: ( قَالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ ) قال: أنا أنظر في كتاب ربي,
ثم آتيك به (
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج
إليهم.
حدثنا
ابن عرفة, قال: ثني حماد بن محمد, عن عثمان بن مطر, عن الزهري, قال: دعا الذي عنده
علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلّ شيء إلها واحدا, لا إله إلا أنت, ائتني بعرشها,
قال: فمثل بين يديه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
رجل من بني آدم، أحسبه قال: من بني إسرائيل, كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به
أجاب.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
الاسم الذي إذا دعي به أجاب, وهو: يا ذا الجلال والإكرام.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: قال سليمان
لمن حوله: (
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فقال عفريت ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) قال
سليمان: أريد أعجل من ذلك, فقال رجل من الإنس عنده علم من الكتاب, يعني اسم الله
إذا دعي به أجاب.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) لا آتيك بغيره, أقول غيره
أمثله لك. قال: وخرج يومئذ رجل عابد في جزيرة من البحر, فلما سمع العفريت ، ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: ثم دعا باسم من أسماء الله, فإذا هو يحمل بين عينيه,
وقرأ: (
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) ... حتى بلغ ( فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ
كَرِيمٌ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال رجل من الإنس.
قال:
وقال مجاهد: الذي عنده علم من الكتاب: علم اسم الله.
وقال آخرون:
الذي عنده علم من الكتاب, كان آصف.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( قَالَ عِفْريتٌ ) لسليمان ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) فزعموا
أن سليمان بن داود قال: أبتغي أعجل من هذا, فقال آصف بن برخيا, وكان صدّيقا يعلم
الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب, وإذا سئل به أعطى: أَنَا يا نبيّ الله ( آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) .
وقوله: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: أنا
آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مدّ البصر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني إبراهيم, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن
سعيد بن جُبَير: (
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى, فذلك قوله ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) .
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, قال: قال غير قتادة: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قبل أن
يأتيك الشخص من مدّ البصر.
وقال آخرون:
بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) تمدّ
عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. قال: ذلك أريد.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير, قال: أخبرت أنه قال:
ارفع طرفك من حيث يجيء, فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن عطاء, عن مجاهد, في قوله: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
مدّ بصره.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
إذا مدّ البصر حتى يردّ الطرف خاسئا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
إذا مدّ البصر حتى يحسر الطرف.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى
أثره, وذلك أن معنى قوله (
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ ) يرجع
إليك البصر, إذا فتحت العين غير راجع, بل إنما يمتدّ ماضيا إلى أن يتناهى ما امتدّ
نوره. فإذا كان ذلك كذلك, وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ ) لم يكن
لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ راجعا ( إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) من عند منتهاه.
وقوله: ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا
عِنْدَهُ ) يقول:
فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرا عنده. وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ظهر
عما ترك, وهو: فدعا الله, فأتى به; فلما رآه سليمان مستقرا عنده. وذُكر أن العالم
دعا الله, فغار العرش في المكان الذي كان به, ثم نبع من تحت الأرض بين يدي سليمان.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
ذكروا أن آصِف بن برخيا توضأ, ثم ركع ركعتين, ثم قال: يا نبيّ الله, امدد عينك حتى
ينتهي طرفك, فمدّ سليمان عينه ينظر إليه نحو اليمن, ودعا آصف فانخرق بالعرش مكانه
الذي هو فيه, ثم نبع بين يدي سليمان ( فَلَمَّا رَآهُ ) سليمان (
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ) ... الآية.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس قال: نبع عرشها من تحت الأرض.
وقوله: ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ
رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ) يقول:
هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إليّ عرش هذه في قدر
ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام, من فضل ربي الذي أفضله عليّ وعطائه الذي جاد به
علي, ليبلوني, يقول: ليختبرني ويمتحنني, أأشكر ذلك من فعله عليّ, أم أكفر نعمته
عليّ بترك الشكر له.
وقد قيل:
إن معناه: أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أتيت به, أم كفر إذ رأيت من هو دوني في
الدنيا أعلم مني.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عطاء الخراساني, عن ابن عباس,
في قوله: (
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ ) على
السرير إذ أتيت به ( أَمْ
أَكْفُرُ ) إذ رأيت
من هو دوني في الدنيا أعلم مني؟ .
