الجزء الثاني

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « سيقول السفهاء » ، سيقول الجهال « منَ الناس » , وهم اليهود وأهل النفاق.

وإنما سماهم الله عز وجل « سُفهاء » ، لأنهم سَفِهوا الحق. فتجاهلت أحبارُ اليهود, وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن اتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم, إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل, وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا.

وبما قلنا في « السفهاء » - أنهم هم اليهود وأهلُ النفاق- قال أهل التأويل.

ذكر من قال: هم اليهود:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: « سيقول السفهاء من الناس مَا وَلاهم عن قِبْلتهم » قال، اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثت عن أحمد بن يونس, عن زهير, عن أبي إسحاق، عن البَراء: « سيقول السفهاء من الناس » قال، اليهود.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء: « سيقول السفهاء من الناس » قال، اليهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: « سيقول السفهاء من الناس » قال، أهل الكتاب

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: اليهودُ.

وقال آخرون: « السفهاء » ، المنافقون.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: نـزلت « سَيقول السفهاء من الناس » ، في المنافقين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ما ولاهم » : أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم؟ وهو من قول القائل: « ولاني فلان دُبُره » ، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره، فكذلك قوله: « ما ولاهم » ؟ أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم؟

وأما قوله: « عن قبلتهم » ، فإن « قبلة » كل شيء ما قابلَ وجهه. وإنما هي « فِعْلة » بمنـزلة « الجلسة والقِعْدة » ، من قول القائل. « قابلت فلانًا » ، إذا صرتُ قُبالته أقابله, فهو لي « قبلة » وأنا له « قبلة » , إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا - إذْ كان ذلك معناه - : سيقول السفهاء من الناس لكم، أيها المؤمنون بالله ورسوله, - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام - : أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء, فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟

فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام, وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب. فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا محمد, فقل لهم: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

وكان سببُ ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس مُدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم أراد الله تعالى صَرْف قبلة نبيّة صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام. فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهَه ووجهَ أصحابه شطرَه, وما الذي ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.

ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سببُ صلاته نحوه؟ وما الذي دَعا اليهودَ والمنافقين إلى قِيلِ ما قالوا عند تحويل الله قبلةَ المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة؟

اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة. فقال بعضهم بما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا : حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، أخبرني سعيد بن جبير، أو عكرمة - شكّ محمد- ، عن ابن عباس قال: لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة - وصرفت في رَجَب، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ- أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفاعةُ بنُ قيس, وقَرْدَم بن عمرو, وكعبُ بن الأشرف, ونافعُ بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد, وقال أبو كريب: ورَافع بن أبي رافع - والحجاج بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف والربيعُ بن الربيعُ بن [ أبي ] الحقيق، وكنانةُ بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنتَ تزعمُ أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقك! وإنما يريدون فتنته عن دينه. فأنـزل الله فيهم: « سيقول السفهاءُ من الناس مَا ولاهم عنْ قبلتهم التي كانوا عليها » إلى قوله: إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, قال البراء: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سَبعةَ عشر شهرًا, وكان يشتهي أن يُصرف إلى الكعبة. قال: فبينا نحن نُصلي ذاتَ يوم, فمر بنا مارٌّ فقال: ألا هلْ علمتم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صُرف إلى الكعبة؟ قال: وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا, وصلينا ركعتين إلى هاهنا - قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟ فسكت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن أبي بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعةَ عشر شهرًا - شك سفيان- ثم صُرفنا إلى الكعبة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الُّنفيلي قال، حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوَّلَ ما قَدم المدينة، نـزلَ على أجداده - أو أخواله- من الأنصار, وأنه صَلَّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا, وكان يعجبه أن تكون قبلته قبَلَ البيت, وأنه صلى صلاة العصر ومعه قومٌ. فخرج رجل ممن صلى معه, فمرّ على أهل المسجد وهم رُكوع فقال: أشهدُ لقد صلَّيت مع رسول الله قبلَ مكة. فداروا كما همْ قِبَل البيت. وكانَ يُعجبه أن يحوَّل قبَل البيت. وكان اليهودُ أعجبهم أنّ رسول الله صلى الله علايه وسلم يُصَلّي قبَل بيت المقدس وأهلُ الكتاب, فلما ولَّى وجْهه قبَل البيت أنكروا ذلك.

حدثني عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن المسيب قال: صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بَعْد أن قدِم المدينةَ ستة عشر شهرًا, ثم وُجِّه نحو الكعبة قَبل بَدْرٍ بشهرين.

وقال آخرون بما:-

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سعد الكاتب قال، حدثنا أنس بن مالك قال: صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر. فبينما هو قائمٌ يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس, انصرف بوَجْهه إلى الكعبة, فقال السفهاء: « ما وَلاهُم عن قبلتهم التي كانوا عَليها » .

وقال آخرون بما:-

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي, عن عمرو بن مرة, عن ابن أبي ليلى, عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثَلاثة عَشر شهرًا.

حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة, عن سعيد بن المسيب: أنّ الأنصار صلَّت القبلةَ الأولى، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث حجج, وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى القبلةَ الأولى بعد قُدومه المدينة ستة عشر شهرًا، أو كما قال. وكلا الحديثين يحدِّث قتادة عن سعيد.

ذكر السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة.

اختلف أهلُ العلم في ذلك.

فقال بعضهم: كان ذلك باختيار من النبي صلى الله عليه وسلم

ذكرُ من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح أبو تَميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن عكرمة - وعن يزيد النحويّ, عن عكرمة- والحسن البصري قالا أوَّلُ ما نُسخ من القرآن القبلةُ. وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صَخرَة بيت المقدس، وهي قبلة اليهودِ, فاستقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعةَ عشر شهرًا, ليؤمنوا به ويتبعوه, ويدعو بذلك الأميين من العرب. فقال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ سورة البقرة: 115 ] .

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « سيقولُ السفهاء من الناس مَا وَلاهم عَن قبلتهم التي كانوا عليها » ، يعنون بيتَ المقدس. قال الربيع. قال أبو العالية : إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خُيّر أن يوجِّه وجهه حيث شاء, فاختار بيت المقدس لكي يتألَّف أهلَ الكتاب, فكانت قبلتهُ ستة عشر شهرًا, وهو في ذلك يقلِّب وَجهه في السماء، ثم وَجَّهه الله إلى البيت الحرام.

وقال آخرون: بل كان فعلُ ذلك - من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه- بفرض الله عز ذكره عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: لما هاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكان [ أكثرَ ] أهلها اليهودُ, أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بضْعة عَشر شَهرًا, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام, وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنـزل الله عز وجل: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ سورة البقرة: 144 ] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: « ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها » ؟ فأنـزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة, ثم صُرف إلى بَيت المقدس. فصلَّت الأنصارُ نحو بيت المقدس قبلَ قُدومه ثلاث حِجَجٍ: وصلّى بعد قُدومه ستة عشر شهرًا, ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة.

ذكر السبب الذي من أجله قال من قال « ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها » ؟

اختلف أهل التأويل في ذلك. فرُوي عن ابن عباس فيه قولان. أحدهما ما:-

حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قال ذلك قومٌ من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم, فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدّقك! يريدون فتنتَهُ عن دينه.

والقول الآخر: ما ذكرتُ من حَديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: « سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عَليها » ؟ قال: صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حَولين قَبْل قُدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قدومه المدينة مهاجرًا، نحو بيت المقدس، ستة عشر شَهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام. فقال في ذلك قائلون من الناس: « ما ولاهمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها » ؟ لقد اشتاق الرَّجُل إلى مَوْلده! فقال الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

وقيل: قائل هذه المقالة المنافقون. وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قال: لما وُجِّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبَلَ المسجد الحرام، اختلفَ الناس فيها فكانوا أصنافًا. فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجَّهوا إلى غيرها؟ فأنـزل الله في المنافقين: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ، الآية كلها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك عز وجل: قُلْ يا محمد - لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس، التي كنتم على التوجُّه إليها, إلى التوجُّه إلى شطر المسجد الحرام؟- : لله مُلك المشرق والمغرب يعني بذلك: ملكُ ما بين قُطرَيْ مشرق الشمس, وقُطرَيْ مغربها, وما بينهما من العالم يَهدي من يشاء من خلقه، فيُسدده, ويوفِّقه إلى الطريق القويم، وهو « الصراط المستقيم » - ويعني بذلك: إلى قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا- ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق.

وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله: « يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » ، قُلْ يا محمد: إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم، وأضلَّكم - أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله- فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وكذلك جَعلناكم أمة وسطًا » ، كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه والسلام وبما جاءكم به من عند الله, فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته, وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا.

وقد بينا أن « الأمة » ، هي القرن من الناس والصِّنف منهم وغَيرهم.

وأما « الوسَط » ، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه: « فلان وَسَطُ الحسب في قومه » ، أي متوسط الحسب, إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه, و « هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ » ،

كما يقال: « شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن » , وكما قال جل ثناؤه: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [ سورة طه: 77 ] ، وقال زُهير بن أبي سُلمى في « الوسط » :

هُـمُ وَسَـطٌ تَـرْضَى الأنـامُ بِحُكْمِهِمْ إذَا نـزلَتْ إحْـدَى الليَـالِي بِمُعْظَــمِ

قال أبو جعفر: وأنا أرى أن « الوسط » في هذا الموضع، هو « الوسط » الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين, مثل « وسَط الدار » محرَّك الوَسط مثقَّله, غيرَ جائز في « سينه » التخفيف.

وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم « وسَط » ، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك, إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها.

وأما التأويل، فإنه جاء بأن « الوسط » العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم.

ذكر من قال: « الوسطُ » العدلُ.

حدثنا سَلْم بن جُنادة ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا حفص بن غياث, عن الأعمش, عن أبي صالح، عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا » قال، عُدولا.

حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار قالا حدثنا جعفر بن عون, عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح, عن أبي سعيد الخدري: « وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا » قال، « عدولا » .

حدثني علي بن عيسى قال : حدثنا سعيد بن سليمان, عن حفص بن غياث, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « جعلناكم أمَّة وسطًا » قال، عدولا.

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد: « وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا » قال، عدولا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا » قال، عدولا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « أمة وسَطًا » قال، عُدولا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « أمة وسَطًا » قال، عدولا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « أمة وسَطًا » قال، عدولا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « وكذلك جعلناكم أمة وَسَطًا » ، يقول: جعلكم أمةً عُدولا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن رِشْد بن سعد قال، أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا » قال، الوسطُ العدل.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير: « أمة وَسَطًا » ، قالوا: عُدولا. قال مجاهد: عَدْلا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وكذلك جَعلناكم أمهً وسطًا » قال، هم وَسَطٌ بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

قال أبو جعفر: « والشهداء » جمع « شَهيد » .

فمعنى ذلك: وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا عُدولا [ لتكونوا ] شُهداءَ لأنبيائي ورسُلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أُمرَت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها, ويكونَ رسولي محمدٌ صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليكم، بإيمانكم به وبما جاءكم به من عندي، كما:-

حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ ما أرسِلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير! فيقال له: من يعلم ذاك؟ فيقول: محمد وأمته. فهو قوله: « وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطًا لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا » .

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال, حدثنا الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه - إلا أنه زاد فيه: فيُدعون ويَشهدون أنه قد بلَّغ.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد: « وكذلك جعلناكم أمة وسَطًا لتكونوا شُهداءَ عَلى الناس » - بأن الرسل قد بلَّغوا- « ويكونَ الرسول عليكم شهيدًا » . بما عملتم، أو فعلتم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل, عن أبي مالك الأشجعي, عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس: أن مُكاتبًا لهم حَدّثهم عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني وأمتي لعلى كَوْمٍ يومَ القيامة، مُشرفين على الخلائق. ما أحدٌ من الأمم إلا ودَّ أنه منها أيَّتُها الأمة، ومَا من نبيّ كذّبه قومُه إلا نحن شُهداؤه يومَ القيامة أنه قد بلَّغ رسالات ربه ونصحَ لهُم. قال: « ويكونَ الرسول عليكم شَهيدًا » .

حدثني عصام بن روَّاد بن الجرّاح العسقلاني قال، حدثنا أبي قال، حدثنا الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبد الله بن أبي الفضل, عن أبي هريرة قال: خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة, فلما صلى على الميت قال الناس: نِعم الرجل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجَبت! ثم خرجت مَعه في جنازة أخرى, فلما صلوا على الميت قال الناس: بئس الرجل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجَبت. فقام إليه أبيّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولك وجبت؟ قال: قول الله عز وجل: « لتكونوا شُهداء على الناس » .

حدثني عليّ بن سَهل الرملي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني أبو عمرو، عن يحيى قال، حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني قال، حدثني أبو هريرة قال: أُتي رَسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة, فقال الناس: نعم الرجل! ثم ذكر نحو حديث عصَام عن أبيه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع, عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمُرّ عليه بجنازة، فأثنِيَ عليها بثناء حَسن, فقال: وجبت! ومُرَّ عليه بجنازة أخرى, فأثنِيَ عليها دون ذلك, فقال: وجبت! قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: الملائكة شُهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه وجب. ثم قرأ: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الآية [ سورة التوبة: 105 ] .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « لتكونوا شهداء على الناس » ، تكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم، اليهود والنصارى والمجوس.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [ أبو ] عاصم, عن عيسى، عن ابن أبي نجيح قال: يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة نَادِيَهُ ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير مثله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، حدثني ابن أبي نجيح, عن أبيه قال، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة, فذكر مثله, ولم يذكر عبيد بن عمير، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة « لتكونوا شُهداء على الناس » ، أي أنّ رسلهم قد بلغت قومَها عن ربّها, « ويكون الرسول عليكم شَهيدًا » ، على أنه قد بلغ رسالات ربِّه إلى أمته.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن زيد بن أسلم: أنّ قوم نوح يَقولونَ يوم القيامة: لم يبلِّغنا نوحٌ! فيدعَى نوح عليه السلام فيسأل: هل بلغتهم؟ فيقول : نعم. فيقال: من شُهودك؟ فيقول: أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. فتدعون فتُسألون فتقولون: نعم، قد بلّغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام: كيف تشهدون علينا ولم تدركونا؟ قالوا: قد جاء نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم, وأنـزل عليه أنه قد بلغكم, فصدَّقناه. قال: فيصدّق نوح عليه السلام ويكذبونهم. قال: « لتكونوا شُهداء على الناس ويَكونَ الرسول عليكم شهيدًا »

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « لتكونوا شُهداء على الناس » ، لتكون هذه الأمة شُهداء على الناس أنّ الرسل قد بلَّغتهم, ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدًا, أن قد بلَّغ ما أرسل به.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن زيد بن أسلم: أنّ الأمم يقولُون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياءَ كلهم! لما يرون الله أعطاهم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن رِشْدين بن سعد, قال أخبرني ابن أنعم المعافري, عن حبان بن أبي جبلة يُسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة, كان أوَّلَ من يدعى إسرافيلُ, فيقول له ربه: ما فعلتَ في عهدي؟ هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رَبّ، قد بلغته جبريل عليهما السلام, فيدعى جبريل، فيقال له: هل بَلغك إسرافيلُ عهدي! فيقول: نعم ربّ، قد بلغني. فيخلَّى عن إسرافيلُ, ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، قد بلغتُ الرسل. فتُدعى الرسل فيقال لهم: هل بلَّغكم جبريلُ عهدي؟ فيقولون: نعم ربَّنا. فيخلَّى عن جبريل, ثم يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلَّغنا أممنا. فتدعى الأمم، فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذّب ومنهم المصدِّق, فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهودًا يَشهدون أنْ قد بلَّغنا مع شَهادتك. فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمَّة محمد. فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فيقول : أتشهدون أنّ رسُلي هؤلاء قد بلَّغوا عهدي إلى من أرسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم ربَّنا شَهدنا أنْ قد بلَّغوا. فتقول تلك الأمم. كيف يشهد علينا من لم يُدركنا؟ فيقول لهم الرب تباركَ وتعالى: كيف تشهدون عَلى من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنـزلت إلينا عهدك وكتابك, وقصَصَت علينا أنّهم قد بلَّغوا, فشهدنا بما عهدْتَ إلينا. فيقول الرب : صدَقوا. فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا - والوسطُ العَدْل- « لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا » . قال ابن أنعم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم، إلا من كان في قلبه حِنَةٌ على أخيه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « لتكونوا شُهداء على الناس » ، يعني بذلك. الذين استقاموا على الهُدى, فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « لتكونوا شهداء على الناس » ، يقول: لتكونوا شهداء على الأمم الذين خَلَوا من قبلكم، بما جاءتهم رسلهم, وبما كذّبوهم, فقالوا يوم القيامة وعَجِبوا: إنّ أمة لم يكونوا في زماننا, فآمنوا بما جاءتْ به رسلنا, وكذبنا نحن بما جاءوا به! فعجبوا كل العجب. قوله: « ويكُون الرسولُ عليكم شهيدًا » ، يعني بإيمانهم به, وبما أنـزل عليه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس: « لتكونوا شُهداء على الناس » ، يعني: أنهم شَهدوا على القرون بما سمَّى الله عز وجل لَهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما قوله: « لتكونوا شهداء على الناس » ؟ قال: أمة محمد، شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمانُ والهدى، ممن كان قبلنا. قالها عبد الله بن كثير. قال: وقال عطاء: شهداء على مَنْ ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين, جاء ذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، « ويكون الرسولُ عليكمْ شهيدًا » على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم، وصَدَّقوا به.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: « لتكونوا شُهداء عل الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا » قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على أمَّته, وهم شهداء على الأمم, وهم أحد الأشهاد الذين قال الله عز وجل: وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [ سورة غافر: 51 ] الأربعة: الملائكة الذين يُحصُون أعْمالنا، لنا وعلينا، وقرأ قوله: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ سورة ق: 21 ] ، وقال: هذا يوم القيامة. قال: والنبيون شُهداء على أممهم. قال: وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شُهداء على الأمم. قال: [ والأطوار ] الأجساد والجلود.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها » ، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه.

والقبلة التي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها، التي عناها الله بقوله: « وما جعلنا القبلة التي كنت عليها » ، هي القبلة التي كنت تتوجَّه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها » ، يعني: بيت المقدس.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: « وما جَعلنا القِبلة التي كنتَ عليها » . قال: القِبلة بيتُ المقدس.

قال أبو جعفر: وإنما ترك ذكر « الصرف عنها » ، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه، كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نَظائره.

وإنما قُلنا: ذلك معناه، لأن محنةَ الله أصحابَ رسوله في القِبلة، إنما كانت - فيما تظاهرت به الأخبار- عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة, حتى ارتدَّ - فيما ذكر- رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين من أجل ذلك نفاقَهم, وقالوا: ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا! وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت! وقال المشركون: تحيَّر محمد [ صلى الله عليه وسلم ] في دينه! فكان ذلك فتنةً للناس، وتمحيصًا للمؤمنين.

فلذلك قال جل ثناؤه: « ومَا جَعلنا القِبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عَقبيه » ، أي: ومَا جعلنا صَرْفك عن القبلة التي كنت عليها, وتحويلك إلى غيرها, كما قال جل ثناؤه: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ سورة الإسراء: 60 ] بمعنى: وما جعلنا خَبرَك عن الرؤيا التي أريناك. وذلك أنه لو لم يكن أخبَر القوم بما كان أُرِي، لم يكن فيه على أحد فتنةٌ, وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محْنة.

ذكر الأخبار التي رُويت في ذلك بمعنى ما قلنا:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قَال: كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتمحيصٌ. صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حوْلين قَبل قدوم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قُدومه المدينةَ مهاجرًا نحو بيت المقدس سبعةَ عشر شهرًا, ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام, فقال في ذلك قائلون من الناس: مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ لقد اشتاق الرجُل إلى مولده! قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فقال أناسٌ - لما صُرفت القبلة نحو البيت الحرام- : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنـزل الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ . وقد يَبتلي الله العبادَ بما شَاءَ من أمره، الأمرَ بعدَ الأمر, ليعلم مَنْ يطيعه ممن يَعصيه، وكل ذلك مقبول، إذْ كان في [ ذلك ] إيمان بالله, وإخلاصٌ له, وتسليم لقضائه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي قِبَل بيت المقدس, فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها, فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم، أوْ لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده, ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال المشركون من أهل مكة: تَحيَّر على محمد دينُهُ, فتوجه بقبلته إليكم, وعلم أنكم كنتم أهدى منه, ويوشك أنْ يدخل في دينكم! فأنـزل الله جل ثناؤه في المنافقين: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا إلى قوله: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، وأنـزل في الآخرين الآيات بعدها.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: « إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه » ؟ فقال عطاء: يبتليهم، ليعلم من يُسلم لأمره. قال ابن جريج: بلغني أنّ ناسًا ممن أسلم رَجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا!

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ مَا كان الله عالمًا بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، إلا بعد اتباع المتّبع, وانقلاب المنقلب على عقبيه, حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه؟

قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها، وليس قوله: « وما جعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن يَنقلب على عَقبيه » يخبر [ عن ] أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده.

فإن قال: فما معنى ذلك؟

قيل له : أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه: « إلا لنعلم » ، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤهُ من حزبه, وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس, ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم: « فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق, وجَبى خَرَاجها » , وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي, واستقرضته فلم يقرضني, وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالَ الله: استقرضتُ عَبدي فلم يُقرضني, وشتمني ولم يَنبغ له أن يشتُمني! يقول: وادَهراه! وأنا الدهر، أنا الدهر.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه, وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.

وقد حكي عن العرب سماعًا: « أجوع في غَيْر بَطني, وأعرى في غير ظهْري » , بمعنى: جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم,

فكذلك قوله: « إلا لنعلم » ، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وما جَعلنا القبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه » ، قال ابن عباس: لنميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة.

وقال بعضهم: إنما قيل ذلك، من أجل أن العرَب تَضع « العلم » مكان « الرؤية » , و « الرؤية » مكان « العلم » , كما قَال جلّ ذكره: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [ سورة الفيل: 1 ] ، فزعم أن معنى « ألم تر » ، ألم تعلم؟ وزعم أن معنى قوله: « إلا لنعلم » ، بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أنّ قول القائل: « رأيتُ، وعَلمت، وشَهدت » ، حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض, كما قال جرير بن عطية

كَــأَنَّكَ لَـمْ تَشْـهَدْ لَقِيطًـا وَحَاجِبًـا وَعَمْــرَو بـن عَمْــرٍو إذْ دَعَـا يَالَ دَارِمِ

بمعنى: كأنك لم تعلم لَقيطًا، لأنّ بين هُلْك لَقيط وحاجب وزمان جرير، ما لا يخفى بُعده من المدة. وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية, وجريرٌ كان بعد بُرْهة مَضَت من مجيء الإسلام.

قال أبو جعفر: وهذا تأويل بعيدٌ, من أجل أنّ « الرؤية » ، وإن استعملت في موضع « العلم » ، من أجل أنه مستحيلٌ أن يرى أحدٌ شيئًا, فلا توجب رؤيته إياه علمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيح الفطرة. فجاز من الوجه الذي أثبته رؤيةً، أن يُضَاف إليه إثباتُهُ إياه علمًا، وصحّ أن يدلّ بذكر « الرؤية » على معنى « العلم » من أجل ذلك. فليس ذلك، وإن كان [ جائزا ] في الرؤية - لما وصفنا- بجائز في العلم، فيدلّ بذكر الخبر عن « العلم » على « الرؤية » . لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها، ويستحيل أن يَرَى شيئًا إلا علمه, كما قد قدمنا البيان [ عنه ] . مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال: « علمت كذا » ، بمعنى رأيته. وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنـزله على محمد صلى الله عليه وسلم منَ الكلام، إلى ما كان موجودًا مثله في كلام العرب، دون ما لم يكن موجودًا في كلامها. فموجود في كلامها « رأيت » بمعنى: علمت, وغير موجود في كلامها « علمت » بمعنى: رأيت, فيجوز توجيه: « إلا لنعلم » إلى معنى: إلا لنرى.

وقال آخرون: إنما قيل: « إلا لنعلم » ، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفر بالله، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يَعلم الشيءَ قبل كونه. وقالوا - إذ قيل لهم: إن قومَا من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم, إذا حُوِّلت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة- : ذلك غير كائن! أو قالوا: ذلك باطل! فلما فَعل الله ذلك, وحوَّل القبلة, وكفر من أجل ذلك من كفر, قال الله جل ثناؤه: ما فعلتُ إلا لنعلم ما علمه غَيركم- أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه- : أنّي عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد.

فكأن معنى قائلي هذا القول في تأويل قوله: « إلا لنعلم » : إلا لنبيّن لكم أنّا نعلمُ من يَتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وَجهًا له مَخرج, فبعيدٌ من المفهوم.

وقال آخرون: إنما قيل: « إلا لنعلم » ، وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال, على وجه الترفّق بعباده, واستمالتهم إلى طاعته، كما قال جل ثناؤه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سورة سبأ: 24 ] ، وقد علم أنه على هدى، وأنهم على ضلال مبين, ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب, فلم يقل: أنّا على هدى, وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: « إلا لنعلم » ، معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جُهالا به قبل أن يكونَ. فأضاف العلم إلى نفسه، رفقًا بخطابهم.

وقد بيَّنا القول الذي هو أوْلى في ذلك بالحقّ.

وأما قوله: « مَنْ يتَّبع الرسول » . فإنه يعني: الذي يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به, فيوجِّه نحو الوَجه الذي يتوَجَّه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: « ممن يَنقلب على عَقبيه » ، فإنه يعني: من الذي يرتدُّ عن دينه, فينافق, أو يكفر, أو مخالف محمدًا صلى الله عليه وسلم في ذلك، ممن يظهر اتِّباعه، كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وما جَعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه » قال، مَنْ إذا دخلتْه شُبهة رجع عن الله, وانقلب كافرًا على عَقبيه.

وأصل « المرتد على عقبيه » ، هو: « المنقلب على عقبيه » ، الراجع مستدبرًا في الطريق الذي قد كان قطعه، منصرفًا عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه، من دين أو خير. ومن ذلك قوله: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سورة الكهف: 64 ] ، بمعنى: رَجعا في الطريق الذي كانا سَلكاه، وإنما قيل للمرتد: « مرتد » , لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها.

وإنما قيل: « رجع عَلى عقبيه » ، لرجوعه دُبُرًا على عَقبه، إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل مَرْجعه عنه. فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرًا وآخذٍ آخرَ غيره، إذا انصرف عما كان فيه، إلى الذي كان له تاركًا فأخذه. فقيل: « ارتد فلان على عَقِبه, وانقلب على عَقبيه » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت « كبيرة إلا على الذين هَدى الله » .

فقال بعضهم: عنى جل ثناؤه ب « الكبيرة » ، التوليةُ من بيت المقدس شطرَ المسجد الحرام والتحويلُ. وإنما أنَّث « الكبيرة » ، لتأنيث « التولية » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قال الله: « وإن كانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله » ، يعني: تحويلَها.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: « وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله » قال، ما أمِروا به من التحوُّل إلى الكعبة من بيت المقدس.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « لكبيرة إلا على الذين هَدى الله » قال، كبيرة، حين حُولت القبلة إلى المسجد الحرام, فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله.

وقال آخرون: بل « الكبيرة » ، هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجَّه إليها من بيت المقدس قبلَ التحويل.

ذكر من قال ذلك.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: « وإن كانت لكبيرة » ، أي: قبلةُ بيت المقدس - « إلا على الذين هدى الله » .

وقال بعضهم: بل « الكبيرة » هي الصلاة التي كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى.

ذكر من قال ذلك.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله » قال، صلاتكم حتى يهديَكم اللهُ عز وجل القِبلةَ.

وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وإن كانت لَكبيرة » قال، صلاتك هاهنا - يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا- وانحرافُك هاهنا

وقال بعض نحويي البصرة: أنِّثت « الكبيرة » لتأنيث القبلة, وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: « وإن كانت لكبيرة » .

وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت « الكبيرة » لتأنيث التولية والتحويلة

فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنتَ عليها وتوليتُناك عنها، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه, وإن كانت تحويلتُنا إياك عنها وتوليتُناكَ « لكبيرة إلا على الذين هدى الله » .

وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب. لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم. إلا أن يوجِّه موجِّه تأنيث « الكبيرة » إلى « القبلة » , ويقول: اجتُزئ بذكر « القبلة » من ذكر « التولية والتحويلة » ، لدلالة الكلام على معنى ذلك, كما قد وصفنا لك في نظائره. فيكون ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.

ومعنى قوله: « كبيرة » ، عظيمة، . كما:-

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وإن كانت لكبيرة إلا عَلى الذين هدى الله » قال، كبيرة في صدور الناس، فيما يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم. قال: ما لهم صلُّوا إلى هاهنا ستةَ عشر شهرًا ثم انحرفوا! فكبُر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين، فقالوا: أيّ شيء هذا الدين؟ وأما الذين آمنوا، فثبَّت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم، وقرأ قول الله « وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله » قال، صَلاتكم حَتى يهديكم إلى القبلة.

قال أبو جعفر: وأما قوله: « إلا على الذين هَدى الله » ، فإنه يعني به:

وإن كان تقليبَتُناك عن القبلة التي كنتَ عليها، لعظيمة إلا على من وّفَّقه الله جل ثناؤه، فهداهُ لتصديقك والإيمان بك وبذلك, واتباعِك فيه، وفيما أنـزل الله تعالى ذكره عليك، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله » ، يقول: إلا على الخاشعين, يعني المصدِّقين بما أنـزل الله تبارك وتعالى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ

قال أبو جعفر: قيل: عنى ب « الإيمان » ، في هذا الموضع: الصلاةَ.

ذكر الأخبار التي رُويت بذلك، وذكر قول من قاله:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وعبيد الله - وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا عبيد الله بن موسى- جميعًا، عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس قال، لما وُجِّه رَسوله الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن ماتَ من إخواننا قبل ذلك، وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنـزل الله جل ثناؤه: « وما كانَ الله ليضيعَ إيمانكم » .

حدثني إسماعيل بن موسى قال، أخبرنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قول الله عز وجل: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » قال، صلاتكم نحوَ بَيت المقدس.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء نحوه.

وحدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن محمد بن نفيل الحرّاني قال، حدثنا زهير قال، حدثنا أبو إسحاق, عن البراء قال: مات على القبلة قبلَ أن تحوّل إلى البيت رجالٌ وقُتلوا, فلم ندر ما نَقول فيهم. فأنـزل الله تعالى ذكره: « وما كان الله ليُضيع إيمانكم » .

حدثنا بشر بن معاذ العقدي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، قال أناسٌ من الناس - لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام- : كيف بأعمالنا التي كنا نَعملُ في قبلتنا؟ فأنـزل الله جل ثناؤه: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » .

حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: لما وُجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَل المسجد الحرام، قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنـزل الله جل ثناؤه فيهم: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » قال، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة وهذه طاعة.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: قال ناسٌ - لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام- : كيف بأعمالنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟ فأنـزل الله تعالى ذكره: « وما كانَ الله ليضيع إيمانكم » الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم قال، لما صُرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة, قال المسلمون: هَلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس! فنـزلت: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » .

حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » ، يقول: صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » ، صلاتكم.

حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري قال، أخبرنا المؤمل قال، حدثنا سفيان, حدثنا يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: « وما كان الله ليضيع إيمانكم » قال، صلاتكم نحو بيت المقدس.

قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على أن « الإيمان » التصديق. وأن التصديقَ قد يكون بالقول وحده، وبالفعل وحده، وبهما جميعًا.

فمعنى قوله: « وما كان الله ليُضيع إيمانكم » - على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة- : وما كان الله ليُضيع تصديقَ رَسوله عليه السلام، بصَلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي, واتِّباعًا لأمْري, وطاعةً منكم لي.

قال: « وإضاعته إياه » جل ثناؤه - لو أضاعه- : تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه, فيذهب ضياعًا، ويصير باطلا كهيئة « إضاعة الرجل ماله » , وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل.

فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة، فلا يُثيبه عليه, وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله.

فإن قال قائل: وكيفَ قال الله جل ثناؤه: « وما كان الله ليُضيع إيمانكم » ، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين, والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس, وفي ذلك من أمرهم أنـزلت هذه الآية؟

قيل: إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك, فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حُبُوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة, وظنّوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعًا؟ فأنـزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ, فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم. لأن من شأن العرب - إذا اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ- أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب. فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر: « فعلنا بكما وصنعنا بكما » ، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران, ولا يستجيزون أن يقولوا: « فعلنا بهما » ، وهم يخاطبون أحدهما، فيردّوا المخاطب إلى عِدَاد الغَيَب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 )

قال أبو جعفر: ويعني بقوله جل ثناؤه: « إنّ الله بالناس لَرَءوفٌ رحيمٌ » : أن الله بجميع عباده ذُو رأفة.

و « الرأفة » ، أعلى مَعاني الرحمة, وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة.

وأما « الرحيم » : فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل.

وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم طاعةً أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها, وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم - أيْ ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس- , فإني لهم على طاعتهم إياي بصَلاتهم التي صلوها كذلك مثيبٌ, لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي؛ ولا تحزنوا عليهم, فإني غيرُ مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة, لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم, وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.

وفي « الرءوف » لغات. إحداها « رَؤُف » على مثال « فَعُل » ، كما قال الوليد بن عقبة:

وَشـــرُّ الطــالِبِينَ - وَلا تَكُنْــه- بقَــاتِلِ عَمِّــه, الــرَّؤُفُ الرَّحِــيم

وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة. والأخرى « رَؤوف » على مثال « فعول » , وهي قراءة عامة قراء المدينة، و « رَئِف » , وهي لغة غطفان, على مثال « فَعِل » مثل حَذِر. و « رَأْف » على مثال « فَعْل » بجزم العين, وهي لغة لبني أسد.

والقراءة على أحد الوجهين الأوَّلين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.

ويعني: ب « التقلب » ، التحوُّل والتصرُّف.

ويعني بقوله: « في السماء » ، نحو السماء وقِبَلها.

وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا- لأنه كان قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء » قال، كان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء » ، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي نحو بيتَ المقدس, يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام, فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.

حدثنا المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء » ، يقول: نَظرَك في السماء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس, وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام, فولاه الله قبلةً كان يهواها.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس, فلما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره, كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر, وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنـزل الله جل ثناؤه: « قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء » الآية.

ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة.

قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس, من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه, ويَستفرض للقبلة، فنـزلت: « قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام » ، - وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا!- في صلاة الظهر، . فجعل الرجالَ مكانَ النساء, والنساءَ مكانَ الرجال.

حدثني يونس قال, أخبرنا ابن وهب قال، سمعته - يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله - لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا, فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, ورفع وجهه إلى السماء, فقال الله جل ثناؤه: « قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام » الآية.

وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم, فكان يدعو وينظر إلى السماء, فأنـزل الله عز وجل: « قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء » الآية.

فأما قوله: « فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها » ، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة « ترضاها » : تَهواها وتُحبها.

وأما قوله: « فوَلِّ وجهك » ، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.

وقوله: « شَطرَ المسجد الحَرَام » ، يعني: ب « الشطر » ، النحوَ والقصدَ والتّلقاء, كما قال الهذلي:

إنَّ العَسِــيرَ بهَــا دَاء مُخَامِرُهَــا فَشَــطْرَهَا نَظَـــرُ العَيْنَيْـنِ مَحْسُـورُ

يعني بقوله: « شَطْرَها » ، نحوها. وكما قال ابن أحمر:

تَعْـدُو بِنَـا شَـطْر جَـمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ, قَـدْ كَارَبَ العَقْــدُ مِـنْ إيفَادِهَـا الحَقَبَـا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن داود بن أبي هند, عن أبي العالية: « شَطْرَ المسجد الحَرَام » ، يعني: تلقاءه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « شطر المسجد الحرام » ، نحوَه.

حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: « فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام » ، نَحوَه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: « فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام » ، أي تلقاءَ المسجد الحرام.

حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام » قال، نحو المسجد الحرام.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام » ، أي تلقاءَه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: « شطرَه » ، نحوَه.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال، قِبَله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « شَطْره » ، ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه: « شُطوره » .

ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.

فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعناها الله تعالى ذكره بقوله: « فلنولينَّك قبلة تَرْضاها » ، حيالَ ميزاب الكعبة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة, عن عبد الله بن عمرو: « فلنولينَّك قبلة ترضاها » ، حيالَ ميزاب الكعبة.

وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا هشيم, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب, وتلا هذه الآية: « فلنولينك قِبلة ترضاها » قال، هذه القبلة، هي هذه القبلة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم - بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه: « فلنولينك قبلة تَرضاها » .

وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ, وقبلةُ البيت الباب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: البيت كله قبلةٌ, وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه: « فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام » ، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه, كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه, وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره, بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة, وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها, أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما:

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي, عن علي: « فول وجهك شطر المسجد الحرام » قال، شطُره، قبله.

قال أبو جعفر: وقبلةُ البيت: بابه، كما:-

حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ, هذه القبلة.

حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت, فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة, فقال: هذه القبلةُ مرتين.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, عن عبد الملك, عن عطاء, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله, ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها, ولم يصلِّ حتى خرج, فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة.

قال أبو جعفر: فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة, وأن قبلة البيت بابه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.

و « الهاء » التي في « شطرَه » ، عائدة إلى المسجد الحرام.

فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.

وأدخلت « الفاء » في قوله: « فولوا » ، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله: « حيثما كنتم » جزاء, ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ

يعني بقوله جل ثناؤه: « وإنّ الذين أوتُوا الكتاب » أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.

وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإن الذين أوتوا الكتاب » ، أنـزل ذلك في اليهود.

وقوله: « ليعلمون أنه الحق من ربهم » ، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب, يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.

ويعني بقوله: « من رَبِّهم » أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره, وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام, ولا هو ساه عنه، ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء, ويثيبكم عليه أفضل ثواب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي « الآية » - بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام, ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا - مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.

قال أبو جعفر: وأجيبت « لئن » بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب « لو » , فأجيبت بما تجاب به « لو » ، لتقارب معنييهما. وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى. وأجيبت « لو » بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة، لأن الجزاء مُشابه اليمين: في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره, ولا يتمُّ وحده, ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه. فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت « اللام » الأولى بمنـزلة يَمين، والثانية بمنـزلة جواب لها, كما قيل: « لعمرك لتقومَنَّ » إذ كثرت « اللام » من « لعمرك » ، حتى صارت كحرف من حروفه, فأجيب بما يجاب به الأيمان, إذ كانت « اللام » تنوب في الأيمان عن الأيمان، دون سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان. فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. فشبهت « اللام » التي في جواب الأيمان بالأيمان، لما وصفنا, فأجيبت بأجوبَتها.

فكانَ مَعنى الكلام - إذ كان الأمر على ما وصفنا- : لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.

وأما قوله: « وما أنتَ بتابع قِبلتهم » ، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها, وأن النصارى تستقبل المشرقَ, فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها, ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.

وأما قوله: « وما بعضهم بتابع قبلة بعض » ، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ قبلةَ النصارى, ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وما بعضهم بتاع قبلة بعض » ، يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى, ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال: وإنما أنـزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة, قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنـزل الله عز وجل فيهم: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إلى قوله: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض » ، مثل ذلك.

وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم. فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى, فإنه أمر لا سبيل إليه. لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم. من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى, وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود, فدع ما لا سبيل إليه, وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة, وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ولئن اتبعت أهواءهم » ، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني: فرَجعت إلى قبلتهم.

ويعني بقوله: « من بَعد مَا جَاءك من العلم » ، من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق, ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها، « إنك إذًا لمن الظالمين » ، يعني: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم, المخالفين أمري, والتاركين طاعتي, وأحدُهم وفي عِدادِهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه » ، أحبارَ اليهود وعلماء النصارى: يقول: يعرف هؤلاء الأحبارُ من اليهود، والعلماءُ من النصارى: أن البيتَ الحرام قبلتُهم وقبلة إبراهيم وقبلةُ الأنبياء قبلك, كما يعرفون أبناءَهم، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يَعرفونه كما يَعرفون أبناءهم » ، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلةُ.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قول الله عز وجل: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم » ، يعني: القبلةَ.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، عرفوا أن قِبلة البيت الحرام هي قبلتُهم التي أمِروا بها, كما عرفوا أبناءهم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفونَ أبناءهم » ، يعني بذلك: الكعبةَ البيتَ الحرام.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء, كما يعرفون أبناءهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » قال، اليهود يعرفون أنها هي القبلة، مكة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » قال، القبلةُ والبيتُ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وإنّ طائفةً من الذين أوتوا الكتاب - وهُمُ اليهود والنصارى. وكان مجاهد يقول: هم أهل الكتاب.

حدثني محمد بن عمرو - يعني الباهلي- قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح مثله.

قال أبو جعفر: وقوله: « ليكتمون الحق » ، - وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله عز وجل إليها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم. يقول: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى, فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس, ورفضُوا ما أمرهم الله به, وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ تبارك وتعالى, وخيانتهم عبادَه, وكتمانِهم ذلك, وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه, وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافُه، فقال: « ليكتمونَ الحق وهم يعلمون » ، أنْ لَيس لَهم كتمانه, فيتعمَّدون معصية الله تبارك وتعالى، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: « وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهُمْ يعلمون » ، فكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ليكتمون الحق وَهمْ يعلمون » قال، يكتمون محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون » ، يعني القبلةَ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده, لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى.

وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام: عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله عز وجل.

يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحقّ الذي أتاك من ربِّك يا محمد، ولا تَكوننَّ من الممترين.

يعني بقوله: « فلا تكونن من الممترين » ، أي: فلا تكونن من الشاكِّين في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره، كما:

حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام: « الحقُّ من ربك فلا تكونن من الممترين » ، يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « فلا تكونن من الممترين » قال، من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك.

قال أبو جعفر: وإنما « الممتري » « مفتعل » ، من « المرْية » , و « المِرْية » هي الشك, ومنه قول الأعشى:

تَــدِرُّ عَــلَى أَسْــوُقِ المُمْـتَرِينَ رَكْضًـا, إِذَا مَـا السَّـرَابُ ارْجَحَـــنّ

ءقال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ كان النبي صلى الله عليه وسلم شَاكَّا في أنّ الحق من رَبه, أو في أن القبلة التي وجَّهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره، حتى نُهي عن الشك في ذلك، فقيل له: « فلا تكونن من الممترين » ؟

قيل: ذلك من الكلام الذي تُخرجه العرب مخُرَج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره, كما قال جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [ سورة الأحزاب: 1 ] ، ثم قال: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [ سورة الأحزاب: 2 ] . فخرج الكلام مخرج الأمرِ للنبي صلى الله عليه وسلم والنهيِ له, والمراد به أصحابه المؤمنون به. وقد بينا نظيرَ ذلك فيما مضى قبل بما أغنَى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « ولكلّ » ، ولكل أهل ملة، فحذف « أهل الملة » واكتفى بدلالة الكلام عليه، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: « ولكلِّ وِجْهة » قال، لكل صاحب ملة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « ولكلٍّ وجهة هو موليها » ، فلليهوديّ وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها, وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة للقِبلة التي هي قبلة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال، قلت لعطاء قوله: « ولكل وجهة هو موليها » قال، لكل أهل دين، اليهودَ والنصارَى. قال ابن جريج، قال مجاهد: لكل صاحب مِلة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولكل وجهة هو موليها » قال، لليهود قبلة, وللنصارى قبلة, ولكم قبلة. يريد المسلمين.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها » ، يعني بذلك أهلَ الأديان: يقول: لكلٍّ قبلةٌ يرضَونها, ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون. وذلك أن الله تعالى ذكره قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ سورة البقرة: 115 ]

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ولكلٍّ وجْهة هو موليها » ، يقول: لكل قوم قبلة قد ولَّوْها.

فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها، ومولٍّ وجهه إليها.

وقال آخرون بما:-

حدثنا به الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « ولكل وجهة هو موليها » قال، هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة.

وتأويل قائل هذه المقالة: ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربّك يا محمد قبلة، اللهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه.

وأما « الوِجهة » ، فإنها مصدر مثل « القِعدة » و « المِشية » ، من « التوجّه » . وتأويلها: مُتوَجِّهٌ، يتوجَّه إليه بوَجهه في صلاته، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وجهة » قبلةٌ.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « ولكل وجهة » قال، وَجْه.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وِجْهة » ، قِبلة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، قلت لمنصور: « ولكل وجْهة هو مولِّيها » قال، نحن نقرؤها، ولكلٍّ جَعلنا قِبلة يرضَوْنها.

وأما قوله: « هو مُولِّيها » ، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « هو موليها » قال، هو مستقبلها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

ومعنى « التوْلية » هاهنا الإقبال, كما يقول القائل لغيره: « انصرِف إليّ » بمعنى: أقبل إليّ. « والانصراف » المستعمل، إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: « انصرفَ إلى الشيء » ، بمعنى: أقبل إليه منصرفًا عن غيره. وكذلك يقال: « ولَّيت عنه » ، إذا أدبرت عنه. ثم يقال: « ولَّيت إليه » ، بمعنى أقبلت إليه مولِّيًا عن غيره.

والفعل - أعني « التولية » - في قوله: « هو موليها » لل « كل » . و « هو » التي مع « موليها » ، هو « الكل » ، وحُدَّت للفظ « الكل » .

فمعنى الكلام إذًا: ولكل أهل مِلة وجهة, الكلُّ. منهم مولُّوها وجُوهَهم.

وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها: « هو مُولاها » ، بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها. ويكون « الكل » حينئذ غير مسمًّى فاعله، ولو سُمي فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذي ملة وجهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها, بمعنى: موجِّهه إليها.

وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: « ولكُلٍّ وِجهةٍ » بترك التنوين والإضافة. وذلك لحنٌ, ولا تجوز القراءةُ به. لأن ذلك - إذا قرئ كذلك- كان الخبرُ غير تامٍّ, وكان كلامًا لا معنى لَه. وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

والصواب عندنا من القراءة في ذلك: « ولكلٍّ وِجهةٌ هُوَ مُولِّيها » ، بمعنى: ولكلٍّ وجهةٌ وقبلةٌ، ذلك الكُلّ مُولّ وجهه نحوها. لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها, وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاءَ به النقلُ مستفيضًا فحُجة, وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فاستبقوا » ، فبادروا وسَارعوا, من « الاستباق » , وهو المبادرة والإسراع، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « فاستبقوا الخيرات » ، يقول: فسارعوا في الخيرات.

وإنما يعني بقوله: « فاستبقوا الخيرات » ، أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم, فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم, وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، فلا عذر لكم في التفريط, وحافظوا على قبلتكم, فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، فتضلُّوا كما ضلت؛ كالذي:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فاستبقوا الخيرات » ، يقول: لا تُغلَبُنَّ على قبلتكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فاستبقوا الخيرات » قال، الأعمال الصالحة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 )

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: « أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا » ، في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير، كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أينما تكونوا يَأت بكمُ الله جميعًا » ، يقول: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة.

2291م- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « أينما تكونوا يَأت بكم الله جميعًا » ، يعني: يومَ القيامة.

قال أبو جعفر: وإنما حضَّ الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوُّد في الدنيا للآخرة, فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم, ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه, فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالفَ قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعًا يوم القيامة، من حيث كنتُم من بقاع الأرض, حتى يوفِّيَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه، والمسيء عقابه بإساءته, أو يتفضّل فيصفح.

وأما قوله: « إنّ الله على كل شيء قدير » ، فإنه تعالى ذكره يعني: إنّ الله تعالى على جَمْعكم - بعد مماتكم- من قبوركم إليه، من حيث كنتم وكانت قبوركم ، وعلى غير ذلك مما يشاء، قديرٌ. فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليومَ بعثكم وَحشركم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ومن حيث خرجت » ، ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ، فولِّ يا محمد وَجهك - يقول: حوِّل وَجْهك. وقد دللنا على أن « التولية » في هذا الموضع شطر المسجد الحرام, إنما هي: الإقبالُ بالوجه نحوه. وقد بينا معنى « الشطر » فيما مضى.

وأما قوله: « وإنه للحق من ربك » ، فإنه يعني تعالى ذكره: وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك, فحافظوا عليه, وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله.

وأما قوله: « ومَا الله بغافل عَما تَعملون » ، فإنه يقول: فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم، ولا بغافل عنها, ولكنه محصيها لكم، حتى يجازيكم بها يوم القيامة.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « ومن حَيثُ خرجت فول وَجهك شطر المسجد الحرام » : من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد, فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شَطره.

ويعني بقوله: « وحيث ما كنتم فولُّوا وُجوهكم » ، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم تُجاهه وقِبَله وقَصْدَه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي

قال أبو جعفر: فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى ب « الناس » في قوله: « لئلا يكون للناس » ، أهلَ الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « لئلا يكون للناس عليكم حجة » ، يعني بذلك أهلَ الكتاب. قالوا - حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام- : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « لئلا يكونَ للناس عليكم حجة » ، يعني بذلك أهلَ الكتاب, قالوا - حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة- : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!

فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟

قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم, والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين.

وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه: « لئلا يكون للناس عليكم حجة » ، يعني ب « الناس » ، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.

وأما قوله: « إلا الذين ظَلموا منهم » ، فإنهم مُشركو العرب من قريش، فيما تأوَّله أهلُ التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « إلا الذين ظَلموا منهم » ، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي, قال: هم المشركون من أهل مكة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع: « إلا الذين ظلموا منهم » ، يعني مشركي قريش.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, وابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « إلا الذين ظلموا منهم » قال، هم مشركو العرب.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « إلا الذين ظلموا منهم » ، و « الذين ظلموا » : مشركو قريش.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء: هم مشركو قريش - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقولُ مثل قول عطاء.

فإن قال قائل: وأيّةُ حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين - فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه- حُجة؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبتَ إليه. وإنما « الحجة » في هذا الموضع، الخصومة والجدال. ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خُصُومةٌ ودعوى باطلٌ غيرَ مشركي قريش, فإن لهم عليكم دعوى بَاطلا وخصومةً بغير حق، بقيلهم لكم: « رَجَع محمدٌ إلى قبلتنا, وسيرجع إلى ديننا » . فذلك من قولهم وأمانيّهم الباطلة، هي « الحجة » التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره « الذين ظلموا » من قريش من سائر الناس غيرهم, إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجّههم إليها حُجة.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « لئلا يكون للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم » ، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: يقول: حُجتهم, قولهم: قد راجعتَ قبلتنا!

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: قولهم: قد رَجَعت إلى قبلتنا!

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة وابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم » ، قالا هم مشركو العرب, قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل: ( فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: « إلا الذين ظلموا منهم » ، و « الذين ظلموا » : مشركُو قريش. يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم انصرافَهُ إلى البيت الحرام أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك كله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي فيما يذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني, عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما صُرف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نحوَ الكعبة، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه! فتوجّه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ويُوشك أن يدخل في دينكم! فأنـزل الله جل ثناؤه فيهم: « لئلا يَكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني » .

حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله: « لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم » قال، قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمِر بها:- ما كان يستغني عنا! قد استقبل قبلتنا! فهي حُجتهم, وهم « الذين ظلموا » - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول مثل قول عطاء, فقال مجاهد: حُجتهم، قولهم: رجعت إلى قبلتنا!

فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله: « إلا الذين ظلموا منهم » ، عن صحّة ما قلنا في تأويله، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. كما قولُ القائل « ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك » ، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله: « لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم » ، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش, فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا: إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.

وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل, فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله: « إلا الذين ظلموا منهم » : ولا الذين ظلموا منهم, وأن « إلا » بمعنى « الواو » . لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد, ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك: « إلا الذين ظَلموا منهم » إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به.

هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجّهت « إلا » إلى معنى « الواو » , ومعنى العطف من كلام العرب. وذلك أنه غيرُ موجودة « إلا » في شيء من كلامها بمعنى « الواو » ، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل: « سار القوم إلا عمرًا إلا أخاك » , بمعنى: إلا عمرًا وأخاك, فتكون « إلا » حينئذ مؤدّية عما تؤدي عنه « الواو » ، لتعلق « إلا » الثانية ب « إلا » الأولى. ويجمع فيها أيضًا بين « إلا » و « الواو » فيقال: « سار القوم إلا عمرًا وإلا أخاك » , فتحذف إحداهما، فتنوب الأخرى عنها, فيقال: « سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلا عمرًا إلا أخاك » , لما وصفنا قبل.

وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لمدَّعٍ من الناس أن يدَّعي أنّ « إلا » في هذا الموضع بمعنى « الواو » التي تأتي بمعنى العطف.

وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم، فإنهم لا حجة لهم، فلا تخشوْهم. كقول القائل في الكلام: « الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [ لك ] المعتدي عليك » , فإن ذلك لا يعتدّ بعُدوَانه ولا بتركه الحمد، لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له, وقد سُمي ظالمًا لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدًا على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئتها.

وظاهر بُطُول قول من زَعَم: أنّ « الذين ظلموا » هاهنا، ناسٌ من العرب كانوا يَهودًا ونصارَى, فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأما سائرُ العرب، فلم تكن لهم حجة, وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته: « إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة, وإنك لتحتج بلا حجة, وحجتك ضعيفة » . ووَجَّه معنى: « إلا الذين ظَلموا منهم » إلى معنى: إلا الذينَ ظلموا منهم، منْ أهل الكتاب, فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة.

ووَهْيُ قَولِ من قال: « إلا » في هذا الموضع بمعنى « لكن » .

وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم.

لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم: أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا, ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة- وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال، قال الربيع: إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال: إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجدُ صالح، فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام. قال الربيع: وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين، وقِبلتُه إلى الكعبة.

وأما قوله: ( فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) ، يعني: فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون في أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا! - أو أن يَقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدِّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق، ولكن اخشوني, فخافوا عقابي، في خلافكم أمري إن خالفتموه.

وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلى عباده المؤمنين، بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها, وبالنهي عن التوجُّه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوْني أيها المؤمنون، في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شَطرَ المسجد الحرام.

وقد حكي عن السدي في ذلك ما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فلا تخشوْهم واخشوْني » ، يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ولأتمَّ نعمتي عليكم » ، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض، وإلى أيّ بقعة شخصت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام, وحيثُ كنت، يا محمد والمؤمنون, فولُّوا وجوهكم في صلاتكم شَطرَه, واتخذوه قبلة لكم, كيلا يكون لأحد من الناس - سوى مشركي قريش- حجةٌ, ولأتمّ بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام، الذي جعلته إمامًا للناس نعمتي، فأكمل لكم به فضلي عليكم, وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيتُ بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم. وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمُّها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه.

وقوله: « ولعلكم تهتدون » ، يعني: وكي ترشدوا للصواب من القبلة. و « لعلكم » عطف على قوله: « ولأتم نعمتي عليكم » ، « ولأتم نعمتي عليكم » عطف على قوله: لِئَلا يَكُونَ .

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « كما أرسلنا فيكم رسولا » ، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية, وأهديَكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام, فأجعل لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ سورة البقرة: 128 ] ، كما جعلت لكُم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ سورة البقرة: 129 ] ، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل، أنْ أبعثه من ذرّيتهما.

ف « كما » - إذ كان ذلك معنى الكلام- صلةٌ لقول الله عز وجل: وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ . ولا يكون قوله: « كما أرسلنا فيكم رسولا منكم » ، متعلقًا بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .

وقد قال قوم: إنّ معنى ذلك: فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النـزع، وبعدوا من الإصابة, وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسِوَى وجهه المفهوم.

وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض: « كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن » - أن لا يَشترطوا للآخر, لأن « الكاف » في « كما » شرطٌ معناه: افعل كما فعلت. ففي مجيء جواب: « اذكروني » بعده، وهو قوله: أَذْكُرْكُمْ ، أوضحُ دليل على أن قوله: « كما أرسلنا » من صلة الفعل الذي قبله, وأن قوله: « اذكروني أذكركم » خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول, وأنه من سبب قوله: « كما أرْسلنا فيكم » بمعزل.

وقد زعم بعض النحويين أن قوله: فَاذْكُرُونِي - إذا جُعل قوله: « كما أرسلنا فيكم » جوابًا له، مع قوله: أَذْكُرْكُمْ - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين, كقول القائل: إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه « , فيصير قوله: » فأته « و » ترضه « جوابين لقوله: » إذا أتاك « , وكقوله: » إن تأتني أحسِن إليك أكرمك « . »

وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهب, فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجِّه إليه من اللغات، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب، دون الأنكر الأجهل من منطقها. هذا، مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.

ذكر من قَال: إنّ قوله: « كما أرسلنا » ، جوابُ قوله: « فاذكروني » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل: « كما أرسلنا فيكم رسولا منكم » ، كما فعلتُ فاذكروني.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

قوله: « كما أرسلنا فيكم رَسولا منكم » ، فإنه يعني بذلك العرب, قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العربُ طاعتي, وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجُّه إليها, لتنقطع حُجة اليهود عنكم, فلا تكون لهم عليكم حجَة, ولأتم نعمتي عليكم، وتهتدوا, كما ابتدأتكم بنعمتي، فأرسلت فيكم رسولا منكم. وذلك الرسول الذي أرسلَه إليهم منهم: محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « كما أرْسلنا فيكم رسولا منكم » ، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وأمّا قوله: « يتلو عليكم آياتنا » ، فإنه يعني آيات القرآن, وبقوله: « ويزكيكم » ويطهّركم من دَنَس الذنوب, و « يعلمكم الكتاب » وهو الفرقان, يعني: أنه يعلمهم أحكامه. ويعني: ب « الحكمة » السننَ والفقهَ في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده.

وأمّا قوله: « ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون » ، فإنه يعني: ويعلمكم من أخبار الأنبياء, وقَصَص الأمم الخالية, والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها, فعلِموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه, أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير: « فاذكروني أذكركم » قال، اذكروني بطاعتي, أذكركم بمغفرتي.

وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون » ، إن الله ذاكرُ من ذكره, وزَائدُ من شكره, ومعذِّبُ من كفَره.

حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « اذكروني أذكركم » قال، ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برَحمةٍ, ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي، « ولا تكفرون » ، يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم, فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم, ولكن اشكروا لي عليها, وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم, وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي, فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته, ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه.

والعرب تقول: « نَصحتُ لك وشكرتُ لك » , ولا تكاد تقول: « نصحتك » , وربما قالت: « شكرتك ونصحتك » , من ذلك قول الشاعر:

هُـمُ جَـمَعُوا بُؤْسَـى ونُعْمَـى عَلَيْكُـمُ فَهَــلا شَـكَرْتَ القَـوْمَ إذْ لَــمْ تُقَـاتِلِ

وقال النابغة في « نصحتك » :

نَصَحْـتُ بَنِـي عَـوَفٍ فَلَـمْ يَتَقَبَّلُـوا رَسُـولِي ولَـمْ تَنْجَـحْ لَـدَيْهِمْ وسَـائِلِي

وقد دللنا على أن معنى « الشكر » ، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة, وأن معنى « الكفر » تغطية الشيء, فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 )

قال أبو جعفر: وهذه الآية حضٌّ من الله تعالى ذكره على طاعته، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال, فقال: « يا أيها الذينَ آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة » على القيام بطاعتي، وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي، والانصراف عَما أنسخه منها إلى الذي أحدِثه لكم من فرائضي، وأنقلكم إليه من أحكامي, والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه, والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه - وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل, أو مشقةٌ على أبدانكم في قيامكم به، أو نقصٌ في أموالكم- وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي, بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومَشقته عليكم, واحتمال عنائه وثقله, ثم بالفزع منكم فيما يَنوبكم من مُفظِعات الأمور إلى الصلاة لي, فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتي, وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبَلي، وتدركون حاجاتكم عندي, فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصيَّ, أنصرهُم وأرعاهم وأكلَؤُهم، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلوا قِبَلي.

وقد بينت معنى « الصبر » و « الصلاة » فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته، كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: « واستعينوا بالصبر والصلاة » ، يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة » ، اعلموا أنهما عَونٌ على طاعة الله.

وأما قوله: « إن الله مع الصابرين » ، فإن تأويله: فإن الله نَاصرُه وظَهيرهُ وراضٍ بفعله, كقول القائل: « افعل يَا فلان كذا وأنا معك » , يعني: إني ناصرُك على فعلك ذلك ومُعينك عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوّكم، وترك معاصيَّ، وأداء سائر فرائضي عليكم, ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت, فإن الميت من خَلقي مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسَّه, فلا يلتذّ لذة ولا يُدرك نعيما، فإنّ من قُتل منكم ومن سائر خَلقي في سبيلي، أحياءٌ عندي، في حياة ونعيم، وعيش هَنِيّ، ورزق سنيّ, فَرحين بما آتيتهم من فضلي، وَحبوتهم به من كرامتي، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « بل أحياء » عند ربهم، يرزقون من ثمر الجنة، ويَجدون ريحها، وليسوا فيها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولا تقولوا لمن يقتل في سَبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون » ، كنَّا نُحَدَّثَ أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة, وأن مساكنهم سِدرة المنتهى, وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاثُ خصال من الخير: مَن قُتل في سبيل الله منهم صار حيًّا مرزوقًا, ومن غُلب آتاه الله أجرًا عظيمًا, ومن مات رَزَقه الله رزقًا حسنًا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء » قال، أرواحُ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء » ، في صُوَر طير خضر يطيرون في الجنه حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا.

حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن غياث. قال، سمعت عكرمة يقول في قوله: « ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون » قال، أرواح الشهداء في طير خُضر في الجنة.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما في قوله: « ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء » ، من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعمَّ به غيره؟ وقد علمت تظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم, فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها, ويستعجلون الله قيام الساعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار يَنظرون إليها، ويصيبهم من نَتنها ومكروهها, ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها, ويسألون الله فيها تأخيرَ قيام الساعة، حِذارًا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها، مع أشباه ذلك من الأخبار. وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما الذي خُصَّ به القتيل في سبيل الله، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البرزخ, أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك, وأما المؤمنون فمنعَّمون بالروح والريحان ونَسيم الجنان؟

قيل: إنّ الذي خَصّ الله به الشهداء في ذلك، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم, ومنعَّمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم, والفائدة التي أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم, فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ سورة آل عمران: 169- 170 ] ، وبمثل الذي قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, وَعَبدة بن سليمان, عن محمد بن إسحاق, عن الحارث بن فضيل, عن محمود بن لبيد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الشهداءُ على بَارق، نهر بباب الجنة، في قبة خضراء - وقال عبدة: في روضة خضراء- يخرُج عليهم رزقهم من الجنه بُكرة وَعشيًّا. »

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح عن الإفريقي, عن ابن بشار السلمي - أو أبي بشار, شكّ أبو جعفر- قال: أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان, رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس ثَورٌ وحُوت, فأما الثور، ففيه طعم كلّ ثمرةٍ في الجنة, وأما الحوت ففيه طَعمُ كل شراب في الجنة.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإنّ الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكرُه أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصّهم بها في البرزخ غيرُ موجود في قوله: « ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء » ، وإنما فيه الخبرُ عن حَالهم، أمواتٌ هم أم أحياءٌ.

قيل: إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم، إنما هو الخبر عَمَّا هم فيه من النِّعمة, ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عبادَه عما خَصّ به الشهداء في قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ سورة آل عمران: 169 ] ، وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: « ولا تقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء » ، نَهْيُ خَلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موتى تَرَك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم.

وأما قوله: « ولكنْ لا تَشعرُون » ، فإنه يعني به: ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ, وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به.

وإنما رفع قوله: « أمواتٌ » بإضمار مكنيّ عن أسماء « من يُقتل في سبيل الله » ، ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات. ولا يجوز النصب في « الأموات » , لأن القول لا يعمل فيهم، وكذلك قوله: « بل أحياء » , رفعٌ، بمعنى: هُمْ أحياء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 )

قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مبتليهم وممتحنهم بشدائد من الأمور، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه, كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة, وكما امتحن أصفياءَه قَبلهم. ووَعدهم ذلك في آية أخرى فقال لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ سورة البقرة: 214 ] ، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيرُه يقول.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع » ، ونحو هذا, قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء, وأنه مبتليهم فيها, وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال: « وبشر الصابرين » ، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا .

ومعنى قوله: « وَلنبلونكم » ، ولنختبرنكم. وقد أتينا على البيان عن أن معنى « الابتلاء » الاختبار، فيما مضى قبل.

وقوله: « بشيء من الخوف » ، يعني من الخوف من العدو، وبالجوع - وهو القحط- يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسَنة تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم، فتنقص لذلك أموالكم, وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار, فينقص لها عددكم, وموتُ ذراريكم وأولادكم, وجُدوب تحدُث, فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم, فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه, ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب.

كل ذلك خطابٌ منه لأتباع رَسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما:

حدثني هارون بن إدريس الكوفيّ الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: « ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع » قال، هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وإنما قال تعالى ذكره: « بشيء من الخوف » ولم يقل بأشياء، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت « مِن » تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر « شيء » ، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر « الشيء » في أوله، من إعادته مع كل نوع منها.

ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات » قال، قد كان ذلك, وسيكونُ ما هو أشد من ذلك.

قال الله عند ذلك: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْيي عما أنهاهم عنه, والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم به، القائلين إذا أصابتهم مصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . فأمره الله تعالى ذكره بأن يخصّ - بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد- أهلَ الصبر، الذين وصف الله صفتهم.

وأصل « التبشير » : إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره

 

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 156 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وبشّر، يا محمد، الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنّي, فيُقرون بعبوديتي, ويوحِّدونني بالربوبية, ويصدقون بالمعاد والرجوع إليّ فيستسلمون لقضائي, ويرجون ثَوابي، ويخافون عقابي, ويقولون - عند امتحاني إياهم ببعض مِحَني, وابتلائي إياهم بما وعدتهم أنْ أبتليهم به من الخوف والجوع ونَقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك من المصائب التي أنا مُمتحنهم بها- : إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مَماتنا صائرون تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك » ، هؤلاء الصابرون، الذين وصفهم ونَعتهم - « عليهم » , يعني: لَهم، « صلوات » ، يعني: مغفرة. « وصلوات الله » على عباده، غُفرانه لعباده, كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« اللهم صَلِّ على آل أبي أوْفى » .

يعني: اغفر لَهم. وقد بينا « الصلاة » وما أصلها في غير هذا الموضع.

وقوله: « ورحمة » ، يعني: ولهُم مع المغفرة، التي بها صَفح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمة من الله ورأفة.

ثم أخبر تعالى ذكره - مع الذي ذكر أنه مُعطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليمًا منهم لقضائه، من المغفرة والرحمة- أنهم هم المهتدون، المصيبون طريق الحقّ، والقائلون مَا يُرْضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب.

وقد بينا معنى « الاهتداء » ، فيما مضى، فإنه بمعنى الرشد للصواب.

وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: « الذين إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه رَاجعون أولئكَ عليهم صَلوات من ربهم وَرحمة وأولئك هم المهتدون » قال، أخبر الله أنّ المؤمن إذا سَلّم الأمرَ إلى الله، ورَجع واسترْجع عند المصيبة, كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاةُ من الله, والرحمة, وتحقيق سَبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن استرْجع عند المصيبة، جبر الله مُصيبته, وأحسن عُقباه, وَجعل له خَلفًا صالحًا يرضاه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة » ، يقول: الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان العُصفُريّ, عن سعيد بن جبير قال: مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السلام, ألم تسمعْ إلى قوله: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [ سورة يوسف: 84 ] .

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

قال أبو جعفر: « والصفا » جمع « صَفاة » , وهي الصخرة الملساء, ومنه قول الطرمَّاح:

أَبَــى لِـي ذُو القُـوَى وَالطَّـوْلِ ألا يُــؤَبِّسَ حَــافِرٌ أَبَــدًا صَفَــاتِي

وقد قالوا إن « الصفا » واحد, وأنه يثنى « صَفَوان » ، ويجمع « أصفاء » و « صُفِيًّا، وصِفِيًّا » ، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز

كــأنَّ مَتْنَيْــهِ مِــنَ النَّفِــيِّ مَــوَاقِعُ الطَّــيْرِ عَــلَى الصُّفِــيِّ

وقالوا: هو نظير « عَصَا وعُصِيّ [ وعِصِيّ، وأَعْصاء ] ، ورَحَا ورُحِيّ [ وَرِحِيّ ] وأرْحاء » .

وأما « المروة » ، فإنها الحصاةُ الصغيرة، يجمع قليلها « مَرَوات » , وكثيرها « المرْو » ، مثل « تمرة وتمَرات وتمر » ، قال الأعشى ميمون بن قيس:

وَتَــرَى بــالأرْضِ خُفًّــا زائِـلا فَــإِذَا مَـا صَــادَفَ المَـرْوَ رَضَـح

يعني ب « المرو » : الصخرَ الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:

حَــتَّى كــأنِّي لِلْحَــوَادِثِ مَـرْوَةٌ بِصَفَـا المُشَــرِّقِ كُـلَّ يَـوْمٍ تُقْـرَعُ

ويقال « المشقِّر » .

وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: « إنّ الصفا والمروة » ، في هذا الموضع: الجبلين المسمَّيَين بهذين الاسمين اللذين في حَرَمه، دون سائر الصفا والمرو. ولذلك أدخل فيهما « الألف واللام » , ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين، دون سائر الأصفاء والمرْوِ.

وأما قوله: « منْ شَعائر الله » ، فإنه يعني: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده مَعلمًا ومَشعَرًا يعبدونه عندها, إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها. ومنه قول الكميت:

نُقَتِّلُهُــمْ جِـيَلا فَجِـيلا تَــرَاهُمُ شَـــعَائِرَ قُرْبَــانٍ بِهِــمْ يُتَقَــرَّبُ

وكان مجاهد يقول في الشعائر بما:-

حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله » قال، من الخبر الذي أخبركم عنه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

فكأن مجاهدًا كان يرى أن الشعائر، إنما هو جمع « شعيرة » ، من إشعار الله عباده أمرَ الصفا والمروة، وما عليهم في الطواف بهما. فمعناه: إعلامُهم ذلك.

وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: « إن الصفا والمروة مِنْ شعائر الله » عبادَه المؤمنين أن السعي بينهما من مَشاعر الحج التي سنَّها لهم, وأمرَ بها خليله إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم, إذ سَأله أن يُريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مَخرجُه مَخرجَ الخبر, فإنه مرادٌ به الأمر. لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال له: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [ سورة النحل: 123 ] ، وجعل تعالى ذكره إبراهيمَ إمامًا لمنْ بَعده. فإذْ كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مَناسك الحج, فمعلوم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد عَمل به وسنه لمن بعده, وقد أُمرَ نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: « فمن حج البيت » ، فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء. وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو « حَاجٌّ إليه » ، ومنه قول الشاعر:

لأَشْـهَدَ مِـنْ عَـوْفٍ حُـلُولا كثِـيرَةً يَحُجُّـونَ سِــبَّ الزِّبْرِقَـانِ المُزَعْفَــرَا

يعني بقوله: « يحجون » ، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج « حاجّ » ، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف, ثم ينصرف عنه إلى منى, ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ. فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له: « حاجٌّ » .

وأما « المعتمر » ، فإنما قيل له: « معتمر » ، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله: « أو اعتمر » ، أو اعتمرَ البيت, ويعني ب « الاعتمار » الزيارة. فكل قاصد لشيء فهو له « معتمر » ، ومنه قول العجاج:

لَقَـدْ سَـمَا ابْـنُ مَعْمَـرٍ حِـينَ اعْتَمَرْ غْــزًى بَعِيــدًا مـن بَعِيــدٍ وَضَــبَرْ

يعني بقوله: « حين اعتمر » ، حين قصده وأمَّه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما » ، يقول: فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما.

فإن قال قائل: وما وجه هذا الكلام, وقد قلت لنا، إن قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، وإن كان ظاهرهُ ظاهرَ الخبر، فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما؟ فكيف يكون أمرًا بالطواف, ثم يقال: لا جُناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما؟ وإنما يوضع الجُناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناحُ والحرجُ؟ والأمر بالطواف بهما, والترخيصُ في الطواف بهما، غيرُ جائز اجتماعهما في حال واحدة؟

قيل: إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ. وإنما معنى ذلك عند أقوام: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عُمرة القضيَّة، تخوَّف أقوامٌ كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما، فقالوا: وكيف نَطوف بهما, وقد علمنا أنَّ تَعظيم الأصنام وجميع ما كان يُعبد من ذلك من دون الله، شركٌ؟ ففي طوَافنا بهذين الحجرين أحرَجُ ذلك، لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما, وقد جاء الله بالإسلام اليومَ، ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له!

فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، يعني: إن الطوافَ بهما, فترك ذكر « الطواف بهما » ، اكتفاء بذكرهما عنه. وإذْ كان معلومًا عند المخاطبين به أن معناه: من معالم الله التي جعلها علَمًا لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما، ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر, فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فلا يتخوَّفنَّ الطواف بهما, من أجل ما كانَ أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما, فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرًا, وأنتم تَطوفون بهما إيمانًا، وتصديقًا لرسولي، وطاعةً لأمري, فلا جُناح عليكم في الطواف بهما.

و « الجناح » ، الإثم، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما » ، يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر.

وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين.

ذكر الأخبار التي رويت بذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود, عن الشعبي: أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى « إسافًا » ، ووثنًا على المرْوة يسمى « نائلة » ، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان, قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين, وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنـزل الله: إنهما من الشعائر، « فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما » .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عامر قال : كان صنم بالصفا يدعى « إسافًا » ، ووثَن بالمروة يدعى « نائلة » ، ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب - وزاد فيه, قال: فذكِّر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه, وأنِّت المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثًا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب عن يزيد, وزاد فيه - قال: فجعله الله تطوُّعَ خير.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرني عاصم الأحول قال، قلت لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمرْوة حَتى نـزلت هذه الآية؟ فقال: نعم كنا نكره الطواف بَينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، حتى نـزلت هذه الآية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

حدثني علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان, عن عاصم قال، سألت أنسًا عن الصفا والمروة, فقال: كانتا من مَشاعر الجاهلية, فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما, فنـزلت: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبو الحسين المعلم قال، حدثنا شيبان أبو معاوية, عن جابر الجعفي, عن عمرو بن حبشي قال، قلت لابن عمر: « إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناحَ عليه أنْ يَطَّوَّف بهما » قال، انطلق إلى ابن عباس فاسأله, فإنه أعلم من بقي بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته, فقال: إنه كان عندهما أصنامٌ, فلما حُرِّمْن أمسكوا عن الطواف بينهما، حتى أنـزلت: « إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أنْ يَطَّوَّفَ بهما » .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، وذلك أنّ ناسًا كانوا يتحرجون أن يَطوفوا بين الصفا والمروة, فأخبر الله أنهما من شعائره, والطواف بينهما أحبُّ إليه, فمضت السُّنة بالطَّواف بينهما.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما » قال، زعم أبو مالك، عن ابن عباس: أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة, وكانت بَينهما آلهة, فلما جاء الإسلام وظَهر، قال المسلمون: يا رَسولَ الله، لا نطوف بين الصفا والمروة, فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنـزل الله: « فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ قال، قالت الأنصار: إنّ السَّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! فأنـزل الله تعالى ذكره: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما » قال، كان أهل الجاهلية قد وَضَعوا على كل واحد منهما صَنمًا يعظمونهما، فلما أسلم المسلمون كرِهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين, فقال الله تعالى: « إن الصفا والمروةَ من شَعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما » ، وقرأ: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [ سورة الحج: 32 ] ، وسَن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عاصم قال، قلت لأنس: الصفا والمروة، أكنتم تكرَهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نُهيتم عنها؟ قال: نعم، حتى نـزلت: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، أخبرنا عاصم قال، سمعت أنس بن مالك يقول: إنّ الصفا والمروة من مَشاعر قُريش في الجاهلية, فلما كان الإسلام تَركناهما.

وقال آخرون: بل أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية، في سَبب قوم كانوا في الجاهلية لا يَسعوْن بينهما، فلما جاء الإسلام تخوَّفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوَّفونه في الجاهلية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة، قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الآية, فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما, فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله, وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال، كان ناس من أهل تِهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة, فأنـزل الله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب قال، حدثني عروة بن الزبير قال، سألت عائشة فقلت لها: أرأيتِ قول الله: « إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما » ؟ وقلت لعائشة: وَالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي, إنّ هذه الآية لو كانت كما أوَّلتها كانت: لا جُناح عليه أن لا يطوَّف بهما, ولكنها إنما أنـزلت في الأنصار: كانوا قبل أن يُسلموا يُهلُّون لمَناةَ، الطاغيةَ التي كانوا يعبدون بالمشلَّلِ، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يَطُوف بين الصفا والمروة, فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - فقالوا: يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نَطُوف بين الصفا والمروة - أنـزل الله تعالى ذكره: « إنّ الصفا والمروَة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما » . قالت عائشة: ثم قد سَن رَسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما, فليس لأحد أن يَترك الطواف بَينهما.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة قالت: كان رجالٌ من الأنصار مِمَّن يُهلُّ لمناةَ في الجاهلية - و « مناةُ » صنمٌ بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبيّ الله، إنا كنا لا نطوفُ بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة, فهل علينا من حَرَج أن نَطوف بهما؟ فأنـزل الله تعالى ذكره : « إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن يطوف بهما » . قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله: « فلا جُناح عليه » . قالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ! قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: هذا العلم! قال أبو بكر: ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون: لما أنـزل الله الطوافَ بالبيت ولم يُنـزل الطواف بين الصفا والمروة, قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوفُ في الجاهلية بين الصفا والمروة, وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطوافَ بين الصفا والمروةَ، فهل علينا من حرج أن لا نَطوفَ بهما؟ فأنـزل الله تعالى ذكره: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الآية كلها، قال أبو بكر: فأسمعُ أن هذه الآية نـزلت في الفريقين كليهما، فيمن طَافَ وفيمن لم يَطُف.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانَ ناسٌ من أهل تهامة لا يَطوفون بين الصفا والمروة, فأنـزل الله : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله, كما جعل الطواف بالبيت من شعائره.

فأما قوله: « فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما » ، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي, وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما رُوي عن عائشة.

وأيُّ الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره: « فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما » ، الآية, دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما, من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت, ثم رخص فيه بقوله: « فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما » .

وإنما الاختلافُ في ذلك بين أهل العلم على أوجُهٍ. فرأى بعضُهم أن تارك الطواف بينهما تاركٌ من مَناسك حجه ما لا يُجزيه منه غيرُ قَضَائه بعينه, كما لا يُجزى تارك الطواف - الذي هو طَواف الإفاضة- إلا قضَاؤه بعينه. وقالوا: هما طَوافانَ: أمرَ الله بأحدهما بالبيت, والآخرُ بينَ الصفا والمروة.

ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يُجزيه من تَركه فِدية, ورأوا أن حُكم الطواف بهما حُكمُ رَمي بعض الجمرات, والوقوف بالمشعر, وطَواف الصَّدر وما أشبه ذلك، مما يُجزى تاركه من تَرْكه فِديةٌ، ولا يلزمه العَوْد لقضَائه بعينه.

ورأى آخرون أنّ الطواف بهما تطوع, إن فعله صاحبه كان مُحسنًا, وإن تَرَكه تاركٌ لم يلزمه بترْكه شيء.

ذكر من قال: إن السعي بين الصفا والمروة واجبٌ ولا يجزي منه فدية، ومن تركه فعليه العَوْد.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: لَعمري ما حَجّ من لم يَسع بين الصفا والمروة, لأن الله قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .

2353م- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك بن أنس: مَنْ نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة، فليرجع فَليسْع, وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرَة والهدي.

وكان الشافعي يقول: عَلى مَنْ تَرَك السعي بين الصفا والمروةَ حتى رجع إلى بلده، العود إلى مكة حتى يَطوف بينهما، لا يجزيه غير ذلك.

حدثنا بذلك عنه الربيع.

ذكر من قال: يجزي منه دم، وليس عليه عودٌ لقضائه.

قال الثوري بما:-

حدثني به علي بن سهل, عن زيد بن أبي الزرقاء، عنه, وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن عَاد تاركُ الطوافَ بينهما لقضائه فحسن, وإن لم يعُدْ فعليه دمٌ.

ذكر من قال: الطوافُ بينهما تطوّعٌ، ولا شيء على من تركه, ومنْ كان يقرأ: ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما )

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: لو أن حاجًّا أفاضَ بعدما رمى جمرة العقبة، فطاف بالبيت ولم يَسع, فأصابها - يعني: امرأته- لم يكن عليه شيء, لا حجٌّ ولا عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: « فمنْ حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما » . فعاودته بعد ذلك فقلت: إنه قد ترك سُنة النبي صلى الله عليه وسلم, قال: ألا تسمعه يقول: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ، فأبى أن يجعل عليه شيئًا؟

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الآية « فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما » .

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن عاصم قال: سمعت أنسًا يقول: الطواف بينهما تطوع.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا عاصم الأحول قال، قال أنس بن مالك: هما تطُّوع.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « إن الصفا والمروة من شعائر الله فمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جناح عليه أن يَطَّوفَ بهما » قال، فلم يُحرِّج من لم يَطُفْ بهما.

حدثنا المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا أحمد, عن عيسى بن قيس, عن عطاء, عن عبد الله بن الزبير قال: هما تطوع.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: السعي بين الصفا والمروة تطوُّع؟ قال: تطوعٌ.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الطواف بهما فرض واجب, وأن على من تركه العوْد لقضائه، ناسيًا كان، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك, لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما.

ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثني يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جابر قال: لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرَقِيَ عليه. .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمود بن ميمون أبو الحسن, عن أبي بكر بن عياش, عن ابن عطاء، عن أبيه, عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ , فأتى الصفا فبدأ بها, فقام عليها، ثم أتى المروة فقام عليها، وطاف وسَعى.

فإذ كان صحيحًا بإجماع الجميع من الأمة - أنّ الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته في مناسكهم، وعمله في حَجَّه وعُمرته وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمَّته جُمَلَ ما نَصّ الله في كتابه، وفَرَضه في تنـزيله, وأمرَ به مما لم يُدْرَك علمه إلا ببيانه، لازمًا العمل به أمته، كما قد بينا في كتابنا « كتاب البيان عن أصول الأحكام » - إذا اختلفت الأمة في وُجُوبه، ثم كان مُختلفًا في الطواف بينهما: هل هو واحبٌ أو غير واجب كان بينًا وجُوب فرضه على مَنْ حجَّ أو اعتمر، لما وصفنا.

وكذلك وُجوب العوْد لقضاء الطواف بين الصفا والمروة - لما كان مختلَفًا فيما عَلى مَنْ تركه، مع إجماع جَميعهم على أنّ ذلك مما فَعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علَّمهم مناسك حجهم - كما طاف بالبيت وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم, إذ علَّمهم مناسك حجهم وعُمْرتهم - وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تُجْزي منه فديةٌ ولا بَدلٌ, ولا يجزي تاركه إلا العودُ لقضائه كان نظيرًا له الطوافُ بالصفا والمروة, ولا تجزي منه فدية وَلا جزاءٌ, ولا يجزي تاركَه إلا العودُ لقضائه, إذ كانا كلاهما طَوافين: أحدهما بالبيت، والآخرُ بالصفا والمروة.

ومن فَرَّق بين حكمهما عُكس عليه القولُ فيه, ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما.

فإن اعتل بقراءة من قرأ: « فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوف بهما » .

قيل: ذلك خلافُ ما في مصاحف المسلمين، غيرُ جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها. وسواء قَرَأ ذلك كذلك قارئ, أو قرأ قارئ: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ سورة الحج: 29 ] ، « فَلا جناح عليهم أنْ لا يَطَّوَّفوا به » . فإن جازت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف، كانت الأخرى نظيرَتها، وإلا كان مُجيزُ إحداهما - إذا منع الأخرى - مُتحكمًا, والتحكم لا يعجِزُ عنه أحدٌ.

وقد رُوي إنكار هذه القراءة، وأن يكون التنـزيل بها، عن عائشة.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذ حديث السِّن: أرأيت قول الله عز وجل: « إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله فَمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما » ، فما نرَى على أحد شَيئًا أنْ لا يَطَّوَّف بهما! فقالت عائشة: كلا! لو كانت كما تقول، كانت: « فلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّف بهما » , إنما أنـزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلّون لمناة - وكانت مَناة حَذوَ قَديد- , وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فأنـزل الله: « إنّ الصفا والمرْوةَ من شَعائر الله فمن حَجّ البيت أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوف بهما » .

قال أبو جعفر: وقد يحتمل قراءة من قرأ: « فلا جُناحَ عَليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما » ، أن تكون « لا » التي مع « أن » ، صلةً في الكلام، إذْ كان قد تقدَّمها جَحْدٌ في الكلام قبلها, وهو قوله: ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ ) ، فيكون نظير قول الله تعالى ذكره: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ سورة الأعراف: 12 ] ، بمعنى ما منعك أن تسجدَ, وكما قال الشاعر:

مَـا كَـانَ يَـرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا والطَّيِّبَـــانِ أبُـــو بَكْـــرٍ وَلا عُمَــرُ

ولو كان رسمُ المُصحف كذلك، لم يكن فيه لمحتجّ حجة، مع احتمال الكلام ما وصفنا. لما بيَّنا أن ذلك مما عَلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته في مناسكهم، على ما ذكرنا, ولدلالة القياس على صحته, فكيف وهو خلافُ رُسوم مصاحف المسلمين, ومما لو قَرَأه اليوم قارئ كان مستحقًّا العقوبةَ لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه؟

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )

قال أبو جعفر: اختلف القرَأء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قُراء أهل المدينة والبصرة: « ومن تَطوَّع خَيرًا » على لفظ المضيّ ب « التاء » وفتح « العين » . وقرأته عامة قراء الكوفيين: « وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيرًا » ب « الياء » وجَزم « العين » وتشديد « الطاء » , بمعنى: ومن يَتطوع. وذُكر أنها في قراءة عبد الله: « ومَنْ يَتطوَّعْ » ، فقرأ ذلك قُرّاء أهل الكوفة، على ما وصفنا، اعتبارًا بالذي ذكرنا من قراءَة عبد الله - سوى عَاصم، فإنه وافق المدنيين- فشددوا « الطاءَ » طلبًا لإدغام « التاء » في « الطاء » . وكلتا القراءتين معروفة صحيحة، متفقٌ معنياهما غيرُ مختلفين - لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل. فبأيّ القراءتين قرأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.

[ والصواب عندنا في ذلك، أن ] معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قَضَاء حجته الواجبة عليه, فإن الله شاكرٌ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاءَ وجهه، فمجازيه به, عليمٌ بما قصد وأراد بتطُّوعه بما تطوع به.

وَإنما قُلنا إنّ الصوابَ في معنى قوله: « فمن تطوَّع خيرًا » هو ما وصفنا، دون قول من زَعم أنه معنيٌّ به: فمن تَطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة، لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعًا بالسعي بينهما، إلا في حَج تطوع أو عُمرة تطوع، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنى بالتطوع بذلك، التطُّوعَ بما يعملُ ذلك فيه من حَجّ أو عمرة.

وأما الذين زعموا أنّ الطواف بهما تطوُّع لا واجب, فإنّ الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوَّع بالطواف بهما، فإنّ الله شاكر لأن للحاج والمعتمِر على قولهم الطوافَ بهما إن شاء، وتركَ الطواف. فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة, فإنّ اللهَ شَاكرٌ تطوُّعَه ذلك عليمٌ بما أراد ونَوَى الطائف بهما كذلك، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكرٌ عَليمٌ » قال، من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له, تطوَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن تطوع خَيرًا فاعتمر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكر عليم » ، من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليمٌ. قال: فالحج فريضةٌ, والعمرةُ تطوع, ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا منَ البينات » , علماءَ اليهود وأحبارَها، وعلماءَ النصارى, لكتمانهم الناسَ أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم, وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

و « البينات » التي أنـزلها الله: ما بيّن من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته، في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أنّ أهلهما يجدون صفته فيهما.

ويعني تعالى ذكره ب « الهدى » ما أوضح لَهم من أمره في الكتب التي أنـزلها على أنبيائهم, فقال تعالى ذكره: إنّ الذين يكتمون الناسَ الذي أنـزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وصحة الملة التي أرسلته بها وحقِّيَّتها، فلا يخبرونهم به، ولا يعلنون من تبييني ذلك للناس وإيضاحِيه لهم، في الكتاب الذي أنـزلته إلى أنبيائهم أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا الآية. كما:-

حدثنا أبو كريب قال، وحدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير, أو عكرمة, عن ابن عباس قال: سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج, نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة, وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه, وأبوْا أن يُخبروهم عنه, فأنـزل الله تعالى ذكره فيهم: « إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى » قال، هم أهل الكتاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع في قوله: « إنّ الذين يكتمون ما أنـزلنا من البينات والهدى » قال، كتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم, فكتموه حسدًا وبغيًا.

حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب » ، أولئكَ أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله, وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم, وهم يَجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

2374م- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنّ الذين يَكتمونَ ما أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب » ، زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديقٌ من الأنصار يُقال له ثَعلبة بن غَنَمة، قال له: هل تجدون محمدًا عندكم؟ قال: لا! قال: مُحمد: « البينات » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ

[ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « من بعد ما بيناه للناس » ] ، بعضَ الناس، لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومَبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم, وإياهم عَنى تعالى ذكره بقوله: « للناس في الكتاب » ، ويعني بذلك: التوراة والإنجيل.

وهذه الآية وإن كانت نـزلت في خاصٍّ من الناس, فإنها معنيٌّ بها كل كاتمٍ علمًا فرضَ الله تعالى بيانه للناس.

وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

من سُئل عَن علم يَعلمهُ فكتمه, ألجِمَ يوم القيامة بلجام من نار. « »

وكان أبو هريرة يقول ما:-

حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حاتم بن وردان قال، حدثنا أيوب السختياني, عن أبي هريرة قال، لولا آيةٌ من كتاب الله ما حدَّثتكم! وتلا « إنّ الذين يكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون » ،

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وَهْب الله بن راشد، عن يونس قال، قال ابن شهاب, قال ابن المسيب: قال أبو هريرة: لولا آيتان أنـزلهما الله في كتابه ما حدَّثت شيئًا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ إلى آخر الآية، والآية الأخرى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى آخر الآية [ سورة آل عمران: 187 ] .

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ( 159 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك يَلعنهم الله » ، هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزلهُ الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفَته وأمر دينه، أنه الحق - من بعد ما بيَّنه الله لهم في كتبهم- يلعنهم بكتمانهم ذلك، وتركهم تَبيينه للناس.

و « اللعنة » « الفَعْلة » , من « لعنه الله » بمعنى أقصاه وأبعده وأسْحَقه. وأصل « اللعن » : الطرْد، كما قال الشماخ بن ضرار, وذكر ماءً ورَد عليه:

ذَعَــرْتُ بِـهِ القَطَـا وَنَفَيْـتُ عَنْـهُ مَقَــامَ الـذِّئْبِ كَـــالرَّجُلِ الَّلعِيـــنِ

يعني: مقامَ الذئب الطريد. و « اللعين » من نعت « الذئب » , وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل.

فمعنى الآية إذًا: أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته, ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم، لأن لعنةَ بني آدم وسائر خَلق الله مَا لَعنوا أن يقولوا: « اللهم العنه » إذْ كان معنى « اللعن » هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد.

وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا: من مسألتهم رَبَّهم أن يَلعَنهم, وقولهم: « لعنه الله » أو « عليه لعنة الله » ، لأن:-

محمد بن خالد بن خِداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون » ، البهائم, قال: إذا أسنَتَتِ السَّنة، قالت البهائم: هذا من أجل عُصَاة بني آدم, لعنَ الله عُصَاة بني آدم!

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب « اللاعنين » . فقال بعضهم: عنى بذلك دوابَّ الأرض وهَوامَّها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاءَ الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعَ القطرَ بذنوبهم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: « أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون » قال، دواب الأرض، العقاربُ والخنافس، يقولون: مُنِعنا القطرَ بخطايا بني آدم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو، عن منصور, عن مجاهد: « ويلعنهم اللاعنون » قال، تلعنهم الهوامّ ودواب الأرض، تقول: أمسك القطرُ عنا بخطايا بني آدم.

حدثنا مُشرف بن أبان الحطاب البغدادي قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن خصيف, عن عكرمة في قوله: « أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون » قال، يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ، يقولون: مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ويلعنهم اللاعنون » قال، اللاعنون: البهائم.

2383م- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ويلعنهم اللاعنون » ، البهائمُ، تلعن عُصاةَ بَني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر، فتخرج البهائم فتلعنهم.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون » ، البهائم: الإبل والبقرُ والغنم, فتلعن عُصاةَ بني آدم إذا أجدبت الأرض.

فإن قال لنا قائل: ومَا وَجْهُ الذين وجَّهوا تأويلَ قوله: « ويلعنهم اللاعنون » ، إلى أن اللاعنين هم الخنافسُ والعقارب ونحو ذلك من هَوامِّ الأرض, وقد علمتَ أنّها إذا جَمعتْ مَا كان من نَوع البهائم وغير بني آدم، فإنما تجمعه بغير « الياء والنون » وغير « الواو والنون » , وإنما تجمعه ب « التاء » , وما خالفَ ما ذكرنا, فتقول: « اللاعنات » ونحو ذلك؟

قيل: الأمر وإن كان كذلك, فإنّ من شأن العرَب إذا وصفت شيئًا من البهائم أو غيرها - مما حُكم جَمعه أن يكون ب « التاء » وبغير صورة جمع ذُكْرَانِ بني آدم - بما هُو منْ صفة الآدميين، أن يجمعوه جمع ذكورهم, كما قال تعالى ذكره: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [ سورة فصلت: 21 ] ، فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم، إذ كلَّمتهم وكلَّموها, وكما قال: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [ سورة النمل: 18 ] ، وكما قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [ سورة يوسف: 4 ] .

وقال آخرون: عنى الله تعالى ذكره بقوله: « ويَلعنهم اللاعنون » ، الملائكة والمؤمنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ويَلعنهم اللاعنون » ، قال، يَقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ويلعنهم اللاعنون » ، الملائكة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: « اللاعنون » ، من ملائكة الله والمؤمنين.

وقال آخرون: يعني ب « اللاعنين » ، كل ما عدا بني آدم والجنّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ويلعنهم اللاعنون » قال، قال البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وُضع في قبره أتته دَابة كأن عينيها قِدْران من نُحاس، معها عمود من حديد, فتضربه ضربة بين كتفيه، فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه, ولا يبقى شَيء إلا سمع صوته, إلا الثقلين الجن والإنس.

حدثنا المثنى قال, حدثنا إسحاق قال, حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون » قال، الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق فيصيح صيحةً، يسمع صَوْته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شَيء إلا لعنه.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: « اللاعنون » ، الملائكةُ والمؤمنون. لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين, فقال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر: الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم « اللاعنون » , لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر.

وأما قول من قال إن « اللاعنين » هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهَوامِّها، فإنه قول لا تدرك حَقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تَقوم به الحجة, ولا خبرَ بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم, فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك.

وإذْ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال: إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجودٌ بخلاف [ قول ] أهل التأويل، وهو ما وصفنا. فإنْ كان جائزًا أن تكون البهائم وسائرُ خلق الله، تَلعن الذين يَكتمون ما أنـزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته, بعد علمهم به, وتلعن معهم جميع الظَّلمة - فغير جائز قطعُ الشهادة في أن الله عنى ب « اللاعنين » البهائمَ والهوامَّ ودَبيب الأرض, إلا بخبر للعذر قاطع. ولا خبرَ بذلك، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دالٌّ على خلافه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله واللاعنين يَلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنـزله الله وبَيَّنه للناس, إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم؛ ورَاجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, والإقرار به وبنبوّته, وتصديقه فيما جاء به من عند الله، وبيان ما أنـزل الله في كتبه التي أنـزل إلى أنبيائه، من الأمر باتباعه؛ وأصلح حالَ نفسه بالتقرب إلى الله من صَالح الأعمال بما يُرضيه عنه؛ وبيَّن الذي عَلم من وَحي الله الذي أنـزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه، وأظهرَه فلم يُخفِه « فأولئك » , يعني: هؤلاء الذين فَعلوا هذا الذي وصفت منهم, هم الذين أتوب عليهم, فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي، والإنابة إلى مَرضَاتي.

ثم قال تعالى ذكره: « وَأنا التواب الرحيم » ، يقول: وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنّى إليَّ, والرادُّها بعد إدبارها عَن طاعتي إلى طلب محبتي, والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إليَّ، أتغمدهم مني بعفو، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم، بفضل رحمتي لهم.

فإن قال قائل: وكيف يُتاب على من تاب؟ وما وَجه قوله: « إلا الذينَ تابوا فأولئك أتوب عليهم » ؟ وهل يكون تائبٌ إلا وهو مَتُوب عليه، أو متوب عليه إلا وهو تائب؟

قيل: ذلك مما لا يكون أحدُهما إلا والآخر معه, فسواء قيل: إلا الذين تِيبَ عليهم فتابوا - أو قيل: إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم. وقد بيَّنا وَجه ذلك فيما جاء من الكلام هذا المجيء، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا, فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « إلا الذين تابوا وأصلحوا وبَيَّنوا » ، يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله, وبيَّنوا الذي جاءهم من الله, فلم يكتموه ولم يجحدوا به: أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « إلا الذين تَابوا وأصلحوا وبَينوا » قال، بيّنوا ما في كتاب الله للمؤمنين, وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كله في يهود.

قال أبو جعفر: وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: « وبيَّنوا » ، إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنـزيل بخلافه. لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية، على كتمانهم ما أنـزلَ الله تعالى ذكره وبينه في كتابه، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان, فأخرجهم من عِداد مَنْ يَلعنه الله ويَلعنه اللاعنون ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل.

والذين استثنى اللهُ من الذين يكتمون ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيَّنه للناس في الكتاب، عبدُ الله بن سلام وذَووه من أهل الكتاب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنّ الذين كفروا » ، إن الذين جَحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل، والمشركين من عَبدة الأوثان « وماتوا وهم كفار » ، يعني: وماتوا وهم على جُحودهم ذلك وتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، « أولئك عَليهم لَعنةُ الله والملائكة » , يعني: فأولئك الذين كفروا وماتوا وهم كفار عليهم لعنة الله، يقول: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته, « والملائكة » ، يعني ولَعنهم الملائكةُ والناس أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: « عليهم لعنة الله » .

وقد بينا معنى « اللعنة » فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

فإن قال قائل: وكيف تَكونُ على الذي يموت كافرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم [ لعنةُ الناس أجمعين ] من أصناف الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن به ويصدقه؟

قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: عنى الله بقوله: « والناس أجمعين » ، أهلَ الإيمان به وبرسوله خاصة، دون سائر البشر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « والناس أجمعين » ، يعني: ب « الناس أجمعين » ، المؤمنين.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع: « والناس أجمعين » ، يعني بـ « الناس أجمعين » ، المؤمنين.

وقال آخرون: بل ذلك يومَ القيامة، يُوقَفُ على رءوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: أن الكافر يُوقَف يوم القيامة فيلعنه الله, ثم تلعنه الملائكة, ثم يلعنه الناس أجمعون.

وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنًا من كان: « لَعنَ الله الظالم » , فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظَّلمة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « أولئك عليهم لَعنة الله والملائكة والناس أجمعين » ، فإنه لا يتلاعن اثنان مُؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: « لعن الله الظالم » ، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر، لأنه ظالم, فكل أحد من الخلق يلعنه.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قولُ من قال: عنى الله بذلك جَميعَ الناس، بمعنى لعنهم إياهم بقولهم: « لعن الله الظالم - أو الظالمين » .

فإن كلّ أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنًا من كان، ومن أي أهل ملة كان, فيدخل بذلك في لعنته كلّ كافرٍ كائنًا من كان. وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية. لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شَهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود: 18 ]

وأما ما قاله قتادة، من أنه عنى به بعضَ الناس, فقولٌ ظاهرُ التنـزيل بخلافه, ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعنيَّ به المؤمنون، من أجل أن الكفار لا يَلعنون أنفسهم ولا أولياءهم, فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يَلعنونهم في الآخرة. ومعلومٌ منهم أنّهم يَلعنون الظَّلمة, وداخلٌ في الظَّلمة كل كافر، بظلمه نفسه, وجحوده نعمةَ ربه, ومخالفته أمرَه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 )

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما الذي نصب « خالدين فيها » ؟

قيل: نُصب على الحال من « الهاء والميم » اللتين في « عليهم » . وذلك أنّ معنى قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ، أولئك يلعنهم الله والملائكةُ والناس أجمعون خالدين فيها. ولذلك قرأ ذلك: « أولئك عَليهم لعنة الله والملائكةُ والناس أجمعون » مَنْ قرأَهُ كذلك، توجيهًا منه إلى المعنى الذي وصفتُ. وذلك وإن كان جائزًا في العربية, فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به، لأنه خلافٌ لمصاحف المسلمين، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضًا فيهم. فغير جائز الاعتراضُ بالشاذّ من القول، على ما قد ثبتت حُجته بالنقل المستفيض.

وأما « الهاء والألف » اللتان في قوله: « فيها » ، فإنهما عائدتان على « اللعنة » , والمرادُ بالكلام: ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس. والذي صار إليه بها، نارُ جهنم. وأجرى الكلام على « اللعنة » ، والمراد بها ما صار إليه الكافر، كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل، كما:-

حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: « خالدين فيها » ، يقول: خالدين في جهنم، في اللعنة.

وأما قوله: « لا يخفّف عنهم العذاب » ، فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن دَوَام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف, كما قال تعالى ذكره: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [ سورة فاطر: 36 ] ، وكما قال: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [ سورة النساء: 56 ]

وأما قوله: « ولا هم يُنظرون » ، فإنه يعني: ولا هُم يُنظرون بمعذرة يَعتذرون، كما:-

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: « ولا هم ينظرون » ، يقول: لا يُنظرون فيعتذرون, كقوله: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ . [ سورة المرسلات: 35- 36 ]

 

القول في تأويل قوله عز وجل : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( 163 )

قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى « الألوهية » ، وأنها اعتباد الخلق.

فمعنى قوله: « وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم » : والذي يستحق عَليكم أيها الناس الطاعةَ له, ويستوجب منكم العبادة، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد, فلا تعبدوا غيرَه، ولا تشركوا معه سواه، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم, وإلهكم إله واحد، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير.

واختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره,

فقال بعضهم: معنى وحدانية الله، معنى نَفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال: « فلان واحدُ الناس - وهو وَاحد قومه » , يعني بذلك أنه ليسَ له في الناس مثل, ولا له في قومه شبيه ولا نظيرٌ. فكذلك معنى قول: « اللهُ واحد » , يعني به: الله لا مثل له ولا نظير.

فزعموا أن الذي دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك، أنّ قول القائل: « واحد » يفهم لمعان أربعة. أحدها: أن يكون « واحدًا » من جنس، كالإنسان « الواحد » من الإنس. والآخر: أن يكون غير متفرِّق، كالجزء الذي لا ينقسم. والثالث: أن يكون معنيًّا به: المِثلُ والاتفاق، كقول القائل: « هذان الشيئان واحد » , يراد بذلك: أنهما متشابهان، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.

والرابع: أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه.

قالوا: فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني « الواحد » منتفيةً عنه، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه.

وقال آخرون: معنى « وحدانيته » تعالى ذكره، معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه. قالوا: وإنما كان منفردًا وحده, لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء. قالوا: ولا صحة لقول القائل: « واحد » ، من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون.

وأما قوله: « لا إله إلا هو » ، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه, ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه, وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه, والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام. لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة, ولا تَنبغي الألوهة إلا له, إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك؛ وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه, وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل, ولا في دنيا ولا في آخرة.

وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم, ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم, والإنابة من شركهم.

ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها، موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم, فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر: من أنّ إلهكم إله واحد، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان, فتدبروا حُججي وفكروا فيها, فإن من حُججي خَلق السموات والأرض, واختلاف الليل والنهار, والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس, وما أنـزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها, وما بثثتُ فيها من كل دابة, والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم, فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ, وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي, ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري. فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده، في هذه الآية وفي التي بعدها، بأوْجز كلام، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه.

 

القول في المعنى الذي من أجله أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال بعضهم: أنـزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنـزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فتلا ذلك عَلى أصحابه, وسمع به المشركون مِنْ عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك؟ ونحن نُنكر ذلك, ونحن نـزعم أنّ لنا آلهة كثيرة؟ فأنـزل الله عند ذلك: « إن في خَلق السموات والأرض » ، احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا مَا ذَكرنَا عَنهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, قال: نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنـزل الله تعالى ذكره: « إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، إلى قوله: لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ, وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ آية ] ، فأنـزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله, وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبيه, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنـزل الله تعالى ذكره: « إن في خلق السموات والأرض وَاختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنـزل الله تعالى ذكره: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال، حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحدٌ‍, فلتأتنا بآية إن كنتَ من الصادقين! فأنـزل الله: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرِنا آية! فنـزلت هذه الآية: « إنّ في خلق السموات والأرض » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر, عن سعيد قال: سألت قريش اليهودَ فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم بالعصَا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات, فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يجعل لَنا الصفا ذَهبًا، فنـزداد يقينًا, ونتقوَّى به على عدوّنا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه, فأوحى إليه: إنّي مُعطيهم, فأجعلُ لهم الصفا ذهبًا, ولكن إن كذَّبوا عذّبتهم عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذَرني وقَومي فأدعوهم يومًا بيوم. فأنـزل الله عليه: « إنّ في خَلق السموات والأرض » ، الآية: إن في ذَلك لآية لهم, إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا, فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: غيِّر لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا أنه منه! فقال الله: إنّ في هذه الآيات لآياتٍ لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نـزلت فيما قاله عطاء, وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى, ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنّ في خَلق السموات والأرض » ، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.

ومعنى « خلق » الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.

وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل: « الأرض » ، ولم تجمع كما جُمعت السموات, فأغنى ذلك عن إعادته

فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال: « إنّ في خلق السموات والأرض » ؟

قيل: قد اختلف في ذلك. فقال بعض الناس: لها خَلقٌ هو غيرها. واعتلُّوا في ذلك بهذه الآية, وبالتي في سورة: الكهف: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ سورة الكهف: 51 ] وقالوا: لم يخلق الله شيئًا إلا والله له مريدٌ. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله, والإرادة خلق لها.

وقال آخرون: خلق الشيء صفة له, لا هي هو، ولا غيرُه. قالوا: لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا. قالوا: ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه، وأن يكون موصوفًا، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق. ولو وجب ذلك كذلك، لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السموات والأرض صفة لهما، على ما وصفنا. واعتلُّوا أيضًا - بأن للشيء خلقًا ليس هو به- من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون.

وقال آخرون: خَلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق, هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.

فمعنى قوله: « إن في خلق السموات والأرض » : إنّ في السموات والأرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « واختلاف الليل والنهار » ، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.

وإنما « الاختلاف » في هذا الموضع « الافتعال » من « خُلوف » كل واحد منهما الآخر، كما قال تعالى ذكره: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ سورة الفرقان: 62 ] .

بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده, وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل: « خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء » , ومنه قول زهير:

بِهَــا العِيـنُ وَالآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وَأَطْلاؤُهَــا يَنْهَضْــنَ مِــنْ كُــلِّ مَجْـثَم

وأما « الليل » . فإنه جَمْع « ليلة » , نظيرُ « التمر » الذي هو جمع « تمرة » . وقد يجمع « ليالٍ » ، فيزيدون في جَمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم « الياء » في ذلك نظير زيادتهم إياها في « ربَاعية وثَمانية وكرَاهية » .

وأما « النهار » ، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنـزلة الضوء. وقد سمع في جَمعه « النُّهُر » ، قال الشاعر:

لَــوْلا الــثّرِيدانِ هَلَكْنَـا بِـالضُّمُرْ ثَرِيــدُ لَيْـــلٍ وثَرِيــدٌ بِـــالنُّهُرْ

ولو قيل في جمع قليله « أنهِرَة » كان قياسًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: إنّ في الفلك التي تجري في البحر.

و « الفلك » هو السُّفن, واحدُه وجمعه بلفظ واحد, ويذكَّر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [ سورة يس: 41 ] ، فذكَّره.

وقد قال في هذه الآية: « والفلك التي تجري في البحر » ، وهي مُجْراة، لأنها إذا أجريت فهي « الجارية » , فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.

وأما قوله: « بما ينفع الناس » ، فإن معناه: ينفعُ الناسَ في البحر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وما أنـزل اللهُ من السماء من مَاء » ، وفيما أنـزلهُ الله من السماء من ماء, وهو المطر الذي يُنـزله الله من السماء.

وقوله: « فأحيا به الأرضَ بَعدَ موتها » ، وإحياؤها: عمارَتُها، وإخراج نباتها. و « الهاء » التي في « به » عائدة على « الماء » و « الهاء والألف » في قوله: « بعد موتها » على الأرض.

و « موت الأرض » ، خرابها، ودُثور عمارتها, وانقطاعُ نباتها، الذي هو للعباد أقواتٌ، وللأنام أرزاقٌ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ

قال أبو جعفر: بعني تعالى ذكره بقوله: « وبث فيها منْ كلّ دَابة » ، وإن فيما بثّ في الأرض من دابة.

ومعنى قوله: « وبَث فيها » ، وفرَّقَ فيها, من قول القائل: « بث الأميرُ سراياه » ، يعنى: فرَّق.

و « الهاء والألف » في قوله: « فيها » ، عائدتان على الأَرْضَ .