وقوله: ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يقول:
ومن شكر نعمة الله عليه, وفضله عليه, فإنما يشكر طلب نفع نفسه, لأنه ليس ينفع بذلك
غير نفسه؛ لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه, وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم
للنفع, لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه, ولا دفع ضرّ عنها ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) يقول:
ومن كفر نعمه وإحسانه إليه, وفضله عليه, لنفسه ظلم, وحظَّها بخَس, والله غنيّ عن
شكره, لا حاجة به إليه, لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه, كريم, ومن كرمه إفضاله
على من يكفر نعمه, ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ نَكِّرُوا لَهَا
عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41
)
يقول
تعالى ذكره: قال سليمان - لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبإٍ, وقدمت هي عليه, لجنده:
غيِّروا لهذه المرأة سريرها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيروا.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس:
فلما أتته ( قَالَ
نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال:
وتنكير العرش, أنه زيد فيه ونقص.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيِّروه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, نحوه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: مجلسها الذي تجلس فيه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول, أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) أمرهم أن يزيدوا فيه, وينقصوا
منه.
وقوله: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) يقول: ننظر أتعقل فتثبت عرشها
أنه هو الذي لها ( أَمْ
تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها.
وقيل: إن
سليمان إنما نكَّر لها عرشها, وأمر بالصرح يعمل لها, من أجل أن الشياطين كانوا
أخبروه أنه لا عقل لها, وأن رجلها كحافر حمار, فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من
ذلك.
وبنحو الذي
قلنا في تأويل قوله (
أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ
تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال: زيد في عرشها ونقص منه؛ لينظر إلى عقلها, فُوجدت ثابتة
العقل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) أتعرفه؟.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثني ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) قال: تَعرفه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ
مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) أي
أتعقل, أم تكون من الذين لا يعقلون؟ ففعل ذلك لينظر أتعرفه, أم لا تعرفه؟
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا
وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره: لما جاءت صاحبة سبإٍ سليمان, أخرج لها عرشها, فقال لها: ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ ) ؟ قالت وشبهته به: ( كَأَنَّهُ هُوَ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها, ثم قال: ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ
كَأَنَّهُ هُوَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) قال: شبهته, وكانت قد تركته خلفها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان أبي يحدّثنا هذا الحديث كله,
يعني حديث سليمان, وهذه المرأة (
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) شكت.
وقوله: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ
قَبْلِهَا ) يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل سليمان, وقال سليمان: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا ) أي: هذه المرأة, بالله
وبقدرته على ما يشاء, (
وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) لله من
قبلها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ
قَبْلِهَا ) قال:
سليمان يقوله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ( 43 )
يقول
تعالى ذكره: ومنع هذه المرأة صاحبة سبإ ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) , وذلك عبادتها الشمس أن تعبد
الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال:
كفرها بقضاء الله، وعبادة الوثن صدها أن تهتدي للحق.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال:
كفرها بقضاء الله, صدها أن تهتدي للحق. ولو قيل: معنى ذلك: وصدّها سليمان ما كانت
تعبد من دون الله, بمعنى: منعها وحال بينها وبينه, كان وجها حسنا. ولو قيل أيضا:
وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام, كان أيضا وجها صحيحا.
وقوله: ( إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ
قَوْمٍ كَافِرِينَ ) يقول:
إن هذه المرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله « إنها » على الابتداء. ومن تأول قوله:
(
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) التأويل الذي تأولنا, كانت « ما » من قوله ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ ) في موضع رفع بالصد, لأن
المعنى فيه لم يصدها عن عبادة الله جهلها, وأنها لا تعقل, إنما صدها عن عبادة الله
عبادتها الشمس والقمر, وكان ذلك من دين قومها وآبائها, فاتبعت فيه آثارهم. ومن
تأوله على الوجهين الآخرين كانت « ما » في موضع نصب.