« والدابة » « الفاعلة » ، من قول القائل: « دبَّت الدابة تدبُّ دبيبًا فهي دابة » . « والدابة » ، اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وتصريف الرياح » ، وفي تصريفه الرياح, فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول, كما تقول: « يعجبني إكرام أخيك » , تريد: إكرامُك أخَاك.

« وتصريف » الله إياها، أنْ يُرسلها مَرَّة لَواقحَ, ومرة يجعلها عَقيما, ويبعثها عذابًا تُدمِّر كل شيء بأمر ربها، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وتصريف الرياح والسحاب المسخر » قال، قادرٌ والله ربُّنا على ذلك, إذا شَاء [ جعلها رَحمةً لواقح للسحاب ونشرًا بين يدي رحمته، وإذا شاء ] جَعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح, إنما هي عَذابٌ على من أرسِلتْ عليه.

وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: « وتصريف الرياح » ، أنها تأتي مَرّة جنوبًا وشمالا وقبولا ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وَصَفَ الرياح بها، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها, لأن « تصريفها » تصريفُ الله لها, « وتصرفها » اختلافُ هُبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: « وتصريف الرياح » ، تصريفُ الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مَهابِّها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « والسحاب المسخر » ، وفي السحاب، جمع « سحابة » . يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [ سورة الرعد: 12 ] فوحّد المسخر وذكره, كما قالوا: « هذه تَمرة وهذا تمر كثير » . في جمعه, « وهذه نخلة وهذا نخل » .

وإنما قيل للسحاب « سحاب » إن شاء الله، لجر بعضه بعضًا وسَحبه إياه, من قول القائل: « مرّ فلان يَجر ذَيله » ، يعني: « يسحبه » .

فأما معنى قوله: « لآيات » ، فإنه عَلامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلِّه ومنشئه، إله واحدٌ.

« لقوم يعقلون » ، لمن عَقل مَوَاضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عبادَه، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق, إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي, والمكلفين بالطاعة والعبادة, ولهم الثواب، وعليهم العقاب.

فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الآية، في توحيد الله؟ وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً؟

قيل: إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية، دليلا على خالقه وصانعه, وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [ شيء ] , وبارئًا لا مِثْل له. وذلك وإن كان كذلك, فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم, غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان. فحاجَّهم تعالى ذكره فقال - إذ أنكروا قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة- : [ إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر ] وذلك هو معنى قوله: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ - وأنـزل إليكم الغيثَ من السماء, فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه, وأمرعه بعد دُثوره, فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم - ، وذلك هو معنى قوله: وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل, ومنها جمالٌ ومراكبُ, ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودْقِه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله: « وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض » .

فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم, وتفرَّد لهم بها. ثم قال: هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء، فتشركوه في عبادتكم إياي, وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا؟ فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء, ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي، وتفردت لكم بأياديّ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل، والجور والإنصاف. وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري, وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا. فهذا هو معنى الآية.

والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم، دون المعطِّلة والدُّهْرية، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية، من الحجج البالغة, المَقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له

وقد بينا فيما مضى أن « الندّ » ، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته.

وأن الذين اتخذوا هذه « الأنداد » من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.

واختلف أهل التأويل في « الأنداد » التي كان القوم اتخذوها. وما هي؟

فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: « ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله » ، من الكفار لأوثانهم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله تعالى ذكره: « يحبونهم كحب الله » ، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد، « والذين آمنوا أشد حبًا لله » ، من الكفار لأوثانهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « ومن الناس من يتخذُ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله، « والذين آمنوا أشد حبًا لله » , أي من الكفار لأوثانهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عَبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتَهم.

وقال آخرون: بل « الأنداد » في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله.

فإن قال قائل: وكيف قيل: « كحب الله » ؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله، فيقال: « يُحبونهم كحب الله » ؟

قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه, وإنما ذلك نظير قول القائل: « بعت غُلامي كبيع غلامِك » , بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيْعك غُلامَك, « واستوفيتُ حَقي منه استيفاء حَقك » , بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطَب، اكتفاء بكنايته في « الغلام » و « الحق » , كما قال الشاعر:

فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيَّـا عَـــلَى زَيْــدٍ بِتَسْــلِيم الأمِــيرِ

يعنى بذلك: كما يُسلَّم على الأمير.

فمعنى الكلام إذًا: ومنَ الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( 165 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم: « ولوْ ترى الذين ظَلموا » بالتاء « إذ يَرون العذابَ » بالياء « أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب » بفتح « أنّ » و « أنّ » كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وَظَلموا أنفسهم، حينَ يَرون عذابَ الله ويعاينونه « أنّ القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب » .

ثم في نصَبْ « أنّ » و « أنّ » في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه, فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا - ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعًا, وأنّ الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ - إذا فتحت « أن » على هذا الوجه- متروكًا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح « أن » ، على قراءة من قرأ: « ولو ترى » ب « التاء » .

والوجهُ الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ يَرى الذين ظلموا عذابَ الله, لأن القوة لله جميعًا, وأن الله شديد العذاب, لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف « اللام » ، فتفتح بذلك المعنى، لدلالة الكلام عليها.

وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء: « ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب » . بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال: « إن القوة لله جميعًا » في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة, « وإن الله شديد العذاب » لمن أشرك به، وادعى معه شُركاء، وجعل له ندًا.

وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر « إن » في « ترى » بالتاء. وهو أن يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون: إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب. ثمّ تحذفُ « القول » وتَكتفي منه بالمقول.

وقرأ ذلك آخرون: « ولو يَرَى الذين ظلموا » بالياء « إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب » بفتح « الألف » من « أنّ » « وأنّ » , بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, إذ يرون العذاب. فتكون « أن » الأولى منصوبة لتعلقها بجواب « لو » المحذوف، ويكون الجواب متروكًا, وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.

وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ: « ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب » بالياء في « يرى » وفتح « الألفين » في « أن » « وأن » - : ولو يعلمون، لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عَلم, فإذا قال: « ولو ترى » , فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو كسر « إنّ » على الابتداء، إذا قال: « ولو يرى » جاز, لأن « لو يرى » ، لو يعلم.

وقد تكون « لو » في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء. تقول للرجل: « أمَا وَالله لو يعلم، ولو تعلم » كما قال الشاعر:

إنْ يكُــنْ طِبَّـكِ الـدّلالُ, فلَـوْ فِـي سَـالِفِ الدَّهْــرِ والسِّـنِينَ الخَــوَالِي!

هذا ليس له جواب إلا في المعنى, وقال الشاعر

وَبِحَـــــظٍّ مِمَّــــا نَعِيشُ, وَلا تَــذْهَبْ بِـكَ التُّرَّهَـاتُ فِــي الأهْـوَالِ

فأضمر: فعيشي.

قال: وقرأ بعضهم: « ولو تَرى » ، وفتح « أن » على « ترى » . وليس بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم, ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ، كما قال تعالى ذكره: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ سورة السجدة: 3 ] ، ليخبر الناس عن جهلهم, وكما قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ سورة البقرة: 107 ] .

قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون « أنّ » عاملا فيها قوله: « ولو يرى » . وقالوا: إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا, فلا وجه لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا: إنما عمل في « أن » جواب « لو » الذي هو بمعنى « العلم » , لتقدم « العلم » الأول.

وقال بعض نحويي الكوفة: مَنْ نصب: « أن القوة لله وأن الله شديد العذاب » ممن قرأ: « ولو يَرَى » بالياء، فإنما نصبها بإعمال « الرؤية » فيها, وجعل « الرؤية » واقعةً عليها. وأما مَنْ نصبها ممن قرأ: « ولو ترى » بالتاء, فإنه نَصبَها على تأويل: لأنّ القوة لله جميعًا, ولأن الله شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء، فإنه يكسرهما على الخبر.

وقال آخرون منهم: فتح « أنّ » في قراءة من قرأ: « ولو يَرَى الذين ظلموا » بالياء، بإعمال « يرى » , وجوابُ الكلام حينئذ متروك, كما ترك جواب: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [ سورة الرعد: 31 ] ، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. وقالوا: جائز كسر « إن » ، في قراءة من قرأ ب « الياء » , وإيقاع « الرؤية » على « إذ » في المعنى, وأجازوا نصب « أن » على قراءة من قرأ ذلك ب « التاء » ، لمعنى نية فعل آخر, وأن يكون تأويل الكلام: « ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب » ، [ يرَون ] أنّ القوة لله جميعا، وزعموا أن كسر « إنّ » الوجهُ، إذا قرئت: « ولو تَرَى » ب « التاء » على الاستئناف, لأن قوله: « ولو ترى » قد وَقع على « الذين ظلموا » .

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك: « ولو تَرَى الذين ظلموا » - بالتاء من « ترى » - « إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب » بمعنى: لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله: « لرأيت » الثانية، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله: « ولو ترى الذين ظلموا » ، عن ذكره, وإن كان جوابًا ل « لو » .

ويكون الكلام، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - معنيًّا به غيره. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك نظيرَ قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ سورة البقرة: 107 ] وقد بيناه في موضعه.

وإنما اخترنا ذلك على قراءة « الياء » ، لأن القوم إذا رَأوا العذاب، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, فلا وجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ. لأنه إنما يقال: « لو رأيت » ، لمن لم يرَ, فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له: « لو رأيت » .

ومعنى قوله: « إذ يَرون العذاب » ، إذ يُعاينون العذاب، كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب » ، يقول: لو عاينوا العذاب.

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: « ولو تَرَى الذين ظلموا » ، ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي, حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم, لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة, وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا, ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم, وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.

القول في تأويل قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إذْ تبرَأ الذين اتُّبعوا منَ الذين اتبعوا ورَأوا العذاب » ، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعواهم.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله: « إذ تَبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » ، فقال بعضهم بما:-

حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إذ تبرأ الذين اتُّبعوا » ، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس في الشرك, « من الذين اتَّبعوا » ، وهم الأتباع الضعفاء, « ورأوا العذاب » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا » قال، تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، ابن جريج: قلت لعطاء: « إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » قال، تبرأ رؤساؤهم وقادَتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم.

وقال آخرون بما:-

حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إذ تبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتُّبعوا » ، أما « الذين اتُّبعوا » ، فهم الشياطين تبرأوا من الإنس.

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض, بل عَمّ جميعهم. فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتَّبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا عَذابَ الله في الآخرة.

وأما دِلالة الآية فيمن عنى بقوله: « إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا » ، فإنها إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دون الله مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفتَه بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.

وإذ كانت الآيةُ على ذلك دَالّةً، صحّ التأويل الذي تأوله السدي في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، أن « الأنداد » في هذا الموضع، إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر, ويَعصُون الله في طاعتهم إياهم, كما يُطيع اللهَ المؤمنون ويَعصون غيره وفسد تأويل قول من قال: « إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » ، إنهم الشياطين تَبرءوا من أوليائهم من الإنس. لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن مُتخذي الأنداد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين اتبعوا, وإذ تَقطعت بهم الأسباب.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى « الأسباب » . فقال بعضهم بما:-

حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير,- عن عبيد المكتب, عن مجاهد: « وتَقطعت بهمُ الأسباب » قال، الوصال الذي كان بينهم في الدنيا.

حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد: « وتقطَّعت بهم الأسباب » قال، تواصلهم في الدنيا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد - جميعًا قالا حدثنا سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد بمثله.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، المودّة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى قال، أخبرني قيس بن سعد, عن عطاء, عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره: « وتقطّعت بهم الأسباب » قال، المودة.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وتقطعت بهم الأسباب » ، أسبابُ الندامة يوم القيامة, وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابُّون بها, فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ويتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره: الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [ سورة الزخرف: 67 ] ، فصارت كل خُلَّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، هو الوصْل الذي كان بينهم في الدنيا.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وتقطعت بهم الأسباب » ، يقول: الأسبابُ، الندامة.

وقال بعضهم: بل معنى « الأسباب » ، المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « وتقطعت بهم الأسباب » ، يقول: تقطّعت بهم المنازلُ.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، الأسباب المنازل.

وقال آخرون: « الأسباب » ، الأرحام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, وقال ابن عباس: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، الأرحام.

وقال آخرون : « الأسباب » ، الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا « وتقطعت بهم الأسباب » ، فالأعمال.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، أسباب أعمالهم, فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وَثيقةً، فيأخذون بها فينجُون, والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار.

قال أبو جعفر: « والأسباب » ، الشيء يُتعلَّقُ به. قال: و « السبب » الحبل. « والأسباب » جمع « سَبب » , وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته. فيقال للحبل « سبب » ، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به. ويقال للطريق « سبب » ، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه. وللمصاهرة « سبب » ، لأنها سَببٌ للحرمة. وللوسيلة « سَبب » ، للوصول بها إلى الحاجة, وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة، فهو « سبب » لإدراكها.

فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في تأويل قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم - من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار- يتبرأ عند معاينتهم عذابَ الله المتبوعُ من التابع, وتتقطع بهم الأسباب.

وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا, وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ سورة إبراهيم: 22 ] ، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين, وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا, فقال تعالى ذكره: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [ سورة الصافات:24- 25 ] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه, وإن كان نسيبه لله وليًّا, فقال تعالى ذكره في ذلك: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ سورة التوبة: 114 ] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات.

وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب, فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم،

ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم, ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة.

فلا مَعْنِىَّ أبلغُ - في تأويل قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » - من صفة الله [ ذلك ] وذلك ما بيَّنا من [ تقطّع ] جَميع أسبابهم دون بَعضها، على ما قلنا في ذلك. ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه, وعورض بقول مخالفه فيه. فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « وقَال الذين اتَّبعوا » ، وقال أتباع الرجال - الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله, ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم, إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة- : « لو أن لنا كرة » .

يعني « بالكرة » ، الرجعةَ إلى الدنيا, من قول القائل: « كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا » , و « الكرَّة » المرة الواحدة, وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم، كما قال الأخطل:

وَلَقَـدْ عَطَفْـنَ عَـلَى فَـزَارَةَ عَطْفَـةً كَـرَّ الْمَنِيـحِ, وَجُـلْنَ ثَــمَّ مَجَــالا

وكما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: « وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا » ، أي: لنا رجعةً إلى الدنيا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة » قال، قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا.

وقوله: « فنتبرأ منهم » منصوبٌ، لأنه جواب للتمني ب « الفاء » . لأن القوم تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله، فقالوا: يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فنتبرأ منهم, و يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الأنعام: 27 ]

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: « كذلك يُريهمُ الله أعمالهم » ، يقول: كما أراهم العذابَ الذي ذكره في قوله: وَرَأَوُا الْعَذَابَ ، الذي كانوا يكذبون به في الدنيا, فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله « حسرات عليهم » يعني: نَدامات.

« والحسرات » جَمع « حَسْرة » . وكذلك كل اسم كان واحده على « فَعْلة » مفتوح الأول ساكن الثاني, فإن جمعه على « فَعَلات » مثل « شَهوة وتَمرة » تجمع « شَهوات وتَمرات » مثقَّلة الثواني من حروفها. فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل « ضخمة » ، تجمعها « ضخْمات » و « عَبْلة » تجمعها « عَبْلات » , وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر:

عَــلَّ صُـرُوفَ الدَّهْـرِ أوْ دُولاتِهَـا يُدِلْنَنَـــا اللَّمَّــة مِــنْ لَمَّاتِهَــا

فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا

فسكنّ الثاني من « الزفرات » ، وهي اسم. وقيل: إن « الحسرة » أشد الندامة.

فإن قال لنا قائل: فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم, وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه, فيريهم الله قليلَه! بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله, ولا حسرةَ عليهم في ذلك, وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله؟

قيل: إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون, فنذكر في ذلك ما قالوا, ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها، حتى استوجب ما كان الله أعدَّ لهم، لو كانوا عملوا بها في حياتهم، من المساكن والنِّعم غيرُهمْ بطاعته ربَّه. فصار ما فاتهم من الثواب - الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك- أسًى وندامةً وحسرةً عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم » ، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أنهم أطاعوا الله, فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين, فيرثونهم. فذلك حين يندمون.

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال، حدثنا أبو الزعراء, عن عبد الله - في قصة ذكرها- فقال: فليس نَفْسٌ إلا وهي تنظر إلى بَيتٍ في الجنة وبَيتٍ في النار, وهو يومُ الحسرة. قال: فيرى أهلُ النار الذين في الجنة, فيقال لهم: لو عَملتم! فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في النار, فيقال: لولا أن منَّ الله عليكم!

فإن قال قائل: وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا التأويل؟

قيل: كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [ له ] قبل أن يعمله: هذا عملك. يعني: هذا الذي يجب عليك أن تَعمله, كما يقال للرجل يَحضُر غَداؤه قبل أن يَتغدى به: هذا غَداؤك اليوم. يعني به: هذا ما تَتغدى به اليوم. فكذلك قوله: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم » ، يعني: كذلك يُريهم الله أعمالهم التي كان لازمًا لهم العمل بها في الدنيا، حسرات عليهم.

وقال آخرون: كذلك يُريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم، لم عَملوها؟ وهلا عملوا بغيرها مما يُرضي الله تعالى ذكره؟

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم » ، فصَارت أعمالهم الخبيثة حَسرةً عليهم يوم القيامة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « أعمالهم حسرات عليهم » قال، أوليس أعمالهم الخبيثةُ التي أدخلهم الله بها النار؟ [ فجعلها ] حسرات عليهم. قال: وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم, وقرأ قول الله: بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [ سورة الحاقة: 24 ]

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: « كذلك يُريهم الله أعمالهمْ حَسرات عليهم » ، كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم.

فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها. والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية, فإنه مَنـزع بعيد. ولا أثر - بأنّ ذلك كما ذكر- تقوم به حُجة فيسلم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنـزيل إلى باطن تأويل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الذين وصَفتهم من الكفار وإنْ نَدموا بعد معاينتهم مَا عاينوا من عذاب الله, فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة, وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها, ويتبرأوا من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها بخارجين من النار التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنيا, ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ, ولكنهم فيها مخلدون.

وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ الله أهلَ النار من أهل الكفر مُنقضٍ, وأنه إلى نهاية, ثم هو بعدَ ذلك فانٍ. لأن الله تعالى ذكره أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية, ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيّها الناسُ كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيَّبْته لكم - مما تُحرِّمونه عَلى أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمه عليكم دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من مَيتة ودم ولحم خنـزير وما أهِلّ به لغيري. ودَعوا خُطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم، ويوردكم مَوارد العطب، ويحرّم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها, إنه يعني بقوله: « إنه » إنّ الشيطان, و « الهاء » في قوله: « إنه » عائدة على الشيطان لكم أيها الناس « عدو مُبين » ، يعني: أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة, وأكل من الشجرة.

يقول تعالى ذكره: فلا تنتصحوه، أيها الناس، مع إبانته لكم العداوة, ودعوا ما يأمركم به, والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم, دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره.

ومعنى قوله: « حَلالا » ، طِلْقًا. وهو مصدر من قول القائل: « قد حَلَّ لك هذا الشيء » , أي صار لك مُطلقًا، « فهو يَحِلُّ لك حَلالا وحِلا » ، ومن كلام العرب: « هو لك حِلٌّ » , أي: طِلْق. .

وأما قوله: « طيبًا » فإنه يعني به طاهرًا غير نَجس ولا محرَّم.

وأما « الخطوات » فإنه جمع « خُطوة » , و « الخطوة » بعد ما بين قدمي الماشي. و « الخطوة » بفتح « الخاء » « الفعلة » الواحدة من قول القائل: « خَطوت خَطوة واحدةً » . وقد تجمع « الخُطوة » « خُطًا » و « الخَطْوة » تجمع « خَطوات » ، « وخِطاء » .

والمعنى في النهي عن اتباع خُطواته, النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه، مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره.

واختلف أهل التأويل في معنى « الخطوات » . فقال بعضهم: خُطُوات الشيطان: عمله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « خطوات الشيطان » ، يقول: عمله.

وقال بعضهم: « خطوات الشيطان » ، خَطاياه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « خُطُوات الشيطان » قال، خطيئته.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: خَطاياه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولا تتَّبعوا خُطُوات الشيطان » قال، خطاياه.

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك قوله: « خطوات الشيطان » قال، خطايا الشيطان التي يأمرُ بها.

وقال آخرون: « خطوات الشيطان » ، طاعته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: « ولا تتبعوا خطوات الشيطان » ، يقول: طاعته.

وقال آخرون: « خطوات الشيطان » ، النذورُ في المعاصي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن سليمان, عن أبي مجلز في قوله: « ولا تتّبعوا خُطوات الشيطان » قال، هي النذور في المعاصي.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله: « خطوات الشيطان » ، قريبٌ معنى بعضها من بعض. لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. غيرَ أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت، من أنها « بعد ما بين قَدميه » ، ثم تستعمل في جميع آثاره وطُرقه، على ما قد بينت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 169 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنما يأمرُكم » ، الشيطانَ، « بالسوء والفحشاء وأن تَقولوا على الله ما لا تعلمون » .

« والسوء » : الإثم، مثل « الضُّرّ » ، من قول القائل: « ساءك هذا الأمر يَسوءك سُوءًا » ، وهو ما يَسوء الفاعل.

وأما « الفحشاء » ، فهي مصدر مثل « السراء والضراء » ، وهي كل ما استُفحش ذكرُه، وقَبُح مَسموعه.

وقيل: إن « السوء » الذي ذكره الله، هو معاصي الله. فإن كان ذلك كذلك, فإنما سَمَّاها الله « سوءًا » لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله. وقيل: إن « الفحشاء » ، الزنا: فإن كان ذلك كذلك, فإنما يُسمى [ كذلك ] ، لقبح مسموعه، ومكرُوه ما يُذْكَر به فاعله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنما يأمركم بالسوء والفحشاء » ، أمّا « السوء » ، فالمعصية, وأما « الفحشاء » ، فالزنا.

وأما قوله: « وأنْ تَقولوا على الله مَا لا تعلمون » ، فهو ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي, ويزعمون أن الله حرَّم ذلك. فقال تعالى ذكره لهم: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ سورة المائدة: 103 ] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية، أنّ قيلهم: « إنّ الله حرم هذا! » من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان, وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه, ولم يحرم أكله عليهم, ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته، طاعةً منهم للشيطان, واتباعًا منهم خطواته, واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال, الذين كانوا بالله وبما أنـزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم, كما أنـزل الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 )

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية وجهان من التأويل.

أحدهما: أن تكون « الهاء والميم » من قوله: « وإذا قيلَ لهم » عائدة على مَنْ في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، فيكون معنى الكلام: ومن الناس مَنْ يَتخذُ من دُون الله أندادًا, وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنـزل الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا.

والآخر: أن تكون « الهاء والميم » اللتان في قوله: « وإذا قيل لهم » ، من ذكر النَّاسُ الذين في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا ، فيكون ذلك انصرافًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب، كما في قوله تعالى ذكره: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سورة يونس: 22 ]

قال أبو جعفر: وأشبه عندي بالصواب وأولى بتأويل الآية أن تكون « الهاء والميم » في قوله: « لهم » ، من ذكر النَّاسُ , وأن يكون ذلك رجوعًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب. لأن ذلك عَقيب قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ . فلأنْ يكون خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبرَ أنّ منهم مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، مع ما بينهما من الآيات، وانقطاع قَصَصهم بقصة مُستأنفة غيرها وأنها نـزلت في قوم من اليهود قالوا ذلك، إذ دعوا إلى الإسلام، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: دَعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه, وحذرهم عقاب الله ونقمته, فقال له رَافع بن خارجة، ومَالك بن عوف: بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنـزل الله في ذلك من قولهما « وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنـزل اللهُ قالوا بَل نتِّبع ما ألفينا عَليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يَهتدون » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس مثله - إلا أنه قال: فقال له أبو رَافع بن خارجة، ومالك بن عوف.

وأما تأويل قوله: « اتبعوا ما أنـزلَ الله » ، فإنه: اعملوا بما أنـزل الله في كتابه على رسوله, فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه, واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به, وقائدًا تَتبعون أحكامه.

وقوله: « ألفينا عَليه آباءنا » ، يعني وَجدنا, كما قال الشاعر:

فَأَلْفَيْتُــــهُ غَـــيْرَ مُسْـــتَعْتِبٍ وَلا ذَاكِـــرِ اللــهَ إلا قَلِيــــلا

يعني: وجدته، وكما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « قالوا بَل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا » ، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء الكفار: كلوا مما أحلّ الله لكم، ودَعوا خُطوات الشيطان وطريقه، واعملوا بما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه - استكبروا عن الإذعان للحقّ وقالوا: بل نأتم بآبائنا فنتَّبع ما وجدناهم عليه، من تحليل ما كانوا يُحلُّون، وتحريم ما كانوا يحرّمون.

قال الله تعالى ذكره: « أوَ لو كانَ آباؤهم » - يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم- « لا يعقلون شيئًا » من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه, فيُتَّبعون على ما سَلكوا من الطريق، ويؤتمُّ بهم في أفعالهم - « ولا يَهتدون » لرشد، فيهتدي بهم غيرهم, ويَقتدي بهم من طَلب الدين, وأراد الحق والصواب؟

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تَتَّبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمرُكم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يَتّبع المتبعُ ذا المعرفة بالشيء المستعملَ له في نفسه, فأما الجاهل فلا يتبعه - فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: مثل الكافر في قلة فهمه عن الله ما يُتلى عليه في كتابه، وسُوء قبوله لما يدعى إليه من توحيد الله ويوعظ به مثلُ البهيمة التي تسمع الصوتَ إذا نُعق بها، ولا تعقلُ ما يقال لها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ قال، حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة، في قوله: « ومثلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداءً » قال، مَثلُ البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول.

حدثني محمد بن عبد الله بن زريع قال، حدثنا يوسف بن خالد السمتي قال، حدثنا نافع بن مالك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: « كمثل الذي يَنعق بما لا يَسمع » قال، هو كمثل الشاة ونحو ذلك. .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمع إلا دعاءً ونداءً » ، كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضها « كُلْ » - لا يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك. وكذلك الكافر، إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وَعظته، لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: مثل الدابة تنادى فتسمعُ ولا تعقل ما يقال لها. كذلك الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعق بما لا يسمع » قال، مثل الكافر مثل البهيمة تسمع الصوت ولا تعقل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعِق » ، مثلٌ ضربه الله للكافر يسمع ما يقال له ولا يعقل, كمثل البهيمة تسمع النعيقَ ولا تعقل.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً » ، يقول: مثل الكافر كمثل البعير والشاة، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدري ما عُني به.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كمثل الذي ينعقُ بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً » قال، هو مثل ضربه الله للكافر. يقول: مَثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها. فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: هو مَثل الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: سألت عطاء ثم قلت له : يقال: لا تعقل - يعني البهيمة- إلا أنها تسمع دُعاء الداعي حين ينعِقُ بها, فهم كذلك لا يَعقلون وهم يسمعون. فقال: كذلك. قال: وقال مجاهد: « الذي ينعِق » ، الراعي « بما لا يسمع » من البهائم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعق » الراعي « بما لا يسمع » من البهائم.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو، قال حدثنا أسباط, عن السدي: « كمثل الذي ينعِق بما لا يَسمع إلا دُعاء ونداءً » ، لا يعقل ما يقال له إلا أن تُدعي فتأتي، أو ينادَى بها فتذهب. وأما « الذي ينعق » ، فهو الراعي الغنم، كما ينعق الراعي بما لا يسمع ما يقال له, إلا أن يُدعى أو ينادى. فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو من لا يسمع إلا خرير الكلام، يقول الله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ سورة البقرة: 18 ]

قال أبو جعفر: ومعنى قائلي هذا القول - في تأويلهم ما تأوَّلوا، على ما حكيت عنهم - : ومثَلُ وَعْظِ الذين كفروا وواعظهم، كمثل نَعْق الناعق بغنمه ونعيقِه بها. فأضيف « المثل » إلى الذين كفروا, وترك ذكر « الوعظ والواعظ » ، لدلالة الكلام على ذلك. كما يقال: « إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان » , يراد به: كما تعظم السلطانَ, وكما قال الشاعر:

فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيًّـا عَــــلَى زَيْـــدٍ بِتَسْـــلِيمِ الأمِـــير

يراد به: كما يُسلِّم على الأمير.

وقد يحتمل أن يكون المعنى - على هذا التأويل الذي تأوله هؤلاء- : ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: « اعتلف، أو رِدِ الماء » ، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله. فكذلك الكافر, مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه- مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق, كما قال نابغة بني ذبيان:

وَقَـدْ خِـفْتُ, حَـتَّى مَـا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَـلَى وَعِــلٍ فِــي ذِي المَطَـارَة عَاقِلِ

والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي, وكما قال الآخر:

كَــانَتْ فَرِيضَـةُ مَـا تَقُـولُ, كَمَـا كَــانَ الزِّنَــاءُ فَرِيضَــةَ الرَّجْـــمِ

والمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر:

إنّ سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُه تَحْـلَى بِــهِ العَيْـنُ إذَا مَـا تَجْـهَرُهْ

والمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. ونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه, فتقول: « اعرِض الحوضَ على الناقة » , وإنما تعرض الناقة على الحوض, وما أشبه ذلك من كلامها.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومَثل الذين كفروا في دُعائهم آلهتهم وأوثانهم التي لا تسمع ولا تعقل, كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً, وذلك الصدى الذي يسمع صوته, ولا يفهم به عنه الناعقُ شيئًا.

فتأويل الكلام على قول قائلي ذلك: ومثل الذين كفروا وآلهتهم - في دعائهم إياها وهي لا تفقه ولا تعقل- كمثل الناعق بما لا يسمعه الناعقُ إلا دعاءً ونداءً, أي: لا يسمع منه الناعق إلا دعاءَه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومَثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمعُ إلا دعاءً ونداءً » قال، الرجل الذي يصيح في جَوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له « الصَّدى » . فمثل آلهة هؤلاء لَهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يَسمع إلا دعاء ونداء. قال: والعرب تسمي ذلك الصدى.

وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك. وهو أن يكون معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء, فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها, ولا ينفعه شيء.

قال أبو جعفر: وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه. وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه, فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل.

فأما وَجه جَواز حذف « وعظ » اكتفاء بالمثل منه، فقد أتينا على البيان عنه في قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ سورة البقرة: 17 ] ، وفي غيره من نظائره من الآيات، بما فيه الكفاية عن إعادته. .

وإنما اخترنا هذا التأويل, لأن هذه الآية نـزلت في اليهود, وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها, ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها. ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك- لتأويل من تأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها.

فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟

قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها, فإنهم هم المعنيون به. فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نـزلت, والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نـزلت فيهم. وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود، كان عطاء يقول:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنـزل الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا إلى قوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ سورة البقرة: 174- 175 ] .

وأما قوله: « يَنعِق » ، فإنه: يُصوِّت بالغنم، « النَّعيق، والنُّعاق » , ومنه قول الأخطل:

فَـانْعِقْ بِضَـأْنِكَ يَـا جَـرِيرُ, فَإِنَّمَـا مَنَّتْـكَ نَفْسَـكَ فِـي الخَــلاءِ ضَــلالا

يعني: صوِّت به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ » ، هؤلاء الكفارَ الذين مَثلهم كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً « صُمٌ » عن الحق فهم لا يسمعون - « بُكمٌ » يعني: خُرسٌ عن قيل الحقّ والصواب، والإقرار بما أمرهم الله أن يقرُّوا به، وتبيين ما أمرهم الله تعالى ذكره أن يُبينوه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس, فلا ينطقون به ولا يقولونه، ولا يبينونه للناس - , « عُميٌّ » عن الهدى وطريق الحق فلا يبصرونه، . كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: « صُمٌ بكم عمي » ، يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه، ولا ينتفعون به ولا يعقلونه؛ عُمي عن الحق والهدى فلا يبصرونه؛ بُكم عن الحقّ فلا ينطقون به.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « صم بكم عمي » يقول: عن الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « صم بكم عمي » ، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه.

وأما الرفع في قوله: « صم بكم عمي » ، فإنه أتاهُ من قبل الابتداء والاستئناف, يدل على ذلك قوله: « فهم لا يعقلون » ، كما يقال في الكلام: « هو أصم لا يسمع، وهو أبكم لا يتكلم » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله, وأقروا لله بالعبودية, وأذعنوا له بالطاعة، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، يقول: صدَّقوا.

« كلوا من طيبات ما رَزَقناكم » ، يعني: اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم, فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب. « واشكروا لله » ، يقول: وأثنوا على الله بما هو أهله منكم، على النعم التي رزقكم وَطيَّبها لكم. « إن كنتم إياه تعبدون » ، يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين, فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبه لكم, ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان.

وقد ذكرنا بعض ما كانوا في جاهليتهم يحرِّمونه من المطاعم, وهو الذي ندبهم إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه, إذْ كان تحريمهم إياه في الجاهلية طاعةً منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف. ثم بيّن لهم تعالى ذكره ما حرَّم عليهم, وفصَّله لهم مُفسَّرًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: لا تُحرموا على أنفسكم ما لم أحرمه عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله منَ البحائر والسوائب ونحو ذلك, بَل كلوا ذلك، فإني لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنـزير، ومَا أهلّ به لغيري.

ومعنى قوله: « إنما حَرَّم عليكم الميتة » ، ما حرَّم عليكم إلا الميتة.

« وإنما » : حرف واحدٌ, ولذلك نصبت « الميتة والدم » , وغير جائز في « الميتة » إذا جعلت « إنما » حرفًا واحدًا - إلا النصب. ولو كانت « إنما » حرفين، وكانت منفصلة من « إنّ » ، لكانت « الميتة » مرفوعة وما بعدها. وكان تأويل الكلام حينئذ: إنّ الذي حرم الله عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنـزير، لا غير ذلك.

وقد ذُكر عن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك، على هذا التأويل. ولست للقراءة به مستجيزًا وإن كان له في التأويل والعربية وَجه مفهومٌ- لاتفاق الحجة من القراء على خلافه. فغيرُ جائز لأحد الاعتراض عليهم فيما نقلوه مجمعين عليه.

ولو قرئ في « حرّم » بضم الحاء من « حرّم » ، لكان في « الميتة » وجهان من الرفع. أحدهما: من أن الفاعل غير مسمى, « وإنما » حرفٌ واحد.

والآخر: « إن » و « ما » في معنى حرفين, و « حرِّم » من صلة « ما » , « والميتة » خبر « الذي » مرفوع على الخبر. ولست، وإن كان لذلك أيضًا وجه، مستجيزًا للقراءة به، لما ذكرت.

وأما « الميتة » ، فإن القرأةَ مختلفة في قراءتها. فقرأها بعضهم بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد, ولكنه يُخففها كما يخفف القائلون في: « هو هيّن ليّن » « الهيْن الليْن » ، كما قال الشاعر:

لَيْسَ مَــنْ مَـاتَ فَاسْـتَرَاحَ بِمَيْـتٍ إِنَّمَــا المَيْــتُ مَيِّــتُ الأحْيَـــاءِ

فجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد.

وقرأها بعضهم بالتشديد، وحملوها على الأصل, وقالوا: إنما هو « مَيْوِت » , « فيعل » ، من الموت. ولكن « الياء » الساكنة و « الواو » المتحركة لما اجتمعتا، « والياء » مع سكونها متقدمة، قلبت « الواو » « ياء » وشددت، فصارتا « ياء » مشددة, كما فعلوا ذلك في « سيد وجيد » . قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة. والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن التخفيف والتشديد في « ياء » « الميتة » لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب, فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب. لأنه لا اختلاف في معنييهما.

وأما قوله: « وَمَا أهِلَّ به لغير الله » ، فإنه يعني به: وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام.

وإنما قيل: « وما أهِلَّ به » ، لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم, فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر- : « مُهِلٌّ » . فرفعهم أصواتهم بذلك هو « الإهلال » الذي ذكره الله تعالى فقال: « وما أهِلَّ به لغير الله » . ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة « مُهِلّ » , لرفعه صوته بالتلبية. ومنه « استهلال » الصبي، إذا صاح عند سقوطه من بَطن أمه, « واستهلال » المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض, كما قال عمرو بن قميئة:

ظَلَـمَ البِطَـاحَ لَـهُ انْهِـلالُ حَرِيصَـةٍ فَصَفَـا النِّطَـافُ لَـــهُ بُعَيْــدَ المُقْلَــعِ

واختلف أهل التأويل في ذلك. فقال بعضهم: يعني بقوله: « وما أهِلَّ به لغير الله » ، ما ذبح لغير الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، ما ذبح لغير الله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وما أهلّ به لغير الله » قال، ما ذبح لغير الله مما لم يُسم عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وما أهلّ به لغير الله » ، ما ذبح لغير الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال ابن عباس في قوله: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، ما أهِلّ به للطواغيت.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك قال: « وما أُهلّ به لغير الله » قال، ما أهل به للطواغيت.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « وما أهِلّ به لغير الله » ، يعني: ما أهِل للطواغيت كلّها. يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر، غير اليهود والنصارى.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء في قول الله: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، هو ما ذبح لغير الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « وما أهلّ به لغير الله » ، يقول: ما ذكر عليه غير اسم الله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد - وسألته عن قوله الله: « وما أهلّ به لغير الله » - قال: ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ التي يعبدونها أو يسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: « باسم فلان » , كما تقول أنت: « باسم الله » قال، فذلك قوله: « وما أهلّ به لغير الله » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا حيوة، عن عقبة بن مسلم التُّجيبي وقيس بن رافع الأشجعي أنهما قالا أحِل لنا ما ذُبح لعيد الكنائس, وما أهدي لها من خبز أو لحم, فإنما هو طعام أهل الكتاب. قال حيوة، قلت: أرأيت قَول الله: « وما أهِلّ به لغير الله » ؟ قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثان والمشركون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فمن اضطر » ، فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أهل به لغير الله - وهو بالصفة التي وصفنا- فلا إثم عليه في أكله إن أكله.

وقوله: فمن « اضطر » « افتعل » من « الضّرورة » .

و « غيرَ بَاغ » نُصِب على الحال مِنْ « مَنْ » , فكأنه. قيل: فمن اضطرّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكله, فهو له حلال.

وقد قيل : إن معنى قوله: « فمن اضطر » ، فمن أكره على أكله فأكله, فلا إثم عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا إسرائيل, عن سالم الأفطس, عن مجاهد قوله: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » قال: الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله.

وأما قوله: « غيرَ بَاغ ولا عَاد » ، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.

فقال بعضهم: يعني بقوله: « غير باغ » ، غيرَ خارج على الأئمة بسيفه باغيًا عليهم بغير جَور, ولا عاديًا عليهم بحرب وعدوان، فمفسدٌ عليهم السبيلَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد: « فمن اضطر غيرَ بَاغٍ ولا عاد » قال، غيرَ قاطع سبيل, ولا مفارق جماعة, ولا خارج في معصية الله, فله الرخصة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » ، يقول: لا قاطعًا للسبيل, ولا مفارقًا للأئمة, ولا خارجًا في معصية الله, فله الرخصة. ومن خرج بَاغيًا أو عاديًا في معصية الله, فلا رخصة له وإن اضطُرَّ إليه.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: « غير باغ ولا عاد » قال، هو الذي يقطع الطريق, فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشربَ الخمر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن شريك، عن سالم - يعني الأفطس- عن سعيد في قوله: « فمن اضطُر غير باغ ولا عاد » قال، الباغي العادي الذي يقطع الطريق، فلا رخصة له ولا كرامة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد في قوله: « فمن اضطُر غير باغ ولا عاد » قال، إذا خرج في سبيل من سُبُل الله فاضطر إلى شرب الخمر شرب, وإن اضطر إلى الميتة أكل. وإذا خرج يقطع الطريق، فلا رخصة له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حفص بن غياث, عن الحجاج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: « غيرَ باغ » على الأئمة، « ولا عاد » قال، قاطع السبيل.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » قال، غير قاطع السبيل, ولا مفارق الأئمة, ولا خارج في معصية الله فله الرخصة.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن الحكم, عن مجاهد : « فمن اضطُر غير بَاغ ولا عاد » قال، غير باغ على الأئمة, ولا عاد على ابن السبيل.

وقال آخرون في تأويل قوله: « غيرَ باغ ولا عاد » : غيرَ باغ الحرامَ في أكله, ولا معتدٍ الذي أبيحَ له منه.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اضطُرَّ غير باغ ولا عاد » قال، غير باغ في أكله, ولا عادٍ: أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مَندوحة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » قال، غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عمن سمع الحسن يقول ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة قوله: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » ، « غير باغ » يَبتغيه, « ولا عادٍ » : يتعدى على ما يُمسك نفسه.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » ، يقول: من غير أن يبتغي حرامًا ويتعداه, ألا ترى أنه يقول: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ سورة المؤمنون: 7\ سورة المعارج: 31 ]

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فمن اضطُرّ غير باغٍ ولا عادٍ » قال، أن يأكل ذلك بَغيًا وتعديًا عن الحلال إلى الحرام, ويترك الحلال وهو عنده, ويتعدى بأكل هذا الحرام. هذا التعدي. ينكر أن يكونا مختلفين, ويقول: هذا وهذا واحد!

وقال آخرون تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عاد فوق ما لا بُدَّ له منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » . أمَّا « باغ » ، فيبغي فيه شهوته. وأما « العادي » ، فيتعدى في أكله, يأكل حتى يشبع, ولكن يأكل منه قدر ما يُمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله, وله عن ترك أكله - بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى.

وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخّصْ لأحد في قتل نفسه بحال. وإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الخارجَ على الإمام والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيا ما حرَّم الله عليهما : من خروج هذا على من خرج عليه، وسَعي هذا بالإفساد في الأرض, فغيرُ مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرّم الله عليهما - ما كان حرّم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك- من قتل أنفسهما. [ ورَدُّهما إلى محارم الله عليهما بعد فعلهما، ما فعلا وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصا لهما قبل ذلك من فعلهما، وإن لم نرَ رَدَّهما إلى محارم الله عليهما تحريما، فغير مرخِّص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حرامًا ] . فإذ كان ذلك كذلك, فالواجبُ على قُطاع الطريق والبغاة على الأئمة العادلة, الأوبةُ إلى طاعة الله, والرجوعُ إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه, والتوبةُ من معاصي الله - لا قتلُ أنفسهما بالمجاعة, فيزدادان إلى إثمهما إثمًا, وإلى خلافهما أمرَ الله خلافًا.

وأما الذي وجَّه تأويل ذلك إلى أنه غيرُ باغ في أكله شهوة, فأكل ذلك شهوة، لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك - مما قد دخل فيما حرمه الله عليه- فهو بمعنى ما قلنا في تأويله, وإن كان للفظه مخالفًا.

فأما توجيه تأويل قوله: « ولا عاد » ، و لا آكل منه شبعه، ولكن ما يمسك به نفسه، فإن ذلك، بعض معاني الاعتداء في أكله. ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى، فيقال عنى به بعض معانيه.

فإذ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول ما قلنا: من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرّمة.

وأما تأويل قوله: « فلا إثم عليه » ، يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « إنّ الله غَفور رحيم » ، « إنّ الله غَفورٌ » إن أطعتم الله في إسلامكم، فاجتنبتم أكل ما حرم عليكم، وتركتم اتباعَ الشيطان فيما كنتم تحرمونه في جاهليتكم- طاعةً منكم للشيطان واقتفاءً منكم خُطواته - مما لم أحرمه عليكم لما سلف منكم، في كفركم وقبل إسلامكم، في ذلك من خطأ وذنب ومعصية, فصافحٌ عنكم, وتارك عقوبتكم عليه, « رحيم » بكم إن أطعتموه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنّ الذينَ يَكتمون ما أنـزل الله من الكتاب » ، أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته, وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب » الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع في قوله: ( إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويَشترون به ثمنًا قليلا ) قال: هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم من الحق والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط, عن السدي: « إن الذين يكتمون مَا أنـزل الله منَ الكتاب » ، فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: « إنّ الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من الكتاب » ، والتي في « آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [ سورة آل عمران: 77 ] نـزلتا جميعًا في يهود. »

وأما تأويل قوله: « ويَشترون به ثمنًا قليلا » ، فإنه يعني: يبتاعون به. « والهاء » التي في « به » ، من ذكر « الكتمان » . فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلا. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك اليسيرَ من عرض الدنيا، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ويشترون به ثمنًا قليلا » قال، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذوا عليه طمعًا قليلا فهو الثمن القليل.

وقد بينت فيما مضى صفة « اشترائهم » ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك » ، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها, فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها « ما يأكلون في بطونهم » - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، وما أخذوا عليه من الأجر « إلا النار » - يعني: إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها, كما قال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [ سورة النساء: 10 ] معناه: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم. فاستغنى بذكر « النار » وفهم السامعين معنى الكلام، عن ذكر « ما يوردهم، أو يدخلهم » . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار » ، يقول: ما أخذوا عليه من الأجر.

فإن قال قائل: فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال: « ما يأكلون في بطونهم » ؟

قيل: قد تقول العرب: « جُعت في غير بطني, وشَبعتُ في غير بطني » , فقيل: في بُطونهم لذلك، كما يقال: « فعل فُلان هذا نفسُه » . وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، فيما مضى.

وأما قوله: « ولا يُكلِّمهمُ الله يَومَ القيامة » ، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون, فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم. لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ الآيتين [ سورة المؤمنون: 107- 108 ] .

وأما قوله: « ولا يُزكِّيهم » ، فإنه يعني: ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم، « ولهم عذاب أليم » ، يعني: مُوجع

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك الذين اشترَوُا الضلالة بالهدى » ، أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى, وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه. فاستغنى بذكر « العذاب » و « المغفرة » ، من ذكر السبب الذي يُوجبهما, لفهم سامعي ذلك لمعناه والمراد منه. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وكذلك بينا وجه « اشتروا الضلالة بالهدى » باختلاف المختلفين، والدلالة الشاهدة بما اخترنا من القول، فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم معنى ذلك: فما أجرأهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فما أصْبَرهم على النار » ، يقول: فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فما أصْبَرهم على النار » ، يقول: فما أجرأهم عليها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن بشر، عن الحسن في قوله: « فما أصْبرهم على النار » قال، والله ما لهم عليها من صبر, ولكن ما أجرأهم على النار.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا مسعر وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو بكير قال، حدثنا مسعر ، عن حماد، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، أو بعض أصحابه: « فما أصبرهم على النار » ، ما أجرأهم.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « فما أصبرهم على النار » ، يقول: ما أجرأهم وأصبرهم على النار.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعملهم بأعمال أهل النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « فما أصْبرهم على النار » قال، ما أعملهم بالباطل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

واختلفوا في تأويل « ما » التي في قوله: « فما أصبرهم على النار » . فقال بعضهم: هي بمعنى الاستفهام، وكأنه قال: فما الذي صبَّرهم؟ أيُّ شيء صبرهم؟

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فما أصبرَهم على النار » ، هذا على وجه الاستفهام. يقول: مَا الذي أصبرهم على النار؟

حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج الأعور قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال لي عطاء: « فما أصبرهم على النار » قال، ما يُصبِّرهم على النار، حين تَركوا الحق واتبعوا الباطل؟

حدثنا أبو كريب قال: سُئل أبو بكر بن عياش: « فما أصبرهم على النار » قال، هذا استفهام, ولو كانت من الصبر قال: « فما أصبرُهم » ، رفعًا. قال: يقال للرجل: « ما أصبرك » , ما الذي فعل بك هذا؟

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فما أصبرهم على النار » قال، هذا استفهام. يقول ما هذا الذي صبَّرهم على النار حتى جَرأهم فعملوا بهذا؟

وقال آخرون: هو تعجُّب. يعني: فما أشد جراءتهم على النار بعَملهم أعمال أهل النار!

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد : « فما أصبرهم على النار » قال، ما أعملهم بأعمال أهل النار!

وهو قول الحسن وقتادة, وقد ذكرناه قبل.

فمن قال: هو تعجُّب - وجَّه تأويلَ الكلام إلى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك- على ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [ سورة عبس: 17 ] ، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه.

فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام، فمعناه: هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد- حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ما أجرأهم على النار, بمعنى: ما أجرأهم على عَذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها. وذلك أنه مسموع من العرب: « ما أصبرَ فلانًا على الله » , بمعنى: ما أجرأ فلانًا على الله! وإنما يعجب الله خَلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنـزل الله تبارك وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّته, واشترائهم بكتمان ذلك ثَمنًا قليلا من السحت والرشى التي أعطوها - على وَجه التعجب من تقدمهم على ذلك. مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سَخط الله وأليم عقابه.

وإنما معنى ذلك: فما أجرأهم على عذاب النار! ولكن اجتزئ بذكر « النار » من ذكر « عذابها » ، كما يقال: « ما أشبه سخاءك بحاتم » , بمعنى: ما أشبه سَخاءك بسخاء حاتم, « وما أشبه شَجاعتك بعنترة » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )

قال أبو جعفر: أما قوله: « ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق » ، فإنه اختلف في المعنيِّ ب « ذلك » .

فقال بعضهم: معنيُّ « ذلك » ، فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنـزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى « نـزل الكتاب بالحق » ، وتنـزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ سورة البقرة: 6- 7 ] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون- لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.

وقال آخرون: معناه: « ذلك » معلومٌ لهم، بأن الله نـزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق.

كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنـزيله أن النار للكافرين, وتنـزيله حق, فالخبر عن « ذلك » عندهم مُضمر.

*

وقال آخرون: معنى « ذلك » ، أن الله وصف أهل النار، فقال: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم. و « هذا » هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها « ذلك » ، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون « ذلك » - إذا كان ذلك معناه- نصبًا، ويكون رفعًا بالباء.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بتأويل الآية عندي: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: « ذلك » ، إلى جميع ما حواه قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ، إلى قوله: « ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق » ، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك, فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم, وإعدادي لهم العذاب الأليم- بأني أنـزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه.

فيكون في « ذلك » حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب. والرفع ب « الباء » , والنصب بمعنى: فعلت ذلك بأني أنـزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه. وترك ذكر « فكفروا به واختلفوا » ، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

وأما قوله: « وإنّ الذينَ اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد » ، يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه, وكفروا جميعًا بما أنـزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنـزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب, كما قال الله تعالى ذكره: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [ سورة البقرة: 137 ] كما:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي : « وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد » ، يقول: هم اليهود والنصارى. يقول: هم في عَداوة بعيدة. وقد بَينتُ معنى « الشقاق » ، فيما مضى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها, ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ليسَ البرّ أن تُولوا وُجُوهكم قِبَل المشرق والمغرب » ، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا, فهذا منذ تحوَّل من مكة إلى المدينة, ونـزلت الفرائض, وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، ولكنّ البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله.

حدثني القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن عباس قال: هذه الآية نـزلت بالمدينة: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غيرَ ذلك. قال ابن جريج، وقال مجاهد: « ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب » ، يعني السجود، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال فيها, قال يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة, فأنـزل الله الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها.

وقال آخرون: عنى الله بذلك اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود تصلي فتوجِّه قبل المغرب, والنصارى تصلي فتوَجَّه قبل المشرق, فأنـزل الله فيهم هذه الآية، يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنـزلت: « ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر » ، ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنـزل الله هذه الآية. وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا الرجل فتلاها عليه. وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنـزل الله: « ليسَ البر أن تولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب » . وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق - « ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر » الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق, فنـزلت: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » .

قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس : أن يكون عنى بقوله: « ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، اليهودَ والنصارَى. لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعدّ لهم من أليم العذاب. وهذا في سياق ما قبلها, إذْ كان الأمر كذلك, - « ليس البر » ، - أيها اليهود والنصارى، أنْ يولي بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم قبل المغرب, « ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وَالملائكة والكتاب » الآية.

فإن قال قائل: فكيف قيل: « ولكن البر من آمن بالله » ، وقد علمت أن « البر » فعل, و « مَنْ » اسم, فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟

قيل: إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته, وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، فوضع « مَنْ » موضع الفعل، اكتفاءً بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة, فتقول: « الجود حاتم، والشجاعة عنترة » ، و « إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة » , ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر « حاتم » إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر « الجود » بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع « جوده » ، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره. كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [ سورة يوسف: 82 ] والمعنى: أهل القرية, وكما قال الشاعر, وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي:

حَسِــبْتَ بُغَــامَ رَاحِـلَتِي عَنَاقًـا! وَمَـا هـي, وَيْـبَ غَـيْرِكَ بالعَنَـاقِ

يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ [ عناق ] ، كما يقال: « حسبت صياحي أخاك » , يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك.

وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله, فيكون « البر » مصدرًا وُضع موضعَ الاسم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وآتى المالَ على حُبه » ، وأعطى مَاله في حين محبته إياه، وضِنِّه به، وشُحِّه عليه، . كما:-

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا, عن زبيد, عن مرة بن شراحيل البكيلي, عن عبد الله بن مسعود: « وآتَى المالَ على حُبه » ، أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق- قالا جميعًا, عن سفيان, عن زُبيد الياميّ, عن مرة, عن عبد الله: « وآتى المالَ على حُبه » قال، وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن زبيد اليامي, عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: « وآتى المال على حبه » قال، وأنت حريصٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر.

حدثنا أحمد بن نعمة المصري قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثنا إبراهيم بن أعين, عن شعبة بن الحجاج, عن زبيد اليامي, عن مرة الهمداني قال، قال عبد الله بن مسعود في قول الله: « وآتى المال على حبه ذوي القربى » , قال: حريصًا شحيحًا، يأمل الغنى ويَخشى الفقر.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم, عن الشعبي، سمعته يُسْأل: هل على الرجل حَق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية: « وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي قال، حدثنا حمّاد بن سلمة قال، أخبرنا أبو حمزة قال، قلت للشعبي: إذا زكَّى الرجلُ ماله، أيطيبُ له ماله؟ فقرا هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلى « وآتى المال على حُبه » إلى آخرها، ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إنّ لي سبعين مثقالا من ذَهَب. فقال: اجعليها في قَرَابتك.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك قال، حدثنا أبو حمزة، فيما أعلم - عن عامر, عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول: إنّ في المال لحقًّا سوَى الزكاة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي حيان قال، حدثني مزاحم بن زفر قال، كنت جالسًا عند عطاء فأتاه أعرابي فقال له: إن لي إبلا فهل عليّ فيها حقٌّ بعد الصدقة؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: عَاريَّة الدلو, وطُروق الفحل, والحلَب.

حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, ذكره عن مرة الهمداني في: « وآتى المالَ على حُبه » قال: قال عبد الله بن مسعود: تُعطيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تطيل الأمل، وتخاف الفقر. وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجبٌ في المال، حق على صاحب المال أن يفعله، سوى الذي عليه من الزكاة.

حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد قال، حدثنا سويد بن عبد الله, عن أبي حمزة, عن عامر, عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « في المال حق سوى الزكاة » ، وتلا هذه الآية: « ليس البر » إلى آخر الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن زبيد اليامي, عن مرة بن شراحيل, عن عبد الله في قوله: « وآتى المالَ على حُبه » قال، أن يعطي الرجلُ وهو صحيح شحيحٌ به، يأمل العيش ويخاف الفقر.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية: وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه, شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم.

وإنما قلت عنى بقوله: « ذوي القرْبى » ، ذوي قرابة مؤدِّي المال على حُبه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره فاطمةُ بنت قيس

وقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح.

وأما « اليتامى » « والمساكين » ، فقد بينا معانيهما فيما مضى.

وأما « ابن السبيل » ، فإنه المجتاز بالرَّجل. ثم اختلف أهل العلم في صفته. فقال بعضهم: هو الضيفُ من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: « وابن السبيل » قال، هو الضيف قال: قد ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خَيرًا أو ليسكت » . قال: وكان يَقول: حَق الضيافة ثلاثُ ليال, فكل شيء أضافه بَعد ذَلك صدقة.

وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر: « وابن السبيل » قال، المجتاز من أرض إلى أرض.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وقتادة في قوله: « وابن السبيل » قال، الذي يمر عليك وهو مسافر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عمن ذكره, عن ابن جريج عن مجاهد وقتادة مثله.

وإنما قيل للمسافر « ابن السبيل » ، لملازمته الطريق - والطريق هو « السبيل » - فقيل لملازمته إياه في سفره: « ابنه » ، كما يقال لطير الماء « ابن الماء » لملازمته إياه, وللرجل الذي أتت عليه الدهور « ابن الأيام والليالي والأزمنة » , ومنه قول ذي الرمة:

وَرَدْتُ اعْتِسَــافًا وَالثُّرَيَّــا كَأَنَّهَــا عَـلَى قِمَّـةِ الـرَّأْسِ ابْـنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ

وأما قوله: « والسائلين » ، فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن إدريس, عن حصين, عن عكرمة في قوله: « والسائلين » قال، الذي يسألك.

وأما قوله: « وفي الرقاب » ، فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة, وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة، بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وأقامَ الصلاة » ، أدام العمل بها بحدودها, وبقوله « وآتى الزكاة » ، أعطاها على مَا فَرضها الله عليه.

فإن قال قائل: وهل من حقٍّ يجب في مال إيتاؤه فرضًا غير الزكاة؟

قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك:

فقال بعضهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوى الزكاة واعتلُّوا لقولهم ذلك بهذه الآية, وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ، ومن سمى الله معهم, ثم قال بعد: « وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة » ، علمنا أن المالَ - الذي وَصَف المؤمنين به أنهم يُؤتونه ذَوي القربى, ومن سمَّى معهم - غيرُ الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها. لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معنى مفهوم. قالوا: فلما كان غيرَ جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له, علمنا أنّ حكم المال الأول غيرُ الزكاة, وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره. قالوا: وبعد، فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك.

وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة, ولكن الله وصَف إيتاء المؤمنين مَنْ آتوه ذلك، في أول الآية. فعرَّف عباده - بوصفه ما وصف من أمرهم- المواضعَ التي يجب عليهم أن يضَعوا فيها زكواتهم، ثم دلّهم بقوله بعد ذلك: « وآتى الزكاة » ، أن المال الذي آتاه القومُ هو الزكاة المفروضةُ كانت عليهم, إذ كان أهلُ سُهمانها هم الذين أخبرَ في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم.

وأما قوله: « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا » ، فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة, ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه. كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا » قال، فمن أعطى عهدَ الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غَدر بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يومَ القيامة.

وقد بينت « العهد » فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ

قال أبو جعفر: وقد بينا تأويل « الصبر » فيما مضى قبل.

فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم - في البأساء والضراء وحين البأس- مما يكرهه الله لَهم، الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته. ثم قال أهل التأويل في معنى « البأساء والضراء » بما:-

حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثني أبي - وحدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد - قالا جميعًا، حدثنا أسباط عن السدي, عن مرة الهمداني, عن ابن مسعود أنه قال: أما البأساءُ فالفقر, وأما الضراء فالسقم .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني - قالا جميعًا، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قوله: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البأساء الجوع, والضراء المرضُ.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة عن عبد الله قال: البأساء الحاجة, والضراءُ المرضُ.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر, وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ سورة الأنبياء: 83 ] .

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البؤس: الفاقة والفقر, والضراء: في النفس، من وَجع أو مرَض يصيبه في جسده.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « البأساء والضراء » قال، البأساء: البؤس, والضراء: الزمانة في الجسد.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: « البأساء والضراء » ، المرض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البأساء: البؤس والفقر, والضراء: السقم والوجع.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية: « والصابرين في البأساء والضراء » ، أما البأساء: الفقر, والضراء: المرض.

قال أبو جعفر: وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: « البأساء والضراء » ، مصدر جاء على « فعلاء » ليس له « أفعل » لأنه اسم, كما قد جاء « أفعل » في الأسماء ليس له « فعلاء » ، نحو « أحمد » . وقد قالوا في الصفة « أفعل » ، ولم يجئ له « فعلاء » , فقالوا: « أنت من ذلك أوْجل » , ولم يقولوا: « وجلاء » .

وقال بعضهم: هو اسم للفعل. فإن « البأساء » ، البؤس, « والضراء » الضر. وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير:

فَتُنْتَــجْ لَكُـمْ غِلْمَـانَ أَشْـأَمَ, كُـلُّهُمْ كَـأَحْمَرِ عَـادٍ, ثُـمَّ تُـرْضِعْ فَتَفْطِـمِ

يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.

وقال بعضهم: لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث، لجازَ إجراء « أفعل » في النكرة, ولكنه اسم قام مقام المصدر. والدليل على ذلك قوله: « لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ » ، بغير إجراء. وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.

وقال غيره: لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث، لم يقع بتذكير, ولو وَقَع بتذكير، لم يقع بتأنيث. لأن من سُمي ب « أفعل » لم يصرف إلى « فُعلى » , ومن سُمي ب « فُعلى » لم يصرف إلى « أفعل » , لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره, ولكنهما لغتان. فإذا وقع بالتذكير، كان بأمر « أشأم » , وإذا وقع « البأساء والضراء » ، وقع: الخلة البأساء، والخلة الضراء. وإن كان لم يُبن على « الضراء » ، « الأضر » ، ولا على « الأشأم » ، « الشأماء » . لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير، ولا من تذكيره التأنيث, كما قالوا: « امرأة حسناء » , ولم يقولوا: « رجل أحسن » . وقالوا: « رجل أمرد » , ولم يقولوا: « امرأة مرداء » . فإذا قيل: « الخصلة الضراء » و « الأمر الأشأم » ، دل على المصدر, ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا, وإن كان قد كَفَى من المصدر.

وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل « البأساء والضراء » ، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية. وذلك أن أهل التأويل تأولوا « البأساء » بمعنى: البؤس, « والضراء » بمعنى: الضر في الجسد. وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا « البأساءَ والضراء » إلى أسماء الأفعال، دون صفات الأسماء ونعوتها. فالذي هو أولى ب « البأساء والضراء » ، على قول أهل التأويل، أن تكون « البأساء والضراء » أسماء أفعال, فتكون « البأساء » اسمًا « للبؤس » , و « الضراء » اسمًا « للضر » .

وأما « الصابرين » فنصبٌ, وهو من نعت « مَن » على وجه المدح. لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفةُ الواحد- الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعر:

إلَــى المَلِـكِ القَـرْمِ وَابْـنِ الهُمَـامِ وَلَيْــثَ الكَتِيبَــةِ فِــي المُزْدَحَـمْ

وَذَا الــرَّأْيِ حِــينَ تُغَــمُّ الأمُـورُ بِـــذَاتِ الصَّلِيــلِ وذَاتِ اللُّجُــمْ

فنصب « ليث الكتيبة » وذا « الرأي » على المدح, والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر:

فَلَيْـتَ الَّتِـي فِيهَـا النُّجُـومُ تَوَاضَعَت عَــلَى كُــلِّ غَـثٍّ مِنْهُـمُ وسَـمِينِ

غيُـوثَ الـوَرَى فِـي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُـودَ الشَّـرَى يَحْـمِينَ كُـلَّ عَـرِينِ

وقد زعم بعضهم أن قوله: « والصابرين في البأساء » ، نُصب عطفًا على « السائلين » . كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء. وظاهرُ كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول, وذلك أنّ « الصابرين في البأساء والضراء » ، هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهلُ الإقتار في الأموال. وقد مضى وصف القوم بإيتاء - مَنْ كان ذلك صفته- المالَ في قوله: وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ، وأهل الفاقة والفقر، هم أهل « البأساء والضراء » , لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء، لم يكن ممن له قبولُ الصدقة، وإنما له قبولها إذا كان جامعًا إلى ضرائه بأساء, وإذا جمع إليها بأساء، كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة « المساكين » الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله: « والصابرين في البأساء » . وإذا كان كذلك، ثم نصب « الصابرين في البأساء » بقوله وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، كان الكلام تكريرًا بغير فائدة معنى. كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامَى والمساكينَ. والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عبادَه. ولكن معنى ذلك: ولكنّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر, والموفون بعهدهم إذا عاهدوا, والصابرين في البأساء والضراء. « وَالْمُوفُونَ » رفعٌ لأنه من صفة « مَنْ » , و « مَنْ » رفعٌ، فهو معرب بإعرابه. « والصابرين » نصب - وإن كان من صفته- على وجه المدح الذي وصفنا قبل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَحِينَ الْبَأْسِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وحين البأس » ، والصابرين في وقت البأس, وذلك وَقت شدة القتال في الحرب، كما:-

حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قول الله: « وحين البأس » قال، حين القتال.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وحين البأس » القتال.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: « وحين البأس » ، أي عندَ مواطن القتال.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « وحين البأس » ، القتال.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع، « وحين البأس » ، عند لقاء العدو.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيدة، عن الضحاك: « وحين البأس » ، القتال

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: « وحين البأس » قال، القتال.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك الذين صدقوا » ، من آمن بالله واليوم الآخر, ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية. يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله.

وأما قوله: « وأولئك هُم المتقون » ، فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا عقابَ الله، فتجنَّبوا عصيانه، وحَذِروا وعده، فلم يتعدَّوا حدوده. وخافوه, فقاموا بأداء فرائضه.

وبمثل الذي قلنا في قوله: « أولئك الذين صَدقوا » ، كان الربيع بن أنس يقول:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أولئك الذين صدقوا » قال، فتكلموا بكلام الإيمان, فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل, فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » ، فُرض عليكم.

فإن قال قائل: أفرضٌ على وليّ القتيل القصاصُ من قاتل وَليّه؟

قيل: لا ولكنه مباح له ذلك, والعفو, وأخذُ الدية.

فإن قال قائل: وكيف قال: « كتب عليكم القصاص » ؟

قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه, وإنما معناه: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى، أي أن الحر إذا قتل الحرَّ, فَدم القاتل كفءٌ لدم القتيل, والقصاصُ منه دون غيره من الناس, فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غيرَ قاتله.

والفرض الذي فرضَ الله علينا في القصاص، هو ما وصفتُ من ترك المجاوزة بالقصاص قَتلَ القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنه وجب علينا القصاص فرضًا وجُوب فرضِ الصلاة والصيام، حتى لا يكون لنا تركه. ولو كان ذلك فرضًا لا يجوز لنا تركه، لم يكن لقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، معنى مفهوم. لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .

وقد قيل: إن معنى القصاص في هذه الآية، مقاصَّة ديات بعض القتلى بديات بعض. وذلك أن الآية عندهم نـزلت في حِزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل بعضهم بعضًا, فأُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصْلح بينهم بأن تَسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين, ودياتُ رجالهم بديات رجالهم, وديات عبيدهم بديات عبيدهم، قصاصًا. فذلك عندهم مَعنى « القصاص » في هذه الآية.

فإن قال قائل: فإنه تعالى ذكره قال: « كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » ، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر, ولا للأنثى إلا من الأنثى؟

قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذكر بقول الله تعالى ذكره: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [ سورة الإسراء: 33 ] ، وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« المسلمون تتكافأ دماؤهم. »

فإن قال: فإذ كان ذلك, فما وجه تأويل هذه الآية؟

قيل: اختلف أهلُ التأويل في ذلك. فقال بعضهم: نـزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عَبد قوم آخرين، لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله، من أجل أنه عَبد، حتى يقتلوا به سَيّده. وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة, حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها. فأنـزل الله هذه الآية, فأعلمهم أن الذي فُرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجلَ القاتل دون غيره, وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال, وبالعبد العبدَ القاتلَ دون غيره من الأحرار, فنهاهم أن يتعدَّوا القاتل إلى غيره في القصاص.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج- قالا حدثنا حماد, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي في قوله : « الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، نـزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة, فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ ابن فلان, وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنـزل الله: « الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « كتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ وطاعة للشيطان, فكان الحيّ إذا كان فيهم عُدة ومَنعة, فقتل عبدُ قوم آخرين عبدًا لهم, قالوا: لا نقتل به إلا حرًّا! تعززًا، لفضلهم على غيرهم في أنفسهم. وإذا قُتلت لهم امرأة قتلتها امرأةُ قوم آخرين قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا! فأنـزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبدَ بالعبد والأنثى بالأنثى, فنهاهم عن البغي. ثم أنـزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ سورة المائدة: 45 ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » قال، لم يكن لمن قبلنا ديةٌ، إنما هُو القتل، أو العفوُ إلى أهله. فنـزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم, فكانوا إذا قتل من الحيّ الكثير عبدٌ قالوا: لا نقتل به إلا حُرًّا. وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا. فأنـزل الله: « الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » .

حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت داود, عن عامر في هذه الآية: « كتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، إنما ذلك في قتال عُمية، إذا أصيب من هؤلاء عبدٌ ومن هؤلاء عبدٌ، تكافآ, وفي المرأتين كذلك, وفي الحرّين كذلك. هذا معناه إن شاء الله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال، دخل في قول الله تعالى ذكره: « الحر بالحر » ، الرجل بالمرأة, والمرأةُ بالرجل. وقال عطاء: ليس بينهما فَضل.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتالٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل من كلا الفريقين جماعةٌ من الرجال والنساء, فأُمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلح بينهم، بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصًا بديات النساء من الفريق الآخر, وديات الرجال بالرجال, وديات العبيد بالعبيد، فذلك معنى قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر, فأصلح بينهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم - وقد كانوا قَتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدِّي الحرُّ ديةَ الحر, والعبد دية العبد, والأنثى دية الأنثى, فقاصَّهم بعضَهم من بعض.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان, عن السدي، عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتالٌ, كان لأحدهما على الآخر الطَّوْلُ فكأنهم طلبوا الفضْل. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم, فنـزلت هذه الآية: « الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحر بالحر، والعبد بالعبد, والأنثى بالأنثى .

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شعبة, عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية: « كتب عليكم القصاص في القتلى » قال، نـزلت في قتال عُمية. قال شعبة: كأنه في صلح. قال: اصطلحوا على هذا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية: « كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، نـزلت في قتال عُمية ، قال: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل, والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله : « يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، حُدِّثنا عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: أيما حُرّ قتل عبدًا فهو قَوَدٌ به, فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه, وقاصُّوهم بثمن العبد من دية الحرّ, وأدَّوا إلى أولياء الحرّ بقية ديته. وإن عبدٌ قتل حرًّا فهو به قَودٌ, فإن شاء أولياء الحرّ قتلوا العبد وقاصُّوهم بثمن العبد، وأخذوا بقية دية الحرّ, وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيَوُا العبد. وأيُّ حرّ قتل امرأة فهو بها قَوَدٌ, فإن شاء أولياء المرأة قَتلوه وأدّوا نصفَ الدية إلى أولياء الحرّ. وإن امرأة قتلتْ حُرًّا فهي به قَوَدٌ, فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية, وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوها، وإن شَاءوا عفوْا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن قتادة, عن الحسن: أن عليًّا قال في رجل قتل امرأته, قال: إن شاءوا قَتلوه وغَرِموا نصف الدية.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سعيد, عن عوف, عن الحسن قال: لا يُقتل الرجل بالمرأة، حتى يُعطوا نصف الدية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن سماك, عن الشعبي, قال، في رجل قَتل امرأته عمدًا, فأتوا به عليًّا فقال: إن شئتم فاقتلوه, ورُدُّوا فضل دية الرجل على دية المرأة.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في حال مَا نـزلت، والقومُ لا يقتلون الرجل بالمرأة, ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، حتى سَوَّى الله بين حكم جميعهم بقوله: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ سورة المائدة: 45 ] ، فجعل جميعَهم قَوَدَ بعضهم ببعض.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « والأنثى بالأنثى » ، وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة, ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة, فأنـزل الله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم، في العمد رجالهم ونساؤُهم، في النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد، في النفس وما دون النفس, رجالهم ونساؤُهم.

قال أبو جعفر: فإذ كان مُختلَفًا الاختلافُ الذي وصفتُ، فيما نـزلت فيه هذه الآية, فالواجب علينا استعمالها، فيما دلت عليه من الحُكم، بالخبر القاطع العذرَ. وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك, وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره- كان واضحًا فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك- بعوَض يُعطيه عليه. فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا.

وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: « الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ, وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى. وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني, فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون الآية نـزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض, كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله.

وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم- على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة, وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك, وكان قوله تعالى ذكره: « كُتب عليكم القصَاص » ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا, فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا.

فإن قال قائل: إذْ ذكرتَ أن معنى قوله: « كتب عليكم القصاص » - بمعنى: فُرض عليكم القصاص : لا يعرف لقول القائل: « كتب » معنًى إلا معنى: خط ذلك، فرسم خطًّا وكتابًا, فما برهانك على أن معنى قوله: « كتب » فُرِض؟

قيل: إن ذلك في كلام العرب موجودٌ, وفي أشعارهم مستفيض, ومنه قول الشاعر:

كُــتِبَ القَتْــلُ وَالقِتَــالُ عَلَيْنَــا وَعَــلَى المُحْصَنَـاتِ جَـرُّ الذُّيُـولِ

وقولُ نَابغةَ بني جعدة:

يَـا بِنْـتَ عَمِّـي, كِتَـابُ اللهِ أَخْرَجَنِي عَنْكُـم, فَهَـلْ أَمْنَعَـنَّ اللـهَ مَـا فَعَلا!

وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى. غير أن ذلك، وإن كان بمعنى: فُرض, فإنه عندي مأخوذ من « الكتاب » الذي هو رسمٌ وخَط. وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ, فقال تعالى ذكره في القرآن: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ سورة البروج: 21- 22 ] وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [ سورة الواقعة: 77- 78 ] . فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ.

فمعنى قوله: - إذ كان ذلك كذلك- « كُتب عليكم القصاص » ، كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله.

وأما « القصاص » فإنه من قول القائل: « قاصصتُ فلانًا حقّي قِبَلهُ من حَقه قبلي, قصاصًا ومُقاصَّة » . فقتل القاتل بالذي قتله « قصاص » , لأنه مفعول به مثلُ الذي فعَل بمن قتله, وإن كان أحد الفعلين عُدوانًا والآخر حَقًّا. فهما وإن اختلفا من هذا الوجه, فهما متفقان في أن كل واحد قد فعَل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به. وجعل فعل وَليّ القتيل الأوّل إذا قتل قاتل وليه - قصاصًا, إذ كان بسبب قتله استحق قتلَ من قتله, فكأن وليّه المقتول هو الذي وَلى قَتل قاتله، فاقتص منه.

وأما « القتلى » فإنها جمع « قتيل » كما « الصرعى » جمع « صريع » , والجرحى جمع « جريح » . وإنما يجمع « الفعيل » على « الفعلى » , إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه، نحو القتلى في معاركهم, والصرعى في مواضعهم, والجرحى، وما أشبه ذلك.

فتأويل الكلام إذًا: فُرض عليكم، أيها المؤمنون، القصاصُ في القتلى: أن يُقتص الحر بالحرّ، والعبد بالعبد, والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر « أن يقتص » اكتفاءً بدلالة قوله: « كُتب عليكم القصاص » عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: فمن تُرك له من القتل ظلمًا، من الواجب كان لأخيه عليه من القصَاص - وهو الشيء الذي قال الله: « فمن عُفي له من أخيه شيء » - فاتباعٌ من العافي للقاتل بالواجب له قبَله من الدية، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو, عن مجاهد, عن ابن عباس : « فمن عفي له من أخيه شيء » ، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد. واتباع بالمعروف: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدِّي هذا بإحسان.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا عمرو بن دينار, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس أنه قال في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، فقال: هو العمد، يرضى أهله بالدية، واتباع بالمعروف: أُمر به الطالب وأداء إليه بإحسان من المطلوب.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر- قالا جميعًا، أخبرنا ابن المبارك, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار, عن مجاهد, عن ابن عباس قال، الذي يقبل الدية، ذلك منه عفوٌ واتباعٌ بالمعروف, ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسان.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان » ، وهي الدية: أن يحسن الطالبُ الطلبَ وأداء إليه بإحسان: وهو أن يحسن المطلوبُ الأداءَ.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، والعَفُوُّ: الذي يعفو عن الدم ويَأخذ الدية.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء » قال، الدية.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن يزيد, عن إبراهيم, عن الحسن: « وأداء إليه بإحسان » قال، على هذا الطالب أن يطلبَ بالمعروف, وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف » ، والعفوُّ: الذي يعفو عن الدم, ويأخذ الدية.

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، هو العمد، يرضى أهله بالدية.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن داود, عن الشعبي مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « فمن عُفي له من أخيه شَيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، يقول: قُتل عمدًا فعُفي عنه, وقبلت منه الدية. يقول: « فاتباع بالمعروف » ، فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف, وأمرَ المؤدِّي أن يؤدي بإحسان، والعمد قَوَدٌ إليه قصاص, لا عَقل فيه، إلا أن يرضَوا بالدية. فإن رضوا بالدية، فمئة خَلِفَة. فإن قالوا: لا نرضى إلا بكذا وكذا. فذاك لهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، يتبع به الطالبُ بالمعروف, ويؤدي المطلوب بإحسان.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع، في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، يقول: فمن قتل عمدًا فعفي عنه، وأخذت منه الدية, يقول: « فاتباع بالمعروف » ، أمِر صاحبُ الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف, وأمِر المؤدِّي أن يؤدي بإحسان.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، ذلك إذا أخذ الدية، فهو عفوٌ.

حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص, فذلك قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، قال ابن جريج: وأخبرني الأعرج، عن مجاهد مثل ذلك, وزاد فيه: - فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف, وعلى الذي عُفى عنه أن يُؤدي بإحسان.

حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، قال الحسن: أخذ الدية عفوٌ حَسن.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وأداء إليه بإحسان » قال، أنتَ أيها المعفوُّ عنه.

حدثني محمد بن سعد, قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، وهو الدية، أن يحسن الطالب وأداء إليه بإحسان: هو أن يُحسن المطلوب الأداء.

وقال آخرون معنى قوله: « فمن عُفي » ، فمن فَضَل له فضل، وبقيتْ له بقية. وقالوا : معنى قوله: « من أخيه شيء » : من دية أخيه شيء, أو من أرْش جراحته، فاتباع منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بَقي ذلك قبله - بمعروف، وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.

وهذا قول من زعم أن الآية نـزلت - أعني قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى - في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلح بينهم، فيقاصَّ ديات بعضهم من بعض، ويُردّ بعضُهم على بعض بفضل إن بَقي لهم قبل الآخرين. وأحسب أن قائلي هذا القول وَجَّهوا تأويل « العفو » - في هذا الموضع- إلى: الكثرة من قول الله تعالى ذكره: حَتَّى عَفَوْا [ سورة الأعراف: 95 ] . فكأنّ معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قبَل أخيه القاتل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمنَ عُفي له من أخيه شيء » ، يقول: بقي له من دية أخيه شَيءٌ أو من أرش جراحته, فليتبع بمعروف، وليؤدِّ الآخرُ إليه بإحسان.

والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن - في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ أنه بمعنى: مُقاصّة دية النفس الذكَر من دية نَفس الأنثى, والعبد من الحر, والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما - أن يكون معنى قوله: « فمنْ عُفي له من أخيه شيء » ، فمن عُفي له من الواجب لأخيه عليه - من قصَاص دية أحدهما بدية نفس الآخر، إلى الرِّضى بدية نفس المقتول, فاتباع من الوليّ بالمعروف, وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء » : فمن صُفح له - من الواجب كان لأخيه عليه من القود - عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه, فاتباعٌ بالمعروف من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان. لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل: من أنّ معنى قول الله تعالى ذكره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. كذلك « العفو » أيضًا عن ذلك.

وأما معنى قَوله: « فاتباع بالمعروف » ، فإنه يعني: فاتباع على ما أوجبه الله لهُ من الحقّ قبَل قاتل وليه، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه - في أسنان الفرائض أو غير ذلك - أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه، كما:-

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: بلغنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من زاد أو ازداد بعيرًا » - يعني في إبل الديات وفرائضها - فمن أمر الجاهلية.

وأما إحسان الآخر في الأداء, فهو أداءُ ما لَزِمه بقتله لولي القتيل، على ما ألزمه الله وأوجبه عليه، من غير أن يبخسه حقًّا له قبله بسبب ذلك, أو يحوجه إلى اقتضاءٍ ومطالبة.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: « فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، ولم يَقل فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان، كما قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [ سورة محمد: 4 ] ؟ قيل: لو كان التنـزيل جاء بالنصب, وكان: فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان- كان جائزًا في العربية صحيحًا، على وجْه الأمر, كما يقال: « ضربًا ضَربًا وإذا لقيت فلانًا فتبجيلا وتعظيمًا » ، غير أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصح في كلام العرب من نصبه. وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرًا له، مما يكون فرضًا عامًّا - فيمن قد فعل، وفيمن لم يفعل إذا فعل- لا ندبًا وحثًّا. ورفعه على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فالأمر فيه: اتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان, أو فالقضاء والحكم فيه: اتباع بالمعروف.

وقد قال بعض أهل العربية: رفع ذلك على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فعليه اتباعٌ بالمعروف. وهذا مذهب, والأول الذي قلناه هو وجه الكلام. وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن، فإن رفعَه على الوجه الذي قُلناه. وذلك مثل قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ سورة المائدة: 95 ] ، وقوله: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ سورة البقرة: 229 ] . وأما قوله: فَضَرْبَ الرِّقَابِ ، فإن الصواب فيه النصب, وهو وجه الكلام، لأنه على وجه الحثّ من الله تعالى ذكره عبادَه على القتل عند لقاء العدو، كما يقال: « إذا لقيتم العدو فتكبيرًا وتهليلا » , على وجه الحضّ على التكبير، لا على وجه الإيجاب والإلزام.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ذلك » ، هذا الذي حكمت به وسَننته لكم، من إباحتي لكم - أيتها الأمة- العفوَ عن القصاص من قاتل قتيلكم، على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت مَنعتها مَن قبلكم من الأمم السالفة « تخفيف من ربكم » ، يقول: تخفيف مني لكم مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم « ورحمة » ، مني لكم. كما:-

حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية, فقال الله في هذه الآية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد « ذلك تخفيف من ربكم » . يقول: خفف عنكم ما كان على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار، عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان مَنْ قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل، لا تقبل منهم الدّية, فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى آخر الآية، « ذلك تخفيفٌ من ربكم » ، يقول: خفف عنكم، وكان على مَنْ قبلكم أنّ الدية لم تكن تقبل, فالذي يَقبل الدية ذلك منه عَفوٌ.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عمرو بن دينار, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس: « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة » - مما كان على بني إسرائيل، يعني: من تحريم الدية عليهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل قصاص في القتل، ليس بينهم دية في نَفس ولا جَرْح, وذلك قول الله: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية كلها [ سورة المائدة: 45 ] ، وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة, وذلك قوله تعالى: « ذلك تخفيفٌ من ربكم » بينكم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة » ، وإنما هي رحمة رَحم الله بها هذه الأمة، أطعمهم الدية, وأحلَّها لهم, ولم تحلَّ لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو, وليس بينهما أرْش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ، أمروا به. فجعل الله لهذه الأمة القوَد والعفو والدية إن شاءوا، أحلها لهم, ولم تكن لأمة قبلهم.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بمثله سواء, غير أنه قال: ليس بينهما شيء.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى قال، لم يكن لمن قبلنا دية, إنما هو القتل أو العفو إلى أهله. فنـزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثرَ من غيرهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، وأخبرني عمرو بن دينار, عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل كان كتب عليهم القصاص, وخفف عن هذه الأمة - وتلا عمرو بن دينار: « ذلك تخفيف من رَبكم ورحمة » .

وأما على قول من قال: القصاص في هذه الآية معناه: قصاصُ الديات بعضها من بعض، على ما قاله السدي، فإنه ينبغي أن يكون تأويله: هذا الذي فعلتُ بكم أيها المؤمنون من قصاص ديات قَتلى بعضكم بديات بعض، وترك إيجاب القوَد على الباقين منكم بقتيله الذي قَتله وأخذه بديته تخفيفٌ منّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكُم من حكمي عليكم بالقوَد أو الدية، ورحمة مني لكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 178 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه, فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم.

وقد بينت معنى « الاعتداء » فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، فقتل, « فله عذابٌ أليم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اعتدى » ، بعد أخذ الدية، « فله عذاب أليم » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل, فله عذاب أليم. قال: وذُكِر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك » قال، هو القتل بعد أخذ الدية. يقول: من قتل بعد أنْ يأخذ الدية فعليه القتلُ، لا تُقبلُ منه الدية.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الديةَ، فله عذاب أليم.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن قال، كان الرجل إذا قتل قتيلا في الجاهلية فرَّ إلى قومه, فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية قال، فيخرج الفارُّ وقد أمن على نفسه قال، فيُقتل ثم يُرْمى إليه بالدية, فذلك « الاعتداء » .

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، سمعت الحسن في هذه الآية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال، القاتلُ إذا طُلب فلم يُقدر عليه, وأُخِذ من أوليائه الدية, ثم أمن، فأخِذ فقُتِل. قال الحسن: ما أكل عُدوانٌ.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان قال، قلت لعكرمة: من قتل بعد أخذه الدية؟ قال: إذًا يُقتل! أما سمعت الله يقول: « فمن اعتدى بعدَ ذلك فله عذابٌ أليم » ؟

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، بعد مَا يأخذ الدية، فيقتل « فلا عذابٌ أليم » .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فله عذاب أليم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » قال، أخذ العَقْل، ثم قَتل بعد أخذ العقل قاتلَ قتيله، فله عذاب أليم.

واختلفوا في معنى « العذاب الأليم » الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليِّه.

فقال بعضهم: ذلك « العذابُ » هو القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » قال، يقتل, وهو العذاب الأليم يقول: العذاب المُوجع.

حدثني يعقوب قال، حدثني هشيم قال، حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير أنه قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان, عن عكرمة: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » قال، القتلُ.

وقال بعضهم: ذلك « العذابُ » عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن الليث غير أنه لم ينسبه, وقال: ثقة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبَ بقسَمٍ أو غيره أن لا يُعفي عن رَجل عَفا عن الدم وأخذ الدية، ثم عَدا فَقتل، قال ابن جريج: وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: في كتاب لعمرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، و « الاعتداء » الذي ذكر الله: أنّ الرجل يأخذ العقلَ أو يقتصُّ, أو يقضي السلطان فيما بين الجراح, ثم يعتدي بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه. فمن فعل ذلك فقد اعتدى, والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة قال: ولو عفا عنه، لم يكن لأحد من طلبة الحق أن [ يعفو ] لأن هذا من الأمر الذي أنـزل الله فيه قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ سورة النساء: 59 ] .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد, عن يونس, عن الحسن: في رجل قُتل فأخذت منه الدية, ثم إن وليَّه قَتل به القاتل. قال الحسن: تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يُقتل به.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » ، تأويلُ من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية, فَقتلَ قاتلَ وليه, فله عذاب أليم في عاجل الدنيا، وهو القتل. لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه, فقال تعالى ذكره وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [ سورة الإسراء: 33 ] . فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء. وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه, لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة, على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما قاله ابن جريج: من أن حكم من قَتل قاتل وَليِّه بعد عفوه عنه، وأخذِه دية وليِّه المقتول - إلى الإمام دُون أولياء المقتول, فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة. وذلك أنّ الله جعل لوليّ كل مقتول ظلمًا السلطانَ دون غيره، من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواءٌ كان ذلك قتيلَ وليّ من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئًا سئل البرهان عليه من أصلٍ أو نظير، وعُكِس عليه القول فيه, ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلاف ما قاله في ذلك، مكتفًى في الاستشهاد على فساده بغيره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولكم في القصَاص حَياةٌ يا أولي الألباب » ، ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ولكم في القصَاص حياةٌ يا أولي الألباب » قال، نكالٌ, تَناهٍ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، نكالٌ, تَناهٍ.

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: « ولكم في القصاص حياة » ، جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالا وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هَمّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها, ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض؛ وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهي الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين, والله أعلم بالذي يُصلح خَلقه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب » قال، قد جعل الله في القصاص حياة, إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع قوله: « ولكم في القصاص حياة » الآية, يقول: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم. كم من رجل قد هَمّ بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها! وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، نكالٌ, تناهٍ. قال ابن جريج: حَياةٌ. مَنعةٌ.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، حياةٌ، بقية. إذا خاف هذا أن يُقتل بي كفّ عني, لعله يكون عدوًّا لي يريد قتلي, فيذكر أن يُقْتَل في القصاص, فيخشى أن يقتل بي, فيكفَّ بالقصاص الذي خافَ أن يقتل، لولا ذلك قتل هذا.

حدثت عن يعلى بن عبيد قال، حدثنا إسماعيل, عن أبي صالح في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، بقاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره، لأنه لا يقتل بالمقتول غيرُ قاتله في حكم الله. وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر, وبالعبد الحرّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولكم في القصاص حياة » ، يقول: بقاء, لا يقتل إلا القاتل بجنايته.

وأما تأويل قوله: « يا أولي الألباب » ، فإنه: يا أولي العقول. « والألباب » جمع « اللب » , و « اللب » العقل.

وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهلَ العقول, لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه، ويتدبّرون آياته وحججه دونَ غيرهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 )

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: « لعلكم تتقون » ، أي تتقون القصاص، فتنتَهون عن القتل، كما:-

حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لعلكم تتقون » قال، لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « كُتب عليكم » ، فُرض عليكم، أيها المؤمنون، الوصية إذا حضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خَيرًا - والخير: المال للوالدين والأقربين الذين لا يرثونه, بالمعروف: وهو مَا أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث, ولم يتعمّد الموصي ظُلم وَرَثته حقًّا على المتقين يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه, وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.

فإن قال قائل: أوَفرضٌ على الرجل ذي المال أن يُوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟

قيل: نعم.

فإن قال: فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوص لهم، أيكون مضيِّعًا فرضًا يَحْرَج بتضييعه؟

قيل : نعم.

فإن قال: وما الدلالة على ذلك؟

قيل: قول الله تعالى ذكره: « كُتبَ عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خيرًا الوصيَّةُ للوالدين والأقربين » ، فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرَضه, كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [ سورة البقرة: 183 ] ، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضًا لله عليه. فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه ولهُ ما يوصي لهم فيه, مُضِيعٌ فَرْضَ الله عز وجل.

فإن قال: فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا: الوصيةُ للوالدين والأقربين منسوخةٌ بآية الميراث؟

قيل له: وخالفهم جماعةٌ غيرهم فقالوا: هي محكمةٌ غيرُ منسوخة. وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها, إذ كان غير مستحيل اجتماعُ حكمُ هذه الآية وحكمُ آية المواريث في حال واحدةٍ على صحة، بغير مدافعةِ حكم إحداهما حُكمَ الأخرى - وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة، لنفي أحدهما صَاحبه.

وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن جويبر، عن الضحاك أنه كان يقول: من مات ولم يُوص لذوي قرابته. فقد ختم عمله بمعصية.

حدثني سَلم بن جنادة. قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق: أنه حضر رجلا فوصَّى بأشياء لا تنبغي, فقال له مسروق: إنّ الله قد قسم بينكم فَأحسن القَسْم, وإنه من يرغب برأيه عن رَأي الله يُضِلّه, أوصِ لذي قرابتك ممن لا يرثك, ثم دع المال على ما قسمه الله عليه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: لا تجوز وصية لوارث، ولا يُوصي إلا لذي قرابة, فإن أوصَى لغير ذي قرابة فقد عمل بمعصية؛ إلا أن لا يكون قرابة، فيوصي لفقراء المسلمين.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة قال: العجبُ لأبي العالية أعتقته امرأة من بني رياح وأوصى بماله لبني هاشم!

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن رجل, عن الشعبي قال: لم يكن له [ مَوَال ] ، ولا كرامة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن محمد قال: قال عبد الله بن معمر في الوصية: من سمَّى، جعلناها حَيثُ سَمَّي - ومن قال: حيثُ أمرَ الله، جعلناها في قرابته.

حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر قال، حدثنا عمران بن حُدير قال: قلت لأبي مجلز: الوصية على كل مسلم واجبةٌ؟ قال: على من تركَ خيرًا.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح قال، حدثنا عمران بن حدير قال: قلت للاحق بن حُميد: الوصية حق على كل مسلم؟ قال: هي حق على من ترك خيرًا.

واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية.

فقال بعضهم: لم ينسخ الله شيئًا من حكمها, وإنما هي آية ظاهرُها ظاهرُ عموم في كل والد ووالدة والقريب, والمرادُ بها في الحكم البعضُ منهم دون الجميع, وهو من لا يرث منهم الميت دون من يَرث. وذلك قول من ذكرت قوله, وقول جماعة آخرين غيرهم مَعهم.

ذكر قول من لم يُذْكَر قولُه منهم في ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن جابر بن زيد: في رجل أوصى لغير ذي قرابة وله قرابةٌ محتاجون, قال: يُرَدّ ثلثا الثلث عليهم, وثلث الثلث لمن أوصى له به.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ قال، حدثنا أبي, عن قتادة, عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا - في الرجل يُوصي لغير ذي قرابته وله قرابة ممن لا يرثه قال، كانوا يجعلون ثُلثي الثلث لذوي القرابة, وثلث الثلث لمن أوصى له به.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد, عن الحسن أنه كان يقول: إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثُلثه فلهم ثلث الثلث, وثلثا الثلث لقرابته.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: من أوصى لقوم وسماهم، وترك ذوي قرابته محتاجين، انتُزِعتْ منهم وَرُدَّتْ إلى ذوي قرابته.

وقال آخرون: بل هي آية قد كان الحكم بها واجبًا وعُمل به بُرهة، ثم نَسخ الله منها بآية المواريث الوصيةَ لوالدي المُوصِي وأقربائه الذين يرثونه, وأقرّ فرضَ الوصية لمن كان منهم لا يرثه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، فجعلت الوصية للوالدين والأقربين، ثم نُسخ ذلك بعد ذلك، فجعل لهما نصيبٌ مفروضٌ, فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون, وجُعل للوالدين نصيبٌ معلوم, ولا تجوز وصية لوارث.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « إذ تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نسخ الوالدان منها, وترك الأقربون ممن لا يرث.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج, عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نَسخ من يَرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون.

حدثنا يحيى بن نصر قال، حدثنا يحيى بن حسان قال، حدثنا سفيان, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: كانت الوصية قبلَ الميراث للوالدين والأقربين, فلما نـزل الميراث، نَسخ الميراثُ من يرث، وبقي من لا يرث. فمن أوصَى لذي قَرابته لم تجز وصيتُه. .

حدثني المثنى قال، حدثنا سُويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن إسماعيل المكي, عن الحسن في قوله: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نَسخ الوالدين وأثبتَ الأقربين الذين يُحرَمون فلا يرثون.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في هذه الآية: « الوصية للوالدين والأقربين » قال، للوالدين منسوخة, والوصيةُ للقرابة وإن كانوا أغنياءَ.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، فكان لا يرث مع الوالدين غيرُهم، إلا وصية إن كانت للأقربين، فأنـزل الله بعد هذا: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ [ سورة النساء: 11 ] ، فبين الله سبحانه ميراث الوالدين, وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله : « إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، فنسخ من الوصية الوالدين، وأثبت الوصية للأقربين الذين لا يرثون.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « كتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إنْ تَرك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف » قال، كان هذا من قبل أن تُنـزل « سورة النساء » , فلما نـزلت آية الميراث نَسخَ شأنَ الوَالدين, فألحقهما بأهل الميراث، وصارت الوصية لأهل القرابة الذين لا يرثون.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن أبي ميمونة قال: سألت مسلم بن يَسار, والعلاء بن زياد عن قول الله تبارك وتعالى: « إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، قالا في القرابة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن إياس بن معاوية قال: في القرابة.

وقال آخرون: بل نَسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض والمواريث، فلا وصية تجب لأحد على أحد قريبٍ ولا بعيدٍ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوَالدين والأقربين » الآية, قال: فنسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن ابن سيرين, عن ابن عباس: أنه قام فخطب الناس هاهنا, فقرأ عليهم « سورة البقرة » ليبين لهم منها, فأتى على هذه الآية: « إن ترك خيرًا الوصية الوالدين والأقربين » قال، نُسخت هذه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، نسخت الفرائضُ التي للوالدين والأقربين الوصيةَ.

حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن جهضم, عن عبد الله بن بدر قال، سمعت ابن عمر يقول في قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » قال، نسختها آيةُ الميراث. قال ابن بشار: قال عبد الرحمن: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث.

حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة, عن شريح في هذه الآية: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، كان الرجل يُوصي بماله كله، حتى نـزلت آية الميراث.

حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة: أنه نسختْ آيتا المواريث في « سُورة النساء » ، الآيةَ في « سُورة البقرة » في شأن الوصية.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله : « إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » قال، كان الميراث للوَلد، والوصية للوالدين والأقربين, وهي منسوخة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: كان الميراث للولد, والوصية للوالدين والأقربين، وهي منسوخة، نسختها آيةٌ في « سورة النساء » : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ سورة النساء: 11 ]

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، أما الوالدان والأقربون، فيوم نـزلت هذه الآية كان الناس ليس لهم ميراث معلومٌ, إنما يُوصي الرجل لوالده ولأهله فيقسم بينهم، حتى نسختها « النساء » ، فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن نافع: أن ابن عمر لم يُوصِ، وقال: أمّا مالي، فالله أعلمُ ما كنت أصنع فيه في الحياة, وأما رِباعي فما أحب أن يَشْرَك ولدي فيها أحد.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا محمد بن يوسف قال، حدثنا سفيان, عن نسير بن ذعلوق قال، قال عروة - يعني ابن ثابت- لربيع بن خُثيم: أوْصِ لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ سورة الأنفال: 75 ] .

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا يزيد, عن سفيان، عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكرنا له أن زيدًا وطلحة كانا يشدِّدان في الوصية, فقال: ما كان عَليهما أن يفعلا مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُوصِ, وأوصَى أبو بكر, أيَّ ذلك فعلتَ فحسنٌ.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكر عنده طلحة وزيد فذكر مثله.

وأما « الخير » الذي إذا تركه تاركٌ وجب عليه الوصية فيه لوالديه وأقرَبيه الذين لا يرثون، فهو: المال، كما:-

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « إن تَرك خيرًا » ، يعني مالا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « إن ترك خيرًا » ، مالا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن أبي نجيح, عن مجاهد: « إن تَرَك خيرًا » ، كان يقول: الخير في القرآن كله: المال، لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ سورة العاديات: 8 ] ، الخير: المال - إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ سورة ص: 32 ] ، المال - فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [ سورة النور: 33 ] ، المال و ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ) ، المالُ.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إن ترك خيرًا الوصية » ، أي: مالا.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: « إن تَرك خيرًا الوصية » ، أما « خيرًا » ، فالمالُ.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « إن ترك خيرًا » قال، إن ترك مالا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: « إن ترك خيرًا » قال، الخيرُ المال.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى, عن الضحاك في قوله: « إن ترك خيرًا الوصية » قال، المال. ألا ترى أنه يقول: قال شعيب لقومه: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [ سورة هود: 84 ] يعني الغني.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا محمد بن عمرو اليافعي, عن ابن جريج, عن عطاء بن أبي رباح، تلا « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا » ، قال عطاء: الخير فيما يُرى المال.

ثم اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية.

فقال بعضهم: ذلك ألف درهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة في هذه الآية: « إن تَرَك خيرًا الوصية » قال، الخيرُ ألف فما فوقه.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا هشام بن عروة, عن عروة: أن علي بن أبي طالب دخل على ابن عم لهُ يعوده, فقال: إنّي أريد أن أوصي. فقال علي: لا توص، فإنك لم تترك خيرًا فتوصي.

قال: وكان ترك من السبعمئة إلى التسعمئة.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عثمان بن الحكم الحزامي وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب: أنه دخل على رجل مريض, فذكر لهُ الوصية, فقال: لا تُوص، إنما قال الله: « إن تَرك خيرًا » ، وأنت لم تترك خيرًا. قال ابن أبي الزناد فيه: فدع مَالك لبنيك.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور بن صفية, عن عبد الله بن عيينة - أو: عتبة, الشك مني- : أنّ رجلا أراد أن يوصي وله ولد كثير, وترك أربعمئة دينار, فقالت عائشة: ما أرى فيه فضلا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: دخل عليٌّ علَى مولى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم, فقال: ألا أوصي؟ فقال: لا! إنما قال الله: « إن ترك خيرًا » ، وليس لك كثير مال.

وقال بعضهم: ذلك ما بين الخمسمئة درهم إلى الألف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة, عن أبان بن إبراهيم النخعيّ في قوله: « إن ترك خيرًا » قال، ألف درهم إلى خمسمئة.

وقال بعضهم: الوصية واجبة من قليل المال وكثيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: جعل الله الوصية حقًّا، مما قل منه أو كثر.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: « كُتبَ عَليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية » ما قال الزهري. لأن قليلَ المال وكثيره يقع عليه « خيرٌ » , ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن. فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف, كما قال الله جل ذكره وأمرَ به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي - من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه- بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته.

فإن قال لنا قائل: وعلامَ عادت « الهاء » التي في قوله: « فمن بدّله » ؟

قيل: على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر. وذلك هو أمر الميت، وإيصاؤه إلى من أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.

ومعنى الكلام: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فأوصوا لهم، فمن بدل ما أوصيتم به لهم بعد ما سَمعكم توصون لَهم, فإنما إثم ما فعل من ذلك عليه دونكم.

وإنما قلنا إن « الهاء » في قوله: « فمن بدله » عائدة على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهرُ، لأن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ من قول الله, وأنّ تبديل المبدِّل إنما يكون لوصية الموصِي. فأما أمرُ الله بالوصية فلا يقدر هو ولا غيره أن يبدِّله، فيجوز أن تكون « الهاء » في قوله: « فمن بدله » عائده على « الوصية » .

وأما « الهاء » في قوله: « بعد ما سمعه » ، فعائدة على « الهاء » الأولى في قوله: « فمن بَدَّله » .

وأما « الهاء » التي في قوله: « فإنما إثمه » ، فإنها مكنيُّ « التبديل » ، كأنه قال: فإنما إثم ما بدَّل من ذلك على الذين يبدلونه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فمن بدَّله بَعد ما سمعه » قال، الوصية.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه » ، وقد وقعَ أجر الموصي على الله وبَرئ من إثمه, وإن كان أوصى في ضِرَارٍ لم تجز وصيته, كما قال الله: غَيْرَ مُضَارٍّ [ سورة النساء: 12 ]

حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه » ، قال: من بدّل الوصية بعد ما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا: عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه » ، فمن بدَّل الوصية التي أوصى بها، وكانت بمعروف, فإنما إثمها على من بدَّلها. إنه قد ظلم.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن قتادة: أن عطاء بن أبي رباح قال في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه » ، قال: يُمضَى كما قال.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: « فمن بدّله بعد ما سمعه » ، قال: من بدل وصية بعد ما سمعها.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم, عن الحسن في هذه الآية: « فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه » ، قال: هذا في الوصية، من بدَّلها من بعد ما سمعها, فإنما إثمه على من بَدَّله.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن عطاء وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهم قالوا: تُمضى الوصية لمن أوصَى له به إلى هاهنا انتهى حديث ابن المثنى, وزاد ابن بشار في حديثه قال قتادة: وقال عبد الله بن معمر: أعجبُ إليّ لو أوْصى لذوي قرابته, وما يعجبني أن أنـزعه ممن أوصَى له به. قال قتادة: وأعجبه إليّ لمن أوصى له به, قال الله عز وجل: « فمن بدَّله بعدَ ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: « إن الله سميع » لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها, أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف, أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟ « عليمٌ » بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل, أم الجور والحيْف.

 

القول في المعنى الذي من أجله أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال بعضهم: أنـزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنـزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فتلا ذلك عَلى أصحابه, وسمع به المشركون مِنْ عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك؟ ونحن نُنكر ذلك, ونحن نـزعم أنّ لنا آلهة كثيرة؟ فأنـزل الله عند ذلك: « إن في خَلق السموات والأرض » ، احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا مَا ذَكرنَا عَنهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, قال: نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنـزل الله تعالى ذكره: « إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، إلى قوله: لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ, وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ آية ] ، فأنـزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله, وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبيه, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنـزل الله تعالى ذكره: « إن في خلق السموات والأرض وَاختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنـزل الله تعالى ذكره: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال، حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحدٌ‍, فلتأتنا بآية إن كنتَ من الصادقين! فأنـزل الله: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرِنا آية! فنـزلت هذه الآية: « إنّ في خلق السموات والأرض » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر, عن سعيد قال: سألت قريش اليهودَ فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم بالعصَا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات, فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يجعل لَنا الصفا ذَهبًا، فنـزداد يقينًا, ونتقوَّى به على عدوّنا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه, فأوحى إليه: إنّي مُعطيهم, فأجعلُ لهم الصفا ذهبًا, ولكن إن كذَّبوا عذّبتهم عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذَرني وقَومي فأدعوهم يومًا بيوم. فأنـزل الله عليه: « إنّ في خَلق السموات والأرض » ، الآية: إن في ذَلك لآية لهم, إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا, فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار » ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: غيِّر لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا أنه منه! فقال الله: إنّ في هذه الآيات لآياتٍ لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نـزلت فيما قاله عطاء, وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى, ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنّ في خَلق السموات والأرض » ، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.

ومعنى « خلق » الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.

وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل: « الأرض » ، ولم تجمع كما جُمعت السموات, فأغنى ذلك عن إعادته

فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال: « إنّ في خلق السموات والأرض » ؟

قيل: قد اختلف في ذلك. فقال بعض الناس: لها خَلقٌ هو غيرها. واعتلُّوا في ذلك بهذه الآية, وبالتي في سورة: الكهف: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ سورة الكهف: 51 ] وقالوا: لم يخلق الله شيئًا إلا والله له مريدٌ. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله, والإرادة خلق لها.

وقال آخرون: خلق الشيء صفة له, لا هي هو، ولا غيرُه. قالوا: لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا. قالوا: ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه، وأن يكون موصوفًا، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق. ولو وجب ذلك كذلك، لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السموات والأرض صفة لهما، على ما وصفنا. واعتلُّوا أيضًا - بأن للشيء خلقًا ليس هو به- من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون.

وقال آخرون: خَلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق, هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.

فمعنى قوله: « إن في خلق السموات والأرض » : إنّ في السموات والأرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « واختلاف الليل والنهار » ، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.

وإنما « الاختلاف » في هذا الموضع « الافتعال » من « خُلوف » كل واحد منهما الآخر، كما قال تعالى ذكره: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ سورة الفرقان: 62 ] .

بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده, وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل: « خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء » , ومنه قول زهير:

بِهَــا العِيـنُ وَالآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وَأَطْلاؤُهَــا يَنْهَضْــنَ مِــنْ كُــلِّ مَجْـثَم

وأما « الليل » . فإنه جَمْع « ليلة » , نظيرُ « التمر » الذي هو جمع « تمرة » . وقد يجمع « ليالٍ » ، فيزيدون في جَمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم « الياء » في ذلك نظير زيادتهم إياها في « ربَاعية وثَمانية وكرَاهية » .

وأما « النهار » ، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنـزلة الضوء. وقد سمع في جَمعه « النُّهُر » ، قال الشاعر:

لَــوْلا الــثّرِيدانِ هَلَكْنَـا بِـالضُّمُرْ ثَرِيــدُ لَيْـــلٍ وثَرِيــدٌ بِـــالنُّهُرْ

ولو قيل في جمع قليله « أنهِرَة » كان قياسًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: إنّ في الفلك التي تجري في البحر.

و « الفلك » هو السُّفن, واحدُه وجمعه بلفظ واحد, ويذكَّر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [ سورة يس: 41 ] ، فذكَّره.

وقد قال في هذه الآية: « والفلك التي تجري في البحر » ، وهي مُجْراة، لأنها إذا أجريت فهي « الجارية » , فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.

وأما قوله: « بما ينفع الناس » ، فإن معناه: ينفعُ الناسَ في البحر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وما أنـزل اللهُ من السماء من مَاء » ، وفيما أنـزلهُ الله من السماء من ماء, وهو المطر الذي يُنـزله الله من السماء.

وقوله: « فأحيا به الأرضَ بَعدَ موتها » ، وإحياؤها: عمارَتُها، وإخراج نباتها. و « الهاء » التي في « به » عائدة على « الماء » و « الهاء والألف » في قوله: « بعد موتها » على الأرض.

و « موت الأرض » ، خرابها، ودُثور عمارتها, وانقطاعُ نباتها، الذي هو للعباد أقواتٌ، وللأنام أرزاقٌ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ

قال أبو جعفر: بعني تعالى ذكره بقوله: « وبث فيها منْ كلّ دَابة » ، وإن فيما بثّ في الأرض من دابة.

ومعنى قوله: « وبَث فيها » ، وفرَّقَ فيها, من قول القائل: « بث الأميرُ سراياه » ، يعنى: فرَّق.

و « الهاء والألف » في قوله: « فيها » ، عائدتان على الأَرْضَ .

« والدابة » « الفاعلة » ، من قول القائل: « دبَّت الدابة تدبُّ دبيبًا فهي دابة » . « والدابة » ، اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وتصريف الرياح » ، وفي تصريفه الرياح, فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول, كما تقول: « يعجبني إكرام أخيك » , تريد: إكرامُك أخَاك.

« وتصريف » الله إياها، أنْ يُرسلها مَرَّة لَواقحَ, ومرة يجعلها عَقيما, ويبعثها عذابًا تُدمِّر كل شيء بأمر ربها، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وتصريف الرياح والسحاب المسخر » قال، قادرٌ والله ربُّنا على ذلك, إذا شَاء [ جعلها رَحمةً لواقح للسحاب ونشرًا بين يدي رحمته، وإذا شاء ] جَعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح, إنما هي عَذابٌ على من أرسِلتْ عليه.

وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: « وتصريف الرياح » ، أنها تأتي مَرّة جنوبًا وشمالا وقبولا ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وَصَفَ الرياح بها، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها, لأن « تصريفها » تصريفُ الله لها, « وتصرفها » اختلافُ هُبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: « وتصريف الرياح » ، تصريفُ الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مَهابِّها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « والسحاب المسخر » ، وفي السحاب، جمع « سحابة » . يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [ سورة الرعد: 12 ] فوحّد المسخر وذكره, كما قالوا: « هذه تَمرة وهذا تمر كثير » . في جمعه, « وهذه نخلة وهذا نخل » .

وإنما قيل للسحاب « سحاب » إن شاء الله، لجر بعضه بعضًا وسَحبه إياه, من قول القائل: « مرّ فلان يَجر ذَيله » ، يعني: « يسحبه » .

فأما معنى قوله: « لآيات » ، فإنه عَلامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلِّه ومنشئه، إله واحدٌ.

« لقوم يعقلون » ، لمن عَقل مَوَاضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عبادَه، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق, إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي, والمكلفين بالطاعة والعبادة, ولهم الثواب، وعليهم العقاب.

فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الآية، في توحيد الله؟ وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً؟

قيل: إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية، دليلا على خالقه وصانعه, وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [ شيء ] , وبارئًا لا مِثْل له. وذلك وإن كان كذلك, فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم, غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان. فحاجَّهم تعالى ذكره فقال - إذ أنكروا قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة- : [ إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر ] وذلك هو معنى قوله: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ - وأنـزل إليكم الغيثَ من السماء, فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه, وأمرعه بعد دُثوره, فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم - ، وذلك هو معنى قوله: وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل, ومنها جمالٌ ومراكبُ, ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودْقِه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله: « وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض » .

فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم, وتفرَّد لهم بها. ثم قال: هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء، فتشركوه في عبادتكم إياي, وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا؟ فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء, ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي، وتفردت لكم بأياديّ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل، والجور والإنصاف. وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري, وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا. فهذا هو معنى الآية.

والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم، دون المعطِّلة والدُّهْرية، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية، من الحجج البالغة, المَقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له

وقد بينا فيما مضى أن « الندّ » ، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته.

وأن الذين اتخذوا هذه « الأنداد » من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.

واختلف أهل التأويل في « الأنداد » التي كان القوم اتخذوها. وما هي؟

فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: « ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله » ، من الكفار لأوثانهم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله تعالى ذكره: « يحبونهم كحب الله » ، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد، « والذين آمنوا أشد حبًا لله » ، من الكفار لأوثانهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « ومن الناس من يتخذُ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله، « والذين آمنوا أشد حبًا لله » , أي من الكفار لأوثانهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عَبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتَهم.

وقال آخرون: بل « الأنداد » في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله » قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله.

فإن قال قائل: وكيف قيل: « كحب الله » ؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله، فيقال: « يُحبونهم كحب الله » ؟

قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه, وإنما ذلك نظير قول القائل: « بعت غُلامي كبيع غلامِك » , بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيْعك غُلامَك, « واستوفيتُ حَقي منه استيفاء حَقك » , بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطَب، اكتفاء بكنايته في « الغلام » و « الحق » , كما قال الشاعر:

فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيَّـا عَـــلَى زَيْــدٍ بِتَسْــلِيم الأمِــيرِ

يعنى بذلك: كما يُسلَّم على الأمير.

فمعنى الكلام إذًا: ومنَ الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( 165 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم: « ولوْ ترى الذين ظَلموا » بالتاء « إذ يَرون العذابَ » بالياء « أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب » بفتح « أنّ » و « أنّ » كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وَظَلموا أنفسهم، حينَ يَرون عذابَ الله ويعاينونه « أنّ القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب » .

ثم في نصَبْ « أنّ » و « أنّ » في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه, فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا - ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعًا, وأنّ الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ - إذا فتحت « أن » على هذا الوجه- متروكًا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح « أن » ، على قراءة من قرأ: « ولو ترى » ب « التاء » .

والوجهُ الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ يَرى الذين ظلموا عذابَ الله, لأن القوة لله جميعًا, وأن الله شديد العذاب, لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف « اللام » ، فتفتح بذلك المعنى، لدلالة الكلام عليها.

وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء: « ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب » . بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال: « إن القوة لله جميعًا » في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة, « وإن الله شديد العذاب » لمن أشرك به، وادعى معه شُركاء، وجعل له ندًا.

وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر « إن » في « ترى » بالتاء. وهو أن يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون: إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب. ثمّ تحذفُ « القول » وتَكتفي منه بالمقول.

وقرأ ذلك آخرون: « ولو يَرَى الذين ظلموا » بالياء « إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب » بفتح « الألف » من « أنّ » « وأنّ » , بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, إذ يرون العذاب. فتكون « أن » الأولى منصوبة لتعلقها بجواب « لو » المحذوف، ويكون الجواب متروكًا, وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.

وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ: « ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب » بالياء في « يرى » وفتح « الألفين » في « أن » « وأن » - : ولو يعلمون، لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عَلم, فإذا قال: « ولو ترى » , فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو كسر « إنّ » على الابتداء، إذا قال: « ولو يرى » جاز, لأن « لو يرى » ، لو يعلم.

وقد تكون « لو » في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء. تقول للرجل: « أمَا وَالله لو يعلم، ولو تعلم » كما قال الشاعر:

إنْ يكُــنْ طِبَّـكِ الـدّلالُ, فلَـوْ فِـي سَـالِفِ الدَّهْــرِ والسِّـنِينَ الخَــوَالِي!

هذا ليس له جواب إلا في المعنى, وقال الشاعر

وَبِحَـــــظٍّ مِمَّــــا نَعِيشُ, وَلا تَــذْهَبْ بِـكَ التُّرَّهَـاتُ فِــي الأهْـوَالِ

فأضمر: فعيشي.

قال: وقرأ بعضهم: « ولو تَرى » ، وفتح « أن » على « ترى » . وليس بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم, ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ، كما قال تعالى ذكره: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ سورة السجدة: 3 ] ، ليخبر الناس عن جهلهم, وكما قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ سورة البقرة: 107 ] .

قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون « أنّ » عاملا فيها قوله: « ولو يرى » . وقالوا: إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا, فلا وجه لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا: إنما عمل في « أن » جواب « لو » الذي هو بمعنى « العلم » , لتقدم « العلم » الأول.

وقال بعض نحويي الكوفة: مَنْ نصب: « أن القوة لله وأن الله شديد العذاب » ممن قرأ: « ولو يَرَى » بالياء، فإنما نصبها بإعمال « الرؤية » فيها, وجعل « الرؤية » واقعةً عليها. وأما مَنْ نصبها ممن قرأ: « ولو ترى » بالتاء, فإنه نَصبَها على تأويل: لأنّ القوة لله جميعًا, ولأن الله شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء، فإنه يكسرهما على الخبر.

وقال آخرون منهم: فتح « أنّ » في قراءة من قرأ: « ولو يَرَى الذين ظلموا » بالياء، بإعمال « يرى » , وجوابُ الكلام حينئذ متروك, كما ترك جواب: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [ سورة الرعد: 31 ] ، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. وقالوا: جائز كسر « إن » ، في قراءة من قرأ ب « الياء » , وإيقاع « الرؤية » على « إذ » في المعنى, وأجازوا نصب « أن » على قراءة من قرأ ذلك ب « التاء » ، لمعنى نية فعل آخر, وأن يكون تأويل الكلام: « ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب » ، [ يرَون ] أنّ القوة لله جميعا، وزعموا أن كسر « إنّ » الوجهُ، إذا قرئت: « ولو تَرَى » ب « التاء » على الاستئناف, لأن قوله: « ولو ترى » قد وَقع على « الذين ظلموا » .

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك: « ولو تَرَى الذين ظلموا » - بالتاء من « ترى » - « إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب » بمعنى: لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله: « لرأيت » الثانية، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله: « ولو ترى الذين ظلموا » ، عن ذكره, وإن كان جوابًا ل « لو » .

ويكون الكلام، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - معنيًّا به غيره. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك نظيرَ قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ سورة البقرة: 107 ] وقد بيناه في موضعه.

وإنما اخترنا ذلك على قراءة « الياء » ، لأن القوم إذا رَأوا العذاب، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, فلا وجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ. لأنه إنما يقال: « لو رأيت » ، لمن لم يرَ, فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له: « لو رأيت » .

ومعنى قوله: « إذ يَرون العذاب » ، إذ يُعاينون العذاب، كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب » ، يقول: لو عاينوا العذاب.

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: « ولو تَرَى الذين ظلموا » ، ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي, حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم, لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة, وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا, ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم, وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.

القول في تأويل قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إذْ تبرَأ الذين اتُّبعوا منَ الذين اتبعوا ورَأوا العذاب » ، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعواهم.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله: « إذ تَبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » ، فقال بعضهم بما:-

حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إذ تبرأ الذين اتُّبعوا » ، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس في الشرك, « من الذين اتَّبعوا » ، وهم الأتباع الضعفاء, « ورأوا العذاب » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا » قال، تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، ابن جريج: قلت لعطاء: « إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » قال، تبرأ رؤساؤهم وقادَتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم.

وقال آخرون بما:-

حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إذ تبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتُّبعوا » ، أما « الذين اتُّبعوا » ، فهم الشياطين تبرأوا من الإنس.

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض, بل عَمّ جميعهم. فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتَّبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا عَذابَ الله في الآخرة.

وأما دِلالة الآية فيمن عنى بقوله: « إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا » ، فإنها إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دون الله مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفتَه بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.

وإذ كانت الآيةُ على ذلك دَالّةً، صحّ التأويل الذي تأوله السدي في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، أن « الأنداد » في هذا الموضع، إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر, ويَعصُون الله في طاعتهم إياهم, كما يُطيع اللهَ المؤمنون ويَعصون غيره وفسد تأويل قول من قال: « إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا » ، إنهم الشياطين تَبرءوا من أوليائهم من الإنس. لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن مُتخذي الأنداد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين اتبعوا, وإذ تَقطعت بهم الأسباب.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى « الأسباب » . فقال بعضهم بما:-

حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير,- عن عبيد المكتب, عن مجاهد: « وتَقطعت بهمُ الأسباب » قال، الوصال الذي كان بينهم في الدنيا.

حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد: « وتقطَّعت بهم الأسباب » قال، تواصلهم في الدنيا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد - جميعًا قالا حدثنا سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد بمثله.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، المودّة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى قال، أخبرني قيس بن سعد, عن عطاء, عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره: « وتقطّعت بهم الأسباب » قال، المودة.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وتقطعت بهم الأسباب » ، أسبابُ الندامة يوم القيامة, وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابُّون بها, فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ويتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره: الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [ سورة الزخرف: 67 ] ، فصارت كل خُلَّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، هو الوصْل الذي كان بينهم في الدنيا.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وتقطعت بهم الأسباب » ، يقول: الأسبابُ، الندامة.

وقال بعضهم: بل معنى « الأسباب » ، المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « وتقطعت بهم الأسباب » ، يقول: تقطّعت بهم المنازلُ.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، الأسباب المنازل.

وقال آخرون: « الأسباب » ، الأرحام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, وقال ابن عباس: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، الأرحام.

وقال آخرون : « الأسباب » ، الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا « وتقطعت بهم الأسباب » ، فالأعمال.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » قال، أسباب أعمالهم, فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وَثيقةً، فيأخذون بها فينجُون, والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار.

قال أبو جعفر: « والأسباب » ، الشيء يُتعلَّقُ به. قال: و « السبب » الحبل. « والأسباب » جمع « سَبب » , وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته. فيقال للحبل « سبب » ، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به. ويقال للطريق « سبب » ، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه. وللمصاهرة « سبب » ، لأنها سَببٌ للحرمة. وللوسيلة « سَبب » ، للوصول بها إلى الحاجة, وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة، فهو « سبب » لإدراكها.

فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في تأويل قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم - من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار- يتبرأ عند معاينتهم عذابَ الله المتبوعُ من التابع, وتتقطع بهم الأسباب.

وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا, وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ سورة إبراهيم: 22 ] ، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين, وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا, فقال تعالى ذكره: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [ سورة الصافات:24- 25 ] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه, وإن كان نسيبه لله وليًّا, فقال تعالى ذكره في ذلك: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ سورة التوبة: 114 ] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات.

وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب, فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم،

ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم, ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة.

فلا مَعْنِىَّ أبلغُ - في تأويل قوله: « وتقطعت بهم الأسباب » - من صفة الله [ ذلك ] وذلك ما بيَّنا من [ تقطّع ] جَميع أسبابهم دون بَعضها، على ما قلنا في ذلك. ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه, وعورض بقول مخالفه فيه. فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « وقَال الذين اتَّبعوا » ، وقال أتباع الرجال - الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله, ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم, إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة- : « لو أن لنا كرة » .

يعني « بالكرة » ، الرجعةَ إلى الدنيا, من قول القائل: « كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا » , و « الكرَّة » المرة الواحدة, وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم، كما قال الأخطل:

وَلَقَـدْ عَطَفْـنَ عَـلَى فَـزَارَةَ عَطْفَـةً كَـرَّ الْمَنِيـحِ, وَجُـلْنَ ثَــمَّ مَجَــالا

وكما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: « وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا » ، أي: لنا رجعةً إلى الدنيا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة » قال، قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا.

وقوله: « فنتبرأ منهم » منصوبٌ، لأنه جواب للتمني ب « الفاء » . لأن القوم تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله، فقالوا: يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فنتبرأ منهم, و يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الأنعام: 27 ]

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: « كذلك يُريهمُ الله أعمالهم » ، يقول: كما أراهم العذابَ الذي ذكره في قوله: وَرَأَوُا الْعَذَابَ ، الذي كانوا يكذبون به في الدنيا, فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله « حسرات عليهم » يعني: نَدامات.

« والحسرات » جَمع « حَسْرة » . وكذلك كل اسم كان واحده على « فَعْلة » مفتوح الأول ساكن الثاني, فإن جمعه على « فَعَلات » مثل « شَهوة وتَمرة » تجمع « شَهوات وتَمرات » مثقَّلة الثواني من حروفها. فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل « ضخمة » ، تجمعها « ضخْمات » و « عَبْلة » تجمعها « عَبْلات » , وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر:

عَــلَّ صُـرُوفَ الدَّهْـرِ أوْ دُولاتِهَـا يُدِلْنَنَـــا اللَّمَّــة مِــنْ لَمَّاتِهَــا

فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا

فسكنّ الثاني من « الزفرات » ، وهي اسم. وقيل: إن « الحسرة » أشد الندامة.

فإن قال لنا قائل: فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم, وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه, فيريهم الله قليلَه! بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله, ولا حسرةَ عليهم في ذلك, وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله؟

قيل: إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون, فنذكر في ذلك ما قالوا, ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها، حتى استوجب ما كان الله أعدَّ لهم، لو كانوا عملوا بها في حياتهم، من المساكن والنِّعم غيرُهمْ بطاعته ربَّه. فصار ما فاتهم من الثواب - الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك- أسًى وندامةً وحسرةً عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم » ، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أنهم أطاعوا الله, فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين, فيرثونهم. فذلك حين يندمون.

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال، حدثنا أبو الزعراء, عن عبد الله - في قصة ذكرها- فقال: فليس نَفْسٌ إلا وهي تنظر إلى بَيتٍ في الجنة وبَيتٍ في النار, وهو يومُ الحسرة. قال: فيرى أهلُ النار الذين في الجنة, فيقال لهم: لو عَملتم! فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في النار, فيقال: لولا أن منَّ الله عليكم!

فإن قال قائل: وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا التأويل؟

قيل: كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [ له ] قبل أن يعمله: هذا عملك. يعني: هذا الذي يجب عليك أن تَعمله, كما يقال للرجل يَحضُر غَداؤه قبل أن يَتغدى به: هذا غَداؤك اليوم. يعني به: هذا ما تَتغدى به اليوم. فكذلك قوله: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم » ، يعني: كذلك يُريهم الله أعمالهم التي كان لازمًا لهم العمل بها في الدنيا، حسرات عليهم.

وقال آخرون: كذلك يُريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم، لم عَملوها؟ وهلا عملوا بغيرها مما يُرضي الله تعالى ذكره؟

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم » ، فصَارت أعمالهم الخبيثة حَسرةً عليهم يوم القيامة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « أعمالهم حسرات عليهم » قال، أوليس أعمالهم الخبيثةُ التي أدخلهم الله بها النار؟ [ فجعلها ] حسرات عليهم. قال: وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم, وقرأ قول الله: بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [ سورة الحاقة: 24 ]

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: « كذلك يُريهم الله أعمالهمْ حَسرات عليهم » ، كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم.

فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها. والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية, فإنه مَنـزع بعيد. ولا أثر - بأنّ ذلك كما ذكر- تقوم به حُجة فيسلم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنـزيل إلى باطن تأويل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الذين وصَفتهم من الكفار وإنْ نَدموا بعد معاينتهم مَا عاينوا من عذاب الله, فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة, وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها, ويتبرأوا من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها بخارجين من النار التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنيا, ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ, ولكنهم فيها مخلدون.

وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ الله أهلَ النار من أهل الكفر مُنقضٍ, وأنه إلى نهاية, ثم هو بعدَ ذلك فانٍ. لأن الله تعالى ذكره أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية, ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيّها الناسُ كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيَّبْته لكم - مما تُحرِّمونه عَلى أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمه عليكم دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من مَيتة ودم ولحم خنـزير وما أهِلّ به لغيري. ودَعوا خُطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم، ويوردكم مَوارد العطب، ويحرّم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها, إنه يعني بقوله: « إنه » إنّ الشيطان, و « الهاء » في قوله: « إنه » عائدة على الشيطان لكم أيها الناس « عدو مُبين » ، يعني: أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة, وأكل من الشجرة.

يقول تعالى ذكره: فلا تنتصحوه، أيها الناس، مع إبانته لكم العداوة, ودعوا ما يأمركم به, والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم, دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره.

ومعنى قوله: « حَلالا » ، طِلْقًا. وهو مصدر من قول القائل: « قد حَلَّ لك هذا الشيء » , أي صار لك مُطلقًا، « فهو يَحِلُّ لك حَلالا وحِلا » ، ومن كلام العرب: « هو لك حِلٌّ » , أي: طِلْق. .

وأما قوله: « طيبًا » فإنه يعني به طاهرًا غير نَجس ولا محرَّم.

وأما « الخطوات » فإنه جمع « خُطوة » , و « الخطوة » بعد ما بين قدمي الماشي. و « الخطوة » بفتح « الخاء » « الفعلة » الواحدة من قول القائل: « خَطوت خَطوة واحدةً » . وقد تجمع « الخُطوة » « خُطًا » و « الخَطْوة » تجمع « خَطوات » ، « وخِطاء » .

والمعنى في النهي عن اتباع خُطواته, النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه، مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره.

واختلف أهل التأويل في معنى « الخطوات » . فقال بعضهم: خُطُوات الشيطان: عمله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « خطوات الشيطان » ، يقول: عمله.

وقال بعضهم: « خطوات الشيطان » ، خَطاياه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « خُطُوات الشيطان » قال، خطيئته.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: خَطاياه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولا تتَّبعوا خُطُوات الشيطان » قال، خطاياه.

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك قوله: « خطوات الشيطان » قال، خطايا الشيطان التي يأمرُ بها.

وقال آخرون: « خطوات الشيطان » ، طاعته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: « ولا تتبعوا خطوات الشيطان » ، يقول: طاعته.

وقال آخرون: « خطوات الشيطان » ، النذورُ في المعاصي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن سليمان, عن أبي مجلز في قوله: « ولا تتّبعوا خُطوات الشيطان » قال، هي النذور في المعاصي.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله: « خطوات الشيطان » ، قريبٌ معنى بعضها من بعض. لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. غيرَ أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت، من أنها « بعد ما بين قَدميه » ، ثم تستعمل في جميع آثاره وطُرقه، على ما قد بينت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 169 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنما يأمرُكم » ، الشيطانَ، « بالسوء والفحشاء وأن تَقولوا على الله ما لا تعلمون » .

« والسوء » : الإثم، مثل « الضُّرّ » ، من قول القائل: « ساءك هذا الأمر يَسوءك سُوءًا » ، وهو ما يَسوء الفاعل.

وأما « الفحشاء » ، فهي مصدر مثل « السراء والضراء » ، وهي كل ما استُفحش ذكرُه، وقَبُح مَسموعه.

وقيل: إن « السوء » الذي ذكره الله، هو معاصي الله. فإن كان ذلك كذلك, فإنما سَمَّاها الله « سوءًا » لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله. وقيل: إن « الفحشاء » ، الزنا: فإن كان ذلك كذلك, فإنما يُسمى [ كذلك ] ، لقبح مسموعه، ومكرُوه ما يُذْكَر به فاعله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنما يأمركم بالسوء والفحشاء » ، أمّا « السوء » ، فالمعصية, وأما « الفحشاء » ، فالزنا.

وأما قوله: « وأنْ تَقولوا على الله مَا لا تعلمون » ، فهو ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي, ويزعمون أن الله حرَّم ذلك. فقال تعالى ذكره لهم: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ سورة المائدة: 103 ] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية، أنّ قيلهم: « إنّ الله حرم هذا! » من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان, وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه, ولم يحرم أكله عليهم, ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته، طاعةً منهم للشيطان, واتباعًا منهم خطواته, واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال, الذين كانوا بالله وبما أنـزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم, كما أنـزل الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا .

=

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 )

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية وجهان من التأويل.

أحدهما: أن تكون « الهاء والميم » من قوله: « وإذا قيلَ لهم » عائدة على مَنْ في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، فيكون معنى الكلام: ومن الناس مَنْ يَتخذُ من دُون الله أندادًا, وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنـزل الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا.

والآخر: أن تكون « الهاء والميم » اللتان في قوله: « وإذا قيل لهم » ، من ذكر النَّاسُ الذين في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا ، فيكون ذلك انصرافًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب، كما في قوله تعالى ذكره: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سورة يونس: 22 ]

قال أبو جعفر: وأشبه عندي بالصواب وأولى بتأويل الآية أن تكون « الهاء والميم » في قوله: « لهم » ، من ذكر النَّاسُ , وأن يكون ذلك رجوعًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب. لأن ذلك عَقيب قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ . فلأنْ يكون خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبرَ أنّ منهم مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، مع ما بينهما من الآيات، وانقطاع قَصَصهم بقصة مُستأنفة غيرها وأنها نـزلت في قوم من اليهود قالوا ذلك، إذ دعوا إلى الإسلام، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: دَعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه, وحذرهم عقاب الله ونقمته, فقال له رَافع بن خارجة، ومَالك بن عوف: بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنـزل الله في ذلك من قولهما « وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنـزل اللهُ قالوا بَل نتِّبع ما ألفينا عَليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يَهتدون » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس مثله - إلا أنه قال: فقال له أبو رَافع بن خارجة، ومالك بن عوف.

وأما تأويل قوله: « اتبعوا ما أنـزلَ الله » ، فإنه: اعملوا بما أنـزل الله في كتابه على رسوله, فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه, واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به, وقائدًا تَتبعون أحكامه.

وقوله: « ألفينا عَليه آباءنا » ، يعني وَجدنا, كما قال الشاعر:

فَأَلْفَيْتُــــهُ غَـــيْرَ مُسْـــتَعْتِبٍ وَلا ذَاكِـــرِ اللــهَ إلا قَلِيــــلا

يعني: وجدته، وكما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « قالوا بَل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا » ، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء الكفار: كلوا مما أحلّ الله لكم، ودَعوا خُطوات الشيطان وطريقه، واعملوا بما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه - استكبروا عن الإذعان للحقّ وقالوا: بل نأتم بآبائنا فنتَّبع ما وجدناهم عليه، من تحليل ما كانوا يُحلُّون، وتحريم ما كانوا يحرّمون.

قال الله تعالى ذكره: « أوَ لو كانَ آباؤهم » - يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم- « لا يعقلون شيئًا » من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه, فيُتَّبعون على ما سَلكوا من الطريق، ويؤتمُّ بهم في أفعالهم - « ولا يَهتدون » لرشد، فيهتدي بهم غيرهم, ويَقتدي بهم من طَلب الدين, وأراد الحق والصواب؟

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تَتَّبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمرُكم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يَتّبع المتبعُ ذا المعرفة بالشيء المستعملَ له في نفسه, فأما الجاهل فلا يتبعه - فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: مثل الكافر في قلة فهمه عن الله ما يُتلى عليه في كتابه، وسُوء قبوله لما يدعى إليه من توحيد الله ويوعظ به مثلُ البهيمة التي تسمع الصوتَ إذا نُعق بها، ولا تعقلُ ما يقال لها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ قال، حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة، في قوله: « ومثلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداءً » قال، مَثلُ البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول.

حدثني محمد بن عبد الله بن زريع قال، حدثنا يوسف بن خالد السمتي قال، حدثنا نافع بن مالك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: « كمثل الذي يَنعق بما لا يَسمع » قال، هو كمثل الشاة ونحو ذلك. .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمع إلا دعاءً ونداءً » ، كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضها « كُلْ » - لا يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك. وكذلك الكافر، إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وَعظته، لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: مثل الدابة تنادى فتسمعُ ولا تعقل ما يقال لها. كذلك الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعق بما لا يسمع » قال، مثل الكافر مثل البهيمة تسمع الصوت ولا تعقل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعِق » ، مثلٌ ضربه الله للكافر يسمع ما يقال له ولا يعقل, كمثل البهيمة تسمع النعيقَ ولا تعقل.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً » ، يقول: مثل الكافر كمثل البعير والشاة، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدري ما عُني به.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كمثل الذي ينعقُ بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً » قال، هو مثل ضربه الله للكافر. يقول: مَثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها. فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: هو مَثل الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: سألت عطاء ثم قلت له : يقال: لا تعقل - يعني البهيمة- إلا أنها تسمع دُعاء الداعي حين ينعِقُ بها, فهم كذلك لا يَعقلون وهم يسمعون. فقال: كذلك. قال: وقال مجاهد: « الذي ينعِق » ، الراعي « بما لا يسمع » من البهائم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كمثل الذي ينعق » الراعي « بما لا يسمع » من البهائم.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو، قال حدثنا أسباط, عن السدي: « كمثل الذي ينعِق بما لا يَسمع إلا دُعاء ونداءً » ، لا يعقل ما يقال له إلا أن تُدعي فتأتي، أو ينادَى بها فتذهب. وأما « الذي ينعق » ، فهو الراعي الغنم، كما ينعق الراعي بما لا يسمع ما يقال له, إلا أن يُدعى أو ينادى. فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو من لا يسمع إلا خرير الكلام، يقول الله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ سورة البقرة: 18 ]

قال أبو جعفر: ومعنى قائلي هذا القول - في تأويلهم ما تأوَّلوا، على ما حكيت عنهم - : ومثَلُ وَعْظِ الذين كفروا وواعظهم، كمثل نَعْق الناعق بغنمه ونعيقِه بها. فأضيف « المثل » إلى الذين كفروا, وترك ذكر « الوعظ والواعظ » ، لدلالة الكلام على ذلك. كما يقال: « إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان » , يراد به: كما تعظم السلطانَ, وكما قال الشاعر:

فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيًّـا عَــــلَى زَيْـــدٍ بِتَسْـــلِيمِ الأمِـــير

يراد به: كما يُسلِّم على الأمير.

وقد يحتمل أن يكون المعنى - على هذا التأويل الذي تأوله هؤلاء- : ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: « اعتلف، أو رِدِ الماء » ، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله. فكذلك الكافر, مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه- مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق, كما قال نابغة بني ذبيان:

وَقَـدْ خِـفْتُ, حَـتَّى مَـا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَـلَى وَعِــلٍ فِــي ذِي المَطَـارَة عَاقِلِ

والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي, وكما قال الآخر:

كَــانَتْ فَرِيضَـةُ مَـا تَقُـولُ, كَمَـا كَــانَ الزِّنَــاءُ فَرِيضَــةَ الرَّجْـــمِ

والمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر:

إنّ سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُه تَحْـلَى بِــهِ العَيْـنُ إذَا مَـا تَجْـهَرُهْ

والمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. ونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه, فتقول: « اعرِض الحوضَ على الناقة » , وإنما تعرض الناقة على الحوض, وما أشبه ذلك من كلامها.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومَثل الذين كفروا في دُعائهم آلهتهم وأوثانهم التي لا تسمع ولا تعقل, كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً, وذلك الصدى الذي يسمع صوته, ولا يفهم به عنه الناعقُ شيئًا.

فتأويل الكلام على قول قائلي ذلك: ومثل الذين كفروا وآلهتهم - في دعائهم إياها وهي لا تفقه ولا تعقل- كمثل الناعق بما لا يسمعه الناعقُ إلا دعاءً ونداءً, أي: لا يسمع منه الناعق إلا دعاءَه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومَثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمعُ إلا دعاءً ونداءً » قال، الرجل الذي يصيح في جَوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له « الصَّدى » . فمثل آلهة هؤلاء لَهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يَسمع إلا دعاء ونداء. قال: والعرب تسمي ذلك الصدى.

وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك. وهو أن يكون معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء, فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها, ولا ينفعه شيء.

قال أبو جعفر: وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه. وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه, فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل.

فأما وَجه جَواز حذف « وعظ » اكتفاء بالمثل منه، فقد أتينا على البيان عنه في قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ سورة البقرة: 17 ] ، وفي غيره من نظائره من الآيات، بما فيه الكفاية عن إعادته. .

وإنما اخترنا هذا التأويل, لأن هذه الآية نـزلت في اليهود, وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها, ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها. ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك- لتأويل من تأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها.

فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟

قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها, فإنهم هم المعنيون به. فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نـزلت, والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نـزلت فيهم. وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود، كان عطاء يقول:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنـزل الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا إلى قوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ سورة البقرة: 174- 175 ] .

وأما قوله: « يَنعِق » ، فإنه: يُصوِّت بالغنم، « النَّعيق، والنُّعاق » , ومنه قول الأخطل:

فَـانْعِقْ بِضَـأْنِكَ يَـا جَـرِيرُ, فَإِنَّمَـا مَنَّتْـكَ نَفْسَـكَ فِـي الخَــلاءِ ضَــلالا

يعني: صوِّت به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ » ، هؤلاء الكفارَ الذين مَثلهم كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً « صُمٌ » عن الحق فهم لا يسمعون - « بُكمٌ » يعني: خُرسٌ عن قيل الحقّ والصواب، والإقرار بما أمرهم الله أن يقرُّوا به، وتبيين ما أمرهم الله تعالى ذكره أن يُبينوه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس, فلا ينطقون به ولا يقولونه، ولا يبينونه للناس - , « عُميٌّ » عن الهدى وطريق الحق فلا يبصرونه، . كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: « صُمٌ بكم عمي » ، يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه، ولا ينتفعون به ولا يعقلونه؛ عُمي عن الحق والهدى فلا يبصرونه؛ بُكم عن الحقّ فلا ينطقون به.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « صم بكم عمي » يقول: عن الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « صم بكم عمي » ، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه.

وأما الرفع في قوله: « صم بكم عمي » ، فإنه أتاهُ من قبل الابتداء والاستئناف, يدل على ذلك قوله: « فهم لا يعقلون » ، كما يقال في الكلام: « هو أصم لا يسمع، وهو أبكم لا يتكلم » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله, وأقروا لله بالعبودية, وأذعنوا له بالطاعة، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، يقول: صدَّقوا.

« كلوا من طيبات ما رَزَقناكم » ، يعني: اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم, فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب. « واشكروا لله » ، يقول: وأثنوا على الله بما هو أهله منكم، على النعم التي رزقكم وَطيَّبها لكم. « إن كنتم إياه تعبدون » ، يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين, فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبه لكم, ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان.

وقد ذكرنا بعض ما كانوا في جاهليتهم يحرِّمونه من المطاعم, وهو الذي ندبهم إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه, إذْ كان تحريمهم إياه في الجاهلية طاعةً منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف. ثم بيّن لهم تعالى ذكره ما حرَّم عليهم, وفصَّله لهم مُفسَّرًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: لا تُحرموا على أنفسكم ما لم أحرمه عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله منَ البحائر والسوائب ونحو ذلك, بَل كلوا ذلك، فإني لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنـزير، ومَا أهلّ به لغيري.

ومعنى قوله: « إنما حَرَّم عليكم الميتة » ، ما حرَّم عليكم إلا الميتة.

« وإنما » : حرف واحدٌ, ولذلك نصبت « الميتة والدم » , وغير جائز في « الميتة » إذا جعلت « إنما » حرفًا واحدًا - إلا النصب. ولو كانت « إنما » حرفين، وكانت منفصلة من « إنّ » ، لكانت « الميتة » مرفوعة وما بعدها. وكان تأويل الكلام حينئذ: إنّ الذي حرم الله عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنـزير، لا غير ذلك.

وقد ذُكر عن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك، على هذا التأويل. ولست للقراءة به مستجيزًا وإن كان له في التأويل والعربية وَجه مفهومٌ- لاتفاق الحجة من القراء على خلافه. فغيرُ جائز لأحد الاعتراض عليهم فيما نقلوه مجمعين عليه.

ولو قرئ في « حرّم » بضم الحاء من « حرّم » ، لكان في « الميتة » وجهان من الرفع. أحدهما: من أن الفاعل غير مسمى, « وإنما » حرفٌ واحد.

والآخر: « إن » و « ما » في معنى حرفين, و « حرِّم » من صلة « ما » , « والميتة » خبر « الذي » مرفوع على الخبر. ولست، وإن كان لذلك أيضًا وجه، مستجيزًا للقراءة به، لما ذكرت.

وأما « الميتة » ، فإن القرأةَ مختلفة في قراءتها. فقرأها بعضهم بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد, ولكنه يُخففها كما يخفف القائلون في: « هو هيّن ليّن » « الهيْن الليْن » ، كما قال الشاعر:

لَيْسَ مَــنْ مَـاتَ فَاسْـتَرَاحَ بِمَيْـتٍ إِنَّمَــا المَيْــتُ مَيِّــتُ الأحْيَـــاءِ

فجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد.

وقرأها بعضهم بالتشديد، وحملوها على الأصل, وقالوا: إنما هو « مَيْوِت » , « فيعل » ، من الموت. ولكن « الياء » الساكنة و « الواو » المتحركة لما اجتمعتا، « والياء » مع سكونها متقدمة، قلبت « الواو » « ياء » وشددت، فصارتا « ياء » مشددة, كما فعلوا ذلك في « سيد وجيد » . قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة. والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن التخفيف والتشديد في « ياء » « الميتة » لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب, فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب. لأنه لا اختلاف في معنييهما.

وأما قوله: « وَمَا أهِلَّ به لغير الله » ، فإنه يعني به: وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام.

وإنما قيل: « وما أهِلَّ به » ، لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم, فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر- : « مُهِلٌّ » . فرفعهم أصواتهم بذلك هو « الإهلال » الذي ذكره الله تعالى فقال: « وما أهِلَّ به لغير الله » . ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة « مُهِلّ » , لرفعه صوته بالتلبية. ومنه « استهلال » الصبي، إذا صاح عند سقوطه من بَطن أمه, « واستهلال » المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض, كما قال عمرو بن قميئة:

ظَلَـمَ البِطَـاحَ لَـهُ انْهِـلالُ حَرِيصَـةٍ فَصَفَـا النِّطَـافُ لَـــهُ بُعَيْــدَ المُقْلَــعِ

واختلف أهل التأويل في ذلك. فقال بعضهم: يعني بقوله: « وما أهِلَّ به لغير الله » ، ما ذبح لغير الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، ما ذبح لغير الله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وما أهلّ به لغير الله » قال، ما ذبح لغير الله مما لم يُسم عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وما أهلّ به لغير الله » ، ما ذبح لغير الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال ابن عباس في قوله: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، ما أهِلّ به للطواغيت.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك قال: « وما أُهلّ به لغير الله » قال، ما أهل به للطواغيت.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « وما أهِلّ به لغير الله » ، يعني: ما أهِل للطواغيت كلّها. يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر، غير اليهود والنصارى.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء في قول الله: « وما أهِلّ به لغير الله » قال، هو ما ذبح لغير الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « وما أهلّ به لغير الله » ، يقول: ما ذكر عليه غير اسم الله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد - وسألته عن قوله الله: « وما أهلّ به لغير الله » - قال: ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ التي يعبدونها أو يسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: « باسم فلان » , كما تقول أنت: « باسم الله » قال، فذلك قوله: « وما أهلّ به لغير الله » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا حيوة، عن عقبة بن مسلم التُّجيبي وقيس بن رافع الأشجعي أنهما قالا أحِل لنا ما ذُبح لعيد الكنائس, وما أهدي لها من خبز أو لحم, فإنما هو طعام أهل الكتاب. قال حيوة، قلت: أرأيت قَول الله: « وما أهِلّ به لغير الله » ؟ قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثان والمشركون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فمن اضطر » ، فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أهل به لغير الله - وهو بالصفة التي وصفنا- فلا إثم عليه في أكله إن أكله.

وقوله: فمن « اضطر » « افتعل » من « الضّرورة » .

و « غيرَ بَاغ » نُصِب على الحال مِنْ « مَنْ » , فكأنه. قيل: فمن اضطرّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكله, فهو له حلال.

وقد قيل : إن معنى قوله: « فمن اضطر » ، فمن أكره على أكله فأكله, فلا إثم عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا إسرائيل, عن سالم الأفطس, عن مجاهد قوله: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » قال: الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله.

وأما قوله: « غيرَ بَاغ ولا عَاد » ، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.

فقال بعضهم: يعني بقوله: « غير باغ » ، غيرَ خارج على الأئمة بسيفه باغيًا عليهم بغير جَور, ولا عاديًا عليهم بحرب وعدوان، فمفسدٌ عليهم السبيلَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد: « فمن اضطر غيرَ بَاغٍ ولا عاد » قال، غيرَ قاطع سبيل, ولا مفارق جماعة, ولا خارج في معصية الله, فله الرخصة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » ، يقول: لا قاطعًا للسبيل, ولا مفارقًا للأئمة, ولا خارجًا في معصية الله, فله الرخصة. ومن خرج بَاغيًا أو عاديًا في معصية الله, فلا رخصة له وإن اضطُرَّ إليه.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: « غير باغ ولا عاد » قال، هو الذي يقطع الطريق, فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشربَ الخمر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن شريك، عن سالم - يعني الأفطس- عن سعيد في قوله: « فمن اضطُر غير باغ ولا عاد » قال، الباغي العادي الذي يقطع الطريق، فلا رخصة له ولا كرامة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد في قوله: « فمن اضطُر غير باغ ولا عاد » قال، إذا خرج في سبيل من سُبُل الله فاضطر إلى شرب الخمر شرب, وإن اضطر إلى الميتة أكل. وإذا خرج يقطع الطريق، فلا رخصة له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حفص بن غياث, عن الحجاج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: « غيرَ باغ » على الأئمة، « ولا عاد » قال، قاطع السبيل.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » قال، غير قاطع السبيل, ولا مفارق الأئمة, ولا خارج في معصية الله فله الرخصة.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن الحكم, عن مجاهد : « فمن اضطُر غير بَاغ ولا عاد » قال، غير باغ على الأئمة, ولا عاد على ابن السبيل.

وقال آخرون في تأويل قوله: « غيرَ باغ ولا عاد » : غيرَ باغ الحرامَ في أكله, ولا معتدٍ الذي أبيحَ له منه.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اضطُرَّ غير باغ ولا عاد » قال، غير باغ في أكله, ولا عادٍ: أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مَندوحة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: « فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد » قال، غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عمن سمع الحسن يقول ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة قوله: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » ، « غير باغ » يَبتغيه, « ولا عادٍ » : يتعدى على ما يُمسك نفسه.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » ، يقول: من غير أن يبتغي حرامًا ويتعداه, ألا ترى أنه يقول: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ سورة المؤمنون: 7\ سورة المعارج: 31 ]

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فمن اضطُرّ غير باغٍ ولا عادٍ » قال، أن يأكل ذلك بَغيًا وتعديًا عن الحلال إلى الحرام, ويترك الحلال وهو عنده, ويتعدى بأكل هذا الحرام. هذا التعدي. ينكر أن يكونا مختلفين, ويقول: هذا وهذا واحد!

وقال آخرون تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عاد فوق ما لا بُدَّ له منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اضطر غير باغ ولا عاد » . أمَّا « باغ » ، فيبغي فيه شهوته. وأما « العادي » ، فيتعدى في أكله, يأكل حتى يشبع, ولكن يأكل منه قدر ما يُمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله, وله عن ترك أكله - بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى.

وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخّصْ لأحد في قتل نفسه بحال. وإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الخارجَ على الإمام والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيا ما حرَّم الله عليهما : من خروج هذا على من خرج عليه، وسَعي هذا بالإفساد في الأرض, فغيرُ مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرّم الله عليهما - ما كان حرّم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك- من قتل أنفسهما. [ ورَدُّهما إلى محارم الله عليهما بعد فعلهما، ما فعلا وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصا لهما قبل ذلك من فعلهما، وإن لم نرَ رَدَّهما إلى محارم الله عليهما تحريما، فغير مرخِّص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حرامًا ] . فإذ كان ذلك كذلك, فالواجبُ على قُطاع الطريق والبغاة على الأئمة العادلة, الأوبةُ إلى طاعة الله, والرجوعُ إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه, والتوبةُ من معاصي الله - لا قتلُ أنفسهما بالمجاعة, فيزدادان إلى إثمهما إثمًا, وإلى خلافهما أمرَ الله خلافًا.

وأما الذي وجَّه تأويل ذلك إلى أنه غيرُ باغ في أكله شهوة, فأكل ذلك شهوة، لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك - مما قد دخل فيما حرمه الله عليه- فهو بمعنى ما قلنا في تأويله, وإن كان للفظه مخالفًا.

فأما توجيه تأويل قوله: « ولا عاد » ، و لا آكل منه شبعه، ولكن ما يمسك به نفسه، فإن ذلك، بعض معاني الاعتداء في أكله. ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى، فيقال عنى به بعض معانيه.

فإذ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول ما قلنا: من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرّمة.

وأما تأويل قوله: « فلا إثم عليه » ، يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « إنّ الله غَفور رحيم » ، « إنّ الله غَفورٌ » إن أطعتم الله في إسلامكم، فاجتنبتم أكل ما حرم عليكم، وتركتم اتباعَ الشيطان فيما كنتم تحرمونه في جاهليتكم- طاعةً منكم للشيطان واقتفاءً منكم خُطواته - مما لم أحرمه عليكم لما سلف منكم، في كفركم وقبل إسلامكم، في ذلك من خطأ وذنب ومعصية, فصافحٌ عنكم, وتارك عقوبتكم عليه, « رحيم » بكم إن أطعتموه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنّ الذينَ يَكتمون ما أنـزل الله من الكتاب » ، أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته, وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب » الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع في قوله: ( إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويَشترون به ثمنًا قليلا ) قال: هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم من الحق والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط, عن السدي: « إن الذين يكتمون مَا أنـزل الله منَ الكتاب » ، فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: « إنّ الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من الكتاب » ، والتي في « آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [ سورة آل عمران: 77 ] نـزلتا جميعًا في يهود. »

وأما تأويل قوله: « ويَشترون به ثمنًا قليلا » ، فإنه يعني: يبتاعون به. « والهاء » التي في « به » ، من ذكر « الكتمان » . فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلا. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك اليسيرَ من عرض الدنيا، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ويشترون به ثمنًا قليلا » قال، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذوا عليه طمعًا قليلا فهو الثمن القليل.

وقد بينت فيما مضى صفة « اشترائهم » ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك » ، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها, فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها « ما يأكلون في بطونهم » - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، وما أخذوا عليه من الأجر « إلا النار » - يعني: إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها, كما قال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [ سورة النساء: 10 ] معناه: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم. فاستغنى بذكر « النار » وفهم السامعين معنى الكلام، عن ذكر « ما يوردهم، أو يدخلهم » . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار » ، يقول: ما أخذوا عليه من الأجر.

فإن قال قائل: فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال: « ما يأكلون في بطونهم » ؟

قيل: قد تقول العرب: « جُعت في غير بطني, وشَبعتُ في غير بطني » , فقيل: في بُطونهم لذلك، كما يقال: « فعل فُلان هذا نفسُه » . وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، فيما مضى.

وأما قوله: « ولا يُكلِّمهمُ الله يَومَ القيامة » ، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون, فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم. لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ الآيتين [ سورة المؤمنون: 107- 108 ] .

وأما قوله: « ولا يُزكِّيهم » ، فإنه يعني: ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم، « ولهم عذاب أليم » ، يعني: مُوجع

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك الذين اشترَوُا الضلالة بالهدى » ، أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى, وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه. فاستغنى بذكر « العذاب » و « المغفرة » ، من ذكر السبب الذي يُوجبهما, لفهم سامعي ذلك لمعناه والمراد منه. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وكذلك بينا وجه « اشتروا الضلالة بالهدى » باختلاف المختلفين، والدلالة الشاهدة بما اخترنا من القول، فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم معنى ذلك: فما أجرأهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فما أصْبَرهم على النار » ، يقول: فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فما أصْبَرهم على النار » ، يقول: فما أجرأهم عليها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن بشر، عن الحسن في قوله: « فما أصْبرهم على النار » قال، والله ما لهم عليها من صبر, ولكن ما أجرأهم على النار.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا مسعر وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو بكير قال، حدثنا مسعر ، عن حماد، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، أو بعض أصحابه: « فما أصبرهم على النار » ، ما أجرأهم.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « فما أصبرهم على النار » ، يقول: ما أجرأهم وأصبرهم على النار.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعملهم بأعمال أهل النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « فما أصْبرهم على النار » قال، ما أعملهم بالباطل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

واختلفوا في تأويل « ما » التي في قوله: « فما أصبرهم على النار » . فقال بعضهم: هي بمعنى الاستفهام، وكأنه قال: فما الذي صبَّرهم؟ أيُّ شيء صبرهم؟

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فما أصبرَهم على النار » ، هذا على وجه الاستفهام. يقول: مَا الذي أصبرهم على النار؟

حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج الأعور قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال لي عطاء: « فما أصبرهم على النار » قال، ما يُصبِّرهم على النار، حين تَركوا الحق واتبعوا الباطل؟

حدثنا أبو كريب قال: سُئل أبو بكر بن عياش: « فما أصبرهم على النار » قال، هذا استفهام, ولو كانت من الصبر قال: « فما أصبرُهم » ، رفعًا. قال: يقال للرجل: « ما أصبرك » , ما الذي فعل بك هذا؟

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فما أصبرهم على النار » قال، هذا استفهام. يقول ما هذا الذي صبَّرهم على النار حتى جَرأهم فعملوا بهذا؟

وقال آخرون: هو تعجُّب. يعني: فما أشد جراءتهم على النار بعَملهم أعمال أهل النار!

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد : « فما أصبرهم على النار » قال، ما أعملهم بأعمال أهل النار!

وهو قول الحسن وقتادة, وقد ذكرناه قبل.

فمن قال: هو تعجُّب - وجَّه تأويلَ الكلام إلى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك- على ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [ سورة عبس: 17 ] ، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه.

فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام، فمعناه: هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد- حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ما أجرأهم على النار, بمعنى: ما أجرأهم على عَذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها. وذلك أنه مسموع من العرب: « ما أصبرَ فلانًا على الله » , بمعنى: ما أجرأ فلانًا على الله! وإنما يعجب الله خَلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنـزل الله تبارك وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّته, واشترائهم بكتمان ذلك ثَمنًا قليلا من السحت والرشى التي أعطوها - على وَجه التعجب من تقدمهم على ذلك. مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سَخط الله وأليم عقابه.

وإنما معنى ذلك: فما أجرأهم على عذاب النار! ولكن اجتزئ بذكر « النار » من ذكر « عذابها » ، كما يقال: « ما أشبه سخاءك بحاتم » , بمعنى: ما أشبه سَخاءك بسخاء حاتم, « وما أشبه شَجاعتك بعنترة » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )

قال أبو جعفر: أما قوله: « ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق » ، فإنه اختلف في المعنيِّ ب « ذلك » .

فقال بعضهم: معنيُّ « ذلك » ، فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنـزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى « نـزل الكتاب بالحق » ، وتنـزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ سورة البقرة: 6- 7 ] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون- لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.

وقال آخرون: معناه: « ذلك » معلومٌ لهم، بأن الله نـزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق.

كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنـزيله أن النار للكافرين, وتنـزيله حق, فالخبر عن « ذلك » عندهم مُضمر.

*

وقال آخرون: معنى « ذلك » ، أن الله وصف أهل النار، فقال: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم. و « هذا » هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها « ذلك » ، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون « ذلك » - إذا كان ذلك معناه- نصبًا، ويكون رفعًا بالباء.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بتأويل الآية عندي: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: « ذلك » ، إلى جميع ما حواه قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ، إلى قوله: « ذلك بأن الله نـزل الكتاب بالحق » ، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك, فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم, وإعدادي لهم العذاب الأليم- بأني أنـزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه.

فيكون في « ذلك » حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب. والرفع ب « الباء » , والنصب بمعنى: فعلت ذلك بأني أنـزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه. وترك ذكر « فكفروا به واختلفوا » ، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

وأما قوله: « وإنّ الذينَ اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد » ، يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه, وكفروا جميعًا بما أنـزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنـزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب, كما قال الله تعالى ذكره: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [ سورة البقرة: 137 ] كما:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي : « وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد » ، يقول: هم اليهود والنصارى. يقول: هم في عَداوة بعيدة. وقد بَينتُ معنى « الشقاق » ، فيما مضى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها, ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ليسَ البرّ أن تُولوا وُجُوهكم قِبَل المشرق والمغرب » ، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا, فهذا منذ تحوَّل من مكة إلى المدينة, ونـزلت الفرائض, وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، ولكنّ البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله.

حدثني القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن عباس قال: هذه الآية نـزلت بالمدينة: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غيرَ ذلك. قال ابن جريج، وقال مجاهد: « ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب » ، يعني السجود، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال فيها, قال يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة, فأنـزل الله الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها.

وقال آخرون: عنى الله بذلك اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود تصلي فتوجِّه قبل المغرب, والنصارى تصلي فتوَجَّه قبل المشرق, فأنـزل الله فيهم هذه الآية، يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنـزلت: « ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر » ، ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنـزل الله هذه الآية. وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا الرجل فتلاها عليه. وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنـزل الله: « ليسَ البر أن تولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب » . وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق - « ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر » الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب, والنصارى قبل المشرق, فنـزلت: « ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » .

قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس : أن يكون عنى بقوله: « ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب » ، اليهودَ والنصارَى. لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعدّ لهم من أليم العذاب. وهذا في سياق ما قبلها, إذْ كان الأمر كذلك, - « ليس البر » ، - أيها اليهود والنصارى، أنْ يولي بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم قبل المغرب, « ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وَالملائكة والكتاب » الآية.

فإن قال قائل: فكيف قيل: « ولكن البر من آمن بالله » ، وقد علمت أن « البر » فعل, و « مَنْ » اسم, فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟

قيل: إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته, وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، فوضع « مَنْ » موضع الفعل، اكتفاءً بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة, فتقول: « الجود حاتم، والشجاعة عنترة » ، و « إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة » , ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر « حاتم » إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر « الجود » بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع « جوده » ، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره. كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [ سورة يوسف: 82 ] والمعنى: أهل القرية, وكما قال الشاعر, وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي:

حَسِــبْتَ بُغَــامَ رَاحِـلَتِي عَنَاقًـا! وَمَـا هـي, وَيْـبَ غَـيْرِكَ بالعَنَـاقِ

يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ [ عناق ] ، كما يقال: « حسبت صياحي أخاك » , يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك.

وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله, فيكون « البر » مصدرًا وُضع موضعَ الاسم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وآتى المالَ على حُبه » ، وأعطى مَاله في حين محبته إياه، وضِنِّه به، وشُحِّه عليه، . كما:-

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا, عن زبيد, عن مرة بن شراحيل البكيلي, عن عبد الله بن مسعود: « وآتَى المالَ على حُبه » ، أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق- قالا جميعًا, عن سفيان, عن زُبيد الياميّ, عن مرة, عن عبد الله: « وآتى المالَ على حُبه » قال، وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن زبيد اليامي, عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: « وآتى المال على حبه » قال، وأنت حريصٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر.

حدثنا أحمد بن نعمة المصري قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثنا إبراهيم بن أعين, عن شعبة بن الحجاج, عن زبيد اليامي, عن مرة الهمداني قال، قال عبد الله بن مسعود في قول الله: « وآتى المال على حبه ذوي القربى » , قال: حريصًا شحيحًا، يأمل الغنى ويَخشى الفقر.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم, عن الشعبي، سمعته يُسْأل: هل على الرجل حَق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية: « وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي قال، حدثنا حمّاد بن سلمة قال، أخبرنا أبو حمزة قال، قلت للشعبي: إذا زكَّى الرجلُ ماله، أيطيبُ له ماله؟ فقرا هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلى « وآتى المال على حُبه » إلى آخرها، ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إنّ لي سبعين مثقالا من ذَهَب. فقال: اجعليها في قَرَابتك.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك قال، حدثنا أبو حمزة، فيما أعلم - عن عامر, عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول: إنّ في المال لحقًّا سوَى الزكاة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي حيان قال، حدثني مزاحم بن زفر قال، كنت جالسًا عند عطاء فأتاه أعرابي فقال له: إن لي إبلا فهل عليّ فيها حقٌّ بعد الصدقة؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: عَاريَّة الدلو, وطُروق الفحل, والحلَب.

حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, ذكره عن مرة الهمداني في: « وآتى المالَ على حُبه » قال: قال عبد الله بن مسعود: تُعطيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تطيل الأمل، وتخاف الفقر. وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجبٌ في المال، حق على صاحب المال أن يفعله، سوى الذي عليه من الزكاة.

حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد قال، حدثنا سويد بن عبد الله, عن أبي حمزة, عن عامر, عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « في المال حق سوى الزكاة » ، وتلا هذه الآية: « ليس البر » إلى آخر الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن زبيد اليامي, عن مرة بن شراحيل, عن عبد الله في قوله: « وآتى المالَ على حُبه » قال، أن يعطي الرجلُ وهو صحيح شحيحٌ به، يأمل العيش ويخاف الفقر.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية: وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه, شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم.

وإنما قلت عنى بقوله: « ذوي القرْبى » ، ذوي قرابة مؤدِّي المال على حُبه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره فاطمةُ بنت قيس

وقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح.

وأما « اليتامى » « والمساكين » ، فقد بينا معانيهما فيما مضى.

وأما « ابن السبيل » ، فإنه المجتاز بالرَّجل. ثم اختلف أهل العلم في صفته. فقال بعضهم: هو الضيفُ من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: « وابن السبيل » قال، هو الضيف قال: قد ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خَيرًا أو ليسكت » . قال: وكان يَقول: حَق الضيافة ثلاثُ ليال, فكل شيء أضافه بَعد ذَلك صدقة.

وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر: « وابن السبيل » قال، المجتاز من أرض إلى أرض.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وقتادة في قوله: « وابن السبيل » قال، الذي يمر عليك وهو مسافر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عمن ذكره, عن ابن جريج عن مجاهد وقتادة مثله.

وإنما قيل للمسافر « ابن السبيل » ، لملازمته الطريق - والطريق هو « السبيل » - فقيل لملازمته إياه في سفره: « ابنه » ، كما يقال لطير الماء « ابن الماء » لملازمته إياه, وللرجل الذي أتت عليه الدهور « ابن الأيام والليالي والأزمنة » , ومنه قول ذي الرمة:

وَرَدْتُ اعْتِسَــافًا وَالثُّرَيَّــا كَأَنَّهَــا عَـلَى قِمَّـةِ الـرَّأْسِ ابْـنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ

وأما قوله: « والسائلين » ، فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن إدريس, عن حصين, عن عكرمة في قوله: « والسائلين » قال، الذي يسألك.

وأما قوله: « وفي الرقاب » ، فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة, وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة، بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وأقامَ الصلاة » ، أدام العمل بها بحدودها, وبقوله « وآتى الزكاة » ، أعطاها على مَا فَرضها الله عليه.

فإن قال قائل: وهل من حقٍّ يجب في مال إيتاؤه فرضًا غير الزكاة؟

قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك:

فقال بعضهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوى الزكاة واعتلُّوا لقولهم ذلك بهذه الآية, وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ، ومن سمى الله معهم, ثم قال بعد: « وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة » ، علمنا أن المالَ - الذي وَصَف المؤمنين به أنهم يُؤتونه ذَوي القربى, ومن سمَّى معهم - غيرُ الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها. لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معنى مفهوم. قالوا: فلما كان غيرَ جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له, علمنا أنّ حكم المال الأول غيرُ الزكاة, وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره. قالوا: وبعد، فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك.

وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة, ولكن الله وصَف إيتاء المؤمنين مَنْ آتوه ذلك، في أول الآية. فعرَّف عباده - بوصفه ما وصف من أمرهم- المواضعَ التي يجب عليهم أن يضَعوا فيها زكواتهم، ثم دلّهم بقوله بعد ذلك: « وآتى الزكاة » ، أن المال الذي آتاه القومُ هو الزكاة المفروضةُ كانت عليهم, إذ كان أهلُ سُهمانها هم الذين أخبرَ في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم.

وأما قوله: « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا » ، فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة, ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه. كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا » قال، فمن أعطى عهدَ الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غَدر بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يومَ القيامة.

وقد بينت « العهد » فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ

قال أبو جعفر: وقد بينا تأويل « الصبر » فيما مضى قبل.

فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم - في البأساء والضراء وحين البأس- مما يكرهه الله لَهم، الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته. ثم قال أهل التأويل في معنى « البأساء والضراء » بما:-

حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثني أبي - وحدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد - قالا جميعًا، حدثنا أسباط عن السدي, عن مرة الهمداني, عن ابن مسعود أنه قال: أما البأساءُ فالفقر, وأما الضراء فالسقم .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني - قالا جميعًا، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قوله: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البأساء الجوع, والضراء المرضُ.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن مرة عن عبد الله قال: البأساء الحاجة, والضراءُ المرضُ.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر, وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ سورة الأنبياء: 83 ] .

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البؤس: الفاقة والفقر, والضراء: في النفس، من وَجع أو مرَض يصيبه في جسده.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « البأساء والضراء » قال، البأساء: البؤس, والضراء: الزمانة في الجسد.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: « البأساء والضراء » ، المرض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « والصابرين في البأساء والضراء » قال، البأساء: البؤس والفقر, والضراء: السقم والوجع.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية: « والصابرين في البأساء والضراء » ، أما البأساء: الفقر, والضراء: المرض.

قال أبو جعفر: وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: « البأساء والضراء » ، مصدر جاء على « فعلاء » ليس له « أفعل » لأنه اسم, كما قد جاء « أفعل » في الأسماء ليس له « فعلاء » ، نحو « أحمد » . وقد قالوا في الصفة « أفعل » ، ولم يجئ له « فعلاء » , فقالوا: « أنت من ذلك أوْجل » , ولم يقولوا: « وجلاء » .

وقال بعضهم: هو اسم للفعل. فإن « البأساء » ، البؤس, « والضراء » الضر. وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير:

فَتُنْتَــجْ لَكُـمْ غِلْمَـانَ أَشْـأَمَ, كُـلُّهُمْ كَـأَحْمَرِ عَـادٍ, ثُـمَّ تُـرْضِعْ فَتَفْطِـمِ

يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.

وقال بعضهم: لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث، لجازَ إجراء « أفعل » في النكرة, ولكنه اسم قام مقام المصدر. والدليل على ذلك قوله: « لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ » ، بغير إجراء. وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.

وقال غيره: لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث، لم يقع بتذكير, ولو وَقَع بتذكير، لم يقع بتأنيث. لأن من سُمي ب « أفعل » لم يصرف إلى « فُعلى » , ومن سُمي ب « فُعلى » لم يصرف إلى « أفعل » , لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره, ولكنهما لغتان. فإذا وقع بالتذكير، كان بأمر « أشأم » , وإذا وقع « البأساء والضراء » ، وقع: الخلة البأساء، والخلة الضراء. وإن كان لم يُبن على « الضراء » ، « الأضر » ، ولا على « الأشأم » ، « الشأماء » . لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير، ولا من تذكيره التأنيث, كما قالوا: « امرأة حسناء » , ولم يقولوا: « رجل أحسن » . وقالوا: « رجل أمرد » , ولم يقولوا: « امرأة مرداء » . فإذا قيل: « الخصلة الضراء » و « الأمر الأشأم » ، دل على المصدر, ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا, وإن كان قد كَفَى من المصدر.

وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل « البأساء والضراء » ، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية. وذلك أن أهل التأويل تأولوا « البأساء » بمعنى: البؤس, « والضراء » بمعنى: الضر في الجسد. وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا « البأساءَ والضراء » إلى أسماء الأفعال، دون صفات الأسماء ونعوتها. فالذي هو أولى ب « البأساء والضراء » ، على قول أهل التأويل، أن تكون « البأساء والضراء » أسماء أفعال, فتكون « البأساء » اسمًا « للبؤس » , و « الضراء » اسمًا « للضر » .

وأما « الصابرين » فنصبٌ, وهو من نعت « مَن » على وجه المدح. لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفةُ الواحد- الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعر:

إلَــى المَلِـكِ القَـرْمِ وَابْـنِ الهُمَـامِ وَلَيْــثَ الكَتِيبَــةِ فِــي المُزْدَحَـمْ

وَذَا الــرَّأْيِ حِــينَ تُغَــمُّ الأمُـورُ بِـــذَاتِ الصَّلِيــلِ وذَاتِ اللُّجُــمْ

فنصب « ليث الكتيبة » وذا « الرأي » على المدح, والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر:

فَلَيْـتَ الَّتِـي فِيهَـا النُّجُـومُ تَوَاضَعَت عَــلَى كُــلِّ غَـثٍّ مِنْهُـمُ وسَـمِينِ

غيُـوثَ الـوَرَى فِـي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُـودَ الشَّـرَى يَحْـمِينَ كُـلَّ عَـرِينِ

وقد زعم بعضهم أن قوله: « والصابرين في البأساء » ، نُصب عطفًا على « السائلين » . كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء. وظاهرُ كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول, وذلك أنّ « الصابرين في البأساء والضراء » ، هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهلُ الإقتار في الأموال. وقد مضى وصف القوم بإيتاء - مَنْ كان ذلك صفته- المالَ في قوله: وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ، وأهل الفاقة والفقر، هم أهل « البأساء والضراء » , لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء، لم يكن ممن له قبولُ الصدقة، وإنما له قبولها إذا كان جامعًا إلى ضرائه بأساء, وإذا جمع إليها بأساء، كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة « المساكين » الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله: « والصابرين في البأساء » . وإذا كان كذلك، ثم نصب « الصابرين في البأساء » بقوله وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، كان الكلام تكريرًا بغير فائدة معنى. كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامَى والمساكينَ. والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عبادَه. ولكن معنى ذلك: ولكنّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر, والموفون بعهدهم إذا عاهدوا, والصابرين في البأساء والضراء. « وَالْمُوفُونَ » رفعٌ لأنه من صفة « مَنْ » , و « مَنْ » رفعٌ، فهو معرب بإعرابه. « والصابرين » نصب - وإن كان من صفته- على وجه المدح الذي وصفنا قبل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَحِينَ الْبَأْسِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وحين البأس » ، والصابرين في وقت البأس, وذلك وَقت شدة القتال في الحرب، كما:-

حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله في قول الله: « وحين البأس » قال، حين القتال.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وحين البأس » القتال.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: « وحين البأس » ، أي عندَ مواطن القتال.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « وحين البأس » ، القتال.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع، « وحين البأس » ، عند لقاء العدو.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيدة، عن الضحاك: « وحين البأس » ، القتال

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: « وحين البأس » قال، القتال.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك الذين صدقوا » ، من آمن بالله واليوم الآخر, ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية. يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله.

وأما قوله: « وأولئك هُم المتقون » ، فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا عقابَ الله، فتجنَّبوا عصيانه، وحَذِروا وعده، فلم يتعدَّوا حدوده. وخافوه, فقاموا بأداء فرائضه.

وبمثل الذي قلنا في قوله: « أولئك الذين صَدقوا » ، كان الربيع بن أنس يقول:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أولئك الذين صدقوا » قال، فتكلموا بكلام الإيمان, فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل, فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » ، فُرض عليكم.

فإن قال قائل: أفرضٌ على وليّ القتيل القصاصُ من قاتل وَليّه؟

قيل: لا ولكنه مباح له ذلك, والعفو, وأخذُ الدية.

فإن قال قائل: وكيف قال: « كتب عليكم القصاص » ؟

قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه, وإنما معناه: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى، أي أن الحر إذا قتل الحرَّ, فَدم القاتل كفءٌ لدم القتيل, والقصاصُ منه دون غيره من الناس, فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غيرَ قاتله.

والفرض الذي فرضَ الله علينا في القصاص، هو ما وصفتُ من ترك المجاوزة بالقصاص قَتلَ القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنه وجب علينا القصاص فرضًا وجُوب فرضِ الصلاة والصيام، حتى لا يكون لنا تركه. ولو كان ذلك فرضًا لا يجوز لنا تركه، لم يكن لقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، معنى مفهوم. لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .

وقد قيل: إن معنى القصاص في هذه الآية، مقاصَّة ديات بعض القتلى بديات بعض. وذلك أن الآية عندهم نـزلت في حِزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل بعضهم بعضًا, فأُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصْلح بينهم بأن تَسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين, ودياتُ رجالهم بديات رجالهم, وديات عبيدهم بديات عبيدهم، قصاصًا. فذلك عندهم مَعنى « القصاص » في هذه الآية.

فإن قال قائل: فإنه تعالى ذكره قال: « كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » ، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر, ولا للأنثى إلا من الأنثى؟

قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذكر بقول الله تعالى ذكره: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [ سورة الإسراء: 33 ] ، وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« المسلمون تتكافأ دماؤهم. »

فإن قال: فإذ كان ذلك, فما وجه تأويل هذه الآية؟

قيل: اختلف أهلُ التأويل في ذلك. فقال بعضهم: نـزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عَبد قوم آخرين، لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله، من أجل أنه عَبد، حتى يقتلوا به سَيّده. وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة, حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها. فأنـزل الله هذه الآية, فأعلمهم أن الذي فُرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجلَ القاتل دون غيره, وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال, وبالعبد العبدَ القاتلَ دون غيره من الأحرار, فنهاهم أن يتعدَّوا القاتل إلى غيره في القصاص.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج- قالا حدثنا حماد, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي في قوله : « الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، نـزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة, فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ ابن فلان, وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنـزل الله: « الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « كتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ وطاعة للشيطان, فكان الحيّ إذا كان فيهم عُدة ومَنعة, فقتل عبدُ قوم آخرين عبدًا لهم, قالوا: لا نقتل به إلا حرًّا! تعززًا، لفضلهم على غيرهم في أنفسهم. وإذا قُتلت لهم امرأة قتلتها امرأةُ قوم آخرين قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا! فأنـزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبدَ بالعبد والأنثى بالأنثى, فنهاهم عن البغي. ثم أنـزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ سورة المائدة: 45 ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » قال، لم يكن لمن قبلنا ديةٌ، إنما هُو القتل، أو العفوُ إلى أهله. فنـزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم, فكانوا إذا قتل من الحيّ الكثير عبدٌ قالوا: لا نقتل به إلا حُرًّا. وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا. فأنـزل الله: « الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » .

حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت داود, عن عامر في هذه الآية: « كتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، إنما ذلك في قتال عُمية، إذا أصيب من هؤلاء عبدٌ ومن هؤلاء عبدٌ، تكافآ, وفي المرأتين كذلك, وفي الحرّين كذلك. هذا معناه إن شاء الله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال، دخل في قول الله تعالى ذكره: « الحر بالحر » ، الرجل بالمرأة, والمرأةُ بالرجل. وقال عطاء: ليس بينهما فَضل.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتالٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل من كلا الفريقين جماعةٌ من الرجال والنساء, فأُمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلح بينهم، بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصًا بديات النساء من الفريق الآخر, وديات الرجال بالرجال, وديات العبيد بالعبيد، فذلك معنى قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر, فأصلح بينهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم - وقد كانوا قَتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدِّي الحرُّ ديةَ الحر, والعبد دية العبد, والأنثى دية الأنثى, فقاصَّهم بعضَهم من بعض.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان, عن السدي، عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتالٌ, كان لأحدهما على الآخر الطَّوْلُ فكأنهم طلبوا الفضْل. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم, فنـزلت هذه الآية: « الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحر بالحر، والعبد بالعبد, والأنثى بالأنثى .

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شعبة, عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية: « كتب عليكم القصاص في القتلى » قال، نـزلت في قتال عُمية. قال شعبة: كأنه في صلح. قال: اصطلحوا على هذا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية: « كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، نـزلت في قتال عُمية ، قال: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل, والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله : « يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى » قال، حُدِّثنا عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: أيما حُرّ قتل عبدًا فهو قَوَدٌ به, فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه, وقاصُّوهم بثمن العبد من دية الحرّ, وأدَّوا إلى أولياء الحرّ بقية ديته. وإن عبدٌ قتل حرًّا فهو به قَودٌ, فإن شاء أولياء الحرّ قتلوا العبد وقاصُّوهم بثمن العبد، وأخذوا بقية دية الحرّ, وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيَوُا العبد. وأيُّ حرّ قتل امرأة فهو بها قَوَدٌ, فإن شاء أولياء المرأة قَتلوه وأدّوا نصفَ الدية إلى أولياء الحرّ. وإن امرأة قتلتْ حُرًّا فهي به قَوَدٌ, فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية, وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوها، وإن شَاءوا عفوْا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن قتادة, عن الحسن: أن عليًّا قال في رجل قتل امرأته, قال: إن شاءوا قَتلوه وغَرِموا نصف الدية.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سعيد, عن عوف, عن الحسن قال: لا يُقتل الرجل بالمرأة، حتى يُعطوا نصف الدية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن سماك, عن الشعبي, قال، في رجل قَتل امرأته عمدًا, فأتوا به عليًّا فقال: إن شئتم فاقتلوه, ورُدُّوا فضل دية الرجل على دية المرأة.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في حال مَا نـزلت، والقومُ لا يقتلون الرجل بالمرأة, ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، حتى سَوَّى الله بين حكم جميعهم بقوله: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ سورة المائدة: 45 ] ، فجعل جميعَهم قَوَدَ بعضهم ببعض.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « والأنثى بالأنثى » ، وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة, ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة, فأنـزل الله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم، في العمد رجالهم ونساؤُهم، في النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد، في النفس وما دون النفس, رجالهم ونساؤُهم.

قال أبو جعفر: فإذ كان مُختلَفًا الاختلافُ الذي وصفتُ، فيما نـزلت فيه هذه الآية, فالواجب علينا استعمالها، فيما دلت عليه من الحُكم، بالخبر القاطع العذرَ. وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك, وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره- كان واضحًا فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك- بعوَض يُعطيه عليه. فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا.

وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: « الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى » أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ, وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى. وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني, فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون الآية نـزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض, كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله.

وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم- على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة, وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك, وكان قوله تعالى ذكره: « كُتب عليكم القصَاص » ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا, فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا.

فإن قال قائل: إذْ ذكرتَ أن معنى قوله: « كتب عليكم القصاص » - بمعنى: فُرض عليكم القصاص : لا يعرف لقول القائل: « كتب » معنًى إلا معنى: خط ذلك، فرسم خطًّا وكتابًا, فما برهانك على أن معنى قوله: « كتب » فُرِض؟

قيل: إن ذلك في كلام العرب موجودٌ, وفي أشعارهم مستفيض, ومنه قول الشاعر:

كُــتِبَ القَتْــلُ وَالقِتَــالُ عَلَيْنَــا وَعَــلَى المُحْصَنَـاتِ جَـرُّ الذُّيُـولِ

وقولُ نَابغةَ بني جعدة:

يَـا بِنْـتَ عَمِّـي, كِتَـابُ اللهِ أَخْرَجَنِي عَنْكُـم, فَهَـلْ أَمْنَعَـنَّ اللـهَ مَـا فَعَلا!

وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى. غير أن ذلك، وإن كان بمعنى: فُرض, فإنه عندي مأخوذ من « الكتاب » الذي هو رسمٌ وخَط. وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ, فقال تعالى ذكره في القرآن: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ سورة البروج: 21- 22 ] وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [ سورة الواقعة: 77- 78 ] . فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ.

فمعنى قوله: - إذ كان ذلك كذلك- « كُتب عليكم القصاص » ، كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله.

وأما « القصاص » فإنه من قول القائل: « قاصصتُ فلانًا حقّي قِبَلهُ من حَقه قبلي, قصاصًا ومُقاصَّة » . فقتل القاتل بالذي قتله « قصاص » , لأنه مفعول به مثلُ الذي فعَل بمن قتله, وإن كان أحد الفعلين عُدوانًا والآخر حَقًّا. فهما وإن اختلفا من هذا الوجه, فهما متفقان في أن كل واحد قد فعَل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به. وجعل فعل وَليّ القتيل الأوّل إذا قتل قاتل وليه - قصاصًا, إذ كان بسبب قتله استحق قتلَ من قتله, فكأن وليّه المقتول هو الذي وَلى قَتل قاتله، فاقتص منه.

وأما « القتلى » فإنها جمع « قتيل » كما « الصرعى » جمع « صريع » , والجرحى جمع « جريح » . وإنما يجمع « الفعيل » على « الفعلى » , إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه، نحو القتلى في معاركهم, والصرعى في مواضعهم, والجرحى، وما أشبه ذلك.

فتأويل الكلام إذًا: فُرض عليكم، أيها المؤمنون، القصاصُ في القتلى: أن يُقتص الحر بالحرّ، والعبد بالعبد, والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر « أن يقتص » اكتفاءً بدلالة قوله: « كُتب عليكم القصاص » عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: فمن تُرك له من القتل ظلمًا، من الواجب كان لأخيه عليه من القصَاص - وهو الشيء الذي قال الله: « فمن عُفي له من أخيه شيء » - فاتباعٌ من العافي للقاتل بالواجب له قبَله من الدية، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو, عن مجاهد, عن ابن عباس : « فمن عفي له من أخيه شيء » ، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد. واتباع بالمعروف: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدِّي هذا بإحسان.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا عمرو بن دينار, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس أنه قال في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، فقال: هو العمد، يرضى أهله بالدية، واتباع بالمعروف: أُمر به الطالب وأداء إليه بإحسان من المطلوب.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر- قالا جميعًا، أخبرنا ابن المبارك, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار, عن مجاهد, عن ابن عباس قال، الذي يقبل الدية، ذلك منه عفوٌ واتباعٌ بالمعروف, ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسان.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان » ، وهي الدية: أن يحسن الطالبُ الطلبَ وأداء إليه بإحسان: وهو أن يحسن المطلوبُ الأداءَ.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، والعَفُوُّ: الذي يعفو عن الدم ويَأخذ الدية.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء » قال، الدية.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن يزيد, عن إبراهيم, عن الحسن: « وأداء إليه بإحسان » قال، على هذا الطالب أن يطلبَ بالمعروف, وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف » ، والعفوُّ: الذي يعفو عن الدم, ويأخذ الدية.

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، هو العمد، يرضى أهله بالدية.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن داود, عن الشعبي مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « فمن عُفي له من أخيه شَيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، يقول: قُتل عمدًا فعُفي عنه, وقبلت منه الدية. يقول: « فاتباع بالمعروف » ، فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف, وأمرَ المؤدِّي أن يؤدي بإحسان، والعمد قَوَدٌ إليه قصاص, لا عَقل فيه، إلا أن يرضَوا بالدية. فإن رضوا بالدية، فمئة خَلِفَة. فإن قالوا: لا نرضى إلا بكذا وكذا. فذاك لهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، يتبع به الطالبُ بالمعروف, ويؤدي المطلوب بإحسان.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع، في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، يقول: فمن قتل عمدًا فعفي عنه، وأخذت منه الدية, يقول: « فاتباع بالمعروف » ، أمِر صاحبُ الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف, وأمِر المؤدِّي أن يؤدي بإحسان.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » قال، ذلك إذا أخذ الدية، فهو عفوٌ.

حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص, فذلك قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، قال ابن جريج: وأخبرني الأعرج، عن مجاهد مثل ذلك, وزاد فيه: - فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف, وعلى الذي عُفى عنه أن يُؤدي بإحسان.

حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، قال الحسن: أخذ الدية عفوٌ حَسن.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وأداء إليه بإحسان » قال، أنتَ أيها المعفوُّ عنه.

حدثني محمد بن سعد, قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، وهو الدية، أن يحسن الطالب وأداء إليه بإحسان: هو أن يُحسن المطلوب الأداء.

وقال آخرون معنى قوله: « فمن عُفي » ، فمن فَضَل له فضل، وبقيتْ له بقية. وقالوا : معنى قوله: « من أخيه شيء » : من دية أخيه شيء, أو من أرْش جراحته، فاتباع منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بَقي ذلك قبله - بمعروف، وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.

وهذا قول من زعم أن الآية نـزلت - أعني قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى - في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلح بينهم، فيقاصَّ ديات بعضهم من بعض، ويُردّ بعضُهم على بعض بفضل إن بَقي لهم قبل الآخرين. وأحسب أن قائلي هذا القول وَجَّهوا تأويل « العفو » - في هذا الموضع- إلى: الكثرة من قول الله تعالى ذكره: حَتَّى عَفَوْا [ سورة الأعراف: 95 ] . فكأنّ معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قبَل أخيه القاتل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمنَ عُفي له من أخيه شيء » ، يقول: بقي له من دية أخيه شَيءٌ أو من أرش جراحته, فليتبع بمعروف، وليؤدِّ الآخرُ إليه بإحسان.

والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن - في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ أنه بمعنى: مُقاصّة دية النفس الذكَر من دية نَفس الأنثى, والعبد من الحر, والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما - أن يكون معنى قوله: « فمنْ عُفي له من أخيه شيء » ، فمن عُفي له من الواجب لأخيه عليه - من قصَاص دية أحدهما بدية نفس الآخر، إلى الرِّضى بدية نفس المقتول, فاتباع من الوليّ بالمعروف, وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: « فمن عُفي له من أخيه شيء » : فمن صُفح له - من الواجب كان لأخيه عليه من القود - عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه, فاتباعٌ بالمعروف من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان. لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل: من أنّ معنى قول الله تعالى ذكره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. كذلك « العفو » أيضًا عن ذلك.

وأما معنى قَوله: « فاتباع بالمعروف » ، فإنه يعني: فاتباع على ما أوجبه الله لهُ من الحقّ قبَل قاتل وليه، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه - في أسنان الفرائض أو غير ذلك - أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه، كما:-

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: بلغنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من زاد أو ازداد بعيرًا » - يعني في إبل الديات وفرائضها - فمن أمر الجاهلية.

وأما إحسان الآخر في الأداء, فهو أداءُ ما لَزِمه بقتله لولي القتيل، على ما ألزمه الله وأوجبه عليه، من غير أن يبخسه حقًّا له قبله بسبب ذلك, أو يحوجه إلى اقتضاءٍ ومطالبة.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: « فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان » ، ولم يَقل فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان، كما قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [ سورة محمد: 4 ] ؟ قيل: لو كان التنـزيل جاء بالنصب, وكان: فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان- كان جائزًا في العربية صحيحًا، على وجْه الأمر, كما يقال: « ضربًا ضَربًا وإذا لقيت فلانًا فتبجيلا وتعظيمًا » ، غير أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصح في كلام العرب من نصبه. وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرًا له، مما يكون فرضًا عامًّا - فيمن قد فعل، وفيمن لم يفعل إذا فعل- لا ندبًا وحثًّا. ورفعه على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فالأمر فيه: اتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان, أو فالقضاء والحكم فيه: اتباع بالمعروف.

وقد قال بعض أهل العربية: رفع ذلك على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فعليه اتباعٌ بالمعروف. وهذا مذهب, والأول الذي قلناه هو وجه الكلام. وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن، فإن رفعَه على الوجه الذي قُلناه. وذلك مثل قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ سورة المائدة: 95 ] ، وقوله: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ سورة البقرة: 229 ] . وأما قوله: فَضَرْبَ الرِّقَابِ ، فإن الصواب فيه النصب, وهو وجه الكلام، لأنه على وجه الحثّ من الله تعالى ذكره عبادَه على القتل عند لقاء العدو، كما يقال: « إذا لقيتم العدو فتكبيرًا وتهليلا » , على وجه الحضّ على التكبير، لا على وجه الإيجاب والإلزام.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ذلك » ، هذا الذي حكمت به وسَننته لكم، من إباحتي لكم - أيتها الأمة- العفوَ عن القصاص من قاتل قتيلكم، على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت مَنعتها مَن قبلكم من الأمم السالفة « تخفيف من ربكم » ، يقول: تخفيف مني لكم مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم « ورحمة » ، مني لكم. كما:-

حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية, فقال الله في هذه الآية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد « ذلك تخفيف من ربكم » . يقول: خفف عنكم ما كان على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار، عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان مَنْ قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل، لا تقبل منهم الدّية, فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى آخر الآية، « ذلك تخفيفٌ من ربكم » ، يقول: خفف عنكم، وكان على مَنْ قبلكم أنّ الدية لم تكن تقبل, فالذي يَقبل الدية ذلك منه عَفوٌ.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عمرو بن دينار, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس: « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة » - مما كان على بني إسرائيل، يعني: من تحريم الدية عليهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل قصاص في القتل، ليس بينهم دية في نَفس ولا جَرْح, وذلك قول الله: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية كلها [ سورة المائدة: 45 ] ، وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة, وذلك قوله تعالى: « ذلك تخفيفٌ من ربكم » بينكم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ذلك تخفيف من ربكم ورحمة » ، وإنما هي رحمة رَحم الله بها هذه الأمة، أطعمهم الدية, وأحلَّها لهم, ولم تحلَّ لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو, وليس بينهما أرْش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ، أمروا به. فجعل الله لهذه الأمة القوَد والعفو والدية إن شاءوا، أحلها لهم, ولم تكن لأمة قبلهم.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بمثله سواء, غير أنه قال: ليس بينهما شيء.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى قال، لم يكن لمن قبلنا دية, إنما هو القتل أو العفو إلى أهله. فنـزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثرَ من غيرهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، وأخبرني عمرو بن دينار, عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل كان كتب عليهم القصاص, وخفف عن هذه الأمة - وتلا عمرو بن دينار: « ذلك تخفيف من رَبكم ورحمة » .

وأما على قول من قال: القصاص في هذه الآية معناه: قصاصُ الديات بعضها من بعض، على ما قاله السدي، فإنه ينبغي أن يكون تأويله: هذا الذي فعلتُ بكم أيها المؤمنون من قصاص ديات قَتلى بعضكم بديات بعض، وترك إيجاب القوَد على الباقين منكم بقتيله الذي قَتله وأخذه بديته تخفيفٌ منّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكُم من حكمي عليكم بالقوَد أو الدية، ورحمة مني لكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 178 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه, فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم.

وقد بينت معنى « الاعتداء » فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، فقتل, « فله عذابٌ أليم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فمن اعتدى » ، بعد أخذ الدية، « فله عذاب أليم » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل, فله عذاب أليم. قال: وذُكِر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك » قال، هو القتل بعد أخذ الدية. يقول: من قتل بعد أنْ يأخذ الدية فعليه القتلُ، لا تُقبلُ منه الدية.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الديةَ، فله عذاب أليم.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن قال، كان الرجل إذا قتل قتيلا في الجاهلية فرَّ إلى قومه, فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية قال، فيخرج الفارُّ وقد أمن على نفسه قال، فيُقتل ثم يُرْمى إليه بالدية, فذلك « الاعتداء » .

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، سمعت الحسن في هذه الآية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال، القاتلُ إذا طُلب فلم يُقدر عليه, وأُخِذ من أوليائه الدية, ثم أمن، فأخِذ فقُتِل. قال الحسن: ما أكل عُدوانٌ.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان قال، قلت لعكرمة: من قتل بعد أخذه الدية؟ قال: إذًا يُقتل! أما سمعت الله يقول: « فمن اعتدى بعدَ ذلك فله عذابٌ أليم » ؟

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، بعد مَا يأخذ الدية، فيقتل « فلا عذابٌ أليم » .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « فمن اعتدى بعد ذلك » ، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فله عذاب أليم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » قال، أخذ العَقْل، ثم قَتل بعد أخذ العقل قاتلَ قتيله، فله عذاب أليم.

واختلفوا في معنى « العذاب الأليم » الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليِّه.

فقال بعضهم: ذلك « العذابُ » هو القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم » قال، يقتل, وهو العذاب الأليم يقول: العذاب المُوجع.

حدثني يعقوب قال، حدثني هشيم قال، حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير أنه قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان, عن عكرمة: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » قال، القتلُ.

وقال بعضهم: ذلك « العذابُ » عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن الليث غير أنه لم ينسبه, وقال: ثقة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبَ بقسَمٍ أو غيره أن لا يُعفي عن رَجل عَفا عن الدم وأخذ الدية، ثم عَدا فَقتل، قال ابن جريج: وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: في كتاب لعمرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، و « الاعتداء » الذي ذكر الله: أنّ الرجل يأخذ العقلَ أو يقتصُّ, أو يقضي السلطان فيما بين الجراح, ثم يعتدي بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه. فمن فعل ذلك فقد اعتدى, والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة قال: ولو عفا عنه، لم يكن لأحد من طلبة الحق أن [ يعفو ] لأن هذا من الأمر الذي أنـزل الله فيه قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ سورة النساء: 59 ] .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد, عن يونس, عن الحسن: في رجل قُتل فأخذت منه الدية, ثم إن وليَّه قَتل به القاتل. قال الحسن: تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يُقتل به.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: « فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم » ، تأويلُ من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية, فَقتلَ قاتلَ وليه, فله عذاب أليم في عاجل الدنيا، وهو القتل. لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه, فقال تعالى ذكره وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [ سورة الإسراء: 33 ] . فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء. وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه, لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة, على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما قاله ابن جريج: من أن حكم من قَتل قاتل وَليِّه بعد عفوه عنه، وأخذِه دية وليِّه المقتول - إلى الإمام دُون أولياء المقتول, فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة. وذلك أنّ الله جعل لوليّ كل مقتول ظلمًا السلطانَ دون غيره، من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواءٌ كان ذلك قتيلَ وليّ من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئًا سئل البرهان عليه من أصلٍ أو نظير، وعُكِس عليه القول فيه, ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلاف ما قاله في ذلك، مكتفًى في الاستشهاد على فساده بغيره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولكم في القصَاص حَياةٌ يا أولي الألباب » ، ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ولكم في القصَاص حياةٌ يا أولي الألباب » قال، نكالٌ, تَناهٍ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، نكالٌ, تَناهٍ.

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: « ولكم في القصاص حياة » ، جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالا وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هَمّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها, ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض؛ وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهي الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين, والله أعلم بالذي يُصلح خَلقه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب » قال، قد جعل الله في القصاص حياة, إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع قوله: « ولكم في القصاص حياة » الآية, يقول: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم. كم من رجل قد هَمّ بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها! وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، نكالٌ, تناهٍ. قال ابن جريج: حَياةٌ. مَنعةٌ.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، حياةٌ، بقية. إذا خاف هذا أن يُقتل بي كفّ عني, لعله يكون عدوًّا لي يريد قتلي, فيذكر أن يُقْتَل في القصاص, فيخشى أن يقتل بي, فيكفَّ بالقصاص الذي خافَ أن يقتل، لولا ذلك قتل هذا.

حدثت عن يعلى بن عبيد قال، حدثنا إسماعيل, عن أبي صالح في قوله: « ولكم في القصاص حياة » قال، بقاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره، لأنه لا يقتل بالمقتول غيرُ قاتله في حكم الله. وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر, وبالعبد الحرّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولكم في القصاص حياة » ، يقول: بقاء, لا يقتل إلا القاتل بجنايته.

وأما تأويل قوله: « يا أولي الألباب » ، فإنه: يا أولي العقول. « والألباب » جمع « اللب » , و « اللب » العقل.

وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهلَ العقول, لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه، ويتدبّرون آياته وحججه دونَ غيرهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 )

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: « لعلكم تتقون » ، أي تتقون القصاص، فتنتَهون عن القتل، كما:-

حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لعلكم تتقون » قال، لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « كُتب عليكم » ، فُرض عليكم، أيها المؤمنون، الوصية إذا حضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خَيرًا - والخير: المال للوالدين والأقربين الذين لا يرثونه, بالمعروف: وهو مَا أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث, ولم يتعمّد الموصي ظُلم وَرَثته حقًّا على المتقين يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه, وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.

فإن قال قائل: أوَفرضٌ على الرجل ذي المال أن يُوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟

قيل: نعم.

فإن قال: فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوص لهم، أيكون مضيِّعًا فرضًا يَحْرَج بتضييعه؟

قيل : نعم.

فإن قال: وما الدلالة على ذلك؟

قيل: قول الله تعالى ذكره: « كُتبَ عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خيرًا الوصيَّةُ للوالدين والأقربين » ، فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرَضه, كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [ سورة البقرة: 183 ] ، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضًا لله عليه. فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه ولهُ ما يوصي لهم فيه, مُضِيعٌ فَرْضَ الله عز وجل.

فإن قال: فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا: الوصيةُ للوالدين والأقربين منسوخةٌ بآية الميراث؟

قيل له: وخالفهم جماعةٌ غيرهم فقالوا: هي محكمةٌ غيرُ منسوخة. وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها, إذ كان غير مستحيل اجتماعُ حكمُ هذه الآية وحكمُ آية المواريث في حال واحدةٍ على صحة، بغير مدافعةِ حكم إحداهما حُكمَ الأخرى - وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة، لنفي أحدهما صَاحبه.

وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن جويبر، عن الضحاك أنه كان يقول: من مات ولم يُوص لذوي قرابته. فقد ختم عمله بمعصية.

حدثني سَلم بن جنادة. قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق: أنه حضر رجلا فوصَّى بأشياء لا تنبغي, فقال له مسروق: إنّ الله قد قسم بينكم فَأحسن القَسْم, وإنه من يرغب برأيه عن رَأي الله يُضِلّه, أوصِ لذي قرابتك ممن لا يرثك, ثم دع المال على ما قسمه الله عليه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: لا تجوز وصية لوارث، ولا يُوصي إلا لذي قرابة, فإن أوصَى لغير ذي قرابة فقد عمل بمعصية؛ إلا أن لا يكون قرابة، فيوصي لفقراء المسلمين.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة قال: العجبُ لأبي العالية أعتقته امرأة من بني رياح وأوصى بماله لبني هاشم!

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن رجل, عن الشعبي قال: لم يكن له [ مَوَال ] ، ولا كرامة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن محمد قال: قال عبد الله بن معمر في الوصية: من سمَّى، جعلناها حَيثُ سَمَّي - ومن قال: حيثُ أمرَ الله، جعلناها في قرابته.

حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر قال، حدثنا عمران بن حُدير قال: قلت لأبي مجلز: الوصية على كل مسلم واجبةٌ؟ قال: على من تركَ خيرًا.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح قال، حدثنا عمران بن حدير قال: قلت للاحق بن حُميد: الوصية حق على كل مسلم؟ قال: هي حق على من ترك خيرًا.

واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية.

فقال بعضهم: لم ينسخ الله شيئًا من حكمها, وإنما هي آية ظاهرُها ظاهرُ عموم في كل والد ووالدة والقريب, والمرادُ بها في الحكم البعضُ منهم دون الجميع, وهو من لا يرث منهم الميت دون من يَرث. وذلك قول من ذكرت قوله, وقول جماعة آخرين غيرهم مَعهم.

ذكر قول من لم يُذْكَر قولُه منهم في ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن جابر بن زيد: في رجل أوصى لغير ذي قرابة وله قرابةٌ محتاجون, قال: يُرَدّ ثلثا الثلث عليهم, وثلث الثلث لمن أوصى له به.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ قال، حدثنا أبي, عن قتادة, عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا - في الرجل يُوصي لغير ذي قرابته وله قرابة ممن لا يرثه قال، كانوا يجعلون ثُلثي الثلث لذوي القرابة, وثلث الثلث لمن أوصى له به.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد, عن الحسن أنه كان يقول: إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثُلثه فلهم ثلث الثلث, وثلثا الثلث لقرابته.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: من أوصى لقوم وسماهم، وترك ذوي قرابته محتاجين، انتُزِعتْ منهم وَرُدَّتْ إلى ذوي قرابته.

وقال آخرون: بل هي آية قد كان الحكم بها واجبًا وعُمل به بُرهة، ثم نَسخ الله منها بآية المواريث الوصيةَ لوالدي المُوصِي وأقربائه الذين يرثونه, وأقرّ فرضَ الوصية لمن كان منهم لا يرثه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، فجعلت الوصية للوالدين والأقربين، ثم نُسخ ذلك بعد ذلك، فجعل لهما نصيبٌ مفروضٌ, فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون, وجُعل للوالدين نصيبٌ معلوم, ولا تجوز وصية لوارث.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « إذ تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نسخ الوالدان منها, وترك الأقربون ممن لا يرث.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج, عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نَسخ من يَرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون.

حدثنا يحيى بن نصر قال، حدثنا يحيى بن حسان قال، حدثنا سفيان, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: كانت الوصية قبلَ الميراث للوالدين والأقربين, فلما نـزل الميراث، نَسخ الميراثُ من يرث، وبقي من لا يرث. فمن أوصَى لذي قَرابته لم تجز وصيتُه. .

حدثني المثنى قال، حدثنا سُويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن إسماعيل المكي, عن الحسن في قوله: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، نَسخ الوالدين وأثبتَ الأقربين الذين يُحرَمون فلا يرثون.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في هذه الآية: « الوصية للوالدين والأقربين » قال، للوالدين منسوخة, والوصيةُ للقرابة وإن كانوا أغنياءَ.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، فكان لا يرث مع الوالدين غيرُهم، إلا وصية إن كانت للأقربين، فأنـزل الله بعد هذا: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ [ سورة النساء: 11 ] ، فبين الله سبحانه ميراث الوالدين, وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله : « إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، فنسخ من الوصية الوالدين، وأثبت الوصية للأقربين الذين لا يرثون.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « كتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إنْ تَرك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف » قال، كان هذا من قبل أن تُنـزل « سورة النساء » , فلما نـزلت آية الميراث نَسخَ شأنَ الوَالدين, فألحقهما بأهل الميراث، وصارت الوصية لأهل القرابة الذين لا يرثون.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن أبي ميمونة قال: سألت مسلم بن يَسار, والعلاء بن زياد عن قول الله تبارك وتعالى: « إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، قالا في القرابة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن إياس بن معاوية قال: في القرابة.

وقال آخرون: بل نَسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض والمواريث، فلا وصية تجب لأحد على أحد قريبٍ ولا بعيدٍ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصية للوَالدين والأقربين » الآية, قال: فنسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن ابن سيرين, عن ابن عباس: أنه قام فخطب الناس هاهنا, فقرأ عليهم « سورة البقرة » ليبين لهم منها, فأتى على هذه الآية: « إن ترك خيرًا الوصية الوالدين والأقربين » قال، نُسخت هذه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، نسخت الفرائضُ التي للوالدين والأقربين الوصيةَ.

حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن جهضم, عن عبد الله بن بدر قال، سمعت ابن عمر يقول في قوله: « إن تَرَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » قال، نسختها آيةُ الميراث. قال ابن بشار: قال عبد الرحمن: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا « إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » ، فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث.

حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة, عن شريح في هذه الآية: « إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين » قال، كان الرجل يُوصي بماله كله، حتى نـزلت آية الميراث.

حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة: أنه نسختْ آيتا المواريث في « سُورة النساء » ، الآيةَ في « سُورة البقرة » في شأن الوصية.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله : « إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » قال، كان الميراث للوَلد، والوصية للوالدين والأقربين, وهي منسوخة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: كان الميراث للولد, والوصية للوالدين والأقربين، وهي منسوخة، نسختها آيةٌ في « سورة النساء » : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ سورة النساء: 11 ]

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين » ، أما الوالدان والأقربون، فيوم نـزلت هذه الآية كان الناس ليس لهم ميراث معلومٌ, إنما يُوصي الرجل لوالده ولأهله فيقسم بينهم، حتى نسختها « النساء » ، فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن نافع: أن ابن عمر لم يُوصِ، وقال: أمّا مالي، فالله أعلمُ ما كنت أصنع فيه في الحياة, وأما رِباعي فما أحب أن يَشْرَك ولدي فيها أحد.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا محمد بن يوسف قال، حدثنا سفيان, عن نسير بن ذعلوق قال، قال عروة - يعني ابن ثابت- لربيع بن خُثيم: أوْصِ لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ سورة الأنفال: 75 ] .

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا يزيد, عن سفيان، عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكرنا له أن زيدًا وطلحة كانا يشدِّدان في الوصية, فقال: ما كان عَليهما أن يفعلا مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُوصِ, وأوصَى أبو بكر, أيَّ ذلك فعلتَ فحسنٌ.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكر عنده طلحة وزيد فذكر مثله.

وأما « الخير » الذي إذا تركه تاركٌ وجب عليه الوصية فيه لوالديه وأقرَبيه الذين لا يرثون، فهو: المال، كما:-

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « إن تَرك خيرًا » ، يعني مالا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « إن ترك خيرًا » ، مالا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن أبي نجيح, عن مجاهد: « إن تَرَك خيرًا » ، كان يقول: الخير في القرآن كله: المال، لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ سورة العاديات: 8 ] ، الخير: المال - إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ سورة ص: 32 ] ، المال - فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [ سورة النور: 33 ] ، المال و ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ) ، المالُ.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إن ترك خيرًا الوصية » ، أي: مالا.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: « إن تَرك خيرًا الوصية » ، أما « خيرًا » ، فالمالُ.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « إن ترك خيرًا » قال، إن ترك مالا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: « إن ترك خيرًا » قال، الخيرُ المال.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى, عن الضحاك في قوله: « إن ترك خيرًا الوصية » قال، المال. ألا ترى أنه يقول: قال شعيب لقومه: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [ سورة هود: 84 ] يعني الغني.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا محمد بن عمرو اليافعي, عن ابن جريج, عن عطاء بن أبي رباح، تلا « كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا » ، قال عطاء: الخير فيما يُرى المال.

ثم اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية.

فقال بعضهم: ذلك ألف درهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة في هذه الآية: « إن تَرَك خيرًا الوصية » قال، الخيرُ ألف فما فوقه.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا هشام بن عروة, عن عروة: أن علي بن أبي طالب دخل على ابن عم لهُ يعوده, فقال: إنّي أريد أن أوصي. فقال علي: لا توص، فإنك لم تترك خيرًا فتوصي.

قال: وكان ترك من السبعمئة إلى التسعمئة.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عثمان بن الحكم الحزامي وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب: أنه دخل على رجل مريض, فذكر لهُ الوصية, فقال: لا تُوص، إنما قال الله: « إن تَرك خيرًا » ، وأنت لم تترك خيرًا. قال ابن أبي الزناد فيه: فدع مَالك لبنيك.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور بن صفية, عن عبد الله بن عيينة - أو: عتبة, الشك مني- : أنّ رجلا أراد أن يوصي وله ولد كثير, وترك أربعمئة دينار, فقالت عائشة: ما أرى فيه فضلا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: دخل عليٌّ علَى مولى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم, فقال: ألا أوصي؟ فقال: لا! إنما قال الله: « إن ترك خيرًا » ، وليس لك كثير مال.

وقال بعضهم: ذلك ما بين الخمسمئة درهم إلى الألف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة, عن أبان بن إبراهيم النخعيّ في قوله: « إن ترك خيرًا » قال، ألف درهم إلى خمسمئة.

وقال بعضهم: الوصية واجبة من قليل المال وكثيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: جعل الله الوصية حقًّا، مما قل منه أو كثر.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: « كُتبَ عَليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية » ما قال الزهري. لأن قليلَ المال وكثيره يقع عليه « خيرٌ » , ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن. فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف, كما قال الله جل ذكره وأمرَ به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي - من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه- بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته.

فإن قال لنا قائل: وعلامَ عادت « الهاء » التي في قوله: « فمن بدّله » ؟

قيل: على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر. وذلك هو أمر الميت، وإيصاؤه إلى من أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.

ومعنى الكلام: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فأوصوا لهم، فمن بدل ما أوصيتم به لهم بعد ما سَمعكم توصون لَهم, فإنما إثم ما فعل من ذلك عليه دونكم.

وإنما قلنا إن « الهاء » في قوله: « فمن بدله » عائدة على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهرُ، لأن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ من قول الله, وأنّ تبديل المبدِّل إنما يكون لوصية الموصِي. فأما أمرُ الله بالوصية فلا يقدر هو ولا غيره أن يبدِّله، فيجوز أن تكون « الهاء » في قوله: « فمن بدله » عائده على « الوصية » .

وأما « الهاء » في قوله: « بعد ما سمعه » ، فعائدة على « الهاء » الأولى في قوله: « فمن بَدَّله » .

وأما « الهاء » التي في قوله: « فإنما إثمه » ، فإنها مكنيُّ « التبديل » ، كأنه قال: فإنما إثم ما بدَّل من ذلك على الذين يبدلونه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فمن بدَّله بَعد ما سمعه » قال، الوصية.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه » ، وقد وقعَ أجر الموصي على الله وبَرئ من إثمه, وإن كان أوصى في ضِرَارٍ لم تجز وصيته, كما قال الله: غَيْرَ مُضَارٍّ [ سورة النساء: 12 ]

حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه » ، قال: من بدّل الوصية بعد ما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا: عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه » ، فمن بدَّل الوصية التي أوصى بها، وكانت بمعروف, فإنما إثمها على من بدَّلها. إنه قد ظلم.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن قتادة: أن عطاء بن أبي رباح قال في قوله: « فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه » ، قال: يُمضَى كما قال.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: « فمن بدّله بعد ما سمعه » ، قال: من بدل وصية بعد ما سمعها.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم, عن الحسن في هذه الآية: « فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه » ، قال: هذا في الوصية، من بدَّلها من بعد ما سمعها, فإنما إثمه على من بَدَّله.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن عطاء وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهم قالوا: تُمضى الوصية لمن أوصَى له به إلى هاهنا انتهى حديث ابن المثنى, وزاد ابن بشار في حديثه قال قتادة: وقال عبد الله بن معمر: أعجبُ إليّ لو أوْصى لذوي قرابته, وما يعجبني أن أنـزعه ممن أوصَى له به. قال قتادة: وأعجبه إليّ لمن أوصى له به, قال الله عز وجل: « فمن بدَّله بعدَ ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: « إن الله سميع » لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها, أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف, أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟ « عليمٌ » بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل, أم الجور والحيْف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية.

فقال بعضهم: تأويلها: فمن حضر مريضًا وهو يوصي عند إشرافه على الموت, فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو أن يعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له الأمر به, فلا حرج على من حَضره فسمع ذلك منه أنْ يصلح بينه وبين وَرَثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته, وأن ينهاهم عن مَنعه مما أذن الله له فيه وأباحه له.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « فمن خَافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه » ، قال: هذا حين يُحْضَر الرجلُ وهو يموت, فإذا أسرف أمروه بالعدل، وإذا قصَّر قالوا: افعل كذا, أعطِ فلانًا كذا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: « فمن خَافَ من مُوص جَنفا أو إثما » ، قال: هذا حين يُحْضَر الرجلُ وهو في الموت, فإذا أشرف على الجور أمروه بالعدل, وإذا قصر عن حق قالوا : افعل كذا, أعط فلانًا كذا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن خافَ - من أولياء ميت، أو وَالِي أمر المسلمين - من مُوص جنفا في وصيته التي أوصى بها الميت, فأصلح بين وَرَثته وبين الموصى لهم بما أوصَى لهم به, فرد الوصية إلى العدل والحقّ، فلا حرج ولا إثم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى, حدثنا أبو صالح كاتب الليث, حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: « فمن خاف من مُوص جَنفًا » - يعني: إثْمًا- يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها, فليس على الأولياء حرجٌ أن يردوا خطأه إلى الصواب.

حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، قال: هو الرجل يُوصي فيحيف في وصيته، فيردها الوليّ إلى الحقّ والعدل.

حدثنا بشر بن معاذ, حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: « فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، وكان قتادة يقول: من أوصى بجورٍ أو حيْف في وصيته فردها وَليّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى كتاب الله وإلى العدل, فذاك له.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « فمن خَافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، فمن أوصى بوصية بجور، فردَّه الوصيُّ إلى الحق بعد موته، فلا إثم عليه - قال عبد الرحمن في حديثه: « فاصلح بينهم » ، يقول: رده الوصيّ إلى الحق بعد موته، فلا إثم عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن أبيه, عن إبراهيم: « فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصْلح بينهم » ، قال: رده إلى الحق.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا إسرائيل, عن سعيد بن مسروق, عن إبراهيم قال، سألته عن رجل أوصى بأكثر من الثلث؟ قال: اردُدها. ثم قرأ: « فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا » .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ قال، حدثنا أبو جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: « فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه » ، قال: رده الوصي إلى الحق بعد موته، فلا إثم على الوصي.

وقال بعضهم: بل معنى ذلك: فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا في عطيته عند حضور أجله بعضَ ورثته دون بعض, فلا إثم على من أصلح بينهم يعني: بين الورثة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: « فمن خاف من موص جَنفًا أو إثمًا » ، قال: الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطي ورثته بعضَهم دون بعض, يقول الله: فلا إثم على المصلح بينهم. فقلت لعطاء: أله أن يُعطي وارثه عند الموت, إنما هي وصية, ولا وصية لوارث؟ قال: ذلك فيما يَقسم بينهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن خاف من مُوص جنفًا أو إثمًا في وصيته لمن لا يرثه، بما يرجع نفعه على من يَرثه، فأصلح بينَ وَرَثته، فلا إثم عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني ابن طاوس, عن أبيه أنه كان يَقول: جَنفُه وإثمه، أنْ يوصي الرجل لبني ابنه ليكونَ المالُ لأبيهم, وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها؛ وذو الوارث الكثير والمالُ قليل، فيوصي بثلث ماله كله، فيصلح بينهم الموصَى إليه أو الأمير. قلت: أفي حياته أم بعد موته؟ قال: ما سمعنا أحدًا يقول إلا بعد موته, وإنه ليوعظ عند ذلك.

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ابن طاوس, عن أبيه في قوله: « فمن خافَ من موص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم » ، قال: هو الرجل يوصي لولد ابنته.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جَنفًا على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه » . أما « جنفًا » : فخطأ في وصيته، وأما « إثمًا » : فعمدًا يَعمد في وصيته الظلم. فإن هذا أعظمُ لأجره أن لا يُنفذها, ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنه الحق، ينقص بعضًا ويزيد بعضًا. قال: ونـزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه » ، قال: « الجنَف » أن يحيف لبعضهم على بعض في الوصية, « والإثم » أن يكون قد أثم في أبويه بعضهم على بعض, « فأصلح بينهم » الموصَى إليه بين الوالدين والأقربين - الابن والبنون هُم « الأقربون » - فلا إثم عليه. فهذا الموصَى الذي أوْصى إليه بذلك، وجعل إليه، فرأى هذا قد أجنفَ لهذا على هذا، فأصلح بينهم فلا إثم عليه, فعجز الموصِي أن يوصي كما أمره الله تعالى، وعجز الموصَى إليه أن يصلح، فانتزع الله تعالى ذكره ذلك منهم، ففرضَ الفرائض.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمن خاف من مُوصٍ جَنفًا أو إثمًا وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثمًا في وصيته، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله, وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة, وفي الوَرَثة كثرةٌ فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت, بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله, وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ، وذلك هو « الإصلاح » الذي قال الله تعالى ذكره: « فأصلح بينهم فلا إثم عليه » . وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة, فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه, فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم, ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث. فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.

وإنما اخترنا هذا القول، لأن الله تعالى ذكره قال: « فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا » ، يعني بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم, فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم, بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم, ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم- ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا.

فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟

قيل: إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح, فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين، فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف. لأن « الإصلاح » ، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين, فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.

فإن قال قائل: فكيف قيل: « فأصلح بينهم » , ولم يجر للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذكرٌ؟

قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم, وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ، ثم قال تعالى ذكره: « فمن خافَ من مُوص » - لمن أمرته بالوصية له- « جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم » - وبين من أمرته بالوصية له- « فلا إثم عليه » . والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي.

قال أبو جعفر: وقد قرئ قوله: « فمنْ خَافَ منْ مُوص » بالتخفيف في « الصاد » والتسكين في « الواو » - وبتحريك « الواو » وتشديد « الصاد » .

فمن قرأ ذلك بتخفيف « الصاد » وتسكين « الواو » ، فإنما قرأه بلغة من قال: « أوصيتُ فلانًا بكذا » .

ومن قرأ بتحريك « الواو » وتشديد « الصاد » ، قرأه بلغة من يقول: « وصَّيت فلانًا بكذا » . وهما لغتان للعرب مشهورتان: « وصَّيتك، وأوصيتك »

وأما « الجنف » ، فهو الجورُ والعدول عن الحق في كلام العرب, ومنه قول الشاعر:

هُــمُ المَــوْلَى وَإِنْ جَـنَفُوا عَلَيْنَـا وَإِنَّـــا مِـــنْ لِقَــائِهِمُ لَــزُورُ

يقال منه: « جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف » - إذا مال عليه وجَار- « جَنفًا » .

فمعنى الكلام من خاف من موص جَنفًا له بموضع الوصية, وميلا عن الصواب فيها, وجورًا عن القصد أو إثمًا بتعمده ذلك على علم منه بخطأ ما يأتي من ذلك، فأصلح بينهم, فلا إثم عليه.

وبمثل الذي قلنا في معنى « الجنف » « والإثم » ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: « فمن خاف من موص جَنفًا » ، يعني بالجنف: الخطأ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن عبد الملك, عن عطاء: « فمن خاف من موص جَنفًا » ، قال: ميلا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء مثله.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن الحارث ويزيد بن هارون قالا حدثنا عبد الملك, عن عطاء مثله.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك قال: الجنفُ الخطأ, والإثم العمد.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا [ أبو أحمد ] الزبيري قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن عطاء مثله.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، أما « جَنفًا » فخطأ في وصيته، وأما « إثمًا » : فعمدًا، يعمد في وصيته الظلم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « فمن خَافَ من مُوص جنفًا أو إثمًا » ، قال: خطأً أو عمدًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر, عن الربيع: « فمن خَاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، قال: الجنف الخطأ, والإثم العمد.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان، عن أبيه, عن إبراهيم: « فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا » ، قال: الجنف: الخطأ, والإثم العمد.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية: « فمن خاف من مُوص جَنفًا » ، قال: خطأ, « أو إثمًا » متعمدًا.

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن ابن عيينة, عن ابن طاوس, عن أبيه: « فمن خَافَ من مُوص جَنفًا » ، قال: ميلا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « جَنفًا » حَيْفًا, « والإثم » ميله لبعض على بعض. وكلّه يصير إلى واحد، كما يكون « عفوًّا غَفورًا » و « غَفورًا رَحيمًا » .

حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: الجنف الخطأ, والإثم: العمد.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قال: الجنف الخطأ, والإثم العمد.

وأما قوله: « إنّ الله غَفورٌ رَحيم » ، فإنه يعني: والله غَفورٌ للموصي فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم, إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته, فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور, إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به « رحيمٌ » بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا.

ويعني بقوله: « كتب عليكم الصيام » ، فرض عليكم الصيام.

و « الصيام » مصدر، من قول القائل: « صُمت عن كذا وكذا » - يعني: كففت عنه- « أصوم عَنه صوْمًا وصيامًا » . ومعنى « الصيام » ، الكف عما أمر الله بالكف عنه. ومن ذلك قيل: « صَامت الخيل » ، إذا كفت عن السير، ومنه قول نابغة بني ذبيان:

خَـيْلٌ صِيَـامٌ, وخَـيْلٌ غَـيْرُ صَائِمَةٍ تَحْـتَ العَجَـاجِ, وأُخْـرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا

ومنه قول الله تعالى ذكره: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [ سورة مريم: 26 ] يعني: صمتًا عن الكلام.

وقوله: « كما كُتب على الذين من قبلكم » ، يعني فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين منْ قبلكم.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: « كما كُتبَ على الذين من قبلكم » ، وفي المعنى الذي وَقعَ فيه التشبيه بين فرضِ صَومنا وصوم الذين من قبلنا.

فقال بعضهم: الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا، أنه كمثل الذي كان عليهم، هم النصارى. وقالوا: التشبيه الذي شَبه من أجله أحدَهما بصاحبه، هو اتفاقهما في الوقت والمقدار الذي هو لازم لنا اليوم فرضُه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن يحيى بن زياد, عن محمد بن أبان [ القرشي ] ، عن أبي أمية الطنافسي, عن الشعبي أنه قال: لو صُمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال: من شعبان، ويقال: من رمضان. وذلك أن النصارى فُرض عليهم شهر رَمضان كما فرض علينا فحوَّلوه إلى الفصل. وذلك أنهم كانوا ربما صاموه في القيظ يعدون ثلاثين يومًا. ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من أنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يومًا وبعدها يومًا. ثم لم يزل الآخر يُستن سنّة القرن الذي قبله حَتى صارت إلى خمسين. فذلك قوله: « كتبَ عليكم الصيام كما كتبَ عَلى الذين من قَبلكم » ،

وقال آخرون: بل التشبيه إنما هو من أجل أنّ صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة. وذلك كان فرضُ الله جَل ثناؤه على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم. ووافق قائلو هذا القول القائلي القولَ الأوَّلَ: أن الذين عَنى الله جل ثناؤه بقوله: « كما كُتبَ على الذين من قبلكم » ، النصارى.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم » ، أما الذين من قبلنا: فالنصارى, كتب عليهم رمضان, وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم, ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان. فاشتد على النصارى صيامُ رمَضان, وجعل يُقَلَّبُ عليهم في الشتاء والصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاء والصيف, وقالوا: نـزيد عشرين يومًا نكفّر بها ما صنعنا! فجعلوا صيامهم خمسين. فلم يزل المسلمون على ذلك يَصنعون كما تصنع النصارى, حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب، ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماعَ إلى طُلوع الفجر.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم » ، قال: كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة.

وقال آخرون: الذين عَنى الله جل ثناؤه بقوله: « كما كتب على الذين من قبلكم » ، أهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم » ، أهل الكتاب.

وقال بعضهم: بل ذلك كان على الناس كلهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم » ، قال: كتب شهرُ رمضان على الناس, كما كُتب على الذين من قبلهم. قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينـزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم » ، رمضانُ، كتبه الله على من كان قَبلهم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الآية:

يا أيها الذين آمنوا فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل الكتاب, « أيامًا معدودات » , وهي شهر رمضان كله. لأن مَن بعدَ إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مأمورًا باتباع إبراهيم, وذلك أن الله جل ثناؤه كان جَعله للناس إمامًا, وقد أخبرنا الله عز وجل أن دينه كان الحنيفيةَ المسلمةَ, فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بمثل الذي أمر به مَنْ قبله من الأنبياء.

وأما التشبيه، فإنما وقع على الوقت. وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض عليهم شهر رمضان، مثل الذي فُرض علينا سواء.

وأما تأويل قوله: « لعلكم تَتقون » ، فإنه يعني به: لتتقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه. يقول: فرضت عليكم الصوم والكفّ عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم.

وبمثل الذي قُلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: « لعلكم تتقون » ، يقول: فتتقون من الطعامِ والشرابِ والنساءِ مثل ما اتقوا - يعني: مثل الذي اتقى النصارى قبلكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره، كتب عليكم أيها الذين آمنوا - الصيامُ أيامًا معدودات.

ونصبَ « أيامًا » بمضمر من الفعل, كأنه قيل: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قَبلكم، أن تصوموا أيامًا معدودات, كما يقال: « أعجبني الضربُ، زيدًا » .

وقوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الصيام, كأنه قيل: كتب عليكم الذي هو مثل الذي كتب على الذين من قبلكم: أن تصوموا أيامًا معدودات.

ثم اختلف أهل التأويل فيما عَنى الله جل وعز بقوله: « أيامًا معدودات » .

فقال بعضهم: « الأيام المعدودات » ، صومُ ثلاثة أيام من كل شهر. قال: وكان ذلك الذي فُرض على الناس من الصيام قبل أن يُفرض عليهم شهرُ رمضان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثة أيام من كل شهر, ولم يُسمِّ الشهرَ أيامًا معدودات. قال: وكان هذا صيام الناس قبل، ثم فرض الله عز وجل على الناس شهرَ رمصان.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، وكان ثلاثةَ أيام من كل شهر، ثم نسخ ذلك بالذي أنـزل من صيام رمضان. فهذا الصوم الأول، من العتمة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة. عن عمرو بن مرة, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصامَ يومَ عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر, ثم أنـزل الله جل وعزّ فرضَ شهر رمضان, فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ حتى بلغ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: قد كتب الله تعالى ذكره على الناس، قَبل أن ينـزل رمضان، صومَ ثلاثة أيام من كل شهر.

وقال آخرون: بل الأيام الثلاثةُ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومُها قبل أن يفرض رمضان، كان تَطوعًا صوْمهُنّ, وإنما عنى الله جل وعز بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ، أيامَ شَهر رمضان, لا الأيامَ التي كان يصومهن قبل وُجوب فرض صَوم شهر رمضان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة, عن عمرو بن مرة، قال، حدثنا أصحابنا: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليهم أمرَهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعًا لا فريضةً. قال: ثم نـزل صيام رمضان - قال أبو موسى: قوله: « قال عمرو بن مرة: حدثنا أصحابنا » يريد ابن أبي ليلى, كأنّ ابنَ أبي ليلى القائلُ: « حدثنا أصحابنا » .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، سمعت عمرو بن مرة قال، سمعت ابن أبي ليلى, فذكر نحوه.

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قول من قال: عنى بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، شهرَ رمضان.

وأولى ذلك بالصواب عندي قولُ من قال: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ( أيامًا معدودات ) ، أيامَ شهر رمضان. وذلك أنه لم يأت خبرٌ تَقوم به حُجة بأنّ صومًا فُرِض على أهل الإسلام غيرَ صوم شهر رمضان, ثم نسخ بصوم شهر رمضان, وأن الله تعالى قَد بيَّن في سياق الآية، أنّ الصيامَ الذي أوجبه جل ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته, عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومَها بقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ . فمن ادعى أن صومًا كان قد لزم المسلمين فرضُه غير صوم شهر رمضان الذين هم مجمعون على وجوب فرض صومه - ثم نسخ ذلك- سئل البرهانَ على ذلك من خبر تقوم به حُجة, إذ كان لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذرَ.

وإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا للذي بينا, فتأويل الآية: كتب عليكم أيها المؤمنون الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أيامًا معدودات هي شهر رمضان. وجائز أيضًا أن يكون معناه: « كتب عليكم الصيام » ، كتب عليكم شهر رمضان.

وأما « المعدودات » : فهي التي تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها. ويعني بقوله: « معدودات » ، مُحْصَيَاتٍ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « فمن كان منكم مريضًا » ، من كان منكم مريضًا، ممن كلِّف صَومه أو كان صحيحًا غير مريض وكان على سَفر، « فعدة من أيام أخر » ، يقول: فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره، « من أيام أخر » , يعني: من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره.

والرفع في قوله: « فعدةٌ منْ أيام أخر » ، نظير الرفع في قوله: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ . وقد مضى بيان ذلك هنالك بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طَعامُ مسكين » ، فإنّ قراءة كافة المسلمين: « وعلى الذين يُطيقونه » ، وعلى ذلك خطوط مصاحفهم. وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافُها، لنقل جميعهم تصويبَ ذلك قرنًا عن قرن.

وكان ابن عباس يقرؤها فيما روي عنه: « وعلى الذين يُطوَّقونه » .

ثم اختلف قُرّاء ذلك: « وَعلى الذين يُطيقونه » في معناه.

فقال بعضهم: كان ذلك في أول ما فرض الصوم, وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء, وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة, عن عمرو بن مرة, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن معاذ بن جبل قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصامَ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر, ثم إنّ الله جل وعز فرض شهر رَمضان، فأنـزل الله تعالى ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ حتى بلغ « وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين » ، فكان من شاء صامَ, ومن شاء أفطر وأطعمَ مسكينًا. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنـزل الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ إلى آخر الآية.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة, عن عمرو بن مرة, قال حَدثنا أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعًا غيرَ فريضة. قال: ثم نـزل صيام رمضان. قال: وكانوا قومًا لم يتعودوا الصيام. قال: وكان يشتد عليهم الصوم. قال: فكان من لم يصم أطعمَ مسكينًا, ثم نـزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فكانت الرخصة للمريض والمسافر, وأمرنا بالصيام. قال محمد بن المثنى قوله: « قال عمرو: حدثنا أصحابنا » ، يريد ابنَ أبي ليلى. كأن ابن أبي ليلى القائل: « حدثنا أصحابنا » .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، سمعت عمرو بن مرة قال، سمعت ابن أبي ليلى فذكر نحوه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم, عن علقمة في قوله: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: كان من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم نصف صاع مسكينًا, فنسخها: شَهْرُ رَمَضَانَ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم، بنحوه - وزاد فيه، قال: فنسختها هذه الآية, وصارت الآية الأولى للشيخ الذي لا يستطيع الصوم، يتصدق مكانَ كل يوم على مسكين نصفَ صاع.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح أبو تميلة قال، حدثنا الحسين, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قوله: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، فكان من شاء منهم أن يصومَ صَام, ومن شاء منهم أن يَفتدي بطعام مسكين افتدى وتَمَّ له صومه. ثم قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، ثم استثنى من ذلك فقال: « ومنْ كان مريضًا أوْ عَلى سفر فعدةٌ من أيام أخر » .

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن إدريس قال: سألت الأعمش عن قوله: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، فحدثنا عن إبراهيم، عن علقمة. قال: نسختها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

حدثنا عمر بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبد الله, عن نافع, عن ابن عمر قال: نَسَخت هذه الآية - يعني: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » - التي بَعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة في قوله: « وعلى الذين يطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، قال: نسختها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام قال، حدثنا علي بن مُسهر, عن عاصم, عن الشعبي قال: نـزلت هذه الآية : « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، كان الرجل يُفطر فيتصدق عن كل يوم على مسكين طعامًا, ثم نـزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فلم تنـزل الرّخصةُ إلا للمريض والمسافر.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا علي بن مسهر, عن عاصم, عن الشعبي قال: نـزلت هذه الآية للناس عامة: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، وكان الرجل يفطر ويتصدق بطعامه على مسكين, ثم نـزلت هذه الآية: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، قال : فلم تنـزل الرخصة إلا للمريض والمسافر.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء وهو يأكل في شهر رمضان، فقال: إني شيخ كبيرٌ، إن الصومَ نـزل, فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا, حتى نـزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فوجب الصوم على كل أحد، إلا مريض أو مسافر أو شيخ كبير مثلي يَفتدي.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، قال ابن شهاب: كتب الله الصيام علينا, فكان من شاء افتدى ممن يطيق الصيامَ من صحيح أو مريض أو مسافر, ولم يكن عليه غير ذلك. فلما أوجب الله على من شهد الشهرَ الصيامَ, فمن كان صحيحًا يُطيقه وضع عنه الفدية, وكان من كان على سفر أو كان مريضًا فعدة من أيام أخر. قال: وبقيت الفديةُ التي كانت تُقبل قبل ذلك للكبير الذي لا يُطيق الصيام, والذي يعرض له العطشُ أو العلة التي لا يستطيع معها الصيام.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال، جعل الله في الصوم الأوّل فدية طعام مسكين, فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يُطعم مسكينًا ويفطر، كان ذلك رخصةً له. فأنـزل الله في الصوم الآخِر: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، ولم يذكر الله في الصوم الآخر فدية طعام مسكين, فنُسِخت الفدية, وَثبت في الصوم الآخر: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، وهو الإفطار في السفر, وجعله عدةً من أيام أخَر.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، أخبرني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث قال، بكَيْر بن عبد الله, عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع, عن سلمة بن الأكوع أنه قال: كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين, حتى أنـزلت: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عاصم الأحول, عن الشعبي في قوله : « وعلى الذين يُطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، قال: كانت للناس كلهم: فلما نـزلت: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، أمِروا بالصوم والقضاء, فقال: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .

حدثنا هناد قال، حدثنا علي بن مسهر, عن الأعمش, عن إبراهيم في قوله: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: نسختها الآية التي بعدها: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن محمد بن سليمان, عن ابن سيرين, عن عبيدة: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: نسختها الآية التي تليها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ الآية, فُرض الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة, فإذا صلى الرجل العتمة حَرُم عليه الطعام والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم نـزل الصوم الآخِر بإحلال الطعام والجماع بالليل كله, وهو قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ، وأحل الجماع أيضًا فقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ، وكان في الصوم الأول الفدية, فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يُطعم مسكينًا ويفطرَ فعل ذلك, ولم يذكر الله تعالى ذكره في الصوم الآخر الفديةَ, وقال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فنسخ هذا الصومُ الآخِرُ الفديةَ.

وقال آخرون: بل كان قوله: « وَعلى الذينَ يُطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبير والعجوز الذين يُطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يَفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا, ثم نسخ ذلك بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن عَزْرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كان الشيخُ الكبير والعجوزُ الكبيرةُ وهما يطيقان الصوم، رُخص لهما أن يفطرَا إن شاءا ويطعما لكلّ يوم مسكينًا, ثم نَسخَ ذلك بعد ذلك: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، إذا كانا لا يطيقان الصوم, وللحبلى والمرضع إذا خافتا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سعيد, عن قتادة, عن عروة عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: « وَعلى الذين يُطيقونه » ، قال: الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، ثم ذكر مثل حديث بشر عن يزيد.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن عكرمة قال: كان الشيخ والعجوز لهما الرخصة أن يفطرا ويُطعما بقوله: « وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » . قال: فكانت لهم الرخصة، ثم نسخت بهذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، فنسخت الرخصة عن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم، وبقيت الحاملُ والمرضعُ أن يفطرَا ويُطعما.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال, حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة يقول في قوله: « وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: كان فيها رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصومَ أن يطعما مكانَ كل يوم مسكينًا ويفطرا, ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها فقال: شَهْرُ رَمَضَانَ إلى قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فنسختها هذه الآية. فكان أهل العلم يُرَوْن ويرجُون الرخصةَ تثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يطيقا الصومَ أن يفطرا ويُطعما عن كل يوم مسكينًا, وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها, وللمرضع إذا ما خشيت على ولدها.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « وَعلى الذين يطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، فكان الشيخ والعجوز يطيقان صوم رمضان, فأحل الله لهما أن يفطراه إن أرادا ذلك, وعليهما الفدية لكل يَوم يفطرانه طعامُ مسكين, فأنـزل الله بعد ذلك: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، إلى قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .

وقال آخرون ممن قرأ ذلك: « وَعلى الذين يُطيقونه » ، لم ينسخ ذلك ولا شيء منه, وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نـزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه - في حال شبابهم وَحداثتهم, وفي حال صحتهم وقوتهم - إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار - وهم على الصوم قادرون - إذا افتدوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وَعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قَبل ذلك، ثم يعرض له الوَجع أو العطش أو المرض الطويل, أو المرأة المرضعُ لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكانَ كل يوم إطعام مسكين, فإن أطعم مسكينًا فهو خيرٌ له, ومن تكلف الصيام فصامه فهو خيرٌ له.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة، عن عَزْرَة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: إذا خَافت الحاملُ على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان, قال: يفطران ويطعمان مكانَ كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة,...، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أنه رَأى أمَّ ولدٍ له حاملا أو مُرضعًا, فقال: أنت بمنـزلة الذي لا يُطيقه, عليك أن تطعمي مكانَ كل يوم مسكينُا، ولا قَضَاء عليك.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن سعيد, عن نافع, عن علي بن ثابت, عن نافع، عن ابن عمر، مثل قول ابن عباس في الحامل والمرضع.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن ابن عباس قال، لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنت بمنـزلة الذين لا يطيقونه, عليك الفداءُ ولا صومَ عليك. هذا إذا خافت على نفسها.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وَعلى الذين يطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، هو الشيخ الكبير كان يُطيق صومَ شهر رمضان وهو شاب، فكبر وهو لا يستطيع صومَه، فليتصدق على مسكين واحد لكل يوم أفطرَه، حين يُفطر وحينَ يَتسحَّر.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن منصور، عن مجاهد, عن ابن عباس نحوه - غير أنه لم يقل: حين يُفطر وحين يَتسحر.

حدثنا هناد قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل, عن عبد الرحمن بن حرملة, عن سعيد بن المسيب أنه قال في قول الله تعالى ذكره: « فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه, وهي الحامل التي ليس عليها الصيام. فعلى كل واحد منهما طعامُ مسكين: مُدٌّ من حنطة لكلّ يوم حتى يمضيَ رَمضان.

وقرأ ذلك آخرون: « وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ » ، وقالوا: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم, فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه, فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنـزلت، لم تنسخ, وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, حدثنا ابن جريج, عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « يُطوَّقونه » .

حدثنا هناد قال، حدثنا علي بن مسهر, عن عصام, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه كان يقرأ: « وَعلى الذين يُطوقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: فكان يقول: هي للناس اليوم قائمة.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « وَعلى الذين يُطوَّقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: وكان يقول: هي للناس اليوم قائمة.

حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « وعلى الذين يُطوَّقونه » ، ويقول: هو الشيخ الكبير يُفطر ويُطعِم عنه.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب, عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: « وعلى الذين يُطوَّقونه » ، - وكذلك كان يقرؤها- : إنها ليست منسوخة، كلِّف الشيخُ الكبير أن يُفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير أنه قرأ: « وعلى الذين يُطوَّقونه » .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن عمران بن حدَير, عن عكرمة قال: « الذين يُطيقونه » يصومونه، ولكن الذين « يُطوَّقونه » ، يعجزون عنه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني محمد بن عباد بن جعفر, عن أبي عمرو مولى عائشة، أن عائشة كانت تقرأ: « يُطوَّقونه » .

حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء أنه كان يقرؤها « يطوَّقونه » . قال ابن جريج: وكان مجاهد يقرؤها كذلك.

حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا خالد, عن عكرمة: « وعلى الذين يُطيقونه » قال، قال ابن عباس: هو الشيخُ الكبير.

حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ قال، أخبرنا شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: « وعلى الذين يُطوَّقونه » قال: يَتجشمونه يَتكلفونه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن مسلم الملائي, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: « وعلى الذين يُطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، قال: الشيخ الكبير الذي لا يُطيق فيفطر ويُطعم كل يوم مسكينًا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس في قول الله: « وَعلى الذين يُطيقونه » ، قال: يُكلَّفونه, فديةٌ طعامُ مسكين واحد. قال: فهذه آية منسوخةٌ لا يرخص فيها إلا للكبير الذي لا يُطيق الصيام, أو مريض يعلم أنه لا يُشفى.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس قال: « الذين يطيقونه » ، يتكلَّفونه، فديةٌ طعام مسكين واحد، ولم يُرخَّص هذا إلا للشيخ الذي لا يُطيق الصوم, أو المريض الذي يعلم أنه لا يشفى - هذا عن مجاهد.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه كان يقول: ليست بمنسوخة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، يقول: من لم يطق الصوم إلا على جَهد، فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا, والحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذي به سُقمٌ دائم.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره: « وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: هو الشيخ الكبير، والمرء الذي كان يصومُ في شبابه فلما كبر عجز عن الصوم قبل أن يموتَ, فهو يطعم كل يوم مسكينًا - قال هناد: قال عبيدة: قيل لمنصور: الذي يطعم كل يوم نصف صاعٍ؟ قال: نعم.

حدثنا هناد قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن عثمان بن الأسود قال: سألتُ مجاهدًا عن امرأة لي وافقَ تاسعها شهرَ رَمضان, ووافق حرًّا شديدًا, فأمرني أن تُفطر وتُطعم. قال: وقال مجاهد: وتلك الرخصة أيضًا في المسافر والمريض, فإن الله يقول: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » .

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن عاصم, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يفطرون في رمضان, ويطعمون عن كل يوم مسكينًا، ثم قرأ: « وعلى الذينَ يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » .

حدثنا علي بن سَعيد الكندي قال، حدثنا حفص، عن حجاج, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي في قوله: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعام مسكين » ، قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوَم، يُفطر ويطعم مكانَ كل يوم مسكينًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس قال: « وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: هم الذين يتكلفونه ولا يطيقونه, الشيخُ والشيخة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حَماد, عن الحجاج, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن علي قال: هو الشيخُ والشيخة.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد, عن عمران بن حُدير, عن عكرمة أنه كان يقرؤها: « وَعلى الذين يُطيقونه » فأفطروا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عاصم، عمن حدثه عن ابن عباس قال: هي مثبتةٌ للكبير والمرضع والحامل، وعلى الذين يُطيقونَ الصيام.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال, حدثنا ابن المبارك, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: « وعلى الذين يطيقونه » ؟ قال: بلغنا أن الكبير إذا لم يستطع الصوم يفتدي من كل يوم بمسكين. قلت: الكبيرُ الذي لا يستطيعُ الصوم, أو الذي لا يستطيعه إلا بالجهد؟ قال: بل الكبير الذي لا يستطيعه بجهد ولا بشيء, فأما مَن استطاع بجهد فليصمه، ولا عذر له في تركه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن أبي يزيد: « وَعلى الذين يُطيقونه » الآية, كأنه يعني الشيخَ الكبير - قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يقول: نـزلت في الكبير الذي لا يَستطيع صيامَ رمضان، فيفتدي من كل يوم بطعام مسكين. قلت له: كم طعامه؟ قال: لا أدري, غير أنه قال: طعام يوم.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى, عن الضحاك في قوله: « فديةٌ طعامُ مسكين » ، قال: الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصومَ، يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: « وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين » ، منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .

لأن « الهاء » التي في قوله: « وَعلى الذين يُطيقونه » ، من ذكر « الصيام » ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعامُ مسكين. فإذْ كان ذلك كذلك, وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمعينَ على أن من كان مُطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوْمَ شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين - كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ.

هذا، مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن مُعاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا - بعد نـزول هذه الآية على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسُقوط الفدية عنهم, وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نـزلت: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، فألزموا فرضَ صومه, وبطل الخيار والفديةُ.

فإن قال قائل: وكيف تدَّعي إجماعًا من أهل الإسلام على أنّ من أطاق صومه وهو بالصفة التي وصفت، فغير جائز له إلا صومُه وقد علمت قول من قال: الحامل والمرضعُ إذا خافتا على أولادهما، لهما الإفطار, وإن أطاقتا الصوم بأبدانهما, مع الخبر الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:

حدثنا به هناد بن السري قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أنس قال: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَتغدَّى، فقال: « تعالَ أحدِّثك, إن الله وَضع عن المسافر والحامل والمرضع الصومَ وشَطرَ الصلاة » ؟

قيل: إنّا لم ندَّع إجماعًا في الحامل والمرضع, وإنما ادعينا في الرجال الذين وصفنا صفتهم. فأما الحامل والمرضع، فإنما علمنا أنهنّ غير معنيات بقوله: ( وعلى الذين يطيقونه ) وخلا الرجال أن يكونوا معنيين به، لأنهن لو كن معنيات بذلك دون غيرهن من الرجال، لقيل: وعلى اللواتي يُطقنه فدية طعامُ مسكين، لأن ذلك كلام العرب، إذا أفرد الكلامُ بالخبر عنهنّ دُون الرجال. فلما قيل: « وعلى الذين يُطيقونه » ، كان معلومًا أنّ المعنيَّ به الرجالُ دون النساء, أو الرجالُ والنساء. فلما صحّ بإجماع الجميع - على أنّ من أطاق من الرجال المقيمين الأصحاء صومُ شهر رمضان، فغيرُ مرخص له في الإفطار والافتداء, فخرج الرجال من أن يكونوا معنيين بالآية, وعُلم أن النساء لم يُردن بها لما وصفنا: من أن الخبر عن النساء إذا انفرد الكلامُ بالخبر عنهن: « وعلى اللواتي يطقنه » , والتنـزيل بغير ذلك.

وأما الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إن كان صحيحًا, فإنما معناه: أنه وضَع عن الحامل والمرضع الصومَ ما دامتا عاجزتين عنه، حتى تُطيقا فتقضيا, كما وُضع عن المسافر في سفره، حتى يقيم فيقضيه - لا أنهما أُمِرتا بالفدية والإفطار بغير وجوب قضاء, ولو كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله وضع عن المسافر والمرضع والحامل الصوم » ، دلالةٌ على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عنى أن الله تعالى ذكره وضع عنهم بقوله: « وعلى الذين يُطيقونه فدية طعامُ مسكين » ، لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء, وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حُكمه وبين حكم الحامل والمرضع. وذلك قولٌ، إن قاله قائلٌ، خلافٌ لظاهر كتاب الله، ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام.

وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أنّ معنى قوله: « وعلى الذين يطيقونه » ، وعلى الذين يطيقون الطعام. وذلك لتأويل أهل العلم مخالفٌ.

وأما قراءة من قرأ ذلك: « وعلى الذين يُطوَّقونه » فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلافٌ, وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وِرَاثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم نقلا ظاهرًا قاطعًا للعذر. لأن ما جاءت به الحجة من الدين، هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله. ولا يُعترض على ما قد ثَبت وقامت به حُجة أنه من عند الله، بالآراء والظنون والأقوال الشاذة.

وأما معنى « الفدية » فإنه: الجزاء، من قولك: « فديت هذا بهذا » ، أي جزيته به, وأعطيته بدلا منه.

ومعنى الكلام: وعلى الذين يُطيقون الصيام جزاءُ طعام مسكين، لكلّ يوم أفطرَه من أيام صيامه الذي كتب عليه.

وأما قوله: « فدية طعامُ مسكين » ، فإنّ القرأة مختلفةٌ في قراءته. فبعضٌ يقرأ بإضافة « الفدية » إلى « الطعام » , وخفض « الطعام » - وذلك قراءة عُظْم قراء أهل المدينة - بمعنى: وعلى الذين يطيقونه أن يفدوه طعامَ مسكين. فلما جعل مكان « أن يفديه » « الفدية » أضيف إلى « الطعام » , كما يقال « لزمني غَرامةُ درهم لك » ، بمعنى: لزمني أن أغرَم لك درهمًا.

وآخرون يقرأونه بتنوين « الفدية » ، ورفع « الطعام » ، بمعنى الإبانة في « الطعام » عن معنى « الفدية » الواجبة على من أفطر في صومه الواجب, كما يقال: « لزمني غرامةٌ، درهمٌ لك » , فتبين « بالدرهم » عن معنى « الغرامة » ما هي؟ وما حدُّها؟ وذلك قراءةُ عُظْم قُراء أهل العراق.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بين الصواب قراءة من قرأ « فديةُ طعام » بإضافة « الفدية » إلى « الطعام » , لأن « الفدية » اسم للفعل, وهي غير « الطعام » المفديّ به الصوم.

وذلك أن « الفِدْية » مصدر من قول القائل: « فَديت صَوم هذا اليوم بطعام مسكين أفديه فدية » , كما يقال: « جلست جِلْسة, ومَشيتُ مِشْية » . « والفدية » فعل، و « الطعام » غيرها. فإذْ كان ذلك كذلك, فبيِّنٌ أن أصَحّ القراءتين إضافة « الفدية » إلى « الطعام » ، وواضحٌ خطأ قول من قال: إن ترك إضافة « الفدية » إلى الطعام، أصح في المعنى، من أجل أن « الطعام » عنده هو « الفدية » . فيقال لقائل ذلك: قد علمنا أن « الفدية » مقتضية مفديًّا، ومفديًّا به، وفدية. فإن كان « الطعام » هو « الفدية » « والصوم » هو المفديّ به, فأين اسم فعل المفتدي الذي هو « فدية » إنّ هذا القول خطأ بين غير مشكل.

وأما « الطعام » فإنه مضاف إلى « المسكين » . والقرأة في قراءة ذلك مختلفون.

فقرأه بعضهم بتوحيد « المسكين » ، بمعنى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين واحد لكل يوم أفطره، كما:-

حدثني محمد بن يزيد الرفاعي قال، حدثنا حسين الجعفي, عن أبي عمرو أنه قرأ: « فديةٌ » - رفع منون- « طعام » - رفع بغير تنوين- « مسكين » ، وقال: عن كل يوم مسكين. وعلى ذلك عُظْم قراء أهل العراق.

وقرأه آخرون بجمع « المساكين » ، « فدية طعام مَساكين » بمعنى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين عن الشهر، إذا أفطر الشهر كله، كما:-

حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي, عن يعقوب, عن بشار, عن عمرو, عن الحسن: « طعام مساكين » ، عن الشهر كله.

قال أبو جعفر: وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك قراءة من قرأ: « طعام مسكين » على الواحد، بمعنى: وعلى الذين يطيقونه عن كل يوم أفطروه فدية طعام مسكين. لأن في إبانة حُكم المفطر يومًا واحدًا، وصُولا إلى معرفة حُكم المفطر جميع الشهر - وليس في إبانة حكم المفطر جميعَ الشهر، وصولٌ إلى إبانة حكم المفطر يومًا واحدًا، وأيامًا هي أقل من أيام جميع الشهر - , وأن كل « واحد » يُترجم عن « الجميع » ، وأن « الجميع » لا يترجم به عن « الواحد » . فلذلك اخترنا قراءة ذلك بالتوحيد.

واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا.

فقال بعضهم: كان الواجبُ من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح.

وقال بعضهم: كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم، مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم.

وقال بعضهم: كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب.

وقال بعضهم: ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه.

وقال بعضهم: كان ذلك سحورًا وَعشاءً، يكون للمسكين إفطارًا.

وقد ذكرنا بعض هذه المقالات فيما مضى قبل، فكرهنا إعادة ذكرها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم بما:-

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وعطاء, عن ابن عباس: « فمن تطوع خيرًا » ، فزاد طعامَ مسكين آخر، « فهو خيرٌ له وأن تصومُوا خيرٌ لكم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد في قوله: « فمن تطوع خيرًا » ، قال: من أطعم المسكين صاعًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه: « فمن تطَوع خيرًا فهو خيرٌ له » ، قال: إطعامُ مَساكين عن كل يوم، فهو خير له.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن حنظلة, عن طاوس: « فمن تطوع خيرًا » ، قال: طعامُ مسكين.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن حنظلة, عن طاوس نحوه.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث، عن طاوس: « فمن تطوع خيرًا » ، قال: طعام مسكين.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد, عن ليث عن طاوس مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن هارون قال، حدثنا ابن جريج, عن عطاء أنه قرأ: « فمن تطوع » - بالتاء خفيفة [ الطاء ] - « خيرًا » , قال: زاد على مسكين.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن تَطوع خيرًا فهو خيرٌ له » ، فإن أطعم مسكينين فهو خير له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه: « فمن تطوع خيرًا فهو خير له » ، قال: من أطعم مسكينًا آخر.

وقال آخرون: معنى ذلك، فمن تطوع خيرًا فصامَ مع الفدية.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، أخبرني يونس, عن ابن شهاب: « فمن تطوع خيرًا فهو خيرٌ له » ، يريد أن من صامَ مع الفدية فهو خير له.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تطوع خيرًا فزاد المسكين على قَدر طعامه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال، مجاهد: « فمن تطوع خيرًا » ، فزاد طعامًا، « فهو خير له » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: « فمن تطوع خيرًا » ، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض. فإنّ جَمْع الصَوْم مع الفدية من تطوُّع الخير، وزيادةُ مسكين على جزاء الفدية من تطوُّع الخير. وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: « فمن تطوع خيرًا » ، أيَّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه، فهو خير له. لأن كل ذلك من تطوع الخير، ونوافل الفضل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 184 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وأنْ تَصوموا » ، ما كتب عليكم من شهر رمضان، « فهو خير لكم » من أن تفطروه وتفتدوا، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وأنْ تَصوموا خيرٌ لكم » ، ومن تكلف الصيامَ فصامه فهو خيرٌ له.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس, عن ابن شهاب: « وأن تَصُوموا خيرٌ لكم » ، أي: إن الصيامَ خير لكم من الفدية.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وأن تصومُوا خيرٌ لكم » ....

وأما قوله: « إن كنتم تعلمون » ، فإنه يعني: إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ

قال أبو جعفر: « والشهر » ، فيما قيل، أصله من « الشهرة » . يقال منه: « قد شَهر فلانٌ سَيْفه » - إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه- « يشهرُه شهرًا » . وكذلك « شَهر الشهر » ، إذا طلع هلاله, « وأشهرْنا نحن » ، إذا دخلنا في الشهر.

وأما « رمضان » ، فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمى بذلك لشدة الحرِّ الذي كان يكون فيه، حتى تَرْمَض فيه الفِصَال، كما يقال للشهر الذي يُحجّ فيه « ذو الحجة » , والذي يُرتبع فيه « ربيع الأول، وربيع الآخر » .

وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال: « رمضان » ، ويقول: لعله اسمٌ من أسماء الله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجاهد: أنه كره أن يقال: « رمضان » , ويقول: لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: « شهر رمضان » .

وقد بينت فيما مضى أن « شهر » مرفوع على قوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ , هن شهر رمضان. وجائز أن يكون رفعه بمعنى: ذلك شهر رمضان, وبمعنى: كتب عليكم شهرُ رمضان.

وقد قرأه بعض القراء « شهرَ رَمضان » نصبًا, بمعنى: كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهرَ رمضان. وقرأه بعضهم نصبًا بمعنى: أن تصوموا شهرَ رمضان خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون وقد يجوز أيضًا نصبه على وجه الأمر بصومه، كأنه قيل: شهرَ رمضان فصومُوه. وجائز نصبه على الوقت، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام في شهر رمضان.

وأما قوله: « الذي أنـزل فيه القرآن » ، فإنه ذكر أنه نـزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان. ثم أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنـزاله إليه، كما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن حسان بن أبي الأشرَس عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: أنـزل القرآن جملةً من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان, فجُعل في بيت العزَّة - قال أبو كريب: حدثنا أبو بكر, وقال ذلك السدي.

حدثني عيسى بن عثمان قال، حدثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جبير قال: نـزل القرآن جملة واحدةً في ليلة القدر في شهر رمضان, فجعل في سماء الدنيا.

حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا عمران القطان, عن قتادة, عن أبي المليح، عن واثلة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نـزلت صُحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان, وأنـزلت التوراةُ لست مَضَين من رمضان, وأنـزل الإنجيل لثلاثَ عَشرة خلت, وأنـزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان » .

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « شهرُ رَمضان الذي أنـزل فيه القرآن » . أما « أنـزل فيه القرآن » , فإن ابن عباس قال: شهر رمضان, والليلةُ المباركة ليلةُ القدر, فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة, وهي في رمضان, نـزل القرآن جملةً واحدة من الزُّبُر إلى البيت المعمور, وهو « مواقع النجوم » في السماء الدنيا حيث وقع القرآن, ثم نـزل على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رَسَلا رَسَلا.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: أنـزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر, فكان الله إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه, فهو قوله: إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ سورة القدر: 1 ] .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس، فذكر نحوه - وزاد فيه: فكان من أوله وآخره عشرون سنة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: أنـزل القرآنُ كله جملةً واحدةً في ليلة القدر في رمضان، إلى السماء الدنيا, فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شَيئًا أنـزله منه، حتى جمعه.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين, عن حكيم بن جبير, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: أنـزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة, ثم فرَّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [ سورة الواقعة:75 ] ، قال: نـزل مفرَّقًا.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي قال: بلغنا أن القرآن نـزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, قرأه ابن جريج في قوله: « شهرُ رَمضان الذي أنـزل فيه القرآن » ، قال: قال ابن عباس: أنـزل القرآن جملةً واحدة على جبريل في ليلة القدر, فكان لا ينـزل منه إلا بأمر. قال ابن جريج: كان ينـزل من القرآن في ليلة القدر كلُّ شيء ينـزل من القرآن في تلك السنة. فنـزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا ينـزل جبريلُ من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربه. ومثل ذلك إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ و إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [ سورة الدخان: 3 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن السدي, عن محمد بن أبي المجالد, عن مقسم, عن ابن عباس، قال له رجل: إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله: « شهرُ رَمضان الذي أنـزل فيه القرآن » ، وقوله: إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ وقوله إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقد أنـزل الله في شوّال وذي القعدة وغيره! قال: إنما أنـزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدةً, ثم أنـزل على مَواقع النجوم رَسَلا في الشهور والأيام.

وأما قوله: « هُدى للناس » ، فإنه يعني رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج.

وأما قوله: « وَبيِّنات » ، فإنه يعني: وواضحات « من الهدى » - يعني: من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.

وقوله: « والفرقان » يعني: والفصل بين الحق والباطل، كما:-

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدى: أما « وبينات من الهدى والفرقان » ، فبينات من الحلال والحرام.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « شهود الشهر » .

فقال بعضهم: هو مُقام المقيم في داره. قالوا: فمن دخل عليه شهرُ رمضان وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله, غابَ بعدُ فسافر، أو أقام فلم يبرح.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدامغاني قالا حدثنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: « فمن شَهد منكم الشهر فليصمه » ، قال: هو إهلاله بالدار. يريد: إذا هلَّ وهو مُقيم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين, عمن حدثه, عن ابن عباس أنه قال. في قوله: « فمن شهد منكم الشهر فليصمه » ، فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سَفر, فإن شاء صامَ وإن شَاء أفطر.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن محمد, عن عبيدة - في الرجل يُدركه رمضان ثم يُسافر - قال: إذا شهدتَ أوله فصُمْ آخره, ألا تراه يقول: « فمن شَهدَ منكم الشهر فليصمه » ؟

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن هشام القردوسي، عن محمد بن سيرين قال، سألت عَبيدة: عن رجل أدرك رمضان وهو مقيم؟ قال: من صام أول الشهر فليصم آخره, ألا تراه يقول: « فَمنْ شهد منكم الشهرَ فليصمه » .

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما « منْ شَهد منكم الشهر فليصمه » , فمن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصُمه, وإن خَرج فيه فليصُمه، فإنه دَخل عليه وهو في أهله.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا قتادة, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة السلماني, عن علي - فيما يحسب حماد- قال: من أدرك رَمضان وهو مقيم لم يَخرج، فقد لزمه الصوم, لأن الله يقول: « فمن شَهد منكم الشهر فليصمه » .

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبد الرحمن, عن إسماعيل بن مسلم, عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله: « فمن شَهد منكم الشهر فليصمه » ، قال: من كان مقيمًا فليصُمه, ومن أدركه ثم سافر فيه فليصمه.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن ابن عون, عن ابن سيرين, عن عبيدة, قال: من شهد أول رمضان فليصم آخرَه.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عليًّا كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيمٌ ثم سافر، فعليه الصوم.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم, عن عُبيدة الضبي, عن إبراهيم قال: كان يقول: إذا أدركك رمضانُ فلا تسافر فيه, فإن صمت فيه يومًا أو اثنين ثم سافرت، فلا تفطر، صُمه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة, عن أبي البختري. قال: كنا عند عُبيدة فقرأ هذه الآية: « فَمن شَهد منكم الشهر فليصمه » ، قال: من صام شيئًا منه في المصر فليصم بقيته إذا خرج. قال: وكان ابن عباس يقول: إن شاء صَام وإن شَاء أفطر.

حدثنا محمد بن بشار قال, حدثنا عبد الوهاب - و حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية- قالا جميعًا، حدثنا أيوب, عن أبي يزيد, عن أم ذرة، قالت: أتيت عائشه في رمضان, قالت: من أين جئتِ؟ قلت: من عند أخي حنين. قالت: ما شأنه؟ قالت: ودَّعته يُريد يرتحل. قالت: فأقرئيه السلام ومُريه فليُقم, فلو أدركني رمضانُ وأنا ببعض الطريق لأقمت له.

حدثنا هناد قال, حدثنا إسحاق بن عيسى, عن أفلح, عن عبد الرحمن, قال: جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة يُسلّم عليها, قالت: وأين تريد؟ قال: أردتُ العمرة. قالت: فجلستَ حتى إذا دخل عليك الشهر خرجتَ فيه! قال: قد خرج ثَقَلي! قالت: اجلس، حتى إذا أفطرت فاخرج - يعني شهرَ رمضان.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن شهد منكم الشهر فليصُمْ ما شهد منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق: أن أبا مَيسرة خرج في رمضان، حتى إذا بلغ القنطرة دعا ماءً فشرب.

حدثنا هناد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا, فمرّ بالفرات وهو صائم, فأخذ منه كفًّا فشربه وأفطر.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن مرثد: أن أبا مَيسرة سافرَ في رمضان، فأفطر عند باب الجسر - هكذا قال هناد، عن مرثد, وإنما هو أبو مَرثد.

حدثني محمد بن عمارة الأسديّ قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق, عن مرثد: أنه خرج مع أبي ميسرة في رمضان, فلما انتهى إلى الجسر أفطر.

حدثنا هناد وأبو هشام قالا حدثنا وكيع, عن المسعودي, عن الحسن بن سعد, عن أبيه قال: كنت مع عليّ في ضيعة له على ثلاث من المدينة, فخرجنا نريد المدينة في شهر رمضان، وعليٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ, قال: فصام - قال هناد: وأفطرت- قال أبو هشام: وأمرني فأفطرتُ.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم، عن عبد الرحمن بن عتبة, عن الحسن بن سعد, عن أبيه قال: كنت مع عليّ بن أبي طالب وهو جَاءٍ من أرض له، فصام, وأمرني فأفطرت، فدخل المدينة ليلا وكان راكبًا وأنا ماشٍ.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع - وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي- قالا جميعًا، حدثنا سفيان, عن عيسى بن أبي عزة, عن الشعبي: أنه سافر في شهر رمضان فأفطر عند باب الجسر.

حدثني ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، قال لي سفيان: أحبُّ إليّ أن تُتمه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة قال: سألت الحكمَ وحمادًا، وأردت أن أسافر في رمضان فقالا لي: اخرج. وقال حماد، قال إبراهيم: أما إذا كان العَشر، فأحبُّ إليَّ أن يقيم.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد, عن قتادة, عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا من أدركه الصومُ وهو مقيم رمضان ثم سافر, قالا إن شَاءَ أفطر.

وقال آخرون: « فَمن شهد منكم الشهر فليصمه » ، يعني: فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه.

وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه, كانوا يقولون: من دخل عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه, فإن جُنّ بعد دُخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا، ثم أفاقَ بعد انقضائه، لزمه قضاءُ ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبًا على عقله, لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فُرض.

قالوا: وكذلك لو دخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنونٌ، إلا أنه ممن لو كان صحيحَ العقل كان عليه صَوْمه, فلن ينقضي الشهر حتى صَح وَبرأ، أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك، فإنّ عليه قضاءُ صوْم الشهر كله، سوى اليوم الذي صامه بَعد إفاقته, لأنه ممن قد شَهد الشهر.

قالوا: ولو دَخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنون، فلم يفق حتى انقضى الشهرُ كله، ثم أفاق، لم يلزمه قضاء شيء منه, لأنه لم يكن ممن شَهده مكلَّفًا صَوْمَه.

قال أبو جعفر: وهذا تأويل لا معنى له, لأنّ الجنون إن كانَ يُسقط عمن كان به فَرْضَ الصومِ، من أجل فقد صاحبه عَقله جميع الشهر، فقد يجب أن يكونَ ذلك سبيلَ كل من فقد عقله جميع شهر الصوم. وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء أو بِرْسام، ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاءُ الشهر كله. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة. وإذ كان إجماعًا، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم، سبيلَ المغمى عليه. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويل الآية غير الذي تأوَّلها قائلو هذه المقالة: من أنه شُهود الشهر أو بعضه مكلفًا صومَه. وإذا بطل ذلك، فتأويل المتأوِّل الذي زعم أن معناه: فمن شهد أوله مقيما حاضرًا فعليه صَوْم جميعه، أبطلُ وأفسدُ، لتظاهر الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج عَام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صَام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: « سافرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة إلى مكة, حتى إذا أتى عُسْفان نـزل به, فدعا بإناء فوضعه على يَده ليراه الناسُ, ثم شربه. »

حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, عن طاوس, عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه

حدثنا هناد, حدثنا عبيدة, عن منصور, عن مجاهد, عن طاوس, عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني الزهري, عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة, عن ابن عباس قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره عام الفتح لعشر مضين من رمضان, فصامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصامَ الناسُ معه, حتى إذا أتى الكُدَيْد - ما بين عُسْفان وأَمَج- أفطر.

حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا عبدة, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, عن عبيد الله بن عبد الله, عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشرٍ - أو لعشرين- مضت من رَمضان عام الفتح, فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا عمر بن عامر, عن قتادة, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدريّ قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لثمان عشرَةَ مضتْ من رمضان, فمنا الصائم ومنا المفطر, فلم يَعِب المفطرُ على الصائم, ولا الصائم على المفطر.

فإذ كانا فاسدين هذان التأويلان، بما عليه دَللنا من فسادهما - فَبيِّنٌ أن الصحيح من التأويل هو الثالث، وهو قول من قال: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، جميعَ ما شهد منه مقيمًا, ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيامُ عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخرَ غير أيام شهر رمضان.

ثم اختلف أهل العلم في المرَض الذي أباح الله معه الإفطار، وأوجب معه عده من أيام أخر.

فقال بعضهم: هو المرض الذي لا يُطيق صاحبه معه القيام لصَلاته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا معاذ بن شعبة البصري قال، حدثنا شريك, عن مغيره, عن إبراهيم وإسماعيل بن مسلم, عن الحسن أنه قال: إذا لم يستطع المريضُ أن يُصَلِّي قائمًا أفطر.

حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم, عن مغيرة - أو عبيدة- عن إبراهيم، في المريض إذا لم يستطع الصلاةَ قائمًا فليفطر. يعني: في رمضان.

حدثنا هناد قال، حدثنا حفص بن غياث, عن إسماعيل قال: سألت الحسن: متى يُفطر الصائم؟ قال: إذا جَهده الصوم. قال: إذا لم يستطع أن يُصلي الفرائض كما أمِر.

وقال بعضهم: وهو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةُ في علته زيادة غير مُحتملة. وذلك هو قول محمد بن إدريس الشافعي, حدثنا بذلك عنه الربيع.

وقال آخرون: وهو [ كلّ ] مرض يسمى مرَضًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا الحسن بن خالد الربعي قال، حدثنا طريف بن شهاب العُطاردي: أنه دخل على محمد بن سيرين في رَمضان وهو يأكل، فلم يسأله. فلما فرغ قال: إنه وَجعتْ إصبعي هذه.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن « المرض » الذي أذن الله تعالى ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان، من كان الصومُ جاهدَه جَهدًا غير محتمل, فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر. وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمرَ, فإن لم يكن مأذونًا له في الإفطار فقد كلِّف عُسرًا، ومُنع يُسرًا. وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بخلقه بقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وأما من كان الصوم غيرَ جَاهدِه, فهو بمعنى الصحيح الذي يُطيق الصوم, فعليه أداءُ فرضه.

وأما قوله: « فعدة من أيام أخر » ، فإنّ معناها: أيامًا معدودة سوى هذه الأيام.

وأما « الأخَر » ، فإنها جمع « أخرى » كجمعهم « الكبرى » على « الكُبَر » و « القُربى » على « القُرَب » .

فإن قال قائل: أوَليست « الأخر » من صفة الأيام؟

قيل: بلى.

فإن قال: أوَليس واحدُ « الأيام » « يوم » وهو مذكر؟

قيل: بلى.

فإن قال: فكيف يكون واحدُ « الأخر » « أخرى » ، وهي صفة ل « اليوم » ، ولم يكن « آخر » ؟

قيل: إن واحد « الأيام » وإن كان إذا نُعت بواحد « الأخر » فهو « آخر » , فإن « الأيام » في الجمع تصير إلى التأنيث، فتصير نعوتها وصفاتها كهيئة صفات المؤنث, كما يقال: « مضت الأيامُ جُمعَ » , ولا يقال: أجمعون, ولا أيام آخرون.

فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، ومعنى ذلك عندك: فعليه عدةٌ من أيام أخر، كما قد وصفت فيما مضى. فإن كان ذلك تأويله, فما قولك فيمن كان مريضًا أو عَلى سَفر فَصَام الشهر، وهو ممن له الإفطار, أُيجزيه ذلك من صيام عدة من أيام أخر, أو غيرُ مُجزيه ذلك، وفَرْضُ صوم عدة من أيام أخر ثابتٌ عليه بهيئته، وإن صام الشهر كله؟ وهل لمن كان مريضًا أو على سَفر صيامُ شهر رمضان, أم ذلك محظور عليه, وغير جائز له صومه, والواجب عليه الإفطار فيه، حتى يقيم هذا ويبرأ هذا؟

قيل: قد اختلف أهل العلم في كل ذلك, ونحن ذاكرُو اختلافهم في ذلك, ومخبرون بأولاه بالصواب إن شاء الله.

فقال بعضهم: الإفطارُ في المرض عَزْمة من الله واجبةٌ, وليسَ بترخيص.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي - وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية- جميعًا, عن سعيد, عن قتادة, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس قال: الإفطارُ في السفر عَزْمة.

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى, عن يوسف بن الحكم قال: سألتُ ابن عمر - أو: سئل- عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك، ألم تغضب؟ فإنها صَدقة من الله تصدق بها عليكم.

حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا المحاربي عن عبد الملك بن حميد قال، قال أبو جعفر: كان أبي لا يَصُوم في السفر، ويَنهى عنه.

وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك: أنه كره الصومَ في السفر.

وقال أهل هذه المقالة: من صام في السفر فعليه القضاءُ إذا قام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علي الجهضميّ قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم, عن أبيه, عن رجل: أن عمرَ أمرَ الذي صام في السفر أن يُعيد. .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي, عن سعيد بن عمرو بن دينار, عن رجل من بني تميم، عن أبيه قال: أمر عمر رجلا صام في السفر أن يعيدَ صَوْمه.

حدثني ابن حميد الحمصي قال، حدثنا علي بن معبد, عن عبيد الله بن عمرو, عن عبد الكريم, عن عطاء, عن المحرَّر بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في رمضان, فكنت أصوم ويُفطر. فقال لي أبي: أما إنك إذا أقمتَ قَضيت.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا سليمان بن داود قال، حدثنا شعبة, عن عاصم مولى قريبة, قال: سمعت عروة يأمر رجلا صام في السفر أن يَقضي.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة, عن عاصم مولى قريبة: أن رجلا صامَ في السفر، فأمرَهُ عروة أن يَقضي.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن صبيح قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم, عن أبيه كلثوم: أنّ قومًا قدموا على عُمرَ بن الخطاب وقد صاموا رمضانَ في سفر, فقال لهم: والله لكأنكم كنتم تصُومون! فقالوا: والله يا أمير المؤمنين لقد صمنا! قال: فأطقتموه! قالوا: نعم. قال: فاقضوه، فاقضوه.

وعلة مَنْ قال هذه المقالة: أن الله تعالى ذكره فرَضَ بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ صومَ شهر رمضان على من شهده مُقيمًا غير مسافر, وجعل على من كان مريضًا أو مسافرًا صومَ عدة من أيام أخر غير أيام شهر رمضان بقوله: « ومَنْ كان مريضًا أو على سَفر فعدة من أيام أخر » . قالوا: فكما غيرُ جائز للمقيم إفطارُ أيام شهر رمضان وَصَوم عدة أيام أخر مكانها - لأن الذي فرضَه الله عليه بشهوده الشهرَ صومُ الشهر دون غيره- فكذلك غير جائز لمن لم يشهده من المسافرين مقيمًا، صوْمُه. لأن الذي فرضه الله عليه عدة من أيام أخر. واعتلوا أيضًا من الخبر بما:-

حدثنا به محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثنا عبد الله بن موسى, عن أسامة بن زيد, عن الزهري, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن عبد الرحمن بن عوف قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. »

حدثني محمد بن عبيد الله بن سعيد قال، حدثنا يزيد بن عياض, عن الزهري, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الصائمُ في السفر كالمفطر في الحضر » .

وقال آخرون: إباحة الإفطار في السفر رخصة من الله تعالى ذكره، رخصها لعباده, والفرضُ الصوم. فمن صام فرضَه أدَّى, ومن أفطر فبرُخصة الله له أفطر. قالوا: وإن صام في سفر فلا قَضاءَ عليه إذا أقام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب قال، حدثنا عروة وسالم: أنهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أميرٌ على المدينة، فتذاكروا الصومَ في السفر، قال سالم: كان ابن عمر لا يصُوم في السفر. وقال عروة. وكانت عائشة تصوم. فقال سالم: إنما أخذت عن ابن عمر. وقال عروة: إنما أخذتُ عن عائشة. حتى ارتفعت أصواتهما. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم عفوًا! إذا كان يُسرًا فصوموا، وإذا كان عُسرًا فأفطروا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال، حدثني رجل قال: ذكر الصوم في السفر عند عمر بن عبد العزيز، ثم ذكر نحو حديث ابن بشار.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس حدثنا ابن إسحاق - عن الزهري، عن سالم بن عبد الله قال: خرج عمر بن الخطاب في بعض أسفاره في ليال بقيت من رمضان، فقال: إن الشهر قد تشعشع - قال أبو كريب في حديثه: أو: تَسعسع، ولم يشك يعقوب - فلو صمنا! فصام وصام الناس مَعه. ثم أقبل مرَّة قافلا حتى إذا كان بالروحاء أهلّ هلالُ شهر رمضان، فقال: إن الله قد قَضَى السفر، فلو صمنا ولم نَثْلم شهرنا! قال: فصام وصام الناس معه. .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير، قال، حدثني أبي - وحدثنا محمد بن بشار قال، أخبرنا عبيد الله قال، أخبرنا بشير بن سلمان - عن خيثمةَ قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، قال: قد أمرتُ غلامي أن يَصوم فأبى. قلت: فأين هذه الآية: « ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر » ؟ قال: نـزلت ونحن يومئذ نرتحلُ جياعًا وننـزل على غير شِبَع، وإنا اليوم نرتحل شِباعًا وننـزل على شِبَع .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن بشير بن سلمان، عن خيثمة، عن أنس نحوه.

حدثنا هناد وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس: أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: من أفطر فبرُخصة الله، ومن صام فالصومُ أفضل.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، عن أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن عثمان بن أبي العاص قال: الفطر في السفر رخصة، والصوم أفضل.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو الفيض، قال: كان علي علينا أميرًا بالشام، فنهانا عن الصوم في السفر، فسألت أبا قِرْصافة - رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بني ليث، قال عبد الصمد: سمعتُ رجلا من قومه يَقول: إنه واثلة بن الأسقع - قال: لو صمتَ في السفر ما قضيت. .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن بسطام بن مسلم، عن عطاء قال: إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرُخصة.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن كهمس قال: سألت سالم بن عبد الله عن الصوم في السفر، فقال: إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرخصة.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: من صام فحقٌّ أدَّاه، ومن أفطر فرُخصة أخذ بها.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، قال: الفطر في السفر رُخصة، والصومُ أفضل.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عطاء، قال: هو تَعليم، وليس بعَزم - يعني قول الله: « ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر » ، إن شاء صام وإن شاء لم يصم.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن: في الرجل يسافر في رمضان، قال: إن شاء صام وإن شاء أفطر.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب قال، حدثنا العوّام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الصوم في السفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فيه ويفطر. قال: قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: إنما هي رُخصة، وأن تصوم رمضان أحب إليّ.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد، أنهم قالوا: الصومُ في السفر، إن شاء صَام وإن شاء أفطر، والصوم أحب إليهم.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، قال لي مجاهد في الصوم في السفر - يعني صوم رمضان- : والله ما منهما إلا حلال، الصومُ والإفطار، وما أراد الله بالإفطار إلا التيسير لعباده.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم قال: صحبت أبا الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون وأبا وائل إلى مكة، وكانوا يصومون رمضان وغيرَه في السفر.

حدثنا علي بن حسن الأزدي قال، حدثنا معافى بن عمران، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير: الفطرُ في السفر رُخصة، والصوم أفضل.

حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب قال، حدثنا صالح بن محمد بن صالح، عن أبيه قال: قلت للقاسم بن محمد: إنا نسافر في الشتاء في رمضان، فإن صمتُ فيه كان أهوَنَ عليَّ من أن أقضيه في الحر! فقال: قال الله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ما كان أيسرَ عليك فافعلْ .

قال أبو جعفر: وهذا القول عندنا أولى بالصواب، لإجماع الجميع على أن مريضًا لو صام شهرَ رمضان - وهو ممن له الإفطار لمرضه- أنّ صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلومًا بذلك أن حكم المسافر حكمه في أنْ لا قضاءَ عليه إن صامه في سفره. لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمرَ به من قضاء عدة من أيام أخر، مثلُ الذي جعل من ذلك للمريض وأمرَ به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفايةٌ مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها. وذلك قول الله تعالى ذكره: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، ولا عُسرَ أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عدةً من أيام أخر، وقد تكلف أداءَ فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأدَّاه.

فإن ظن ذو غَباوة أنّ الذي صامه لم يكن فرضَهُ الواجبَ، فإن في قول الله تعالى ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، ما ينبئ أن المكتوبَ صومُه من الشهور على كل مُؤمن، هو شهرُ رمضان مسافرًا كان أو مقيمًا، لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ شَهْرُ رَمَضَانَ وأن قوله: « ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر فعدةٌ من أيام أخر » معناه: ومن كان مريضًا أو على سفر فأفطرَ برُخصة الله، فعليه صوم عدة أيام أخر مكانَ الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله - إذْ سئل عن الصوم في السفر: « إن شئتَ فصم، وإن شئت فأفطر » - الكفايةُ الكافيةُ عن الاستدلال على صحة ما قُلنا في ذلك بغيره.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم ووكيع وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن حَمزة سألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر - وكانَ يسرُد الصوم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتَ فصُمْ وإن شئت فأفطر. .

حدثنا أبو كريب وعبيد بن إسماعيل الهبّاري قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال: أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أبي مراوح، عن حمزة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، فأصومُ في السفر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي رُخْصة من الله لعباده، فمن فعلها فحسنٌ جميل، ومن تركها فلا جُناح عليه. فكان حمزة يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر. وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر، حتى إنْ كان ليمرضُ فلا يُفطر. وكان أبو مُرَاوح يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر. .

ففي هذا، مع نظائره من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدلالة الدالة على صحة ما قلنا: من أن الإفطارَ رخصةٌ لا عزم، والبيانُ الواضح على صحة ما قلنا في تأويل قوله: « وَمن كانَ مريضًا أو عَلى سَفر فعدةٌ من أيام أخر » .

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن الأخبار بما قلت وإن كانت متظاهرةً، فقد تظاهرت أيضًا بقوله: « ليس من البر الصيامُ في السفر » ؟

قيل: إن ذلك إذا كان الصيامُ في مثل الحال التي جَاء الأثرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ في ذلك لمن قال له.

حدثنا الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجُلا في سفره قد ظُلِّل عليه، وعليه جماعة، فقال: « من هذا؟ قالوا: صائم. قال: ليس من البر الصوم في السفر » .

قال أبو جعفر: أخشى أن يكون هذا الشيخ غلط، وبين ابن إدريس ومحمد بن عبد الرحمن، شعبة. .

2892م- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّل عليه، فقالوا: هذا رجل صائم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس من البر أن تَصوموا في السفر. .

فمن بلغ منه الصوم ما بَلغ من الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك، فليس من البر صومه. لأن الله تعالى ذكره قد حرّم على كل أحد تعريضَ نفسه لما فيه هلاكها، وله إلى نجاتها سبيل. وإنما يُطلب البر بما نَدب الله إليه وَحضَّ عليه من الأعمال، لا بما نهى عنه.

وأما الأخبار التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: « الصائم في السفر كالمفطر في الحضر » فقد يحتمل أن يكون قيل لمن بلغ منه الصوم ما بلغ من هذا الذي ظُلِّل عليه، إن كان قبل ذلك. وغيرُ جائز عليه أن يُضَاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيلُ ذلك، لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واهية الأسانيد، لا يجوز الاحتجاجُ بها في الدين.

فإن قال قائل: وكيف عطف على « المريض » ، وهو اسم بقوله: « أوْ على سفر » و « على » صفة لا اسم. .

قيل: جاز أن ينسق ب « على » على « المريض » ، لأنها في معنى الفعل. وتأويل ذلك: أو مسافرًا، كما قال تعالى ذكره: دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [ يونس: 12 ] ، فعطف ب « القاعد، والقائم « على » اللام » التي في « لجنبه » ، لأن معناها الفعل، كأنه قال: دعانا مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يريد الله بكم، أيها المؤمنون - بترخيصه لكم في حال مرضكم وسَفركم في الإفطار، وقضاء عدة أيام أخر من الأيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد بُرئكم من مرضكم- التخفيفَ عليكم، والتسهيل عليكم، لعلمه بمشقة ذلك عليكم في هذه الأحوال « ولا يُريد بكم العسر » ، يقول: ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم، فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأحوال، مع علمه شدة ذلك عليكم، وثقل حمله عليكم لو حمّلكم صومه، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « يُريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر » ، قال: اليسر: الإفطار في السفر، والعسر الصيام في السفر.

حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر، فقال: يُسرٌ وعُسرٌ. فخذ بيسر الله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر. قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « يريد الله بكم اليسر » - قال: هو الإفطار في السفر، وَجعل عدةً من أيام أخر- « ولا يريد بكم العسر » .

حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يريد الله بكمُ اليسر ولا يُريد بكم العسر » ، فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري عن طاوس، عن ابن عباس قال: لا تَعِبْ على من صام ولا على من أفطر - يعنِي في السفر في رمضان- « يريد الله بكم اليسر ولا يُريد بكم العسر » .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضيل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمانَ، قال سمعت الضحاك بن مزاحم في قوله: « يريد الله بكمُ اليسر » - الإفطار في السفر- « ولا يريد بكم العسر » ، الصيام في السفر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولتكملوا العدة » ، عدةَ ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاءَ عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم، كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « ولتكملوا العدة » ، قال: عدة ما أفطر المريض والمسافر.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولتكملوا العدة » ، قال: إكمالُ العدة: أنَ يصومَ ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض [ إلى ] أنْ يُتمه، فإذا أتمه فقد أكمل العدة. .

فإن قال قائل: ما الذي عليه بهذه « الواو » التي في قوله: « ولتكملوا العدة » عَطَفَتْ؟ .

قيل: اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعضهم: هي عاطفة على ما قبلها، كأنه قيل: ويُريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله.

وقال بعض نحويي الكوفة: وهذه « اللام » التي في قوله: « ولتكملوا » لام « كي » لو ألقيتْ كان صوابًا. قال: والعرب تُدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الذي قبلها وفيها « الواو » ، ألا ترى أنك تقول: « جئتك لتحسن إلي » ، ولا تقول: « جئتك ولتحسن إليّ » ، فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك. قال: وهذا في القرآن كثيرٌ، منه قوله: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [ سورة الأنعام: 113 ] ، وقوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ سورة الأنعام: 75 ] ، ولو لم تكن فيه « الواو » كان شرطًا على قولك: أريْناهُ ملكوت السماوات والأرض ليكون. فإذا كانت « الواو » فيها فلها فعل « مضمر » بعدها، و « ليكون من الموقنين » ، أريناه. .

قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب في العربية. لأن قوله: « ولتكملوا العدة » ، ليس قبله « لام » بمعنى « اللام » التي في قوله: « ولتكملوا العدة » فتعطف بقوله: « ولتكملوا العدة » عليها - وإن دخول « الواو » معها، يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها، إذ كانت « الواو » لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثلَ الذي كتب عليكم فيه، فضلُّوا عنه بإضلال الله إياهم، وخصَّكم بكرامته فهداكم له، ووفقكم لأداء ما كتبَ الله عليكم من صومه، وتشكروه على ذلك بالعبادة لهُ.

والذكر الذي حضهم الله على تعظيمه به، « التكبير » يوم الفطر، فيما تأوله جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن داود بن قيس، قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: « ولتكبروا الله على ما هداكم » ، قال: إذا رأى الهلال، فالتكبيرُ من حين يَرى الهلال حتى ينصرف الإمام، في الطريق والمسجد، إلا أنه إذا حضر الإمامُ كفّ فلا يكبرِّ إلا بتكبيره.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول: « ولتكبِّروا الله على ما هداكم » ، قال: بلغنا أنه التكبير يوم الفطر.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان ابن عباس يقول: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبرِّوا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى ذكره يقول: « ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم » . قال ابن زيد: يَنبغي لهم إذا غَدوا إلى المصلَّى كبروا، فإذا جلسوا كبروا، فإذا جاء الإمام صَمتوا، فإذا كبر الإمام كبروا، ولا يكبرون إذا جاء الإمام إلا بتكبيره، حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد. قال يونس: قال ابن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: والجماعةُ عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلَّى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم.

و « لعل » في هذا الموضع بمعنى « كي » ولذلك عطف به على قوله: « ولتكملوا العدة ولتكبروا الله عَلى ما هَداكم ولَعلكم تَشكرون » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: بذلك وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم.

وقد اختلف فيما أنـزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في سائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أقريبٌ ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنـزل الله: « وإذا سألك عبادي عَني فأني قريبٌ أجيبُ » الآية.

حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبدة السجستاني، عن الصُّلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده. .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أين ربُّنا؟ فأنـزل الله تعالى ذكره: « وإذا سألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان » الآية .

وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لمسألة قومٍ سَألوا النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ ساعة يدعون الله فيها؟

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لما نـزلت: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ سورة غافر: 60 ] قالوا: في أي ساعة؟ قال: فنـزلت: « وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب » إلى قوله: « لعلهم يَرُشدون » .

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: « أجيب دَعوَة الداع إذا دعان » ، قالوا: لو علمنا أيَّ ساعة نَدْعو! فنـزلت: « وإذا سَأَلكَ عِبَادي عَنّي فإني قريب » الآية.

حدثني القاسم. قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء بن أبي رباح أنه بلغه: لما نـزلت: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو! فنـزلت: « وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب أجيب دَعوة الداع إذا دَعان فليستجيبوا لي وَليؤمنوا بي لعلهم يَرشدون » .

حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وإذا سَألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دَعان » ، قال: ليس من عَبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذَخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروهًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا الليث بن سعد عن ابن صالح، عمن حدثه: أنه بلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أعطى أحدٌ الدعاءَ ومُنع الإجابة، لأن الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .

ومعنى متأوِّلي هذا التأويل: وإذا سألك عبادي عني: أي ساعة يدعونني؟ فإني منهم قريب في كل وقت، أجيب دعوة الداع إذا دعان.

وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لقول قوم قالوا - إذْ قالَ الله لهم: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ - : إلى أين ندعوه!

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال مجاهد: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قالوا: إلى أين؟ فنـزلت: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ سورة البقرة: 115 ] .

وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لقوم قالوا: كيف ندعو؟

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما أنـزل الله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟ فأنـزل الله: « وإذا سَألك عبادي عَنّي فإنّي قريبٌ » إلى قوله: « يرشدون » .

وأما قوله: « فليستجيبوا لي » ، فإنه يعني: فليستجيبوا لي بالطاعة. يقال منه: « استجبت له، واستجبته » ، بمعنى أجبته، كما قال كعب بن سعد الغنويّ:

وَدَاعٍ دَعَـا يَـامَنْ يُجِـيبُ إلَـى النَّدَى فَلَــمْ يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيب

يريد: فلم يجبه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد وجماعةٌ غيره.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: « فليستجيبوا لي » ، قال: فليطيعوا لي، قال: « الاستجابة » ، الطاعة.

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال: سألت عبد الله بن المبارك عن قوله: « فليستجيبوا لي » ، قال: طاعة الله.

وقال بعضهم: معنى « فليستجيبوا لي » : فليدعوني

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي رجاء الخراساني، قال « فليستجيبوا لي » ، فليدعوني.

وأما قوله: « وليؤمنوا بي » فإنه يعني: وَليصدِّقوا. أي: وليؤمنوا بي، إذا همُ استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وَرَاء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها.

وأما الذي تأوَّل قوله: « فليستجيبوا لي » ، أنه بمعنى: فليدعوني، فإنه كان يتأوّل قوله: « وليؤمنوا بي » ، وليؤمنوا بي أني أستجيب لهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي رجاء الخراساني: « وليؤمنوا بي » ، يقول: أني أستجيب لهم.

وأما قوله: « لعلهم يَرشُدُون » فإنه يعني: فليستجيبوا لي بالطاعة، وليؤمنوا بي فيصدِّقوا على طاعتهم إياي بالثواب مني لهم، وليهتدوا بذلك من فعلهم فيرشدوا، كما:-

حدثني به المثني قال، حدثنا إسحاق، قال حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: « لعلهم يَرشدون » ، يقول: لعلهم يهتدون.

فإن قال لنا قائل: وما معنى هذا القول من الله تعالى ذكره؟ فأنت ترى كثيرًا من البشر يدعون الله فلا يجابُ لهم دُعاء، وقد قال: « أجيبُ دَعوة الداع إذا دَعان » ؟

قيل: إن لذلك وجهين من المعنى:

أحدهما: أن يكون معنيًّا « بالدعوة » ، العملُ بما نَدب الله إليه وأمر به. فيكون تأويل الكلام. وإذا سألك عبادي عَني فإنى قريبٌ ممن أطاعني وعَمل بما أمرته به، أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني. فيكون معنى « الدعاء » : مسألة العبد ربَّه وما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى « الإجابة » من الله التي ضمنها له، الوفاءُ له بما وعد العاملين له بما أمرهم به، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: « إنّ الدعاء هو العبادة » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جويبر، عن الأعمش، عن ذر، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الدعاءَ هُوَ العبادة. ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ سورة غافر: 60 ] .

فأخبر صَلى الله عليه وسلم أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته، بالعمل له والطاعة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ذُكِر أن الحسن كان يقول:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني منصور بن هارون، عن عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال فيها: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حقٌّ على الله أنَ يستجيب للذين آمنوا وعَملوا الصالحات ويزيدُهم من فضله.

والوجه الآخر: أن يكون معناه: أجيب دعوة الداع إذا دَعان إن شئت. فيكون ذلك، وإن كان عامًّا مخرُجه في التلاوة، خاصًّا معناهُ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أحل لكم » ، أطلق لكم وأبيح .

ويعني بقوله: « ليلة الصيام » ، في ليلة الصيام.

فأما « الرفث » فإنه كناية عن الجماع في هذا الموضع، يقال: « هو الرفثُ والرُّفوث » . .

وقد روي أنها في قراءة عبد الله: « أحل لكم ليلة الصيام الرفوثُ إلى نسائكم » .

وبمثل الذي قلنا في تأويل « الرفث » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا أيوب بن سويد، عن سفيان، عن عاصم، عن بكر عن عبد الله المزني، عن ابن عباس قال: الرفث، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن بكر، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الرفث، النكاح.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: الرفث: غِشيانُ النساء.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم » ، قال: الجماع.

حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: الرفث: هو النكاح.

حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الكبير البصري قال، حدثنا الضحاك بن عثمان قال، سألت سالم بن عبد الله عن قوله: « أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائكم » ، قال: هو الجماع.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « أحِلّ لكم ليلةَ الصيام الرفثُ إلى نسائكم » ، يقول: الجماع.

« والرفث » في غير هذا الموضع، الإفحاشُ في المنطق، كما قال العجاج:

عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

 

القول في تأويل قوله تعالى : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: نساؤكم لباسٌ لكمُ وأنتم لباسٌ لهن.

فإن قال قائل: وكيف يكون نساؤنا لباسًا لنا، ونحن لهن لباسًا و « اللباس » إنما هو ما لبس؟

قيل: لذلك وجهان من المعاني:

أحدهما: أن يكون كل واحد منهما جُعل لصاحبه لباسًا، لتجرُّدهما عند النوم، واجتماعهما في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنـزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو « لباس » لصاحبه، كما قال نابغة بني جعدة:

إِذَا مَــا الضَّجِــيعُ ثَنَــى عِطْفَهَـا تَــدَاعَتْ, فكَــانَتْ عَلَيْــهِ لِبَاسَـا

ويروي: « تثنت » فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد ب « اللباس » ، كما يكنى ب « الثياب » عن جسد الإنسان، كما قالت ليلى، وهي تصف إبلا ركبها قومٌ:

رَمَوْهَـا بِـأَثْوَابٍ خِفَـافٍ, فَـلا تَرَى لَهَــا شَــبَهًا إلا النَّعَــامَ المُنَفَّـرَا

يعني: رموها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهذليّ تَــبَرَّأُ مِــنْ دَمِ القَتيــلِ وَوَتْـرِهِ وَقَـدْ عَلِقَـتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُهَا

يعني ب « إزارها » ، نفسها. وبذلك كان الربيع يقول:

حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع: « هن لباسٌ لكم وأنتم لباس لهنّ » ، يقول: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهن. .

والوجه الآخر: أن يكون جَعل كلَّ واحد منهما لصاحبه « لباسًا » ، لأنه سَكنٌ له، كما قال جل ثناؤه: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا [ سورة الفرقان: 47 ] ، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه. وكذلك زوجة الرجل سَكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [ سورة الأعراف: 189 ] فيكون كل واحد منهما « لباسًا » لصاحبه، بمعنى سكونه إليه. وبذلك كان مجاهد وغيره يقولون في ذلك.

وقد يقال لما سَتر الشيء وَواراه عَن أبصار الناظرين إليه: « هو لباسه، وغشاؤه » ، فجائز أن يكونَ قيل: « هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن » ، بمعنى: أنّ كل واحد منكم ستر لصاحبه - فيما يكون بينكم من الجماع- عن أبصار سائر الناس.

وكان مجاهد وغيره يقولون في ذلك بما:-

حدثنا به المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن » ، يقول: سكنٌ لهن.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن » ، قال قتادة: هُنّ سكنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهنّ.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « هن لباسٌ لكم » يقول: سكن لكم، « وأنتم لباس لهن » ، يقول: سكن لهن.

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال عبد الرحمن بن زيد في قوله: « هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن » ، قال: المواقعة.

حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم، عن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قوله: « هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن » ، قال: هن سكنٌ لكم وأنتم سكنٌ لهن.

 

القول في تأويل قوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما هذه الخيانة التي كانَ القوم يختانونها أنفسهم، التي تابَ الله منها عليهم فعفا عنهم؟

قيل: كانت خيانتُهم أنفسَهم التي ذكرها الله في شيئين، أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشربُ في الوقت الذي كانَ حرامًا ذلك عليهم، كما:-

حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبه، عن عمرو بن مرة قال، حدثنا ابن أبي ليلى: أن الرجل كان إذا أفطرَ فنام لم يأتها، وإذا نام لم يطعم، حتى جاء عمر بن الخطاب يُريد امرأته، فقالت امرأته: قد كنتَ نمتَ! فظنّ أنها تعتلُّ فوقع بها. قال: وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالوا: نسخّن لك شيئًا؟...... قال: ثم نـزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ الآية.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، فلما دخل رَمضان كانوا يصومون، فإذا لم يأكل الرجل عند فطره حتى ينام، لم يأكل إلى مثلها، وإن نام أو نامت امرأته لم يكن له أن يأتيها إلى مثلها. فجاء شيخٌ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك، فقال لأهله: أطعموني. فقالت: حتى أجعل لك شيئًا سخنًا! قال: فغلبته عينه فنام. ثم جاء عمر فقالت له امرأته: إني قد نمت! فلم يعذرها، وظن أنها تعتلّ، فواقعها. فبات هذا وهذا يتقلبان ليلتهما ظهرًا وبطنًا، فأنـزل الله في ذلك: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، وقال: « فالآن بَاشروهن » ، فعفا الله عن ذلك، وكانت سُنَّةً.

حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساءَ ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعامَ والشرابَ وإتيانَ النساء. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صِرْمة يعمل في أرض له، قال: فلما كان عند فطره نام، فأصبح صائمًا قد جُهد. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي أرى بكَ جهدًا! فأخبره بما كان من أمره. واختان رَجل نفسه في شأن النساء، فأنـزل الله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ، إلى آخر الآية. .

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء - نحو حديث ابن أبي ليلى الذي حَدّث به عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - قال: كانوا إذا صاموا ونام أحدهم، لم يأكُل شيئًا حتى يكون من الغد. فجاء رجلٌ من الأنصار وقد عمل في أرض له وقد أعيا وكلَّ، فغلبته عينه فنام، وأصبح من الغد مجهودًا، فنـزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . .

حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإنّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان توجَّه ذلك اليوم فعمِل في أرضه، فلما حضر الإفطارُ أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته قالت: قد نمت! فلم ينتصف النهارُ حتى غُشي عليه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت فيه هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلى مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ففرحوا بها فرحًا شديدًا .

حدثني المثني قال حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ، وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حُرِّم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة. ثم إن نَاسًا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: « علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتابَ عليكم وعَفا عنكم فالآن باشروهن » يعني انكحوهن، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .

حدثني المثني قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، قال: حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة: أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناسُ في رمضان إذا صامَ الرجل فأمسَى فنام، حُرِّم عليه الطعام والشراب والنساءُ حتى يفطر من الغد. فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سَمَر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها فقالت: إني قد نمت! فقال: ما نمت! ثم وقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنـزل الله تعالى ذكره: « علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتابَ عَليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن » ... الآية .

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت: أن عمر بن الخطاب واقع أهله ليلة في رمضان، فاشتد ذلك عليه، فأنـزل الله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ .

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ إلى: « وعفا عَنكم » . كان الناس أوّلَ ما أسلموا إذا صام أحدُهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طَعِم من الطعام فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت حُرّم عليهم الطعامُ حتى يمسي من الليلة القابلة. وإنّ عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله لبعض حاجته، فلما اغتسلَ أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيتَ من الملامة. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فانها زيَّنت لي فواقعتُ أهلي! هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ قال: لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر! فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعُذره في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يَضَعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلى « علم الله أنكم كنتم تَختانون أنفسكم » يعني بذلك: الذي فعل عمر بن الخطاب فأنـزل الله عفوه. فقال: « فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن بَاشرُوهن » إلى: مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ قال: كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصيام بالنهار، فإذا أمسى أكل وشرب وجامع النساء، فإذا رَقَد حرَّم ذلك كله عليه إلى مثلها من القابلة. وكان منهم رجال يَختانون أنفسهم في ذلك، فعفا الله عنهم، وأحل [ ذلك ] لهم بعد الرقاد وقبله في الليل كله .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الصائم في رمضان، فإذا أمسى - ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو وزاد فيه: وكان منهم رجال يختانون أنفسهم، وكان عمر بن الخطاب ممن اختان نفسه، فعفا الله عنهم، وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله، وفي الليل كله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن شَرُوس، عن عكرمة مولى ابن عباس: أن رجلا - قد سَمَّاه [ فنسيته ] - من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، جاء ليلةً وهو صائم، فقالت له امرأته: لا تَنمْ حتى نصنعَ لك طعامًا! فنام، فجاءت فقالت: نمت والله! فقال: لا والله! قالت: بلى والله! فلم يأكل تلك الليلة، وأصبح صائمًا فَغُشى عليه، فأنـزلت الرخصة فيه .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « علم الله أنكم كُنتُم تَختانون أنفسكم » وكان بدءُ الصيام أمِروا بثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين غدوة، وركعتين عشية، فأحلّ الله لهم في صيامهم - في ثلاثة أيام، وفي أول ما افترض عليهم في رمضان - إذا أفطروا، وكان الطعام والشرابُ وغشيان النساءَ لهم حلالا ما لم يرقدوا، فإذا رَقَدوا حُرم عليهم ذلك إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم كانوا يُصيبون أو ينالون من الطعام والشراب وغشيان النساء بعد الرقاد، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم، ثم أحل الله لهم [ بعد ] ذلك الطعام والشراب وغشيانَ النساء إلى طلوع الفجر .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ قال: كان الناس قبل هذه الآية إذا رَقَد أحدُهم من الليل رَقْدًة، لم يحلَّ له طعامٌ ولا شرابٌ ولا أن يأتي امرأته إلى الليلة المقبلة، فوقع بذلك بعض المسلمين، فمنهم من أكل بعد هجعته أو شرب، ومنهم من وقع على امرأته، فرخص الله ذلك لهم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: كُتب على النصارى رَمَضان، وكُتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يَشربوا بَعد النوم، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فكتب على المؤمنين كما كُتب عليهم، فلم يزل المسلمون على ذلك يَصنعون كما تصنع النصارى، حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة، وكان يَعمل في حيطان المدينة بالأجر فأتى أهله بتمر فقال لامرأته: استبدلي بهذا التمر طحينا فاجعليه سَخينةً، لعليّ أن آكله، فإن التمر قد أحرق جَوْفي! فانطلقت فاستبدلت له، ثم صنعتْ فأبطأتْ عليه فنام، فأيقظته، فكره أن يعصي الله ورسوله، وأبى أن يأكل، وأصبح صائما; فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشيّ، فقال: ما لك يا أبا قيس! أمسيتَ طليحا؟ فقص عليه القصة.

وكان عمر بن الخطاب وقع على جارية لهُ - في ناس من المؤمنين لم يملكوا أنفسهم- فلما سمع عمر كلام أبي قيس، رَهبَ أن ينـزل في أبي قيس شيء، فتذكّرُ هُو، فقام فاعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني أعوذُ بالله إنّي وقعتُ على جاريتي، ولم أملك نفسي البارحة! فلما تكلم عُمر، تكلم أولئك الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنتَ جديرًا بذلك يا ابن الخطاب! فنُسِخ ذلك عنهم، فقال: « أحِلّ لكم ليلةَ الصيام الرفث إلى نسائكم هُن لباسٌ لكم وأنتم لباس لهن عَلم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم » ، - يقول: إنكم تقعون عليهن خيانةً- « فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآنَ باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم » - يقول: جامعوهن، ورجع إلى أبي قيس فقال- : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ قال: كانوا في رمضان لا يمسُّون النساءَ ولا يطعمون ولا يشربون بعد أن يناموا حتى الليل من القابلة، فإن مسُّوهن قبل أن يناموا لم يروا بذلك بأسا. فأصاب رجل من الأنصار امرأته بعد أن نام، فقال: قد اختنت نفسي! فنـزل القرآن، فأحل لهم النساء والطعام والشرابَ حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. قال: وقال مجاهد: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصائمُ منهم في رمضان، فإذا أمسى أكل وشرب وَجامع النساء، فإذا رَقد حرُم عليه ذلك كله حتى كمثلها من القابلة: وكان منهم رجال يختانون أنفسَهم في ذلك، فعفا عنهم وأحلَّ لهم بعد الرقاد وَقبله في الليل، فقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... الآية.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ مثل قول مجاهد - وزاد فيه: أن عمر بن الخطاب قال لامرأته: لا ترقدي حتى أرْجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرقدت قبل أن يرجع، فقال لها: ما أنت براقدة! ثم أصابها، حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنـزلت هذه الآية. قال عكرمة: نـزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الآية في أبي قيس بن صرْمة، من بني الخزرج، أكل بعد الرقاد.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، قال، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، أن صرمة بن أنس أتى أهله ذات ليلة وهو شيخٌ كبيرٌ، وهو صائم فلم يُهيئوا له طعاما، فوضع رأسه فأغفى، وجاءته امرأته بطعامه فقالت له: كل. فقال: إني قد نمتُ! قالت: إنك لم تنم! فأصبح جائعا مجهودا، فأنـزل الله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .

فأما « المباشرة » في كلام العرب، فإنه مُلاقاة بَشَرة ببَشرة، و « بشرة » الرجل: جلدته الظاهرة.

وإنما كنى الله بقوله: « فالآنَ باشروهن » عن الجماع. يقول: فالآن إذ أحللتُ لكم الرفثَ إلى نسائكم، فجامعوهن في ليالي شهر رمضان حتى يطلع الفجر، وهو تبيُّنُ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

وبالذي قلنا في « المباشرة » قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان وحدثنا عبد الحميد بن سنان، قال، حدثنا إسحاق، عن سفيان وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد، عن سفيان ، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس، قال: المباشرة الجماع، ولكنّ الله كريمٌ يكني.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس نحوه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « فالآن باشرُوهن » انكحُوهنّ.

حدثني محمد بن سعد، قال حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: المباشرة النكاحُ.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: « فالآن باشرُوهن » قال: الجماع. وكل شيء في القرآن من ذكر « المباشرة » فهو الجماع نفسه، وقالها عبد الله بن كثير مثل قول عطاء: في الطعام والشراب والنساء.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: المباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، قال أبو بشر، أخبرنا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فالآن بَاشروهن » يقول: جامعوهن.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: المباشرةُ الجماع.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، قال، حدثني عبدة بن أبي لبابة قال: سمعت مجاهدا يقول: المباشرة، في كتاب الله، الجماع.

حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال، قال الأوزاعي: حدثنا من سمع مجاهدا يقول: المباشرة في كتاب الله، الجماع.

واختلفوا في تأويل قوله: « وابتغوا مَا كتب الله لكم » فقال بعضهم: الولد.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبدة بن عبد الله الصفَّار البصري قال، حدثنا إسماعيل بن زياد الكاتب، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا سهل بن يوسف وأبو داود، عن شعبة قال: سمعت الحكم: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبيد الله، عن عكرمة قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل، حدثنا أبو مودود بحر بن موسى قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول في هذه الآية: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدى: « وابتغوا ما كتب الله لكم » فهو الولد.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « وابتغوا ما كتب الله لكم » يعني: الولدَ.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد، فإنْ لم تلد هذه فهذه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن في قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: هو الولد.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: ما كتب لكم من الولد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الجماع.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: الولد .

وقال بعضهم: معنى ذلك ليلة القدر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: ليلةُ القدر. قال أبو هشام: هكذا قرأها معاذ.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » قال: ليلة القدر .

وقال آخرون: بل معناه: ما أحله الله لكم ورخصه لكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وابتغوا ما كتب الله لكم » يقول: ما أحله الله لكم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة في ذلك: ابتغوا الرخصة التي كتبتُ لكم.

وقرأ ذلك بعضهم: ( وَاتَّبِعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ )

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: « وابتغوا » أو « اتبعوا » ؟ قال: أيتهما شئت! قال: عليك بالقراءة الأولى.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال: « وابتغوا » - بمعنى: اطلبوا- « ما كتب الله لكم » يعني « الذي قَضَى الله تعالى لَكم. »

وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبتُ لكم في اللوح المحفوظ أنه يُباح فيطلقُ لكم وطلب الولد إنْ طلبه الرجل بجماعه المرأةَ، مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وكذلك إن طلب ليلةَ القدر، فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحلَّ الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ.

وقد يدخل في قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » جميعُ معاني الخير المطلوبة، غيرَ أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال: معناه وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد، لأنه عَقِيبُ قوله: « فالآن باشرُوهن » بمعنى: جامعوهنّ، فَلأنْ يكون قوله: « وابتغوا ما كتب الله لكم » بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل، أشبهُ بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنـزيل، ولا خبرٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود من الفجر » .

فقال بعضهم: يعني بقوله: « الخيط الأبيض » ، ضوءَ النهار، وبقوله: « الخيطِ الأسود » سوادَ الليل.

فتأويله على قول قائلي هذه المقالة: وكلوا بالليل في شهر صَوْمكم، واشربوا، وبَاشروا نساءكم مبتغينَ ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوءُ النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن عرفة قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا أشعث، عن الحسن في قول الله تعالى ذكره: « حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر » قال: الليل من النهار.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر » قال: حتى يتبين لكم النهار من الليل، « ثم أتموا الصيام إلى الليل » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وكلوا واشرَبوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل » فهما عَلَمان وحدَّان بَيِّنان فلا يمنعكم أذانُ مُؤذِّن مُراءٍ أو قليل العقل من سَحُوركم، فإنهم يؤذنون بهجيع من الليل طويل. وقد يُرى بياضٌ ما على السحر يقال له: « الصبح الكاذب » كانت تسميه العرب، فلا يمنعكم ذلك من سَحوركم، فإن الصبح لا خفاء به: طريقةٌ مُعترِضة في الأفق، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الصبح، فإذا رأيتم ذلك فأمسكوا .

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « وكلوا واشربوا حتى يتبين لكمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود منَ الفجر » يعني الليل من النهار، فأحلَّ لكم المجامعة والأكل والشربَ حتى يتبين لكم الصبح، فإذا تبين الصبحُ حرِّم عليهم المجامعة والأكل والشربُ حتى يُتمُّوا الصيامَ إلى الليل. فأمر بصوم النهار إلى الليل، وأمر بالإفطار بالليل.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، وقيل له: أرأيتَ قولَ الله تعالى: « الخيط الأبيضُ من الخيط الأسْود من الفجر » ؟ قال: إنك لعريض القفا، قال: هذا ذهابُ الليل ومجيءُ النهار. قيل له: الشعبي عن عدي بن حاتم؟ قال: نعم، حدثنا حصين .

وعلَّة من قال هذه المقالة، وتأوَّل الآية هذا التأويل ما:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت يا رسول الله، قول الله: « وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر » ؟ قال: هو بياض النهار وسوادُ الليل. .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن نمير وعبد الرحيم بن سليمان، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن عدي بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلَّمني الإسلام، ونَعت ليَ الصلوات، كيفَ أصَلي كلَّ صلاة لوقتها، ثم قال: إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتم الصيامَ إلى الليل. ولم أدر ما هو، ففعلتُ خَيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما عند الفجر، فرأيتهما سواءً. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظتُ، غير « الخيط الأبيض من الخيط الأسود » ! قال: وما منعك يا ابن حاتم؟ وتبسَّم كأنه قد علم ما فعلت. قلتُ: فتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرتُ فيهما من الليل فوجدتهما سواء! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رُئي نَواجذُه، ثم قال: ألم أقلْ لك « من الفجر » ؟ إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مالك بن إسماعيل قال، حدثنا داود وابن علية جميعا، عن مطرِّف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما « الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود » أهما خيطان أبيض وأسود؟ فقال: وإنك لعَريضُ القفا إن أبصرْت الخيطين. ثم قال: لا ولكنه سوادُ الليل وبياضُ النهار. .

حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: نـزلت هذه الآية: « وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود » فلم ينـزل « من الفجر » قال: فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيطَ الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبَّين له. فأنـزل الله بعد ذلك: « من الفجر » فعلموا إنما يعني بذلك الليلَ والنهارَ .

وقال متأولو قول الله تعالى ذكره: « حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر » أنه بياض النهار وسواد الليل- : صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: « الخيط الأبيض من الخيط الأسود » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مجلز: الضوء الساطعُ في السماء ليس بالصبح، ولكن ذاك « الصبح الكاذب » ، إنما الصبح إذا انفضح الأفق .

حدثني سَلْم بن جنادة السوائي قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، قال: لم يكونوا يعدُّون الفجر فجرَكم هذا، كانوا يعدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرُق .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن مسلم: ما كانوا يرون إلا أنّ الفجر الذي يَستفيض في السماء.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطَع في السماء فليس يُحِلّ ولا يُحرّم شيئا، ولكن الفجر الذي يستبين على رءوس الجبال هو الذي يحرِّم الشراب.

حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال، حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: [ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ] : الفجر فجران، فالذي كأنه ذنَب السِّرحان لا يحرّم شيئا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يُحل الصلاة ويُحرّم الصوم. .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وإسماعيل بن صبيح وأبو أسامة، عن أبي هلال، عن سَوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يمنعكم من سَحُوركم أذانُ بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجرُ المستطيرُ في الأفق » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام الأسدي قال، حدثنا شعبة، عن سوادة قال: سمعت سمرة بن جندب يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه وهو يقول: « لا يغرنّكم نداء بلال ولا هذا البياضُ حتى يبدوَ الفجرُ وَينفجر » .

وقال آخرون: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هنّاد بن السري قال، حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، قال: سافر أبي مع حُذيفة قال: فسار حتى إذا خشينا أن يفجأنا الفجرُ قال: هل منكم من أحد آكلٍ أو شاربٍ؟ قال: قلت له: أمّا من يريد الصومَ فلا. قال: بلى! قال: ثم سار حتى إذا استبطأنا الصلاة نـزل فتسحَّر .

حدثنا هناد وأبو السائب، قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خرجت مع حذيفة إلى المدائن في رمضان، فلما طلع الفجر، قال: هل منكم من أحد آكل أو شارب؟ قلنا: أمَّا رجل يريدُ أن يصوم فلا. قال: لكنّي! قال: ثم سرنا حتى استبطأنا الصلاة، قال: هل منكم أحد يريد أن يتسحَّر؟ قال: قلنا أمّا من يريد الصومَ فلا. قال: لكنّي! ثم نـزل فتسحَّر، ثم صلى .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر، قال: ربما شربت بعد قول المؤذن - يعني في رمضان - : « قد قامت الصلاة » . قال: وما رأيت أحدًا كان أفعلَ له من الأعمش، وذلك لما سمع، قال: حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا مع حذيفة نسير ليلا فقال: هل منكم متسحِّرٌ الساعة؟ قال: ثم سار، ثم قال حذيفة: هل منكم متسحِّر الساعة؟ قال: ثم سار حتى استبطأنا الصلاة، قال: فنـزل فتسحّر .

حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق عن هبيرة، عن علي: أنه لما صلى الفجرَ قال: هذا حين يتبيّن الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن الصلت قال، حدثنا إسحاق بن حذيفة العطار، عن أبيه، عن البراء، قال: تسحرت في شهر رمضان، ثم خرجت فأتيت ابن مسعود، فقال: اشربْ. فقلت: إنّي قد تسحَّرت! فقال: اشرب! فشربنا، ثم خرجنا والناس في الصلاة .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن جبله بن سحيم، عن عامر بن مطر، قال: أتيت عبد الله بن مسعود في داره، فأخرجَ فضلا من سَحُوره، فأكلنا معه، ثم أقيمت الصلاة فخرجنا فصلينا .

حدثنا خلاد بن أسلم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل، عن سالم مولى أبي حذيفة قال، كنت أنا وأبو بكر الصديق فوق سطح واحد في رمضان، فأتيت ذات ليلة فقلت: ألا تأكل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده: أنْ كُفَّ، ثم أتيته مرة أخرى، فقلت له: ألا تأكلُ يا خليفة رسول الله؟ فأومأ بيده: أنْ كُف. ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: ألا تأكل يا خليفةَ رسول الله؟ فنظر إلى الفجر ثم أومأ بيده: أنْ كُفّ. ثم أتيته فقلت: ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ قال: هات غَداءك! قال: فأتيته به فأكل، ثم صلى ركعتين، ثم قام إلى الصلاة .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الوتر بالليل والسَّحور بالنهار.

وقد رُوي عن إبراهيم غير ذلك:

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن حماد، عن إبراهيم، قال: السحور بليل، والوتر بليل.

حدثنا حكام، عن ابن أبي جعفر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: السحور والوتر ما بين التَّثْويب والإقامة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن شبيب بن غرقدة، عن عروة، عن حبان، قال: تسحرنا مع عليّ، ثم خرجنا وقد أقيمت الصلاة، فصلينا .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن شبيب، عن حبان بن الحارث، قال: مررت بعليّ وهو في دار أبي موسى وهو يتسحَّر، فلما انتهيتُ إلى المسجد أقيمت الصلاة .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: صلى عليُّ بن أبي طالب الفجرَ، ثم قال: هذا حين يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

وعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا.

ذكر الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، قال: قلت: تسحَّرتَ مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: لو أشاءُ لأقولُ هو النهارُ إلا أنّ الشمس لم تطلع .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر، قال: ما كذب عاصمٌ على زرّ، ولا زرّ على حذيفة، قال: قلتُ له: يا أبا عبد الله تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم هو النهارُ إلا أن الشمس لم تطلع .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس وخلاد الصفار، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: أصبحت ذات يوم فغدوتُ إلى المسجد، فقلت: لو مررت على باب حذيفة! ففتح لي فدخلتُ، فإذا هو يسخّن له طعامٌ، فقال: اجلس حتى تطعَم. فقلت: إنّي أريد الصوم. فقرّب طعامه فأكل وأكلت معه، ثم قام إلى لِقْحة في الدار، فأخذ يحلُب من جانب وأحلُب أنا من جانب، فناولني، فقلت: ألا ترى الصبح؟ فقال: اشرب! فشربتُ، ثم جئتُ إلى باب المسجد فأقيمت الصلاة، فقلت له: أخبرني بآخر سَحور تسحَّرته مع رَسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمسُ .

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه » .

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله- وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بَزَغ الفجر .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال، سمعت أبي قال، أخبرنا الحسين بن واقد قالا جميعا، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم!، فشربها .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال بلال: « أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أُوذِنه بالصلاة وهو يريد الصوم، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربتُ، ثم خرج إلى الصلاة . »

حدثني محمد بن أحمد الطوسي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل، عن بلال قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربتُ، ثم خرجنا إلى الصلاة .

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية، التأويلُ الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الخيط الأبيض » بياض النهار، « والخيط الأسود » سوادُ الليل. وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ:

فَلَمَّـــا أضَــاءت لَنَــا سُــدْفَةٌ وَلاحَ مِــنَ الصُّبْــحِ خَـيْطٌ أَنَـارَا

وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر- هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه.

وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: « أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل » ، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: « هو الصبح » . وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: « هذا فلان » شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول: « هو هو » تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة: « هو الصبح » ، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه.

وقال ابن زيد في معنى « الخيط الأبيض والأسود » ما:

حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: « حتى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر » قال: « الخيط الأبيض » الذي يكون من تحت الليل، يكشف الليل - « والأسود » ما فوقه.

وأما قوله: « من الفجر » فإنه تعالى ذكره يعني: حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود الذي هو من الفجر. وليس ذلك هوَ جميعَ الفجر، ولكنه إذا تبيَّن لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل، فمن حينئذ فصُوموا، ثم أتِمُّوا صيامكم من ذلك إلى الليل.

وبمثل ما قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « منَ الفجر » قال: ذلك الخيط الأبيضُ هو من الفجر نسبةً إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط، وهو أوله، فقد حلت الصلاةُ وحَرُم الطعام والشراب على الصائم.

قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره: « وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل » أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة.

فمن زعم أنّ له أنْ يتجاوز ذلك الحدّ، قيل له: أرأيتَ إن أجازَ له آخَرُ ذلك ضحوةً أو نصف النهار؟

فإن قال: إنّ قائلَ ذلك مخالف للأمة.

قيل له: وأنتَ لما دلَّ عليه كتاب الله ونقلُ الأمة مخالفٌ، فما الفرق بينك وبينه من أصْل أو قياس؟

فإن قال: الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل، والنهارُ من طلوع الشمس.

قيل له: كذلك يقول مخالفوك، والنهار عندهم أوَّله طلوع الفجر، وذلك هو ضوء الشمس وابتداءُ طلوعها دون أن يتتامَّ طلوعها، كما أن آخر النهار ابتداءُ غروبها دون أن يتتامَّ غروبها.

ويقال لقائلي ذلك إن كان « النهار » عندكم كما وصفتم، هو ارتفاع الشمس، وتكامل طُلوعها وذهاب جميعُ سدْفة الليل وَغبَس سواده - فكذلك عندكم « الليل » : هو تتامُّ غروب الشمس، وذهاب ضيائها، وتكامل سواد الليل وظلامه؟

فإن قالوا: ذلك كذلك!

قيل لهم: فقد يجبُ أن يكون الصوم إلى مَغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء!

فإن قالوا: ذلك كذلك! أوجبوا الصومَ إلى مغيب الشفق الذي هوَ بياضٌ. وذلك قولٌ إنْ قالوه مدفوعٌ بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مُجمعةً عليه - الخطأُ والسهوُ، [ وكفى بذلك شاهدا ] على تخطئته .

وإن قالوا: « بل أول الليل » ابتداء سُدْفته وظلامه ومَغيبُ عَين الشمس عنا.

قيل لهم: وكذلك « أول النهار » : طلوع أوّل ضياء الشمس ومغيب أوَائل سُدفة الليل.

ثم يعكس عليه القول في ذلك، ويُسأل الفرقَ بين ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

وأما « الفجر » فإنه مصدر من قول القائل: « تفجَّر الماءُ يتفجَّرُ فجرًا » ، إذا انبعثَ وجرى، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس « فجر » ، لانبعاث ضوئه عليهم، وتورُّده عليهم بطرُقهم ومحاجِّهم، تفجُّرَ الماء المتفجِّر من منبعه.

وأما قوله: « ثم أتموا الصيام إلى الليل » فإنه تعالى ذكره حَدَّ الصوم بأن آخرَ وقته إقبالُ الليل - كما حدَّ الإفطارَ وإباحةَ الأكل والشرب والجماع وأوَّل الصوم بمجيء أول النهار وأوَّل إدبار آخر الليل، فدلّ بذلك على أن لا صومَ بالليل، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم وعلى أنّ المواصل مجوِّعٌ نفسه في غير طاعة ربه. كما: -

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل وأدبر النهارُ وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم. .

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو عبيدة وأبو معاوية، عن الشيباني وحدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو معاوية وحدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني قالوا جميعا في حديثهم، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم، فلما غَرَبت الشمسُ قال لرجل: انـزل فاجدَحْ لي. قالوا: لو أمسيت يا رسول الله! فقال: انـزل فاجدح. فقال الرجل: يا رسول الله لو أمسيت! قال: انـزل فاجدح لي. قال: يا رسول الله إن علينا نهارا! فقال له الثالثة، فنـزل فجدح له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل من هاهنا - وضرب بيده نحو المشرق - فقد أفطر الصائم .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن رفيع، قال: فرض الله الصيام إلى الليل، فإذا جاء الليل فأنت مفطر إن شئت فكل، وإن شئت فلا تأكل .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية: أنه سُئل عن الوصال في الصوم فقال: افترض الله على هذه الأمَّة صومَ النهار، فإذا جاءَ الليل فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل.

حدثني يعقوب، قال: حدثني ابن علية، عن داود بن أبي هند، قال: قال أبو العالية في الوصال في الصوم، قال: قال الله: « ثم أتموا الصيام إلى الليل » فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل.

حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين، عن مسعر، عن قتادة، قال: قالت عائشة: أتموا الصيامَ إلى الليل - يعني: أنها كرهت الوصال.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه وصال مَنْ واصَل؟ فقد علمت بما:

حدثكم به أبو السائب قال، حدثنا حفص، عن هشام بن عروة، قال: كان عبد الله بن الزبير يُواصل سبعة أيام، فلما كبِر جعلها خمسا، فلما كبِر جدًّا جعلها ثلاثا.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص، عن عبد الملك، قال: كان ابن أبي يعمر يفطر كل شهر مرة.

حدثنا ابن أبي بكر المقدّمي قال، حدثنا الفروي، قال: سمعت مالكا يقول: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك؟ قال: السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي .

وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك، ممن يطولُ بذكرهم الكتاب؟

قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه والقوة لا على طلب البرّ لله بفعله. وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله:

« اخشَوشِنوا وَتمعْددوا، وانـزوا على الخيل نـزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة » .

يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خَفْض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبُنوا ويحتموا عن أعدائهم.

وقد رَغِب - لمن واصل - عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم رَجمُوه .

ثم في الأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الوصال التي يطول بإحصائها الكتاب تركنا ذكر أكثرها استغناء بذكر بعضها، إذ كان في ذكر ما ذكرنا مُكتفًى عن الاستشهاد على كراهة الوصال بغيره.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصلُ يا رَسول الله! قال: إني لست كأحدٍ منكم، إني أبيت أُطعَم وأسقَى .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذنُ بالوصال من السحر إلى السَّحر.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا شعيب، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل حتى السَّحر. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إنّي أبيت لي مُطعم يُطعمني، وَساقٍ يسقيني .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أمِّ وَلد حاطب بن أبي بَلتعة: أنها مرّت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحَّر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إنّي صَائمة، قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أنت من وصال آل محمد صلى الله عليه وسلم من السَّحر إلى السَّحر. .

فتأويل الآية إذًا: ثم أتموا الكفَّ عما أمركم الله بالكفّ عنه، من حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى الليل، ثم حَلّ لكم ذلك بعدَه إلى مثل ذلك الوقت. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « ثم أتمُّوا الصيامَ إلى الليل » قال: من هذه الحدود الأربعة، فقرأ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ فقرأ حتى بَلغ: « ثم أتمُّوا الصيام إلى الليل » وكان أبي وغيره من مَشيختِنا يقولون هذا ويتلونه علينا .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره - بقوله: « ولا تباشرُوهن » لا تجامعوا نساءكم .

وبقوله: « وأنتم عَاكفونَ في المساجد » يقول: في حال عُكوفكم في المساجد، وتلك حال حَبْسهم أنفسَهم على عبادة الله في مساجدهم.

« والعكوف » أصله المقام، وحبسُ النفس على الشيء كما قال الطِّرِمَّاح بن حَكيم:

فَبَــاتَ بَنَـاتُ اللَّيْـلِ حَـوْلِيَ عُكفًّـا عُكُــوفَ البَـواكِي بَيْنَهُـنَّ صَـرِيعُ

يعني بقوله: « عكفا » ، مقيمة، وكما قال الفرزدق:

تَــرَى حَــوْلَهُنَّ المُعْتَفِيـنَ كـأنَّهُمْ عَـلَى صَنَـمٍ فِـي الجَاهِلِيَّـةِ عُكَّـفُ

وقد اختلف أهل التأويل في معنى « المباشرة » التي عنى الله بقوله: « ولا تُباشروهن » . فقال بعضهم: معنى ذلك الجماعُ دون غيره من معاني « المباشرة » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: « ولا تُباشروهنّ وأنتم عَاكفون في المساجد » - في رمضان أو في غير رمضان، فحرَّم الله أن يَنكح النساء ليلا ونهارا حتى يَقضي اعتكافه.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » قال: الجماع.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك، قال: كانوا يُجامعون وهم مُعتكفون، حتى نـزلت: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك في قوله: « ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد » قال: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » يقول: لا تقرَبوهن ما دمتم عاكفين في مسجد ولا غيره.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك عن جويبر عن الضحاك نحوه.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: كان أناس يُصيبون نساءهم وهم عاكفون فيها فنهاهم الله عن ذلك.

وحدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » ، قال: كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، وأخبرهم أنّ ذلك لا يصلح حتى يَقضيَ اعتكافه.

حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » يقول: من اعتكف فإنه يصوم، لا يَحل له النساء ما دام معتكفا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » قال: الجوارُ، فإذا خرج أحدكم من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يقول: من خرج من بيته إلى بيت الله فلا يقرَب النساء.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » ، قال: كان الناس إذا اعتكفوا يخرُج الرجل فيباشر أهله ثم يرجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته، ثم اغتسل، ثم رجع إلى اعتكافه، فنُهوا عن ذلك قال ابن جريج: قال مجاهد: نُهوا عن جماع النساء في المساجد، حيث كانت الأنصار تجامِع، فقال: « لا تباشروهن وأنتم عاكفون » قال: « عاكفون » ، الجوارُ قال ابن جريج: فقلت لعطاء: الجماعُ المباشرة؟ قال: الجماع نفسه! فقلت له: فالقُبلة في المسجد والمسَّة؟ فقال: أما ما حُرِّم فالجماع، وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد.

حدثت عن حسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: « ولا تباشروهن » يعني الجماع.

وقال آخرون: معنى ذلك على جميع معاني « المباشرة » من لَمْس وقُبلة وجماع.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال مالك بن أنس: لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشيء، قُبلةٍ ولا غيرها .

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » قال: المباشرة الجماعُ وغيرُ الجماع، كلُّه محرم عليه، قال: « المباشرة » بغير جماع، إلصاقُ الجلد بالجلد.