القول
في تأويل قوله تعالى : قِيلَ لَهَا ادْخُلِي
الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ
إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 44 )
ذُكر أن
سليمان لما أقبلت صاحبة سبإ تريده, أمر الشياطين فبنوا له صرحا, وهو كهيئة السطح
من قوارير, وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك, وفهمها على نحو الذي كانت تفعل
هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك
كذلك.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
أمر سليمان بالصرح, وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا, ثم أرسل
الماء تحته, ثم وضع له فيه سريره, فجلس عليه, وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس, ثم
قال: (
ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ليريها
مُلكا هو أعزُ من ملكها, وسلطانا هو أعظم من سلطانها ( فَلَمَّا رَأَتْهُ
حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) لا تشكُّ أنه ماء تخوضه, قيل لها: ادخلي إنه صرح ممرّد من
قوارير; فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله ونعى عليها في عبادتها الشمس
دون الله, فقالت بقول الزنادقة, فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت, وسجد معه
الناس; وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع; فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك
ماذا قلت؟ قال: وأُنْسِيت ما قالت: , فقالت: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وأسلمت, فحسن إسلامها.
وقيل: إن
سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله, لأن الجنّ خافت من سليمان أن
يتزوّجها, فأرادوا أن يزهدوه فيها, فقالوا: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من
الجنّ, فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنّ من ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظيّ, قال: قالت الجنّ
لسليمان تزهِّده في بلقيس: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من الجنّ. فأمر
سليمان بالصرح, فعُمِل, فسجن فيه دواب البحر: الحيتان, والضفادع; فلما بصرت بالصرح
قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق؟ ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) قال:
فإذا أحسن الناس ساقا وقدما. قال: فضنّ سليمان بساقها عن الموسى, قال: فاتخذت
النورة بذلك السبب.
وجائز
عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب, والذي قاله محمد بن
كعب القرظيّ, ليختبر عقلها, وينظر إلى ساقها وقدمها, ليعرف صحة ما قيل له فيها.
وكان
مجاهد يقول - فيما ذكر عنه في معنى الصرح- ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو
عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن
ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (
الصرْحَ ) قال:
بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها. قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء, قدمها
كحافر الحمار, وكانت أمها جنية.
حدثني
أحمد بن الوليد الرملي, قال: ثنا هشام بن عمار, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن سعيد
بن بشير, عن قَتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كان
أحد أبوي صاحبة سبإ جنبا » .
قال: ثنا
صفوان بن صالح, قال: ثني الوليد, عن سعيد بن بشير, عن قَتادة, عن بشير بن نهيك, عن
أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, ولم يذكر النضر بن أنس.
وقوله: ( فَلَمَّا رَأَتْهُ
حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) يقول:
فلما رأت المرأة الصرح حسبته لبياضه واضطراب دواب الماء تحته لجة بحر كشفت من
ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.
ونحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: وكان من قوارير, وكان الماء من خلفه فحسبته لجة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: بحرا.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا ابن سوار, قال: ثنا روح بن القاسم, عن عطاء بن السائب, عن
مجاهد, في قوله: (
وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) فإذا
هما شعراوان, فقال: ألا شيء يذهب هذا؟ قالوا: الموسى, قال: لا الموسى له أثر, فأمر
بالنورة فصنعت.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا حفص, عن عمران بن سليمان, عن عكرمة وأبي صالح قالا لما تزوّج
سليمان بلقيس قالت له: لم تمسني حديدة قطّ، قال سليمان للشياطين: انظروا ما يُذهب
الشعر؟ قالوا: النورة, فكان أوّل من صنع النورة.
وقوله: ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مِنْ قَوَارِيرَ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال سليمان لها: إن هذا ليس ببحر, إنه صرح ممرّد من قوارير, يقول: إنما
هو بناء مبني مشيد من قوارير.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( مُمَرَّدٌ ) قال: مشيد.
وقوله: ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي
ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) ... الآية, يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبإ: رب إني
ظلمت نفسي في عبادتي الشمس, وسجودي لما دونك ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ ) تقول: وانقدت مع سليمان مذعنة
لله بالتوحيد, مفردة له بالألوهة والربوبية دون كل من سواه.
وكان ابن
زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في: ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مِنْ قَوَارِيرَ ) فَعرفت
أنها قد غلبت (
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى
ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ
قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46
)
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) وَحده لا شريك له, ولا تجعلوا
معه إلها غيره (
فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ) يقول: فلما أتاهم صالح داعيا لهم إلى الله صار قومه من ثمود
فيما دعاهم إليه فريقين يختصمون, ففريق مصدّق صالحا مؤمن به, وفريق مكذّب به كافر
بما جاء به.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ) قال: مؤمن وكافر, قولهم: صالح
مرسل, وقولهم: صالح ليس بمُرسل, ويعني بقوله ( يَخْتَصِمُونَ ) يختلفون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ) قال:
مؤمن, وكافر.