قال أبو جعفر: وعلة من قال هذا القول: أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة، ولم يخصص منها شيئا دون شيء. فذلك على ما عمَّه، حتى تأتي حُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرةٍ.

وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلا إيجابَه. وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين:

إما جعل حكم الآية عامًّا، أو جَعل حكمها في خاصٍّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، عُلم أنّ الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع.

حدثنا علي بن شعيب قال، حدثنا معن بن عيسى القزاز، قال، أخبرنا مالك. عن الزهري، عن عروة وعن عمرة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرَجِّله .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة: أن عائشة قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وكان يدخل عليّ رأسَه وهو في المسجد فأرجِّلُه .

حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُدني إليَّ رأسه وهو مُجاورٌ في المسجد وأنا في حجرتي وأنا حائض، فأغسله وأرَجِّله .

حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن فضيل، ويعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ فيخرجُ إليَّ رأسه من المسجد وهو عاكفٌ، فأغسِله وأنا حائض .

حدثني محمد بن معمر قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري وهشام بن عروة جميعا، عن عروة، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُخرج رَأسه فأرجّله وهو معتكف .

فإذْ كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غَسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: « ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد » ، غيرُ جميع ما لزمه اسم « المباشرة » وأنه معنيٌّ به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمَعًا على أنّ الجماع مما عُني به، كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كلُّ ما قام في الالتذاذ مقامه منَ المباشرة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: هذه الأشياء التي بيّنتها: من الأكل والشرب والجماع في شهر رمضان نهارا في غير عذر، وجماع النساء في الاعتكاف في المساجد، يقول: هذه الأشياءَ حدّدتها لكم، وأمرْتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها، وحرَّمتها فيها عليكم، فلا تقرَبوها، وابعُدوا منها أن تركبوها، فتستحقُّوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدّى حُدودي، وخالف أمري وركب معاصيَّ.

وكان بعض أهل التأويل يقول: « حدود الله » : شروطه. وذلك معنى قريب من المعنى الذي قلنا، غيرَ أن الذي قلنا في ذلك أشبه بتأويل الكلمة.

وذلك أن « حد » كل شيء: ما حَصره من المعاني وميَّز بينه وبين غيره، فقوله: « تلك حدود الله » من ذلك، يعني به المحارم التي ميّزها من الحلال المطلق فحدَّدها بنعوتها وصفاتها، وعرَّفها عبادَه.

ذكر من قال إنّ ذلك بمعنى الشُّروط:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: أما « حدود الله » فشروطه.

وقال بعضهم: « حدود الله » معاصيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: « تلك حدود الله » يقول: معصية الله - يعني المباشرةَ في الاعتكاف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 187 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: كما بينت لكم أيها الناس واجبَ فرائضي عليكم من الصوم، وعرّفتكم حدودَه وأوقاته، وما عليكم منه في الحضر، وما لكم فيه في السفر والمرض، وما اللازم لكم تجنُّبه في حال اعتكافكم في مساجدكم، فأوضحت جميعَ ذلك لكم - فكذلك أبيِّن أحكامي، وحلالي وحرامي، وحدودي، وأمري ونهيي، في كتابي وتنـزيلي، وعلى لسان رسولي صلى الله عليه وسلم للناس.

ويعني بقوله: « لعلهم يتقون » يقول: أبيِّن ذلك لهم ليتقوا مَحارمي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطي وَغضبي، بتركهم رُكوبَ ما أبيِّن لهم في آياتي أني قد حرَّمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل. فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل.

ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ سورة الحجرات: 11 ] وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ سورة النساء: 29 ] بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: « أخي وأخوك أيُّنا أبطش » . يعني: أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ - فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه، ومن ذلك قول الشاعر:

أخِــي وَأَخُــوكَ بِبَطْــنِ النُّسَـيْرِ لَيْسَ بِــهِ مِــنْ مَعَــدٍّ عَــرِيبْ

فتأويل الكلام: ولا يأكلْ بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل.

« وأكله بالباطل » : أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه.

وأما قوله: « وتُدلوا بها إلى الحكام » فإنه يعني: وتخاصموا بها - يعني: بأموالكم - إلى الحكام « لتأكلوا فريقا » طائفة من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون.

ويعني بقوله: « بالإثم » بالحرام الذي قد حرمه الله عليكم « وأنتم تعلمون » ، أي: وأنتم تتعمَّدون أكل ذلك بالإثم، على قصد منكم إلى ما حَرّم الله عليكم منه، ومعرفةٍ بأن فعلكم ذلك معصية لله وإثم . . كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدلوا بها إلى الحكام » فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وتُدلوا بها إلى الحكام » قال: لا تخاصم وأنت ظالم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام » وكان يقال: من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. واعلم يَا ابن آدم أن قَضاء القاضي لا يُحلّ لك حراما ولا يُحقّ لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرَى ويشهدُ به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب. واعلموا أنه من قد قُضي له بالباطل، فإن خصومته لم تنقض حتّى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبُطل للمحق، بأجود مما قُضي به للمبطل على المحقّ في الدنيا .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وتدلوا بها إلى الحكام » قال: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون » أما « الباطل » يقول: يظلم الرجل منكم صاحبَه، ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم، فذلك قوله: « وتدلوا بها إلى الحكام » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني خالد الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة قوله: « ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » قال: هو الرجل يشتري السِّلعة فيردُّها ويردُّ معها دَرَاهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « ولا تأكلوا أموالكم بَينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام » يقول: يكون أجدل منه وأعرَف بالحجة، فيخاصمه في ماله بالباطل ليأكل ماله بالباطل. وقرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [ سورة النساء: 29 ] قال: هذا القِمار الذي كان يَعمل به أهل الجاهلية.

وأصل « الإدلاء » : إرسال الرجل الدلو في سَبب متعلقا به في البئر. فقيل للمحتج لدعواه: « أدلَى بحجة كيت وكيت » إذا كان حجته التي يحتج بها سببا له، هو به متعلقٌ في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدَلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا - أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب: « أدلى فلان بحجته، فهو يُدلي بها إدلاء وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء » .

فأما قوله: « وتدلوا بها إلى الحكام » ، فإن فيه وَجهين من الإعراب:

أحدهما: أن يكون قوله: « وتُدْلوا » جزما عطفا على قوله: « ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي: « وَلا تدلوا بها إلى الحكام » .

والآخر منهما: النصب على الصرْف، فيكون معناه حينئذ: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر:

لا تَنْــهَ عَـنْ خُـلُقٍ وَتَـأْتِيَ مِثْلَـهُ عَــارٌ عَلَيْــكَ إذَا فَعَلْــتَ عَظِيـمُ

يعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله.

وهو أنْ يكون في موضع جزم - على ما ذُكر في قراءة أبيّ - أحسن منه أن يكون نَصبا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

قال أبو جعفر: ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن زيادة الأهلة ونقصانها واختلاف أحوالها، فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية، جوابا لًهُم فيما سألوا عنه.

ذكر الأخبار بذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده قوله: « يَسألُونك عن الأهلة قُلْ هيَ مواقيت للناس » ، قال قتادة: سألوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: لم جُعلت هذه الأهلة؟ فأنـزل الله فيها ما تَسمعون: « هي مَواقيتُ للناس » ، فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم، ولمناسكهم وحجّهم، ولعدة نسائهم وَمحلّ دَينهم في أشياء، والله أعلم بما يُصلح خلقه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لم خُلقت الأهلة؟ فأنـزل الله تعالى: « يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج » جعلها الله مواقيتَ لصوم المسلمين وإفطارهم ولحجهم ومناسكهم وعدّة نسائهم وَحلّ ديونهم .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « مواقيتُ للناس والحج » قال: هي مواقيت للناس في حجهم وصومهم وفطرهم ونُسكهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال الناس: لم خلقت الأهلة؟ فنـزلت: « يسألونك عن الأهلة قُل هي مواقيت للناس » ، لصَومهم وإفطارهم وَحجهم وَمَناسكهم - قال: قال ابن عباس: ووقتَ حجهم، وعدة نسائهم، وَحلّ دَينهم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يسألونك عن الأهلة قلْ هي مواقيت للناس » فهي مواقيت الطلاق والحيض والحج.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: « يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس » ، يعني: حَلّ دينهم، ووقت حجهم، وعدة نسائهم.

حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنـزلت هذه الآية: « يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس » يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي: أنه سئل عن قوله: « مواقيت للناس » ، قال: هي مواقيتُ الشهر: هكذا وهكذا وهكذا - وقبض إبهامه - فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثَلاثين .

قال أبو جعفر: فتأويل الآية - إذا كان الأمرُ على ما ذكرنا عمن ذكرنا عنهُ قوله في ذلك- : يسألونك يا محمد عن الأهلة ومحاقها وسِرَارِها وَتمامها واستوائها، وتغير أحوالها بزيادة ونُقصان وَمحاق واستسرار، وما المعنى الذي خَالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة أبدًا على حال واحدة لا تتغير بزيادة ولا نقصان؟ - فقلْ يا محمد: خالف بين ذلك ربُّكم لتصييره الأهلة التي سألتم عن أمرها، ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه مواقيتَ لكم ولغيركم من بني آدم في معايشهم، ترقبون بزيادتها ونقصانها ومحاقِها واستسرارها وإهلالكم إياها، أوقات حَلّ ديونكم، وانقضاء مدة إجارة من استأجرتموه، وتصرُّم عدة نسائكم، ووقت صومكم وإفطاركم، فجعلها مواقيت للناس.

وأما قوله « والحج » ، فإنه يعني: وللحجِّ، يقول: وجعلها أيضًا ميقاتًا لحجكم، تعرفون بها وقت مناسككم وحَجكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 )

قال أبو جعفر: قيل: نـزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يدخلون - إذا أحرموا - بيوتَهم من قبل أبوابها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كانت الأنصار إذا حَجوا ورَجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظُهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنـزلت هذه الآية: « وليسَ البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها » .

حدثني سفيان بن وكيع، قال، حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، أتُوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها، فنـزلت: « وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها » ..الآية .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال، سمعت داود، عن قيس بن حبتر: أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه، ولا دارا من بابها أو بيتا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دارا، وكان رجل من الأنصار يقال له: « رفاعة بن تابوت » فجاء فتسوَّر الحائط، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما خرَج من باب الدار - أو قال: من باب البيت - خرج معه رفاعة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله، رأيتُك خرجتَ منه، فخرجت منه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّي رجلٌ أحْمس! فقال: إن تكن رَجلا أحْمس، فإنّ ديننا واحد! فأنـزل الله تعالى ذكره: « وليسَ البر بأن تأتوا البيوتَ من ظُهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوتَ من أبوابها » .

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظُهورها » يقول: ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من كُوَّات في ظهور البيوت، وأبواب في جنوبها، تجعلها أهل الجاهلية. فنُهوا أن يدخلوا منها، وأمِروا أن يدخلوا من أبوابها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان ناسٌ من أهل الحجاز إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوا من ظهورها، فنـزلت: « ولكن البر من اتقى » الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوتَ من أبوابها » قال: كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نَقب كُوَّة في ظهر بيته فجعل سُلَّمًا، فجعل يدخل منها. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين، قال: فأتى الباب ليدخل، فدخل منه. قال: فانطلق الرجل ليدخل من الكوة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك؟ فقال: إنّي أحمس! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أحمس.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحل بينهم وبين السماء شيء يتحرَّجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مُهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سَقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من وَرَائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته. فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره، من الأنصار من بني سَلِمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنّي أحمس! قال الزهري: وكانت الحُمس لا يبالون ذلك. فقال الأنصاري: وأنا أحمس! يقول: وأنا على دينك، فأنـزل الله تعالى ذكره: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وليس البر بأن تأتوا البيوت » الآية كلها. قال قتادة: كان هذا الحي من الأنصار في الجاهلية، إذا أهلَّ أحدُهم بحجّ أو عمرة لا يدخلُ دارا من بابها، إلا أن يتسور حائطا تسوُّرًا، وأسلموا وهم كذلك. فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك ما تسمعون، ونهاهم عن صنيعهم ذلك، وأخبرهم أنه ليس من البر صنيعهم ذلك، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » فإن ناسا من العرَب كانوا إذا حجُّوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا يَنقبون في أدبارِها، فلما حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل، قال: يا رسول الله، إني أحمس! - يقول: إنّي محرم - وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون « الحُمس » ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أيضا أحمس! فادخل. فدخل الرجل، فأنـزل الله تعالى ذكره: « وأتوا البيوت من أبوابها » .

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها » ، وأنّ رجالا من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئا أحرم فأمِن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته واتخذ نَقبا من ظَهر بيته. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان بها رجلٌ محرم كذلك - وأنّ أهل المدينة كانوا يُسمُّون البستان « الحُشّ » - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخل بُستانًا، فدخله من بابه، ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجلٌ من ورائه: يا فلان، إنك محرم وقد دخلت! فقال: أنا أحمس! فقال: يا رسول الله، إن كنت محرما فأنا محرم، وإن كنت أحمسَ فأنا أحمسُ! فأنـزل الله تعالى ذكره: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها » ، إلى آخر الآية، فأحل الله للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « وليسَ البر بأنْ تأتوا البيوتَ من ظهورها ولكن البر مَن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها » قال: كان أهل المدينة وغيرُهم إذا أحرمُوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، وذلك أن يتسوَّرُوها، فكان إذا أحرم أحدُهم لا يدخل البيت إلا أن يتسوّره من قِبَل ظَهره. وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجلٌ على أثره ممن قد أحرم، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجل فاجرٌ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت من الباب وقد أحرمت؟ فقال: رأيتك يا رسول الله دخلتَ فدخلتُ على أثرك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّي أحمس! - وقريش يومئذ تُدعى الحُمس - فلما أن قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصاري: إن ديني دينك! فأنـزل الله تعالى ذكره: « وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها » الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء قوله: « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » قال: كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرَوْنه برًّا، فقال: « البر » ، ثم نعت « البر » وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول: كانت هذه الآية في الأنصار، يأتون البيوت من ظهورها، يتبرَّرُون بذلك.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها، ولكن البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيانُ البيوت من ظهورها فلا برَّ لله فيه، فأتوها من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه.

وقد بينا معنى « الفلاح » فيما مضى قبلُ بما يدل عليه .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 )

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية.

فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نـزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كفّ عنهم، ثم نُسخت ب « براءة » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله: « وقاتلُوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تَعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين » قال: هذه أوّل آية نـزلت في القتال بالمدينة، فلما نـزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله، ويكفُّ عمن كفّ عنه، حتى نـزلت « براءة » - ولم يذكر عبد الرحمن: « المدينة » .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: « وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم » إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا! وقرأ قول الله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] ، وهذه الناسخة، وقرأ: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حتى بلغ: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ سورة التوبة: 1- 5 ] .

وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ. وإنما الاعتداءُ الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذَّراريّ. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابتٌ حُكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نُسخ من حكم هذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن صَدقة الدمشقي، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كتبتُ إلى عمر بن عبد العزيز أسألهُ عن قوله: « وقاتلوا في سَبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحب المعتدين » ، قال: فكتب إليّ: « إنّ ذلك في النساء والذريّة ومن لم يَنصِبْ لك الحرَب منهم » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم » لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بقتال الكفار.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح، قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين » يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصِّبيان ولا الشيخ الكبير وَلا منْ ألقى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يَده، فإن فَعلتم هذا فقد اعتديتم.

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة: « إني وَجَدتُ آية في كتاب الله: » وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين « أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء والصبيان والرُّهبان » .

قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب، القولُ الذي قاله عمر بن عبد العزيز. لأن دعوى المدَّعي نَسْخَ آية يحتمل أن تكون غيرَ منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه، تحكُّم. والتحكم لا يعجِز عنه أحد.

وقد دَللنا على معنى « النسخ » ، والمعنى الذي من قبَله يَثبت صحة النسخ، بما قد أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

فتأويل الآية - إذا كان الأمر على ما وصفنا - : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله وسبيلُه: طريقه الذي أوضحه، ودينه الذي شرعه لعباده يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي وَعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من وَلَّى عنه واستكبر بالأيدي والألسن، حتى يُنيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صَغارًا إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم تعالى ذكره بقتال مَنْ كان منه قتال من مُقاتِلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخَوَلٌ لهم إذا غُلب المقاتلون منهم فقُهروا، فذلك معنى قوله: « قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم » لأنه أباح الكف عمّن كف، فلم يُقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافِّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صَغارا.

فمعنى قوله: « ولا تعتدوا » : لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابَين والمجوس، « إنّ الله لا يُحب المعتدين » الذين يجاوزون حدوده، فيستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مَقاتلهم وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله: « حيث ثقفتموهم » .

ومعنى « الثِّقْفَة » بالأمر الحِذق به والبصر، يقال: « إنه لثَقِفَ لَقفٌ » ، إذا كان جيد الحَذر في القتال، بصيرا بمواقع القتل. وأما « التَّثْقيف » فمعنى غير هذا، وهو التقويم.

فمعنى: « واقتلوهم حيث ثقفتموهم » ، اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم.

وأما قوله: « وأخرجوهم من حيث أخرجوكم » فإنه يُعنى بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم - من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « والفتنة أشد من القتل » ، والشرك بالله أشدُّ من القتل.

وقد بينت فيما مضى أن أصل « الفتنة » الابتلاءُ والاختبار

فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه. كما:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « والفتنة أشدُّ من القتل » قال: ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « والفتنة أشدُّ من القتل » يقول: الشرك أشدُّ من القتل.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « والفتنة أشدُّ من القتل » يقول: الشرك أشدُّ من القتل.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: « والفتنة أشدُّ من القتل » قال: الشرك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، قال، قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: « والفتنة أشدُّ من القتل » قال: الفتنة الشركُ.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: « والفتنة أشدُّ من القتل » قال: الشرك أشدُّ من القتل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله جل ذكره: « والفتنة أشدُّ من القتل » قال: فتنة الكفر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ( 191 )

قال أبو جعفر: والقَرَأةُ مختلفة في قراءة ذلك.

فقرأته عامَّة قراء المدينة ومكة: « ولا تُقاتلوهم عندَ المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم » بمعنى: ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدءوكم به، فإن بدءوكم به هناك عند المسجد الحرَام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثَواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة، القتلُ في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة، كما:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تقاتلوهم عندَ المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه » كانوا لا يُقاتلون فيه حتى يُبدأوا بالقتال، ثم نسخ بعدُ ذلك فقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ حتى لا يكون شركٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ أن يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل نبيُّ الله، وإليها دعا.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة: « ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم » ، فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتلهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوا فيه بقتال، ثم نسخ الله ذلك بقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ سورة التوبة: 5 ] فأمر الله نبيَّه إذا انقضى الأجل أن يقاتلهم في الحِلِّ والحرَم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسولُ الله.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه » فكانوا لا يقاتلونهم فيه، ثم نسخ ذلك بعدُ فقال: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة.

وقال بعضُهم: هذه آيةٌ محكمة غيرُ منسوخة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإن قاتلوكم » في الحرم فَاقتلوهم كذلك جزاءُ الكافرين، لا تقاتل أحدا فيه، فمن عَدا عليك فقاتلك فقاتِله كما يقاتلك.

وقرأ ذلك عُظْم قراء الكوفيين: « ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم » بمعنى: ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن أبي حماد، عن حمزة الزيات قال: قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: « ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم » ، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: « قُتلنا » ، وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: « ضربنا » .

قال أبو جعفر: وأولى هاتين القراءتين بالصواب، قراءةُ من قرأ: « ولا تُقاتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم » لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا.

وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ سورة التوبة: 5 ] ونحو ذلك من الآيات.

وقد ذكرنا بعضَ قول من قال هي منسوخة، وسنذكر قول من حضرنا ذكرُه ممن لم يُذكر.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: « ولا تُقاتلوهم عندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه » قال: نسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه » قال: حتى يبدأوكم، كان هذا قد حُرِّم فأحل الله ذلك له، فلم يزل ثابتا حتى أمره الله بقتالهم بعدُ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 )

قال أبوجعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا، « فإن الله غفور » لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي مَضت « رحيم » به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته. كما:

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإن انتهوا » فإن تابوا « فإن الله غفورٌ رَحيم » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان، كما قال قتادة فيما:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة » قال: حتى لا يكون شرك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وقاتلوهم حَتى لا تكون فتنة » قال: حتى لا يكون شرك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة » قال: الشرك « ويكون الدِّين لله » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثني موسى بن هارون، قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة » قال: أما الفتنة فالشرك.

حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنة » ، يقول: قاتلوا حتى لا يكون شِرك.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « وقاتلوهم حَتى لا تكونَ فتنة » أي شركٌ.

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة » قال: حتى لا يكون كفر، وقرأ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ سورة الفتح: 16 ] .

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة » يقول: شركٌ.

وأما « الدين » ، الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى:

هُـوَ دَانَ الرِّبَـابَ, إِذْ كَرِهُـوا الـدِّي نَ, دِرَاكًـــا بِغَـــزْوَةٍ وَصِيَــالِ

يعني بقوله: « إذ كرهوا الدين » ، إذ كرهوا الطاعة وأبوْها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ويكونَ الدِّينُ لله » يقول: حتى لا يُعبد إلا الله، وذلك « لا إله إلا الله » ، عليه قاتل النبيُّ صلى الله عليه وسلم وإليه دعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنّي أمرتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ويكون الدِّينُ لله » أن يقال: « لا إله إلا الله » . ذُكِر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « إنّ الله أمرَني أن أقاتِل الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله » . ثم ذكر مثل حديث الربيع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فإن انتهوا » فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودَخلوا في ملّتكم، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين - وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم.

فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: « فَلا عُدوان إلا على الظالمين » ؟ .

قيل: إن المعنى في ذلك على غير الوجه الذي إليه ذهبتَ، وإنما ذلك على وَجه المجازاة، لما كان من المشركين من الاعتداء، يقول: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم، كما يقال: « إن تَعاطيتَ منّي ظلما تعاطيته منك » ، والثاني ليس بظلم، كما قال عمرو بن شأس الأسديّ:

جَزَيْنَـا ذَوِى العُـدْوَانِ بِالأمْسِ قَرْضَهُمْ قِصَاصًـا, سَـواءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ

وإنما كان ذلك نظير قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ سورة البقرة: 15 ] و فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ سورة التوبة: 79 ] وقد بينا وجه ذلك ونظائره فيما مَضى قبلُ .

وبالذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فلا عُدوان إلا على الظالمين » والظالم الذي أبى أن يقول: « لا إله إلا الله » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. « فلا عُدوان إلا على الظالمين » قال: هم المشركون.

حدثني المثنى، قال، ثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن غياث، قال، سمعت عكرمة في هذه الآية: « فلا عدوان إلا على الظالمين » ، قال: هُم من أبى أن يقول: « لا إله إلا الله » .

وقال آخرون: معنى قوله: « فلا عدوان إلا على الظالمين » فلا تقاتل إلا من قاتل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين » يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.

حدثني المثنى، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: « فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين » فإنّ الله لا يحب العُدوان على الظالمين ولا على غيرهم، ولكن يقول: اعتدُوا عليهم بمثل ما اعتدوْا عليكم.

قال أبو جعفر: فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في قوله: « فإن انتهوْا فلا عُدوان إلا على الظالمين » لا يجوز أن يقول: « فإن انتهوا » إلا وقد علم أنهم لا يَنتهون إلا بعضهم، فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم، فلا عُدوان إلا على الظالمين منهم، فأضمر كما قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ سورة البقرة: 196 ] يريد: فعليه ما استيسر من الهدي، وكما يقول: « إلى مَن تقصد أقصد » يعني: إليه.

وكان بعضهم ينكر الإضمار في ذلك ويتأوله: فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رحيم لمن انتهى، ولا عُدوان إلا على الظالمين الذين لا ينتهون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « الشهر الحرام بالشهر الحرام » ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه عُمرة الحديبية، فصدّه مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، سنة ست من هجرته، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العامُ المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته، خرج معتمرا وأصحابه في ذي القَعدة - وهو الشهر الذي كان المشركون صدُّوه عن البيت فيه في سنة ست- وأخلى له أهل مكة البلد حتى دخلها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتم عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين مَعه « الشهرُ الحرام » يعني ذا القَعدة، الذي أوصَلكم الله فيه إلى حَرَمه وبيته، على كراهة مشركي قُريش ذلك، حتى قضيتم منه وَطَركم « بالشهر الحرام » ، الذي صدكم مشركو قريش العامَ الماضيَ قَبله فيه حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه، ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصَّكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصدّ والمنْع من الوصول إلى البيت. كما:

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف - يعني: ابن خالد السَّمْتيّ - قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: « والحرمات قصاص » قال: هم المشركون، حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القَعدة، فَرَجَعه الله في ذي القَعدة فأدخله البيتَ الحرام، فاقتص له منهم .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرماتُ قِصَاص » قال: فخرت قريش بردِّها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يوم الحُديبية محرِما في ذي القَعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القَعدة، فقضى عُمرته، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية.

حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قِصَاص » أقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص » .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن عثمان، عن مقسم في قوله: « الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص » قالا كان هذا في سَفر الحديبية، صدَّ المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضوا المشركين يومئذ قضيّة: أنّ لكم أن تعتمروا في العام المقبل - في هذا الشهر الذي صدُّوهم فيه، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرًا حرامًا يعتمرون فيه، مكانَ شهرهم الذي صُدُّوا، فلذلك قال: « والحُرمات قصَاص » .

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاص » قال: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ من مُهاجَره، صدَّه المشركون وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صُلحهم على أن يُخْلوا له مكة من عام قابل ثلاثةَ أيام، يخرجون ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خَيْبر من السنة السابعة، فخَلَّوْا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عُمرته تلك مَيمونة بنت الحارث الهلالية.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « الشهرُ الحرَام بالشهر الحرام والحرماتُ قِصاص » ، أحصَرُوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القَعدة عن البيت الحرام فأدخله الله البيت الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصاص » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأحرَموا بالعمرة في ذي القَعدة ومعهم الهدْي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ذلك العامَ حتى يرجع العامَ المقبل، فيقيم بمكة ثلاثة أيام ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة. فنحروا الهديَ بالحديبية وحلَّقوا وقصَّروا. حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فقاصَّ الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القعدة. قال الله جل ثناؤه: « الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص » .

حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « والحُرمات قصاص » فهم المشركون، كانوا حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتصَّ له منهم.

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام » حتى فرغ من الآية، قال: هذا كله قد نُسخ، أمرَه أن يجاهد المشركين. وقرأ: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] وقرأ: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ سورة التوبة: 123 ] العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حتى بلغ قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ [ سورة التوبة: 29 ] قال: وهم الروم. قال: فوَجَّه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: « الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحرماتُ قصاص » قال: أمركم الله بالقصاص، [ ويأخذ ] منكم العدوان .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال، قلت لعطاء، وسألته عن قوله: « الشهر الحرام بالشهر الحرام والحُرمات قصاص » قال: نـزلت في الحديبية، مُنعوا في الشهر الحرام، فنـزلت: « الشهر الحرام بالشهر الحرام » : عمرة في شهر حرام، بعمرة في شهر حرام.

قال أبو جعفر: وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة « الشهرَ الحرام » ، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه « ذا القَعدة » لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به.

وأما « الحرمات » فإنها جمع « حُرْمة » ، « كالظلمات » جمع « ظلمة » ، « والحجرات » جمع « حُجرة » . وإنما قال جل ثناؤه: « والحرمات قصاص » فجمع، لأنه أراد: الشهرَ الحرام، والبلد الحرام وحُرمة الإحرام.

فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرَم، بإحرامكم هذا، في شهركم هذا الحرام، قصاصُ مما مُنعتم من مثله عامَكم الماضي، وذلك هو « الحرمات » التي جعلها الله قصَاصًا.

وقد بينا أن « القصاص » هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن ، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل .

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيما نـزل فيه قوله: « فمن اعتدَى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » .

فقال بعضهم بما:

حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » فهذا ونحوه نـزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو. أمثل فلما هاجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم.

قال أبو جعفر: وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية، الذي حُكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ والآيات بعدها، وقوله: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه » إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة.

فمعلوم بذلك أن قوله: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » نظيرُ قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه.

وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] ...

... على نحو ما ذكرنا، من أنه بمعنى: المجازاة وإتباع لفظٍ لفظًا، وإن اختلف معنياهما، كما قال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ سورة آل عمران: 54 ] وقد قال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ سورة التوبة: 79 ] وما أشبه ذلك مما أتبع لفظٌ لفظًا واختلف المعنيان .

والآخر: أن يكون بمعنى « العدو » الذي هو شدٌّ ووثوب. من قول القائل: « عدا الأسد على فَريسته » . فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل « التاء » « في عدا » ، فتقال: « افتعل » مكان « فعل » ، كما يقال: « اقترب هذا الأمر » بمعنى « قرب » ، و « اجتلب كذلك » بمعنى « جَلب » وما أشبه ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: واتقوا الله أيها المؤمنون في حُرُماته وحدوده أن تعتَدُوا فيها، فتتجاوزوا فيها ما بيَّنه وحدَّه لكم، واعلموا أن الله يُحب المتقين، الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، ومن عَنى بقوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

فقال بعضهم: عنى بذلك: « وأنفقوا في سبيل الله » - و « سبيل الله » طريقه الذي أمر أن يُسلك فيه إلى عدوِّه من المشركين لجهادهم وَحرْبهم « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » - يقول: ولا تتركوا النفقة في سبيل الله، فإن الله يُعوِّضكم منها أجرًا ويرزقكم عاجلا .

ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة والحسن بن عرفة قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن حذيفة: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: يعني في ترك النفقة.

حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة وحدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الأعمش وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم جميعا، عن شقيق، عن حذيفة، قال: هو ترك النفقة في سبيل الله.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس أنه قال في هذه الآية: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: تنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا مِشْقَصٌ - أو: سَهمٌ - شعبة الذي يشك في ذلك .

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن منصور، عن أبي صالح الذي كان يحدث عنه الكلبي، عن ابن عباس قال: إن لم يكن لَكَ إلا سَهم أو مشقصٌ أنفقته.

حدثني ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن أبي صالح، عن ابن عباس: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: في النفقة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ، قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة، قال: نـزلت في النفقات في سبيل الله، يعني قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن وهب، قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التَّهلكة » قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزوَّد الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر. أنفقَ البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحبَّ أن يواسيَ صاحبه، فأنـزل الله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شيبان، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس في قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: لا يقولنَّ أحدكم إنّي لا أجد شيئًا، إن لم يجد إلا مشقصا فليتجهَّز به في سبيل الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر، قال: سمعت داود - يعني: ابنَ أبي هند - عن عامر: أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم وأمسكوا. قال: فأنـزل الله: « وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: تمنعكم نَفقةً في حقٍّ خيفةُ العَيْلة .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: وكان قتادة يحدِّث أن الحسن حَدَّثه - : أنهم كانوا يُسافرون ويَغزُون ولا ينفقون من أموالهم أو قال: ولا ينفقون في ذلك فأمرهم الله أن يُنفقوا في مَغازيهم في سبيل الله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » يقول: لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وأنفقوا في سبيل الله » أنفق في سبيل الله ولو عقالا « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » - تقول: ليس عندي شيء .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة في قوله: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: لما أمر الله بالنفقة، فكانوا - أو بَعضُهم - يقولون: ننفق فيذهبُ مالنا ولا يبقى لما شيء! قال: فقال: أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال: أنفقوا وأنا أرزقكم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: نـزلت في النفقة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن همام الأهوازي، قال، أخبرنا يونس، عن الحسن في « التهلكة » قال: أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن تَرك النفقة في سبيل الله التهلكة.

حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قوله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: يقول: أنفقوا في سبيل الله ما قل وكثر - قال: وقال لي عبد الله بن كثير: نـزلت في النفقة في سبيل الله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لا يقولنّ الرجل لا أجد شيئا! قد هَلكتُ! فليتجهَّز ولو بمشقَص.

حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي قال، حدثنى عمي، قال، حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » يقول: أنفقوا مَا كان من قليل أو كثير. ولا تستسلموا ولا تنفقوا شيئا فتهلكوا.

حدثني المثنى، قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: « التهلكة » : أن يمسك الرجل نفسه وماله عن النفقة في الجهاد في سبيل الله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن في قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ، فتدعوا النفقة في سبيل الله.

وقال آخرون ممن وجَّهوا تأويل ذَلك إلى أنه معنيَّة به النفقة: معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، فتخرجوا في سبيل الله بغير نفقة ولا قوة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: إذا لم يكن عندك ما تنفق، فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوة: فتلقي بيدَيك إلى التهلكة.

وقال آخرون: بل معناه: أنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم - فيما أصبتم من الآثام - إلى التهلكة، فتيأسوا من رحمة الله، ولكن ارجوا رَحمته واعملوا الخيرات.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: هو الرجل يُصيبُ الذنوبَ فيُلقي بيده إلى التهلكة، يقول: لا توبة لي.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل: أحْمل على المشركين وَحدي فيقتلوني، أكنت ألقيتُ بيدي إلى التهلكة؟ فقال: لا إنما التهلكة في النفقة. بعثَ الله رسوله، فقال: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ [ سورة النساء: 84 ] .

حدثنا الحسن بن عرفة وابن وكيع، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب في قول الله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: هو الرجل يُذنب الذنبَ فيقول: لا يغفر الله لهُ.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء وسأله رجل فقال: يا أبا عُمارة، أرأيتَ قول الله: « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ، أهو الرجل يتقدم فيقاتل حَتى يُقتل؟ قال: لا ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رَجل فقال: الرجلُ يحمل على كتيبةٍ وحده فيقاتل، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: لا ولكن التهلكة أن يُذنب الذنبَ فيلقي بيده، فيقول: لا تقبل لي توبة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن الجراح، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة، الرجل يَلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ؟ فقال: لا ليقاتل حتى يُقتل! قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ .

حدثنا مجاهد بن موسى، قال، أخبرنا يزيد، قال، أخبرنا هشام وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام عن محمد قال: وسألت عبيدة عن قول الله: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » الآية. فقال عبيدة: كان الرجل يذنب الذنبَ - قال: حسبْته قال: العظيم - فيلقي بيده فيستهلك زاد يعقوب في حديثه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: « أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السلماني عن ذلك، فقال: هو الرجل يذنب الذنبَ فيستسلم، ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول: لا توبة له! يعني قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، قال، أخبرنا أيوب، عن محمد، عن عبيدة في قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: كان الرجل يصيب الذنب فيلقي بيده.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: القُنوط.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن يونس وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم، يقول: لا توبة لي! فيلقي بيده.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، قال، حدثني أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال: هي في الرجل يصيبُ الذنبَ العظيم فيلقي بيده، ويَرى أنه قد هلك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله، ولا تتركوا الجهاد في سبيله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرني حَيْوَة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: غَزونا المدينة، يريد بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. قال: فصففنا صفَّين لم أر صَفين قط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصقون ظهورهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: مَهْ! لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة! قال أبو أيوب الأنصاري: إنما تتأوّلونَ هذه الآية هكذا، أنْ حَمل رجلٌ يُقاتل يلتمس الشهادة، أو يُبلي من نفسه! إنما نـزلت هذه الآية فينا مَعشرَ الأنصار! إنا لما نَصرَ الله نبيه وأظهرَ الإسلام، قُلنا بَيننا معشرَ الأنصار خَفيًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنـزل الله الخبرَ من السماء: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » الآية، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نُقيم في أموالنا ونُصلحها، وندعُ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يُجاهدُ في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية .

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد قالا حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، قال، أخبرني حيوة وابن لهيعة، قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال، حدثني أسلم أبو عمران مولى تُجِيب، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل الشام فَضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة صفٌّ عظيم من الروم، قال: وصففنا صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صَفّ الروم حتى دخلَ فيهم، ثم خرج إلينا مقبلا فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التأويل! وإنما أنـزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار! إنا لما أعزّذ الله دينه وكثَّر ناصريه، قلنا فيما بيننا بعضُنا لبعض سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، فأصلحنا ما ضَاع منها! فأنـزل الله في كتابه يرُدُّ علينا ما هممنا به، فقال: « وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ، بالإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها، فأمرنا بالغزو. فما زال أبو أيوب غازيًا في سبيل الله حتى قبضَه الله .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنْ يُقال: إنّ الله جل ثناؤه أمرَ بالإنفاق في سبيله بقوله: « وأنفقوا في سبيل الله » - وسبيلُه: طريقه الذي شَرَعه لعباده وأوضحه لهم. ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعتُه لكم، بجهاد عدوّكم الناصبين لكم الحربَ على الكفر بي، ونَهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » .

وذلك مثلٌ، والعرب تقول للمستسلم للأمر: « أعطَى فلان بيديه » ، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به: « أعطى بيديه » .

فمعنى قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ، ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا.

والتارك النفقةَ في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه، مستسلم للهلكة بتركه أداءَ فرضِ الله عليه في ماله. وذلك أن الله جل ثناؤه جَعل أحد سِهام الصدقات المفروضات الثمانية « في سبيله » ، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلى قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [ سورة التوبة: 60 ] فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه، كان للهلكة مستسلما، وبيديه للتهلكة ملقيا.

وكذلك الآئسُ من رحمة الله لذنب سلف منه، مُلق بيديه إلى التهلكة، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [ سورة يوسف: 87 ] .

وكذلك التارك غزوَ المشركين وجهادَهم، في حال وجوب ذلك عليه، في حال حاجة المسلمين إليه، مُضيعٌ فرضا، مُلقٍ بيده إلى التهلكة.

فإذ كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ولم يكن الله عز وجلّ خصَّ منها شيئًا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة - وهي العذاب - بترك ما لزمنا من فرائضه، فغيرُ جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عَذابَه.

غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها، فتهلكوا باستحقاقكم - بترككم ذلك - عذابي. كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قال: التهلكة عذابُ الله.

قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاما منه لهم - بعد أمره إياهم بالنفقة - ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله، منَ العقوبة في المعاد.

فإنْ قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: « ولا تلقوا بأيديكم » ، وقد علمت أن المعروف من كلام العرب: « ألقيت إلى فلان درهما » ، دون « ألقيتُ إلى فلان بدرهم » ؟

قيل: قد قيل إنها زيدت نحو زيادة القائل « الباء » في قوله: « جذبتُ بالثوب، وجذبت الثوب » « وتعلَّقتُ به وتَعلَّقته » ، و تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ سورة المؤمنون: 20 ] وإنما هو: تُنبت الدهنَ .

وقال آخرون: « الباء » في قوله: « ولا تُلقوا بأيديكم » أصلٌ للكنية لأن كل فعل وَاقع كُنِي عنه فهو مضطرٌّ إليها نحو قولك في رجل « كلَّمته » فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: « فعلت به » قالوا: فلما كان « الباء » هي الأصل، جاز إدخال « الباء » وإخراجها في كل « فعلٍ » سبيلُه سبيلُ كُنْيته .

وأما « التهلكة » فإنها « التفعُلة » من « الهلاك » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وأحسنوا » أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وَعَوْدِ القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة فإنّي أحبّ المحسنين في ذلك كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا زيد بن الحباب، قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: « وأحسنوا إنّ الله يُحب المحسنين » قال: أداء الفرائض.

وقال بعضهم: معناه: أحسنوا الظن بالله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: « وأحسنوا إنّ الله يُحب المحسنين » : قال: أحسنوا الظن بالله، يبرَّكم.

وقال آخرون: أحسنوا بالعَوْد على المحتاج.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين » عودوا على من ليس في يده شيء.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك أتِمّوا الحج بمناسكه وسُننِه، وأتموا العُمْرة بحدودها وسُننِها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهَبّاري، قال. ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: « وأتِمّوا الحجّ والعمرة لله » قال: هو في قراءة عبد الله: « وَأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ » قال: لا تجاوزُوا بالعمرة البيتَ قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ: « وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت » .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: « وأقِيموا الحجَّ والعمرة إلى البيت » .

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وأتِمّوا الحج والعمرةَ لله » ، يقول: من أحرَم بحجّ أو بعُمْرة فليس له أن يَحلّ حتى يُتمَّها تَمامُ الحجِّّ يوم النَّحر إذا رَمَى جَمرةَ العَقبة وزار البيت فقد حَلّ من إحرامه كُلّه، وتمامُ العمرة إذا طاف بِالبيت وبالصفَّا والمروة، فقد حَلّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله » قال: ما أمِروا فيهما.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « وأتموا الحَج والعمرة لله » قال: قال إبراهيم عن علقمة بن قيس قال: « الحجُّ » : مناسك الحج، و « العمرة » : لا يجاوز بها البيت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: « وأتِموا الحجّ والعمرة لله » قال: قال تَقْضى مناسكَ الحجَّ عرفة والمزدلفة وَمواطنَها، والعمرةُ للبيت أنْ يطوف بالبيت وبين الصفَّا والمروة ثم يَحلُّ.

وقال آخرون: تمامُهما أن تُحرِم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلِك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال: جاء رَجُل إلى عليّ فقال له في هذه الآية: « وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله » أن تحرم من دُوَيْرة أهلِك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: جاء رجل إلى عليّ رضوان الله عليه، فقال: أرأيتَ قَول الله عز وجل: « وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله » ؟ قال: أن تحرم من دُوَيْرة أهلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: من تَمام العُمرة أن تحرم من دُوَيرة أهلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: تمامُهما إفرادهما مُؤْتَنَفتين من أهلك.

حدثني المثنى، قال: ثنا سفيان، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس: « وأتموا الحج والعمرة لله » قال: تفردهما مؤقتتين من أهلك، فذلك تمامهما.

وقال آخرون: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، وتمامُ الحج أن يُؤتى بمناسكه كلِّها، حتى لا يلزم عَامِلَه دمٌ بسبب قِران ولا مُتعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وأتِمُّوا الحجَّ والعمرة لله » قال: وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحج.

ومن كان في أشهر الحج، ثم أقام حتى يَحُجّ، فهي مُتعة. عليه فيها الهْدي إن وُجد، وإلا صَام ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رَجع.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وأتموا الحج والعمرة لله » قال: ما كان في غير أشهر الحج فهي عمرة تامة، وما كان في أشهر الحج فهي مُتعة وعليه الهدي.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إنّ العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال: فقيل له: العمرة في المحرَّم؟ قال: كانوا يَرَونها تامَّة.

وقال آخرون: إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرَهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني رجل، عن سفيان، قال: هو يعني تمامهما أن تخرُج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتُهلّ من الميقات. ليس أن تخرُج لتجارةٍ ولا لحاجةً، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت. وذلك يجزئ، ولكن التمَّام أن تخرُج له لا تخرُج لغيره.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتموا الحجَّ والعمرةَ لله إذا دخلتم فيهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قولُ الله تعالى: « وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله » ؟ قال: ليس من الخلقِ أحدٌ ينبغي له إذا دَخَل في أمر إلا أن يتمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنْبَغ له أن يهلّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار.

* وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرَا العمرة، قال: فقال الشعبي: تطوَّع، « وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله » . وقال أبو بردة: هي واجبة « وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله » .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عون، عن الشعبي أنه كان يقرأ: « وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةُ لله » .

وقد روي عن الشعبي خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا. وذلك ما:-

حدثني به المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: العمرةُ واجبةٌ.

فقراءة من قال: العمرة واجبة- نصبُها، بمعنى أقيموا فرضَ الحجّ والعمرةَ، كما:-

حدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت مسروقًا يقول: أُمرتم في كتاب الله بأربع: بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والعمرة. قال: ثم تلا هذه الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ سورة آل عمران: 97 ] « وأتموا الحجَّ والعُمْرةَ لله إلى البيت » .

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يروي عن الحسن، عن مسروق، قال: أمرنا بإقامة أربعةٍ: الصلاةِ والزكاةِ، والعمرةِ والحجّ، فنـزلت العُمْرة من الحج منـزلةَ الزكاة من الصلاة.

حدثنا ابن بشار، قال: أنبأنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن حريج، قال: قال علي بن حسين وسعيد بن جبير، وسُئلا أواجبةٌ. العمرة على الناس؟ فكلاهما قال: ما نعلمها إلا واجبة، كما قال الله: « وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله » .

حدثنا سَوَّار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة فريضَةٌ هي أم تطوعٌ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبي يقول: هي تطوع. قال: كَذَب الشعبي، وقرأ: « وأتموا الحجَّ والعمرةَ لله »

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة عمن سمع عطاء يقول في قوله: « وأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله » ، قال: هما وَاجبان: الحج، والعمرة.

قال أبو جعفر: فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى: « وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله » أنهما فرضَان واجبان أمرَ الله تبارك وتعالى أمر بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوبَ الحج. وهم عدد كثير من الصحابة والتّابعين، ومن بعدهم من الخالفين، كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم.

وقالوا: معنى قوله: « وأتموا الحج والعمرة لله » وأقيموا الحج والعمرة.

* ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: « وأتموا الحج والعمرة لله » يقول: أقيموا الحج والعمرة.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن ثُوير، عن أبيه، عن علي: « وأقيموا الحج والعمرة للبيت » ثم هي واجبةٌ مثل الحج.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: « وأقِيمُوا الحجَّ والعمرةَ إلى البيت » ثم قال عبد الله: والله لولا التحرُّجُ، وأنيّ لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئًا، لقلت إنّ العمرة واجبة مثل الحج.

قال أبو جعفر: وكأنهم عَنوا بقوله: « أقيمُوا الحج والعمرة » : ائتوا بهما، بحدودهما وأحكامِهما، على ما فُرِض عليكم.

وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب « العُمْرة » : العمرة تطوعٌ ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نَصْبهم « العمرة » في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضًا عليه. وذلك كالحج التطوُّع، لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخولُ فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبَها على نفسه إتمامَها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [ سورة آل عمران: 97 ] .

وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: الحجُّ فريضة، والعمرةُ تطوُّع.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن ابن مسعود مثله.

وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عثمة، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، قال: العمرة ليست بواجبة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيره، عن سماك، قال: سألت إبراهيم عن العمرة فقال: سنة حسنة.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن الشعبي، قال: العمرة تطوع.

قال أبو جعفر: فأما الذين قرءوا ذلك برفع « العمرة » ، فإنهم قالوا: لا وجه لنَصْبها، فالعمرة إنما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقًّا اسم معتمرٍ إلا وهو له زائر. قالوا: وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته وهو متَى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة، فلا عمل يَبقى بعده يؤمَر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه الحاجُّ بعد بلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروة بإتيان عَرَفة والمزدلفة والوقوفِ بالمواضع التي أمر بالوقوف بها، وعملِ سائرِ أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت لم يكن لقول القائل للمعتمر : « أتمَّ عمرتك » وجهٌ مفهوم. وإذا لم يكن له وجهٌ مفهوم. فالصواب من القراءة في « العمرة » الرفعُ على أنه من أعمال البِرِّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: « لله » .

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب « العمرة » على العطف بها على « الحجّ » ، بمعنى الأمر بإتمامهما له.

ولا معنى لاعتلال من اعتَلّ في رفعها بأن « العمرة » زيارة البيت، فإن المعتمر متى بلغه، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه. وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمامُ العمل الذي أمره الله به في اعتماره، وزيارَته البيت، وذلك هو الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وتجنبُ ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك، وذلك عملٌ - وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه - غيرُ الزيارة. هذا، مع إجماع الحجة على قراءة « العمرة » بالنصب، ومخالفة جميع قرأة الأمصار قراءةَ من قرأ ذلك رفعًا، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعًا.

وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله: « والعمرةَ لله » على قراءة من قرأ ذلك نصبًا فقولُ عبد الله بن مسعود، ومن قال بقوله من أنّ معنى ذلك: وأتمّوا الحج والعمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما لا أنَّ ذلك أمرٌ من الله عز وجل - بابتداء عَمَلهما والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه - بهذه الآية .

وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وَصَفْنا: من أن يكون أمرًا من الله عز وجل بإقامتهما ابتداءًا وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما، وأن يكون أمرًا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبِهما على نفسه، فإذ كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا، فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر، إلا وللآخر عليه فيها مثلها. وإذ كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبرٌ عن الحجة للعذرِ قاطعًا، وكانت الأمة في وجوبها متنازعة - لم يكن لقول قائلٍ: « هي فرض » بغير برهان دالّ على صحة قوله - معنى ، إذ كانت الفرُوض لا تلزم العباد إلا بدلالةٍ على لزومها إياهم واضحةٍ.

فإن ظن ظانٌّ أنها واجبة وجوبَ الحج، وأن تأويلَ من تأوّلَ قوله: « وأتمّوا الحج والعمرةَ لله » بمعنى: أقيموا حدُودَهما وفروضهما أوْلى من تأويلنا، بما:-

حدثني به حاتم بن بكير الضبي، قال: ثنا أشهل بن حاتم الأرطبائي، قال: ثنا ابن عون، عن محمد بن جحادة، عن رجل، عن زميل له، عن أبيه- وكان أبوه يكنى أبا المُنْتَفِق- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فدنوتُ منه، حتى اختلفتْ عُنق راحلتي وعُنُق راحلته، فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يُنجيني من عذاب الله ويُدخلُني جَنتَه ! قال: « اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدّ الزكاة المفروضة، وحُجّ واعتَمِر قال أشهل: وأظنه قال: » وصُمْ رمضان وانظر ماذا تحبُّ من الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم، وما تكرهُ من الناس أن يأتوه إليك فذَرْهم منه « . »

وما :-

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي رجل من بني عامر قال: قلت يا رسول الله إن أبي شيخٌ كبير لا يستطيع الحجّ ولا العمرة ولا الظَّعْن، وقد أدركه الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: « حُج عن أبيك واعتمر » .

وما:-

حدثني به يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطب فقال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحُجُّوا واعتمروا واستقيموا يَستقم لكم.

وما أشبه ذلك من الأخبار، فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حجة لِوَهْي أسانيدها، وأنها - معَ وَهْيِ أسانيدها- لها في الأخبار أشكالٌ تنبئ عن أنّ العمرة تطوعٌ لا فرض واجب. وهو ما:-

حدثنا به محمد بن حميد، ومحمد بن عيسى الدامغاني، قالا ثنا عبد الله بن المبارك، عن الحجاج بن أرطأة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟، فقال: « لا وأن تعتمروا خيرٌ لكم » .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير و حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، عن معاوية بن إِسحاق، عن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع.

قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صحَّ عنده أن العمرة واجبةٌ، بأنه لم يجد تطوعًا، إلا وله إمامٌ من المكتوبة. فلما صح أنّ العمرة تطوُّع وجب أن يكون لها فَرْضٌ، لأن الفرض إمام التطوع في جميع الأعمال.

فيقال لقائل ذلك: فقد جُعِل الاعتكاف تطوُّعًا، فما الفرض منه الذي هو إمامُ مُتطوَّعه؟

ثم يسأل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب؟

فإن قال: « واجبٌ » ، خرج من قول جميع الأمة.

وإن قال: تطوع.

قيل: فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعًا والعمرةُ فرضًا، من الوجه الذي يجب التسليم له؟

فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

وبما استشهدنا من الأدلة، فإن أولى القراءتين بالصواب في « العمرة » قراءةُ من قرأها نصبًا- وأنّ أولى التأويلين في قوله « وأتموا الحج والعمرة لله » ، تأويلُ ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما - وأنّ أولى القولين في « العمرة » بالصواب قول من قال: « هي تطوّع لا فرض » - وإن معنى الآية: وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما.

وإنما أنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صُدَّ فيها عن البيت، معرِّفَهُ المؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خُلِّي بينهم وبين البيت ومبيِّنًا لهم فيها ما المُخْرِجَ لهم من إحرامهم إن أحرموا، فصُدوا عن البيت .

ولذكر اللازم لهم من الأعمال في عمرتهم التي اعتمروها عام الحديبية، وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم، افتَتح بقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ .

وقد دللنا فيما مضى على معنى « الحج » « والعمرة » بشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « الإحصار » الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي.

فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه كان يقول: « الحصر » الحبس كله. يقول: أيما رجل اعترض له في حجته أو عمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس. قال: وقال مجاهد في قوله: « فإن أحصرتم » فإن أحْصِرتم: يَمرض إنسانٌ أو يُكْسر، أو يحبسه أمرٌ فغلبه كائنًا ما كان، فليرسل بما استيسَر من الهَدْي، ولا يحلِق رأسَه، ولا يحل، حتى يوم النحر.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الإحصار كل شيء يحبسه.

وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة أنه قال: في المحصَر: هو الخوفُ والمرض والحابسُ. إذا أصابه ذلك بَعَث بِهَدْيه، فإذا بلغ الهدي مَحِله حَلّ.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدْي » قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حَبَسه عن البيت يبعث بهَديه، فإذا بلغ مَحِله صار حلالا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كل شيء حَبَس المحرم فهو إحصارٌ.

حدثني المثنى قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم قال أبو جعفر: أحسبه عن شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم: « فإن أحصِرْتم » قال: مرض أو كسر أو خَوفٌ.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس قوله: « فإن أحصرتُم فما استيسر من الهدي » ، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حُبس عن البيت بمرض يُجْهده أو عذر يحبسه، فعليه قَضاؤها.

قال أبو جعفر: وعلة من قال بهذه المقالة: أن « الإحصار » معناه في كلام العَرب: مَنْع العلة من المرض وأشباهه، غيرِ القهرِ والغلبة من قاهر أو غالبٍ، إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة، أو ذهاب نفقة، أو كسر راحلة. فأما منعُ العدوّ، وحبس حابس في سجن، وغلبة غالبٍ حائل بين المحرِم والوصول إلى البيت من سُلطان، أو إنسان قاهرٍ مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب « حصرا » لا « إحصارا » .

قالوا: ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [ الإسراء: 8 ] يعني به: حاصرًا، أي حابسًا.

قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التي وصفنا، يسمى « إحصارًا » لوجب أن يقال: « قد أُحْصرَ العدوُّ » .

قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على « حُوصر العدو ، والعدوّ محاصر » ، دون « أحصر العدو، وهم مُحْصَرون » ، و « أحْصِر الرجل » بالعلة من المرض والخوف- أكبر الدلالة على أنّ الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ » بمرض أو خوف أو علة مانعة.

قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى « حصر المرض » قياسا على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذي منعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهر قوله: « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي » إذ كان حبس العدو والسلطان والقاهر علة مانعة، نظيرة العلة المانعة من المرض والكسر.

وقال آخرون: معنى قوله: « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي » فإن حبسكم عدو عن الوصول إلى البيت، أو حابس قاهر من بني آدم. قالوا: فأما العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها، فإن ذلك غير داخل في قوله: « فإن أحصرتم » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس أنه قال: « الحصْرُ » : حصرُ العدو، فيبعثُ الرجل بهديّتِه، فإن كان لا يستطيع أن يَصِل إلى البيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها ويُحْرِم قال محمد بن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندري قال: يُحِرِم، أو يَحِل من يومٍ يواعد فيه صاحبَ الهدْي إذا اشترى. فإذا أمن فعليه أن يحجَّ أو يعتمر. فإذا أصابه مَرَض يحبسه وليس معه هدْي، فإنه يَحِل حيث يُحبَس، فإن كان معه هدْي فلا يحل حتى يَبلغ الهدي مَحله، فإذا بعث به، فليس عليه أن يحج قابلا ولا يعتمر إلا أن يشاء.

حدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا حصر إلا من حَبْس عدو.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم إلا أنه قال: فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعَد فيه صاحبَ الهدية إذا اشترى. ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.

وقال مالك بن أنس: بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَلَّ وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحَلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يَصِل إليه الهدي. ثم لم نَعْلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيء.

حدثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت؟ فقال: يَحلّ من كل شيء، ويَنْحر هَدْيه، ويحلق رأسه حيث يحبس، وليس عليه قضاء، إلا أن يكون لم يحج قَط، فعليه أن يحج حجة الإسلام.

قال: والأمر عندنا فيمن أحصِر بغير عدو بمرض أو ما أشبهه، أنْ يتداوَى بما لا بد منه، ويَفتدي، ثم يجعلها عُمرة، ويحج عامًا قابلا ويُهدِي.

قال أبو جعفر: وعلة من قال هذه المقالة - أعني: من قال قولَ مالك - أنّ هذه الآية نـزلت في حصر المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، فأمر الله نبيّه ومن معه بنحْر هَداياهم والإحلال.

قالوا: فإنما أنـزل الله هذه الآية في حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نـزلتْ فيه.

قالوا: وأما المريض، فإنه إذا لم يُطِق لمرضه السَّير حتى فاتته عرفة، فإنما هو رجلٌ فاته الحج، عليه الخروج من إحرامه بما يخرُج به من فَاته الحج - وليس من معنى « المحصر » الذي نـزلت هذه الآية في شأنه.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في قوله: « فإن أحصرتم » ، تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحْصَرَكم خوفُ عَدٍّو أو مرضٌ أو علةٌ عن الوصول إلى البيت أي: صيَّركم خوفكم أو مرضكم تَحصُرون أنفسكم، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتُموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة. فلذا قيل: « أحصرتم » ، لمَّا أسقط ذكِر الخوف والمرض. يقال منه: « أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومَرَضي عن فلان » ، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابس الرجلُ والإنسانُ، قيل: « حصرَني فلان عن لقائك » ، بمعنى حبسني عنه.

فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأوِّل من قوله: « فإن أحصِرْتم » فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلى البيت- لوجب أن يكون: فإن حُصِرْتم.

ومما يُبَيِّن صحةَ ما قلناه من أن تأويل الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، قولُه: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ .

و « الأمنُ » إنما يكون بزوال الخوف. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية، هو الخوف الذي يكون بزواله الأمنُ.

وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن حَبسُ الحابس الذي ليس مع حَبْسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتْلوّ، وإن كان قد يُلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حَبْس من لا خوف على النفس من حبسه، كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالدِ، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنعٌ عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرامَ، غيرُ داخل في ظاهر قوله: « فإن أحصرتم » ، لما وصفنا من أن معناه: فإن أحصركم خوفُ عدوّ- بدلالة قوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال: الحصر: حصر العدو.

وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله: « فما استيسر من الهدي » .

فقال بعضهم: هو شاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: « ما استيسر من الهدي » شاة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن و حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس، مثله.

حدثني ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: تمتعت فسألت ابن عباس فقال: « ما استيسر من الهدي » قال: قلت شاة؟ قال: شاة.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: سألت ابن عباس عن « ما استيسر من الهدي » ، قال: من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا هشيم، قال الزهري أخبرنا - وسئل عن قول الله جل ثناؤه: « فما استيسر من الهدي » - قال: كان ابن عباس يقول: من الغنم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: « ما استيسر من الهدي » ، من الأزواج الثمانية.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: قيل للأشعث: ما قول الحسن: « فما استيسر من الهدي » ؟ قال: شاة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتاده. ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله إلا أنه كان يقال: أعلاه بدنة، وذكر سائر الحديث مثله.

حدثنا ابن بشار قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس، قال: « فما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن ابن جريج، عن عطاء: « فما استيسر من الهدي » شاة.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا محمد بن نفيع، عن عطاء، مثله.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: المحصر يبعث بهدي، شاة فما فوقها.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، بعث بما استيسر من الهدي شاة. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ما استيسر من الهدي » ، شاة فما فوقها.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة و حدثنا المثنى، قاله: حدثنا آدم العسقلاني عن شعبة قال: حدثنا أبو جمرة، عن ابن عباس، قال: « ما استيسر من الهدي » ، جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن ابن عباس كان يرى أن الشاة « ما استيسر من الهدي » .

حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سهل بن يوسف قال: حدثنا حميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي: شاة، فقيل له: أيكون دون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تدرون به أن الهدي شاة . ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة: 95 ] .

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: شاة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن دلهم بن صالح، قال: سألت أبا جعفر، عن قوله: « ما استيسر من الهدي » ، فقال: شاة.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك بن أنس حدَّثه عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن علي بن أبي طالب كان يقول: « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا مطرف بن عبد الله، قال: حدثنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقول: « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال مالك: وذلك أحب إلي.

حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: « فما استيسر من الهدي » ، قال: عليه - يعني المحصر - هدي . إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: « ما استيسر من الهدي » ، شاة، وما عظمت شعائر الله، فهو أفضل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة: أن عطاء بن أبي رباح حدثه: أن « ما استيسر من الهدي » ، شاة.

وقال آخرون: « ما استيسر من الهدي » : من الإبل والبقر، سن دون سن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: « ما استيسر من الهدي » : البقرة دون البقرة، والبعير دون البعير.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي مجلز، قال: سأل رجل ابن عمر: « ما استيسر من الهدي » ؟ قال: أترضى شاة؟ كأنه لا يرضاه.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن القاسم بن محمد ونافع، عن ابن عمر قال: « ما استيسر من الهدي » ، ناقة أو بقرة، فقيل له: « ما استيسر من الهدي » ؟ قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال: « فما استيسر من الهدي » ، قال: جزور، أو بقرة.

حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا حدثنا هشيم، قال الزهري أخبرنا - وسئل عن قول الله: « فما استيسر من الهدي » - قال: قال ابن عمر: من الإبل والبقر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في قوله جل ثناؤه: « فما استيسر من الهدي » قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن القاسم، عن ابن عمر في قوله: « فما استيسر من الهدي » ، قال: الإبل والبقر.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان عبد الله بن عمر وعائشة يقولان: « ما استيسر من الهدي » : من الإبل والبقر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا الوليد بن أبي هشام، عن زياد بن جبير، عن أخيه عبد الله أو عبيد الله بن جبير، قال: سألت ابن عمر عن المتعة في الهدي؟ فقال: ناقة، قلت: ما تقول في الشاة؟ قال: أكلكم شاة؟ أكلكم شاة؟

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد وطاوس قالا « ما استيسر من الهدي » ، بقرة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة: « فما استيسر من الهدي » ، قال في قول ابن عمر: بقرة فما فوقها.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: « ما استيسر من الهدي » ، قال: بدنة أو بقرة، فأما شاة فإنما هي نسك.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنما الشاة نسك، قال: تكون البقرة بأربعين وبخمسين.

حدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، كان يقول: « ما استيسر من الهدي » ، بقرة.

وحدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد أن سعيدا حدثه، قال: رأيت ابن عمر وأهل اليمن يأتونه فيسألونه عن « ما استيسر من الهدي » ويقولون: الشاة ! الشاة ! قال: فيرد عليهم: « الشاة ‍‍! ‍الشاة ! يحضهم - إلا أن الجزور دون الجزور، والبقرة دون البقرة، ولكن ما » استيسر من الهدي « ، بقرة. »

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب قول من قال: « ما استيسر من الهدي » شاة. لأن الله جل ثناؤه إنما أوجب ما استيسر من الهدي، وذلك على كل ما تيسر للمهدي أن يهديه كائنا ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خص من ذلك شيئا، فيكون ما خص من ذلك خارجا من جملة ما احتمله ظاهر التنـزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مجزئا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحق اسم « هدي » .

فإن قال قائل: فإن الذين أبوا أن تكون الشاة مما استيسر من الهدي، بأنه لا يستحق اسم « هدي » كما أنه لو أهدى دجاجة أو بيضة لم يكن مهديا هديا مجزئا.

قيل: لو كان في المهدي الدجاجة والبيضة من الاختلاف، نحو الذي في المهدي الشاة، لكان سبيلهما واحدة: في أن كل واحد منهما قد أدى ما عليه بظاهر التنـزيل إذا لم يكن أحد الهديين مخرجه من أن يكون مؤديا - بإهدائه ما أهدى من ذلك - مما أوجبه الله عليه في إحصاره. ولكن لما أخرج المهدي ما دون الجذع من الضأن، والثني من المعز والإبل والبقر فصاعدا من الأسنان - من أن يكون مهديا ما أوجبه الله عليه في إحصاره أو متعته - بالحجة القاطعة العذر، نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثة، كان ذلك خارجا من أن يكون مرادا بقوله: « فما استيسر من الهدي » وإن كان مما استيسر لنا من الهدايا.

ولما اختلف في الجذع من الضأن والثني من المعِز، كان مجزئًا ذلك عن مهديه لظاهر التنـزيل، لأنه مما استيسر من الهدي.

فإن قال قائل: فما محل « ما » التي في قوله جل وعز: « فما استيسر من الهدي » ؟ قيل: رفع.

فإن قال: بماذا؟

قيل: بمتروك. وذلك « فعليه » لأن تأويل الكلام: وأتموا الحج والعمرة أيها المؤمنون لله، فإن حبسكم عن إتمام ذلك حابس من مرض أو كسر أو خوف عدو فعليكم - لإحلالكم، إن أردتم الإحلال من إحرامكم - ما استيسر من الهدي.

وإنما اخترنا الرفع في ذلك، لأن أكثر القرآن جاء برفع نظائره، وذلك كقوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ وكقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ و ما أشبه ذلك مما يطول بإحصائه الكتاب، تركنا ذكره استغناء بما ذكرنا عنه.

ولو قيل موضع « ما » نصب، بمعنى: فإن أحصرتم فأهدوا ما استيسر من الهدي، لكان غير مخطئ قائله.

وأما « الهدي » ، فإنه جمع، وأحدها « هديّه » ، على تقدير « جديّه السرج » والجمع « الجَدْي » مخفف.

حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، عن يونس، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لا أعلم في الكلام حرفا يشبهه.

وبتخفيف « الياء » وتسكين « الدال » من « الهدي » قرأه القرأة في كل مصر، إلا ما ذكر عن الأعرج، فإن:-

أبا هشام الرفاعي، حدثنا، قال: حدثنا يعقوب، عن بشار، عن أسد، عن الأعرج أنه قرأ: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ سورة المائدة :95 ] بكسر « الدال » مثقلا وقرأ: « حتى يبلغ الهدي محله » ، بكسر « الدال » مثقلة. واختلف في ذلك عن عاصم، فروي عنه موافقة الأعرج ومخالفته إلى قراءه سائر القرأة.

و « الهدي » عندي إنما سمي « هديا » لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه، بمنـزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه، يقال منه: « أهديت الهدي إلى بيت الله ، فأنا أهديه إهداء » . كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: « أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها. » ، ويقال للبدنة « هدية » ، ومنه قول زهير بن أبي سلمى، يذكر رجلا أسر، يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى:

فلــم أر معشــرا أســروا هديـا ولــم أر جــار بيــت يسـتباء!

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ

قال أبو جعفر:يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتم، فأردتم الإحلال من إحرامكم، فعليكم ما استيسر من الهدي. ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي الذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه، قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه محله. وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه. فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله.

ثم اختلف أهل العلم في « محل » الهدي الذي عناه الله جل اسمه، الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه.

فقال بعضهم: محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه، إن كان مما يذبح، أو نحره إن كان مما ينحر، في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم [ حيث حبس ]

وإن كان من غير خوف عدو فلا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. وهذا قول من قال: الإحصار إحصار العدو دون غيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي. ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشيء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة، فقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهل بعمرة من أجل أن النبي كان أهل بعمرة عام الحديبية. ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلا واحد. قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة. قال: ثم طاف طوافا واحدا، ورأى أن ذلك مجز عنه وأهدى.

قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت.

قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت، فقال: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء، إلا أن يكون لم يحج قط، فعليه أن يحج حجة الإسلام.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا مالك، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أن عبد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي، وصرع في الحج ببعض الطريق، أن يتداوى بما لا بد منه، ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحج عاما قابلا ويهدي.

قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو.

قال: وقال مالك: وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض، أو خطأ في العدد، أو خفي عليه الهلال، فهو محصر، عليه ما على المحصر - يعني من المقام على إحرامه - حتى يطوف أو يسعى، ثم الحج من قابل والهدي.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أيوب بن موسى أن داود بن أبي عاصم أخبره: أنه حج مرة فاشتكى، فرجع إلى الطائف ولم يطف بين الصفا والمروة. فكتب إلى عطاء بن أبي رباح يسأله عن ذلك، وأن عطاء كتب إليه: أن أهرق دما

وعلة من قال بقول مالك: في أن محل الهدي في الإحصار بالعدو نحره حيث حبس صاحبه، ما:-

حدثنا به أبو كريب ومحمد بن عمارة الأسدي، قالا حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة، قال: أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ، عن ابن عمر، قال: لما كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجهه، قال: فنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي حيث حبسوه- وهي الحديبية- وحلق، وتأسى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق، وتربص آخرون فقالوا: لعلنا نطوف بالبيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين! قيل: والمقصرين ! قال: رحم الله المحلقين ! قيل: والمقصرين ! قال: « والمقصرين » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية بينه وبين مشركي قريش- وذلك بالحديبية، عام الحديبية- قال لأصحابه: « قوموا فانحروا واحلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر ذلك لها، فقالت أم سلمة: يا نبي الله اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حلاقك فتحلق . فقام فخرج، فلم يكلم منهم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. »

قالوا: فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه حين صده المشركون عن البيت بالحديبية، وحل هو وأصحابه. قالوا: والحديبية ليست من الحرم. قالوا: ففي مثل ذلك دليل واضح على أن معنى قوله: « حتى يبلغ الهدي محله » ، حتى يبلغ بالذبح أو النحر محل أكله، والانتفاع به في محل ذبحه ونحره.

كما روي عن نبي الله عليه الصلاة والسلام في نظيره إذ أتي بلحم - أتته بريرة - من صدقة كان تصدق به عليها، فقال: قربوه فقد بلغ محله.

يعني: فقد بلغ محل طيبه وحلاله له بالهدية إليه بعد أن كان صدقة على بريرة.

وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم لا محل له غيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس، فإذا هم بابن مسعود، فذكروا ذلك له، فقال: ليبعث بهدي، واجعلوا بينكم يوم أمارة، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن سليمان بن مهران، عن عمارة بن عمير وإبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: خرجنا مهلين بعمرة فينا الأسود بن يزيد، حتى نـزلنا ذات الشقوق، فلدغ صاحب لنا، فشق ذلك عليه مشقة شديدة، فلم ندر كيف نصنع به، فخرج بعضنا إلى الطريق، فإذا نحن بركب فيه عبد الله بن مسعود، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن رجل منا لدغ، فكيف نصنع به؟ قال: يبعث معكم بثمن هدي، فتجعلون بينكم وبينه يوما أمارة، فإذا نحر الهدي فليحل، وعليه عمرة في قابل.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: بينا نحن بذات الشقوق فلبى رجل منا بعمرة فلدغ، فمر علينا عبد الله فسألناه، فقال: اجعلوا بينكم وبينه يوم أمار، فيبعث بثمن الهدي، فإذا نحر حل وعليه العمرة.

حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم النخعي يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أهل رجل منا بعمرة، فلدغ، فطلع ركب فيهم عبد الله بن مسعود، فسألوه، فقال: يبعث بهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارا، فإذا كان ذلك اليوم فليحل وقال عمارة بن عمير: فكان حسبك به عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله وعليه العمرة من قابل.

حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا عمارا، فلما كنا بذات الشقوق لدغ صاحب لنا، فاعترضنا للطريق نسأل عما نصنع به، فإذا عبد الله بن مسعود في ركب، فقلنا له: لدغ صاحب لنا ؟ فقال: اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوما، وليرسل بالهدي، فإذا نحر الهدي فليحلل، ثم عليه العمرة.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن الحجاج، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود: أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس، فإذا هم بابن مسعود، فذكروا ذلك له فقال: ليبعث بهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، يقول: من أحرم بحج أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عذر يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، شاة فما فوقها يذبح عنه. فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه.

ثم قال: « ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله » فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر، وإن كان أحرم بعمرة فمحل هديه إذا أتى البيت.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فهو الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كان يحبس عن البيت، فيهدي إلى البيت، ويمكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله. فإذا بلغ الهدي محله حلق رأسه، فأتم الله له حجه. والإحصار أيضا أن يحال بينه وبين الحج، فعليه هدي: إن كان موسرا من الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، ويجعل حجه عمرة، ويبعث بهديه إلى البيت. فإذا نحر الهدي فقد حل، وعليه الحج من قابل.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، حدثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سأل علي رضي الله عنه عن قول الله عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فإذا أحصر الحاج بعث بالهدي، فإذا نحر عنه حل، ولا يحل حتى ينحر هديه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت عطاء يقول: من حبس في عمرته، فبعث بهدية فاعترض لها فإنه يتصدق بشيء أو يصوم، ومن اعترض لهديته، وهو حاج، فإن محل الهدي والإحرام يوم النحر، وليس عليه شيء.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، مثله.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله » ، الرجل يحرم ثم يخرج فيحصر، إما بلدغ أو مرض فلا يطيق السير، وإما تنكسر راحلته، فإنه يقيم، ثم يبعث بهدي شاة فما فوقها. فإن هو صح فسار فأدرك فليس عليه هدي، وإن فاته الحج فإنها تكون عمرة، وعليه من قابل حجة. وإن هو رجع لم يزل محرما حتى ينحر عنه يوم النحر.

فإن هو بلغه أن صاحبه لم ينحر عنه عاد محرما وبعث بهدي آخر، فواعد صاحبه يوم ينحر عنه بمكة، فتنحر عنه بمكة، ويحل، وعليه من قابل حجة وعمرة - ومن الناس من يقول: عمرتان. وإن كان أحرم بعمرة ثم رجع وبعث بهديه، فعليه من قابل عمرتان. وأناس يقولون: لا بل ثلاث عمر، نحوا مما صنعوا في الحج حين صنعوا، عليه حجة وعمرتان.

حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس، قال: إذا أحصر الرجل بعث بهديه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو.

فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها مكانه، ويواعد صاحب الهدي. فإذا أمن فعليه أن يحج ويعتمر. فإن أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي، فإنه يحل حيث يحبس. وإن كان معه هدي، فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله إذا بعث به، وليس عليه أن يحج قابلا ولا يعتمر، إلا أن يشاء.

وقال أبو جعفر: وعلة من قال هذه المقالة أن محل الهدايا والبدن الحرم أن الله عز وجل ذكر البدن والهدايا فقال: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج: 32- 33 ] فجعل محلها الحرم، ولا محل للهدي دونه.

قالوا: وأما ما ادعاه المحتجون بنحر النبي صلى الله عليه وسلم هداياه بالحديبية حين صد عن البيت، فليس ذلك بالقول المجتمع عليه، وذلك أن:

الفضل بن سهل حدثني، قال: حدثنا مخول بن إبراهيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر الأسلمي، عن أبيه، عن ناجية بن جندب الأسلمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم حين صد عن الهدي، فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلننحره بالحرم ! قال: كيف تصنع به؟ قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه‍‍‍‍‍! فانطلقت به حتى نحرته بالحرم.

قالوا: فقد بين هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هداياه في الحرم، فلا حجة لمحتج بنحره بالحديبية في غير الحرم.

وقال آخرون: معنى هذه الآية وتأويلها على غير هذين الوجهين اللذين وصفنا من قول الفريقين اللذين ذكرنا اختلافهم على ما ذكرنا. وقالوا: إنما معنى ذلك: فإن أحصرتم أيها المؤمنون عن حجكم - فمنعتم من المضي لإحرامه لعائق مرض أو خوف عدو - وأداء اللازم لكم وحجكم، حتى فاتكم الوقوف بعرفة، فإن عليكم ما استيسر من الهدي، لما فاتكم من حجكم، مع قضاء الحج الذي فاتكم. فقال أهل هذه المقالة: ليس للمحصر في الحج - بالمرض والعلل غيره - الإحلال إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة إن فاته الحج. قالوا: فأما إن أطاق شهود المشاهد، فإنه غير محصر. قالوا: وأما العمرة فلا إحصار فيها، لأن وقتها موجود أبدا. قالوا: والمعتمر لا يحل إلا بعمل آخر ما يلزمه في إحرامه.

قالوا: ولم يدخل المعتمر في هذه الآية، وإنما عنى بها الحاج.

ثم اختلف أهل هذه المقالة. فقال بعضهم: لا إحصار اليوم بعدو، كما لا إحصار بمرض يجوز لمن فاته أن يحل من إحرامه قبل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، عن طاوس، قال: قال ابن عباس: لا إحصار اليوم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة قالت: لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا حصر إلا من حبسه عدو، فيحل بعمرة، وليس عليه حج ولا عمرة.

وقال آخرون منهم: حصار العدو ثابت اليوم وبعد اليوم، على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التي حكينا عنهم.

ذكر من قال ذلك: وقال: معنى الآية: فإن أحصرتم عن الحج حتى فاتكم، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إياكم:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، قال: كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا.

حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: المحصر لا يحل من شيء حتى يبلغ البيت، ويقيم على إحرامه كما هو، إلا أن تصيبه جراحة - أو جرح - فيتداوى بما يصلحه ويفتدي. فإذا وصل إلى البيت، فإن كانت عمرة قضاها، وإن كانت حجة فسخها بعمرة، وعليه الحج من قابل والهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر مر على ابن حزابة وهو بالسقيا، فرأى به كسرا، فاستفتاه، فأمره أن يقف كما هو لا يحل من شيء حتى يأتي البيت إلا أن يصيبه أذى فيتداوى وعليه ما استيسر من الهدي. وكان أهل بالحج.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر، قال: من أحصر بعد أن يهل بحج، فحبسه خوف أو مرض أو خلأ له ظهر يحمله، أو شيء من الأمور كلها، فإنه يتعالج لحبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه، غير أنه لا يحل من النساء والطيب، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها صيام أو صدقة أو نسك. فإن فاته الحج وهو بمحبسه ذلك، أو فاته أن يقف في مواقف عرفة قبل الفجر من ليلة المزدلفة، فقد فاته الحج، وصارت حجته عمرة : يقدم مكة فيطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فإن كان معه هدي نحره بمكة قريبا من المسجد الحرام، ثم حلق رأسه، أو قصر، ثم حل من النساء والطيب وغير ذلك. ثم عليه أن يحج قابلا ويهدي ما تيسر من الهدي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أنه قال: المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. وإن اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى.

فهذا ما روي عن ابن عمر في الإحصار بالمرض وما أشبهه، وأما في المحصر بالعدو فإنه كان يقول فيه بنحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله.

حدثني تميم بن المنتصر، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج حين نـزل الحجاج بابن الزبير فكلمه ابناه سالم وعبيد الله، فقالا لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يكون بين الناس قتال فيحال بينك وبين البيت ! قال: إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حال كفار قريش بينه وبين البيت فحلق ورجع.

وأما ما ذكرناه عنهم في العمرة من قولهم: « إنه لا إحصار فيها ولا حصر » ، فإنه:-

حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، عن أبي بشر، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه أهل بعمرة فأحصر، قال: فكتب إلى ابن عباس وابن عمر، فكتبا إليه أن يبعث بالهدي، ثم يقيم حتى يحل من عمرته. قال: فأقام ستة أشهر أو سبعة أشهر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يعقوب، عن أبي العلاء بن الشخير، قال: خرجت معتمرا فصرعت عن بعيري، فكسرت رجلي، فأرسلنا إلى ابن عباس وابن عمر نسألهما، فقالا إن العمرة ليس لها وقت كوقت الحج، لا تحل حتى تطوف بالبيت. قال: فأقمت بالدثينة أو قريبا منه سبعة أشهر أو ثمانية أشهر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال: خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة إلى عبد الله بن عباس، وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس، فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك إلى سبعة أشهر، حتى أحللت بعمرة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب في رجل أصابه كسر وهو معتمر، قال: يمكث على إحرامه حتى يأتي البيت ويطوف به وبالصفا والمروة، ويحلق أو يقصر، وليس عليه شيء.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال: إن الله عز وجل عنى بقوله : « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله » كل محصر في إحرام، بعمرة كان إحرام المحصر أو بحج. وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله- . وتأول بـ « المحل » المنحر أو المذبح، وذلك حين حل نحره أو ذبحه، في حرم كان أو في حل، وألزمه قضاء ما حل منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلا وذلك لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صد عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة، فنحر هو وأصحابه بأمره الهدي، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه في العام الذي بعده. ولم يدع أحد من أهل العلم بالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من أصحابه أقام على إحرامه انتظارا للوصول إلى البيت والإحلال بالطواف به وبالسعي بين الصفا والمروة، ولا تحفى وصول هديه إلى الحرم.

فأولى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يأت بحظره خبر، ولم تقم بالمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك فمن متأول معنى الآية تأويلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتا بما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولى الأمور بتأويل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنها يومئذ نـزلت وفي حكم صد المشركين إياه عن البيت أوحيت.

وقد روي بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه، قال: حدثني الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى « قال: فحدثت ابن عباس وأبا هريرة بذلك، فقالا صدق. »

حدثني يعقوب، قال: حدثنا مروان، قال: حدثنا حجاج الصواف وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا سفيان بن حبيب، عن الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وعن ابن عباس وأبي هريرة.

ومعنى هذا الخبر الأمر بقضاء الحجة التي حل منها، نظير فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قضائهم عمرتهم التي حلوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضية.

ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدو، إذا حل من إحرامه التطوع فلا قضاء عليه، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء: ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء، وأسقطت عن الآخر، وكلاهما قد حل من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة ؟

فإن قال: لأن الآية إنما نـزلت في الذي حصره العدو، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نـزلت فيه

قيل له: قد دفعك عن ذلك جماعة من أهل العلم، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإحصار له حكم المنع بالعدو، إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما، وإن اختلفت أسباب منعهما، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه، والآخر بمنع مانع؟ ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

وأما الذين قالوا: لا إحصار في العمرة، فإنه يقال لهم: قد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صد عن البيت، وهو محرم بالعمرة، فحل من إحرامه؟ فما برهانكم على عدم الإحصار فيها؟ أو رأيتم إن قال قائل: لا إحصار في حج، وإنما فيه فوت، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في الإحصار في الحج سنة؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين. فأما العمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن فيها ما سن، وأنـزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بيّن من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم، ففيها الإحصار دون الحج هل بينها وبينه فرق؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوام أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محله، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك، فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما « أذى من رأسه » ؟ قال: القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه.

وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي الحج بالنسك، أو الإطعام، إلا بعد التكفير. وإن أراد أن يفتدي بالصوم، حلق ثم صام.

ذكر من قال ذلك.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . .

حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن، قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه فإنه يحلق حين يبعث بالشاة، أو يطعم المساكين، وإن كان صوم حلق ثم صام بعد ذلك.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . .

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، شاة فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فحلق رأسه، أو مس طيبا أو تداوى، كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، قال: من أحصر بمرض أو كسر فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يحل حتى يوم النحر. فمن كان مريضا، أو اكتحل، أو ادهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه، فحلق، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » هذا إذا كان قد بعث بهديه، ثم احتاج إلى حلق رأسه من مرض، وإلى طيب، وإلى ثوب يلبسه، قميص أو غير ذلك: فعليه الفدية.

وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: من أحصر عن الحج فأصابه في حبسه ذلك مرض أو أذى برأسه، فحلق رأسه في محبسه ذلك، فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: من أحصر بعد أن يهل بحج، فحبسه مرض أو خوف، فإنه يتعالج في حبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه، غير أنه لا يحل له النساء والطيب، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها: صيام، أو صدقة، أو نسك.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثني بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل علي رضي الله عنه عن قول الله جل ثناؤه: « فمن كان من منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: هذا قبل أن ينحر الهدي، إن أصابه شيء فعليه الكفارة.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك قبل الحلاق إذا أراد حلاقه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » فمن اشتد مرضه، أو آذاه رأسه وهو محرم، فعليه صيام، أو إطعام، أو نسك. ولا يحلق رأسه حتى يقدم فديته قبل ذلك.

وعلة من قال هذه المقالة ما: -

حدثنا به المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يعقوب، قال: سألت عطاء، عن قوله: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » فقال: إن كعب بن عجرة مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبرأسه من الصئبان والقمل كثير، فقال له النبي عليه السلام: « هل عندك شاة » ؟ فقال كعب: ما أجدها! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأطعم ستة مساكين، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، ثم احلق رأسك.

قال أبو جعفر : فأما « المرض » الذي أبيح معه العلاج بالطيب وحلق الرأس، فكل مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، والجراحات التي تكون بجسد الإنسان التي يحتاج معها إلى العلاج بالدواء الذي فيه الطيب ونحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان.

وأما « الأذى » الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنحو الصداع والشقيقة، وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبان الرأس، وكل ما كان للرأس مؤذيا مما في حلقه صلاحه ودفع المضرة الحالة به، فيكون ذلك بعموم قول الله جل وعز : « أو به أذى من رأسه » .

وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نـزلت عليه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية.

* ذكر الأخبار التي رويت في ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وحميد بن مسعدة قالا حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ولي وفرة فيها هوام ما بين أصل كل شعرة إلى فرعها قمل وصئبان، فقال: « إن هذا لأذى » ! قلت: أجل يا رسول الله، شديد ! قال: أمعك دم ؟ قلت: لا ! قال: فإن شئت فصمْ ثلاثة أيام، وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين، على كل مسكين نصف صاع.

حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عامر، عن كعب بن عجرة، عن النبي بنحوه.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أسد بن عمرو، عن أشعث، عن عامر، عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ولي وفرة من شعر، قد قملت وأكلني الصئبان. فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « احلق ! » ففعلت، فقال: « هل لك هدي؟ » فقلت: ما أجد! فقال: إنه ما استيسر من الهدي، فقلت: ما أجد! فقال: « صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. »

قال: ففي نـزلت هذه الآية: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » ، إلى آخر الآية

قال أبو جعفر: وهذا الخبر ينبئ عن أن الصحيح من القول أن الفدية إنما تجب على الحالق بعد الحلق، وفساد قول من قال: يفتدي ثم يحلق; لأن كعبا يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالفدية، بعد ما أمره بالحلق فحلق.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام، أو فرق من طعام بين ستة مساكين.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، قال: قعدت إلى كعب وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » فقال كعب: نـزلت في كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: « ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ » فقلت: لا فنـزلت هذه الآية: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: فنـزلت في خاصة، وهي لكم عامة.

حدثني تميم، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت عبد الله بن معقل المزني، يقول: سمعت كعب بن عجرة يقول: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقمل رأسي ولحيتي وشاربي وحاجبي، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلي فقال: ما كنت أرى هذا أصابك « ، ثم قال: ادعوا لي حلاقا ! فدعوه، فحلقني. ثم قال: أعندك شيء تنسكه عنك؟ قال: قلت لا. قال: » فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من طعام. قال كعب: فنـزلت هذه الآية في خاصة: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » ثم كانت للناس عامة.

حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أتؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت نعم! قال: احلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو اذبح شاة.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: والقمل يتناثر علي- أو قال: على حاجبي. وقال أيضا: أو انسك نسيكة. قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب، قال: في أنـزلت هذه الآية، قال: فقال لي: ادنه . فدنوت، فقال: « أيؤذيك هوامك؟ قال: أظنه قال نعم! قال: فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نسك، ما تيسر. »

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل عن مجاهد، عن كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى عليه زمن الحديبية وهو يوقد تحت قدر له وهوام رأسه تتناثر على وجهه، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم! قال: احلق رأسك، وعليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك، تذبح ذبيحة، أو تصوم ثلاثة أيام، أو تطعم ستة مساكين.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على كعب بن عجرة زمن الحديبية، ثم ذكر نحوه.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني سيف، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالحديبية، ورأسي يتهافت قملا فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال قلت: نعم ! قال: فاحلق. قال: ففي نـزلت هذه الآية: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » .

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وأيوب السختياني، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتهافت علي، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: قلت: نعم ! قال: فاحلق، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقا بين ستة مساكين قال أيوب: انسك نسيكة، وقال ابن أبي نجيح: اذبح شاة

قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم ! فأمره أن يحلق وهو بالحديبية لم يتبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنـزل الله الفدية، فأمره رسول الله أن يطعم فرقا بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون. قال: وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: « أيؤذيك هوام رأسك؟ » قال: قلت نعم ! قال ونـزلت هذه الآية: « فمن كان من منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، عن كعب بن عجرة، قال: لفي نـزلت، وإياي عنى بها: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية، وهو عند الشجرة، وأنا محرم : أيؤذيك هوامه؟ قلت: نعم!- أو كلمة لا أحفظها عنى بها ذاك - فأنـزل الله جل وعز: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » ، والنسك: شاة.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد، قال: قال كعب بن عجرة، والذي نفسي بيده، لفي نـزلت هذه الآية، وإياي عنى بها، ثم ذكر نحوه، قال: وأمره أن يحلق رأسه.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة، أي ذلك فعلت أجزأك « . »

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن حميد بن قيس، عن مجاهد، [ عن ابن أبي ليلى ] ، عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لعله آذاك هوامك؟ - يعني القمل - قال: فقلت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عطاء بن عبد الله الخراساني أنه قال: أخبرني شيخ بسوق البرم بالكوفة، عن كعب بن عجرة أنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي، قد امتلأ رأسي ولحيتي قملا فأخذ بجبهتي، ثم قال: احلق هذا، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين ! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنه ليس عندي ما أنسك به.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن نافع، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة، قال كعب: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثم أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين; وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به.

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا روح، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب، قال: سمعت كعب بن عجرة يقول: أمرني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن أحلق وأفتدي بشاة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن الزبير بن عدي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: لقيت كعب بن عجرة في هذه السوق، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال: أحرمت فآذاني القمل. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاني وأنا أطبخ قدرا لأصحابي، فحك بأصبعه رأسي فانتثر منه القمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احلقه، وأطعم ستة مساكين.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريح، قال: أخبرني عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية عام حبسوا بها، وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له كعب بن عجرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتؤذيك هذه الهوام؟ قال: نعم. قال: فاحلق واجزز، ثم صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين. قال: قلت أسمى النبي صلى الله عليه وسلم مدين مدين؟ قال: نعم، كذلك بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك لكعب، ولم يسم النسك، قال: وأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كعبا بذلك بالحديبية قبل أن يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحلق والنحر، لا يدري عطاءكم بين الحلق والنحر.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الليث، عن ابن مسافر، عن ابن شهاب، عن فضالة بن محمد الأنصاري، أنه أخبره عمن لا يتهم من قومه: أن كعب بن عجرة أصابه أذى في رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدي محله، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام.

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبا يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: أيؤذيك دواب رأسك؟ قال: نعم، قال: فاحلقه وافتد إما بصوم ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين، أو نسك شاة « ففعل. »

قال أبو جعفر: وقد بينا قبل معنى « الفدية » ، وأنها بمعنى الجزاء والبدل.

قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام والطعام اللذين أوجبهما الله على من حلق شعره من المحرمين في حال مرضه أو من أذى برأسه.

فقال بعضهم: الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. واعتلوا بالأخبار التي ذكرناها قبل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: الصيام: ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، مثله.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما قالا في قوله: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قالا الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال في قوله: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا إلا أنه قال في إطعام المساكين: ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » إن صنع واحدا فعليه فدية، وإن صنع اثنين فعليه فديتان، وهو مخير أن يصنع أي الثلاثة شاء. أما الصيام فثلاثة أيام. وأما الصدقة فستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأما النسك فشاة فما فوقها. نـزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري كان أحصر فقمل رأسه، فحلقه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فمن كان مريضا أو اكتحل، أو ادهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه من قمل فحلق، ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة فرق بين ستة مساكين، أو نسك، والنسك: شاة.

حدثت عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق، ففدية من صيام أو صدقة، أو نسك. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة: إطعام ستة مساكين، بين كل مسكينين صاع. والنسك: شاة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، قال: يصوم صاحب الفدية مكان كل مدين يوما، قال: مدا لطعامه، ومدا لإدامه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة بإسناده مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل علي رضي الله عنه عن قول الله: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن حرب بن قيس مولى يحيى بن أبي طلحة أنه سمع محمد بن كعب، وهو يذكر الرجل الذي نـزل فيه: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه » ، قال: فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الصيام: فثلاثة أيام، وأما المساكين فستة، وأما النسك فشاة.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، شاة. فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله - حلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى- كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. والصيام: ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك: شاة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد قوله: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قالا الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة.

وقال آخرون: الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذى، أو تطيب لعلة من مرض، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحته وهو محرم - من الصوم: صيام عشرة أيام، ومن الصدقة: إطعام عشرة مساكين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبي عمران، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء. فالصيام: عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين، مكوكا من تمر، ومكوكا من بر، والنسك: شاة.

حدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا بشر بن عمرو، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » قال: إطعام عشرة مساكين.

وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب على محرم، أو صدقة جزاء من نقص دخل في إحرامه، أو فعل ما لم يكن له فعله بدلا من دم، على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي. وقالوا: جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده. قالوا: فكل صوم وجب مكان دم، فمثله.

قالوا: فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان. قالوا: فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره. فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق.

وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده. فإن لم تكن عنده قومت الشاة دراهم والدراهم طعاما، فتصدق به، وإلا صام لكل نصف صاع يوما.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » ، فأجابه بقوله: يحكم عليه إطعام، فإن كان عنده اشترى شاة، فإن لم تكن قومت الشاة دراهم فجعل مكانه طعاما فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. فقال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لما قال لي سعيد بن جبير: هذا ما أظرفه ! قال: قلت: هذا إبراهيم ! قال: ما أظرفه ! كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت « يجالسنا » ، انتفض منها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يحكم على الرجل في الصيد، فإن لم يجد جزاءه قوم طعاما، فإن لم يكن طعام صام مكان كل مدين يوما، وكذلك الفدية.

وقال آخرون: بل هو مخير بين الخلال الثلاث، يفتدي بأيها شاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن « أو » « أو » ، فهو بالخيار، مثل الجراب فيه الخيط الأبيض والأسود، فأيهما خرج أخذته.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن « أو » « أو » فصاحبه بالخيار، يأخذ الأولى فالأولى.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: كل ما كان في القرآن: « كذا، فمن لم يجد فكذا » ، فالأول فالأول. وكل ما كان في القرآن « أو كذا » « أو كذا » ، فهو فيه بالخيار.

حدثني نصير بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - وسئل عن قوله: « ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » فقال مجاهد: إذا قال الله تبارك وتعالى لشيء « أو » « أو » ، فإن شئت فخذ بالأول، وإن شئت فخذ بالآخر.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء وعمرو بن دينار- في قوله: « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك » - قالا له أيتهن شاء.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: كل شيء في القرآن « أو » « أو » ، فلصاحبه أن يختار أيّه شاء.

قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: كل شيء في القرآن « أو » « أو » ، فلصاحبه أن يأخذ بما شاء.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ليث عن عطاء ومجاهد أنهما قالا ما كان في القرآن « أو كذا » ، « أو كذا » ، فصاحبه بالخيار، أي ذلك شاء فعل.

حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا يزيد، عن سفيان، عن ليث ومجاهد، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن « أو » « أو » ، فهو مخير فيه، فإن كان « فمن » « فمن » ، فالأول فالأول.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا داود، عن عكرمة، قال: كل شيء في القرآن « أو » « أو » ، فليتخير أي الكفارات شاء، فإذا كان: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ، فالأول فالأول.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو النعمان عارم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال: حدثت عن عطاء، قال: كل شيء في القرآن « أو » « أو » فهو خيار.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه، ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع.

وللمفتدي الخيار بين أي ذلك شاء، لأن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها، بل جعل إليه فعل أي الثلاث شاء.

ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له: ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير - إذا كان موسرا- في أن يكفر بأي الكفارات الثلاث شاء؟ فإن قال: « لا » ، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال: « بلى‍ » ، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به. ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.

وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفارة للمتمتع قبل التمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم: وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز.

قيل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة الحلق قبل الحلق، وهدي المتعة قبل التمتع، ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك - فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق - فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

فإن اعتل في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأمة. قيل له: فرد الأخرى قياسا عليها، إذ كان فيها اختلاف.

وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى: من الصيام عشرة أيام، ومن الإطعام عشرة مساكين، فمخالفون نص الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقال لهم: أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإطعام أو الصيام، أتسوون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام، أم تفرقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سووا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية، وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية - من الإطعام والصيام . وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف.

وإن قالوا: بل نخالف بين ذلك، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام.

قيل: فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة، وإنما هو تارك عملا من الأعمال، وتركتم رد الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه، ومخير بين الكفارات الثلاث، نظير مصيب الصيد، الذي هو بإصابته إياه له متلف، ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك، لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرق من أصل أو نظير؟

فلن يقولوا في ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس عليه بالفساد شاهد؟

واختلف أهل العلم في الموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته.

فقال بعضهم: النسك والإطعام بمكة لا يجزئ بغيرها من البلدان.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يحيى بن طلحة، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: ما كان من دم أو صدقة فبمكة، وما سوى ذلك حيث شاء.

حدثني يحيى بن طلحة، حدثنا فضيل، عن ليث، عن طاوس، قال: كل شيء من الحج فبمكة، إلا الصوم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سألت عطاء عن النسك، قال: النسك بمكة لا بد.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: الصدقة والنسك في الفدية بمكة، والصيام حيث شئت.

حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا شبل، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى، والطعام بمكة.

وقال آخرون: النسك في الحلق والإطعام والصوم حيث شاء المفتدي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، قال: أخبرني أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان ومعه علي والحسين بن علي رضوان الله عليهم، فارتحل عثمان قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر قال: فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلنا له: أيها النائم ! فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي. قال: فحمله ابن جعفر حتى أتى به السقيا. قال: فأرسل إلى علي، فجاء ومعه أسماء بنت عميس. قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة. قال: فقال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ إلى رأسه. قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد بن عبد الله بن المسيب المخزومي أخبره أنه سمع أبا أسماء مولى عبد الله بن جعفر، يحدث: أنه خرج مع عبد الله بن جعفر يريد مكة مع عثمان، حتى إذا كنا بين السقيا والعرج اشتكى الحسين بن علي، فأصبح في مقيله الذي قال فيه بالأمس. قال أبو أسماء: فصحبته أنا وعبد الله بن جعفر، فإذا راحلة حسين قائمة وحسين مضطجع، فقال عبد الله بن جعفر: إن هذه لراحلة حسين. فلما دنا منه قال له: أيها النائم ! وهو يظن أنه نائم; فلما دنا منه وجده يشتكي، فحمله إلى السقيا، ثم كتب إلى علي فقدم إليه إلى السقيا فمرضه قريبا من أربعين ليلة. ثم إن عليا قيل له: هذا حسين يشير إلى رأسه، فدعا علي بجزور فنحرها، ثم حلق رأسه.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أقبل حسين بن علي مع عثمان حراما - حسبت أنه اشتكى بالسقيا فذكر ذلك لعلي: فجاء هو وأسماء بنت عميس، فمرضوه عشرين ليلة، فأشار حسين إلى رأسه، فحلقه ونحر عنه جزورا. قلت: فرجع به؟ قال: لا أدري.

قال أبو جعفر: وهذا الخبر يحتمل أن يكون ما ذكر فيه من نحر علي عن الحسين الناقة قبل حلقه رأسه، ثم حلقه رأسه بعد النحر- إن كان على ما رواه مجاهد عن يزيد ، كان على وجه الإحلال من الحسين من إحرامه للإحصار عن الحج بالمرض الذي أصابه - وإن كان على ما رواه يعقوب، عن هشيم: من نحر علي عنه الناقة بعد حلقه رأسه: أن يكون على وجه الافتداء من الحلق، وأن يكون كان يرى أن نسك الفدية يجزئ نحره دون مكة والحرم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الفدية حيث شئت.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن إبراهيم - في الفدية، في الصدقة والصوم والدم- : حيث شاء.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم أنه كان يقول، فذكر مثله.

وقال آخرون: ما كان من دم نسك فبمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء المفتدي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، وعبد الملك، وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.

قال أبو جعفر: وعلة من قال: « الدم والإطعام بمكة » ، القياس على هدي جزاء الصيد. وذلك أن الله شرط في هديه بلوغ الكعبة، فقال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة: 95 ] . قالوا: فكل هدي وجب من جزاء أو فدية في إحرام، فسبيله سبيل جزاء الصيد في وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله، لأنها واجبة لمن وجب عليه الهدي، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم، فحكمهما واحد.

وأما علة من زعم أن للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدق ويصوم أن الله لم يشترط على الحالق رأسه من أذى هديا، وإنما أوجب عليه نسكا أو إطعاما أو صياما، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم، وإذا دخل في عداد من يستحق ذلك الاسم كان مؤديا ما كلفه الله. لأن الله لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة، لشرط ذلك عليه، كما شرط في جزاء الصيد، وفي ترك اشتراط ذلك عليه، دليل واضح، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ.

وأما علة من قال: « النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء » ، فالنسك دم كدم الهدي، فسبيله سبيل هدي قاتل الصيد.

وأما الإطعام فلم يشترط الله فيه أن يصرف إلى أهل مسكنة مكان ، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة. فليس لأحد أن يدعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان، إذ لم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه؛ كما ليس لأحد أن يدعي أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم، إذ كان الله قد خص أن ذلك لمن به من أهل المسكنة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين، فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام، فيجزي عن المفتدي. وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يحب أن يكن مردودات الأحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها.

فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز رد حكمها على المفسرة قياسا.

ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنـزيل، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله.

وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد.

واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟

فقال بعضهم ليس للمفتدي أن يأكل منه، ولكن عليه أن يتصدق بجميعه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك، عن عطاء، قال: ثلاث لا يؤكل منهن: جزاء الصيد، وجزاء النسك، ونذر المساكين.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالم، عن عطاء قال: لا تأكل من فدية ولا من جزاء، ولا من نذر، وكل من المتعة، ومن الهدي والتطوع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن سالم، عن مجاهد، قال: جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها، ويأكل من التطوع والتمتع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عمرو، عن الحجاج، عن عطاء، قال: لا تأكل من جزاء، ولا من فدية، وتصدق به.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراما والكفارات كذلك.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا عبد الملك والحجاج وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: لا يؤكل من جزاء الصيد، ولا من النذر، ولا من الفدية، ويؤكل مما سوى ذلك.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: لا يؤكل من الفدية وقال مرة: من هدي الكفارة، ولا من جزاء الصيد.

وقال بعضهم: له أن يأكل منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، قال: من الفدية وجزاء الصيد والنذر.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، قال: الشاة بين ستة مساكين يأكل منه إن شاء، ويتصدق على ستة مساكين.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرني عبد الملك، قال: حدثني من سمع الحسن، يقول: كل من ذلك كله - يعني من جزاء الصيد والنذر والفدية.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا الأشعث عن الحسن : أنه كان لا يرى بأسا بالأكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.

قال أبو جعفر: وعلة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم، فدية من صيام أو صدقة أو نسك، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإطعام والنسك من أحد أمرين: إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره.

فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له .

أو يكون له وحده، وما وجب له فليس عليه. لأنه غير مفهوم في لغة أن يقال: « وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة » ، وإنما يجب له على غيره، فأما على نفسه فغير مفهوم وجوبه.

أو يكون وجب عليه له ولغيره، فنصيبه الذي وجب له من ذلك، غير جائز أن يكون عليه، لما وصفنا.

وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله.

قالوا: وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول.

وعلة من قال: « له أن يأكل من ذلك » ، أن الله أوجب على المفتدي نسكا، والنسك في معاني الأضاحي، وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحي من الأزواج الثمانية. قالوا: ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين. قالوا: فإذا ذبح فقد نسك، وفعل ما أمره الله، وله حينئذ الأكل منه، والصدقة منه بما شاء، وإطعام ما أحب منه من أحب، كما له ذلك في أضحيته.

قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه دون غيره، أو ذبحه والتصدق به. فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكا فقد أدى ما عليه، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينا منه شيئا، وذلك ما لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصدقة به. فإن كان ذلك عليه، فغير جائز له أكل ما عليه أن يتصدق به، كما لو لزمته زكاة في ماله، لم يكن له أن يأكل منها، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم. ففي إجماعهم - على أن ما ألزمه الله من ذلك فإنما ألزمه لغيره - دلالة واضحة على حكم ما اختلفوا فيه من غيره.

ومعنى « النسك » ، الذبح لله، في لغة العرب، يقال: « نسك فلان لله نسيكة » بمعنى: ذبح لله ذبيحة « ينسكها نسكا » ، كما:-

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: النسك: أن يذبح شاة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا أَمِنْتُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: فإذا برأتم من مرضكم الذي أحصركم عن حجكم أو عمرتكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: « فإذا أمنتم » فإذا برأتم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله: « فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج » يقول: فإذا أمنت حين تحصر، إذا أمنت من كسرك، ومن وجعك، فعليك أن تأتي البيت، فيكون لك متعة، فلا تحل حتى تأتي البيت.

وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنتم من خوفكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فإذا أمنتم » لتعلموا أن القوم كانوا خائفين يومئذ.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « فإذا أمنتم » قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.

قال أبو جعفر: وهذا القول أشبه بتأويل الآية. لأن « الأمن » هو خلاف « الخوف » ، لا خلاف « المرض » ، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد.

وإنما قلنا: إن معناه: الخوف من العدو، لأن هذه الآيات نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحديبية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتم أيها المؤمنون، فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتمتعتم بعمرتكم إلى حجكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة « التمتع » الذي عنى الله بهذه الآية.

فقال بعضهم: هو أن يحصره خوف العدو، وهو محرم بالحج، أو مرض، أو عائق من العلل، حتى يفوته الحج، فيقدم مكة، فيخرج من إحرامه بعمل عمرة، ثم يحل فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السنة المستقبلة، ثم يحج ويهدي، فيكون متمتعا بالإحلال من لدن يحل من إحرامه الأول إلى إحرامه الثاني من القابل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمران بن موسى البصري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا إسحاق بن سويد، قال: سمعت ابن الزبير وهو يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدو أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتى تذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة، فيتمتع بحله إلى العام القابل ثم يحج ويهدي هديا، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج.

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: المتعة لمن أحصر، قال: وقال ابن عباس: هي لمن أحصر ومن خليت سبيله.

حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج قال: قال عطاء: كان ابن الزبير يقول: إنما المتعة للمحصر وليست لمن خلي سبيله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإن أحصرتم في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم، ولم تقضوا عمرة تخرجون بها من إحرامكم بحجكم ولكن حللتم حين أحصرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج، ثم حللتم، فاستمتعتم بإحلالكم إلى حجكم فعليكم ما استيسر من الهدي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، قال: يبعث بما استيسر من الهدي، شاة. قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله وحلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك فَإِذَا أَمِنْتُمْ ، فإذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتى أتى البيت، حل من حجه بعمرة وكان عليه الحج من قابل. وإن هو رجع ولم يتم إلى البيت من وجهه ذلك، فإن عليه حجة وعمرة ودما لتأخيره العمرة. فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج، فإن عليه ما استيسر من الهدي، شاة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس في ذلك كله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حبسه حتى يبعث بهديه، فإذا بلغت محلها صار حلالا فإن أمن أو برأ ووصل إلى البيت فهي له عمرة، وأحل، وعليه الحج عاما قابلا. وإن هو لم يصل إلى البيت حتى يرجع إلى أهله، فعليه عمرة وحجة وهدي. قال قتادة: [ وهي ] والمتعة التي لا يتعاجم الناس فيها أن أصلها كان هكذا.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج » إلى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ، قال: هذا المحصر إذا أمن، فعليه المتعة في الحج وهدي المتمتع، فإن لم يجد فالصيام، فإن عجل العمرة قبل أشهر الحج، فعليه فيها هدي.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي: « فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج » فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج، فعليه الهدي.

وقال آخرون: عنى بذلك المحصر وغير المحصر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس كان يقول: المتعة لمن أحصر، ولمن خُلِّي سبيله. وكان ابن عباس يقول: أصابت هذه الآية المحصر ومن خليت سبيله.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فسخ حجه بعمرة، فجعله عمرة، واستمتع بعمرته إلى حجه، فعليه ما استيسر من الهدي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي » ، أما المتعة فالرجل يحرم بحجة، ثم يهدمها بعمرة. وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين حاجا، حتى إذا أتوا مكة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب منكم أن يحل فليحل، قالوا: فما لك يا رسول الله ! قال: أنا معي هدي.

وقال آخرون: بل ذلك : الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج، فإذا قضى عمرته أقام حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحج، فيحج من عامه ذلك، فيكون مستمتعا بإحلاله إلى إحرامه بالحج.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج » ، من يوم الفطر إلى يوم عرفة، فعليه ما استيسر من الهدي.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب عن نافع، قال: قدم ابن عمر مرة في شوال، فأقمنا حتى حججنا، فقال: إنكم قد استمتعتم إلى حجكم بعمرة، فمن وجد منكم أن يهدي فليهد، ومن لا فليصم ثلاثة أيام، وسبعة إذا رجع إلى أهله.

حدثنا ابن بشار، وعبد الحميد بن بيان قال ابن بشار: حدثنا، وقال عبد الحميد: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن نافع، أنه أخبره أنه خرج مع ابن عمر معتمرين في شوال، فأدركهما الحج وهما بمكة، فقال ابن عمر: من اعتمر معنا في شوال ثم حج، فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن عطاء في رجل اعتمر في غير أشهر الحج، فساق هديا تطوعا، فقدم مكة في أشهر الحج، قال: إن لم يكن يريد الحج، فلينحر هديه، ثم ليرجع إن شاء، فإن هو نحر الهدي وحل، ثم بدا له أن يقيم حتى يحج، فلينحر هديا آخر لتمتعه، فإن لم يجد فليصم.

حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، مثل ذلك.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب بأنه كان يقول: من اعتمر في شوال أو في ذي القعدة ثم أقام بمكة حتى يحج، فهو متمتع، عليه ما على المتمتع.

حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، عن عطاء مثل ذلك.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي » يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج، فما استيسر من الهدي.

حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع، قال: أخبرني ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: المتعة لخلق الله أجمعين، الرجل، والمرأة، والحر، والعبد، هي لكل إنسان اعتمر في أشهر الحج ثم أقام ولم يبرح حتى يحج، ساق هديا مقلدا أو لم يسق إنما سميت « المتعة » ، من أجل أنه اعتمر في شهور الحج، فتمتع بعمرة إلى الحج، ولم تسم « المتعة » من أجل أنه يحل بتمتع النساء.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها: فإن أحصرتم أيها المؤمنون في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فمن تمتع ممن حل من إحرامه بالحج - بسبب الإحصار، بعمرة اعتمرها لفوته الحج في السنة القابلة في أشهر الحج - إلى قضاء الحجة التي فاتته حين أحصر عنها ثم دخل في عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحج فعليه ما استيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متمتعا من أنشأ عمرة في أشهر الحج وقضاها ثم حل من عمرته وأقام حلالا حتى يحج من عامه غير أن الذي هو أولى بالذي ذكره الله في قوله: « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج » هو ما وصفنا، من أجل أن الله جل وعز أخبر عما على المحصر عن الحج والعمرة من الأحكام في إحصاره. فكان مما أخبر تعالى ذكره: أنه عليه - إذا أمن من إحصاره فتمتع بالعمرة إلى الحج - ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وكان معلوما بذلك أنه معني به اللازم له - عند أمنه من إحصاره - من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه في حجه الذي أحصر فيه، دون المتمتع الذي لم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فما استيسر من الهدي، فهديه جزاء لاستمتاعه بإحلاله من إحرامه الذي حل منه حين عاد لقضاء حجته التي أحصر فيها، وعمرته التي كانت لزمته بفوت حجته، فإن لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج في حجه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.

ثم اختلف أهل التأويل في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهن في الحج: أي في أيام الحج هن.

فقال بعضهم: هن ثلاثة أيام من أيام حجه، أي أيام شاء، بعد أن لا يتجاوز بآخرهن يوم عرفة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: حدثنا حميد بن الأسود، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي رضي الله عنه: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر في قوله: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صامها أيام منى.

حدثنا الحسين بن محمد الذارع، قال: حدثنا حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: المتمتع يصوم قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: آخرهن يوم عرفة.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سألت الحكم عن صوم ثلاثة أيام في الحج، قال: يصوم قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام » أنه قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا هُشيم، قال: حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي: صام يوما قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، وهارون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: يصوم المتمتع الثلاثة الأيام لمتعته في العشر إلى يوم عرفة.

قال: وسمعت مجاهدا وطاوسا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: صوم ثلاثة أيام للمتمتع، إذا لم يجد ما يهدي، يصوم في العشر إلى يوم عرفة متى صام أجزأه، فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يعقوب بن عطاء، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة فليصم.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن في قوله: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود عن عامر في هذه الآية: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج » آخرهن يوم عرفة من ذي الحجة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: كان يقال عرفة وما قبلها يومين من العشر.

حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: فآخرها يوم عرفة.

حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا فطر، عن عطاء: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: آخرها يوم عرفة.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: عرفة وما قبلها من العشر.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم، قالا « صيام ثلاثة أيام في الحج » ، في العشر، آخرهن عرفة.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سألت طاوسا عن صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: آخرهن يوم عرفة.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إلى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ، وهذا على المتمتع بالعمرة إذا لم يجد هديا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله.

حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا زياد بن المنذر، عن أبي جعفر: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: آخرها يوم عرفة.

وقال آخرون: بل آخرهن انقضاء يوم منى.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني يونس عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: يصوم المتمتع الذي يفوته الصيام أيام منى.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج، فليصم أيام التشريق فإنهن من الحج.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن محمد أن نافعا حدثه: أن عبد الله بن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحج فلم يكن معه هدي ولم يصم الثلاثة الأيام قبل أيام التشريق، فليصم أيام منى.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وعن سالم، عن عبد الله بن عمر أنهما قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصوم إلا لمن يجد هديا.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا هشام، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قيل النحر صام أيام التشريق، فإنها من أيام الحج.

وذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال:

حدثنا المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه في هذه الآية: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » قال: هي أيام التشريق.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن وبرة، عن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة . قال: وقال عبيد بن عمير: يصوم أيام التشريق.

قال أبو جعفر: وعلة من قال: « آخر الثلاثة الأيام التي أوجب الله صومهن في الحج على من لم يجد الهدي من المتمتعين - يوم عرفة » ، أن الله جل ثناؤه أوجب صومهن في الحج بقوله: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » . قالوا: وإذا انقضى يوم عرفة، فقد انقضى الحج، لأن يوم النحر يوم إحلال من الإحرام. قالوا: وقد أجمع الجميع أنه غير جائز له صوم يوم النحر . قالوا: فإن يكن إجماعهم على أن ذلك له غير جائز، من أجل أنه ليس من أيام الحج، فأيام التشريق بعده أحرى أن لا تكون من أيام الحج، لأن أيام الحج متى انقضت من سنة، فلن تعود إلى سنة أخرى بعدها. أو يكون إجماعهم على أن ذلك له غير جائز، من أجل أنه يوم عيد، فأيام التشريق التي بعده في معناه، لأنها أيام عيد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن صومهن، كما نهى عن صوم يوم النحر.

قالوا: وإذا كان يفوت صومهن بمضي يوم عرفة، لم يكن إلى صيامهن في الحج سبيل; لأن الله شرط صومهن في الحج، فلم يجز عنه إلا الهدي الذي فرضه الله عليه لمتعته.

وعلة من قال: « آخر الأيام الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه انقضاء آخر أيام منى » ، أن الله أوجب على المتمتع ما استيسر من الهدي، ثم الصيام إن لم يجد إلى الهدي سبيلا. قالوا: وإنما يجب عليه نحر هدي المتعة يوم النحر، ولو كان له واجدا قبل ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك فإنما رخص له في الصوم يوم يلزمه نحر الهدي فلا يجد إليه سبيلا. قالوا: والوقت الذي يلزمه فيه نحر الهدي يوم النحر والأيام التي بعده من أيام النحر، فأما قبل ذلك فلم يمكن نحره. قالوا: فإذا كان النحر لم يكن له لازما قبل ذلك، وإنما لزمه يوم النحر، فإنما لزمه الصوم يوم النحر، وذلك حين عدم الهدي فلم يجده، فوجب عليه الصوم. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فالصوم إنما يلزمه أوله في اليوم الذي يلي يوم النحر. وذلك أن النحر إنما كان لزمه من بعد طلوع الفجر. ومن ذلك الوقت إذا لم يجده، يكون له الصوم. قالوا: وإذا طلع فجر يوم لم يلزمه صومه قبل ذلك، إذا كان الصوم لا يكون في بعض نهار يوم في واجب، علم أن الواجب عليه الصوم من اليوم الذي يليه إلى انقضاء الأيام الثلاثة بعد يوم النحر من أيام التشريق.

قالوا: ولا معنى لقول القائل: إن أيام منى ليست من أيام الحج; لأنهن ينسك فيهن بالرمي والعكوف على عمل الحج، كما ينسك غير ذلك من أعمال الحج في الأيام قبلها. قالوا: هذا مع شهادة الخبر الذي:-

حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها.

لصحة ما قلنا في ذلك من القول وخطأ قول من خالف قولنا فيه.

حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكرٍ لله، إلا من كان عليه صوم من هدي.

واختلف أهل العلم في أول الوقت الذي يجب على المتمتع الابتداء في صوم الأيام الثلاثة التي قال الله عز وجل: « فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، والوقت الذي يجوز له فيه صومهن، وإن لم يكن واجبا عليه فيه صومهن.

فقال بعضهم: له أن يصومهن من أول أشهر الحج.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس: أنهما كانا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه. قال: وقال مجاهد: إذا لم يجد المتمتع ما يهدي، فإنه يصوم في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه. فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه.

حدثني أحمد بن المغيرة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: من صام يوما في شوال ويوما في ذي القعدة ويوما في ذي الحجة، أجزأه عنه من صوم التمتع.

3474حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، قال: إن شاء صام أول يوم من شوال.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قول الله جل وعز: « فصيام ثلاثة أيام في الحج » ، قال: إن شاء صامها في العشر، وإن شاء في ذي القعدة، وإن شاء في شوال.

وقال آخرون: يصومهن في عشر ذي الحجة دون غيرها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: يصوم الثلاثة الأيام للمتعة في العشر إلى يوم عرفة.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يعقوب أن عطاء بن أبي رباح كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة، فليصم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: ولا بأس أن يصوم المتمتع في العشر وهو حلال.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو شهاب، عن الحجاج، عن أبي جعفر، قال: لا يصام إلا في العشر.

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الربيع، عن عطاء أنه كان يقول في صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: في تسع من ذي الحجة أيها شئت، فمن صام قبل ذلك في شوال وفي ذي القعدة، فهو بمنـزلة من لم يصم.

وقال آخرون: له أن يصومهن قبل الإحرام بالحج.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: إذا خشي أن لا يدرك الصوم بمكة صام بالطريق يوما أو يومين.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: لا بأس أن تصوم الثلاثة الأيام في المتعة وأنت حلال.

وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهن إلا بعد ما يحرم بالحج.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يصومهن إلا وهو حرام.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يجزيه صوم ثلاثة أيام وهو متمتع إلا أن يحرم. وقال مجاهد: يجزيه إذا صام في ذي القعدة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي، من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه، إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله، أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة.

وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قبل، فإن صامهن قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزئ صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته. وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم « متمتع » بعمرته إلى حجه. وإنما يقال له قبل إحرامه « معتمر » ، حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة. فإذا دخل في الحج محرما به - بعد قضاء عمرته في أشهر الحج، ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالا حتى حج من عامه - سمي « متمتعا » . فإذا استحق اسم « متمتع » لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده.

فأما إن صامه قبل دخوله في الحج - وإن كان من نيته الحج- فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين، ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.

فإن ظن ظان أن صوم المعتمر- بعد إحلاله من عمرته، أو قبله، وقبل دخوله في الحج - مجزئ عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ. لأن الله جل ثناؤه جعل لليمين تحليلا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها، محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم، تكفيرا لما يظن أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه.

ومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟

فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم، أو في فعله، كفارة، فإن سوى بين جميع ذلك قاد قوله،

وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح، إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسأل: عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن قاد قوله في ذلك، خرج من قول جميع الأمة.

وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فمن لم يجد ما استيسر من الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره.

فإن قال لنا قائل: أو ما يجب عليه صوم السبعة الأيام بعد الأيام الثلاثة التي يصومهن في الحج إلا بعد رجوعه إلى مصره وأهله؟

قيل: بل قد أوجب الله عليه صوم الأيام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، ولكن الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخص لمن أوجب ذلك عليه، كما رخص للمسافر والمريض في شهر رمضان الإفطار وقضاء عدة ما أفطر من الأيام من أيام أخر. ولو تحمل المتمتع فصام الأيام السبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أو صامهن بمكة، كان مؤديا ما عليه من فرض الصوم في ذلك، وكان بمنـزلة الصائم شهر رمضان في سفره أو مرضه، مختارا للعسر على اليسر.

وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: « وسبعة إذا رجعتم » ، قال: هي رخصة إن شاء صامها في الطريق.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وسبعة إذا رجعتم » ، قال: هي رخصة إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء صامها بعد ما يرجع إلى أهله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور: « وسبعة إذا رجعتم » ، قال: إن شاء صامها في الطريق، وإنما هي رخصة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، قال: إن شئت صم السبعة في الطريق، وإن شئت إذا رجعت إلى أهلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن فطر، عن عطاء، قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحب إلي.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: « وسبعة إذا رجعتم » ، قال: إن شئت في الطريق، وإن شئت بعد ما تقدم إلى أهلك.

فإن قال: وما برهانك على أن معنى قوله: « وسبعة إذا رجعتم » إذا رجعتم إلى أهليكم وأمصاركم دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منى إلى مكة؟

قيل: إجماع جميع أهل العلم على أن معناه ما قلنا دون غيره.

* ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: « وسبعة إذا رجعتم » ، قال: إذا رجعت إلى أهلك.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: « وسبعة إذا رجعتم » إذا رجعتم إلى أمصاركم.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير: « وسبعة إذا رجعتم » قال: إلى أهلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « كاملة » .

فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة الأيام بعد ما يرجع إلى أهله عشرة كاملة من الهدي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن في قوله: « تلك عشرة كاملة » ، قال: كاملة من الهدي.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام على إحرامه، ولم يحل ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج.

وقال آخرون: معنى ذلك: الأمر، وإن كان مخرجه مخرج الخبر، وإنما عنى بقوله: « تلك عشرة كاملة » تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنه فرض عليكم صومها.

وقال آخرون: بل قوله: « كاملة » ، توكيد للكلام، كما يقول القائل: « سمعته بأذني، ورأيته بعيني » ، وكما قال: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل: 26 ] ولا يكون « الخر » إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام.

وقال آخرون: إنما قال: « تلك عشرة كاملة » ، وقد ذكر « سبعة » وثَلاثَةِ ، لأنه إنما أخبر أنها مجزئة، وليس يخبر عن عدتها، وقالوا: ألا ترى أن قوله: « كاملة » إنما هو وافية؟.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي [ بالصواب ] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله « ذلك » ، أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما:-

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، يعني المتعة أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أن هذا لأهل الأمصار ليكون عليهم أيسر من أن يحج أحدهم مرة ويعتمر أخرى، فتجمع حجته وعمرته في سنة واحدة.

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم.

فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، قال: قال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن عبد الكريم، عن مجاهد: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: أهل الحرم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: بلغنا عن ابن عباس في قوله: « حاضري المسجد الحرام » ، قال: هم أهل الحرم، والجماعة عليه.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، إنه لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل بعمرة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري: أن أهل مكة كانوا يغزون ويتجرون، فيقدمون في أشهر الحج ثم يحجون، ولا يكون عليهم الهدي ولا الصيام، أرخص لهم في ذلك، لقول الله عز وجل: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » .

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أهل الحرم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس، إلا لأهل مكة ممن لم يكن أهله من الحرم، وذلك قول الله عز وجل: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس. بالكلام

وقال آخرون: عنى بذلك أهل الحرم ومن كان منـزله دون المواقيت إلى مكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: من كان دون المواقيت.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك بإسناده مثله إلا أنه قال: ما كان دون المواقيت إلى مكة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله من دون المواقيت، فهو كأهل مكة لا يتمتع.

وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الحرم، ومن قرب منـزله منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: عرفة، ومر، وعرنة، وضجنان، والرجيع، ونخلتان.

حدثنا أحمد بن حازم الغفاري والمثنى قالا حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: عرفة ومر، وعرنة، وضجنان، والرجيع.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري في هذه الآية قال: اليوم واليومين.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، قال: سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء: أنه جعل أهل عرفة من أهل مكة في قوله: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » .

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » ، قال: أهل مكة وفج وذي طوي، وما يلي ذلك فهو من مكة.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري المسجد الحرام من هو حوله ممن بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر إليه الصلوات. لأن « حاضر الشيء » ، في كلام العرب، هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك وكان لا يستحق أن يسمى « غائبا » ، إلا من كان مسافرا شاخصا عن وطنه، وكان المسافر لا يكون مسافرا إلا بشخوصه عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصلاة، وكان من لم يكن كذلك لا يستحق اسم « غائب » عن وطنه ومنـزله كان كذلك من لم يكن من المسجد الحرام على ما تقصر إليه الصلاة، غير مستحق أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.

وإنما لم تكن المتعة لمن كان من حاضري المسجد الحرام، من أجل أن « التمتع » إنما هو الاستمتاع بالإحلال من الإحرام بالعمرة إلى الحج، مرتفقا في ترك العود إلى المنـزل والوطن بالمقام بالحرم حتى ينشئ منه الإحرام بالحج. وكان المعتمر متى قضى عمرته في أشهر الحج، ثم انصرف إلى وطنه، أو شخص عن الحرم إلى ما تقصر فيه الصلاة، ثم حج من عامه ذلك، بطل أن يكون مستمتعا. لأنه لم يستمتع بالمرفق الذي جعل للمستمتع، من ترك العود إلى الميقات، والرجوع إلى الوطن بالمقام في الحرم. وكان المكي من حاضري المسجد الحرام لا يرتفق بذلك، من أجل أنه متى قضى عمرته أقام في وطنه بالحرم، فهو غير مرتفق بشيء مما يرتفق به من لم يكن أهله من حاضري المسجد الحرام فيكون متمتعا بالإحلال من عمرته إلى حجه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 196 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل اسمه: « واتقوا الله » ، بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم. « واعلموا » : تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد عقابه لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وقت الحج أشهر معلومات.

« والأشهر » مرفوعات بـ « الحج » ، وإن كان له وقتا، لا صفة ونعتا، إذ لم تكن محصورات بتعريف، بإضافة إلى معرفة أو معهود، فصار الرفع فيهن كالرفع في قول العرب في نظير ذلك من المحل: « المسلمون جانب، والكفار جانب » ، برفع الجانب الذي لم يكن محصورا على حد معروف. ولو قيل: « جانب أرضهم، أو بلادهم » ، لكان النصب هو الكلام.

ثم اختلف أهل التأويل في قوله: « الحج أشهر معلومات » .

فقال بعضهم: يعني بـ « الأشهر المعلومات » : شوالا وذا القعدة، وعشرا من ذي الحجة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قوله: « الحج أشهر معلومات » قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان وشريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن مقسم عن ابن عباس، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « الحج أشهر معلومات » ، وهن: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: « الحج أشهر معلومات » ، قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن وأبو عامر قالا حدثنا سفيان وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن المغيرة، عن إبراهيم مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان وإسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، مثله.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي وأخبرنا يونس، عن الحسن وأخبرنا جويبر، عن الضحاك وأخبرنا حجاج، عن عطاء ومجاهد، مثله.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا حماد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة في « الحج أشهر معلومات » .

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: « الحج أشهر معلومات » قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك، قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا حسين بن عقيل الخراساني، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر مثله.

وقال آخرون: بل يعني بذلك شوالا وذا القعدة، وذا الحجة كله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قلت لنافع: أكان عبد الله يسمي أشهر الحج؟ قال: نعم، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت ابن عمر يسمي أشهر الحج؟ قال: نعم، كان يسمي شوالا وذا القعدة، وذا الحجة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: « الحج أشهر معلومات » ، قال عطاء: فهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « الحج أشهر معلومات » أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وربما قال: وعشر ذي الحجة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « الحج أشهر معلومات » قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما وجه قائلي هذه المقالة، وقد علمت أن عمل الحج لا يعمل بعد تقضي أيام منى؟

قيل: إن معنى ذلك غير الذي توهمته، وإنما عنوا بقيلهم: الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن أشهر الحج لا أشهر العمرة، وأن شهور العمرة سواهن من شهور السنة. ومما يدل على أن ذلك معناهم في قيلهم ذلك ما:-

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: أن تفصلوا بين أشهر الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته.

حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا شعبة، قال: ما لقيني - أيوب أو قال: ما لقيت أيوب - إلا سألني عن حديث قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قلت لعبد الله: امرأة منا قد حجت، أو هي تريد أن تحج، أفتجعل مع حجها عمرة؟ فقال: ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج. قال: فيقول لي أيوب ومن عنده: مثل هذا الحديث حدثك قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أنه سأل عبد الله ؟ !.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال: فقيل له: العمرة في المحرم؟ فقال: كانوا يرونها تامة.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن ابن عون، قال: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج، قال: كانوا لا يرونها تامة.

حدثنا ابن بيان الواسطي، قال: أخبرنا إسحاق عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين أنه كان يستحب العمرة في المحرم، قال: تكون في أشهر الحج ؟ قال: كانوا لا يرونها تامة.

حدثنا ابن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال ابن عمر للحكم بن الأعرج أو غيره: إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهل المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي يعقوب، قال: سمعت ابن عمر يقول: لأن أعتمر في عشر ذي الحجة أحب إلي من أن أعتمر في العشرين.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول: « الحج أشهر معلومات » ما أراها إلا أشهر الحج.

حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثنا حزام القطعي، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.

ونظائر ذلك مما يطول باستيعاب ذكره الكتاب، مما يدل على أن معنى قيل من قال: وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن من غير شهور العمرة، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن.

وأما الذين قالوا: تأويل ذلك: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، فإنهم قالوا: إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: « الحج أشهر معلومات » إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة. قالوا: فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في بعض شهور الحج، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله: « الحج أشهر معلومات » إنما هو ميقات الحج، شهران وبعض الثالث.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال: إن معنى ذلك: الحج شهران وعشر من الثالث; لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه، صح قول من قال: وعشر ذي الحجة.

فإن قال قائل: فكيف قيل: « الحج أشهر معلومات » وهو شهران وبعض الثالث؟

قيل: إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول: « له اليوم يومان منذ لم أره » ، وإنما تعني بذلك: يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة: 203 ] وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول: « زرته العام، وأتيته اليوم » ، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك، وفي ذلك الحين، فكذلك « الحج أشهر » ، والمراد منه: الحج شهران وبعض آخر.

فمعنى الآية إذا: ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث، وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « فمن فرض فيهن الحج » ، فمن أوجب الحج على نفسه وألزمها إياه فيهن - يعني: في الأشهر المعلومات التي بينها. وإيجابه إياه على نفسه، العزم على عمل جميع ما أوجب الله على الحاج عمله، وترك جميع ما أمره الله بتركه.

وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحج، بعد إجماع جميعهم، على أن معنى « الفرض » : الإيجاب والإلزام.

فقال بعضهم: فرض الحج الإهلال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا ورقاء، عن عبد الله المدني بن دينار، عن ابن عمر قوله: « فمن فرض فيهن الحج » قال: من أهل بحج.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن عطاء، قال: التلبية.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران وحدثنا علي، قال: حدثنا زيد جميعا، عن سفيان الثوري: « فمن فرض فيهن الحج » قال: فالفريضة الإحرام، والإحرام التلبية.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر- ، عن مجاهد: « فمن فرض فيهن الحج » قال: الفريضة: التلبية.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: « فمن فرض فيهن الحج » قال: أهل.

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الفرض التلبية، ويرجع إن شاء ما لم يحرم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فمن فرض فيهن الحج » قال: الفرض: الإهلال.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: « فمن فرض فيهن الحج » قال: التلبية.

حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم، قال: حدثنا أبو عمرو الضرير، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن جبر بن حبيب، قال: سألت القاسم بن محمد عن: « من فرض فيهن الحج » ، قال: إذا اغتسلت ولبست ثوبك ولبيت، فقد فرضت الحج.

وقال آخرون: فرض الحج إحرامه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فمن فرض فيهن الحج » يقول: من أحرم بحج أو عمرة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم قالوا جميعا: حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: « فمن فرض فيهن الحج » قال: فمن أحرم - واللفظ لحديث ابن بشار.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك والحسن بن صالح، عن ليث، عن عطاء، قال: الفرض: الإحرام.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن عطاء وبعض أشياخنا عن الحسن في قوله: « فمن فرض فيهن الحج » قالا فرض الحج الإحرام.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: « فمن فرض فيهن الحج » فهذا عند الإحرام.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الفرض الإحرام.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا حسين بن عقيل الخراساني، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، قال: أخبرنا المغيرة، عن إبراهيم: « فمن فرض فيهن الحج » قال: من أحرم.

قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني يحتمل أن يكون بمعنى ما قلنا من أن يكون الإحرام - كان عند قائله- الإيجاب بالعزم، ويحتمل أن يكون كان عنده بالعزم والتلبية، كما قال القائلون القول الأول.

وإنما قلنا: إن فرض الحج الإحرام، لإجماع الجميع على ذلك. وقلنا: إن الإحرام هو إيجاب الرجل ما يلزم المحرم أن يوجبه على نفسه، على ما وصفنا آنفا، لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد أمور ثلاثة:

إما أن يكون الرجل غير محرم إلا بالتلبية وفعل جميع ما يجب على الموجب الإحرام على نفسه فعله، فإن يكن ذلك كذلك، فقد يجب أن لا يكون محرما إلا بالتجرد للإحرام، وأن يكون من لم يكن له متجردا فغير محرم. وفي إجماع الجميع على أنه قد يكون محرما وإن لم يكن متجردا من ثيابه، بإيجابه الإحرام ما يدل على أنه قد يكون محرما وإن لم يلب، إذ كانت التلبية بعض مشاعر الإحرام، كما التجرد له بعض مشاعره. وفي إجماعهم على أنه قد يكون محرما بترك بعض مشاعر حجه، ما يدل على أن حكم غيره من مشاعره حكمه.

أو يكون - إذ فسد هذا القول - قد يكون محرما وإن لم يلب ولم يتجرد ولم يعزم العزم الذي وصفنا. وفي إجماع الجميع على أنه لا يكون محرما من لم يعزم على الإحرام ويوجبه على نفسه، إذا كان من أهل التكليف، ما ينبئ عن فساد هذا القول.

وإذ فسد هذان الوجهان فبينة صحة الوجه الثالث، وهو أن الرجل قد يكون محرما بإيجابه الإحرام بعزمه على سبيل ما بينا، وإن لم يظهر ذلك بالتجرد والتلبية وصنيع بعض ما عليه عمله من مناسكه. وإذا صح ذلك صح ما قلنا من أن فرض الحج، هو ما قرن إيجابه بالعزم، على نحو ما بينا قبل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا رَفَثَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « الرفث » في هذا الموضع،

فقال بعضهم: هو الإفحاش للمرأة في الكلام، وذلك بأن يقول: « إذا حللنا فعلت بك كذا وكذا » ، لا يكني عنه، وما أشبه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن حماد الدولابي ويونس قالا حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سألت ابن عباس عن الرفث في قول الله: « فلا رفث ولا فسوق » قال: هو التعريض بذكر الجماع، وهي « العرابة » من كلام العرب، وهو أدنى الرفث.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، عن ابن طاوس في قوله: « فلا رفث » قال: الرفث: العرابة والتعريض للنساء بالجماع.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عون، قال: حدثنا زياد بن حصين، قال: حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت له خليلا فلما كان بعدما أحرمنا قال ابن عباس، فأخذ بذنب بعيره، فجعل يلويه، وهو يرتجز ويقول:

وهـــن يمشــين بنــا هميســا إن تصــدق الطــير ننـك لميسـا

قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس أنه كان يحدو وهو محرم، ويقول:

وهـــن يمشــين بنــا هميســا إن تصــدق الطــير ننـك لميسـا

قال: قلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيحل للمحرم أن يقول لامرأته: « إذا حللت أصبتك » ؟ قال: لا ذاك الرفث. قال: وقال عطاء: الرفث ما دون الجماع.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثني محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قول الرجل لامرأته: « إذا حللت أصبتك » ، قال: ذاك الرفث !.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن زيادة بن حصين، عن أبي العالية، قال: كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم، وهو يرتجز ويقول:

وهـــن يمشــين بنــا هميســا إن تصــدق الطــير ننـك لميسـا

قال: قلت: أترفث يا ابن عباس وأنت محرم ؟ قال: إنما الرفث ما روجع به النساء.

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا سفيان ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير السبائي وعطاء: أنه سمع طاوسا قال: سمعت ابن الزبير يقول: لا يحل للمحرم الإعرابة . فذكرته لابن عباس، فقال: صدق! قلت لابن عباس: وما الإعراب ؟ قال: التعريض.

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس أنه كان يقول: لا يحل للمحرم الإعرابة. قال طاوس: والإعرابة: أن يقول وهو محرم: « إذا حللت أصبتك » .

حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا فطر، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، قال: لا يكون رفث إلا ما واجهت به النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عطاء قال: كانوا يكرهون الإعرابة - يعني التعريض بذكر الجماع - وهو محرم.

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس أنه سمع أباه أنه كان يقول: لا تحل الإعرابة. « والإعرابة » التعريض.

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: « فلا رفث » قال: الرفث الذي ذكر ههنا، ليس بالرفث الذي ذكر في: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [ البقرة: 187 ] ومن « الرفث » ، التعريض بذكر الجماع، وهي الإعرابة بكلام العرب.

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية: قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء: أنه كره التعريب للمحرم.

حدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن طاوس أن أباه كان يقول: الرفث: الإعرابة مما وراه من شأن النساء، والإعرابة: الإيضاح بالجماع.

حدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا الحسن بن مسلم أنه سمع طاوسا يقول: لا يحل للمحرم الإعرابة.

حدثني علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « فلا رفث » قال: الرفث: غشيان النساء والقبل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: كان ابن عمر يقول للحادي: لا تعرض بذكر النساء.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر وابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الرفث في « الصيام » : الجماع، والرفث في « الحج » الإعرابة. وكان يقول: الدخول والمسيس الجماع.

وقال آخرون: « الرفث » في هذا الموضع: الجماع نفسه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن خصيف، عن مقسم، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الرفث: إتيان النساء.

حدثنا عبد الحميد قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن الرفث، فقال: الجماع.

حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس قال: الرفث: هو الجماع، ولكن الله كريم يكني عما شاء.

حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية قال: سمعت ابن عباس يرتجز وهو محرم، يقول:

خرجــن يســرين بنــا هميســا إن تصــدق الطــير ننـك لميسـا

قال شريك: « إلا أنه لم يكن عن الجماع » - لميسا. فقلت: أليس هذا الرفث؟ قال: لا إنما الرفث: إتيان النساء والمجامعة.

حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن عون، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس بنحوه - إلا أن عونا صرح به.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن بكر، عن ابن عباس، قال: الرفث الجماع.

حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قوله: « فلا رفث » قال: الرفث إتيان النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: « فلا رفث » ، قال: الرفث: غشيان النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار: الرفث: الجماع فما دونه من شأن النساء.

حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار بنحوه.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء في قوله: « فلا رفث » قال: الرفث الجماع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد: « فلا رفث » ، قال: الرفث الجماع.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة في قوله: « فلا رفث » قال: كان قتادة يقول: الرفث: غشيان النساء.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: الرفث: المجامعة.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فلا رفث » فلا جماع.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « فلا رفث » قال: الرفث: الجماع.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فلا رفث » قال: جماع النساء.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: « فلا رفث » قال: الرفث: الجماع.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، عن الحجاج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: الرفث: الجماع.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الرفث الجماع.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة قال: الرفث: الجماع.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن حسين بن عقيل وحدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قالا أخبرنا حسين بن عقيل، عن الضحاك، قال: الرفث: الجماع.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، مثله - قال: وأخبرنا عبد الملك، عن عطاء، مثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قالا مثل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين - وأخبرنا مغيرة، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الرفث: النكاح.

حدثنا أحمد بن حازم قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثني ثوير، قال: سمعت ابن عمر يقول الرفث: الجماع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الرفث: غشيان النساء قال معمر: وقال مثل ذلك الزهري عن قتادة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الرفث: إتيان النساء، وقرأ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [ البقرة: 187 ]

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: « فلا رفث » قال: الرفث: الجماع.

حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن الله جل ثناؤه نهى - من فرض الحج في أشهر الحج- عن الرفث، فقال: « فمن فرض فيهن الحج فلا رفث » . و « الرفث » في كلام العرب: أصله الإفحاش في المنطق على ما قد بينا فيما مضى، ثم تستعمله في الكناية عن الجماع. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين في تأويله، وفي هذا النهي من الله عن بعض معاني « الرفث » أم عن جميع معانيه؟ - وجب أن يكون على جميع معانيه، إذ لم يأت خبر بخصوص « الرفث » الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني « الرفث » يجب التسليم له، إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلى تأويل باطن إلا بحجة ثابتة.

فإن قال قائل: إن حكمها من عموم ظاهرها إلى الباطن من تأويلها، منقول بإجماع. وذلك أن الجميع لا خلاف بينهم في أن « الرفث » عند غير النساء غير محظور على محرم، فكان معلوما بذلك أن الآية معني بها بعض « الرفث » دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن لا يحرم من معاني « الرفث » على المحرم شيء إلا ما أجمع على تحريمه عليه، أو قامت بتحريمه حجة يجب التسليم لها.

قيل: إن ما خص من الآية فأبيح، خارج من التحريم، والحظر ثابت لجميع ما لم تخصصه الحجة من معنى « الرفث » بالآية، كالذي كان عليه حكمه لو لم يخص منه شيء، لأن ما خص من ذلك وأخرج من عمومه إنما لزمنا إخراج حكمه من الحظر بأمر من لا يجوز خلاف أمره، فكان حكم ما شمله معنى الآية - بعد الذي خص منها- على الحكم الذي كان يلزم العباد فرضه بها لو لم يخصص منها شيء، لأن العلة فيما لم يخصص منها بعد الذي خص منها، نظير العلة فيه قبل أن يخص منها شيء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا فُسُوقَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « الفسوق » ، التي نهى الله عنها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي المعاصي كلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال الفسوق: المعاصي.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق المعاصي.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثني محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الفسوق: المعاصي كلها، قال الله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [ البقرة: 282 ]

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق المعاصي.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: الفسوق: المعصية.

حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا إسحاق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الفسوق: المعاصي كلها.

حدثني يعقوب قال: أخبرنا ابن عيينة، عن روح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق: المعاصي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: « ولا فسوق » قال: الفسوق المعاصي كلها.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد جميعا، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق المعاصي.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولا فسوق » قال: المعاصي.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: الفسوق المعاصي قال: وقال مجاهد مثل قول سعيد.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: الفسوق المعاصي.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق: عصيان الله.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: « ولا فسوق » قال: الفسوق المعاصي.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، عن الحجاج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: الفسوق المعاصي.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: « ولا فسوق » قال: المعاصي قال: وأخبرنا عبد الملك، عن عطاء مثله.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، مثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة قال: الفسوق معصية الله، لا صغير من معصية الله.

حدثني علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « ولا فسوق » قال: الفسوق: معاصي الله كلها.

حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الفسوق: المعاصي. وقال مثل ذلك الزهري وقتادة.

وقال آخرون: بل « الفسوق » في هذا الموضع: ما عصي الله به في الإحرام مما نهى عنه فيه، من قتل صيد، وأخذ شعر، وقلم ظفر، وما أشبه ذلك مما خص الله به الإحرام، وأمر بالتجنب منه في خلال الإحرام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الفسوق: ما أصيب من معاصي الله به، صيد أو غيره.

وقال آخرون: بل « الفسوق » في هذا الموضع: السباب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: الفسوق: السباب.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الفسوق: السباب.

حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا ثوير، قال: سمعت ابن عمر يقول: الفسوق: السباب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام عن عمرو، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد: « ولا فسوق » ، قال: الفسوق السباب.

حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: « ولا فسوق » ، قال: أما الفسوق: فهو السباب.

حدثني المثنى، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا خالد، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: الفسوق السباب.

حدثني المثنى، قال: حدثنا معلى، قال: حدثنا عبد العزيز، عن موسى بن عقبة، قال: سمعت عطاء بن يسار يحدث نحوه.

حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن قال: وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قالا الفسوق السباب.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: الفسوق: السباب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: « ولا فسوق » قال: الفسوق: السباب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور عن إبراهيم، مثله.

وقال آخرون: « الفسوق » : الذبح للأصنام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في « الفسوق » : الذبح للأنصاب، وقرأ: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام: 145 ] فقطع ذلك أيضا، قطع الذبح للأنصاب بالنبي صلى الله عليه وسلم، حين حج فعلم أمته المناسك.

وقال آخرون: « الفسوق » : التنابز بالألقاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا حسين بن عقيل، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر مثله.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرنا بتأويل الآية في ذلك، قول من قال: معنى قوله: « ولا فسوق » النهي عن معصية الله في إصابة الصيد، وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه.

وذلك أن الله جل ثناؤه قال: « فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق » ، يعني بذلك: فلا يرفث، ولا يفسق، أي لا يفعل ما نهاه الله عن فعله في حال إحرامه، ولا يخرج عن طاعة الله في إحرامه. وقد علمنا أن الله جل ثناؤه قد حرم معاصيه على كل أحد، محرما كان أو غير محرم، وكذلك حرم التنابز بالألقاب في حال الإحرام وغيرها بقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ [ الحجرات: 11 ] وحرم على المسلم سباب أخيه في كل حال، فرض الحج أو لم يفرضه.

فإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي نهى الله عنه العبد من الفسوق في حال إحرامه وفرضه الحج، هو ما لم يكن فسوقا في حال إحلاله وقبل إحرامه بحجه، كما أن « الرفث » الذي نهاه عنه في حال فرضه الحج، هو الذي كان له مطلقا قبل إحرامه. لأنه لا معنى لأن يقال فيما قد حرم الله على خلقه في كل الأحوال: « لا يفعلن أحدكم في حال الإحرام ما هو حرام عليه فعله في كل حال » . لأن خصوص حال الإحرام به لا وجه له، وقد عم به جميع الأحوال من الإحلال والإحرام.

فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذي نهى عنه المحرم من « الفسوق » فخص به حال إحرامه، وقيل له: « إذا فرضت الحج فلا تفعله » ، هو الذي كان له مطلقا قبل حال فرضه الحج، وذلك هو ما وصفنا وذكرنا أن الله جل ثناؤه خص بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه مما نهاه عنه: من الطيب، واللباس، والحلق، وقص الأظفار، وقتل الصيد، وسائر ما خص الله بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه.

فتأويل الآية إذا: فمن فرض الحج في أشهر الحج فأحرم فيهن، فلا يرفث عند النساء فيصرح لهن بجماعهن، ولا يجامعهن، ولا يفسق بإتيان ما نهاه الله في حال إحرامه بحجه، من قتل صيد، وأخذ شعر، وقلم ظفر، وغير ذلك مما حرم الله عليه فعله وهو محرم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: النهي عن أن يجادل المحرم أحدا.

ثم اختلف قائلو هذا القول.

فقال بعضهم: نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: « ولا جدال في الحج » ، قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن « الجدال » ، فقال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عيينة، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، قال: الجدال: أن يماري الرجل أخاه حتى يغضبه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: « ولا جدال في الحج » قال: أن تمحن صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عمرو، عن شعيب بن خالد، عن سلمة بن كهيل، قال: سألت مجاهدا عن قوله: « ولا جدال في الحج » ، قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: الجدال هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن الحسن، قال: الجدال: المراء.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: الجدال: أن تصخب [ على ] صاحبك.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: « ولا جدال في الحج » قال: المراء.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق وحدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم قالا حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك قال: الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا واقد الخلقاني، عن عطاء، قال: أما الجدال: فتماري صاحبك حتى تغضبه.

حُدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: الجدال: المراء، أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثني المثنى، قال: حدثنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا خالد، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: الجدال المراء.

حدثني المثنى، قال: حدثنا المعلى، قال: حدثنا عبد العزيز، عن موسى بن عقبة، قال: سمعت عطاء بن يسار يحدث نحوه.

حدثني ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن أبي جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم بمثله.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، عن الحجاج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: الجدال: أن يماري بعضهم بعضا حتى يغضبوا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة: « ولا جدال » الجدال الغضب، أن تغضب عليك مسلما، إلا أن تستعتب مملوكا فتعظه من غير أن تغضبه، ولا إثم عليك إن شاء الله تعالى في ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: الجدال: أن تماري صاحبك حتى يغضبك أو تغضبه.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة قالا الجدال هو الصخب والمراء وأنت محرم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الجدال ما أغضب صاحبك من الجدل.

حدثني علي، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « ولا جدال في الحج » ، قال: الجدال: المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن مقسم عن ابن عباس، قال: الجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الجدال: المراء.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة قالا هو الصخب والمراء وأنت محرم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: « ولا جدال في الحج » ، كانوا يكرهون الجدال.

وقال آخرون منهم: « الجدال » في هذا الموضع، معناه: السباب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب والمراء والخصومات.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال: السباب والمنازعة.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الجدال: السباب.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد وحدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية جميعا، عن سعيد، عن قتادة، قال: الجدال: السباب.

وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك خاصا من الجدال والمراء، وإنما عنى الاختلاف فيمن هو أتم حجا من الحجاج.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: « الجدال » ، كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: « حجنا أتم من حجكم! » ، وقال هؤلاء: « حجنا أتم من حجكم! » .

وقال آخرون منهم: بل ذلك اختلاف كان يكون بينهم في اليوم الذي فيه الحج، فنهوا عن ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن جبر بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: « الحج اليوم! » ، ويقول بعضهم: « الحج غدا! » .

وقال آخرون: بل اختلافهم ذلك في أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « ولا جدال في الحج » ، قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم. فقطعه الله حين أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بمناسكهم.

وقال آخرون: بل قوله جل ثناؤه: « ولا جدال في الحج » ، خبر من الله تعالى عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدمه ولا يتأخره، وبطول فعل النسيء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد في قوله: « ولا جدال في الحج » ، قال: قد استقام الحج ولا جدال فيه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد « ولا جدال في الحج » ، قال: لا شهر ينسأ، ولا شك في الحج، قد بين. كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون: « صفران » لصفر وشهر ربيع الأول، ثم يقولون: « شهرا ربيع » لشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم يقولون: « جماديان » لجمادى الآخرة ولرجب، ثم يقولون لشعبان: « رجب » ، ثم يقولون لرمضان: « شعبان » ، ثم يقولون لشوال: « رمضان » ، ويقولون لذي القعدة: « شوال » ، ثم يقولون لذي الحجة: « ذا القعدة » ، ثم يقولون للمحرم: « ذا الحجة » ، فيحجون في المحرم. ثم يأتنفون فيحسبون على ذلك عدة مستقبلة على وجه ما ابتدءوا، فيقولون: « المحرم وصفر وشهرا ربيع » ، فيحجون في المحرم ليحجوا في كل سنة مرتين، فيسقطون شهرا آخر، فيعدون على العدة الأولى، فيقولون: « صفران، وشهرا ربيع » نحو عدتهم في أول ما أسقطوا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: صاحب النسيء الذي ينسأ لهم أبو ثمامة رجل من بني كنانة.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا ابن إسحاق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولا جدال في الحج » قال: لا شبهة في الحج، قد بين الله أمر الحج.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي « ولا جدال في الحج » ، قال: قد استقام أمر الحج فلا تجادلوا فيه.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولا جدال في الحج » قال: لا شهر ينسأ، ولا شك في الحج قد بين.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد: « ولا جدال في الحج » ، قال: قد علم وقت الحج، فلا جدال فيه ولا شك.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز والعلاء، عن مجاهد، قال: هو شهر معلوم لا تنازع فيه.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن مجاهد: « ولا جدال في الحج » ، قال: لا شك في الحج.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: « ولا جدال في الحج » قال: المراء بالحج.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، « ولا جدال في الحج » ، فقد تبين الحج. قال: كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، وفي المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين. وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، ثم وافقت حجة أبي بكر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض » .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: « ولا جدال في الحج » قال: بين الله أمر الحج ومعالمه فليس فيه كلام.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في قوله: « ولا جدال في الحج » بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: قد بطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه.

وإنما اخترنا هذا التأويل في ذلك، ورأيناه أولى بالصواب مما خالفه، لما قد قدمنا من البيان آنفا في تأويل قوله: وَلا فُسُوقَ ، أنه غير جائز أن يكون الذي خص بالنهي عنه في تلك الحال [ إلا ما هو ] مطلق مباح في الحال التي يخالفها، وهي حال الإحلال. وذلك أن حكم ما خص به من ذلك حكم حال الإحرام، إن كان سواء فيه حال الإحرام وحال الإحلال، فلا وجه لخصوصه به حالا دون حال، وقد عم به جميع الأحوال. وإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقول القائل في تأويل قوله: « ولا جدال في الحج » ، أن تأويله: لا تمار صاحبك حتى تغضبه، إلا أحد معنيين:

إما أن يكون أراد: لا تماره بباطل حتى تغضبه، فذلك ما لا وجه له. لأن الله عز وجل، قد نهى عن المراء بالباطل في كل حال، محرما كان المماري أو محلا فلا وجه لخصوص حال الإحرام بالنهي عنه، لاستواء حال الإحرام والإحلال في نهي الله عنه.

أو يكون أراد: لا تماره بالحق، وذلك أيضا ما لا وجه له. لأن المحرم لو رأى رجلا يروم فاحشة، كان الواجب عليه مراءه في دفعه عنها، أو رآه يحاول ظلمه والذهاب منه بحق له قد غصبه عليه، كان عليه مراؤه فيه وجداله حتى يتخلصه منه. والجدال والمراء لا يكون بين الناس إلا من أحد وجهين: إما من قبل ظلم، وإما من قبل حق، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال، فأي وجوهه التي خص بالنهي عنه حال الإحرام؟ وكذلك لا وجه لقول من تأوَّل ذلك أنه بمعنى السباب، لأن الله تعالى ذكره قد نهى المؤمنين بعضهم عن سباب بعض على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام في كل حال، فقال صلى الله عليه وسلم:

« سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر » .

فإذا كان المسلم عن سب المسلم منهيا في كل حال من أحواله، محرما كان أو غير محرم، فلا وجه لأن يقال: لا تسبه قي حال الإحرام إذا أحرمت وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر الذي:-

حدثنا به محمد بن المثنى، قال: حدثني وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن سيار، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج مثل يوم ولدته أمه » .

حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، عن سيار، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

حدثنا أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سيار، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل حديث ابن المثنى، عن وهب بن جرير.

حدثني ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريره، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله أيضا.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني منصور، قال: سمعت أبا حازم يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كما ولدته أمه » .

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن سفيان، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله - إلا أنه قال: رجع كما ولدته أمه.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن سيار، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، إلا أنه قال: « رجع إلى أهله مثل يوم ولدته أمه » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر نحوه - إلا أنه قال: رجع إلى أهله مثل يوم ولدته أمه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حج هذا البيت - يعني الكعبة- فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه.

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: حدثنا هشيم بن بشير، عن سيار، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كهيئة يوم ولدته أمه.

دلالة واضحة على أن قوله: « ولا جدال في الحج » بمعنى النفي عن الحج بأن يكون في وقته جدال ومراء دون النهي عن جدال الناس بينهم فيما يعنيهم من الأمور أو لا يعنيهم.

وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من حج فلم يرفث ولم يفسق، استحق من الله الكرامة ما وصف أنه استحقه بحجه، تاركا للرفث والفسوق اللذين نهى الله الحاج عنهما في حجه، من غير أن يضم إليهما الجدال. فلو كان الجدال الذي ذكره الله في قوله: « ولا جدال في الحج » مما نهاه الله عنه بهذه الآية - على نحو الذي تأول ذلك من تأوله: من أنه المراء والخصومات أو السباب وما أشبه ذلك - لما كان صلى الله عليه وسلم ليخص باستحقاق الكرامة التي ذكر أنه يستحقها الحاج الذي وصف أمره، باجتناب خلتين مما نهاه الله عنه في حجه دون الثالثة التي هي مقرونة بهما.

ولكن لما كان معنى الثالثة مخالفا معنى صاحبتيها في أنها خبر على المعنى الذي وصفنا، وأن الأخريين بمعنى النهي الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مجتنبهما في حجه مستوجب ما وصف من إكرام الله إياه مما أخبر أنه مكرمه به - إذ كانتا بمعنى النهي- وكان المنتهي عنهما لله مطيعا بانتهائه عنهما ترك ذكر الثالثة، إذ لم تكن في معناهما، وكانت مخالفة سبيلها سبيلهما.

فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالقراءة من القراءات المخالفة بين إعراب « الجدال » وإعراب « الرفث والفسوق » ، ليعلم سامع ذلك - إذا كان من أهل الفهم باللغات- أن الذي من أجله خولف بين إعرابيهما اختلاف معنييهما.

وإن كان صوابا قراءة جميع ذلك باتفاق إعرابه على اختلاف معانيه، إذ كانت العرب قد تتبع بعض الكلام بعضا بإعراب، مع اختلاف المعاني، وخاصة في هذا النوع من الكلام.

فأعجب القراءات إلي في ذلك - إذ كان الأمر على ما وصفت - قراءة من قرأ: « فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج » ، برفع « الرفث والفسوق » وتنوينهما، وفتح « الجدال » بغير تنوين. وذلك هو قراءة جماعة البصريين، وكثير من أهل مكة، منهم عبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء.

وأما قول من قال: معناه : النهي عن اختلاف المختلفين في أتمهم حجا، والقائلين:، معناه النهي عن قول القائل: « غدا الحج » مخالفا به قول الآخر: « اليوم الحج » ، فقول في حكايته الكفاية عن الاستشهاد على وهائه وضعفه، وذلك أنه قول لا تدرك صحته إلا بخبر مستفيض أوخبر صادق يوجب العلم أن ذلك كان كذلك، فنـزلت الآية بالنهي عنه؛ أو أن معنى ذلك في بعض معاني الجدال دون بعض، ولا خبر بذلك بالصفة التي وصفنا.

وأما دلالتنا على قول ما قلنا من أنه نفي من الله جل وعز عن شهور الحج، فالاختلاف الذي كانت الجاهلية تختلف فيها بينها قبل كما وصفنا.

وأما دلالتنا على أن الجاهلية كانت تفعل ذلك، فالخبر المستفيض في أهل الأخبار أن الجاهلية كانت تفعل ذلك، مع دلالة قول الله تقدس اسمه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا [ التوبة: 37 ]

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: افعلوا أيها المؤمنون ما أمرتكم به في حجكم، من إتمام مناسككم فيه، وأداء فرضكم الواجب عليكم في إحرامكم، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من الرفث والفسوق في حجكم، لتستوجبوا به الثواب الجزيل، فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي، فأنا به عالم، ولجميعه محص، حتى أوفيكم أجره، وأجازيكم عليه، فإني لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم، لأني مطلع على سرائركم، وعالم بضمائر نفوسكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى

قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد واستأنف غيره من الأزودة، فأمر الله جل ثناؤه من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يحتفظ بزاده فلا يرمي به.

* ذكر الأخبار التي رويت في ذلك:

حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثنا محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنـزل الله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق.

حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كانوا يحجون ولا يتزودون، فنـزلت: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى »

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير في قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: الكعك والزيت.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: هو الكعك والسويق.

وحدثنا عمرو، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: كان أناس يحجون، ولا يتزودون، فأنـزل الله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

حدثنا عمرو، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عبد الملك بن عطاء، كوفي لنا

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الملك، عن الشعبي في قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » قال: التمر والسويق.

حدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا حنظلة، قال: سئل سالم عن زاد الحاج، فقال: الخبز واللحم والتمر. قال عمرو: وسمعت أبا عاصم مرة يقول: حدثنا حنظلة سئل سالم عن زاد الحاج، فقال الخبز والتمر.

حدثنا عمرو، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: كان ناس من الأعراب يحجون بغير زاد، ويقولون: « نتوكل على الله ! » ، فأنـزل الله جل ثناؤه: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: كان الحاج منهم لا يتزود، فأنـزل الله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

حدثنا عمرو، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن ذر وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن ذر عن مجاهد قال: كانوا يسافرون ولا يتزودون، فنـزلت: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » |. وقال الحسن بن يحيى في حديثه: كانوا يحجون ولا يتزودون.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي، عن عمر بن ذر، عن مجاهد نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدا يحدث فذكر نحوه.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان أهل الآفاق يخرجون إلى الحج يتوصلون بالناس بغير زاد، يقولون: « نحن متكلون » . فأنـزل الله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « وتزودوا » ، قال: كان أهل الآفاق يخرجون إلى الحج، يتوصلون بالناس بغير زاد، فأمروا أن يتزودوا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كان أهل اليمن يتوصلون بالناس، فأمروا أن يتزودوا ولا يستمتعوا. قال: وخير الزاد التقوى.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كانوا لا يتزودون، فأمروا بالزاد، وخير الزاد التقوى.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، فكان الحسن يقول: إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ويسافرون، ولا يتزودون، فأمرهم الله بالنفقة والزاد في سبيل الله، ثم أنبأهم أن خير الزاد التقوى.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة في قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: قال قتادة: كان ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون - ثم ذكر نحو حديث بشر عن يزيد.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كان ناس من أهل اليمن يخرجون بغير زاد إلى مكة، فأمرهم الله أن يتزودوا، وأخبرهم أن خير الزاد التقوى.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: « نحج بيت الله ولا يطعمنا! » . فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، فكان ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، فأمرهم الله أن يتزودوا، وأنبأ أن خير الزاد التقوى.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير: « وتزودوا » قال: السويق والدقيق والكعك.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: الخشكانج والسويق.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن عبد الملك بن عطاء البكائي، قال: سمعت الشعبي يقول في قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: هو الطعام، وكان يومئذ الطعام قليلا. قال: قلت: وما الطعام؟ قال: التمر والسويق.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، وخير زاد الدنيا المنفعة من اللباس والطعام والشراب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كان الناس يتزودون إلى عقبة، فإذا انتهوا إلى تلك العقبة توكلوا ولم يتزودوا.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي، قال: قال سفيان في قوله: « وتزودوا » ، قال: أمروا بالسويق والكعك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرني أبي أنه سمع عكرمة يقول في قوله: « وتزودوا » ، قال: هو السويق والدقيق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » ، قال: كانت قبائل من العرب يحرمون الزاد إذا خرجوا حجاجا وعمارا لأن يتضيفوا الناس، فقال الله تبارك تعالى لهم: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: كان الناس يقدمون مكة بغير زاد، فأنـزل الله: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى » .

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا: فمن فرض في أشهر الحج الحج فأحرم فيهن، فلا يرفثن ولا يفسقن. فإن أمر الحج قد استقام لكم، وعرفكم ربكم ميقاته وحدوده، فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من أمر حجكم ومناسككم، فإنكم مهما تفعلوا من خير أمركم به أو ندبكم إليه، يعلمه. وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم، فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزود لأنفسكم ومسألتكم الناس ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم لحجكم وفعل ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن الضحاك بن مزاحم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « فإن خير الزاد التقوى » ، قال: والتقوى عمل بطاعة الله.

وقد بينا معنى « التقوى » فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ( 197 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتقون يا أهل العقول والأفهام بأداء فرائضي عليكم التي أوجبتها عليكم في حجكم ومناسككم وغير ذلك من ديني الذي شرعته لكم وخافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم، تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي.

وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم هم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم منها أضل سبيلا.

و « الألباب » : جمع « لب » ، وهو العقل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: ليس عليكم أيها المؤمنون جناح.

و « الجناح » ، الحرج، كما:-

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، وهو لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده.

وقوله: « أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، يعني: أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم.

يقال منه: ابتغيت فضلا من الله - ومن فضل الله- أبتغيه ابتغاء « ، إذا طلبته والتمسته، » وبغيته أبغيه بغيا « ، كما قال عبد بني الحسحاس: »

بغــاك, ومـا تبغيـه حـتى وجدتـه كــأنك قــد واعدتـه أمس موعـدا

يعني طلبك والتمسك.

وقيل: إن معنى « ابتغاء الفضل من الله » ، التماس رزق الله بالتجارة، وأن هذه الآية نـزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا يلتمسون البر بذلك، فأعلمهم جل ثناؤه أن لا بر في ذلك، وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء.

ذكر من قال ذلك:

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: كانوا يحجون ولا يتجرون، فأنـزل الله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: في الموسم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدا يحدث قال: كان ناس لا يتجرون أيام الحج، فنـزلت فيهم « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة في قوله تبارك وتعالى: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: إذا كنتم محرمين، أن تبيعوا وتشتروا.

حدثنا طليق بن محمد الواسطي، قال: أخبرنا أسباط، قال: أخبرنا الحسن ابن عمرو، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكرى، فهل لنا حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ فقلنا: بلى! قال: جاء رجل إلى النبي: صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له، حتى نـزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم حجاج.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: كانت تقرأ هذه الآية: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور بن المعتمر في قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: هو التجارة في البيع والشراء، والاشتراء لا بأس به.

حدثت عن أبي هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ وذو المجاز، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى أنـزل الله جل ثناؤه: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر - وسئل عن الرجل يحج ومعه تجارة - فقرأ ابن عمر: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يتجرون في أيام الحج، فنـزلت: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قرأ: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » ، هكذا قرأها ابن عباس.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا ليث، عن مجاهد في قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: التجارة في الدنيا، والأجر في الآخرة.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: التجارة، أحلت لهم في المواسم. قال: فكانوا لا يبيعون، أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا ضالة ليلة النفر، وكانوا يسمونها « ليلة الصدر » ، ولا يطلبون فيها تجارة ولا بيعا، فأحل الله عز وجل ذلك كله للمؤمنين، أن يعرجوا على حوائجهم ويبتغوا من فضل ربهم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن الزبير يقرأ: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نـزلت: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا أحمد بن حازم والمثنى، قالا حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: كان بعض الحاج يسمون « الداج » ، فكانوا ينـزلون في الشق الأيسر من منى، وكان الحاج ينـزلون عند مسجد منى، فكانوا لا يتجرون، حتى نـزلت: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، فحجوا.

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، عن مجاهد قال: كان ناس يحجون ولا يتجرون، حتى نـزلت: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، فرخص لهم في المتجر والركوب والزاد.

حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي، قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، هي التجارة. قال: اتجروا في الموسم.

حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: كان الناس إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم، فأحله الله لهم.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة أيام الموسم، يقولون: « أيام ذكر! » فأنـزل الله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، فحجوا.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » .

حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، قال: لا بأس بالتجارة في الحج، ثم قرأ: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » ، قال: كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا على ضالة ولا ينتظرون لحاجة، وكانوا يسمونها « ليلة الصدر » ، ولا يطلبون فيها تجارة . فأحل الله ذلك كله، أن يعرجوا على حاجتهم، وأن يطلبوا فضلا من ربهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مندل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر، قال: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تيم الله، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا قوم نكرى فيزعمون أنه ليس لنا حج ! قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى! قال: فأنت حاج! جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه، فنـزلت هذه الآية: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا بتجارة، ولم يعرجوا على كسير، ولا على ضالة، فأحل الله ذلك، فقال: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » إلى آخر الآية.

حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها. فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج. »

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فإذا أفضتم » ، فإذا رجعتم من حيث بدأتم.

ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: « مفيض » ، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين. ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي:

فقلــت لهــا ردي إليــه جنانـه فــردت كمــا رد المنيـح مفيـض

ثم اختلف أهل العربية في « عرفات » ، والعلة التي من أجلها صُرفت وهي معرفة، وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع؟

فقال بعض نحويي البصريين: هي اسم كان لجماعة مثل « مسلمات، ومؤمنات » ، سميت به بقعة واحدة، فصرف لما سميت به البقعة الواحدة، إذ كان مصروفا قبل أن تسمى به البقعة، تركا منهم له على أصله. لأن « التاء » فيه صارت بمنـزلة « الياء والواو » في « مسلمين ومسلمون » ، لأنه تذكيره، وصار التنوين بمنـزلة « النون » . فلما سمي به ترك على حاله، كما يترك « المسلمون » إذا سمي به على حاله. قال: ومن العرب من لا يصرفه إذا سمي به، ويشبه « التاء » بهاء التأنيث، وذلك قبيح ضعيف، واستشهدوا بقول الشاعر:

تنورتهــا مــن أذرعـات وأهلهـا بيـثرب أدنـى دارهـا نظـر عـالي

ومنهم من لا ينون « أدرعات » وكذلك: « عانات » ، وهو مكان.

وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما انصرفت « عرفات » ، لأنهن على جماع مؤنث « بالتاء » . قال: وكذلك ما كان من جماع مؤنث « بالتاء » ، ثم سميت به رجلا أو مكانا أو أرضا أو امرأة، انصرفت. قال: ولا تكاد العرب تسمي شيئا من الجماع إلا جماعا، ثم تجعله بعد ذلك واحدا.

وقال آخرون منهم: ليست « عرفات » حكاية، ولا هي اسم منقول، ولكن الموضع مسمى هو وجوانبه « بعرفات » ، ثم سميت بها البقعة. اسم للموضع، ولا ينفرد واحدها. قال: وإنما يجوز هذا في الأماكن والمواضع، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأشياء. قال: ولذلك نصبت العرب « التاء » في ذلك، لأنه موضع. ولو كان محكيا، لم يكن ذلك فيه جائزا، لأن من سمى رجلا « مسلمات » أو « مسلمين » لم ينقله في الإعراب عما كان عليه في الأصل، فلذلك خالف: « عانات، وأذرعات » ، ما سمي به من الأسماء على جهة الحكاية.

قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لعرفات « عرفات » . فقال بعضهم: قيل لها ذلك من أجل أن إبراهيم خليل الله صلوات الله عليه لما رآها عرفها بنعتها الذي كان لها عنده، فقال: قد عرفت، فسميت عرفات بذلك. وهذا القول من قائله يدل على أن عرفات اسم للبقعة، وإنما سميت بذلك لنفسها وما حولها، كما يقال: ثوب أخلاق، وأرض سباسب، فتجمع بما حولها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج، فأجابوه بالتلبية، وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها فخرج، فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية، فصده أيضا، فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي: « ذا المجاز » . ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال: « قد عرفت! » فسمي: « عرفات » . فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، فسميت: « المزدلفة » ، فوقف بجمع.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان التيمي، عن نعيم بن أبي هند، قال: لما وقف جبريل بإبراهيم عليهما السلام بعرفات، قال: « عرفت! » ، فسميت عرفات لذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بعث الله جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قال: « قد عرفت! » ، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، ولذلك سميت « عرفة » .

وقال آخرون: بل سميت بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع بن مسلم القرشي، عن أبي طهفة، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إنما سميت عرفات، لأن جبريل عليه السلام، كان يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا، هذا موضع كذا، فيقول: « قد عرفت! » ، فلذلك سميت « عرفات » .

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة أن جبريل كان يري إبراهيم عليهما السلام المناسك، فيقول: « عرفت، عرفت! » فسمي « عرفات » .

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: أصل الجبل الذي يلي عرنة وما وراءه موقف، حتى يأتي الجبل جبل عرفة.

وقال ابن أبي نجيح: عرفات: « النبعة » و « النبيعة » و « ذات النابت » ، وذلك قول الله: « فإذا أفضتم من عرفات » ، وهو الشعب الأوسط.

وقال زكريا: ما سال من الجبل الذي يقف عليه الإمام إلى عرفة، فهو من عرفة، وما دبر ذلك الجبل فليس من عرفة.

وهذا القول يدل على أنها سميت بذلك نظير ما يسمى الواحد باسم الجماعة المختلفة الأشخاص.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي أن يقال: هو اسم لواحد سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلا. وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم فكررتم راجعين من عرفة، إلى حيث بدأتم الشخوص إليها منه، « فاذكروا الله » ، يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام.

وقد بينا قبل أن « المشاعر » هي المعالم، من قول القائل: « شعرت بهذا الأمر » ، أي علمت، ف « المشعر » ، هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده. وقد:-

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، قال: يستحب للحاج أن يصلي في منـزله بالمزدلفة إن استطاع، وذلك أن الله قال: « فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم » .

فأما « المشعر » : فإنه هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر.

وليس مأزما عرفة من « المشعر » .

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رأى ابن عمر الناس يزدحمون على الجبيل بجمع فقال: أيها الناس إن جمعا كلها مشعر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر أنه سئل عن قوله: « فاذكروا الله عند المشعر الحرام » ، قال: هو الجبل وما حوله.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن ابن عباس قال: ما بين الجبلين اللذين بجمع مشعر.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري وحدثني أحمد بن حازم قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان عن السدي، عن سعيد بن جبير، قال: سألته عن المشعر الحرام فقال: ما بين جبلي المزدلفة.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: « المشعر الحرام » المزدلفة كلها قال معمر: وقاله قتادة.

حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، قال: أنبأنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير: « فاذكروا الله عند المشعر الحرام » ، قال: ما بين جبلي المزدلفة هو المشعر الحرام.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا أبي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: سألت عبد الله بن عمر عن المشعر الحرام، فقال: إذا انطلقت معي أعلمتكه. قال: فانطلقت معه، فوقفنا حتى إذا أفاض الإمام سار وسرنا معه، حتى إذا هبطت أيدي الركاب، وكنا في أقصى الجبال مما يلي عرفات قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ أخذت فيه ! قلت: ما أخذت فيه؟ قال: كلها مشاعر إلى أقصى الحرم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: سألت عبد الله بن عمر، عن المشعر الحرام قال: إن تلزمني أركه. قال: فلما أفاض الناس من عرفة وهبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ قال: قلت: ها أنا ذاك، قال: أخذت فيه! قلت: ما أخذت فيه ! قال: حين هبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال فهو مشعر إلى مكة.

حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن عمارة بن زاذان، عن مكحول الأزدي، قال: سألت ابن عمر يوم عرفة عن المشعر الحرام؟ فقال: الزمني ! فلما كان من الغد وأتينا المزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: المشعر الحرام: المزدلفة كلها.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة، فذلك إلى محسر. قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما.

قال: قف بينهما إن شئت، وأحب إلي أن تقف دون قزح. هلم إلينا من أجل طريق الناس!.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء ؟ كل ما ههنا مشعر!.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام » وذلك ليلة جمع. قال قتادة: كان ابن عباس يقول: ما بين الجبلين مشعر.

حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: المشعر الحرام هو ما بين جبال المزدلفة ويقال: هو قرن قزح.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « فاذكروا الله عند المشعر الحرام » ، وهي المزدلفة، وهي جمع.

* وذكر عن عبد الرحمن بن الأسود ما:-

حدثنا به هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: لم أجد أحدا يخبرني عن المشعر الحرام.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: المشعر الحرام: ما بين جبلي مزدلفة.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا قيس، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عمر عن المشعر الحرام فقال: ما أدري؟ وسألت ابن عباس، فقال: ما بين الجبلين.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الجبيل وما حوله مشاعر.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن ثوير، قال: وقفت مع مجاهد على الجبيل، فقال: هذا المشعر الحرام.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، الجبيل وما حوله مشاعر.

قال أبو جعفر: وإنما جعلنا أول حد المشعر مما يلي منى، منقطع وادي محسر مما يلي المزدلفة، لأن:-

المثنى حدثني قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « عرفة كلها موقف إلا عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرا » .

حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، أنه قال: كل مزدلفة موقف إلا وادي محسر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، قال: أخبرني من سمع عروة بن الزبير يقول مثل ذلك.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن هشام بن عروة، قال: قال عبد الله بن الزبير في خطبته: تعلمن أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، تعلمن أن مزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر.

قال أبو جعفر: غير أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختار للحاج أن يجعل وقوفه لذكر الله من المشعر الحرام على قزح وما حوله، لأن:-

أبا كريب حدثنا، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن زيد بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، غدا فوقف على قزح، وأردف الفضل، ثم قال: هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بن الحسين، عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا هناد وأحمد الدولابي، قالا حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن ابن الحويرث، قال: رأيت أبا بكر واقفا على قزح وهو يقول: أيها الناس أصبحوا ! أيها الناس أصبحوا ! ثم دفع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عبد الله بن عثمان، عن يوسف بن ماهك، قال: حججت مع ابن عمر، فلما أصبح بجمع صلى الصبح، ثم غدا وغدونا معه حتى وقف مع الإمام على قزح، ثم دفع الإمام فدفع بدفعته.

وأما قول عبد الله بن عمر حين صار بالمزدلفة: « هذا كله مشاعر إلى مكة » ، فإن معناه أنها معالم من معالم الحج ينسك في كل بقعة منها بعض مناسك الحج لا أن كل ذلك « المشعر الحرام » الذي يكون الواقف حيث وقف منه إلى بطن مكة قاضيا ما عليه من الوقوف بالمشعر الحرام من جمع.

وأما قول عبد الرحمن بن الأسود: « لم أجد أحدا يخبرني عن المشعر الحرام » فلأنه يحتمل أن يكون أراد: لم أجد أحدا يخبرني عن حد أوله ومنتهى آخره على حقه وصدقه. لأن حدود ذلك على صحتها حتى لا يكون فيها زيادة ولا نقصان، لا يحيط بها إلا القليل من أهل المعرفة بها. غير أن ذلك وإن لم يقف على حد أوله ومنتهى آخره وقوفا لا زيادة فيه ولا نقصان إلا من ذكرت، فموضع الحاجة للوقوف لا خفاء به على أحد من سكان تلك الناحية وكثير من غيرهم. وكذلك سائر مشاعر الحج، والأماكن التي فرض الله عز وجل على عباده أن ينسكوا عندها كعرفات ومنى والحرم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه، والشكر له على أياديه عندكم، وليكن ذكركم إياه بالخضوع لأمره، والطاعة له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق، لما وفقكم له من سنن إبراهيم خليله بعد الذي كنتم فيه من الشرك والحيرة والعمى عن طريق الحق وبعد الضلالة كذكره إياكم بالهدى، حتى استنقذكم من النار به بعد أن كنتم على شفا حفرة منها، فنجاكم منها. وذلك هو معنى قوله: « كما هداكم » .

وأما قوله: « وإن كنتم من قبله لمن الضالين » ، فإن من أهل العربية من يوجه تأويل « إن » إلى تأويل « ما » ، وتأويل اللام التي في « لمن » إلى « إلا » .

فتأويل الكلام على هذا المعنى: وما كنتم من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه إلا من الضالين.

ومنهم من يوجه تأويل « إن » إلى « قد » .

فمعناه على قول قائل هذه المقالة: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، ومن المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن « الناس » الذين أمروا بالإفاضة من موضع إفاضتهم؟

فقال بعضهم: المعني بقوله: « ثم أفيضوا » ، قريش ومن ولدته قريش، الذين كانوا يسمون في الجاهلية « الحمس » ، أمروا في الإسلام أن يفيضوا من عرفات، وهي التي أفاض منها سائر الناس غير الحمس. وذلك أن قريشا ومن ولدته قريش، كانوا يقولون: « لا نخرج من الحرم » . فكانوا لا يشهدون موقف الناس بعرفة معهم، فأمرهم الله بالوقوف معهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة قالت: كانت قريش ومن كان على دينها - وهم الحمس- يقفون بالمزدلفة يقولون: « نحن قطين الله! » ، وكان من سواهم يقفون بعرفة. فأنـزل الله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس »

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان كتبت إلي في قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: « إني أحمس » وإني لا أدري أقالها النبي أم لا؟ غير أني سمعتها تحدث عنه. والحمس: ملة قريش- وهم مشركون- ومن ولدت قريش في خزاعة وبني كنانة. كانوا لا يدفعون من عرفة، إنما كانوا يدفعون من المزدلفة وهو المشعر الحرام، وكانت بنو عامر حمسا، وذلك أن قريشا ولدتهم، ولهم قيل: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، وأن العرب كلها كانت تفيض من عرفة إلا الحمس، كانوا يدفعون إذا أصبحوا من المزدلفة.

حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا أبو توبة، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حسين بن عبيد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنـزل الله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الموقف إلى موقف العرب بعرفة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عبد الملك، عن عطاء: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » من حيث تفيض جماعة الناس.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عبد الله بن طلحة، عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا في الملائكة، فيقول: هلم إلي عبادي، آمنوا بوعدي وصدقوا رسلي ! فيقول: ما جزاؤهم؟ فيقال: أن تغفر لهم. فذلك قوله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم » .

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، قال: عرفة. قال: كانت قريش تقول نحن: « الحمس أهل الحرم، ولا نخلف الحرم، ونفيض عن المزدلفة » ، فأمروا أن يبلغوا عرفة.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، قال قتادة: وكانت قريش وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، ويقولون: « إنما نحن أهل الله، فلا نخرج من حرمه » ، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات، وأخبرهم أن سنة إبراهيم وإسمعيل هكذا: الإفاضة من عرفات.

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، قال: كانت العرب تقف بعرفات، فتعظم قريش أن تقف معهم، فتقف قريش بالمزدلفة، فأمرهم الله أن يفيضوا مع الناس من عرفات.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ، قال: كانت قريش وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه، يقولون: « إنما نحن أهل حرم الله فلا نخرج من حرمه » ؛ فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس; وكانت سنة إبراهيم وإسمعيل الإفاضة من عرفات.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، قال: كانت قريش - لا أدري قبل الفيل أم بعده - ابتدعت أمر الحمس، رأيا رأوه بينهم، قالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منـزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم « وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس - والحمس: أهل الحرم . »

ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، فيحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن، حتى قالوا: « لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط، ولا يسلئوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حراما » . ثم رفعوا في ذلك فقالوا: « لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة » . فحملوا على ذلك العرب فدانت به، وأخذوا بما شرعوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله- حين أحكم له دينه وشرع له حجه: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم » - يعني قريشا، و « الناس » العرب- فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها. فوضع الله أمر الحمس- وما كانت قريش ابتدعت منه- عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله.

حدثنا بحر بن نصر، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال: كانت قريش تقف بقزح، وكان الناس يقفون بعرفة، قال: فأنـزله الله: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » .

وقال آخرون: المخاطبون بقوله: « ثم أفيضوا » ، المسلمون كلهم، والمعني بقوله: « من حيث أفاض الناس » ، من جمع، وبـ « الناس » ، إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.

ذكر من قال ذلك.

حدثت عن القاسم بن سلام، قال: حدثنا هارون بن معاوية الفزاري، عن أبي بسطام عن الضحاك، قال: هو إبراهيم.

قال أبو جعفر: والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.

وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: فمن فرض فيهن الحج، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، وما تفعلوا من خير يعلمه الله.

وهذا، إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم، على نحو ما تقدم بياننا في مثله، ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله. لقلت: أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك من أن الله عنى بقوله: « من حيث أفاض الناس » ، من حيث أفاض إبراهيم. لأن الإفاضة من عرفات لا شك أنها قبل الإفاضة من جمع، وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام. وإذ كان ذلك لا شك كذلك، وكان الله عز وجل إنما أمر بالإفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس، بعد انقضاء ذكر الإفاضة من عرفات، وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام، ثم قال بعد ذلك: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » كان معلوما بذلك أنه لم يأمر بالإفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه، دون الموضع الذي قد أفاضوا منه، وكان الموضع الذي قد أفاضوا منه فانقضى وقت الإفاضة منه، لا وجه لأن يقال: « أفض منه » .

فإذ كان لا وجه لذلك، وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له، كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك، وفساد ما خالفه، لولا الإجماع الذي وصفناه، وتظاهر الأخبار بالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويل.

فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه: « والناس » جماعة، « وإبراهيم » صلى الله عليه وسلم واحد، والله تعالى ذكره يقول: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » ؟

قيل: إن العرب تفعل ذلك كثيرا، فتدل بذكر الجماعة على الواحد. ومن ذلك قول الله عز وجل: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ آل عمران: 173 ] والذي قال ذلك واحد، وهو فيما تظاهرت به الرواية من أهل السير- نعيم بن مسعود الأشجعي، ومنه قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [ المؤمنون: 51 ] قيل: عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم من عرفات منصرفين إلى منى فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وادعوه واعبدوه عنده، كما ذكركم بهدايته فوفقكم لما ارتضى لخليله إبراهيم، فهداه له من شريعة دينه، بعد أن كنتم ضلالا عنه.

وفي ثُمَّ في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ، من التأويل وجهان:

أحدهما ما قاله الضحاك من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم. كما:-

حدثني إسماعيل بن سيف العجلي، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، قال: حدثنا ابن كنانة- ويكنى أبا كنانة- ، عن أبيه، عن العباس بن مرداس السلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني أن قد غفرت، إلا ذنوبها بينها وبين خلقي. فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب بشيء، فلما كان غداة المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته، وتغفر لهذا الظالم! فأجابني أن قد غفرت. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقلنا: يا رسول الله، رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه! قال: « ضحكت من عدو الله إبليس لما سمع بما سمع إذ هو يدعو بالويل والثبور، ويضع التراب على رأسه »

حدثني مسلم بن حاتم الأنصاري، قال: حدثنا بشار بن بكير الحنفي، قالا حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، فقال: « أيها الناس إن الله تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل محسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم، إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله. فلما كان غداة جمع قال: » أيها الناس، إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله. فقال أصحابه: يا رسول الله، أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني سألت ربي بالأمس شيئا لم يجد لي به، سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل قال: إن ربك يقرئك السلام ويقول التبعات ضمنت عوضها من عندي » .

فقد بين هذان الخبران أن غفران الله التبعات التي بين خلقه فيما بينهم، إنما هو غداة جمع، وذلك في الوقت الذي قال جل ثناؤه: « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله » ، لذنوبكم، فإنه غفور لها حينئذ، تفضلا منه عليكم، رحيم بكم.

والآخر منهما: ثُمَّ أَفِيضُوا من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها فاذكروا الله عنده كما هداكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا

قال أبو جعفر: يعني بقول جل ثناؤه: « فإذا قضيتم مناسككم » ، فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم، فاذكروا الله

يقال منه: « نسك الرجل يَنسُك نُسْكًا ونُسُكًا ونسيكة ومَنْسَكًا » ، إذا ذبح نُسُكه، و « المنسِك » اسم مثل « المشرق والمغرب » ، فأما « النُّسْك » في الدين، فإنه يقال منه: « ما كان الرجل نَاسكًا، ولقد نَسَك، ونَسُك نُسْكًا نُسُكًا ونَساكة » ، وذلك إذا تقرَّأ.

وبمثل الذي قلنا في معنى « المناسك » في هذا الموضع قال مجاهد:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإذا قَضَيتم مَناسككم » ، قال: إهراقة الدماء.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وأما قوله: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكرًا » ، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في صفة « ذكر القوم آباءهم » ، الذين أمرَهم الله أن يجعلوا ذكرهم إياه كذكرهم آباءَهم أو أشد ذكرًا.

فقال بعضهم: كان القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرُهم بالثناء والشكر والتعظيم لربهم دون غيره، وأن يُلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره، نظيرَ ما كانوا ألزموا أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن القاسم بن عثمان، عن أنس في هذه الآية، قال: كانوا يذكرون آباءهم في الحج، فيقول بعضهم: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف! ويقول بعضهم: كان أبي جزَّ نواصي بني فلان!.

حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان. عن عبد العزيز، عن مجاهد قال: كانوا يقولون: كان آباؤنا ينحرون الجُزُر، ويفعلون كذا! فنـزلت هذه الآية: « اذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا » :

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا » ، قال: كان أهل الجاهلية يذكرون فَعَال آبائهم.

حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، قال: كان أهل الجاهلية إذا فَرغوا من الحج قاموا عند البيت فيذكرون آباءَهم وأيامهم: كان أبي يُطعم الطعام! وكان أبي يفعل! فذلك قوله: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم » قال أبو كريب: قلت ليحيى بن آدم: عمن هو؟ قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرني حجاج عمن حدثه، عن مجاهد في قوله: « اذكروا الله كذكركم آباءكم » ، قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنـزلت هذه الآية.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم » قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وَقفوا عند الجمرة، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم. قال: فنـزلت هذه الآية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإذا قَضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم » ، قال: تفاخرت العرب بَينها بفعل آبائها يوم النحر حين فَرَغوا فأمروا بذكر الله مكانَ ذلك.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: « فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم » قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم بمنىً قعدوا حِلَقًا فذكروا صنيعَ آبائهم في الجاهلية وفَعالَهم به، يخطب خطيبهم ويُحدِّث محدثهم، فأمر الله عز وجل المسلمين أن يذكروا الله كذكر أهل الجاهلية آباءهم أو أشد ذكرًا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا » قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا فافتخروا، وذكروا آباءهم وأيامها، فأمروا أن يجعلوا مكان ذلك ذكرَ الله، يذكرونه كذكرهم آبائهم، أو أشد ذكرًا.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا كانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وَقفوا بعرفة، فنـزلت هذه الآية.

حدثنا القاسم، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول ذلك يومَ النحر، حين ينحرون. قال: قال « فاذكروا الله كذكركم آبائكم » قال: كانت العرب يوم النحر حين يفرُغون يَتفاخرون بفَعَال آبائها، فأمروا بذكر الله عز وجل مكانَ ذلك:

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكروا الله كذكر الأبناءِ والصِّبيانِ الآباءَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عثمان بن أبي رواد، عن عطاء أنه قال في هذه الآية: « كذكركم آباءَكم » قال: هو قول الصبيّ: يا أباه!.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا زهير، عن جويبر، عن الضحاك: « فاذكروا الله كذكركم آباءكم » يعني بالذكر، ذكر الأبناء الآباء.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: « كذكركم آباءكم » : أبَهْ ! أمَّهْ !.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا صالح بن عمر، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كالصبي، يَلهج بأبيه وأمه.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرًا » ، يقول: كذكر الأبناء الآباءَ أو أشد ذكرًا.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا » ، يقول: كما يذكر الأبناء الآباء.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: « كذكركم آباءكم » يعني ذكر الأبناء الآباء.

وقال آخرون: بل قيل لهم: « اذكروا الله كذكركم آباءكم » ، لأنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم فدعوا ربَّهم، لم يذكروا غير آبائهم، فأمروا من ذكر الله بنظير ذكر آباءهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فإذا قَضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا » ، قال: كانت العرب إذا قَضت مناسكها، وأقاموا بمنى، يقومُ الرجل فيسأل الله ويقول: « اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عَظيم القبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيتَ أبي!! » ، ليس يذكر الله، إنما يذكر آباءه، ويسأل أن يُعطى في الدنيا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في تأويل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمرَ عباده المؤمنين بذكره بالطاعة له في الخضوع لأمره والعبادة له، بعد قَضاء مَناسكهم. وذلك « الذكر » جائز أن يكون هو التكبير الذي أمرَ به جل ثناؤه بقوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [ سورة البقرة :203 ] الذي أوجبه على من قضى نُسكه بعد قضائه نُسكه، فألزمه حينئذ مِنْ ذِكْره ما لم يكن له لازمًا قبل ذلك، وحثَّ على المحافظة عليه مُحافظة الأبناء على ذكر الآباء في الآثار منه بالاستكانة له والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرُّع الولد لوالده، والصبي لأمه وأبيه، أو أشد من ذلك، إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمنه، وهو وليه.

وإنما قلنا: « الذكر » الذي أمر الله جل ثناؤه به الحاجَّ بعد قضاء مَناسكه بقوله: « فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا » : « جائزٌ أن يكون هو التكبير الذي وَصفنا » ، من أجل أنه لا ذكر لله أمرَ العباد به بعد قَضاء مَناسكهم لم يكن عليهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبير الذي خصَّ الله به أيام منى.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجبَ على خلقه بعد قَضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبًا عليهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خَصّ به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه كانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا قَضيتم مناسككم أيها المؤمنون فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصًا ولطلب مرضاته، وقولوا: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، ولا تكونوا كمن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظَّ لهم في ثواب الله، ولا نصيبَ لهم في جناته وكريم ما أعدَّ لأوليائه، كما قال في ذلك أهل التأويل.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل: « فمن الناس من يقول ربَّنا آتنا في الدنيا » ، هب لنا غنمًا! هب لنا إبلا ! « وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » .

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: كانوا في الجاهلية يقولون: « هبْ لنا إبلا! » ، ثم ذكر مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش في قوله: « فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ومَا له في الآخرة من خَلاق » ، قال: كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: « اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! » ، فأنـزل الله هذه الآية: « فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق » قال أبو كريب: قلت ليحيى بن آدم: عمن هو؟ قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن القاسم بن عثمان، عن أنس: « فمن الناس من يقول رَبنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق » ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عُراة فيدعون فيقولون: « اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، ورُدَّنا صَالحين إلى صالحين! » .

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: « فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا » نَصرًا ورزقًا، ولا يسألون لآخرتهم شيئًا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قول الله: « فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق » ، فهذا عبدٌ نَوَى الدنيا، لها عملَ، ولها نَصِب.

حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: « فمن الناس من يقول رَبنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق » ، قال: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقامت بمنى لا يذكر اللهَ الرجلُ منهم، وإنما يذكر أباه، ويسأل أن يُعطَي في الدنيا.

حدثني يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ، قال كانوا أصنافًا ثلاثة في تلك المواطن يومئذ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهلُ الكفر، وأهلُ النفاق. فمن الناس من يقول: « ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خَلاق » إنما حجوا للدنيا والمسألة، لا يريدون الآخرة، ولا يؤمنون بها ومنهم من يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، الآية قال: والصنف الثالث: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية.

وأما معنى « الخلاق » فقد بيناه في غير هذا الموضع، وذكرنا اختلافَ المختلفين في تأويله والصحيحَ لدينا من معناه بالشواهد من الأدلة وأنه النصيب، بما فيه كفاية عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 201 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « الحسنة » التي ذكر الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم. يعني بذلك: ومن الناس مَن يقول: ربَّنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً » ، قال: في الدنيا عافيةً، وفي الآخرة عافية. قال قتادة: وقال رجل: « اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا » ، فمرض مرضًا حتى أضنى على فراشه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنُه، فأتاه النبي عليه السلام، فقيل له: إنه دعا بكذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا طاقة لأحد بعقوبه الله، ولكن قُل: « ربنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة وقنا عَذاب النار » . فقالها، فما لبث إلا أيامًا أو: يسيرًا حتى بَرَأ.

حدثني المثنى، قال: حدثنا سعيد بن الحكم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: عاد رَسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرْخ المنتوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء؟- أو تسأل الله شيئًا؟ قال: قلت: « اللهم ما كنت مُعاقبي به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا! » . قال: سبحان الله! هل يستطيع ذلك أحد أو يطيقه؟ فهلا قلت: « اللهم آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنةً وقنا عذاب النار؟ » .

وقال آخرون: بل عَنى الله عز وجل بـ « الحسنة » - في هذا الموضع- في الدنيا، العلمَ والعبادة، وفي الآخرة: الجنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا عباد، عن هشام بن حسان، عن الحسن: « ومنهم من يقول رَبنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة » ، قال: الحسنة في الدنيا: العلمُ والعبادةُ، وفي الآخرة: الجنة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الحسن في قوله: « ربنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنةً وقنا عذابَ النار » ، قال: العبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن في قوله: « ربنا آتنا في الدنيا حَسنة » ، قال: الحسنة في الدنيا: الفهمُ في كتاب الله والعلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان الثوري يقول [ في ] هذه الآية: « ربنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة » ، قال: الحسنة في الدنيا: العلمُ والرزق الطيب، وفي الآخرة حَسنة الجنة.

وقال آخرون: « الحسنة » في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: « ومنهم مَنْ يقول رَبنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » ، قال: فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي « ومنهم من يَقول رَبنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة » ، هؤلاء المؤمنون; أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حَسنة الآخرة فالجنة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار. وقد تجمع « الحسنةُ » من الله عز وجل العافيةَ في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك، والعلم والعبادة.

وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية.

وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله - مخبرًا عن قائل ذلك- من معاني « الحسنة » شيئًا، ولا نصب على خُصوصه دلالة دالَّةً على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه ما قلنا: من أنه لا يجوز أن يُخَصّ من معاني ذلك شيء، وأن يحكم له بعمومه على ما عَمَّه الله.

وأما قوله: « وقنا عذاب النار » ، فإنه يعني بذلك: اصرف عنا عَذاب النار.

ويقال منه: « وقيته كذا أقيه وِقاية وَوَقاية ووِقاء » ، ممدودًا، وربما قالوا: « وقاك الله وَقْيًا » ، إذا دفعت عنه أذى أو مكروهًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 202 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « أولئك » الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رغبةً منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده، وعلمًا منهم بأن الخيرَ كله من عنده، وأن الفضل بيده يؤتيه من يَشاء. فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه، وبَاشروا معاناته بأموالهم وأنفسهم، خاصًّا ذلك لهم دون الفريق الآخر، الذين عانوا ما عانوا من نَصَب أعمالهم وتعبها، وتكلَّفوا ما تكلفوا من أسفارهم، بغير رغبةٍ منهم فيما عند رَبهم من الأجر والثواب، ولكن رجاء خسيس من عَرض الدنيا، وابتغاء عَاجل حُطامها. كما:-

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، قال: فهذا عبد نوى الدنيا، لها عمل ولها نَصِب، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ، أي حظٌّ من أعمالهم.

وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، إنما حَجُّوا للدنيا والمسألة، لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، قال: فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون « أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب » ، لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا.

وأما قوله: « والله سريع الحساب » ، فإنه يعني جل ثناؤه: أنه محيط بعمل الفريقين كليهما اللذين من مسألة أحدهما: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ، ومن مسألة الآخر: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، فَمُحْصٍ له بأسرع الحساب، ثم إنه مجازٍ كلا الفريقين على عمله.

وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ

قال أبو جعفر: يعني جَلّ ذكره: اذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، قال: أيام التشريق.

حدثني محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا غندر: قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، يعني الأيام المعدودات أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.

وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، يعني أيام التشريق.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: سمعه يوم الصَّدَر يَقول بعد ما صدر يُكبر في المسجد ويتأول: « واذكروا الله في أيام مَعدودات » .

حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، يعني أيام التشريق.

حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، قال: هي أيام التشريق.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، قال أيام التشريق بمنى.

حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد وعطاء قالا هي أيام التشريق.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: الأيام المعدودات: أيام التشريق.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: الأيام المعدودات: الأيام بعد النحر.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت إسماعيل بن أبي خالد عن « الأيام المعدودات » ، قال: أيام التشريق.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، فقال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، كنا نُحدَّث أنها أيام التشريق.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « واذكروا الله في أيام معدودات » ، قال: هي أيام التشريق.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « أما الأيام المعدوداتُ » : فهي أيام التشريق.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، قال: « الأيام المعدودات » ، ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر.

حدثت عن حسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: « في أيام معدودات » قال: أيام التشريق الثلاثة.

حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد عن « الأيام المعدودات » و « الأيام المعلومات » ، فقال: « الأيام المعدودات » أيام التشريق، « والأيام المعلومات » ، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

وإنما قلنا: إنّ « الأيام المعدودات » ، هي أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: إنها أيام ذكر الله عز وجل.

* ذكر الأخبار التي رويت بذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قال: حدثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر « . »

حدثنا خلاد، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا صالح، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعثَ عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: « لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل » .

3912م - وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية قالا جميعًا، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله.

حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.

حدثني يعقوب. قال: حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس فنادى في أيام التشريق فقال: « إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صومٌ من هَدْي » .

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزُّرَقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليٍّ رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حين وقف على شِعْب الأنصار وهو يقول: « أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر » .

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال في أيام منى: إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، لم يخبر أمَّته أنها « الأيام المعدودات » التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله: « وذكْر الله » ، « الأيامَ المعلومات » ؟

قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك. لأن الله لم يكن يُوجب في « الأيام المعلومات » من ذكره فيها ما أوجبَ في « الأيام المعدودات » . وإنما وصف « المعلومات » جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام، فقال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [ الحج: 28 ] ، فلم يوجب في « الأيام المعلومات » من ذكره كالذي أوجبه في « الأيام المعدودات » من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره علىَ بهائم الأنعام. فكان معلومًا إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق: « إنها أيام أكل وشرب وذكر الله » فأخرج قوله: « وذكر الله » مطلقًا بغير شرط، ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقًا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في « الأيام المعدودات » ، وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم وصف « الأيام المعلومات » به، لوصل قوله: « وذكر » ، إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك، ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال: « واذكروا الله في أيام معدودات » فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في « الأيام المعدودات » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن عطاء، قال: لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال. حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله.

حدثنا أحمد، قال. حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن مغيره، عن عكرمة، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال. حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « فمن تعجَّل في يومين » ، يوم النَّفر، « فلا إثم عليه » ، لا حرج عليه، « ومن تأخر فلا إثم عليه » .

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما: « من تعجَّل في يومين فلا إثم عليه » ، يقول: من نَفَر في يومين فلا جُناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فمن تعجَّل في يومين » ، يقول: فمن تعجَّل في يومين- أي: من أيام التشريق « فلا إثم عليه » ، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر، فلا نَفْر له حتى تزول الشمس من الغد « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال. أخبرنا عبد الرزاق، قال. أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه » ، قال: رخَّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه.

حدثني محمد بن المثنى، قال. حدثنا محمد بن جعفر، قال. حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، قال في تعجيله.

حدثني هناد بن السريّ، قال: حدثنا ابن أبى زائدة، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: « لا إثم عليه » ، لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: هذا في التعجيل.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: حلَّ النَّفر في يومين لمن اتقى.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: « فمن تجعل في يومين فلا إثم عليه » في تعجله، « ومن تأخر فلا إثم عليه » في تأخره.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أللمكي أن ينفر في النفْر الأول؟ قال: نعم، قال الله عز وجل: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، فهي للناس أجمعين.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، قال: ليس عليه إثم

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فمن تعجل في يومين » بعد يوم النحر، « فلا إثم عليه » ، بقول: من نَفَر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه، « ومن تأخر فلا إثم عليه » في تأخره، فلا حرج عليه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » في تعجله، « ومن تأخر فلا إثم عليه » في تأخره.

وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: « فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: ليس عليه إثم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، أي غفر له « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: غُفر له.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، أي غفر له.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد جميعًا، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: قد غُفر له.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قد غفر له.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال في هذه الآية: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه » قال: برئ من الإثم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » قال: رجع مغفورًا له.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عَليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: قد غفر له.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفِّر ما معها من الذنوب فكيف بالحج!.

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم وعامر: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قالا غفر له.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني من أصدقه، عن ابن مسعود قوله: « فلا إثم عليه » ، قال: خرج من الإثم كله « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصَّدَر عن الحج قال ابن جريج: وسمعت رجلا يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: « فلا إثم عليه » ، قال. غفر له، « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: غُفر له.

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال. حدثنا أسود بن سوادة القطان، قال: سمعت معاوية بن قُرة قال: يَخرج من ذنوبه.

وقال آخرون: معنى ذلك: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه » ، فيما بينه وبين السنة التي بَعدها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحه، قال: سألت مجاهدًا عن قول الله عز وجل: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل.

وقال آخرون: بل معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.

حدثني يونس، قاله: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، قال: لمن اتقى بشرط.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، لا جُناح عليه « ومن تأخر » إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى وكان ابن عباس يقول: وددت أنّي من هؤلاء، ممن يُصيبه اسمُ التقوى.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: هي في مصحف عبد الله: « لِمَنِ اتَّقَى اللهَ » .

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه » ، فلا حرج عليه، يقول: لمن اتقى معاصيَ الله عز وجل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: « فمن تعجل في يومين » من أيام التشريق « فلا إثم عليه » ، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح: « لمن اتقى » أن يصيب شيئًا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ، ولا يحل له أن يقتل صيدًا حتى تخلو أيام التشريق.

وقال آخرون: بل معناه: « فمن تعجل في يومين » من أيام التشريق فنفر « فلا إثم عليه » ، أي مغفورٌ له- « ومن تأخر » فنفر في اليوم الثالث « فلا إثم عليه » ، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، فال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لمن اتقى » ، قال: يقول لمن اتقى على حجه قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه - أو: ما سلف من ذنبه.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: « فمن تعجل في يومين » من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني « فلا إثم عليه » ، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده « ومن تأخر » إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، « فلا إثم عليه » ، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.

وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته [ بالصحة ] ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ومن حجّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وأنه قال صلى الله عليه وسلم : » تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة « . »

حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابُ دون الجنة « . »

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: . حدثنا ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ أو: خبَثَ الحديد » .

حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك.

وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عنه أنّ من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: « فلا إثم عليه لمن اتقى » الله في حجه. فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعزّ: « فلا إثم عليه » ، أنه خارجٌ من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورَةٌ له أجْرامه وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: « فلا إثم عليه » ، فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث. لأن الحرَج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرَج عنه في عمله؛ أو فيما كان عليه عمله، فيرخَّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه. فأما ما على العامل عَمله فلا وَجه لوضع الحرَج عنه فيه إن هو عَمله، وفرضُه عَملُه، لأنه محال أن يكون المؤدِّي فرضًا عليه، حرجا بأدائه، فيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فيه الحرَج.

وإذ كان ذلك كذلك وكان الحاج لا يخلو عند من تأوّل قوله: « فلا إثم عليه » فلا حرج عليه، أو فلا جناح عليه، من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، فوضع عنه الحرَج في المقام، أو أن يكون فرضَه المقام، إلى اليوم الثالث، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها - وذلك هو التعجُّل الذي قيل: « فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه » - فلا معنى لقوله على تأويل من تأوّل ذلك: « فلا إثم عليه » ، فلا جناح عليه، « ومن تأخر فلا إثمَ عليه » . لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخّرٌ عن أداء فرض عليه، تاركٌ قبولَ رُخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: « لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك » ، لما وصفنا قبل- أو يكون فرضُه في اليوم الثاني النفر، فرُخِّص له في المقام إلى اليوم الثالث، فلا معنى أن يقال: « لا حرج عليك في تعجُّلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله » ، للذي قدمنا من العلة.

وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه » ولا حرج عليه في نفره ذلك، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث. لأن ذلك لو كان تأويلا مسلَّمًا لقائله لكان في قوله: « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، ما يُبطل دعواه، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الصيد للحاجّ بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وَضَع عنه الحرج في قوله: « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر ؟ هذا، مع إجماعِ الحجة على أن المحرم إذا رمى وذبح وحلق وطافَ بالبيت، فقد حلَّ له كل شيء، وتصريحِ الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، التي:-

حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحلّ المحرم ؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رَميتم وذبحتم وحلقتم، حلّ لكم كل شيء إلا النساء قال: وذكر الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.

وأما الذي تأوّل ذلك أنه بمعنى: « لا إثم عليه إلى عام قابل » ، فلا وجه لتحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثمَ عن الحاجّ سنة مستقبَلة، دون آثامه السالفة. لأن الله جل ثناؤه لم يحصُر ذلك على نفي إثم وقت مستقبَل بظاهر التنـزيل، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، بل دلالةُ ظاهر التنـزيل تُبين عن أن المتعجّل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال.

والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرِّح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به، خارجٌ من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ففي ذلك من دلالة ظاهر التنـزيل، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله: « فلا إثم عليه » ، فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: ما الجالب « اللام » في قوله: « لمن اتقى » ؟ وما معناها ؟

قيل: الجالبُ لها معنى قوله: « فلا إثم عليه » . لأن في قوله: « فلا إثم عليه » معنى: حططنا ذنوبه وكفَّرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفيرَ الذنوب لمن اتقى الله في حجه، فترك ذكر « جعلنا تكفير الذنوب » ، اكتفاء بدلالة قوله: « فلا إثم عليه » .

وقد زعم بعض نحوييّ البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر، فقال: « لمن اتقى » أي: هذا لمن اتقى. وأنكرَ بعضُهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به، لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة « قول » متروك، فكان معنى الكلام عنده « قلنا » : « ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى » ، وقام قوله: « ومن تأخر فلا إثم عليه » ، مقامَ « القول » .

وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم في المتعجِّل، فجُعل في المتأخر وهو الذي أدَّى ولم يقصر مثل ما جُعل على المقصِّر، كما يقال في الكلام: « إن تصدقت سرًّا فحسنٌ، وإن أظهرتَ فحسنٌ » ، وهما مختلفان، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن، وإن كان الإسرار أحسن.

وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم. وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة. وفي إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تركا النفر وأقاما بمنىً لم يكونا آثمين، ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول.

وقال أيضًا: فيه وجهٌ آخر، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يُؤثِّم أحدُ الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله: « فلا إثم عليه » ، لا يقل المتعجل للمتأخر: « أنت آثم » ، ولا المتأخر للمتعجل: « أنت آثم » ، بمعنى: فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر.

وهذا أيضًا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في أدائه والقيام به، « واعلموا أنكم إليه تحشرون » ، فمجازيكم هو بأعمالكم- المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته- وموفٍّ كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ

قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، بقوله جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألدُّ الخصام، جَدِلٌ بالباطل.

ثم اختلف أهل التأويل فيمن نـزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم. نـزلت في الأخنس بن شرِيق، قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أنه يريد الإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي : « ومن الناس من يُعجبك قولُه في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام » ، قال: نـزلت في الأخنس بن شريق الثقفي- وهو حليفٌ لبني زُهرة- وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق!‍ وذلك قوله: « ويشهد الله على ما في قلبه » ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنـزل الله عز وجل: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ . وأما « ألد الخصام » فأعوجُ الخصام، وفيه نـزلت: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [ الهمزة: 1 ] ونـزلت فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ إلى عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [ القلم: 10- 13 ]

وقال آخرون: بل نـزل ذلك في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبى إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنـزل الله عز وجلّ في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا » أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام « ويشهد الله على ما في قلبه » أي من النفاق- « وهو ألد الخصام » أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك وَإِذَا تَوَلَّى - أي: خرج من عندك سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك- يعني هذه السرّية.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس- أو: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- قال: لما أصيبت السرية التي كان فيها عاصم ومرْثد بالرَّجيع، قال رجال من المنافقين:- ثم ذكر نحو حديث أبي كريب.

وقال آخرون: بل عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: « ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه » ، اختلافَ سريرته وعلانيته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعليّ يجترئون، وبي يغترُّون!! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران !! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله ؟ قال: قول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنـزلت هذه الآية ! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنـزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْفٍ- وكان يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنـزل: « قومٌ يجتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبر، يلبسون للناس لباسَ مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون! وبي يغترُّون! حلفت بنفسي لأبعثنّ عليهم فتنةً تترك الحليم فيهم حيران » . قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون، فوجدتها: « ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام » ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [ الحج: 11 ]

وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة قوله: « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه » قال: هو المنافق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ومن الناس من يُعجبك قوله » ، قال: علانيته في الدنيا، ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام » ، قال: هذا عبد كان حسن القول سيئ العمل، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن له القول، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا .

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه » ، قال. يقول قولا في قلبه غيره، والله يعلم ذلك.

وفي قوله: « ويُشهد الله على ما في قلبه » ، وجهان من القراءة: فقرأته عامة القرأة: « ويُشهد الله على ما في قلبه » ، بمعنى أن المنافق الذي يُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُه، يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب. كما:-

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: « ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا » إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، كان رجلٌ يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أي رسول الله أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله ! قال: حتى يُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ثم يقول: أما والله يا رسولَ الله ، إنّ الله ليعلم ما في قلبي مثلُ ما نطق به لساني! فذلك قوله: « ويُشهد الله على ما في قلبه » . قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ حتى بلغ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون: 1 ] بما يشهدون أنك رسول الله.

وقال السدي: « ويُشهد الله على ما في قلبه » ، يقول: الله يعلم أني صادق، أني أريد الإسلام.

حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط.

وقال مجاهد: ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.

حدثني بذلك محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه.

وقرأ ذلك آخرون: ( وَيَشْهَدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) بمعنى: والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه. وهي قراءة ابن مُحَيْصن، وعلى ذلك المعنى تأوله ابن عباس. وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في حديث أبي كريب، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق الذي ذكرناه آنفًا.

والذي نختار في ذلك من قول القرأة قراءة من قرأ: « ويشهد الله على ما في قلبه » ، بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( 204 )

قال أبو جعفر: « الألد » من الرجال: الشديد الخصومة، يقال في « فعلت » منه: « قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً » . فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: « لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر: »

ثُــمَّ أُرَدِّي بِهِــمُ مــن تُــرْدِي تَلُـــدُّ أقْــرَانَ الخُــصُومِ اللُّــدِّ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: أنه ذو جدال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: « وهو ألد الخصام » ، أي: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وهو ألد الخصام » ، يقول: شديد القسوة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل، وإذا شئتَ رأيته عالم اللسان جاهلَ العمل، يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة.

حدثنا الحسن بن يحيى. قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وهو ألد الخصام » ، قال: جَدِلٌ بالباطل.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة، ولكنه معوَجُّها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وهو ألد الخصام » ، قال: ظالم لا يستقيم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: « الألدُّ الخصام » ، الذي لا يستقيم على خصومة.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « ألد الخصام » ، أعوجُ الخصام.

قال، أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد.

وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قوله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا وكيع، عن بعض أصحابه، عن الحسن، قال: « الألد الخصام » ، الكاذب القول.

وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائله أنه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلا واعوجاجًا عن الحق.

وأما « الخصام » فهو مصدر من قول القائل: « خاصمت فلانًا خصامًا ومخاصمة » .

وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يُعجبه إذا تكلم قِيلُه ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محقّ في قيله ذلك، لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « وإذا تولى » ، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفًا عنك. كما:-

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال حدثني محمد بن أبي محمد قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: « وإذا تولى » ، قال: يعني: وإذا خرج من عندك « سعى » .

وقال بعضهم: وإذا غضب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج في قوله: « وإذا تولى » ، قال: إذا غضب.

فمعنى الآية: وإذا خرَج هذا المنافق من عندك يا محمد غضْبان، عَمل في الأرض بما حرَّم الله عليه، وحاول فيها معصيةَ الله، وقطعَ الطريق وإفسادَ السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفًا من فعل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي ذكر السدي أن فيه نـزلت هذه الآية، من إحراقه زرع المسلمين وقتله حُمرهم.

و « السعي » في كلام العرب العمل، يقال منه: « فلان يسعى على أهله » ، يعني به: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى:

وَسَـعَى لِكِنْـدَةَ سَـعْيَ غَـيْرِ مُـوَاكِلٍ قَيْسٌ فَضَــرَّ عَدُوَّهــا وَبَنَـى لَهَـا

يعني بذلك: عمل لهم في المكارم.

وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله « وإذا تولى سعى » ، قال: عمل.

واختلف أهل التأويل في معنى « الإفساد » الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق.

فقال بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق.

وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: « سعَى في الأرض ليفسد فيها » ، قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء المسلمين، فإذا قيل: لم تَفعل كذا وكذا ؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله تبارك وتعالى وَصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولى مدبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل في أرض الله بالفساد. وقد يدخل في « الإفساد » جميع المعاصي، وذلك أن العمل بالمعاصي إفسادٌ في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني « الإفساد » دون بعض. وجائزٌ أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك. وأيّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنـزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل. لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه « سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل » ، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في وجه « إهلاك » هذا المنافق، الذي وصفه الله بما وصفَه به من صفة « إهلاك الحرث والنسل » .

فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم.

حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي.

وقال آخرون بما:-

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثام، قال: حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: « وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل » الآية. قال: إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ مجاهد: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الروم: 41 ] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماءٍ جارٍ فهو « بحر » .

والذي قاله مجاهد، وإن كان مذهبًا من التأويل تحتمله الآية، فإن الذي هو أشبهُ بظاهر التنـزيل من التأويل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه

وأما « الحرث » فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد.

« وإهلاكه الزرع » إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مجاهد باحتباس القطر من أجل معصيته ربَّه وَسعيه بالإفساد في الأرض. وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القُوَّام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك. وكذلك جائز في معنى: « إهلاكه النسل » : أن يكون كانَ بقتله أمهاته أو آباءه التي منها يكون النسل، فيكون في قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائزٌ أن يكون كما قال مجاهد، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية، فالذي هو أولى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نـزلت فيه هذه الآية إنما نـزلت في قتله حُمُرَ القوم من المسلمين وإحراقه زرعًا لهم. وذلك وإن كان جائزًا أن يكون كذلك، فغير فاسد أن تكون الآية نـزلت فيه، والمراد بها كلُّ من سلك سبيله في قتل كل ما قَتل من الحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال، والذي يحلّ قتله في بعض الأحوال - إذا قتله بغير حق، بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبارك وتعالى لم يخصُص من ذلك شيئًا دون شيء بل عمَّه.

وبالذي قلنا في عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي أنه سأل ابن عباس: « ويهلك الحرث والنسل » ، قال: نسلَ كل دابة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، أنه سأل ابن عباس: قال: قلت أرأيت قوله: « الحرث والنسل » ؟ قال: الحرث حرثكم، والنسل: نسل كل دابة.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن « الحرث والنسل » ، فقال: الحرثُ: مما تحرثون، والنسلُ: نسل كلّ دابة.

حدثنا ابن حميد، قال. حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرِّف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « ويهلك الحرثَ والنسل » ، فنسلَ كل دابة، والناس أيضًا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ويهلك الحرث » ، قال: نبات الأرض، « والنسل » من كل دابة تمشي من الحيوان من الناس والدواب.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ويهلك الحرث » ، قال: نبات الأرض، « والنسل » : نسل كل شيء.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الحرثُ النبات، والنسل: نسل كل دابة.

حدثني عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ويهلك الحرث » ، قال: « الحرث » الذي يحرثه الناس: نباتُ الأرض، « والنسل » نسل كل دابة.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: « ويهلكَ الحرثَ والنسل » ، قال: الحرث: الزرع، والنسل من الناس والأنعام، قال: يقتُل نسْل الناس والأنعام قال: وقال مجاهد: يبتغي في الأرض هلاك الحرث- نباتَ الأرض- والنسل من كل شيء من الحيوان.

حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « ويهلك الحرثَ والنسل » ، قال: الحرث: الأصل، والنسل: كل دابة والناس منهم.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال، سئل سعيد بن عبد العزيز عن « فساد الحرث والنسل » وما هما: أيُّ حرث، وأيُّ نسل ؟ قال سعيد: قال مكحول: الحرث: ما تحرثون، وأما النسل: فنسْل كل شيء.

قال أبو جعفر: وقد قرأ بعض القرأة : « ويهلكُ الحرث والنسل » برفع « يهلك » ، على معنى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، ويهلك الحرثَ والنسل، وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها، والله لا يجب الفساد فيردُّ « ويُهلكُ » على « ويشهدُ الله » عطفًا به عليه.

وذلك قراءةٌ عندي غير جائزة، وإن كان لها مخرج في العربية، لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعةٌ من القراءة في ذلك، قراءةَ « ويهلكَ الحرثَ والنسل » ، وأن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ومصحفه - فيما ذكر لنا: « ليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل » ، وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك « ويهلك » بالنصب، عطفًا به على: لِيُفْسِدَ فِيهَا .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق.

و « الفساد » مصدر من قول القائل: « فسد الشيء يفسُد » ، نظير قولهم: « ذهب يذهب ذهابًا » . ومن العرب من يجعل مصدر « فسد » « فسودًا » ، ومصدر « ذهب يذهب ذُهوبًا » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 206 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا قيل لهذا المنافق الذي نعَتَ نعتَه لنبيه عليه الصلاة والسلام، وأخبره أنه يُعجبه قوله في الحياة الدنيا: اتق الله وخَفْهُ في إفسادك في أرْض الله، وسعيكَ فيها بما حرَّم الله عليك من معاصيه، وإهلاكك حروث المسلمين ونسلهم- استكبر ودخلته عِزة وحَمية بما حرّم الله عليه، وتمادى في غيِّه وضلاله. قال الله جل ثناؤه: فكفاه عقوبة من غيه وضلاله، صِلِيُّ نارِ جهنم، ولبئس المهاد لصاليها.

واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.