وقوله: ( قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) يقول تعالى ذكره: قال صالح
لقومه: يا قوم لأيّ شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن نجيح, عن مجاهد قوله: ( لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) قال: السيئة: العذاب, قبل الحسنة: قبل الرحمة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال
بالعذاب قبل الحسنة, قال: العافية.
وقوله: ( لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول:
هلا تتوبون إلى الله من كفركم, فيغفر لكم ربكم عظيم جرمكم, يصفح لكم عن عقوبته
إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول: ليرحمكم ربكم
باستغفاركم إياه من كفركم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ
وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
( 47 )
يقول
تعالى ذكره: قالت ثمود لرسولها صالح ( اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ) أي: تشاءمنا بك وبمن معك من
أتباعنا, وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، فأجابهم صالح فقال
لهم (
طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) أي ما
زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه, لا يدري أيّ ذلك كائن, أما
تظنون من المصائب أو المكاره, أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب؟.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس قوله: ( قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ ) يقول:
مصائبكم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) علمكم عند الله.
وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تُفْتَنُونَ ) يقول:
بل أنتم قوم تختبرون, يختبركم ربكم إذ أرسلني إليكم, أتطيعونه, فتعملون بما أمركم
به, فيجزيكم الجزيل من ثوابه؟ أم تعصونه بخلافه, فيحلّ بكم عقابه؟.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ
تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قَالُوا
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح, وهي حِجر ثمود, تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا
يصلحون, وكان إفسادهم في الأرض، كفرهم بالله, ومعصيتهم إياه, وإنما خصّ الله جلّ
ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون,
وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين, لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما
بلغنا في عقر الناقة, وتعاونوا عليه, وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود.وقد
ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تِسْعَةُ رَهْطٍ ) قال: من قوم صالح.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا
يُصْلِحُونَ ) هم
الذين عقروا الناقة, وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا وأهله فنقتلهم, ثم نقول
لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا, وما لنا به علم, فدمرهم الله أجمعين.
وقوله: ( قَالُوا تَقَاسَمُوا
بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يُفسدون في
أرض حجر ثمود, ولا يصلحون: تقاسموا بالله: تحالفوا بالله أيها القوم, ليحلف بعضكم
لبعض: لنبيتنّ صالحا وأهله, فلنقتلنه, ثم لنقولنّ لوليه: ما شهدنا مهلك أهله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ ) قال: تحالفوا على إهلاكه, فلم
يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعون.
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.
ويتوجه
قوله (
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ ) إلى
وجهين: أحدهما النصب على وجه الخبر, كأنه قيل: قالوا متقاسمين وقد ذُكر أن ذلك في
قراءة عبد الله: « ولا
يصلحون تقاسموا بالله » وليس
فيها « قالوا » , فذلك من قراءته يدل على وجه
النصب في «
تقاسموا » على ما
وصفت. والوجه الآخر: الجزم, كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بالله, فعلى هذا الوجه
الثاني تصلح قراءة (
لَنُبَيِّتَنَّهُ ) بالياء
والنون, لأن القائل لهم تقاسموا, وإن كان هو الآمر فهو فيمن أقسم, كما يقال في
الكلام: انهضوا بنا نمض إلى فلان, وانهضوا نمضي إليه. وعلى الوجه الأوّل الذي هو
وجه النصب القراءة فيه بالنون أفصح, لأن معناه: قالوا متقاسمين لنبيتنه, وقد تجوز
الياء على هذا الوجه، كما يقال في الكلام: قالوا لنكرمنّ أباك, وليكرمنّ أباك,
وبالنون قرأ ذلك قرَّاء المدينة, وعامة قراء البصرة وبعض الكوفيين. وأما الأغلب
على قرّاء أهل الكوفة, فقراءته بالياء وضمّ التاء جميعا. وأما بعض المكيين, فقرأه
بالياء.