فقال بعضهم: عنى بها كل فاسق ومنافق.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال: حدثنا أبو رجاء العطارديّ قال: سمعت عليًّا في هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلى: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال علي: « اقتَتَلا وربِّ الكعبة » .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « وإذا قيلَ له اتق الله أخذته العزة بالإثم » إلى قوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمرُّوا بهذه الآية: « وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم » ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان؟ فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيء قلت ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين! قال: ماذا قلت ؟ اقتَتل الرجلان ؟ قال فلما رأى ذلك ابن عباس قال: أرى ههنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشري نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي ! فقاتله، فاقتتل الرجلان! فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس.

وقال آخرون: بل عنى به الأخنس بن شريق، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى.

وأما قوله: « ولبئس المهاد » ، فإنه يعني: ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله المجاهدين في سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة: 111 ] .

وقد دللنا على أن معنى « شرى » باع، في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: « ابتغاءَ مرضات الله » فإنه يعني أن هذا الشاري يشري إذا اشترى طلبَ مرضاة الله.

ونصب « ابتغاء » بقوله: « يشري » ، فكأنه قال. ومن الناس من يَشري [ نفسه ] من أجل ابتغاء مرضاة الله، ثم تُرك « من أجل » وعَمل فيه الفعل.

وقد زعم بعض أهل العربية أنه نصب ذلك على الفعل، على « يشري » ، كأنه قال: لابتغاء مرضاة الله، فلما نـزع « اللام » عمل الفعل، قال: ومثله: حَذَرَ الْمَوْتِ [ البقرة: 19 ] وقال الشاعر وهو حاتم:

وَأَغْفِــرُ عَــوْرَاءَ الكَـرِيمِ ادِّخَـارَهُ وَأُعْـرِضُ عَـنْ قَـوْلِ الَّلئِـيمِ تَكَرُّمَـا

وقال: لما أذهب « اللام » أعمل فيه الفعل.

وقال بعضهم: أيُّما مصدر وُضع موضعَ الشرط، وموضع « أن » فتحسن فيها « الباء » و « اللام » ، فتقول: « أتيتك من خوف الشرّ - ولخوف الشر- وبأن خفتُ الشرَّ » ، فالصفة غير معلومة، فحذفت وأقيم المصدرُ مقامها. قال: ولو كانت الصفة حرفًا واحدًا بعينه، لم يجز حذفها، كما غير جائز لمن قال: « فعلت هذا لك ولفلان » أن يسقط « اللام » .

ثم اختلف أهل التأويل فيمن نـزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها. فقال بعضهم: نـزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » ، قال: المهاجرون والأنصار.

وقال بعضهم: نـزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: « ومن الناس مَنْ يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » ، قال: نـزلت في صُهيب بن سنان، وأبي ذرّ الغفاري جُندب بن السَّكن أخذ أهل أبي ذرّ أبا ذرّ، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجرًا عرَضوا له، وكانوا بمرِّ الظهران، فانفلت أيضًا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما صُهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرًا فأدركه قُنقذ بن عُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلَّى سبيله.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » الآية، قال: كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل ! فأبوْا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه ! ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج; فأنـزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » ، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه عُمر في رجال، فقال له عمر: رَبح البيعُ! قال: وبيعك فلا يخسر! قال: وما ذاك ؟ قال: أنـزل فيك كذا وكذا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حسين بن الحسن أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو عون، عن محمد، قال: حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه، فقالوا: ألقى بيده !! فقال أبو هريرة: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » .

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة، قال: بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، أليس الله عز وجل يقول: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد » ؟

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، قال: حَمل هشام بن عامر على الصّف حتى شقَّه، فقال أبو هريرة: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » .

حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حزم بن أبي حزْم، قال: سمعت الحسن قرأ: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد » ، أتدرون فيم أنـزلت ؟ نـزلت في أن المسلم لقي الكافرَ فقال له: « قل لا إله إلا الله » ، فإذا قلتها عصمتَ دمك ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرِيَنَّ نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل.

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زياد بن أبي مسلم، عن أبي الخليل، قال: سمع عُمر إنسانًا قرأ هذه الآية: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » ، قال: استرجع عُمر فَقال: إنا لله وإنا إليه رَاجعون! قام رجلٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما روي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، من أن يكون عُني بها الآمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر.

وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية.

وأما ما رُوي من نـزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نـزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها.

فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله عز وجل وصف شاريًا نفسَه ابتغاء مرضاته، فكل من باعَ نفسه في طاعته حتى قُتل فيها، أو استقتل وإن لم يُقتل، فمعنيٌّ بقوله: « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله » - في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 )

قد دللنا فيما مضى على معنى « الرأفة » ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وأنها رقة الرحمة

فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع.

فقال بعضهم: معناه: الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « ادخلوا في السِّلم » ، قال: ادخلوا في الإسلام.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « ادخلوا في السلم » ، قال: ادخلوا في الإسلام.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « ادخلوا في السلم كافة » ، قال: السلم: الإسلام.

حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « ادخلوا في السلم » ، يقول: في الإسلام.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: ادخلوا في الإسلام.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « ادخلوا في السلم » . قال: السلم: الإسلام.

حدثت عن الحسين بن فرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: « ادخلوا في السلم » : في الإسلام.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخلوا في الطاعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ادخلوا في السلم » ، يقول: ادخلوا في الطاعة.

وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز: « ادخلوا في السَّلم » بفتح السين، وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر السين.

فأما الذين فتحوا « السين » من « السلم » ، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.

وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من « السين » فإنهم مختلفون في تأويله.

فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجّهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن « السين » تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير بن أبي سلمى:

وَقَـدْ قُلْتُمَـا إنْ نُـدْرِكِ السِّـلْمَ وَاسِعًا بِمَـالٍ وَمَعْـرُوفٍ مِـنَ الأمْـرِ نَسْـلَمِ

وأولى التأويلات بقوله: « ادخلوا في السلم » ، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة.

وأمّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر « السين » لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:

دَعَــوْتُ عَشِــيرَتِي لِلسِّــلْمِ لَمّـا رَأَيْتُهُــــمُ تَوَلَّـــوْا مُدْبِرينَـــا

بكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر‍َ ما في القرآن من ذكر « السلم » بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصُّها بكسر سينها توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها.

وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: « ادخلوا في السلم » وصرفنا معناه إلى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطاب إذ كان خطابًا للمؤمنين من أحد أمرين:

إما أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمد المصدقين به وبما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: « ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم » ، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب، فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له: « صالح فلانا » ، ولا حرب بينهما ولا عداوة.

أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدًا ونبوته، فقيل لهم: « ادخلوا في السلم » ، يعني به الإسلام، لا الصُّلح. لأن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة. بل نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح فقال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد: 35 ] وإنما أباحَ له صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال إذا دعَوه إلى الصلح ابتداءَ المصالحة، فقال له جل ثناؤه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [ الأنفال: 61 ] فأما دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداءً، فغير موجود في القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: « ادخلوا في السلم » إلى ذلك.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقين دعي إلى الإسلام كافة ؟

قيل قد اختلف في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: دعي إليه المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

وقال آخرون: قيل: دُعي إليه المؤمنون بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المكذبون بمحمد.

فإن قال: فما وجه دعاء المؤمن بمحمد وبما جاء به إلى الإسلام ؟

قيل: وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله « كافة » من صفة « السلم » ، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به.

وبنحو هذا المعنى كان يقول عكرمة في تأويل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: « ادخلوا في السلم كافة » ، قال: نـزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد- كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه! وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل ! فنـزلت: « يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان »

فقد صرح عكرمة بمعنى ما قلنا في ذلك من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رَفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيء من حدوده.

وقال آخرون: بل الفريق الذي دُعي إلى السلم فقيل لهم: « ادخلوا فيه » بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بالدخول في الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال. قال ابن عباس في قوله: « ادخلوا في السلم كافة » ، يعني أهل الكتاب.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قول الله عز وجل: « ادخلوا في السلم كافة » ، قال: يعني أهل الكتاب.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في « الذين آمنوا » المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم « الإيمان » ، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض.

وبمثل التأويل الذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « ادخلوا في السلم كافة » ، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَافَّةً

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله « كافة » عامة، جميعًا، كما:-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « في السلم كافة » قال: جميعًا.

حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « في السلم كافة » ، قال: جميعًا.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع « في السلم كافة » ، قال: جميعًا وعن أبيه، عن قتادة مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن النضر، عن مجاهد، ادخلوا في الإسلام جميعًا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: « كافة » ، : جميعًا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: « كافة » جميعًا، وقرأ. وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة: 36 ] جميعًا.

حدثت عن الحسين، قال. سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: « ادخلوا في السلم كافة » ، قال: جميعًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه. بذلك: اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته. وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام.

وقد بينت معنى « الخطوات » بالأدلة الشاهدة على صحته فيما مضى ، فكرهت إعادته في هذا المكان.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتم الحق،

فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع « حكيم » فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره.

وقد قال عدد من أهل التأويل إن « البينات » هي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق، لأن الله جل ثناؤه، قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإنجيل، وتقدَّم إليه على ألسن أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: « فإن زللتم » :

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: « فإن زللتم » ، يقول: فإن ضللتم.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « فإن زللتم » قال: الزلل: الشرك.

ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: « من بعد ما جاءتكم البينات » :

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « من بعد ما جاءتكم البينات » ، يقول: من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.

وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج: « فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات » ، قال: الإسلام والقرآن.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « فاعلموا أن الله عزيز حكيم » ، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: هل ينظرُ المكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، إلا أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام والملائكة ؟.

ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: « والملائكة » .

فقرأ بعضهم: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة » ، بالرفع، عطفًا بـ « الملائكة » على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن يوسف عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال- في قراءة أبيّ بن كعب: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام » ، قال: تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عزّ وجل فيما شاء.

وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة » الآية، وقال أبو جعفر الرازي: وهي في بعض القراءة: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام » ، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْـزِيلا [ الفرقان: 25 ]

وقرأ ذلك آخرون: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةِ » بالخفض عطفًا بـ « الملائكة » على « الظلل » ، بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة.

وكذلك اختلفت القرأة في قراءة « ظلل » ، فقرأها بعضُهم: « في ظُلَل » ، وبعضهم: « في ظلال » .

فمن قرأها « في ظُلل » ، فإنه وجهها إلى أنها جمع « ظُلَّة » ، و « الظُلَّة » ، تجمع « ظُلل وظِلال » ، كما تجمع « الخُلَّة » ، « خُلَل وخِلال » ، و « الجلَّة » ، « جُلَلٌ وجلال » .

وأما الذي قرأها « في ظلال » ، فإنه جعلها جمع « ظُلَّة » ، كما ذكرنا من جمعهم « الخلة » « خلال » .

وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع « ظِلّ » ، لأن « الظلُّة » و « الظِّل » قد يجمعان جميعًا « ظِلالا » .

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ من الغمام » ، لخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا. فدل بقوله « طاقات » ، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد « الظلل » « ظلة » ، وهي الطاق واتباعًا لخط المصحف. وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف.

وأما الذي هو أولى القراءتين في: « والملائكة » ، فالصواب بالرفع، عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر: 22 ] ، وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [ الأنعام: 158 ] فإن أشكلَ على امرئ قول الله جل ثناؤه: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فظن أنه مخالفٌ معناه معنى قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة » ، إذ كان قوله: « والملائكة » في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظنّ، وذلك أن « الملك » في قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ بمعنى الجميع، ومعنى « الملائكة » . والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع، فتقول: « فلان كثير الدرهم والدينار » يراد به: الدراهم والدنانير و « هلك البعير والشاةُ » ، بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: « والملك » بمعنى « الملائكة » .

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: « ظُلل من الغمام » ، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل « الملائكة » ، ومن الذي يأتي فيها ؟ فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام » ، قال: هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة : « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام » ، قال: يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام » ، قال: طاقات من الغمام، والملائكة حوله قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت

وقول عكرمة هذا، وإن كان موافقًا قولَ من قال: إن قوله: « في ظُلل من الغمام » من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف في صفة الملائكة. وذلك أن الواجب من القراءة على تأويل قول عكرمة هذا في « الملائكة » الخفضُ، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، لأنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكةُ حوله.

هذا إن كان وجَّه قوله: « والملائكة حوله » ، إلى أنهم حول الغمام، وجعل « الهاء » في « حوله » من ذكر « الغمام » . وإن كان وجَّه قوله: « والملائكة حوله » إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل « الهاء » في « حوله » من ذكر الرب عز وجل ، فقوله نظيرُ قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم، غيرُ مخالفهم في ذلك.

وقال آخرون: بل قوله: « في ظلل من الغمام » من صلة فعل « الملائكة » ، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة » الآية، قال: ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجَّه قوله: « في ظُلل من الغمام » إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، لما:-

حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر » .

وأما معنى قوله: « هل ينظرون » ، فإنه ما ينظرون، وقد بيّنا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل.

ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله » .

فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنـزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.

وقال آخرون: إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.

وقال آخرون: معنى قوله: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله » ، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال: « قد خشينا أن يأتينا بنو أمية » ، يراد به: حُكمهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ سبأ: 33 ] وكما يقالُ: « قطع الوالي اللص أو ضربه » ، وإنما قطعه أعوانُه.

وقد بينا معنى « الغمام » فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خُطوات الشيطان، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سَبعين عامًا، لا يُنظر إليكم ولا يُقضى بينكم، قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا، وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يلجمكم فتصيحون، ثم تقولون: من يشَفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا ؟ فيقولون من أحقُّ بذلك من أبيكم آدم ؟ جبل الله تُربته، وخلَقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلَّمه قِبَلا فيؤتى آدم، فيطلبَ ذلك إليه، فيأبى، ثم يستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفَحْص قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص ؟ قال: قُدّام العرش فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا حتى يبعث الله إليَّ ملَكًا، فيأخذ بعضديّ فيرفعني، ثم يقول الله لي: يا محمد ! فأقول: نعم! وهو أعلم. فيقول: ما شأنك ؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفِّعني في خلقك، فاقض بينهم . فيقول: قد شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوفٌ سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا، فهالنا، فنـزل أهل السماء الدنيا بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقَت الأرضُ بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا ؟ قالوا: لا! وهو آتٍ. ثم نـزل أهل السماء الثانية بمثْليْ من نـزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجنّ والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟ قالوا: لا! وهو آتٍ. ثم نـزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نـزل من الملائكة، وبمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟ قالوا: لا ! وهو آتٍ، ثم نـزل أهلُ السموات على عدد ذلك من التضعيف، حتى نـزل الجبار في ظُلل من الغمام والملائكة، ولهم زجَلٌ من تسبيحهم يقولون: » سبحان ذي الملك والملكوت! سبحان ربّ العرش ذي الجبروت! سبحان الحي الذي لا يموت! سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت! سبوح قدوس، رب الملائكة والروح! قدّوس قدّوس! سبحان ربنا الأعلى! سبحان ذي السلطان والعظمة! سبحانه أبدًا أبدًا « ! فينـزل تبارك وتعالى، يحملُ عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة ، أقدامهم على تُخوم الأرض السفلى والسموات إلى حُجَزهم ، والعرشُ على مناكبهم. فوضع الله عز وجل عرشه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي مناد نداءً يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي صُحُفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه! فيقضي الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه ليقتصُّ يومئذ للجمَّاءِ من ذات القَرْن » .

قال أبو جعفر: وهذا الخبر يدلّ على خطأ قول قتادة في تأويله قوله: « والملائكة » أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت . لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم يأتونهم بعد قيام الساعة في موقف الحساب، حين تشقَّقُ السماء، وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، كرهنا إطالة الكتاب بذكرهم وذكر ما قالوا في ذلك، ويوضحُ أيضًا صحة ما اخترنا في قراءة قوله: « والملائكة » بالرفع على معنى: وتأتيهم الملائكة ويُبينُ عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بالخفض، لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تأتي أهل القيامة في موقفهم حين تَفَطَّر السماء، قبل أن يأتيهم ربُّهم، في ظلل من الغمام. إلا أن يكون قارئ ذلك ذهب إلى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وفي الملائكة الذين يأتون أهلَ الموقف حين يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيكون ذلك وجهًا من التأويل، وإن كان بعيدًا من قول أهل العلم، ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 210 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق، على ما ذكرناه قبلُ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أخْذ الحق لكلّ مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجمّاء من القرناء من البهائم « . »

وأما قوله: « وإلى الله تُرجع الأمور » ، فإنه يعني: وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة، والحكم بينهم في أمورهم التي جرت في الدنيا، من ظلم بعضهم بعضًا، واعتداءِ المعتدي منهم حدودَ الله، وخلافَ أمره، وإحسانِ المحسن منهم، وطاعته إياه فيما أمرَه به- فيفصلُ بين المتظالمين، ويجازي أهل الإحسان بالإحسان، وأهل الإساءة بما رأى، ويتفضل على من لم يكن منهم كافرًا فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: « وإلى الله تُرجع الأمور » ، وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرةِ، من عنده مبدؤها، وإليه مصيرها، إذْ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويلي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقه، فيحكم بينهم بعضُ عبيده، فيجورُ بعضٌ ويعدل بعضٌ، ويصيبُ واحد ويخطئ واحد، ويمكَّن من تنفيذ الحكم على بعض، ويتعذَّر ذلك على بعض، لمنعة جانبه وغلبته بالقوة. فأعلم عبادَه تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة، فينصف كُلا من كُلٍّ، ويجازي حق الجزاء كُلا حيثُ لا ظلمَ ولا مُمْتَنَعَ من نفوذ حكمه عليه، وحيث يستوي الضعيف والقويّ، والفقير والغني، ويضمحل الظلم وينـزلُ سلطان العدل.

وإنما أدخل جل وعزّ « الألف واللام » في « الأمور » ، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: « يعجبني العسل- والبغل أقوى من الحمار » ، فيدخل فيه « الألف واللام » ، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.

القول في تأويل قوله عز ذكره : سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: سل يا محمد بني إسرائيل الذين لا ينتظرون - بالإنابة إلى طاعتي، والتوبة إليّ بالإقرار بنبوتك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي- إلا إن آتيهم في ظلل من الغمام وملائكتي، فأفصلُ القضاء بينك وبين من آمن بك وصدَّقك بما أنـزلت إليك من كتبي، وفرضت عليك وعليهم من شرائع ديني، وبينهم كم جئتهم به من قبلك من آية وعلامة، على ما فرضتُ عليهم من فرائضي، فأمرتهم به من طاعتي، وتابعتُ عليهم من حججي على أيدي أنبيائي ورسلي من قبلك، مؤيِّدةً لهم على صدقهم، بيِّنةً أنها من عندي، واضحةً أنها من أدلتي على صدق نُذُري ورُسلي فيما افترضت عليهم من تصديقهم وتصديقك، فكفروا حُجَجي، وكذَّبوا رسلي، وغيَّروا نعمي قِبَلهم، وبدَّلوا عهدي ووصيتي إليهم.

وأما « الآية » ، فقد بينت تأويلها فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية وهي ها هنا. ما:-

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيه بينة » ، ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر، وهم اليهود.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيه بينة » ، يقول: آتاهم الله آيات بينات: عصا موسى ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوَّهم وهم ينظرون، وظلَّل عليهم الغمام، وأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وذلك من آيات الله التي آتاها بني إسرائيل في آيات كثيرة غيرها، خالفوا معها أمر الله، فقتلوا أنبياء الله ورسله، وبدلوا عهده ووصيته إليهم، قال الله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .

قال أبو جعفر: وإنما أنبأ الله نبيه بهذه الآيات، فأمره بالصبر على من كذَّبه، واستكبر على ربه، وأخبره أنّ ذلك فعل من قبْله من أسلاف الأمم قبلهم بأنبيائهم، مع مظاهرته عليهم الحجج، وأنّ من هو بين أظهُرهم من اليهودِ إنما هم من بقايا من جرت عادتهم [ بذلك ] ، ممن قص عليه قصصهم من بني إسرائيل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 211 )

قال أبو جعفر: يعني « بالنعم » جل ثناؤه: الإسلام وما فرض من شرائع دينه.

ويعني بقوله: « ومن يُبدّل نعمة الله » ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام، من العمل والدخول فيه فيكفر به، فإنه مُعاقبه بما أوْعد على الكفر به من العقوبة، والله شديدٌ عقابه، أليم عذابه.

فتأويل الآية إذًا يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصَدَّقوا بها، ادخلوا في الإسلام جميعًا، ودعوا الكفر، وما دعاكم إليه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعِبَرِ، فلا تبدِّلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبي ورسولي، فإنه من يبدِّل ذلك منكم فيغيره فإنى له معاقب بالأليم من العقوبة.

وبمثل الذي قلنا في قوله: « ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته » ، قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته » ، قال: يكفر بها.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « ومن يبدِّل نعمة الله » ، قال: يقول: من يبدِّلها كفرًا.

حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع « ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته » ، يقول: ومن يكفُر نعمتَه من بعد ما جاءته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: زيِّن للذين كفروا حبُّ الحياة الدنيا العاجلة اللذات، فهم يبتغون فيها المكاثرة والمفاخرة، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة، ويستكبرون عن اتباعك يا محمد، والإقرار بما جئت به من عندي، تعظُّمًا منهم على من صدَّقك واتبعك، ويسخرون بمن تبعك من أهل، الإيمان، والتصديق بك، في تركهم المكاثرة، والمفاخرة بالدنيا وزينتها من الرياش والأموال، بطلب الرياسات وإقبالهم على طلبهم ما عندي برفض الدنيا وترك زينتها، والذين عملوا لي وأقبلوا على طاعتي، ورفضوا لذات الدنيا وشهواتها، اتباعًا لك، وطلبًا لما عندي، واتقاءً منهم بأداء فرائضي، وتجنُّب معاصيَّ فوق الذين كفروا يوم القيامة، بإدخال المتقين الجنة، وإدخال الذين كفروا النار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة منهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: « زُيِّن للذين كفروا الحياة الدنيا » ، قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها « ويسخرون من الذين آمنوا » ، في طلبهم الآخرة - قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيًا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا‍! والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود!

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة » ، قال: « فوقهم » في الجنة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 212 )

قال أبو جعفر: ويعني بذلك: والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته.

فإن قال لنا قائل: وما في قوله: « يرزق من يشاء بغير حساب » من المدح ؟ قيل: المعنى الذي فيه من المدح، الخيرُ عن أنه غير خائف نفادَ خزائنه، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم قَدْر العطاء الذي يخرج من ملكه إلى غيره، لئلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يُجحف به، فربنا تبارك وتعالى غيرُ خائف نفادَ خزائنه، ولا انتقاصَ شيء من ملكه، بعطائه ما يعطي عبادَه، فيحتاج إلى حساب ما يعطي، وإحصاء ما يبقي. فذلك المعنى الذي في قوله: « والله يرزق من يشاء بغير حساب »

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « الأمة » : في هذا الموضع، وفي « الناس » الذين وصفهم الله بأنهم: كانوا أمة واحدة.

فقال بعضهم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همام بن منبه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله « كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا » .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، قال: كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ.

قال أبو جعفر: فتأويل « الأمة » على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس « الدين » ، كما قال النابغة الذبياني:

حَــلَفْتُ فَلَـمْ أَتْـرُكْ لِنَفْسِـكَ رِيبَـةً وَهَـلْ يَـأثَمَنْ ذُو أُمَّـةٍ وَهْـوَ طَائِعُ?

يعني ذا الدين.

فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء: كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

وأصل « الأمة » ، الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يُكتفى بالخبر عن « الأمة » من الخبر عن « الدين » ، لدلالتها عليه، كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [ سورة المائدة:48 سورة النحل: 93 ] ، يراد به أهل دين واحد وملة واحدة. فوجه ابن عباس في تأويله قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. ووجهوا معنى « الأمة » إلى الطاعة لله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [ سورة النحل: 120 ] ، يعني بقوله « أمة » ، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « كان الناس أمة واحدة » ، قال: آدم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، قال: آدم، قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال مجاهد: آدم أمة وحدَه،

وكأنّ من قال هذا القول، استجاز بتسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ « الأمة » ، كما يقال: « فلان أمة وحده » ، يقول مقام الأمة.

وقد يجوز أن يكون سماه بذلك لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك « أمة » .

وقال آخرون: معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « كان الناس أمة واحدة » - وعن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: كانوا أمة واحدة حيث عُرضوا على آدم، ففطَرهم يومئذ على الإسلام، وأقرُّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم فكان أبيّ يقرأ: « كان الناسُ أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين » إلى « فيما اختلفوا فيه » . وإن الله إنما بعث الرسل وأنـزل الكتب عند الاختلاف.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، قال: حين أخرجهم من ظهر آدم لم يكونوا أمة واحدة قطُّ غيرَ ذلك اليوم « فبعث الله النبيين » ، قال: هذا حين تفرقت الأمم.

وتأويل الآية على هذا القول نظيرُ تأويل قول من قال يقول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح- وقد بينا معناه هنالك; إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس.

وقال آخرون بخلاف ذلك كله في ذلك، وقالوا: إنما معنى قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، على دين واحد، فبعث الله النبيين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « كان الناس أمة واحدة » ، يقول: كان دينًا واحدًا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة. كما:-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « كان الناس أمة واحدة » ، يقول: دينًا واحدًا على دين آدم، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحق، كما قال أبي بن كعب، كما:-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: هي في قراءة ابن مسعود: « اختلفوا عنه » عن الإسلام.

فاختلفوا في دينهم، فبعث الله عند اختلافهم في دينهم النبيين مبشرين ومنذرين، « وأنـزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه » ، رحمة منه جل ذكره بخلقه واعتذارًا منه إليهم.

وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام، كما روي عكرمة، عن ابن عباس، وكما قاله قتادة.

وجائزٌ أن يكون كان ذلك حين عَرض على آدم خلقه. وجائزٌ أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك- ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيِّ هذه الأوقات كان ذلك. فغيرُ جائز أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل: من أن الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياءَ والرسل. ولا يضرُّنا الجهل بوقت ذلك، كما لا ينفعُنَا العلمُ به، إذا لم يكن العلم به لله طاعةً،

غير أنه أي ذلك كان، فإن دليلَ القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به. وذلك أن الله جل وعز قال في السورة التي يذكر فيها « يونس » : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ يونس: 19 ] . فتوعَّد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعُهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك.

قال أبو جعفر: وأما قوله: « فبعثَ الله النبيين مبشرين ومنذرين » ، فإنه يعني أنه أرسل رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب ويعني بقوله: « ومنذرين » ، ينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار « وأنـزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه » ، يعني بذلك: ليحكم الكتاب- وهو التوراة- بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه. فأضاف جل ثناؤه « الحكم » إلى « الكتاب » ، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين، إذْ كان مَنْ حَكم من النبيين والمرسلين بحُكم، إنما يحكم بما دلَّهم عليه الكتاب الذي أنـزل الله عز وجل، فكان الكتاب بدلالته على ما دلَّ وصفه على صحته من الحكم، حاكمًا بين الناس، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيرُه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وما اختلف فيه » ، وما اختلف في الكتاب الذي أنـزله وهو التوراة « إلا الذين أوتوه » ، يعني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها و « الهاء » في قوله: « أوتوه » عائدة على « الكتاب » الذي أنـزله الله « من بعد ما جاءتهم البينات » ، يعني بذلك: من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه.

فأخبر عز ذكره عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتابَ التوراةَ، واختلفوا فيه على علم منهم، ما يأتون متعمِّدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه.

ثم أخبر جل ذكره أن تعمُّدهم الخطيئة التي أتوها، وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينهم.

و « البغي » مصدر من قول القائل: « بغى فلانٌ على فلان بغيًا » ، إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حدّه، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمدّ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض، وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت: « بَغَى » كل ذلك بمعنى واحد، وهي زيادته وتجاوز حده.

فمعنى قوله جل ثناؤه: « وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم » ، من ذلك. يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنـزلته مع نبييِّ عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، بغيًا بينهم، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالا من بعضم لبعض. كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله: « وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه » يقول: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلم « من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم » ، يقول: بغيًا على الدنيا وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها، أيُّهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضُهم على بعض، وضرب بعضُهم رقاب بعض.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العربية في « مِنْ » التي في قوله: « من بعد ما جاءتهم البينات » ما حكمها ومعناها؟ وما المعنى المنتسق في قوله: « وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم » ؟

فقال بعضهم: « من » ، ذلك للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له. غيرَ أنه زعم أن معنى الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات. وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم « البغي » قبل « من » ، لأن « من » إذا كان الجالب لها « البغي » ، فخطأ أن تتقدمه لأن « البغي » مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه. وزعم المنكر ذلك أن « الذين » مستثنى، وأنّ « من بعد ما جاءتهم البينات » مستثنى باستثناء آخر، وأن تأويل الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات فكأنه كرر الكلام توكيدًا.

قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أشبه بتأويل الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه بتأويل الآية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 213 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فهدى الله » ، فوفق [ الله ] الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه.

وكان اختلافهم الذي خذلهم الله فيه، وهدى له الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فوفقتهم لإصابته: « الجمُعة » ، ضلوا عنها وقد فُرضت عليهم كالذي فُرض علينا، فجعلوها « السبت » ، فقال صلى الله عليه وسلم: « نحن الآخِرون السابقون ، بيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له فلليهود غدًا وللنصارى بعد غد » .

حدثنا بذلك محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عياض بن دينار الليثي، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه » ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون الآولون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتابَ من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فهذا اليوم الذي هدانا الله له والناس لنا فيه تبع، غدًا لليهود، وبعد غد للنصارى.

* وكان مما اختلفوا فيه أيضًا ما قال ابن زيد، وهو ما:-

حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: « فهدى الله الذين آمنوا » للإسلام، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا للقبلة.

واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعضَ يوم، وبعضهم بعض ليلة، وهدانا الله له. واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديًا، وقالت النصارى كان نصرانيًا‍! فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين للذين يدَّعونه من أهل الشرك. واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لِفِرْية، وجعلته النصارى ربًا، فهدانا الله للحق فيه. فهذا الذي قال جل ثناؤه: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه » .

قال أبو جعفر: فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد، وبما جاء به لما اختلف - هؤلاء الأحزاب من بنى إسرائيل الذين أوتوا الكتاب- فيه من الحق بإذنه أنْ وفقهم لإصابة ما كان عليه من الحق مَنْ كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، إذ كانوا أمة واحدة، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمن، فصاروا بذلك أمة وَسطًا، كما وصفهم به ربهم ليكونوا شهداء على الناس. كما:-

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه » ، فهداهم الله عند الاختلاف، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف: أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلهم. وهي في قراءة أبي بن كعب: ( وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) يوم القيامة ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) . فكان أبو العالية يقول في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه » ، يقول: اختلف الكفار فيه، فهدى الله الذي آمنوا للحق من ذلك; وهي في قراءة ابن مسعود: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه » ، عن الإسلام.

قال أبو جعفر: وأمّا قوله: « بإذنه » ، فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له، وقد بينا معنى « الإذن » إذْ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا.

وأما قوله: « والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » ، فإنه يعني به: والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه.

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحقّ: من أن كل نعمة على العباد في دينهم آو دنياهم، فمن الله جل وعز.

فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه » ؟ أهداهم للحق، أم هداهم للاختلاف ؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم! وإن كان هداهم للحق، فيكف قيل، « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه » ؟

قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحقّ فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضُهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم- وهم أهل التوراة الذين بدّلوها- فهدى الله مما للحقّ بدَّلوا وحرَّفوا، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و « مِنْ » إنما هي في كتاب الله في « الحق » و « اللام » في قوله: « لما اختلفوا فيه » ، وأنت تحول « اللام » في « الحق » ، و « من » في « الاختلاف » ، في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبًا ؟

قيل: ذلك في كلام العرب موجودٌ مستفيضٌ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبَهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:

كَــانَتْ فَرِيضَـةُ مَـا تَقُـول كمـا كَــانَ الزِّنَــاءُ فَريضَــةَ الرَّجْـمِ

وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:

إنّ سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُهْ تَحْــلَى بـه العَيْـنُ إذَا مَـا تَجْـهَرُهْ

وإنما سراجٌ الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج.

وقد قال بعضهم: إن معنى قوله « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق » ، أن أهلَ الكتب الأوَل اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهلَ الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها.

وذلك قولٌ، غير أن الأوّل أصح القولين. لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )

قال أبو جعفر: وأما قوله: « أم حسبتم » ، كأنه استفهم بـ « أم » في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام، لسبوق كلام هو به متصل، ولو لم يكن قبله كلام يكون به متصلا وكان ابتداءً لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام; لأن قائلا لو كان قال مبتدئًا كلامًا لآخر: « أم عندك أخوك » ؟ لكان قائلا ما لا معنى له. ولكن لو قال: « أنت رجل مُدِلٌّ بقوتك أم عندك أخوك ينصرك ؟ » كان مصيبًا. وقد بينَّا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته.

فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من « البأساء » - وهو شدة الحاجة والفاقة « والضراء » - وهي العلل والأوصاب - ولم تزلزلوا زلزالهم- يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه مُعليهم على عدوِّهم، ومظهرهم عليه، فنجَّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.

وهذه الآية - فيما يزعم أهل التأويل- نـزلت يومَ الخندق، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا إلى قوله: وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا [ الأحزاب: 9- 11 ]

* ذكر من قال نـزلت هذه الآية يوم الأحزاب:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا » ، قال: نـزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا [ الأحزاب: 12 ]

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراء وزلزلوا » ، قال: نـزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ

وأما قوله: « ولما يأتكم » ، فإنّ عامة أهل العربية يتأوّلونه بمعنى: ولم يأتكم، ويزعمون أن « ما » صلة وحشو، وقد بينت القول في « ما » التي يسميها أهل العربية « صلة » ، ما حكمها؟ في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

وأما معنى قوله: « مثل الذين خلوا من قبلكم » ، فإنه يعني: شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم.

وقد دللت في غير هذا الموضع على أن « المثل » ، الشبه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا » ...

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قال قوله: « حتى يقول الرسول والذين آمنوا » ، قال: هو خيرُهم وأعلمهم بالله.

وفي قوله: « حتى يقول الرسول » ، وجهان من القراءة: الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول: لما كان يحسُن في موضعه « فعَل » أبطل عمل « حتى » فيها، لأن « حتى » غير عاملة في « فعل » ، وإنما تعمل في « يفعل » ، وإذا تقدمها « فعل » ، وكان الذي بعدها « يفعل » ، وهو مما قد فُعل وفُرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في « يفعل » وإبطال عمل « حتى » عنه، وذلك نحو قول القائل: « قمت إلى فلان حتى أضربُه » ، والرفع هو الكلام الصحيح في « أضربه » ، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كانَ وفُرغ منه، وكان القيام غيرَ متطاول المدة. فأمَّا إذا كان ما قبل « حتى » من الفعل على لفظ « فعل » متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب « يفعل » ، وإعمال « حتى » ، وذلك نحو قول القائل: « ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك وجعل ينظر إليك حتى يثبتك » ، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره- النصبُ بـ « حتى » ، كما قال الشاعر:

مَطَــوْتُ بِهِـمْ حَـتَّى تَكِـلَّ مَطِيُّهـمْ وَحَـتَّى الجِيَـادُ مَـا يُقَـدْنَ بِأَرْسَـانِ

فنصب « تكل » ، والفعل الذي بعد « حتى » ماض، لأن الذي قبلها من « المطو » متطاول.

والصحيح من القراءة - إذْ كان ذلك كذلك- : « وزلزلوا حتى يقولَ الرسول » ، نصب « يقول » ، إذ كانت « الزلزلة » فعلا متطاولا مثل « المطو بالإبل » .

وإنما « الزلزلة » في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا « زلزلة الأرض » ، فلذلك كانت متطاولة وكان النصبُ في « يقول » وإن كان بمعنى « فعل » أفصحَ وأصحَّ من الرفع فيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به ؟، وعلى مَن ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به ؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو مُحْصيه لكم حتى يوفِّيَكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه.

و « الخير » الذي قال جل ثناؤه في قوله: « قل ما أنفقتم من خير » ، هو المال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية.

وفي قوله: « ماذا » ، وجهان من الإعراب.

أحدهما: أن يكون « ماذا » بمعنى: أيّ شيء ؟، فيكون نصبًا بقوله: « ينفقون » .

فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟، ولا يُنصَب بـ « يسألونك » . والآخر منهما الرفع. وللرفع في « ذلك » وجهان: أحدهما أن يكون « ذا » الذي مع « ما » بمعنى « الذي » ، فيرفع « ما » ب « ذا » و « ذا » لِ « ما » ، و « ينفقون » من صلة « ذا » ، فإن العرب قد تصل « ذا » و « هذا » ، كما قال الشاعر:

عَــدَسْ! مَـا لِعَبَّـادٍ عَلَيْـكِ إمَـارَةٌ أمنْــتِ وهــذَا تَحْــمِلِينَ طَلِيـقُ!

فـ « تحملين » من صلة « هذا » .

فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟

والآخر من وجهي الرفع أن تكون « ماذا » بمعنى أيّ شيء، فيرفع « ماذا » ، وإن كان قوله: « ينفقون » واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو « ينفقون » ، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال الشاعر:

ألا تَسْــأَلانِ المَـرْءَ مَـاذَا يُحَـاِولُ أَنَحْـبٌ فَيُقْضَـى أَمْ ضـلالٌ وَبَـاطِلُ

وكما قال الآخر:

وَقَـالُوا تَعَرَّفْهـَا المَنَـازِلَ مِـنْ مِنًى وَمَـا كُـلُّ مَـنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ

فرفع « كل » ولم ينصبه « بعارف » ، إذ كان معنى قوله: « وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف » جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد. وهذه الآية [ نـزلت ] - فيما ذكر- قبل أن يفرض الله زكاةَ الأموال.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين » ، قال: يوم نـزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقةُ ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أينَ يضعون أموالهم ؟ فنـزلت: « يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامىَ والمساكين وابن السبيل » ، فذلك النفقةُ في التطوُّع، والزكاةُ سوى ذلك كله قال: وقال مجاهد: سألوا فأفتاهم في ذلك: « ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين » وما ذكر معهما.

حدثنا محمد بن عمرو، قال حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح في قول الله: « يسألونك ماذا ينفقون » ، قال: سألوه فأفتاهم في ذلك: « فللوالدين والأقربين » وما ذكر معهما.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد وسألته عن قوله: « قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين » قال: هذا من النوافل، قال: يقول: هم أحق بفضلك من غيرهم.

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله السدي : من أنه لم يكن يوم نـزلت هذه الآية زكاةٌ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة قولٌ ممكن أن يكون كما قال: وممكن غيره. ولا دلالة في الآية على صحة ما قال، لأنه ممكن أن يكون قوله: « قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين » الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [ سورة البقرة: 177 ] . وهذا القول الذي قلناه في قول ابن جريج الذي حكيناه.

وقد بينا معنى المسكنة، ومعنى ابن السبيل فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته.

القول في تأويل قوله عز ذكره : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه بقوله : « كتب عليكم القتال » ، فُرض عليكم القتال، يعني قتال المشركين وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ .

واختلف أهل العلم في الذين عُنوا بفرض القتال.

فقال بعضهم: عني بذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً دون غيرهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء قلت له: « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » ، أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها ؟ قال: لا! كُتب على أولئك حينئذ.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا خالد، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » ، قال نسختها وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [ سورة البقرة: 285 ]

قال أبو جعفر: وهذا قول لا معنى له، لأن نسخَ الأحكام من قبل الله جل وعزّ، لا من قبل العباد، وقوله: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخٌ منه.

حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، قال: سألت الأوزاعي عن قول الله عز وجل: « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم ؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا. »

وقال آخرون: هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقطُ فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين، كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم، وعلى هذا عامة علماء المسلمين .

قال أبو جعفر: وذلك هو الصواب عندنا لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [ سورة النساء: 95 ] ، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى.

وقال آخرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيام الساعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حُبَيش بن مبشر قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي.

وقد بينا فيما مضى معنى قوله: « كتب » بما فيه الكفاية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وهو ذو كره لكم، فترك ذكر « ذو » اكتفاء بدلالة قوله: « كره لكم » ، عليه، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ سورة يوسف: 82 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن عطاء في تأويله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: « وهو كره لكم » قال: كُرّه إليكم حينئذ.

« والكره » بالضم: هو ما حمل الرجلُ نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه، « والكَرْهُ » بفتح « الكاف » ، هو ما حمله غيره، فأدخله عليه كرهًا. وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ بن مسلم، قال: الكُرْه المشقة، والكَرْه الإجبار.

وقد كان بعض أهل العربية يقول: « الكُره والكَره » لغتان بمعنى واحد، مثل: « الغُسْل والغَسْل » و « الضُّعف والضَّعف » ، و « الرُّهبْ والرَّهبْ » . وقال بعضهم: « الكره » بضم « الكاف » اسم و « الكره » بفتحها مصدر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم، كما:-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم » ، وذلك لأن المسلمين كانوا يكرهون القتال، فقال: « عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم » يقول: إن لكم في القتال الغنيمةَ والظهور والشهادة، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين، ولا تُستْشهدوا، ولا تصيبوا شيئًا.

حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، قال: حدثني يحيى بن محمد بن مجاهد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي، قال: أخبرني عامر بن واثلة قال: قال ابن عباس: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن عباس ارضَ عن الله بما قدَّرَ، وإن كان خلافَ هواك، فإنه مثبَتٌ في كتاب الله. قلت: يا رسول الله، فأين؟ وقد قرأت القرآن ! قال: في قوله: « وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون »

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أنّ قتالكم إياهم، هو خيرٌ لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغِّبهم في قتال من كفر به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك يا محمد أصحابُك عن الشهر الحرام وذلك رَجبٌ عن قتالٍ فيه.

وخفضُ « القتال » على معنى تكرير « عن » عليه، وكذلك كانت قراءةُ عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا. وقد:-

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه » ، قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه، قال: وكذلك كان يقرؤها: « عن قتال فيه » .

قال أبو جعفر: « قل » يا محمد: « قتالٌ فيه » - يعني في الشهر الحرام « كبيرٌ » ، أي عظيمٌ عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه.

ومعنى قوله: « قتال فيه » ، قل القتال فيه كبير. وإنما قال: « قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، لأن العرب كانت لا تقرعُ فيه الأسنَّة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يَهيجه تعظيما له، وتسميه مضر « الأصمَّ » لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه. وقد:-

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا الزبير، عن جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يَغزو حتى إذا حضر ذلك أقامَ حتىّ ينسلخ.

وقوله جل ثناؤه: « وصَدٌّ عن سبيل الله » . ومعنى « الصدّ » عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل: « صدّ فلان بوجهه عن فلان » ، إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه.

وقوله: « وكفرٌ به » ، يعني: وكفر بالله، و « الباء » في « به » عائدة على اسم الله الذي في « سبيل الله » . وتأويل الكلام: وصدٌّ عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام- وهم أهله وولاته- أكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام.

فـ « الصدُّ عن سييل الله » مرفوع بقوله: « أكبر عند الله » . وقوله: « وإخراج أهله منه » عطف على « الصد » . ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: « والفتنة أكبر من القتل » ، يعني: الشرك أعظم وأكبرُ من القتل، يعني: مِنْ قَتل ابن الحضرميّ الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام.

قال أبو جعفر: وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: « والمسجد الحرام » معطوف على « القتال » وأن معناه: يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه: « وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله » من القتال في الشهر الحرام.

وهذا القول، مع خروجه من أقوال أهل العلم، قولٌ لا وجهَ له. لأن القوم لم يكونوا في شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم ؟ بل لم يدَّع ذلك عليهم أحدٌ من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عَمَّا ارتابوا بحكمه كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادَّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه. فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.

ولا خلاف بين أهل التأويل جميعًا أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله.

* ذكر الرواية عمن قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب مَقْفَلَه من بدر الأولى، وبعثَ معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.

وكان أصحابُ عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة [ بن عتبة ] بن ربيعة- ومن بني أمية- بن عبد شمس، ثم من حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رئاب، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرثان أحد بني أسد بن خزيمة- ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم - ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص- ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم- ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء.

فلما سار عبدُ الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه: « إذا نظرت إلى كتابي هذا، فسرْ حتى تنـزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم » . فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: « سمعا وطاعة » ، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه، فلم يتخلَّف عنه [ منهم ] أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمَعْدِن فوق الفُرع يقال له بُحْران، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا عليه يعتقبانه، فتخلَّفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نـزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا وتجارةً من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نـزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمّار‍! فلا بأس علينا منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من جمادى، فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجُعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسرَ عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم.

وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أنّ عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمُس.

وذلك قبل أن يُفرضُ الخمس من الغنائم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام! فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال! وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. [ فيه الرجال ] فقال من يردُّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى! وقالت يهود - تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم- : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله! « عمرو » ، عمرت الحرب! و « الحضرميّ » ، حَضَرت الحربُ! « وواقد بن عبد الله » ، وقدت الحرب! فجعل الله عليهم ذلك وبهم.

فلما أكثر الناسُ في ذلك أنـزل الله جل وعز على رسوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه » ،

أي: عن قتالٍ فيه « قل قتال فيه كبيرٌ » إلى قوله: « والفتنة أكبر من القتل » ، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجُكم عنه إذ أنتم أهله وولاته، أكبرُ عند الله من قتل من قتلتم منهم، « والفتنة أكبر من القتل » ، أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. فلما نـزل القرآن بهذا من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العيرَ والأسيرين.

حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ » ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينـزل [ بطن ] مَلَل، فلما نـزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنـزل بطن نخلة، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا ! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب ! فقال المسلمون : إنما قتلناه في جُمادى ! - وقيل : في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنـزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة : « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير » لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: « وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل » .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه: أنه حدثه رجل، عن أبي السوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه بعث رَهطًا، فبعثَ عليهم أبا عبيدة . فلما أخذ لينطلق، بكى صَبابةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا : « ولا تكرهنَّ أحدًا من أصحابك على السير معك » . فلما قرأ الكتاب استرجعَ وقال: سمعًا وطاعة لأمر الله ورسوله ! فخبَّرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ومضَى بقيتهم. فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم : أمن رَجب أو من جمادى؟ فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام ! فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثوه الحديث، فأنـزل الله عز وجل : « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبرُ من القتل » - والفتنة هي الشرك. وقال بعضُ الذين - أظنه قال - : كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد ! فقال: إن يكن خيرًا فقد وَلِيت ! وإن يكن ذنبًا فقد عملت !

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه » ، قال: إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنـزل الله جل وعز: « قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به » وصد عن المسجد الحرام « وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله » من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري وعُثمان الجزريّ، وعن مقسم مولى ابن عباس قال: لقي واقد بنُ عبد الله عمرَو بنَ الحضرميّ في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه من جمادى، فقتله، وهو أول قتيل من المشركين. فعيَّر المشركون المسلمين فقالوا : أتقتلون في الشهر الحرام ! فأنـزل الله : « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام » يقول: وصد عن سبيل الله وكفرٌ بالله « والمسجد الحرام » وصد عن المسجد الحرام « وإخراج أهله منه أكبر عند الله » ، من قتل عمرو بن الحضرميّ « والفتنة » ، يقول: الشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضا قال الزهري وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرِّم القتالَ في الشهر الحرام، ثم أحِلّ [ له ] بعدُ.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير » ، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردُّوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتالَ في شهر حرام، فقال الله جل وعز: « وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله » من القتل فيه وأنّ محمدًا بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف آخرَ ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أنّ تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجلٌ منهم واحدٌ وأنّ المشركين أرسلوا يُعيرونه بذلك فقال الله جل وعز: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير » وغير ذلك أكبر منه، « صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه » إخراجُ أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمدٌ، والشرك بالله أشدُّ.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك: قال لما نـزلت: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير » إلى قوله: « والفتنة أكبرُ من القتل » ، استكبروه. فقال: والفتنة الشرك الذي أنتم عليه مقيمون أكبر مما استكبرتم.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في جيش، فلقي ناسًا من المشركين ببطن نخلة، والمسلمون يحسَبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابنَ الحضرميّ، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرِّمون الشهرَ الحرام والبلدَ الحرام ، وقد قتلتم في الشهر الحرام! فأنـزل الله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه » إلى قوله « أكبر عند الله » من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي، و « الفتنة » - التي أنتم عليها مقيمون، يعني الشركَ - « أكبر من القتل » .

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: وكان يسميها - يقول: لقي واقدُ بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلةَ فقتله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه » ، فيمن نـزلت؟ قال: لا أدري قال ابن جريج: وقال عكرمة ومجاهد: في عمرو بن الحضرمي. قال ابن جريج، وأخبرنا ابن أبي حسين، عن الزهري ذلك أيضًا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: « قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام » ، - قال: يقول: صدٌ عن المسجد الحرام « وإخراج أهله منه » - فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي - « والفتنة أكبر من القتل » - كفرٌ بالله وعبادة الأوثان، أكبرُ من هذا كله.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير » ، كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فعيّر المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفرٌ به، وإخراجُ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام.

قال أبو جعفر: وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع « الصد » و « الكفر به » ، وأن رافعه « أكبر عند الله » . وهما يؤكدان صحّة ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوعٌ على العطف على « الكبير » ، وقولِ من زعم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيل الله، وزعم أن قوله: « وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله » ، خبر منقطع عما قبله مبتدأ.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسمعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله: « والفتنة أكبر من القتل » ، قال: يعني به الكفر.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله » من ذلك. ثم عيَّر المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال: « والفتنة أكبر من القتل » ، أي الشرك بالله أكبر من القتل.

وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَو بن الحضرمي في آخر ليلة من جُمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيِّرونه بذلك، فقال: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، وغيرُ ذلك أكبر منه: « صدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر » من الذي أصابَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر : وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله: « وصدٌّ عن سبيل الله » .

فقال بعض نحويي الكوفيين: في رفعه وجهان: أحدهما ، أن يكون « الصدُّ » مردودًا على « الكبير » ، يريد: قل القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به . وإن شئت جعلت « الصد » « كبيرًا » ، يريد به: قل القتالُ فيه كبير، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله والكفر به .

قال أبو جعفر : قال فأخطأ - يعني الفراء- في كلا تأويليه. وذلك أنه إذا رفع « الصد » عطفًا به على « كبير » ، يصير تأويل الكلام: قل القتالُ في الشهر الحرام كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله، وكفرٌ بالله. وذلك من التأويل خلافُ ما عليه أهل الإسلام جميعًا . لأنه لم يدَّع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرًا بالله، بل ذلك غير جائز أن يُتَوَهَّم على عاقل يعقل ما يقولُ أن يقوله. وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك: « وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله » ؟! فلو كان الكلام على ما رآه جائزًا في تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، كان أعظمَ عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول في أثره: « وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله » . وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظمُ عند الله من الكفر به، ما يُبين عن خطأ هذا القول.

وأما إذا رفع « الصد » ، بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر - وذلك رفعه بمعنى: وكبير صدٌّ عن سبيل الله، ثم قيل: « وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله » - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، أعظمُ عند الله من الكفر بالله والصدِّ عن سبيله، وعن المسجد الحرام. ومتأوِّل ذلك كذلك، داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائلُ القولَ الأوّل: من تصييره بعض خلال الكفر أعظمَ عند الله من الكفر بعينه. وذلك مما لا يُخيل على أحدٍ خطؤه وفسادُه .

وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول القولَ الأول في رفع « الصد » ، ويزعم أنه معطوف به على « الكبير » ، ويجعل قوله: « وإخراج أهله » مرفوعًا على الابتداء، وقد بينا فسادَ ذلك وخطأ تأويله.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، هل هو منسوخٌ أم ثابت الحكم؟

فقال بعضهم: هو منسوخ بقوله الله جل وعز: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] ، وبقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ سورة التوبة: 5 ]

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء بن ميسرة: أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في « براءة » قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] : يقول: فيهن وفي غيرهن.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد. وقال آخرون: بل ذلك حكم ثابتٌ لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاجُ، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟ فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة: من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] .

وإنما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزَا هوازن بحُنين وثقيفًا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوْطاس لحرب من بها من المشركين، في الأشهر الحرُم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم.

وأخرى، أن جميعَ أهل العلم بِسِيَر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أنّ بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ ، لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القومَ الحربَ ويحاربَهم، حتى رجع عثمان بالرسالة، جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكفَّ عن حربهم حينئذ وقتالهم. وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرُم.

فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ » ، وأنه منسوخ.

فإذا ظنّ ظانّ أن النهي عن القتال في الأشهر الحرُم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه. فقد ظنّ جهلا . وذلك أن هذه الآية - أعني قوله: « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه » - في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنـزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهجرته إليها، وكانت وقعةُ حُنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: « ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا » ، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردُّوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا » ، قال: كفار قريش.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 217 )

قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه: « ومن يرتدد منكم عن دينه » ، من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سورة الكهف: 64 ] يعني بقوله: « فارتدَّا » ، رجعا. ومن ذلك قيل: « استردّ فلان حقه من فلان » ، إذا استرجعه منه.

وإنما أظهر التضعيف في قوله: « يرتدد » لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا سكِّنت فالقياس ترك التضعيف، وقد تضعَّف وتدغم وهي ساكنة ، بناء على التثنية والجمع.

وقوله: « فيمت وهو كافر » ، يقول: من يرجع عن دينه دين الإسلام، « فيمت وهو كافر » ، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبَطت أعمالهم.

يعني بقوله: « حبطت أعمالهم » ، بطلت وذهبت. وبُطولها: ذهابُ ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة.

وقوله: « وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » ، يعني: الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها.

وإنما جعلهم « أهلها » لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال: « هؤلاء أهل محلة كذا » ، يعني: سكانها المقيمون فيها.

ويعني بقوله: « هم فيها خالدون » ، هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به وبقوله: « والذين هاجروا » الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، إلى غيرها هجرة... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة: « المفاعلة » من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه. وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم « مهاجرين » ، لما وصفنا من هجرتهم دورَهم ومنازلهم كراهةً منهم النـزولَ بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم - إلى الموضع الذي يأمنون ذلك.

وأما قوله: « وجاهدوا » فإنه يعني: وقاتلوا وحاربوا.

وأصل « المجاهدة » « المفاعلة » من قول الرجل: « قد جَهَد فلان فلانًا على كذا » - إذا كرَبَه وشقّ عليه- « يجهده جهدًا » . فإذا كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد من صَاحبه شدة ومشقة، قيل: « فلانٌ يجاهد فلانًا » - يعني: أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه - « فهو يُجاهده مجاهدة وجهادًا » .

وأما « سبيل الله » ، فطريقه ودينه.

فمعنى قوله إذًا : « والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله » ، والذين تحوَّلوا من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوفَ فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله « أولئك يرجون رَحمة الله » ، أي: يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم.

« والله غفور » ، أي ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة.

وهذه الآية أيضًا ذُكر أنها نـزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان ، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم - أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنـزل الله: « إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: أنـزل الله عز وجل القرآنَ بما أنـزلَ من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه - يعني: في قتلهم ابن الحضرمي - فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نـزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمعُ أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنـزل الله عز وجل فيهم: « إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيمٌ » . فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسنَ الثناء فقال: « إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيم » ، هؤلاء خيارُ هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجَا طلب، ومن خاف هرب.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشُربها.

و « الخمر » كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه. وهو من قول القائل: « خَمَرت الإناء » إذا غطيته، و « خَمِر الرجل » ، إذا دخل في الخَمَر. ويقال: « هو في خُمار الناس وغُمارهم » ، يراد به دخل في عُرْض الناس. ويقال للضبع: « خامري أم عامر » ، أي استتري. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغَمَره فهو « خمر » . ومن ذلك أيضا « خِمار المرأة » ، وذلك لأنها تستر [ به ] رأسها فتغطيه. ومنه يقال: « هو يمشي لك الخمَر » ، أي مستخفيًا ، كما قال العجاج:

فِـي لامِـعِ العِقْبَـانِ لا يَـأتي الْخَمَرْ يُوَجِّــهُ الأرْضَ وَيَسْــتَاقُ الشَّـجَرْ

ويعني بقوله: « لا يأتي الخمر » ، لا يأتي مستخفيًا ولا مُسارَقةً، ولكن ظاهرًا برايات وجيوش. و « العقبان » جمع « عُقاب » ، وهي الرايات.

وأما « الميسر » فإنها « المفعل » من قول القائل: « يسَرَ لي هذا الأمر » ، إذا وجب لي « فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا » و « الياسر » الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك. ثم قيل للمقامر، « ياسرٌ ويَسَر » ، كما قال الشاعر:

فَبِـــتُّ كَــأَنَّنِي يَسَــرٌ غَبِيــنٌ يُقَلِّــبُ, بَعْـدَ مَـا اخْـتُلِعَ, القِدَاحَـا

وكما قال النابغة :

أَوْ يَاسِــرٌ ذَهَــبَ القِـدَاح بوَفْـرِهِ أَسِــفٌ تآكَلَــهُ الصِّــدِيقُ مُخَـلَّعُ

يعني « بالياسر » : المقامر. وقيل للقمار « ميسر » .

وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « يسألونك عن الخمر والميسر » قال: القمار، وإنما سمّي « الميسر » لقولهم: « أيْسِروا واجْزُرُوا » ، كقولك: ضع كذا وكذا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: إياكم وهذه الكِعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرًا ، فإنهن من الميسر.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص مثله.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن نافع قال، حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي الأحوص، عن عبد الله أنه قال: إياكم وهذه الكعاب التي تزجرون بها زَجرًا، فإنها من الميسر.

حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين قال: القمار ميسرٌ.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين قال: كل شيء له خَطَرٌ أو: في خَطَر ، أبو عامر شك فهو من الميسر.

حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين قال: كل قمار ميسر، حتى اللعب بالنَّرد على القيام والصِّياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: كل لعب فيه قمار من شُرب أو صياح أو قيام، فهو من الميسر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا الأشعث، عن الحسن أنه قال: الميسر القمار.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا المعتمر، عن ليث، عن طاوس وعطاء قالا كل قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد قال: الميسر القمار.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، عن عبيد الله قال: إياكم وهاتين الكَعْبتين يُزجر بهما زجرًا ، فإنهما من الميسر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن عليه، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة قال: أما قوله: « والميسر » ، فهو القمار كله.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله بن عمر: أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: النرد « ميسر » ، أرأيت الشطرنج؟ ميسر هو؟ فقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: الميسر القمار. كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله.

حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: الميسر القمار.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: الميسر القمار.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن الليث، عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، سمعت عبيد الله بن سليمان يحدث، عن الضحاك قوله: « والميسر » ، قال: القمار.

حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الميسر القمار.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد قال، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: القمار من الميسر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: الميسرُ، قداح العرب وكِعابُ فارس قال: وقال ابن جريج: وزعم عطاء بن ميسرة: أن الميسر القمار كله.

حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز قال، قال مكحول: الميسر القمار.

حدثنا الحسين بن محمد الذارع قال، حدثنا الفضل بن سليمان وشجاع بن الوليد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: الميسر القمار.

وأما قوله: « قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافع للناس » ، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهم : « فيهما » ، يعني في الخمر والميسر « إثم كبير » ، فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما:-

حدثني به موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: « فيهما إثمٌ كبير » ، فإثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « قل فيهما إثم كبير » ، قال: هذا أوَّل ما عِيبَتْ به الخمر.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « قل فيهما إثم كبير » ، يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها.

قال أبو جعفر : والذي هو أولى بتأويل « الإثم الكبير » الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر: في « الخمر » ما قاله السدي: زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام. وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله. وأما في « الميسر » ، فما فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [ سورة المائدة: 91 ]

وأما قوله: « ومنافع للناس » ، فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها.

لَنَـا مِـنْ ضُحَاهـا خُـبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ وذِكْــرَى هُمُـوم مَـا تُغِـبُّ أَذَاتُهَـا

وَعِنْــد العِشَـاءِ طِيـبُ نَفْسٍ وَلَـذَّةٌ وَمَــالٌ كَثِــير, عِــزَّةٌ نَشَـوَاتُهَا

وكما قال حسان:

فَنَشْـــرَبُهَا فَتَتْرُكُنَـــا مُلُوكًـــا وَأُسْــدًا, مَــا يُنَهْنِهُنَــا اللِّقَــاءُ

وأما منافع الميسر ، فما يصيبون فيه من أنصِباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح ، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة:

وَجَـزُورِ أَيْسَـارٍ دَعَـوْتُ إلَـى النَّدَى وَنِيَــاطِ مُقْفِــرَةٍ أَخَـافُ ضَلالَهَـا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المنافع ههنا ما يصيبون من الجَزور.

حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما منافعهُما، فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يُصاب من القمار.

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس » ، قال: منافعهما قبل أن يحرَّما.

حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس: « ومنافع للناس » ، قال: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرَحها إذا شربوها.

واختلف القرأة في قراءة ذلك:

فقرأه عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين: « قل فيهما إثم كبيرٌ » بالباء، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام.

وقرأه آخرون من أهل المصرين البصرة والكوفة: « قل فيهما إثمٌ كثيرٌ » ، بمعنى الكثرة من الآثام. وكأنهم رأوا أن « الإثم » بمعنى « الآثام » ، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه « بالباء » : « قل فيهما إثم كبير » ، لإجماع جميعهم على قوله: « وإثمهما أكبر من نفعهما » ، وقراءته بالباء. وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا

قال أبو جعفر : يعني بذلك عز ذكره: والإثم بشرب [ الخمر ] هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به.

ونـزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث.

وقد قال عددٌ من أهل التأويل: معنى ذلك: وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « وإثمهما أكبر من نفعهما » ، قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدَ ما حرِّما.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا » ينـزل المنافعَ قبل التحريم، والإثم بعد ما حرِّم.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وإثمهما أكبرُ من نفعهما » ، يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وإثمهما أكبرُ من نفعهما » ، يقول: ما يذهب من الدِّين والإثمُ فيه، أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها.

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهُرها بأن هذه نـزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم.

* ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نـزلت قبل تحريم الخمر:

حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ فكرهها قوم لقوله: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ، وشربها قوم لقوله: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، حتى نـزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [ سورة النساء: 43 ] ، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نـزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [ سورة المائدة: 90 ] فقال عمر: ضَيْعَةً لك ! اليوم قُرِنْتِ بالميسر !

حدثني محمد بن معمر قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنـزل الله عز وجل في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنـزل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نـزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نـزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حُرِّمت الخمر » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن قالا قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ و « يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما » ، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ، الآية.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عوف، عن أبي القَمُوص زيد بن علي قال: أنـزل الله عز وجلّ في الخمر ثلاثَ مرات. فأول ما أنـزل قال الله: « يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما » ، قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يَهْجُران كلامًا لا يدري عوف ما هو، فأنـزل الله عز وجل فيهما: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها - فيما زعم أبو القموص - رجلٌ، فجعل ينوح على قتلى بدر:

تُحَـــيِّي بِالسَّـــلامَةِ أُمُّ عَمْــروٍ وَهَـلْ لَـكِ بَعْـدَ رَهْطِـكِ مِـنْ سَلامِ

ذَرِينــي أَصْطَبِــحْ بَكْــرًا, فَـإنِّي رَأَيْــتُ المَـوْتَ نَقَّـبَ عَـنْ هِشَـامِ

وَوَدَّ بَنُــو المُغِــيرَةِ لَــوْ فَــدَوْهُ بِــأَلْـفٍ مِـنْ رِجَــالٍ أَوْ سَـــوَامِ

كَــــــــأَيٍّ بـــــــالطَّو مِــنْ الشِّــيزَى يُكَلَّــلُ بالسَّــنَامِ

كَــأَيٍّ بــالطَّوِىِّ طَــوِيِّ بَــدْرٍ مِــنَ الفِتْيَــانِ والحُــلَلِ الكِـرَامِ

قال: فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله ! والله لا أطعمُها أبدًا ! فأنـزل الله تحريمها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتهينا، انتهينا !!

حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا إسحق الأزرق، عن زكريا، عن سماك، عن الشعبي قال: نـزلت في الخمر أربعُ آيات: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، فتركوها، ثم نـزلت: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [ سورة النحل: 67 ] ، فشربوها ثم نـزلت الآيتان في « المائدة » : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ

حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال نـزلت هذه الآية: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، ولم يفهمها. فأنـزل الله عز وجل يشدد في الخمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، فأنـزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة - وعن رجل، عن مجاهد - في قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، قال: لما نـزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نـزل تحريمها في « سورة المائدة » .

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « قل فيهما إثمٌ كبير » ، قال: هذا أول ما عِيبت به الخمر.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنـزل الله في « سورة النساء » أشد منها: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حرامًا. ثم أنـزل الله جل وعز في « سورة المائدة » بعد غزوة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع قوله: « يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما » ، قال: لما نـزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نـزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نـزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ، فحرّمت الخمر عند ذلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، في « سورة المائدة » ، وبالحدّ الذي حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وضَرْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بذلك: ويسألك يا محمد أصحابك: أيّ شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟ فقل لهم يا محمد: أنفقوا منها العفوَ.

واختلف أهل التأويل في معنى: « العفو » في هذا الموضع.

فقال بعضهم: معناه: الفضل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي الباهلي قال، حدثنا وكيع ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: العفوُ ما فضل عن أهلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « قل العفو » ، أي الفضْل.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: هو الفضل.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: « العفو » ، قال: الفضل.

حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: « العفو » ، يقول: الفضل.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: كان القوم يعملون في كل يوم بما فيه، فإن فضَل ذلك اليوم فَضْل عن العيال قدَّموه، ولا يتركون عِيالهم جُوَّعًا ويتصدقون به على الناس.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن في قوله: « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: هو الفضل، فضل المال.

وقال آخرون: معنى ذلك: ما كان عفوًا لا يَبين على من أنفقه أو تصدّق به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، يقول: ما لا يتبيَّن في أموالكم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن جريج، عن طاوس في قول الله جل وعز: « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: اليسير من كل شيء.

وقال آخرون: معنى ذلك: الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن في قوله: « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، يقول: لا تجهَد مالك حتى ينفد للناس.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: العفو في النفقة: أن لا تجهدَ مالك حتى ينفد فتسأل الناس.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال سألت عطاء عن قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: العفو ما لم يسرفوا ولم يَقتروا في الحق قال: وقال مجاهد: العفو صدقة عن ظَهْر غنى.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: هو أن لا تجهد مالك.

وقال آخرون: معنى ذلك: « قل العفو » ، خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرًا.

* ذكر ذلك من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، يقول: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ما طابَ من أموالكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: يقول: الطيِّبَ منه، يقول: أفضلَ مالك وأطيبَه.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: كان يقول: العفو، الفضل، يقول: أفضل مالك.

وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقة المفروضة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس، عن مجاهد - شك أبو عاصم قول الله جل وعز: « قل العفو » ، قال: الصدقة المفروضة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى « العفو » : الفضلُ من مالِ الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة، وصَدقته في وجوه البر:

* ذكر بعض الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك:

حدثنا علي بن مسلم قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار! قال: « أنفقه على نفسك. قال: عندي آخر! قال: » أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر ! قال: أنفقه على ولدك! قال: عندي آخر؛ قال: فأنتَ أبْصَرُ!

حدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا ابن جريج، قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم « . »

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هرون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها! فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: « يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس!! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى. »

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إبراهيم المخرّمي قال: سمعت أبا الأحوص يحدث، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ارضَخْ من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تُلام على كَفاف.

وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب.

فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو « العفو » من مال الرجل، إذْ كان « العفو » ، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: حَتَّى عَفَوْا بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر:

وَلكِنَّــا نُعِــضُّ السَّــيْفَ منــا بِأَسْــوُقِ عَافِيَــاتِ الشَّــحْمِ كُـومِ

يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: « خذ ما عفا لك من فلان » ، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله: « قل العفو » لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: « خير الصدقة ما أنفقت عن غنى » ، وأذِنهم به.

فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك « العفو » هو الصدقة المفروضة ؟ قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحجة على أنّ من حلَّت في ماله الزكاة المفروضة فهلكَ جميعُ ماله إلا قَدْرُ الذي لَزِم مالَه لأهل سُهْمان الصدقة، أنّ عليه أن يسلمه إليهم، إذا كانَ هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله، إليهم. وذلك لا شك أنه جُهْده - إذا سلّمه إليهم - لا عفوُه. وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علَّم عبادَه وَجْه إنفاقهم من أموالهم « عفوا » ، ما يبطل أن يكون مستحقًا اسم « جهد » في حالة. وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من زعم أن معنى « العفو » هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه فأعطاه، كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره، وقولِ من زعم أنه الصدقة المفروضة. وكذلك أيضًا لا وَجه لقول من يقول إن معناه: « ما لم يتبيّن في أموالكم » ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لبابة: « إنّ من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة » ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يكفيك من ذلك الثلث! » ، وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوًا من ذلك. والثلث لا شك أنه بيِّنٌ فَقْدُه من مال ذي المال، ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [ سورة الفرقان: 67 ] ، وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [ سورة الإسراء: 29 ] ، وذلك هو ما حدَّه صلى الله عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله.

ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد؟ فقال بعضهم: هي منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: كان هذا قبل أن تفرض الصدقة.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة. ثم قال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [ سورة الأعراف: 199 ] ، ثم نـزلت الفرائض بعد ذلك مسمَّاةً.

حدثني موسى بن هرون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » ، هذه نسختها الزكاة.

وقال آخرون: بل مُثْبَتة الحكم غير منسوخة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس عن مجاهد - شكّ أبو عاصم قال - قال: العفو الصدقة المفروضة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية، من أن قوله: « قل العفو » ليس بإيجاب فرض فُرض من الله حقًا في ماله، ولكنه إعلامٌ منه ما يرضيه من النفقة مما يُسخطه، جوابًا منه لمن سأل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضًا. فهو أدبٌ من الله لجميع خلقه على ما أدَّبهم به في الصدقات غير المفروضات ثابتُ الحكم، غيرُ ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده. فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوعَ وهباته وعطايا النفل وصدقته، ما أدَّبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: « إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده » ، ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها. وذلك هو « القَوام » بين الإسراف والإقتار، الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إن شاء الله تعالى.

ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة على نسخه، وقد أجمع الجميعُ لا خلاف بينهم: على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقةً وهِبهً ووصيةً، الثلثَ؟ فما الذي دل على أن ذلك منسوخ؟

فإن زعم أنه يعني بقوله: « إنه منسوخ » ، أنّ إخراج العفو من المال غير لازم فرضًا، وإن فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة في المال

قيل له: وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضًا فأسقطه فرضُ الزكاة، ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضًا، إذ لم يكن أمرٌ من الله عز ذكره، بل فيها الدلالة على أنها جوابُ ما سأل عنه القوم على وَجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات؟

ولا سبيل لمدَّعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادَّعى.

قال أبو جعفر: وأما القرأة فإنهم اختلفوا في قراءة « العفو » . فقرأته عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين: « قل العفو » نصبًا. وقرأه بعض قرأة البصريين: « قل العفو » رفعًا.

فمن قرأه نصبًا جعل « ماذا » حرفًا واحدًا، ونصبه بقوله: « ينفقون » ، على ما قد بيَّنت قبل - ثم نصب « العفو » على ذلك. فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟

ومن قرأ رفعًا جعل « ما » من صلة « ذا » ، ورفعوا « العفو » . فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو.

ولو نصب « العفو » ، ثم جعل « ماذا » حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو ورفع الذين جعلوا « ماذا » حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا كان صوابًا صحيحًا في العربية.

وبأي القراءتين قرئ ذلك، فهو عندي صواب، لتقارب معنييهما، مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما. غير أن أعجبَ القراءتين إليّ، وإن كان الأمر كذلك، قراءةُ من قرأه بالنصب، لأن من قرأ به من القرأة أكثر، وهو أعرف وأشهرُ.

 

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله عز ذكره: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ ، هكذا يبين أي: ما بينت لكم أعلامي وحُججي - وهي « آياته » - في هذه السورة، وعرَّفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي، وبينت لكم حدودي وفرائضي، ونبَّهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي، ثم على حُجج رسولي إليكم، فأرشدتكم إلى ظهور الهدى فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنـزلته على نبيِّي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحُججي وأوضحها لكم، لتتفكروا في وعدي ووعيدي، وثوابي وعقابي، فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة، والفوز بنعيم الأبد على القليل من اللذات واليسير من الشهوات، بركوب معصيتي في الدنيا الفانية، التي من ركبها كان معاده إليّ، ومصيره إلى ما لا قِبَل له به من عقابي وعذابي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: « كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ » قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدنيا والآخرة » ، قال يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قوله: « كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة » ، قال: أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة » ، وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة.

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ

اختلف أهل التأويل فيمَ نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت [ في الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم، وكرهوا أن يخالطوهم في مأكل أو في غيره، وذلك حين نـزلت وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ سورة الأنعام: 152 ] ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [ سورة النساء : 10 ] .

ذكر من قال ذلك ] :

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ سورة الأنعام: 152، والإسراء: 34 ] عزلوا أموال اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنـزلت: « وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلمَ المفسدَ من المصْلح، ولو شاء الله لأعنتكم » ، فخالطوهم.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [ سورة النساء: 10 ] ، انطلق من كان عنده يتيمٌ فعزل طعامَه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل الشيء من طعامه فيُحبس له حتى يأكله أو يفسُد. فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله عز وجل: « ويسألونك عن اليتامى قل إصْلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد قال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، قال: كنا نصنع لليتيم طعامًا فيفضُل منه الشيء، فيتركونه حتى يَفسد، فأنـزل الله: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » .

حدثنا يحيى بن داود الوسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم قال: سئل عبد الرحمن بن أبي ليلى عن مال اليتيم فقال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، اجتُنبت مخالطتهم، واتقوا كل شيء، حتى اتقوا الماء، فلما نـزلت « وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، قال: فخالطوهم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ويسألونك عن اليتامى » الآية كلها، قال: كان الله أنـزل قبل ذلك في « سورة بني إسرائيل » وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في مأكل ولا في غيره، فاشتد ذلك عليهم، فأنـزل الله الرخصة فقال: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا مال، قال: فشق ذلك على الناس، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل: « ويسألونك عن اليتامى قُل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم » .

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم » الآية، قال: فذكر لنا والله أعلمُ أنه أنـزل في « بني إسرائيل » : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك. فاشتد ذلك عليهم، فأنـزل الله الرخصة فقال: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، يقول: مخالطتهم في ركوب الدابة وشرب اللبن وخدمة الخادم. يقول: الوليّ الذي يلي أمرهم، فلا بأس عليه أن يركب الدابة أو يشرب اللبن أو يخدمه الخادم.

وقال آخرون في ذلك بما:-

حدثني عمرو بن علي قال، حدثنا عمران بن عيينة قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ الآية، قال: كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنـزل الله: « وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح » ، فأحل خُلطتهم.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي قال: لما نـزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ، قال: فاجتنب الناس الأيتامَ، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه، وماله من ماله، وشرابه من شرابه. قال: فاشتد ذلك على الناس، فنـزلت: « وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح » . قال الشعبي: فمن خالط يتيما فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير » ، وذلك أن الله لما أنـزل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ، كره المسلمون أن يضمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله: « قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، قال: لما نـزلت « سورة النساء » ، عزل الناس طعامهم فلم يخالطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا يشقُّ علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا! فنـزلت: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » قال ابن جريج، وقال مجاهد: عزلوا طعامهم عن طعامهم وألبانهم عن ألبانهم وأدْمهم عن أدْمِهم، فشقّ ذلك عليهم، فنـزلت: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، قال: مخالطة اليتيم في المراعي والأدْم قال ابن جريج، وقال ابن عباس: الألبان وخِدمة الخادم وركوب الدابة قال ابن جريج: وفي المساكن، قال: والمساكن يومئذ عزيزةٌ.

حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال، أخبرنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نـزلت: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ، قال: اجتنب الناس مالَ اليتيم وطعامه، حتى كان يفسُد، إنْ كان لحمًا أو غيره. فشقّ ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير »

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس بن سعد، شك أبو عاصم - عن مجاهد: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، قال: مخالطة اليتيم في الرِّعْي والأدْم.

وقال آخرون: بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم، فأفتوا بما بيَّنه الله في كتابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح » ، قال: كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه، فقال: « قل إصلاح لهم خيرٌ » ، يصلح له ماله وأمره له خيرٌ، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويرْكب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ » إلى إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، وإن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله: « قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم » إلى آخر الآية.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « ويسألونك عن اليتامى » ، كانوا في الجاهلية يعظِّمون شأنَ اليتيم، فلا يمسُّون من أموالهم شيئًا، ولا يركبون لهم دابة، ولا يطعمون لهم طعامًا. فأصابهم في الإسلام جَهْدٌ شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شأنِ اليتامَى وعن مخالطتهم، فأنـزل الله: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، يعني « بالمخالطة » : ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشربَ اللبن.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم: تفضُّلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم - من غير مَرْزِئة شيء من أموالهم، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم - خيرُ لكم عند الله وأعظمُ لكم أجرًا، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب وخيرٌ لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم « وإنْ تخالطوهم » فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم، فتضمُّوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويكنُفُ بعضهم بعضًا، فذو المال يعينُ ذا الفاقة، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف. يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك، إن خالطتموهم بأموالكم فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم، وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فَضْل مَرْفَق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم، على النظر منكم لهم نظرَ الأخ الشفيق لأخيه، العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه فذلك لكم حلالٌ، لأنكم إخوان بعضكم لبعض، كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وإن تخالطوهم فإخوانكم » ، قال: قد يخالط الرجل أخاه.

حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي مسكين، عن إبراهيم قال: إني لأكره أن يكون مال اليتيم كالعُرة .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: إنى لأكره أن يكون مالُ اليتم عندي عُرَّةً، حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قال: « فإخوانُكم » ، فرفع « الإخوان » ؟ وقال في موضع آخر: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا [ سورة البقرة: 239 ]

قيل: لافتراق معنييهما. وذلك أنّ أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم. فمعنى الكلام: وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. و « الإخوان » مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره، وهو « هم » لدلالة الكلام عليه وأنه لم يرد « بالإخوان » الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانًا من أجل مخالطة وُلاتهم إياهم. ولو كان ذلك المراد، لكانت القراءة نصبًا، وكان معناه حينئذ: وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم، ولكنه قرئ رفعًا لما وصفت: من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم، خالطوهم أو لم يخالطوهم.

وأما قوله: فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ، فنصبٌ، لأنهما حالان للفعل، غير دائمين، ولا يصلح معهما « هو » . وذلك أنك لو أظهرت « هو » معهما لاستحال الكلام. ألا ترى أنه لو قال قائل: « إن خفت من عدوك أن تصلي قائمًا فهو راجل أو راكب » ، لبطل المعنى المرادُ بالكلام ؟ وذلك أن تأويل الكلام. فإن خفتم أن تصلوا قيامًا من عدوكم، فصلوا رجالا أو ركبانًا . ولذلك نصبه إجراءً على ما قبله من الكلام، كما تقول في نحوه من الكلام: « إن لبست ثيابًا فالبياض » فتنصبه، لأنك تريد: إن لبست ثيابًا فالبس البياض - ولستَ تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض. ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت: « إن لبستَ ثيابًا فالبياضُ » رفعًا، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس، أنّ كل ما يلبس من الثياب فبياضٌ . لأنك تريد حينئذ: إن لبست ثيابًا فهي بياضٌ.

فإن قال: فهل يجوز النصب في قوله: « فإخوانكم » .

قيل: جائز في العربية . فأما في القراءة، فإنما منعناه لإجماع القرأة على رفعه. وأما في العربية، فإنما أجزناه، لأنه يحسن معه تكريرُ ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما: وإن تخالطوهم، فإخوانكم تخالطون - فيكون ذلك جائزًا في كلام العرب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن ربكم قد أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قِبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه - فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته في حال مخالطته إياه - ما الذي يقصد بمخالطته إياه : إفسَاد ماله وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره؟ لأنه لا يخفى عليه منه شيء، ويعلم أيُّكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفسادَه. كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: « والله يعلم المفسد من المصلح » قال: الله يعلم حين تخلط مالك بماله : أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟

حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي: « والله يعلم المفسد من المصلح » ، قال الشعبي: فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « لأعنتكم » . فقال بعضهم بما:-

حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد - أو عيسى، عن قيس بن سعد - عن مجاهد شك أبو عاصم في قول الله تعالى ذكره: « ولو شاء الله لأعنتكم » لحرم عليكم المرعى والأدْم.

قال أبو جعفر: يعني بذلك مجاهد : رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم ، والأكلَ من إدامه . لأنه كان يتأول في قوله: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم.

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ سورة النساء: 6 ]

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع نحوه إلا أنه قال: فلم تعملوا بحقّ.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، لشدد عليكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، قال: لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قوله: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، قال: ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا.

وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها، فإنها متقارباتُ المعاني. لأن من حُرِّم عليه شيء فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشيء، ومن ضُيق عليه في شيء فقد أحْرِج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكل ذلك عائد إلى المعنى الذي وصفت من أن معناه: الشدة والمشقة.

ولذلك قيل: « عَنِت فلانٌ » إذا شق عليه الأمر، وجهده، « فهو يعنَتُ عَنَتًا » ، كما قال تعالى ذكره: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [ سورة التوبة: 128 ] ، يعني ما شق عليكم وآذاكم وجَهدكم، ومنه قوله تعالى ذكره: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [ سورة النساء: 25 ] . فهذا إذا عَنِت العانِت. فإن صيَّره غيره كذلك، قيل: « أعنته فلانٌ في كذا » إذ جهده وألزمه أمرًا جهده القيام به « يُعْنِته إعناتًا » . فكذلك قوله: « لأعنتكم » معناه: لأوجب لكم العنَت بتحريمه عليكم ما يَجْهدكم ويحرجكم، مما لا تطيقون القيام باجتنابه، وأداء الواجب له عليكم فيه.

وقال آخرون: معنى ذلك: لأوبقكم وأهلككم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قرأ علينا: « ولو شاء الله لأعنتكم » ، قال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل - وجرير، عن منصور وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: « ولو شاء الله لأعنتكم » قال: لجعل ما أصبتم مُوبقًا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله « عزيز » في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه فقصرتم في القيام به، ولا يقدرُ دافعٌ أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله، ولكنه بفضل رحمته منَّ عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك وهو « حكيم » في ذلك لو فعله بكم وفي غيره من أحكامه وتدبيره، لا يدخل أفعاله خلل ولا نقصٌ ولا وَهْي ولا عيب، لأنه فِعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقبَ الأمور فيدخل تدبيره مذمّة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداءً.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نـزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟

فقال بعضهم: نـزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ إلى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ سورة المائدة: 4- 5 ]

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن واقد قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ » ، ثم استثنى نساءَ أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكم إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ » ، فنُسخ من ذلك نساء أهل الكتاب، أحلّهُن للمسلمين.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن » ، قال: نساءُ أهل مكة ومن سواهنّ من المشركين، ثم أحل منهن نساء أهل الكتاب.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ولا تنكحوا المشركات » إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، قال: حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنـزل في « سورة المائدة » ، فاستثنى نساء أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .

وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن » ، يعني : مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ » ، قال: المشركات، مَنْ ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية أو نصرانية.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة في قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ » ، يعني مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتابٌ يقرأنه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير قوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ » ، قال: مشركات أهل الأوثان.

وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية مرادًا بها كل مشركة من أيّ أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة، وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً، ولا نُسخ منها شيء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري قال، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ سورة المائدة: 5 ] ، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضبًا شديدًا، حتى همّ بأن يسطُو عليهما. فقالا نحن نطلِّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب! فقال: لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً.

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة : من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ » من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها. وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ - للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات.

وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وفي كتابنا ( كتاب اللطيف من البيان ) : أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضَى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر، إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مَجيئُه. وذلك غير موجود، أن قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ناسخٌ ما كان قد وجبَ تحريمه من النساء بقوله: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ » . فإذ لم يكن ذلك موجودًا كذلك، فقول القائل: « هذه ناسخة هذه » ، دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوَى لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحدٌ.

وأما القول الذي روي عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه : من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين، فقولٌ لا معنى له - لخلافه ما الأمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى ذكره، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول خلاف ذلك، بإسناد هو أصح منه، وهو ما:-

حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب قال، قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.

وإنما ذكره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاحَ اليهودية والنصرانية، حذارًا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما. كما:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: « خلِّ سبيلها » ، فكتب إليه: « أتزعُمُ أنها حرامٌ فأخلي سبيلها؟ » ، فقال: « لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن » .

وقد :-

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوَّجون نساءَنا.

فهذا الخبر - وإن كان في إسناده ما فيه - فالقول به، لإجماع الجميع على صحة القول به، أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب.

فمعنى الكلام إذًا: ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركاتٍ، غير أهل الكتاب، حتى يؤمنَّ فيصدِّقن بالله ورسوله وما أنـزل عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « ولأمة مؤمنة » بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خيرٌ عند الله وأفضل من حرة مشركة كافرة، وإن شرُف نسبها وكرُم أصلها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خير مَنكحًا منهن.

وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل نكح أمة، فعُذل في ذلك، وعُرضت عليه حرة مشركة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم » ، قال: نـزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداءُ، وأنه غضب عليها فلطمها. ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبرها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوءَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: هذه مؤمنة! فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتِقنَّها ولأتزوجنَّها! ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: تزوج أمة!! وكانوا يريدون أن يَنكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنـزل الله فيهم: » ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة « و » عبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك « . »

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج قال، قال ابن جريج في قوله: « ولا تنكحوا إلى المشركات حتى يؤمنَّ » ، قال: المشركات - لشرفهن - حتى يؤمن.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال، فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خيرٌ عند الله منها.

وإنما وضعت « لو » موضع « إن » لتقارب مخرجيهما، ومعنييهما، ولذلك تجاب كل واحدة منهما بجواب صَاحبتها، على ما قد بينا فيما مضى قبْل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك، أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه.

وكان أبو جعفر محمد بن عليّ يقول: هذا القولُ من الله تعالى ذكره، دلالةٌ على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة.

حدثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي قال، أخبرنا حفص بن غياث، عن شيخ لم يسمه، قال أبو جعفر: النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ: « ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا » برفع التاء.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري في قوله: « ولا تنكحوا المشركين » ، قال: لا يحل لك أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: « ولا تنكحوا المشركين » - لشرفهم - « حتى يؤمنوا » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري: « ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا » ، قال: حرَّم المسلمات على رجالهم - يعني رجال المشركين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « أولئك » ، هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله. يقول: ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالا ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة يعني بذلك يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم.

وأما قوله: « بإذنه » ، فإنه يعني : أنه يدعوكم إلى ذلك بإعلامه إياكم سبيلَه وطريقَه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة.

ثم قال تعالى ذكره: « ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون » ، يقول: ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنـزله على لسان رسوله لعباده، ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دَعَّاءٌ إلى النار والخلود فيها، والآخر دَعَّاءٌ إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبيّ [ غَبين ] الرأي مدخول العقل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « ويسألونك عن المحيض » ، ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض.

وقيل : « المحيض » ، لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل، وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل: « ضرَب يضرِب، وحبَس يحبِس، ونـزل ينـزل » ، فإن العرب تبني مصدره على « المفعَل » والاسم على « المفعِل » ، مثل « المضرَب، والمضرِب » من « ضربتُ » ، « ونـزلت منـزلا ومنـزلا » . ومسموع في ذوات الياء والألف والياء، « المعيش والمعاش » و « المعيبُ والمعاب » ، كما قال رؤبة في المعيش:

إلَيْـــكَ أَشْـــكُو شِــدَّةَ المَعيشِ وَمَــرَّ أَعْــوَامٍ نَتَفْــنَ رِيشِــي

وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذُكر لنا - عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهنَّ في إناء ولا يشاربونهن. فعرَّفهم الله بهذه الآية، أنّ الذي عليهم في أيام حيض نسائهم : أن يجتنَّبوا جماعهن فقط، دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن، كما :-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ويسألونك عن المحيض » حتى بلغ: حَتَّى يَطْهُرْنَ فكان أهلُ الجاهلية لا تساكنهم حائضٌ في بيت، ولا تؤاكلهم في إناءٍ، فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرَّم فرْجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك، إذا كان عليها إزارٌ محتجزةً به دونك.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن، فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم - إذا تطهَّرن من حيضهن - في إتيانهن من حيث أمرَهم باعتزالهنَّ، وحرم إتيانهن في أدبارهنَّ بكل حال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد قال، كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنـزل الله: « ويسألونك عن المحيض » إلى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ - في الفرج لا تعدوه.

وقيل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري.

حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذًى

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض : « هو أذى » .

« والأذى » هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى « أذى » لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة.

وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض.

فقال بعضهم : قوله: « قل هو أذى » ، قل هو قَذَر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « قل هو أذى » ، قال: أما « أذى » فقذرٌ.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « قل هو أذى » ، قال: « قل هو أذى » ، قال: قذرٌ.

وقال آخرون: قل هو دمٌ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « ويسألونك عن المحيض قل هو أذى » ، قال: الأذى الدم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « فاعتزلوا النساء في المحيض » ، فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ، كما:-

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « فاعتزلوا النساء في المحيض » ، يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ.

واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض.

فقال بعضهم: الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى.

حدثني تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، حدثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردَّ عليها من ثوبه، ردَّ عليها منه.

واعتل قائلو هذه المقالة: بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ.

وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال، حدثنا مروان الأصفر، عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سعيد بن زريع قال، حدثنا سعيد وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا عن عائشة أنها قالت: وأين كان ذو الفراشَين وذو اللحافين؟!

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت : فرجها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أنّ مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته. فقالت عائشة: أبو عائشة! مرحبًا! فأذنوا له فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي! فقالت: إنما أنا أمُّك، وأنت ابني! فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال: سألتُ عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال، قال ابن عباس: إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكفُّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: ما فوق الإزار.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتق من الدم مثل موضع النعل.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج - يعني وهي حائض.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: يبيتان في لحاف واحد - يعني الحائض - إذا كان على الفرج ثوب.

حدثنا تميم قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث قال: تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيث شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ قال: إذا كفَّت الأذى.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني عمران بن حدير قال، سمعت عكرمة يقول، كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم.

قال أبو جعفر : وعلة قائل هذه المقالة، قيامُ الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: « فاعتزلوا النساءَ في المحيض » ، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.

وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح قال : له ما فوق السرة - وذكر الحائض.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قال شريح: له ما فوق سُرَّتها.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: سئل سعيد بن المسيب: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما فوق الإزار.

وعلة من قال هذه المقالة، صحةُ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:-

حدثني به ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا سليمان الشيباني وحدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الشيباني قال حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت « . »

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار.

حدثني سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرَها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر، ثم يباشرها.

ونظائر ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب

قالوا: فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية.

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ

قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: « حتى يطهرن » بضم « الهاء » وتخفيفها. وقرأه آخرون بتشديد « الهاء » وفتحها.

وأما الذين قرءوه بتخفيف « الهاء » وضمها، فإنهم وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن. وقال بهذا التأويل جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « ولا تقربوهن حتى يطهرن » ، قال: انقطاع الدم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، - أو عثمان بن الأسود - : « ولا تقربوهن حتى يطهرن » ، حتى ينقطع الدم عنهن.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: « ولا تقربوهن حتى يطهرن » ، قال: حتى ينقطع الدم.

وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد « الهاء » وفتحها، فإنهم عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا « الطاء » لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت « التاء » في « الطاء » لتقارب مخرجيهما.

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ( حَتَّى يَطَّهَّرْنَ ) بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر.

وإنما اختُلف في « التطهر » الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.

فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها.

وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.

وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.

فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف « الهاء » وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، وقبل اغتسالها وتطهُّرها.

فتأويل الآية إذًا: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا جماع نسائكم في وقت حيضهنّ، ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « فإذا تطهَّرن فأتوهن » ، فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء فجامعوهن.

فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟

قيل: لا.

فإن قال: فما معنى قوله إذًا: « فأتوهن » ؟

قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [ سورة المائدة: 2 ] ، وقوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [ سورة الجمعة: 10 ] ، وما أشبه ذلك.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : « فإذا تطهرن » .

فقال بعضهم: معنى ذلك، فإذا اغتسلن.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاومة بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « فإذا تطهَّرن » يقول: فإذا طهُرت من الدم وتطهَّرت بالماء.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإذا تطهرن » ، فإذا اغتسلن.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: « فإذا تطهرن » ، يقول: اغتسلن.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو عثمان بن الأسود:- « فإذا تطهرن » ، إذا اغتسلن.

حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عامر، عن الحسن: في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيره، عن إبراهيم: أنه كره أن يطأها حتى تغتسل - يعني المرأة إذا طهُرت.

وقال آخرون: معنى ذلك : فإذا تطهَّرن للصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث، عن طاوس ومجاهد أنهما قالا إذا طهُرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرَها بالوضوء قبل أن تغتسل - إذا أدركه الشَّبَق فليُصب.

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال : معنى قوله : « فإذا تطهَّرن » ، فإذا اغتسلن، لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهرَ الذي يحل لها به الصلاة. وإن القولَ لا يخلو في ذلك من أحد أمرين :

إما أن يكون معناه: فإذا تطهَّرن من النجاسة فأتوهن.

فإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها، إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة. هذا، إن كان قوله: « فإذا تطهَّرن » جائزًا استعماله في التطهُّر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام.

أو يكون معناه: فإذا تطهَّرن للصلاة. وفي إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، إذا لم يكن هنالك نجاسة، دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته أدلُّ الدليل على أن معناه: فإذا تطهرن الطهرَ الذي يجزيهن به الصلاة.

وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا: من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله: « فإذا تطهرن » ، فإذا اغتسلن فصرن طواهرَ الطهرَ الذي يجزيهنّ به الصلاة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » .

فقال بعضهم: معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك : الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، يقول: في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدَى.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو : يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ قال: بلى! فقرأ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، منْ ثَمَّ أمِرت أن تأتي.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن عثمان، عن مجاهد قال: دبُر المرأة مثله من الرجل، ثم قرأ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ إلى « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: أمِروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، في الفرج، ولا تعْدوه.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، يقول: إذا تطهرن فأتوهن من حيث نُهي عنه في المحيض.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو: عثمان بن الأسود- : « فأتوهن من حيث أمركم الله » باعتزالهنّ منه.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، أي : من الوجه الذي يأتي منه المحيض، طاهرًا غيرَ حائض، ولا تعدوا ذلك إلى غيره.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: طواهرَ من غير جماع ومن غير حيض، من الوجه الذي يأتي [ منه ] المحيض، ولا يتعدَّه إلى غيره قال سعيد: ولا أعلمه إلا عن ابن عباس.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله » ، من حيث نُهِيتم عنه في المحيض وعن أبيه، عن ليث، عن مجاهد في قوله: « فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله » ، من حيث نُهيتهم عنه، واتقوا الأدبار.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: في الفرج.

وقال آخرون: معناها: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، يعني أن يأتيها طاهرًا غيرَ حائض.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من قُبْل الطهر.

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بمثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، يقول: ائتوهنّ من عند الطهر.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا علي بن هاشم، عن الزبرقان، عن أبي رزين: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من قُبْل الطهر، ولا تأتوهن من قُبْل الحيضة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال يقول: طواهر غيرَ حُيَّض.

حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « من حيث أمركم الله » ، من الطهر.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: « فأتوهن » ، طُهَّرًا غير حيَّض.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: ائتوهن طاهرات غير حُيَّض.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: طهَّرًا غير حيَّض في القُبُل.

وقال آخرون: بلى معنى ذلك: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر الأسدي، عن ابن الحنفية: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج.

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك عندي قولُ من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن. وذلك أن كل أمر بمعنى، فنهيٌ عن خلافه وضده. وكذلك النهي عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، فأتوهن من قِبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله في حال حيضهن - لوجب أن يكون قوله: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ، تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم، دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن.

وفي إجماع الجميع : على أن الله تعالى ذكره لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرَّمه في حال الطُّهر، ولا حرِّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله في حال الحيض ما يُعلم به فسادُ هذا القول.

وبعد، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة، لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله حتى يكون معنى الكلام حينئذ على التأويل الذي تأوله، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن في فروجهن. لأنّ الكلام المعروفَ إذا أريد ذلك، أن يقال: « أتى فلان زَوجته من قِبَل فرجها » - ولا يقال: أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبَل فرجها في مكان غير الفرج.

فإن قال لنا قائل: فإنَّ ذلك وإنْ كان كذلك، فليس معنى الكلام: فأتوهن في فروجهن - وإنما معناه : فأتوهن من قِبَل قُبُلهن في فروجهن - ، كما يقال: « أتيتُ هذا الأمرَ من مَأتاه » .

قيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك على ما زعمتم، فقد يجب أن يكون معنى قوله: « فأتوهن من حيث أمركم الله » ، غير الذي زعمتم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم، ومن حيث أمِرتم باعتزالهن - ولكن الواجبُ أن يكون تأويلُه على ذلك: فأتوهن من قبل وُجوههنّ في أقبالهن، كما كان قول القائل: « ائت الأمر من مأتاه » ، إنما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب. فكذلك يجب أن يكون مأتى الفرج - الذي أمر الله في قولهم بإتيانه - غير الفرج.

وإذا كان كذلك، وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههن في فروجهن - وجب أن يكون على قولهم محرَّمًا إتيانهن في فروجهن من قِبل أدبارهن. وذلك إن قالوه، خرج من قاله من قِيل أهل الإسلام، وخالف نص كتاب الله تعالى ذكره، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك أن الله يقول: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، وأذن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إتيانهن في فروجهن من قبل أدبارهن.

فقد تبين إذًا إذْ كان الأمر على ما وصفنا، فسادُ تأويل من قال ذلك: فأتوهن في فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهنّ في حال حيضهن وصحةُ القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن في فروجهنّ من الوجه الذي أذن الله لكم بإتيانهن، وذلك حال طهْرهن وتطهُّرهن، دون حال حيضهن.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « إن الله يحب التوابين » ، المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته. وقد بينا معنى « التوبة » قبل.

واختلف في معنى قوله: « ويحب المتطهِّرين » .

فقال بعضهم: هم المتطهِّرون بالماء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا طلحة، عن عطاء قوله: « إن الله يحب التوابين » ، قال: التوابين من الذنوب « ويحب المتطهرين » قال: المتطهرين بالماء للصلاة.

حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا طلحة، عن عطاء، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: « إن الله يحب التوابين » من الذنوب، لم يصيبوها « ويحب المتطهرين » ، بالماء للصلوات.

وقال آخرون: معنى ذلك : « إن الله يحب التوابين » ، من الذنوب « ويحب المتطهرين » ، من أدبار النساء أن يأتوها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت سليمان مولى أم علي قال، سمعت مجاهدًا يقول: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين.

وقال آخرون: معنى ذلك: « ويحب المتطهرين » ، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: « يحب التوابين » ، من الذنوب، لم يصيبوها « ويحب المتطهرين » ، من الذنوب، لا يعودون فيها.

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: « إنّ الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة » . لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه.

وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر أمرَ المحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها في جاهليتهم : من تركهم مساكنة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده. فلما استفتى أصحابُ رسولِ الله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أوحى الله تعالى إليه في ذلك، فبيَّن لهم ما يكرهه مما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته، تائبًا مما يكرهه.

وكان مما بيَّن لهم من ذلك، أنه قد حرّم عليهم إتيان نسائهم وإن طهُرن من حيضهن حتى يغتسلن، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ، فإن الله يحب المتطهرين يعني بذلك : المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة، والمتطهرات بالماء - من الحيض والنفاس والجنابة والأحداث - من النساء.

وإنما قال: « ويحب المتطهرين » - ولم يقل « المتطهرات » - وإنما جرى قبل ذلك ذكرُ التطهر للنساء، لأن ذلك بذكر « المتطهرين » يجمع الرجال والنساء. ولو ذكر ذلك بذكر « المتطهرات » ، لم يكن للرجال في ذلك حظ، وكان للنساء خاصة. فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميعَ عباده المكلفين، إذ كان قد تعبَّد جميعَهم بالتطهر بالماء، وإن اختلفت الأسباب التي توجب التطهر عليهم بالماء في بعض المعاني، واتفقت في بعض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: نساؤكم مُزدَرَعُ أولادكم، فأتوا مُزدرعكم كيف شئتم، وأين شئتم.

وإنما عني بـ « الحرث » المزدَرَع، و « الحرث » هو الزرع، ولكنهن لما كن من أسباب الحرث، جعلن « حرثًا » ، إذ كان مفهومًا معنى الكلام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس: « فأتوا حرثكم » ، قال: منبت الولد.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « نساؤكم حرث لكم » ، أما « الحرث » ، فهي مَزْرَعة يحرث فيها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: فانكحوا مزدرَع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى.

و « الإتيان » في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: « أنى شئتم » .

فقال بعضهم: معنى « أنَّى » ، كيف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « فأتوا حرثكم أنّى شئتم » ، قال: يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: « نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، قال: ائتها أنى شئت، مقبلةً ومدبرةً، ما لم تأتها في الدُّبر والمحيض.

حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، يعني بالحرث الفرجَ. يقول: تأتيه كيف شئت، مستقبلهُ ومستدبرهُ وعلى أيّ ذلك أردت، بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ .

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة: « فأتوا حرثكم أنّى شئتم » ، قال: يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، قال: يأتيها كيف شاء، واتَّق الدبر والحيض.

حدثني عبيد الله بن سعد قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي قال، حدثني يزيد : أن ابن كعب كان يقول: إنما قوله: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، يقول: ائتها مضجعةً وقائمة ومنحرفةً ومقبلةً ومدبرةً كيف شئت، إذا كان في قُبُلها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن مرة الهمداني قال: سمعته يحدث أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين فقال له: أيأتي أحدكم أهلهُ باركًا؟ قال: نعم. قال: فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فنـزلت هذه الآية: « نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم » ، يقول: كيف شاء، بعد أن يكون في الفرج.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، إن شئت قائمًا أو قاعدًا أو على جنب، إذا كان يأتيها من الوجه الذي يأتي منه المحيضُ، ولا يتعدَّى ذلك إلى غيره.

حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فأتوا حرثكم أنّى شئتم » ، ائت حرثك كيف شئتَ من قُبُلها، ولا تأتيها في دبرها. « أنى شئتم » ، قال: كيف شئتم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال : أن عبد الله بن علي حدثه: أنه بلغه أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يومًا ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إنيّ لآتي امرأتي وهي مضطجعة. ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة. ويقول الآخر: إني لآتيها على جنبها وباركةً. فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم ! ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة ! فأنـزل الله تعالى ذكره: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، فهو القُبُل.

وقال آخرون: معنى: « أنى شئتم » ، من حيث شئتم، وأي وجه أحببتم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سهل بن موسى الرازي قال، حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يكره أن تُؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القُبُل الذي يكون منه النسل والحيض وينهى عن إتيان المرأة في دُبُرها ويقول: إنما نـزلت هذه الآية: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، يقول: من أيّ وجه شئتم.

حدثنا ابن حميد قال حدثنا ابن واضح قال، حدثنا العتكي، عن عكرمة: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، قال: ظهرها لبطنها غير مُعاجَزة - يعني الدبر.

حدثنا عبيد الله بن سعد قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن يزيد، [ عن الحارث بن كعب ] ، عن محمد بن كعب، قال: إن ابن عباس كان يقول: اسق نباتك من حيث نباته.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « فأتوا حرثكم أنّى شئتم » ، يقول: من أين شئتم. ذكر لنا - والله أعلم - أن اليهود قالوا: إن العرب يأتون النساء من قِبَل إعجازهن، فإذا فعلوا ذلك، جاء الولد أحول، فأكذب الله أحدوثتهم فقال: « نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال يقول: ائتوا النساء في [ غير ] أدبارهن على كل نحو قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح قال: تذاكرنا هذا عند ابن عباس، فقال ابن عباس: ائتوهن من حيث شئتم، مُقبلة ومدبرةً. فقال رجل: كأنَّ هذا حلالٌ! فأنكر عطاء أن يكون هذا هكذا، وأنكره، كأنه إنما يريد الفرج، مقبلةً ومدبرة في الفرج.

وقال آخرون معنى قوله: « أنى شئتم » ، متى شئتم.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن حسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، يقول: مَتى شئتم.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي - وهو عمار الدُّهني - ، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو : يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى! فقرأ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثَمَّ أمرت أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها : « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ؟ فقال: إي! ويحك! وفي الدُّبُر من حَرْث!! لو كان ما تقول حقًّا، لكان المحيض منسوخًا! إذا اشتغل من ههنا، جئتَ من ههنا! ولكن : أنى شئتم من الليل والنهار.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ابن عون، عن نافع قال، كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم. قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: « نساؤكم حرثٌ لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، فقال: أتدري فيمن نـزلت هذه الآية؟ قلت: لا! قال: نـزلت في إتيان النساء في أدبارهن.

4326 م - حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع، قال: قرأتُ ذاتَ يوم: « نساؤكم حرْثٌ لكم فائتوا حرثكم أنى شئتم » ، فقال ابن عمر : أتدري فيمَ نـزلتْ

؟ قلتُ : لا ! قال : نـزلتْ في إتيان النساء في أدْبارهنّ ) .

حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الكرابيس، عن ابن عون، عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عُمر المصحف، إذ تلا هذه الآية: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، فقال: أن يأتيها في دبرها.

حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال، حدثنا الدراوردي قال، قيل لزيد بن أسلم: إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله.

حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر قال : حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم: « كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي » ! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنَّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار : أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر. فقال ابن عمر: أفْ ! أفْ ! يفعل ذلك مؤمن ! - أو قال : مسلم ! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع.

حدثني محمد بن إسحاق قال، أخبرنا عمرو بن طارق قال، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن موسى بن أيوب الغافقي قال : قلت لأبي ماجد الزيادي : إنّ نافعًا يحدث عن ابن عمر في دُبر المرأة. فقال: كذب نافع! صحبت ابن عمر ونافعٌ مملوكٌ، فسمعته يقول: ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا.

حدثني أبو قلابة قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، قال: في الدبر.

حدثني أبو مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن قتادة قال: سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال روح: فشهدت ابن أبي مليكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردته من جارية لي البارحةَ فاعتاص عليّ، فاستعنت بدهن أو بشحم. قال: فقلت له، سبحان الله!! أخبرنا قتادة أنّ أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة! فقلت: لا أحدث عنك شيئًا أبدًا! ثم ندمت بعد ذلك.

قال أبو جعفر واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم، بما:-

حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فأنـزل الله: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » .

حدثني يونس قال، أخبرني ابن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنـزل الله تعالى ذكره: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » الآية.

وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثكم كيف شئتم - إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن عيسى بن سنان، عن سعيد بن المسيب: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن زائدة بن عمير، عن ابن عباس قال: إن شئت فاعزل، وإن شئت فلا تعزل.

قال أبو جعفر : وأما الذين قالوا: معنى قوله: « أنى شئتم » ، كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرْج والقُبُل، فإنهم قالوا: إن الآية إنما نـزلت في استنكار قوم من اليهود، استنكروا إتيان النساء في أقبالهن من قِبل أدبارهن. قالوا: وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا، من أن معنى ذلك على ما قلنا. واعتلوا لقيلهم ذلك بما:-

حدثني به أبو كريب قال، حدثنا المحاربي قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأساله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهن مقبلاتٍ ومدبراتٍ. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نُؤْتَى عليه ! فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث. يقول: ائت الحرث من حيث شئت .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بإسناده نحوه.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابرًا يقول: إن اليهود كانوا يقولون: إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول. فأنـزل الله تعالى ذكره: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » .

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته في قُبُلها من دُبُرها، وكان بينهما ولد، كان أحول. فأنـزل الله تعالى ذكره: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عبد الرحمن بن سابط، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة زوح النبي صلى الله عليه وسلم قالت: تزوج رجل امرأةً فأراد أن يجبِّيَها ، فأبت عليه، وقالت: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قالت أم سلمة: فذكرتْ ذلك لي، فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أرسلي إليها. فلما جاءت قرأ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نساؤكم حرْث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، صِمامًا واحدًا، صِمامًا واحدًا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن سابط، عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة قالت: قدِم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصار لا تفعل ذلك، فقالت امرأة لزوجها: حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله عن ذلك ! فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستحيت أن تسأله، فسألتُ أنا، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليها: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، « صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا » .

حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سابط، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عبد الرحمن بن سابط، عن حفصة ابنة عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله : « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، قال: صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا « . »

حدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال، حدثني وهيب قال، حدثني عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قلت لحفصة، إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحيي منك أن أسألك؟ قالت: سل يا بنيّ عما بدا لك! قلت: أسألك عن غِشيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة قالت: كانت الأنصار لا تُجَبِّي، وكان المهاجرون يُجَبُّون، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن معاوية بن هشام.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته باركة جاء الولد أحول. فنـزلت « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » .

حدثني محمد بن أحمد بن عبد الله الطوسي قال، حدثنا الحسن بن موسى قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكتُ!! قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حوَّلتُ رحلي الليلة! قال: فلم يردّ عليه شيئًا، قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، أقبِل وأدبِر، واتق الدُّبر والحيْضة « . »

حدثنا زكريا بن يحيى المصري قال، حدثنا أبو صالح الحراني قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عامر بن يحيى أخبره، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس: أن ناسًا من حميرَ أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم: يا رسول الله، إنّي رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فأنـزل الله تعالى ذكره في « سورة البقرة » بيان ما سألوا عنه، وأنـزل فيما سأل عنه الرجل: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم » ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها مُقبلةً ومُدبرةً، إذا كان ذلك في الفرج « . »

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ من قال: معنى قوله « أنى شئتم » ، من أيّ وجه شئتم. وذلك أن « أنَّى » في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام - على المسألة عن الوجوه والمذاهب. فكأن القائل إذا قال لرجل: « أنى لك هذا المال » ؟ يريد: من أيّ الوجوه لك. ولذلك يجيب المجيبُ فيه بأن يقول: « من كذا وكذا » ، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ سورة آل عمران: 37 ] . وهي مقاربة « أين » و « كيف » في المعنى، ولذلك تداخلت معانيها، فأشكلت « أنَّى » على سامعيها ومتأوِّليها، حتى تأوَّلها بعضهم بمعنى: « أين » ، وبعضهم بمعنى « كيف » ، وآخرون بمعنى : « متى » - وهي مخالفة جميع ذلك في معناها، وهن لها مخالفات.