وأعجب
القراءات في ذلك إليّ النون, لأن ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللذين بيَّنت من
النصب والجزم, وإن كان كل ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت, وأكرهها إليّ القراءة بها
الياء, لقلة قارئ ذلك كذلك. وقوله: ( لَنُبَيِّتَنَّهُ ) قال: ليبيتنّ صالحا ثم يفتكوا به.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلمّ
فلنقتل صالحا, فإن كان صادقا - يعني فيما وعدهم من العذاب بعد الثلاث- عجلناه
قبله, وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله, فدمغتهم
الملائكة بالحجارة; فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منـزل صالح, فوجدوهم مشدوخين قد
رضخوا بالحجارة. وقوله: (
وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) نقول
لوليه: وإنا لصادقون, أنا ما شهدنا مهلك أهله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 )
يقول
تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمصيرهم إليه
ليلا ليقتلوه وأهله, وصالح لا يشعر بذلك ( وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم, وتعجيلنا العذاب لهم ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا.
وقد
بيَّنا فيما مضى معنى: مكر الله، بمن مكر به, وما وجه ذلك, وأنه أخذه من أخذه منهم
على غرّة, أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به, ومعصيته إياه, ثم إحلاله
العقوبة به على غرّة وغفلة,
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن شمر بن عطية, عن رجل,
عن عليّ, قال: المكر غدر, والغدر كفر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال:
احتالوا لأمرهم, واحتال الله لهم, مكروا بصالح مكرا, ومكرنا بهم مكرا ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا وشعرنا بمكرهم, قالوا:
زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك, وكان له مسجد في
الحجر في شعب يصلي فيه, فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه, ثم رجعنا إذا
فرغنا منه إلى أهله, ففرغنا منهم, وقرأ قول الله تبارك وتعالى: قَالُوا
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فبعث الله
صخرة من الهضب حيالهم, فخشوا أن تشدخهم, فبادروا الغار, فطبقت الصخرة عليهم فم ذلك
الغار, فلا يدري قومهم أين هم؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذّب الله تبارك وتعالى
هؤلاء هاهنا, وهؤلاء هنا, وأنجى الله صالحا ومن معه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال:
فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم.
وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ ) يقول
تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود بنبيهم صالح, كيف كانت؟
وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا, وطغى
علينا من سائر الخلق, فحذر قومك من قريش, أن ينالهم بتكذيبهم إياك, ما نال ثمود
بتكذيبهم صالحا من المثلات.
وقوله: ( أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ
وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) يقول:
إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض من قوم صالح وقومهم من ثمود أجمعين,
فلم نبق منهم أحدا.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله « إنا » فقرأ بكسرها عامة قرّاء الحجاز
والبصرة على الابتداء, وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ ) بفتح الألف. وإذا فُتحت كان
في (
أَنَّا ) وجهان
من الإعراب: أحدهما الرفع على ردّها على العاقبة على الاتباع لها, والآخر النصب على
الرد على موضع كيف؛ لأنها في موضع نصب إن شئت, وإن شئت على تكرير كان عليها على
وجه, فانظر كيف كان عاقبة مكرهم كان عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرأة
الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ
خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 )
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 53 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) فتلك
مساكنهم خاوية خالية منهم, ليس فيها منهم أحد, قد أهلكهم الله فأبادهم ( بِمَا ظَلَمُوا ) يقول تعالى ذكره: بظلمهم
أنفسهم بشركهم بالله, وتكذيبهم رسولهم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا
بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة, لعظة لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا, من قومك
الذين يكذّبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة. ( وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) يقول: وأنجينا من نقمتنا
وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالحا والمؤمنين به. ( وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يقول: وكانوا يتقون بإيمانهم,
وبتصديقهم صالحا الذي حل بقومهم من ثمود ما حلّ بهم من عذاب الله, فكذلك ننجيك يا
محمد وأتباعك, عند إحلالنا عقوبتنا بمشركي قومك من بين أظهرهم.
وذكر أن
صالحا لما أحلّ الله بقومه ما أحلّ, خرج هو والمؤمنون به إلى الشام, فنـزل رملة
فلسطين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلُوطًا إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَئِنَّكُمْ
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: وأرسلنا لوطا إلى قومه, إذ قال لهم: يا قوم ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أنها
فاحشة؛ لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد. وقوله: ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةً ) منكم
بذلك من دون فروج النساء التي أباحها الله لكم بالنكاح. وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ) يقول:
ما ذلك منكم إلا أنكم قوم سفهاء جهلة بعظيم حقّ الله عليكم, فخالفتم لذلك أمره,
وعصيتم رسوله.