وذلك أن « أين » إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال - وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال: « أين مالك » ؟ لقال: « بمكان كذا » ، ولو قال له: « أين أخوك » ؟ لكان الجواب أن يقول: « ببلدة كذا أو بموضع كذا » ، فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله. فيعلم أن « أين » مسألة عن المحل.

ولو قال قائل لآخر: « كيف أنت » ؟ لقال: « صالح، أو بخير، أو في عافية » ، وأخبره عن حاله التي هو فيها، فيعلم حينئذ أن « كيف » مسألةٌ عن حال المسؤول عن حاله.

ولو قال له: « أنَّى يحيي الله هذا الميت؟ » ، لكان الجواب أن يقال: « من وجه كذا ووجه كذا » ، فيصف قولا نظيرَ ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [ سورة البقرة: 259 ] فعلا حين بعثه من بعد مماته.

وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد:

تَذَكَّـر مِـنْ أَنَّـى وَمِـنْ أَيْـنَ شُرْبَهُ يُؤَامِـرُ نَفْسَـيْهِ كَـذِي الهَجْمَـةِ الأبِلْ

وقال أيضًا:

أَنَّـى وَمِـنْ أَيْـنَ - آبَـكَ - الطَّرَبُ مِــنْ حَــيْثُ لا صَبْـوَةٌ وَلا رِيَـبُ

فيجاء بـ « أنى » للمسألة عن الوجه، و بـ « أين » للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟

والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى: حيث شئتم أو بمعنى: متى شئتم أو بمعنى: أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: « أنى تأتي أهلك؟ » ، لكان الجواب أن يقول: « من قُبُلها، أو: من دُبُرها » ، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: أَنَّى لَكِ هَذَا أنها قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .

وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل.

وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: « فأتوا حرثكم أنى شئتم » ، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: « حرث لكم » ، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وبيِّنٌ بما بينا، صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نـزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: « إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك: قدموا لأنفسكم الخيرَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: « وقدموا لأنفسكم » ، فالخيرَ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدموا لأنفسكم ذكرَ الله عند الجماع وإتيان الحرث قبل إتيانه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء - قال: أراه عن ابن عباس:- « وقدموا لأنفسكم » ، قال: يقول: « بسم الله » ، التسمية عند الجماع.

قال أبو جعفر : والذي هو أولى بتأويل الآية ما روينا عن السدي، وهو أن قوله: « وقدموا لأنفسكم » ، أمرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عُدّةً منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره: وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [ سورة البقرة: 110 \ وسورة المزمل: 20 ] .

وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله تعالى ذكره عقَّب قوله: « وقدموا لأنفسكم » بالأمر باتقائه في ركوب معاصيه. فكان الذي هو أولى بأن يكون قبلَ التهدُّد على المعصية - إذ كان التهدُّد على المعصية عامًّا - الأمرُ بالطاعة عامًّا.

فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بالطاعة بقوله: « وقدِّموا لأنفسكم » ، من قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ؟

قيل: إن ذلك لم يقصد به ما توهمتَه: وإنما عنى به: وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ، وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجيبوا عنه، مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات. ثم قال تعالى ذكره: قد بيّنا لكم ما فيه رَشَدكم وهدايتكم إلى ما يُرضي ربكم عنكم، فقدِّموا لأنفسكم الخيرَ الذي أمركم به، واتخذوا عنده به عهدًا، لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم واتقوه في معاصيه أن تقربوها، وفي حدوده أن تُضِيعوها، واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم، فَمُجازٍ المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 )

قال أبو جعفر : وهذا تحذيرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه: أن يأتوا شيئًا مما نهاهم عنه من معاصيه وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائه، كما قد بيَّنا قبل وأمرٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر من عباده، بالفوز يوم القيامة وبكرامة الآخرة وبالخلود في الجنة، من كان منهم محسنًا مؤمنًا بكتبه ورسله، وبلقائه، مصدِّقًا إيمانَه قولا بعمله ما أمره به ربُّه، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه من حقوقه، وبتجنُّبه ما أمره بتجنُّبه من معاصيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » .

فقال بعضهم: معناه: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: « عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك » - أو « قد حلفت بالله أن لا أفعله » ، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: « ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يعتلّ بيمينه، يقول الله: « أن تبرُّوا وتتقوا » هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح، وإن حلفت كفَّرت عن يمينك وفعلت الذي هو خيرٌ لك.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله إلا أنه قال: وإن حلفت فكفِّر عن يمينك، وافعل الذي هو خير.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو أن يكون بينه وبين إنسان مغاضبة فيحلف لا يُصلح بينهما ويقول: « قد حلفت » . قال: يكفّر عن يمينه: « ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا » ، يقول: لا تعتلُّوا بالله، أن يقول أحدكم إنه تألَّى أن لا يصل رَحمًا، ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدَّق من ماله. مهلا مهلا بارك الله فيكم، فإن هذا القرآن إنما جاء بترك أمر الشيطان، فلا تطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيء من نذروكم ولا أيمانكم.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف لا يصلح بين الناس ولا يبر، فإذا قيل له، قال: « قد حلفتُ » .

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: « ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، قال: الإنسان يحلف أن لا يصنع الخير، الأمرَ الحسن، يقول: « حلفت » ! قال الله: افعل الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك، ولا تجعل الله عرضةً.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » الآية: هو الرجل يحرّم ما أحل الله له على نفسه، فيقول: « قد حلفت! فلا يصلح إلا أن أبرَّ يميني » ، فأمرهم الله أن يكفّروا أيمانهم ويأتوا الحلال.

حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، أما « عُرضة » ، فيعرض بينك وبين الرجل الأمرُ، فتحلف بالله لا تكلمه ولا تصله. وأما « تبرُّوا » ، فالرجل يحلف لا يبرُّ ذا رحمه فيقول: « قد حلفت! » ، فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبَرَّه، ولا يبالي بيمينه. وأما « تصلحوا » ، فالرجل يصلح بين الاثنين فيعصيانه، فيحلف أن لا يصلح بينهما، فينبغي له أن يصلح ولا يبالي بيمينه. وهذا قبل أن تنـزل الكفَّارات.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينُه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير.

* ذكر من مال ذلك:

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك واصنع الخير.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف أن لا يبرّ قرابته، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين. يقول: فليفعل، وليكفِّر عن يمينه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن إبراهيم النخعي في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، قال: لا تحلف أن لا تتقي الله، ولا تحلف أن لا تبرَّ ولا تعمل خيرًا، ولا تحلف أن لا تصل، ولا تحلف أن لا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطَع.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن سعيد بن جبير ومغيرة، عن إبراهيم في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة » الآية، قالا هو الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يتقي، ولا يصلح بين الناس. وأمِر أن يتقي الله، ويصلحَ بين الناس، ويكفّر عن يمينه.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس. فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله، وليدع يمينه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » الآية، قال: ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » ، قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حُدثت أن قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، الآية، نـزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » الآية، قال: يحلف الرجل أن لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يصل رحمه.

حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين. فلا يمنعه يمينه.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة، عن سعيد، عن مكحول أنه قال في قول الله تعالى ذكره: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » ، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يصنع خيرًا، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. نهاهم الله عن ذلك.

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية، تأويلُ من قال: معنى ذلك : « لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس » .

وذلك أن « العُرْضة » ، في كلام العرب، القوة والشدة. يقال منه: « هذا الأمر عُرْضة لك » يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: « فلانة عُرْضة للنكاح » ، أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق:

مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ, عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأَعْـلامِ مَجْهُولُ

يعني بـ « عرضتها » : قوتها وشدتها.

فمعنى قوله تعالى ذكره: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » إذًا: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحنث في يمينه، وليبرَّ، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه.

وترك ذكر « لا » من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس:

فَقُلْــتُ يَمِيــنَ اللـهِ أَبْـرَحُ قَـاعِدًا وَلَـوْ قَطَّعُـوا رَأْسِـي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي

بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف « لا » ، اكتفاء بدلالة الكلام عليها.

وأما قوله: « أن تبروا » ، فإنه اختلف في تأويل « البر » ، الذي عناه الله تعالى ذكره.

فقال بعضهم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البر بذي رحمه، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى.

وأولى ذلك بالصواب قول من قال: « عني به فعل الخير كله » . وذلك أن أفعال الخير كلها من « البر » ، ولم يخصص الله في قوله: « أن تبرُّوا » معنى دون معنى من معاني « البر » ، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني « البر » .

وأما قوله: « وتتقوا » ، فإن معناه: أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها. وقد ذكرنا تأويل من تأوَّل ذلك أنه بمعنى « التقوى » قبل.

وقال آخرون في تأويله بما:-

حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: « أن تبروا وتتقوا » قال: كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: « ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس » الآية. قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: « أن تبروا وتتقوا » ، الآية.

وأما قوله: « وتصلحوا بين الناس » ، فهو الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه.

وأما الذي ذكرنا عن السدي: من أنّ هذه الآية نـزلت قبل نـزول كفارات الأيمان، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة. والخبر عما كان، لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مِثلها وخلافها على أحد.

وغير محال أن تكون هذه الآية نـزلت بعد بيان كفارات الأيمان في « سوره المائدة » ، واكتفى بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجبَ من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحالف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: « والله سميع » لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: « والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس » ، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم « عليم » بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، ألخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن.

وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه.

القول في تأويل قوله تعالى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، وفي معنى « اللغو » .

فقال بعضهم في معناه: لا يؤاخذكم الله بما سبقتكم به ألسنتكم من الأيمان على عجلة وسرعة، فيوجب عليكم به كفارة إذا لم تقصدوا الحلف واليمين. وذلك كقول القائل: « فعلت هذا والله، أو: أفعله والله، أو: لا أفعله والله » ، على سبوق المتكلم بذلك لسانُه، بما وصل به كلامه من اليمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هي « بلى والله » ، و « لا والله » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: « لا والله » ، و « بلى والله » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة نحوه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لغو اليمين، قالت: هو « لا والله » و « بلى والله » ، ما يتراجع به الناس.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: « لا والله » و « بلى والله » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: « لا والله » و « بلى والله » ، يصل بها كلامه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن عبد الملك، عن عطاء قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين، قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ؟ قالت: هو « لا والله » ، و « بلى والله » ، ليس مما عقَّدتم الأيمان.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ابن أبي ليلى، عن عطاء قال: أتيت عائشة مع عبيد بن عمير، فسألها عبيد عن قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، فقالت عائشة: هو قول الرجل: « لا والله » و « بلى والله » ، ما لم يعقد عليه قلبه.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: انطلقت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة في ثَبِير، فسألها عبيد عن لغو اليمين، قالت: « لا والله » و « بلى والله » .

حدثنا محمد بن موسى الحرشي قال، حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني قال، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو قول الرجل في بيته : « كلا والله » و « بلى والله » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: « لا والله، وبلى والله، وكلا والله » ، يتدارءون في الأمر، لا تعقد عليه قلوبهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة عن الشعبي في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: قول الرجل: « لا والله، وبلى والله » ، يصل به كلامه، ليس فيه كفارة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا المغيرة، عن الشعبي قال: هو الرجل يقول: « لا والله، وبلى والله » ، يصلُ حديثه.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال، سألت عامرًا عن قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو « لا والله، وبلى والله » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي جميعًا، عن ابن عون، عن الشعبي مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب قال، قال أبو قلابة في : « لا والله، وبلى والله » ، أرجو أن يكون لغة وقال يعقوب في حديثه: أرجو أن يكون لغوًا وقال ابن وكيع في حديثه: أرجو أن يكون لغة، ولم يشك.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع وهناد قالوا، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: لا والله، وبلى والله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن مالك، عن عطاء، قال: سمعت عائشة تقول في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: « لا والله، وبلى والله » .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن عطاء مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن عكرمة في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو قول الناس: « لا والله، وبلى والله » .

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي وعكرمة قالا « لا والله وبلى والله » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة فسألها، فقالت: « لا والله، وبلى والله » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن ابن أبي ليلى، وأشعث، عن عطاء، عن عائشة: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » قالت: « لا والله، وبلى والله » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وجرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: « لا والله، وبلى والله » .

حدثنا ابن وكيع وهناد قالا حدثنا يعلى، عن عبد الملك، عن عطاء قال: قالت عائشة في قول الله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قالت: هو قولك: « لا والله، وبلى والله » ، ليس لها عَقد الأيمان.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن الشعبي قال: اللغو قول الرجل: « لا والله، وبلى والله » ، يصل به كلامه، ما لم يشك شيئًا يعقِد عليه قلبه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو، أن سعيد بن أبي هلال حدثه: أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول: سمعت عائشة تقول: لغو اليمين قول الرجل: « لا والله، وبلى والله » ، فيما لم يعقد عليه قلبه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال عمرو وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، عن عطاء، عن عائشة بذلك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: الرجلان يتبايعان، فيقول أحدهما: « والله لا أبيعك بكذا وكذا » ، ويقول الآخر: « والله لا أشتريه بكذا وكذا » ، فهذا اللغو، لا يؤاخذ به.

وقال آخرون: بل اللغو في اليمين، اليمينُ التي يحلفُ بها الحالف وهو يرى أنه كما يحلف عليه، ثم يتبين غير ذلك، وأنه بخلاف الذي حلف عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرني ابن نافع، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، عن أبي هريرة أنه كان يقول: لغو اليمين، حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، واللغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًا، وليس بحق.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، هذا في الرجل يحلف على أمرِ إضرارٍ أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير. ومن اللغو أيضًا أن يحلف الرجل على أمر لا يألو فيه الصدق، وقد أخطأ في يمينه، فهذا الذي عليه الكفارة ولا إثم عليه .

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا هشام، عن قتادة، عن سليمان بن يسار في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: خطأ غير عَمد.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في هذه الآية، « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو أن تحلف على الشيء، وأنت يُخيَّل إليك أنه كما حلفت، وليس كذلك. فلا يؤاخذه الله ولا كفارة، ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلف عليه على علم.

حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن قال: هو الرجل يحلف على اليمين، لا يرى إلا أنه كما حلف.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الحسن: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على اليمين يرى أنها كذلك، وليست كذلك.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الشي، وهو يرى أنه كذلك، فلا يكون كما قال، فلا كفارة عليه.

حدثنا هناد وأبو كريب وابن وكيع قالوا، حدثنا وكيع، عن سفيان وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الشيء لا يرى إلا أنها كما حلف عليه، وليست كذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح في قول الله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: من حلف بالله ولا يعلم إلا أنه صادق فيما حلف.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، حلِف الرجل على الشيء وهو لا يعلم إلا أنه على ما حلف عليه، فلا يكون كما حلف، كقوله: « إن هذا البيت لفلان » ، وليس له و « إن هذا الثوب لفلان » ، وليس له.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه فيه صادق.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه، فلا يكون كذلك. قال: فلا يؤاخذكم بذلك. قال: وكان يحبّ أن يُكفّر.

حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا الجعفي، عن زائدة، عن منصور قال: قال إبراهيم: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: أن يحلف على الشيء وهو يرى أنه صادق وهو كاذب، فذلك اللغو، لا يؤاخذ به.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم نحوه إلا أنه قال: إن حلفت على الشيء، وأنت ترى أنك صادق، وليس كذلك.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك أنه قال: اللغو، الرجل يحلف على الأيمان، وهو يرى أنه كما حلف.

حدثني إسحاق بن [ إبراهيم بن ] حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن زياد قال: هو الذي يحلف على اليمين يرى أنه فيها صادق.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال، حدثنا بكير بن أبي السميط، عن قتادة في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الخطأ غير العمد، الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، ويونس، عن الحسن قال: اللغو، الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، فليس عليه فيه كفارة.

حدثنا هناد وابن وكيع قال هناد: حدثنا وكيع، وقال ابن وكيع: حدثني أبي عن عمران بن حدير قال: سمعت زرارة بن أوفى قال: هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنها كما حلف.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عمر بن بشير قال: سئل عامر عن هذه الآية: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: اللغو أن يحلف الرجل لا يألو عن الحق، فيكون غير ذلك. فذلك اللغو الذي لا يؤاخذ به.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، فاللغو اليمين الخطأ غير العمد، أن تحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه، ثم لا يكون كذلك. فهذا لا كفارة عليه ولا مأثم فيه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، أما اللغو: فالرجل يحلف على اليمين وهو يرى أنها كذلك، فلا تكون كذلك. فليس عليه كفارة.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: اللغو اليمين الخطأ في غير عمد: أن يحلف على الشيء وهو يرى أنه كما حلف عليه. وهذا ما ليس عليه فيه كفارة.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن أبي مالك قال: أما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها، فالرجل يحلف على اليمين وهو يرى أنه فيها صادق، فذلك اللغو.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك مثله إلا أنه قال: الرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه، فلا يكون كذلك. فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، وعن ابن أبي طلحة - كذا قال ابن أبي جعفر - قالا من قال: « والله لقد فعلت كذا وكذا » وهو يظن أن قد فعله، ثم تبيَّن له أنه لم يفعله، فهذا لغو اليمين، وليس عليه فيه كفارة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحسن في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الخطأ غيرُ العمد، كقول الرجل: « والله إن هذا لكذا وكذا » ، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك قال معمر: وقاله قتادة أيضًا.

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو قال: سئل سعيد عن اللغو في اليمين، قال سعيد، وقال مكحول: الخطأ غيرُ العمد، ولكن الكفارة فيما عقدت قلوبكم.

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول أنه قال: اللغو الذي لا يؤاخذ الله به، أن يحلف الرجل على الشيء الذي يظن أنه فيه صادق، فإذا هو فيه غير ذلك، فليس عليه فيه كفارة، وقد عفا الله عنه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: إذا حلف على اليمين وهو يرى أنه فيه صادق، وهو كاذب، فلا يؤاخذ به، وإذا حلف على اليمين وهو يعلم أنه كاذب، فذاك، الذي يؤاخذ به.

وقال آخرون: بل اللغو من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب، على غير عقد قلب ولا عزم، ولكن وُصْلةً للكلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن خالد، عن عطاء، عن وَسيم ، [ عن طاوس ] ، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو حمزة، عن عطاء، عن طاوس قال: كل يمين حلف عليها رجل وهو غضبان، فلا كفَّارة عليه فيها، قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم »

وعلة من قال هذه المقالة، ما:-

حدثني به أحمد بن منصور المروزي قال، حدثنا عمر بن يونس اليمامي قال، حدثنا سليمان بن أبي سليمان الزهري، عن يحيى بن أبي كثير، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يمين في غضب « . »

وقال آخرون: بل اللغو في اليمين: الحلفُ على فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر الله بفعله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد قال، حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير قال: هو الذي يحلف على المعصية، فلا يفي ويكفِّر يمينه، قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » .

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود، عن سعيد بن جبير قال: لغو اليمين: أنْ يحلِف الرجل على المعصية لله، لا يؤاخذه الله بإلغائها.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن سعيد بن جبير بنحوه وزاد فيه، قال: وعليه كفارة.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى ويزيد بن هارون، عن داود، عن سعيد بنحوه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن سعيد بن جبير: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله أن يكفِّر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله بتركها.

حدثنا الحسن بن الصباح البزار قال، حدثنا إسحاق، عن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند قال، حدثنا خالد بن إلياس، عن أم أبيه: أنها حلفت أن لا تكلم ابنة ابنها - ابنة أبي الجهم - فأتت سعيد بن المسيب وأبا بكر وعروة بن الزبير فقالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها. قلت: فكيف يصنع؟ قال: يكفر عن يمينه ويترك المعصية.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو الرجل يحلف على الحرام، فلا يؤاخذه الله بتركه.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا داود، عن سعيد بن جبير قال في لغو اليمين قال: هي اليمين في المعصية، قال: أو لا تقرأ فتفهم؟ قال الله: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [ سورة المائدة: 89 ] ، قال: فلا يؤاخذه بالإلغاء ، ولكن يؤاخذه بالتمام عليها. قال: وقال: « لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » إلى قوله: « فإنّ الله غفور حليم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله بتركها، ويكفِّر.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن الشعبي، عن مسروق، في الرجل يحلف على المعصية، فقال: أيكفِّر خُطوات الشيطان؟ ليس عليه كفارة.

حدثني ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثل ذلك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، في الرجل يحلف على المعصية، قال: كفارتها أن يتوب منها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي أنه كان يقول: يترك المعصية ولا يكفر، ولو أمرتُه بالكفارة لأمرته أن يَتِمّ على قوله.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر، عن مسروق قال: كل يمين لا يحلّ لك أن تفي بها، فليس فيها كفارة.

وعلة من قال هذا القول من الأثر، ما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير قال، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رَحِمٍ فلا يمينَ له « . »

حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمينِ قطيعةِ رحم أو معصية لله، فبِرُّه أن يحنَث بها ويرجع عن يمينه .

وقال آخرون: اللغو من الأيمان: كل يمين وصَل الرجل بها كلامه، على غير قصدٍ منه إيجابَها على نفسه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا هشام قال، حدثنا حماد، عن إبراهيم قال: لغو اليمين، أن يصل الرجل كلامه بالحلف: « والله ليأكلن، والله ليشربن » ونحو هذا، لا يتعمد به اليمين، ولا يريد به حلفًا. ليس عليه كفارة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم: لغو اليمين، ما يصل به كلامه: « والله لتأكلن، والله لتشربن » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد: « لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم » ، قال: هما الرجلان يتساومان بالشيء، فيقول أحدهما: « والله لا أشتريه منك بكذا » ، ويقول الآخر: « والله لا أبيعك بكذا وكذا » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب: أن عروة حدثه: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أيمان اللغو، ما كان في الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذي لا يعتمد عليه القلب.

وعلة من قال هذا القول من الأثر، ما:-

حدثنا به محمد بن موسى الحرشي قال، حدثنا عبيد الله بن ميمون المرادي قال، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون - يعني : يرمون - ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت! فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله ! قال: كلا أيمان الرُّماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة .

وقال آخرون: اللغو من الأيمان، ما كان من يمينٍ بمعنى الدعاء من الحالف على نفسه: إن لم يفعل كذا وكذا، أو بمعنى الشرك والكفر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا إسماعيل بن مرزوق، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم في قول الله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: هو كقول الرجل: « أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا - أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدًا » ، فهو هذا، ولا يترك الله له مالا ولا ولدًا. يقول: لو يؤاخذكم الله بهذا لم يترك لكم شيئًا.

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا إسماعيل قال، حدثني يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث، عن زيد بن أسلم بمثله.

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا إسماعيل بن مرزوق قال، حدثني يحيى بن أيوب، أن زيد بن أسلم كان يقول في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، مثل قول الرجل: « هو كافر، وهو مشرك » . قال: لا يؤاخذه حتى يكون ذلك من قلبه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: اللغو في هذا: الحلف بالله ما كان بالألسن، فجعله لغوًا، وهو أن يقول: « هو كافر بالله، وهو إذًا يشرك بالله، وهو يدعو مع الله إلهًا » ، فهذا اللغو الذي قال الله في « سورة البقرة » .

وقال آخرون: اللغو في الأيمان: ما كانت فيه كفارة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، فهذا في الرجل يحلف على أمر إضرار أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفر يمينه، ويأتي الذي هو خير.

حدثني يحيى بن جعفر قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » ، قال: اليمين المكفرة.

وقال آخرون: اللغو من الأيمان: هو ما حنث فيه الحالف ناسيًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرني مغيرة، عن إبراهيم قال: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه، يعني في قوله: « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » .

قال أبو جعفر: و « اللغو » من الكلام في كلام العرب، كلّ كلام كان مذمومًا وسَقَطًا لا معنى له مهجورًا، يقال منه: « لغا فلان في كلامه يلغُو لَغْوًا » إذا قال قبيحًا من الكلام، ومنه قول الله تعالى ذكره: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ سورة القصص: 55 ] ، وقوله: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [ سورة الفرقان: 72 ] . ومسموع من العرب: « لَغَيْتُ باسم فلان » ، بمعنى أولعت بذكره بالقبيح. فمن قال: « لَغَيْت » ، قال: « ألْغَى لَغًا » ، وهي لغة لبعض العرب، ومنه قول الراجز:

وَرَبِّ أَسْـــرَابِ حَجــيجٍ كُــظَّم عَـــنِ اللَّغَــا وَرَفَــثِ التَّكَــلُّمِ

فإذا كان « اللغو » ما وصفت، وكان الحالفُ بالله: « ما فعلت كذا » وقد فعل، « ولقد فعلتُ كذا » وما فعل - واصلا بذلك كلامه على سبيل سُبوق لسانه من غير تعمد إثم في يمينه، ولكن لعادة قد جرت له عند عجلة الكلام والقائلُ: « والله إنّ هذا لَفُلان » وهو يراه كما قال، أو: « والله ما هذا فلان! » وهو يراه ليس به والقائلُ: « ليفعلنّ كذا والله - أو: لا يفعل كذا والله » على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام وسبوق اللسان للعادة، على غير تعمد حلف على باطل والقائل: « هو مشرك، أو هو يهودي أو نصراني، إن لم يفعل كذا - أو إن فعل كذا » من غير عزم على كفر أو يهودية أو نصرانية جميعهم قائلون هُجْرًا من القول وذميمًا من المنطق، وحالفون من الأيمان بألسنتهم ما لم تتعمد فيه الإثمَ قلوبهم كان معلومًا أنهم لُغاةٌ في أيمانهم، لا تلزمهم كفارة في العاجل، ولا عقوبة في الآجل، لإخبار الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ عبادَه، بما لغوا من أيمانهم، وأنّ الذي هو مؤاخذهم به، ما تعمدت فيه الإثمَ قلوبُهم.

وإذ كان ذلك كذلك وكان صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من حلف على يمين فرأى غيرَها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه » ، فأوجب الكفارة بإتيان الحالف ما حلف أن لا يأتيه، مع وجوب إتيان الذي هو خير من الذي حلف عليه أن لا يأتيه، وكانت الغرامةُ في المال - أو إلزام الجزاء من المجزيِّ أبْدالَ الجازين لا شك عقوبةً كبعض العقوبات التي جعلها الله تعالى ذكره نكالا لخلقه فيما تعدَّوا من حدوده، وإن كان يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه كان بينًا أنّ من ألزم الكفارة في عاجل دنياه فيما حلف به من الأيمان فحنِث فيه، وإن كانت كفارة لذنبه، فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها، وإن كان ما عجَّل من عقوبته إياه على ذلك، مُسْقطًا عنه عقوبته في آجله. وإذ كان تعالى ذكره قد واخذه بها، فغيرُ جائز لقائل أن يقول وقد وأخذه بها: هي من اللغو الذي لا يؤاخذ به قائله.

فإذ كان ذلك غيرَ جائز، فبيِّنٌ فساد القول الذي روي عن سعيد بن جبير أنه قال: « اللغو الحلف على المعصية » ، لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن على الحالف على معصية الله كفارة بحِنْثه في يمينه. وفي إيجاب سعيدٍ عليه الكفارة، دليلٌ واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ، لما وصفنا من أن من لزمه الكفارة في يمينه، فليس ممن لم يؤاخذ بها.

فإذا كان « اللغو » هو ما وصفنا مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به - وكلُّ يمين لزمت صاحبَها بحنثه فيها الكفارةُ في العاجل، أو أوعد الله تعالى ذكره صاحبها العقوبةَ عليها في الآجل، وإن كان وَضَع عنه كفارتها في العاجل - فهي مما كسبته قلوب الحالفين، وتعمدت فيه الإثم نفوس المقسمين. وما عدا ذلك فهو « اللغو » ، وقد بينا وجوهه فتأويل الكلام إذًا: لا تجعلوا الله أيها المؤمنون قوةً لأيمانكم، وحجة لأنفسكم في إقسامكم، في أن لا تبرُّوا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، فإن الله لا يؤاخذكم بما لَغَتْه ألسنتكم من أيمانكم فنطقت به من قبيح الأيمان وذميمها، على غير تعمُّدكم الإثم، وقصدِكم بعزائم صدوركم إلى إيجاب عَقْد الأيمان التي حلفتم بها، ولكنه إنما يؤاخذكم بما تعمدتم فيه عقد اليمين وإيجابها على أنفسكم، وعزمتم على الإتمان على ما حلفتم عليه بقصدٍ منكم وإرادة، فيلزمكم حينئذ إمّا كفارة في العاجل، وإمّا عقوبة في الآجل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أوعد الله تعالى ذكره بقوله: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » عبادَه أنه مؤاخذهم به، بعد إجماع جميعهم على أن معنى قوله: « بما كسبت قلوبكم » ، ما تعمدت.

فقال بعضهم: المعنى الذي أوعد الله عبادَه مؤاخذتهم به: هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: إذا حلف الرجل على اليمين وهو يرى أنه صادق وهو كاذب، فلا يؤاخذ بها. وإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي يؤاخذ به.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور قال: قال إبراهيم: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، قال: أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي يؤاخذ به.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، أن تحلف وأنت كاذب.

حدثني المثنى قال، [ حدثنا عبد الله بن صالح ] حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [ سورة المائدة: 89 ] ، وذلك اليمين الصبر الكاذبة، يحلف بها الرجل على ظلم أو قطيعة، فتلك لا كفارة لها إلا أن يترك ذلك الظلم، أو يرد ذلك المال إلى أهله، وهو قوله تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إلى قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ سورة آل عمران: 77 ] .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، ما عَقَدتْ عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء قال: لا تؤاخذ حتى تُصْعِد للأمر، ثم تحلف عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فتعقد عليه يمينك.

قال أبو جعفر : والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، في الآخرة بها بما شاء من العقوبات - وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو. وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوًا، فأما ما كسبته القلوب وعقدت فيه على الإثم، فلم يكن يوجبُ فيه الكفارة. وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل.

وإذ كان ذلك تأويلَ الآية عندهم، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم - ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، واحفظوا أيمانكم.

وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك، كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفًا.

وقال آخرون: المعنى الذي أوعد الله تعالى عبادَه المؤاخذةَ بهذه الآية، هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا. وفي ذلك أوجب الله عندهم الكفارة، دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه، يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف، وليس ذلك كذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، يقول: بما تعمدت قلوبكم، وما تعمدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة.

4473 م - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله سواء.

وكأنَّ قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل مؤاخذة الله عبدَه على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة، إلى أنها مؤاخذةٌ منه له بها بإلزامه الكفارة فيه. وقال بنحو قول قتادة جماعة أخر، في إيجاب الكفارة على الحالف اليمينَ الفاجرةَ، منهم عطاءٌ والحكم.

حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن عطاء والحكم، أنهما كانا يقولان فيمن حلف كاذبًا متعمدًا: يكفِّر.

وقال آخرون: بل ذلك معنيان: أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارةَ منه، والآخر منهما مؤاخذٌ به في الآخرة إلا أن يعفو.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » أمَّا، « ما كسبت قلوبكم » فما عقدت قلوبكم، فالرجل يحلف على اليمين يعلم أنها كاذبة - إرادةَ أن يقضي أمرَه. والأيمان ثلاثة: « اللغو، والعمد، والغَموس » . والرجل يحلف على اليمين وهو يريد أن يفعل، ثم يرى خيرًا من ذلك، فهذه اليمين التي قال الله تعالى ذكره: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، فهذه لها كفارة.

وكأنَّ قائل هذه المقالة، وجَّه تأويل قوله: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، إلى غير ما وجَّه إليه تأويل قوله: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، وجعل قوله: « بما كسبت قلوبكم » ، الغموسَ من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل - وقوله: بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، اليمينَ التي يستأنف فيها الحِنث أو البرَّ، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبرَّ فيها.

وقال آخرون: بل ذلك: هو اعتقاد الشرك بالله والكفر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا إسماعيل بن مرزوق قال، حدثني يحيى بن أيوب، عن محمد - يعني ابن عجلان - : أن زيد بن أسلم كان يقول في قول الله تعالى ذكره: « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، مثل قول الرجل: « هو كافر، هو مشرك » ، قال: لا يؤاخذه الله حتى يكون ذلك من قلبه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قال: اللغو في هذا، الحلف بالله ما كان بالألسن، فجعله لغوًا، وهو أن يقول: « هو كافر بالله، وهو إذًا يشرك بالله، وهو يدعو مع الله إلهًا » ، فهذا اللغو الذي قال الله تعالى في « سورة البقرة » : « ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ، قال: بما كان في قلوبكم صدقًا، واخذك به. فإن لم يكن في قلبك صدقًا لم يؤاخذك به، وإن أثمتَ.

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان، فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان هو ما قصدته وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده، وذلك يكون منها على وجهين:

أحدهما: على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثمًا، وبفعله مستحقًا المؤاخذةَ من الله عليها. وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله، وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله، قاصدًا قِيلَ الكذب، وذاكرًا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه قد فعل. فيكون الحالف بذلك - إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله - في مشيئة الله يوم القيامة، إن شاء واخذه به في الآخرة، وإن شاء عفا عنه بتفضله، ولا كفارة عليه فيها في العاجل، لأنها ليست من الأيمان التي يحنث فيها. وإنما تجب الكفارة في الأيمان بالحنث فيها. والحالف الكاذب في يمينه، ليست يمينه مما يُتْبَدَأ فيه الحنث، فتلزم فيه الكفارة.

والوجه الآخر منهما: على وجه العزم على إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك. فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه. فإذا حنِث فيه بعد حلفه، كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه - من الحلف بالله على إثم وكذِب - في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارةً لذنبه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: « والله غفورٌ » لعباده فيما لَغَوْا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء وَاخذهم بها ولما واخذهم به فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها، وغير ذلك من ذنوبهم « حليمٌ » في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبةَ على معاصيهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: « للذين يؤلون » ، للذين يقسمون أليَّة، « والألية » الحلف، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب في قوله: « للذين يؤلون » ، يحلفون.

يقال: « آلى فلان يُؤْلي إيلاء وأليَّة » ، كما قال الشاعر:

كَفَيْنَــا مَــنْ تَغَيَّـبَ فـي تُـرَابٍ وَأَحْنَثْنَــــا أَليَّـــةَ مُقْسِـــمِينَا

ويقال: « أَلْوة وأُلْوة » ، كما قال الراجز:

* يَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِي *

وقد حكي عنهم أيضًا أنهم يقولون: « إلوة » مكسورة الألف.

« والتربص » : النظر والتوقف.

ومعنى الكلام: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر، فترك ذكر « أن يعتزلوا » ، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.

واختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته.

فقال بعضهم: اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته: أن يحلف عليها في - حال غضب على وجه الضِّرار - أن لا يجامعها في فرجها، فأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير غضب، فليس هو موليًا منها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن حريث بن عميرة، عن أم عطية قالت، قال جبير: أرضعي ابن أخي مع ابنك! فقالت: ما أستطيع أن أرضع اثنين! فحلف أن لا يقرَبها حتى تفطِمه. فلما فطمته مرّ به على المجلس، فقال له القوم: حسنًا ما غَذَوْتموه! قال جبير: إنيّ حلفت ألا أقربها حتى تفطمه! فقال له القوم: هذا إيلاءٌ!! فأتى عليًا فاستفتاه، فقال: إن كنتَ فعلت ذلك غضبًا فلا تصلح لك امرأتك، وإلا فهي امرأتك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك، أنه سمع عطية بن جبير قال: توفيت أمُّ صبيٍّ نسيبةٌ لي، فكانت امرأة أبي تُرضعه، فحلف أن لا يقربها حتى تفطمه. فلما مضت أربعة أشهر قيل له: قد بانت منك! - وأحسب، شك أبو جعفر، قال - : فأتى عليًا يستفتيه فقال: إن كنت قلت ذلك غضبًا فلا امرأة لك، وإلا فهي امرأتك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني سماك قال، سمعت عطية بن جبير - يذكر نحوه عن علي.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا داود، عن سماك، عن رجل من بني عجل، عن أبي عطية: أنه توفي أخوه وترك ابنًا له صغيرًا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه! فقالت: إنى أخشى أن تُغِيلهما، فحلف أن لا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما. فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا: لَحُسْنَ ما غذا أبو عطية ابن أخيه! قال: كلا! زعمت أم عطية أنيّ أغيلهما، فحلفتُ أن لا أقربها حتى تفطمهما. فقالوا له: قد حرُمت عليك امرأتك! فذكرت ذلك لعلي رضي الله عنه، فقال علي: إنما أردتَ الخيرَ، وإنما الإيلاء في الغضب.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن سماك، عن أبي عطية: أن أخاه توفي - فذكر نحوه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب: أن رجلا هلك أخوه فقال لامرأته: أرضعي ابن أخي. فقالت: أخاف أن تقع عليّ! فحلف أن لا يمسَّها حتى تفطِم. فأمسك عنها، حتى إذا فطمته أخرج الغلامَ إلى قومه، فقالوا: لقد أحسنت غذاءه! فذكر لهم شأنه، فذكروا امرأته، قال: فذهب إلى علي - فاستحلفه بالله: « ما أردت بذلك؟ » ، يعني إيلاءً، قال: فردَّها عليه.

حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربي، عن أشعث بن سوار، عن سماك، عن عطية بن أبي عطية قال، توفي أخ لي وترك يتيما له رضيعًا، وكنت رجلا معسرًا، لم يكن بيدي ما أسترضع له. قال: فقالت لي امرأتي، وكان لي منها ابن ترضعه - إن كفيتني نفسَك كفيتكهما! فقلت: وكيف أكفيك نفسي؟ قالت: لا تقربني. فقلت: والله لا أقربك حتى تفطميهما. قال: ففطمتهما وخرجا على القوم، فقالوا: ما نراك إلا قد أحسنت ولايتهما! قال: فقصصت عليهم القصة، فقالوا: ما نراك إلا آليت منها وبانت منك! قال: فأتيت عليًا فقصصت عليه القصة، فقال: إنما الإيلاء ما أريد به الإيلاء.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر البرساني قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا ابن وكيع، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن أبي عطية، عن عليّ قال: لا إيلاء إلا بغضب.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، أن عليا قال: إذا قال الرجل لامرأته وهي تُرضع: « والله لا قرَبتُك حتى تفطمي ولدي » ، يريد به صلاحَ ولده، قال: ليس عليه إيلاء.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عليّ فقال: إني قلت لامرأتي لا أقرَبُها سنتين. قال: قد آليت منها. قال: إنما قلت لأنها ترضع! قال: فلا إذًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن أبي عطية، عن علي أنه كان يقول: إنما الإيلاء ما كان في غضب، يقول الرجل: « والله لا أقربك، والله لا أمسُّك! » . فأما ما كان في إصلاح من أمر الرضاع وغيره، فإنه لا يكون إيلاء، ولا تَبِين منه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - قال، حدثنا حماد بن زيد، عن حفص، عن الحسن: أنه سئل عنها فقال: لا والله، ما هو بإيلاء.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا بشر بن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إذا حلف من أجل الرَّضاع فليس بإيلاء.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال: سألت ابن شهاب عن الرجل يقول: والله لا أقرب امرأتي حتى تفطم ولدي! قال: لا أعلم الإيلاء يكون إلا بحلف بالله، فيما يريد المرء أن يضارَّ به امرأتَه من اعتزالها، ولا نعلم فريضةَ الإيلاء إلا على أولئك، فلا ترى أنّ هذا الذي أقسم بالاعتزال لامرأته حتى تفطم ولده، أقسم إلا على أمر يتحرَّى به فيه الخير، فلا نرى وَجبَ على هذا ما وجب على المولي الذي يُولِي في الغضب.

وقال آخرون : سواءٌ إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها، كان حلفه في غضب أو غير غضب، كلّ ذلك إيلاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم - في رجل قال لامرأته: « إن غَشِيتُك حتى تفطمي ولدَك فأنت طالق » ، فتركها أربعة أشهر. قال: هو إيلاء.

حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي قال: كل شيء يحول بينه وبين غشيانها، فتركها حتى تمضي أربعة أشهر، فهو داخلٌ عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيًا، فحلف أن لا يطأها حتى تفطم ولدها، فقال: ما أرى هذا بغضب، وإنما الإيلاء في الغضب قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدِّثون؟! إنما قال الله: « للذين يؤلون من نسائهم » إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، إذا مضت أربعة أشهر، فليخطبها إن رغب فيها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم - في رجل حلفَ أن لا يكلم امرأته - قال: كانوا يرون الإيلاء في الجماع.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، قال: كل يمين منعت جماعًا حتى تمضي أربعه أشهر، فهي إيلاء.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل وأشعث، عن الشعبي مثله.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا كل يمين منعت جماعًا فهي إيلاء.

وقال آخرون: كل يمين حلف بها الرجل في مَسَاءة امرأته، فهي إيلاء منه منها، على الجماع حلف أو غيره، في رضًا حلف أو سخط.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن خصيف، عن الشعبي قال: كل يمين حالت بين الرجل وبين امرأته فهي إيلاء، إذا قال: « والله لأغضبنَّك، والله لأسوأنَّك، والله لأضربنَّك » ، وأشباه هذا.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثني أبي وشعيب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن أبي ذئب العامريّ: أن رجلا من أهله قال لامرأته: « إن كلمتك سنة فأنت طالق » ، واستفتى القاسم وسالمًا فقالا إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمها فهي طالقٌ إذا مضت أربعة أشهر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، سمعت حمادًا قال، قلت لإبراهيم: الإيلاء: أن يحلفَ أن لا يجامعها ولا يكلمها ولا يجمع رأسه برأسها، أو ليغضبنَّها، أو ليحرِمنَّها، أو ليسوأنَّها؟ قال: نعم.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم عن رجل قال لامرأته: « والله لأغيظنك » ! فتركها أربعة أشهر، قال: هو إيلاء.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، سمعت شعبة قال: سألت، الحكم فذكر مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنا يونس قال، قال ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب: أنه إن حلف رجل أن لا يكلم امرأته يومًا أو شهرًا، قال: فإنا نرى ذلك يكون إيلاءً. وقال: إلا أن يكون حلف أن لا يكلمها، فكان يمسُّها فلا نرى ذلك يكون من الإيلاء. والفَيْءُ، أن يفيء إلى امرأته فيكلمها أو يمسها. فمن فعل ذلك، قبل أن تمضي الأربعة أشهر، فقد فاء. ومن فاء بعد أربعة أشهر وهي في عِدَّتها، فقد فاء وملك امرأته، غير أنه مضت لها تطليقة.

قال أبو جعفر : وعلة من قال: « إنما الإيلاء في الغضب والضَرار » : أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها، فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبًا بذلك رضاها، وقاضيًا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة، فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه.

وأما علة من قال: « الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء » ، عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: « للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر » بعضًا دون بعض، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم. فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مُولٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه.

وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم: أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها. لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها.

قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب، قولُ من قال: كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا. وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك.

وقد أتينا على فساد قول من خالف ذلك في كتابنا ( كتاب اللطيف ) بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: فإن رجعوا إلى ترك ما حلَفوا عليه أن يفعلوه بهن من ترك جماعهن، فجامعوهن وحنِثوا في أيمانهم « فإن الله غفورٌ » ، لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهُن، ولما سلف منهم إليهن، من اليمين على ما لم يكن لهم أن يحلفوا عليه فحلفوا عليه « رحيم » بهم وبغيرهم من عباده المؤمنين.

وأصل « الفيء » ، الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى ذكره: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى قوله حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [ سورة الحجرات: 9 ] ، يعني: حتى ترجع إلى أمر الله. ومنه قول الشاعر:

فَفـاءَتْ وَلَـمْ تَقْـضِ الَّـذِي أَقْبَلَتْ لَهُ وَمِـنْ حَاجَـةِ الإنْسَـانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا

يقال منه: « فاء فلان يفيء فَيْئة » - مثل « الجيئة » و « فَيْأ » . و « الفَيْئة » المرة. فأما في الظلّ فإنه يقال: « فاء الظلّ يفيء فُيُوءًا وفَيْأ » ، وقد يقال: « فيوءًا » أيضًا في المعنى الأول، لأن « الفيء » في كل الأشياء بمعنى الرجوع.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا فيما يكون به المولي فائيًا.

فقال بعضهم: لا يكون فائيًا إلا بالجماع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الفيء الجماع.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الفيء الجماع.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مثله.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن صاحب له، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق قال: الفيءُ الجماع.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق مثله.

حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل قال: كان عامر لا يرى الفيء إلا الجماع.

حدثنا تميم بن المنتصر قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر بمثله.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير قال: الفيء الجماع.

حدثنا أبو عبد الله النشائي قال، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن سعيد بن جبير قال: الفيءُ الجماع، لا عذرَ له إلا أن يجامع وإن كان في سجن أو سفر - سعيدٌ القائل.

حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن جبير أنه قال: لا عذرَ له حتى يغشى.

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حماد وإياس، عن الشعبي قال أحدهما: عن مسروق قال: الفيء الجماع وقال الآخر: عن الشعبي: الفيء الجماع.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب - في رجل آلى من امرأته، ثم شغله مرض - قال: لا عذر له حتى يغشى.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير - في الرجل يولي من امرأته قبل أن يدخل بها أو بعد ما دخل بها، فيعرض له عارضٌ يحبسه، أو لا يجد ما يَسُوق: أنه إذا مضت أربعة أشهر، أنها أحق بنفسها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم والشعبي قالا إذا آلى الرجل من امرأته، ثم أراد أن يفيء، فلا فيء إلا الجماع.

وقال آخرون: « الفيء » : المراجعة باللسان أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الجماع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة أنهما قالا إذا كان له عذرٌ فأشهد، فذاك له يعني في رجل آلى من امرأته فشغله مرضٌ أو طريق، فأشهد على مراجعة امرأته.

حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن صاحب له، عن الحكم قال: تذاكرنا أنا والنخعي ذاك، فقال النخعي: إذا كان له عذر فأشهد، فقد فاء. وقلت أنا: لا عذر له حتى يغشى. فانطلقنا إلى أبي وائل، فقال: إني أرجو إذا كان له عذر فأشهد، جاز.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: إنْ آلى، ثم مرض أو سُجن أو سافر فراجع، فإنّ له عذرًا أن لا يجامع قال: وسمعت الزهري يقول مثل ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم - في النفساء يُولي منها زوجها - قال: هذه في مُحارِب، سئل عنها أصحاب عبد الله فقالوا: إذا لم يستطع كفَّر عن يمينه، وأشهد على الفيء.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي الشعثاء قال: نـزل به ضيفٌ فآلى من امرأته فنفست، فأراد أن يفيء، فلم يستطع أن يقرَبها من أجل نفاسها، فأتى علقمة فذكر ذلك له، فقال: أليس قد فئتَ بقلبك ورَضيت؟ قال: بلى! قال: فقد فئت! هي امرأتك!

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم: أن رجلا آلى من امرأته فولدت قبل أن تمضي أربعة أشهر، أراد الفيئة فلم يستطع من أجل الدم حتى مضت أربعة أشهر، فسأل عنها علقمة بن قيس فقال: أليس قد راجعتها في نفسك؟ قال: بلى! قال: فهي امرأتك.

حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، أخبرنا عامر، عن الحسن قال: إذا آلى من امرأته ثم لم يقدر أن يغشاها من عذر، قال: يُشهد أنه قد فاء، وهي امرأته.

حدثنا عمران قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة بمثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنى أبي، عن قتادة، عن عكرمة قال: وحدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة قال: إذا آلى من امرأته فجهد أن يغشاها فلم يستطع، فله أن يُشهد على رَجْعتها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة: أنهما سئلا عن رجل آلى من امرأته، فشغله أمر، فأشهد على مراجعة امرأته، قالا إذا كان له عذرٌ فذاك له.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: انطلقت أنا وإبراهيم إلى أبي الشعثاء، فحدَّث أن رجلا من بني سعد بن همّام آلى من امرأته فنُفِست، فلم يستطع أن يقرَبها، فسأل الأسود - أو بعض أصحاب عبد الله - فقال: إذا أشهد فهي امرأته.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: إن كان له عذرٌ فأشهد، فذلك له - يعني المُولي من امرأته.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يحدث عن أبي الشعثاء، عن علقمة وأصحاب عبد الله أنهم قالوا - في الرجل إذا آلى من امرأته فنُفِست - قالوا: إذا أشهد فهي امرأته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد قال: إذا آلى الرجل من امرأته ثم فاء، فليشهد على فَيْئه. وإذا آلى الرجل من امرأته وهو في أرض غير الأرض التي فيها امرأته، فليشهد على فيئه. فإن أشهدَ وهو لا يعلم أن ذلك لا يجزيه من وقوعه عليها، فمضت أربعة أشهر قبل أن يجامعها، فهي امرأته. وإن علم أنه لا فيء إلا في الجماع في هذا الباب، ففاء وأشهد على فيئه ولم يقع عليها حتى مضت أربعة أشهر، فقد بانتْ منه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب: أنه إذا آلى الرجل من امرأته، قال: فإن كان به مرضٌ ولا يستطيع أن يمسَّها، أو كان مسافرًا فحبس، قال: فإذا فاء وكفَّر عن يمينه، فأشهد على فيئه قبل أن تمضي أربعة أشهر، فلا نراه إلا قد صلح له أن يُمسك امرأته، ولم يذهب من طلاقها شيء. قال، وقال ابن شهاب - في رجل يُولي من امرأته، ولم يبق لها عليه إلا تطليقة، فيريد أن يفيء في آخر ذلك وهو مريض أو مسافر، أو هي مريضة أو طامث أو غائبة لا يقدر على أن يبلغها، حتى تمضي أربعة أشهر - أله في شيء من ذلك رخصة، أن يكفر عن يمينه ولم يقدر على أن يطأ امرأته؟ قال: نرى، والله أعلم، إن فاء قبل الأربعة الأشهر فهي امرأته، بعد أن يشهد على ذلك، ويكفِّر عن يمينه، وإن لم يبلغها ذلك من فيئته، فإنه قد فاء قبل أن يكون طلاقًا.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: الفيء الجماع. فإن هو لم يقدر على المجامعة وكانت به علة مرض أو كان غائبًا أو كان محرمًا أو شيء له فيه عذر، ففاء بلسانه وأشهد على الرضا، فإنّ ذلك له فيءٌ إن شاء الله.

وقال آخرون: « الفيء » المراجعة باللسان بكلّ حال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن منصور وحماد، عن إبراهيم قال: الفيء أن يفيء بلسانه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن قال: الفيء الإشهاد.

حدثنا المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إن فاء في نفسه أجزأه، يقول: قد فاء.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن رجاء قال: ذكروا الإيلاء عند إبراهيم فقال: أرأيت إن لم ينتشر ذكره؟ إذا أشهدَ فهي امرأته.

قال أبو جعفر: وإنما اختلف المختلفون في تأويل « الفيء » على قدر اختلافهم في معنى اليمين التي تكون « إيلاءً » .

فمن كان من قوله: إن الرجل لا يكون موليًا من امرأته الإيلاءَ الذي ذكره الله في كتابه إلا بالحلف عليها أن لا يجامعها، جعل الفيءَ الرجوعَ إلى فعل ما حلف عليه أن لا يفعله من جماعها، وذلك الجماعُ في الفرج إذا قدر على ذلك وأمكنه وإذا لم يقدر عليه ولم يمكنه، فإحداثَ النية أن يفعله إذا قدر عليه وأمكنه، وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه ليعلمه المسلمون، في قول من قال ذلك.

وأما قولُ من رأى أنّ الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائقَ له عذرًا، ولم يجعل له مخرجًا من يمينه غيرَ الرجوع إلى ما حلف على تركه، وهو الجماع.

وأما من كان من قوله أنه قد يكون موليًا منها بالحلف على ترك كلامها، أو على أن يسوءَها أو يغيظها أو ما أشبه ذلك من الأيمان، فإن الفيء عنده الرجوعُ إلى ترك ما حلف عليه أن يفعله - مما فيه من مساءتها - بالعزم على الرجوع عنه، وإبداء ذلك بلسانه في كل حال عزم فيها على الفيء.

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في ذلك عندنا، قولُ من قال: « الفيء هو الجماع » ، لأن الرجل لا يكون موليًا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدةَ التي ذكرنا، للعلل التي وصفنا قبلُ. فإذ كان ذلك هو الإيلاء، فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه، لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان للذي آلى عليه خلافًا. لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه، الحكمَ الذي بينه الله لهم في كتابه، كان الفيء إلى ذلك، معلومٌ أنه فعلُ ما آلى على تركه إن أطاقه، وذلك هو الجماع. غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء - الذي هو جماعٌ - بعذر، فغير جائز أن يكون تاركًا جماعها على الحقيقة . لأن المرء إنما يكون تاركًا ما له إلى فعله وتركه سبيل. فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائنٍ تاركَهُ.

وإذ كان ذلك كذلك، فإحداث العزم في نفسه على جماعها، مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها. وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهدَ على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء، كان أعجبَ إليّ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 )

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: « فإن الله غفورٌ » لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنّ، من الحِنْث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشَوْهنّ « رحيم » بكم في تخفيفه عنكم كفَّارةَ أيمانكم التي حلفتم عليهن، ثم حنِثتم فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: « فإن فاءوا فإن الله غفور رحيمٌ » ، قال: لا كفارة عليه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: إذا فاء فلا كفَّارة عليه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا يرون في قول الله: « فإن فاءوا فإنّ الله غفور رحيم » : أن كفارته فيؤه.

قال أبو جعفر : وهذا التأويل الذي ذكرنا هو التأويل الواجبُ على قول من زعم أنّ كل حانث في يمين هو في المُقام عليها حَرِجٌ، فلا كفارة عليه في حنثه فيها، وأن كفارته الحنث فيها.

وأما على قول من أوجب على الحانث في كل يمين حلف بها [ كفارة ] ، برًّا كان الحنِث فيها أو غير بِرّ، فإن تأويله: « فإن الله غفور » للمُولين من نسائهم فيما حنِثوا فيه من إيلائهم، فإن فاؤوا فكفّروا أيمانهم، بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة « رحيم » بهم، بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والآجل على ذلك، بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المَهَل الأشهرَ الأربعة، فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا يحيى بن بشر، أنه سمع عكرمة يقول: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ - قال: وتلك رحمة الله! مَلَّكه أمرَها الأربعة الأشهر إلا من معذرة. لأن الله قال: وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [ سورة النساء: 34 ] .

* ذكر بعض من قال: إذا فاء المولي فعليه الكفارة.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وهو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فيتربَّص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفَّر يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال: حدثني يونس قال، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب بنحوه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: إذا آلى فغشيها قبل الأربعة الأشهر، كفَّر عن يمينه.

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم - في النُّفَساء يولي منها زوجها - قال: هذه في مُحارب، سئل عنها أصحاب عبد الله، فقالوا: إذا لم يستطع كفر عن يمينه وأشهد على الفيء.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: إن فاء فيها كفَّر يمينه، وهي امرأته.

حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن إبراهيم في الإيلاء قال: يوقَف قبل أن تمضي الأربعة الأشهر، فإن راجعها فهي امرأته، وعليه يمين: يكفِّرها إذا حنِث.

قال أبو جعفر: وهذا التأويل الثاني هو الصحيح عندنا في ذلك، لما قد بينا من العلل في كتابنا ( كتاب الأيمان ) ، من أن الحنث موجبٌ الكفارةَ في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف، على معصية كانت اليمين أو على طاعة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى قول الله تعالى ذكره : « وإن عزموا الطلاق » .

فقال بعضهم: معنى ذلك: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهر، فإن فاؤوا فرجعوا إلى ما أوجب الله لهنّ من العِشرة بالمعروف في الأشهر الأربعة التي جعل الله لهم تربُّصهم عنهن وعن جماعهن، وعشرتهن في ذلك بالواجب « فإن الله لهم غفور رحيم » . وإن تركوا الفيء إليهن، في الأشهر الأربعة التي جعل الله لهم التربص فيهنّ حتى ينقضين، طُلِّق منهم نساؤهم اللاتي آلوا منهن بمضيهن. ومضيُّهن عند قائلي ذلك: هو الدلالة على عزم المولي على طلاق امرأته التي إلى منها.

ثم اختلف متأوِّلو هذا التأويل بينهم في الطلاق الذي يلحقها بمضيّ الأشهر الأربعة.

فقال بعضهم: هو تطليقة بائنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن خِلاس أو الحسن، عن علي قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة: أن عليًا وابن مسعود كانا يجعلانها تطليقة، إذا مضت أربعة أشهر فهي أحق بنفسها قال قتادة: وقولُ عليّ وعبد الله أعجبُ إليّ في الإيلاء.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنّ عليًا قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا معمر، عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة: أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان: إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي واحدة بائنة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا عطاء الخراساني قال: سمعني أبو سلمة بن عبد الرحمن أسأل ابن المسيب عن الإيلاء، فمررت به فقال: ما قال لك ابن المسيب؟ فحدثته بقوله، فقال: أفلا أخبرك ما كان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت يقولان؟ قلت: بلى! قال: كانا يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة، وهي أحق بنفسها.

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء الخراساني قال، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن عثمان بن عفان قال: إذا مضت أربعة أشهر من يوم آلى، فتطليقة بائنة.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن معمر أو حُدثت عنه عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة، عن عثمان وزيد: أنهما كانا يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: آلى عبد الله بن أنيس من امرأته، فمكثت ستة أشهر، فأتى ابن مسعود فسأله، فقال: أعلمها أنها قد مُلِّكت أمرَها. فأتاها فأخبرها، وأصْدقها رطلا من وَرِقٍ.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله: أنه كان يقول في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي تطليقة بائنة.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله مثل ذلك.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: آلى عبد الله بن أنيس من امرأته، قال: فخرج فغاب عنها ستة أشهر، ثم جاء فدخل عليها، فقيل: إنها قد بانت منك! فأتى عبد الله، فذكر ذلك له، فقال له عبد الله: قد بانت منك، فَأتها فأعلمها واخطبها إلى نفسها. فأتاها فأعلمها أنها قد بانت منه، وخطبها إلى نفسها، وأصدقها رِطلا من وَرِق.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب، عن عطاء قال، حدثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال، في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر: أن رجلا من بني هلال يقال له فلان ابن أنيس أو: عبد الله بن أنيس أراد من أهله ما يريد الرجلُ من أهله، فأبت، فحلف أن لا يقرَبها. فطرأ على الناس بعثٌ من الغد، فخرج فغاب ستة أشهر ثم قدم، فأتى أهله ما يرى أن عليه بأسًا! فخرج إلى القوم فحدثهم بسَخَطه على أهله حيث خرج، وبرضاه عنهم حين قدم. فقال القوم: فإنها قد حرُمت عليك! فأتى ابن مسعود فسأله عن ذلك، فقال ابن مسعود: أما علمت أنها حرُمت عليك؟ قال لا! قال: فانطلق فاستأذن عليها، فإنها ستنكر ذلك، ثم أخبرها أنّ يمينك التي كنت حلفتَ عليها صارت طلاقًا، وأخبرها أنها واحدة، وأنها أملك بنفسها، فإن شاءت خطبتها فكانت عندك على ثنتين، وإلا فهي أملكُ بنفسها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله قال، في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وتعتدّ ثلاثة قروء.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان،

عن منصور والأعمش ومغيرة، عن إبراهيم: أن عبد الله بن أنيس آلى من امرأته، فمضت أربعةُ أشهر، ثم جامعها وهو ناسٍ، فأتى علقمة، فذهب به إلى عبد الله، فقال عبد الله: بانت منك فاخطبها إلى نفسها، فأصدقها رطلا من فضة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب عن أبي قلابة: أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فضرب ابنُ مسعود فخذَه وقال: إذا مضت أربعة أشهر فاعترفْ بتطليقة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت داود، عن عامر: أن ابن مسعود قال في المُولي: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ فقد بانت منه امرأته بواحدة وهو خاطب.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: عَزْم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن جعفر بن برقان، عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران، عن عكرمة أنه قال: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة فذكر ذلك عن ابن عباس.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال، عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير: أن أمير مكة سأله عن المُولي، فقال: كان ابن عمر يقول: إذا مضت أربعة أشهر مُلِّكت أمرها وكان ابن عباس يقول ذلك.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا حفص، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال، إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا حفص، عن حجاج، عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، مثله.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبى وشعيب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبان بن صالح، عن ابن شهاب: أن قبيصة بن ذؤيب قال في الإيلاء: هي تطليقة بائنة وتأتنف العدة وهي أملكُ بأمرها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن شريح: أنه أتاه رجل فقال: إني آليت من امرأتي فمضت أربعة أشهر قبل أن أفيء ؟ فقال شريح: « وإذ عزموا الطلاقَ فإن الله سميع عليم » - لم يزده عليها. فأتى مسروقًا فذكر ذلك له، فقال: يرحم الله أبا أمية لو أنا قلنا مثل ما قال لم يفرِّج أحد عنه! وإنما أتاه ليفرِّج عنه! ثم قال: هي تطليقة بائنة، وأنت خاطبٌ من الخطَّاب.

حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة أنه سمع الشعبي، يحدث: أنه شهد شُرَيحًا - وسأله رجل عن الإيلاء - فقال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الآية قال: فقمت من عنده، فأتيتُ مسروقًا، فقلت: يا أبا عائشة وأخبرته بقول شريح، فقال: يرحم الله أبا أمية، لو أن الناس كلهم قالوا مثل هذا، منْ كان يفرج عنا مثل هذا! ثم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا أبو داود، عن جرير بن حازم قال، قرأت في كتاب أبي قلابة عند أيوب: سألت سالم بن عبد الله وأبا سلمة بن عبد الرحمن فقالا إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقه بائنة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا أبو داود، عن جرير بن حازم، عن قيس بن سعد، عن عطاء قال، إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة، ويخطبها في العِدَّة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه- في الرجل يقول لامرأته: « والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبدًا! » ، ويحلف أن لا يقربها أبدًا فإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ، كانت تطليقة بائنة، وهو خاطب- قول علي وابن مسعود وابن عباس والحسن.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنه سئل عن رجل قال لامرأته: « إن قرَبتُك فأنت طالق ثلاثًا » ، قال، فإذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وسقط ذلك.

حدثنا سوّار قال، حدثنا بشر بن المفضل وحدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع جميعًا، عن يزيد بن إبراهيم، قال، سمعت الحسن ومحمدًا في الإيلاء، قالا إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد قال، كنا نتحدث في الأليَّة أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن إبراهيم في الإيلاء قال: إن مضت يعني: أربعة أشهر بانت منه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النخعي قال: إن قرَبها قبل الأربعة الأشهر فقد بانت منه بثلاث، وإن تركها حتى تمضي الأربعة الأشهر بانت منه بالإيلاء في رجل قال لامرأته: « أنت طالق ثلاثًا إن قربتك سنة » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة قال: أعتم عبيد الله بن زياد عند هندٍ في ليلة أم عثمان ابنة عمر بن عبيد الله، فلما أتاها أمرت جواريها، فأغلقنَ الأبواب دونه، فحلف أن لا يأتيها حتى تأتيه، فقيل له: إن مضت أربعة أشهر ذهبتْ منك.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عوف قال: بلغني أن الرجل إذا آلى من امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، ويخطبها إن شاء.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - في الذي يُقسم، وإن مضت الأربعة الأشهر فقد حرُمت عليه، فتعتدُّ عدّة المطلقة وهو أحد الخطاب.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب قال، إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وهذا في الرجل يولي من امرأته ويقول: « والله لا يجتمع رأسي ورأسك، ولا أقربك، ولا أغشاك! » ، فكان أهل الجاهلية يعدُّونه طلاقًا، فحدّ الله لهما أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر يمينه وهي امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ فهي تطليقة بائنة، وهي أحق بنفسها، وهو أحد الخطاب.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، قال: كان ابن مسعود وعمر بن الخطاب يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي طالق بائنة، وهي أحقُّ بنفسها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو وهب، عن جويبر، عن الضحاك: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ الآية، هو الذي يحلف أن لا يقرب امرأته، فإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ ولم يطلِّق، بانت منه بالإيلاء. فإن رجعت إليه فمهرٌ جديد، ونكاح ببيِّنة، ورضًا من الوليّ.

وقال آخرون: بل الذي يلحقها بمضي الأربعة الأشهر: تطليقةٌ، يملك فيها الزوجُ الرحعةَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قالا إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر، فواحدة وهو أملك برجعتها.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن إدريس، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال، إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة يملك الرَّجعة.

حدثنا أبو هشام قال: حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن مكحول قال، إذا مضت أربعة اشهر فهي تطليقة، يملك الرجعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال، هي واحدة وهو أحق بها يعني إذا مضت الأربعة الأشهر وكان الزهري يفتي بقول أبي بكر هذا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثني يونس قال، قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت الأربعة الأشهر قبل أن يفيء فهي تطليقة وهو أملك بها ما كانت في عِدَّتها.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا أبو يونس القوي قال، قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قال: قلت من أهل العراق! قال، لعلك ممن يقول: « إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت! » ، لا! ولو مضت أربع سنين.

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا حجاج بن رِشْدين قال: حدثنا عبد الحبار بن عمر، عن ربيعة: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وتستقبل عِدَّتها، وزوجها أحق برجعتها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، كان ابن شبرمة يقول: إذا مضت أربعة أشهر فله الرجعة ويخاصِم بالقرآن، ويتأوَّل هذه الآية: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [ سورة البقرة: 228 ] ، ثم نـزع: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، قال أبو عمر: ونحن في ذلك يعني في الإيلاء على قول أصحابنا الزهريّ ومكحول أنها تطليقة - يعني مضيّ الأربعة الأشهر - وهو أملك بها في عدتها.

وقال آخرون: معنى قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ إلى قوله: « فإنّ الله سميع عليم » لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ على الاعتزال من نسائهم، تنظُّرُ أربعة أشهر بأمره وأمرها فَإِنْ فَاءُوا بعد انقضاء الأشهر الأربعة إليهنّ، فرجعوا إلى عشرتهن بالمعروف، وترك هجرانهن، وأتوْا إلى غشيانهن وجماعهن فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فأحدثوا لهن طلاقًا بعد الأشهر الأربعة « فإن الله سميع » لطلاقهم إياهن « عليم » بما فعلوا بهن من إحسان وإساءة.

وقال متأوِّلو هذا التأويل: مضي الأشهر الأربعة يوجب للمراة المطالبةَ على زوجها المُولي منها، بالفيء أو الطلاق، ويجب على السلطان أن يقف الزوج على ذلك، فإن فاء أو طلَّق، وإلا طلَّق عليه السلطان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أن عمر قال في الإيلاء: لا شيء عليه حتى يُوقَف، فيطلق أو يمسك.

حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبَّويه قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، مثله.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال، سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن عمر بن الخطاب: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر لم يجعله شيئًا.

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن عيينة، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عن علي: أنه كان يقف المولي بعد الأربعة الأشهر حتى يفيء أو يطلق.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عن علي: قال في الإيلاء: يُوقَف.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي: أنه كان يَقِفُه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي: أنه كان يوقفه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان بن الحكم، عن على قال: يُوَقف المُولي عند انقضاء الأربعة الأشهر حتى يفيء أو يطلق قال أبو كريب، قال ابن إدريس: وهو قول أهل المدينة.

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان، عن علي مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان بن الحكم، عن علي قال، المُولي إمَّا أن يفيء، وإما أن يطلّق.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، أن عثمان كان يقف المولي بقول أهل المدينة.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت قال، لقيت طاوسًا فسألته، فقال: كان عثمان يأخذ بقول أهل المدينة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء أنه قال: ليس له أجل وهي معصية، يوقف في الإيلاء، فإما أن يمسك، وإما أن يطلق.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن أبا الدرداء: قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فانه يوقف، إما أن يفيء، وإما أن يطلق.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن أبا الدرداء كان يقول: هي معصية، ولا تحرم عليه امرأته بعد الأربعة الأشهر، ويجعل عليها العدّة بعد الأربعة الأشهر.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبا الدرداء وسعيد بن المسيب قالا يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ولا يزال مقيما على معصية حتى يفيء أو يطلق.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أن أبا الدرداء وعائشة قالا يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب، نحوه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، قال، حدثنا الحسن، عن ابن أبى مليكة قال، قالت عائشة: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق. قال: قلت: أنتَ سمعتها؟ قال: لا تُبَكِّتْني.

حدثنا إبراهيم بن مسلم بن عبد الله قال، حدثنا عمران بن ميسرة قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا حسن بن الفرات بإسناده عن عائشة، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكه، عن عائشة، مثله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: إذا آلى الرجل أن لا يمسَّ امرأته، فمضت أربعة أشهر، فإما أن يمسكها كما أمره الله، وإما أن يطلقها لا يوجب عليه الذي صَنع طلاقًا ولا غيره.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد وناجية بن بكر وابن أبي الزناد، عن أبي الزناد قال، أخبرني القاسم بن محمد: أنّ خالد ابن العاص المخزومي كانت عنده ابنة أبي سعيد بن هشام، وكان يحلف فيها مرارًا كثيرة أن لا يقربها الزمانَ الطويلَ قال، فسمعت عائشة تقول له: ألا تتقي الله يا ابن العاص في ابنة أبي سعيد؟ أما تخْرج؛ أما تقرأ هذه الآية التي في « سورة البقرة » ؟ قال: فكأنها تؤثِّمه، ولا ترى أنه فارق أهله.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المولي: لا يحلّ له إلا ما أحل الله له: إما أن يفيء، وإما أن يطلق.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا عيد الله بن نمير قال، أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال، لا يجوز للمُولي أن لا يفعل ما أمره الله، يقول: يبيِّن رجعتها، أو يطلق عند انقضاء الأربعة الأشهر - يبين رجعتها، أو يطلق قال أبو كريب. قال ابن إدريس وزاد فيه. وراجعته فيه، فقال قولا معناه: إن له الرجعة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا شعبة، عن سماك، عن سعيد بن جبير أن عمر قال نحوا من قول ابن عمر.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم قال، أخبرنا نافع أن ابن عمر قال في الإيلاء: يوقف عند الأربعة الأشهر.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل أن لا يمس امرأته فمضت أربعة أشهر، فإما أن يمسكها كما أمره الله، وإما أن يطلقها ولا يوجب عليه الذي صنعَ طلاقًا ولا غيره.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن عيينة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، سألت ابن عمر عن الإيلاء فقال: الأمراء يقضون بذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال، يوقف المولي بعد انقضاء الأربعة. فإما أن يطلِّق، وإما أن يفيء.

حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال، سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب - في الرجل يولي من امرأته- قال: كان لا يرى أن تدخل عليه فرقه حتى يطلق.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن سعيد بن المسيب: في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر: إنما جعله الله وقتًا لا يحل له أن يجاوزَ حتى يفيء أو يطلِّق، فإن جاوز فقد عصى الله لا تحرُمُ عليه امرأته.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب قال، إذا مضت أربعة أشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلِّق.

حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، عن ابن المسيب: في الإيلاء: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن معمر أو حدثته عنه عن عطاء الخراساني قال، سألت ابن المسيب عن الإيلاء، فقال: يُوقف.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني، عن ابن المسيب وعن ابن طاوس، عن أبيه، قالا يوقف المولي بعد انقضاء الأربعة، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق. .

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مثل ذلك يعني مثل قول عمر بن الخطاب في الإيلاء: لا شيء عليه، حتى يوقف، فيطلق، أو يمسك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في الإيلاء: يوقف.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، قال إذا مضى أربعة أشهر أخذ فيوقف حتى يراجع أهله، أو يطلِّق.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن عيينة، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن مروان وَقفه بعد ستة أشهر.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عمر بن عبد العزيز في الإيلاء قال، يوقف عند الأربعة الأشهر حتى يفيء، أو يطلق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فيتربص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفر عن يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها أجبره السلطان إما أن يفيء فيراجع، وإما أن يعزم فيطلق، كما قال الله سبحانه.

حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا الآية، قال: كان علي وابن عباس يقولان: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت الأربعة الأشهر فإنه يوقف فيقال له: أمسكتَ أو طلَّقت، فإن أمسك فهي امرأته، وإن طلق فهي طالق.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ قال: هو الرجل يحلف أن لا يصيب امرأته كذا وكذا، فجعل الله له أربعة أشهر يتربص بها. وقال: قول الله تعالى ذكره: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، يتربص بها فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإذا رفعته إلى الإمام ضرب له أجلَ أربعةِ أشهر، فإن فاء وإلا طَلَّق عليه، فإن لم ترفعه فإنما هو حقٌّ لها تركته.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك قال، لا يقع على المولي طلاق حتى يوقف، ولا يكون موليًا حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فلا إيلاء عليه، لأنه يوقف عند الأربعة الأشهر، وقد سقطت عنه اليمين، فذهب الإيلاء .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد قال، قال ابن عمر: حتى يرفع إلى السلطان، وكان أبي يقول ذلك ويقول: لا والله وإن مضت أربعُ سنين حتى يوقَف.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فطر قال، قال محمد بن كعب القرظي وأنا معه: لو أن رجلا آلى من امرأته أربعَ سنين لم نُبِنْها منه حتى نجمع بينهما، فإن فاء فاء، وإن عزم الطلاق عزم.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبد العزيز الماجشون، عن داود بن الحصين قال، سمعت القاسم بن محمد يقول: يوقف إذا مضت الأربعة.

وقال آخرون: ليس الإيلاء بشيء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن علية، عن عمرو بن دينار قال، سألت ابن المسيَّب عن الإيلاء فقال: ليس بشيء.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثني جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال، سألت ابن عمر عن رجل آلى من امرأته، فمضتْ أربعة أشهر فلم يفئ إليها، فتلا هذه الآية: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الآية.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت قال، أرسلت إلى عطاء أسأله عن المولي، فقال: لا علم لي به.

وقال آخرون من أهل هذه المقالة: بل معنى قوله: « وإن عزموا الطلاق » : وإن امتنعوا من الفيئة، بعد استيقاف الإمام إيّاهم على الفيء أو الطلاق.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإن فاء جعلها امرأته، وإن لم يفئ جعلها تطليقة بائنة.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإن لم يفئ فهي تطليقة بائنة.

قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر كتاب الله تعالى ذكره، قولُ عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن قال بقولهم في الطلاق أن قوله: « فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إنما معناه: فإن فاءوا بعد وَقف الإمام إياهم من بعد انقضاء الأشهر الأربعة، فرجعوا إلى أداء حق الله عليهم لنسائهم اللائي آلوا منهن، فإن الله لهم غفور رحيم » وإن عزموا الطلاق « فطلَّقوهن » فإن الله سميع « ، لطلاقهم إذا طلَّقوا » عليم « بما أتوا إليهن. »

وإنما قلنا ذلك أشبه بتأويل الآية، لأن الله تعالى ذكره ذكر حين قال: « وإن عزموا الطلاق » ، « فإن الله سميع عليم » ومعلوم أنّ انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنما هو معلوم، فلو كان « عزم الطلاق » انقضاء الأشهر الأربعة لم تكن الآية مختومة بذكر الله الخبر عن الله تعالى ذكره أنه « سميع عليم » ، كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته في مراجعة المولي زوجته التي آلى منها، وأداء حقها إليها بذكر الخبر عن أنه « شديد العقاب » ، إذْ لم يكن موضعَ وعيد على معصية، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه تعالى ذكره بأنه « غفور رحيم » ، إذْ كان موضعَ وَعد المنيب على إنابته إلى طاعته، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام « سميع » وبالفعل « عليم » ، فقال تعالى ذكره: وإن عزم المؤلون على نسائهم على طلاق من آلوا منه من نسائهم « فإن الله سميع » لطلاقهم إيّاهن إن طلقوهن « عليم » بما أتوا إليهنّ، مما يحل لهم، ويحرُم عليهم. .

وقد استقصينا البيان عن الدلالة على صحة هذا القول في كتابنا ( كتاب اللطيف من البيان عن أحكام شرائع الدين ) ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: « والمطلقات » اللواتي طُلِّقن بعد ابتناء أزواجهن بهنّ، وإفضائهم إليهن، إذا كن ذوات حيض وطهر- « يتربصن بأنفسهن » عن نكاح الأزواج « ثلاثةَ قُرُوْءٍ » .

واختلف أهل التأويل في تأويل « القرء » الذي عناه الله بقوله: « يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء » فقال بعضهم: هو الحيض.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » قال: حِيَضٍ.

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « ثلاثة قروء » أي ثلاث حِيَض. يقول: تعتدّ ثلاث حِيَض.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة في قوله: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » يقول: حمل عدة المطلقات ثلاث حيض، ثم نُسخ منها المطلقة التي طُلِّقت قبل أن يدخل بها زوجها، واللائي يَئِسْن من المحيض، واللائي لم يحضن، والحامل.

حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال، القروءُ الحِيَض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » قال: ثلاث حيض.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عمرو بن دينار: الأقراءُ الحيَض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن رجل سمع عكرمة قال: الأقراءُ الحِيَض، وليس بالطهر، قال تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ، ولم يقل: « لقروئهن » .

حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » قالا ثلاث حيض.

حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » أما ثلاثة قروء: فثلاث حيض.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي: أنه رُفِع إلى عمر، فقال لعبد الله بن مسعود: لتقولنَّ فيها. فقال: أنت أحق أن تقول ! قال: لتقولن. قال: أقول: إن زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. قال، ذاك رأيي وافقتَ ما في نفسي! فقضى بذلك عُمر.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود، فذكر نحوه.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، أن عمر بن الخطاب وابن مسعود قالا زُوجُها أحق بها ما لم تغتسل أو قالا تحلَّ لها الصلاة.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال، حدثنا مطر، أن الحسن حدثهم: أن رجلا طلق امرأته، ووكَّل بذلك رجلا من أهله أو إنسانًا من أهله فغفل ذلك الذي وكله بذلك حتى دخلت امرأته في الحيضة الثالثة، وقرَّبت ماءها لتغتسل، فانطلق الذي وُكِّل بذلك إلى الزوج، فأقبل الزوج وهي تريد الغُسل، فقال: يا فلانة، قالت: ما تشاء؟ قال: إني قد راجعتك! قالت: والله ما لك ذلك! قال: بلى والله! قال: فارتفعا إلى أبي موسى الأشعري، فأخذ يمينها بالله الذي لا إله إلا هو: إن كنت لقد اغتسلت حين ناداك. قالت: لا والله، ما كنت فعلت، ولقد قربت مائي لأغتسل. فردها على زوجها، وقال: أنتَ أحقُّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري بنحوه.

حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال، قال عمر: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن يونس بن جبير: أن عمر بن الخطاب طلق امرأته، فأرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال عمر بن الخطاب: امرأتي ورب الكعبة! فراجعها قال ابن بشار: فذكرت هذا الحديث لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: سمعتُ هذا الحديث من أبي هلال، عن قتاده، وأبو هلال لا يحتمل هذا.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب، فجاءت امرأة فقالت: إن زوجي طلقني واحدة أو ثنتين، فجاء وقد وضعت مائي، وأغلقت بابي، ونـزعت ثيابي. فقال عمر لعبد الله: ما ترى؟ قال: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة. قال عمر: وأنا أرى ذلك.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود: أنه قال- في رجل طلق امرأته ثم تركها حتى دخلت في الحيضة الثالثة، فأرادت أن تغتسل، ووضعت ماءها لتغتسل، فراجعها- : فأجازه عمر وعبد الله بن مسعود.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، بمثله إلا أنه قال: ووضعت الماء للغسل، فراجعها، فسأل عبد الله وعمر، فقال: هو أحق بها ما لم تغتسل.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر وعبد الله يقولان: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة يملك الرجعة، فهو أحق بها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا المغيرة، عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين، فهو أحق برجعتها، وبينهما الميراث ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن الحسن: أن رجلا طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم وكلَّ بها بعض أهله، فغفل الإنسان حتى دخلت مغتسلها، وقرَّبت غسلها. فأتاه فآذنه، فجاء فقال: إني قد راجعتك! فقالت: كلا والله! قال: بلى والله! قالت: كلا والله! قال: بلى والله! قال: فتخالفا، فارتفعا إلى الأشعريّ، واستحلفها بالله لقد كنتِ اغتسلت وحلَّت لك الصلاة. فأبت أن تحلف، فردَّها عليه.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، أنّ عمر استشار ابن مسعود في الذي طلق امرأته تطليقة أو ثنتين، فحاضت الحيضة الثالثة، فقال ابن مسعود: أراه أحق بها ما لم تغتسل، فقال عمر: وافقت الذي في نفسي. فردّها على زوجها.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عليا كان يقول: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: إذا انقطع الدم فلا رجعة.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، إذا طلق الرجل امرأته وهي طاهر اعتدت ثلاث حيض سوى الحيضة التي طهُرت منها.

حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن مطر، عن عمرو بن شعيب، أن عمر سأل أبا موسى عنها- وكان بلغه قضاؤه فيها- فقال أبو موسى: قضيتُ أن زوجها أحقُّ بها ما لم تغتسل.

فقال عمر: لو قضيت غير هذا لأوجعت لك رأسك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن علي بن أبي طالب قال - في الرجل يتزوَّج المرأة فيطلقها تطليقة أو ثنتين- قال، لزوجها الرجعة عليها، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلَّ لها الصلاة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة بن عبد الله قال، أرسل عثمان إلى أبي يسأله عنها، فقال أبي: وكيف يفتى منافق؟ فقال عثمان: أعيذُك بالله أن تكون منافقًا، ونعوذ بالله أن نسمِّيك منافقًا، ونعيذك بالله أن يَكون مثلُ هذا كان في الإسلام، ثم تموت ولم تبيِّنه! قال: فإني أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلَّ لها الصلاة. قال: فلا أعلم عثمان إلا أخذ بذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال، وأخبرنا معمر، عن قتادة قالا راجع رجل امرأته حين وضعت ثيابها تريدُ الاغتسال فقال: قد راجعتك. فقالت: كلا! فاغتسلت. ثم خاصمها إلى الأشعري، فردَّها عليه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن رفيع، عن معبد الجهني قال، إذا غسلت المطلقة فرجها من الحيضة الثالثة بانت منه وحلَّت للأزواج.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يحلّ لزوجها الرجعةُ عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، ويحلّ لها الصوم.

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

حدثنا محمد بن يحيى. قال: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن دُرُسْت، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن علي، مثله.

وقال آخرون: بل « القرء » الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به: الطهر.

* ذكره من قال ذلك:

حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة. قالت: الأقراء الأطهار.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: الأقراء الأطهار.

حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عمرة وعروة، عن عائشة قالت: إذا دحلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج قال الزهري: قالت عمرة: كانت عائشة تقول: القرء: الطُّهر، وليس بالحيضة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، مثل قول زيد وعائشة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر، مثل قول زيد.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن زيد بن ثابت قال: إذا دخلت المطلَّقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلَّت للأزواج قال معمر: وكان الزهري يفتي بقول زيد.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: بلغني أن عائشة قالت: إنما الأقراء: الأطهار.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال، إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب: في رجل طلق امرأته واحدة أو ثنتين قال- قال زيد بن ثابت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها وزاد ابن أبي عدي قال: قال علي بن أبي طالب: هو أحق بها ما لم تغتسل.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن زيد وعلي، بمثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت قال، إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا ميراثَ لها.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قالا جميعً، حدثنا أيوب، عن نافع، عن سليمان بن يسار: أن الأحوص - رجل من أشراف أهل الشام- طلق امرأته تطليقة أو ثنتين، فمات وهي في الحيضة الثالثة، فرُفعت إلى معاوية، فلم يوجد عنده فيها علم. فسأل عنها فضالة بن عبيد ومَنْ هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يوجد عندهم فيها علم، فبعث معاوية راكبًا إلى زيد بن ثابت، فقال: لا ترثه، ولو ماتت لم يرثها. فكان ابن عمر يرى ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له الأحوص من أهل الشام طلق امرأته تطليقة، فمات وقد دخلت في الحيضة الثالثة، فرفع إلى معاوية، فلم يدر ما يقول، فكتب فيها إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد: « إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فلا ميراث بينهما » .

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلا يقال له الأحوص، فذكر نحوه عن معاوية وزيد.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أيوب، عن نافع قال، قال ابن عمر: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المطلقة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمر بن محمد، أن نافعًا أخبره، عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت أنهما كانا يقولان: إذا دخلت المرأة في الدم من الحيضة الثالثة، فإنها لا ترثه ولا يرثها، وقد برئت منه وبرئ منها.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، بلغني، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلقت المرأة، فدخلت في الحيضة الثالثة أنه ليس بينهما ميراث ولا رجعة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت سالم بن عبد الله يقول مثل قول زيد بن ثابت.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، وسمعت يحيى يقول: بلغني عن أبان بن عثمان أنه كان يقول ذلك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن زيد بن ثابت، مثل ذلك.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع: أن معاوية بعث إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد: « إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت » ، وكان ابن عمر يقوله.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان وزيد بن ثابت أنهما قالا إذا حاضت الحيضة الثالثة فلا رجعة، ولا ميراث.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن زيد بن ثابت قال، إذا طلق الرجل امرأته، فرأت الدم في الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة عن موسى بن شداد، عن عمر بن ثابت الأنصاري قال، كان زيد بن ثابت يقول: إذا حاضت المطلقة الثالثة قبل أن يراجعها زوجها فلا يملك رَجعتها.

حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن دُرُسْت، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عائشة وزيد بن ثابت قالا إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.

قال أبو جعفر: « والقروء » في كلام العرب: جمع « قُرْء » ، وقد تجمعه العرب « أقراء » يقال في « فعل » منه: « أقرأت المراة » - إذا صارت ذات حيض وطُهر- « فهي تقرئ إقراء » . وأصل « القُرء » في كلام العرب: الوقتُ لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدبارُه لوقت معلوم. ولذلك قالت العرب: « قرأت حاجةُ فلان عندي » ، بمعنى: دنا قضاؤها، وحَان وقت قضائها « واقرأ النجم » إذا جاء وقت أفوله، « وأقرأ » إذا جاء وقت طلوعه، كما قال الشاعر:

إذَا مَــا الثُّرَيَّــا وَقَــدْ أقْــرَأَتْ أَحَــسَّ السِّــمَا كَـانِ مِنْهـا أُفُـولا

وقيل: « أقرأت الريح » ، إذا هبت لوقتها، كما قال الهذلي:

شَــنِئْتُ العَقْـرَ عَقْـرَ بَنِـي شُـلَيْلٍ إِذَا هَبَّـــتْ لِقَارِئِهَـــا الرِّيَــاحُ

بمعنى: هبت لوقتها وحين هُبوبها. ولذلك سمى بعض العرب وقت مجيء الحيض « قُرءًا » ، إذا كان دمًا يعتاد ظهوره من فرج المرأة في وقت، وكمونُه في آخر، فسمي وقت مجيئه « قُرءًا » ، كما سمَّى الذين سمَّوا وقت مجيء الريح لوقتها « قُرءًا » .

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبّيْش: دعي الصلاة أيام أقرائك.

بمعنى: دعي الصلاة أيام إقبال حيضك.

وسمى آخرون من العرب وقت مجيء الطهر « قُرءًا » ، إذْ كان وقت مجيئه وقتًا لإدبار الدم دم الحيض، وإقبال الطهر المعتاد مجيئُه لوقت معلوم. فقال في ذلك الأعشى ميمون بن قيس:

وَفـيِ كُـلِّ عَـامٍ أَنْـتَ جَاشِـمُ غَزْوَةٍ تَشُــدُّ لأقْصَاهَــا عَـزِيمَ عَزَائِكَـا

مُوَرِّثَــةٍ مَـالا وَفِـي الذِّكْـرِ رِفْعـةً لِمَـا ضَـاعَ فِيهَـا مِـنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا

فجعل « القُرء » : وقت الطهر.

قال أبو جعفر: ولما وصفنا من معنى: « القُرء » أشكل تأويل قول الله: « والمطلقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء » على أهل التأويل.

فرأى بعضهم أن الذي أمِرت به المرأة المطلقة ذات الأقراء من الأقراء، أقراء الحيض، وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه- فأوجب عليها تربُّص ثلاث حيَض بنفسها عن خطبة الأزواج.

ورأى آخرون: أنّ الذي أمرت به من ذلك، إنما هو أقراءُ الطهر- وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه- فأوجب عليها تربُّص ثلاث أطهار.

فإذْ كان معنى « القُرء » ما وصفنا لما بيَّنا، وكان الله تعالى ذكره قد أمرَ المريدَ طلاقَ امرأته أن لا يطلقها إلا طاهرًا غير مُجامعة، وحرَّم عليه طلاقها حائضًا كان اللازمُ المطلقةَ المدخولَ بها إذا كانت ذات أقراء تربُّص أوقات محدودة المبلغ بنفسها عقيب طلاق زوجها إياها، أن تنظرَ إلى ثلاثة قروء بين طهريْ كل قرءٍ منهنّ قرءٌ، هو خلاف ما احتسبته لنفسها قروءًا تتربصهن. فإذا انقضين، فقد حلت للأزواج، وانقضت عدّتها، وذلك أنها إذا فعلت ذلك، فقد دخلت في عداد من تربَّصُ من المطلقات بنفسها ثلاثةَ قروء، بين طُهريْ كل قرءٍ منهن قرءٌ له مخالفٌ. وإذا فعلت ذلك، كانت مؤدية ما ألزمها ربها تعالى ذكره بظاهر تنـزيله.

فقد تبيَّن إذًا - إذ كان الأمر على ما وصفنا- أنّ القرءَ الثالثَ من أقرائها على ما بينا، الطهرُ الثالث وأنّ بانقضائه ومجيء قرء الحيض الذي يتلوه، انقضاءُ عدّتها.

فإن ظن ذو غباء أنَّا إذْ كنا قد نسمِّي وقت مجيء الطهر « قُرءًا » ، ووقت مجيء الحيض « قرءًا » ، أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضية بانقضاء الطهر الثاني، إذ كان الطهرُ الذي طلقها فيه، والحيضة التي بعده، والطهر الذي يتلوها، « أقراءً » كلها فقد ظن جهلا.

وذلك أن الحكم عندنا- في كل ما أنـزله الله في كتابه- على ما احتمله ظاهرُ التنـزيل، ما لم يبيّن الله تعالى ذكره لعباده، أنّ مراده منه الخصوص، إما بتنـزيل في كتابه، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا خصّ منه البعض، كان الذي خصَّ من ذلك غيرَ داخل في الجملة التي أوجب الحكم بها، وكان سائرها على عمومها، كما قد بيَّنا في كتابنا: ( كتاب لطيف القول من البيان عن أصول الأحكام ) وغيره من كتبنا.

فـ « الأقراء » التي هي أقراءُ الحيض بين طُهريْ أقراء الطهر، غير محتسبة من أقراء المتربِّصة بنفسها بعد الطلاق، لإجماع الجميع من أهل الإسلام: أن « الأقراء » التي أوجبَ الله عليها تربَّصُهن، ثلاثة قروء، بين كل قرء منهن أوقات مخالفاتُ المعنى لأقرائها التي تربَّصُهن، وإذْ كن مستحقات عندنا اسم « أقراء » ، فإن ذلك من إجماع الجميع لم يُجِزْ لها التربّص إلا على ما وصفنا قبل.

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دليل واضح على خطأ قول من قال: « إن امرأة المُولي التي آلى منها، تحل للأزواج بانقضاء الأشهر الأربعة، إذا كانت قد حاضت ثلاث حيضٍ في الأشهر الأربعة » . لأن الله تعالى ذكره إنما أوجبَ عليها العدّة بعد عزم المُولي على طلاقها، وإيقاع الطلاق بها بقوله: « وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، فأوجب تعالى ذكره على المرأة إذا صارت مطلقة- تربُّص ثَلاثة قروء فمعلوم أنها لم تكن مطلقة يوم آلى منها زوجها، لإجماع الجميع على أنّ الإيلاء ليس بطلاق موجب على المولى منها العِدّة. »

وإذ كان ذلك كذلك، فالعدة إنما تلزمها بعد الطلاق، والطلاق إنما يلحقها بما قد بيناه قبل.

قال أبو جعفر: وأما معنى قوله: « والمطلقات » فإنه: والمخلَّياتُ السبيل، غير ممنوعات بأزواج ولا مخطوبات، وقول القائل: « فلانة مطلقه » إنما هو « مفعَّلة » من قول القائل: « طلَّق الرجل زوجته فهي مطلَّقة » . وأما قولهم: « هي طالق » ، فمن قولهم: « طلَّقها زوجها فطّلُقت هي، وهي تطلُق طلاقًا، وهي طالق » . وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول: « طَلَقت المرأة » . وإنما قيل ذلك لها، إذا خلاها زوجها، كما يقال للنعجة المهملة بغير راع ولا كالئ، إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مُخلاةً سبيلها: « هي طالق » ، فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها، وسُميت بما سُميت به النعجة التي وصفنا أمرها. وأما قولهم: « طُلِقت المرأة » ، فمعنى غير هذا، إنما يقال في هذا إذا نُفِست. هذا من « الطَّلْق » ، والأول من « الطلاق » .

وقد بينا أن « التربُّص » إنما هو التوقف عن النكاح، وحبسُ النفس عنه في غير هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: تأويله: « ولا يحلّ » ، لهن يعني للمطلقات « أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، من الحيض إذا طُلِّقن، حرّم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلَّقوهن، في الطلاق الذي عليهم لهنّ فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال، قال الله تعالى ذكره: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ إلى قوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال: بلغنا أنّ « ما خلق في أرحامهن » الحمل، وبلغنا أن الحيضة، فلا يحل لهنّ أن يكتمن ذلك، لتنقضي العدة ولا يملك الرجعة إذا كانت له

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: الحيض

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: أكبرُ ذلك الحيض.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت مطرّفًا، عن الحكم قال، قال إبراهيم في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ » قال: الحيض

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: الحيض ثم قال خالد: الدم.

وقال آخرون: هو الحيض، غير أن الذي حرّم الله تعالى ذكره عليها كتمانَه فيما خلق في رحمها من ذلك، هو أن تقول لزوجها المطلِّق وقد أراد رجعتها قبل الحيضة الثالثة: « قد حضتُ الحيضةَ الثالثة » كاذبةً لتبطل حقه بقيلها الباطلَ في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبيدة بن معتِّب، عن إبراهيم في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: الحيض، المرأةُ تعتد قُرْأين، ثم يريد زوجها أن يراجعها، فتقول: قد حضتُ الثالثة « »

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن « قال: أكثر ما عني به الحيض. »

وقال آخرون: بل المعنى الذي نُهِيتْ عن كتمانه زوجَها المطلِّقَ: الحبلُ والحيضُ جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، من الحيض والحمل، لا يحل لها إن كانت حائضًا أن تكتُم حيضها، ولا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتُم حملها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت مطرِّفًا، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: « ولا يحل لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، قال: الحمل والحيض قال أبو كريب: قال ابن إدريس: هذا أوَّل حديث سمعته من مطرِّف.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن الحكم، عن مجاهد، مثله إلا أنه قال: الحبل.

حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ليث، عن مجاهد في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: من الحيض والولد

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولا يحلّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، قال: من الحيض والولد

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: لا يحلّ للمطلَّقة أن تقول: « إني حائض » ، وليست بحائض ولا تقول: « إني حبلى » وليست بحبلى ولا تقول: « لستُ بحبلى » ، وهي حُبلى.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن مجاهد قال، الحيض والحبل قال، تفسيره أن لا تقول: « إني حائض » ، وليست بحائض « ولا لست بحائض » ، وهي حائض: ولا « أني حبلى » ، وليست بحبلى ولا « لست بحبلى » ، وهي حبلى.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن القاسم بن نافع، عن مجاهد نحو هذا التفسير في هذه الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله وزاد فيه: قال: وذلك كله في بُغض المرأة زوجها وحبِّه

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » يقول: لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحبل، لا يحلّ لها أن تقول: « إني قد حضت » ولم تحض ولا يحلّ أن تقول: « إني لم أحض » ، وقد حاضت ولا يحل لها أن تقول: « إني حبلى » وليست بحبلى ولا أن تقول: « لست بحبلى » ، وهي حبلى

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » الآية قال، لا يكتمن الحيض ولا الولد، ولا يحل لها أن تكتمه وهو لا يعلم متى تحلّ، لئلا يرتجعها- تُضارُّة

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « ولا يحل لهن أن يتكتمن ما خلق الله في أرحامهن » يعني الولد قال: الحيضُ والولدُ هو الذي ائتُمِن عليه النساء.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الحبل.

ثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نُهِيتْ عن كتمان ذلك الرجلَ، فقال بعضهم: نهيت عن ذلك لئلا تبطل حقَّ الزوج من الرجعة، إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح أنه حدثه: أن عمر بن الخطاب قال لرجل: اتل هذه الآية فتلا. فقال: إن فلانة ممن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ وكانت طُلِّقت وهي حبلى، فكتمت حتى وضعت

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، وهو قوله: « ولا يحل لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إنْ كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر »

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول: الطلاق مرّتان بينهما رجعة، فإن بدا له أن يطلِّقها بعد هاتين فهي ثالثة، وإن طلقها ثلاثًا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. إنما اللاتي ذكرن في القرآن: « ولا يحلُّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحقُّ بردهنَّ » ، هي التي طلقت واحدة أو ثنتين، ثم كتمتْ حملها لكي تنجو من زوجها، فأما إذا بتَّ الثلاثَ التطليقات، فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجًا غيره.

وقال آخرون: السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كنّ يكتمنَه أزواجهن، خوف مراجعتهم إياهُنّ، حتى يتزوجن غيرهم، فيُلحق نسب الحمل- الذي هو من الزوج المطلِّق- بمن تزوجته. فحرم الله ذلك عليهن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: كانت المرأة إذا طُلِّقت كتمت ما في بطنها وحملها لتذهب بالولد إلى غير أبيه، فكره الله ذلك لهنّ.

حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قال: علم الله أنّ منهن كواتم يكتمن الولد. وكان أهل الجاهلية كان الرجل يطلّق امرأته وهي حامل، فتكتم الولد وتذهبُ به إلى غيره، وتكتُم مخافة الرجعة، فنهى الله عن ذلك، وقدَّم فيه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر منها

وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك، هو أنّ الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حملٌ؟ كيلا يطلقها، وهي حامل منه للضرر الذي يلحقُه وولدَه في فراقها إن فارقها، فأمِرن بالصدق في ذلك ونُهين عن الكذب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » ، فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادةَ أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها تردّ إليه، عقوبةً لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرةً.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: الذي نُهيت المرأة المطلَّقة عن كتمانه زوجها المطلِّقَها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها- الحيضُ والحبَل. لأنه لا خلاف بين الجميع أنّ العِدّة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها، كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث، في قول من قال: « القُرء » الطهر، وفي قول من قال: هو الحيض، إذا انقطع من الحيضة الثالثة، فتطهرت بالاغتسال.

فإذا كان ذلك كذلك وكان الله تعالى ذكره إنما حرَّم عليهن كتمانَ المطلِّق الذي وصفنا أمره، ما يكونُ بكتمانهن إياه بُطُول حقه الذي جعله الله له بعد الطلاق عليهن إلى انقضاء عِدَدهن، وكان ذلك الحق يبطل بوضعهن ما في بطونهن إن كن حواملَ، وبانقضاء الأمراء الثلاثة إن كن غير حوامل علم أنهن منَهيَّات عن كتمان أزواجهن المطلِّقِيهنَّ من كل واحد منهما، - أعني من الحيض والحبل - مثل الذي هنَّ مَنْهيَّاتٌ عنه من الآخر، وأن لا معنى لخصوص مَنْ خصّ بأن المراد بالآية من ذلك أحدهما دون الآخر، إذ كانا جميعًا مما خلق الله في أرحامهن، وأنّ في كل واحدة منهما من معنى بُطول حق الزوج بانتهائه إلى غاية، مثل ما في الآخر.

ويُسأل من خصّ ذلك- فجعله لأحد المعنيين دون الآخر- عن البرهان على صحة دعواه من أصْل أو حجة يجب التسليم لها، ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

وأما الذي قاله السدي من أنه معنيٌّ به نهي النساء كتمانَ أزواجهن الحبلَ عند إرادتهم طلاقهن، فقولٌ لما يدل عليه ظاهر التنـزيل مخالف، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: « والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلقَ الله في أرحامهن » ، بمعنى: ولا يحل أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الثلاثة القروء، إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر.

وذلك أنّ الله تعالى ذكره ذكر تحريم ذلك عليهن، بعد وصفه إياهن بما وَصفهن به، من فراق أزواجهن بالطلاق، وإعلامهن ما يلزمهن من التربُّص، معرِّفًا لهن بذلك ما يحرُم عليهن وما يحلّ، وما يلزمُهن من العِدَّة ويجبُ عليهن فيها. فكان مما عرّفهن: أنّ من الواجب عليهن أن لا يكتمن أزواجَهن الحيض والحبَل الذي يكون بوضع هذا وانقضاء هذا إلى نهاية محدودة انقطاعُ حقوق أزواجهن ضرارًا منهنّ لهم، فكان نهيُه عما نهاهن عنه من ذلك، بأن يكون من صفة ما يليه قبله ويتلوه بعده، أولى من أن يكون من صفة ما لم يَجْرِ له ذِكر قبله.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: ما معنى قوله: « إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر » ؟ أوَ يحل لهن كتمان ذلك أزواجهنً إنْ كن لا يؤمنَّ بالله ولا باليوم الآخر حتى خصّ النهيُ عن ذلك المؤمنات بالله واليوم الآخر؟

قيل: معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإنما معناه: أن كتمان المراة المطلَّقة زوجَها المطلَّقَها ما خلق الله تعالى في رحمها من حيض وولد في أيام عدتها من طلاقه ضرارًا له، ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وأخلاقِهنَّ من النساء الكوافر فلا تتخلَّقن أيتها المؤمنات بأخلاقهنّ، فإنّ ذلك لا يحل لكنّ إن كنتن تؤمنّ بالله واليوم الآخر وكنتن من المسلمات لا أنّ المؤمنات هن المخصوصات بتحريم ذلك عليهن دون الكوافر، بل الواجب على كل من لزمته فرائضُ الله من النساء اللواتي لهن أقراء- إذا طلِّقت بعد الدخول بها في عدتها- أن لا تكتم زوجها ما خلق الله في رحمها من الحيض والحبَل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا

قال أبو جعفر: « والبعولة » جمع « بعل » ، وهو الزوج للمرأة، ومنه قول جرير:

أَعِـدُّوا مَـعَ الحَـلْيِ المَـلابَ فَإنَّمَـا جَــرِيرٌ لَكُـمْ بَعْـلٌ وَأَنْتُـمْ حَلائِلُـهْ

وقد يجمع « البعل » « البعولة، والبعول » ، كما يجمع « الفحل » « والفحول والفحولة » ، و « الذكر » « الذكور والذكورة » . وكذلك ما كان على مثال « فعول » من الجمع، فإن العرب كثيرًا ما تدخل فيه « الهاء » ، فإما ما كان منها على مثال « فِعال » ، فقليل في كلامهم دخول « الهاء » فيه، وقد حكى عنهم. « العِظامُ والعِظامة » ، ومنه قول الزاجر:

* ثُمَّ دَفَنْتَ الْفَرْثَ وَالعِظَامهْ *

وقد قيل: « الحجارة والحِجار » و « المِهارة والمِهار » و « الذِكّارة والذِكّار » ، للذكور.

وأما تأويل الكلام، فإنه: وأزواج المطلقات اللاتي فرضنا عليهن أن يتربَّصن بأنفسهن ثلاثه قروء، وحرَّمنا عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أحق وأولى بردهن إلى أنفسهم في حال تربصهن إلى الأقراء الثلاثة، وأيام الحيل، وارتجاعهن إلى حبالهم منهم بأنفسهن أن يمنعهن من أنفسهن ذلك كما:-

حدثي المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا » ، يقول: إذ طلق الرجل امرأته تطليقة أو ثنتين، وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « وبعولتهن أحق بردهن » قال: في العدة

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا قال الله تعالى ذكره: « والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهنّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا » ، وذلك أنّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته كان أحقَّ برجعتها وإن طلاقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ الآية.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وبعولتهن أحق بردهن في ذلك » في عدتهن.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال، في العدة

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وبعولتهنّ أحق بردهن في ذلك » ، أي في القروء في الثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، أو كانت حاملا فإذا طلَّقها زوجها واحدة أو اثنتين رَاجعها إن شاء ما كانت في عدتها

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وبعولتهن أحق بردهنّ في ذلك » قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، فنهاهنّ الله عن ذلك وقال: « وبعولتهنّ أحق بردهن في ذلك » ، قال قتادة: أحق برجعتهن في العدة.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « وبعولتهن أحقُّ بردهن في ذلك » ، يقول: في العدة ما لم يطلقها ثلاثًا.

حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وبعولتهن أحق بردهن في ذلك » ، يقول: أحق برجعتها صاغرة عقوبة لما كتمت زوجها من الحمل

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وبعولتهن أحق بردهن » ، أحقّ برجعتهنّ، ما لم تنقض العِدّة.

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: « وبعولتهنّ أحق بردهنّ في ذلك » ، قال: ما كانت في العدة إذا أراد المراجعة

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما لزوج- طلق واحدة أو اثنتين بعد الإفضاء إليها- عليها رجعة في أقرائها الثلاثة، إلا أن يكون مريدًا بالرجعة إصلاح أمرها وأمره؟

قيل: أما فيما بينه وبين الله تعالى فغير جائز إذا أراد ضرارها بالرجعة، لا إصلاح أمرها وأمره مراجعتُها.

وأما في الحكم فإنه مقضيٌّ له عليها بالرجعة، نظيرُ ما حكمنا عليه ببطول رَجعته عليها لو كتمته حملها الذي خلقه الله في رحمها أو حيضها حتى انقضت عدتها ضرارًا منها له، وقد نهى الله عن كتمانه ذلك، فكان سواءً في الحكم في بطول رَجعة زوجها عليها، وقد أثمت في كتمانها إياه ما كتمته من ذلك حتى انقضت عدتها هي والتي أطاعت الله بتركها كتمانَ ذلك منه، وإن اختلفا في طاعة الله في ذلك ومعصيته، فكذلك المراجع زوجتَه المطلقة واحدة أو ثنتين بعد الإفضاء إليها وهما حُرَّان وإن أراد ضرار المُراجعة برجعته- فمحكوم له بالرجعة، وإن كان آثمًا بريائه في فعله، ومقدِمًا على ما لم يُبحه الله له، والله وليّ مجازاته فيما أتى من ذلك. فأما العباد فإنهم غيرُ جائز لهم الحوْلُ بينه وبين امرأته التي راجعها بحكم الله تعالى ذكره له بأنها حينئذ زوجتُه، فإن حاول ضرارها بعد المراجعة بغير الحقّ الذي جعله الله له، أخِذ لها الحقوق التي ألزم الله تعالى ذكره الأزواج للزوجات حتى يعود ضررُ ما أراد من ذلك عليه دونها.

قال أبو جعفر: وفي قوله: « وبعولتهن أحق بردهن في ذلك » ، أبين الدلالة على صحة قول من قال: إنّ المولي إذا عزم الطلاق فطلق امرأته التي آلى منها، أنّ له عليها الرّجعة في طلاقه ذلك وعلى فساد قول من قال: إن مضي الأشهر الأربعة عزُم الطلاق، وأنه تطليقه بائنة، لأن الله تعالى ذكره إنما أعلم عباده ما يلزمُهم إذا آلوا من نسائهم، وما يلزم النساء من الأحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال وطلاقهم، إذا عزموا ذلك وتركوا الفيء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: ولهنّ من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهنّ لهم من الطاعة فيما أوجب الله تعالى ذكره له عليها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو عاصم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف » ، قال: إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن، فعليه أن يُحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، ويُنفق عليها من سَعَته.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف » ، قال: يتقون الله فيهن، كما عليهن أن يتقين الله فيهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولهنّ على أزواجهن من التَّصنُّع والمواتاة، مثل الذي عليهن لهم في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني أحبُّ أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي; لأن الله تعالى ذكره يقول: « ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف »

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدة أو ثنتين - بعد الإفضاء إليهن- على بعولتهن أن لا يراجعوهنّ في أقرائهن الثلاثة إذا أرادوا رجْعتهن فيهن، إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم، وأن لا يراجعوهن ضرارًا كما عليهن لهم إذا أرادوا رجعتهنّ فيهنّ، أن لا يكتمنَ ما خلق الله في أرحامهنّ من الولد ودم الحيض ضرارًا منهن لهم لِيَفُتْنهم بأنفسهنّ،

ذلك أن الله تعالى ذكره نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنّ، إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهن أحق بردّهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مضارَّة صاحبه، وعرّف كلّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله: « ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف » فبيِّنٌ أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته، مثل الذي له على صاحبه من ذلك.

فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنـزيل من غيره.

وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلا في ذلك، وإن كانت الآية نـزلت فيما وصفنا، لأن الله تعالى ذكره قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حقه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى « الدرجة » التي جعل الله للرجال على النساء، الفضلُ الذي فضّلهم الله عليهن في الميراث والجهاد وما أشبه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وللرجال عليهن درجة » قال: فَضْل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفَضْل ميراثه، على ميراثه، وكل ما فضِّل به عليها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر: عن قتادة: « وللرجال عليهن درجة » ، قال: للرجال درجةٌ في الفضل على النساء

وقال آخرون: بل تلك الدرجة: الإمْرة والطاعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن زيد بن أسلم في قوله: « وللرجال عليهن درجة » ، قال: إمارةٌ.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وللرجال عليهن درجة » ، قال: طاعةٌ. قال: يطعن الأزواجَ الرجال، وليس الرجال يطيعونهن

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد في قوله: « وللرجال عليهن درجة » ، قال: لا أعلم إلا أن لهن مثل الذي عليهن، إذا عرفن تلك الدرجة

وقال آخرون: تلك الدرجة له عليها بما ساق إليها من الصداق، وإنها إذا قذفته حُدَّت، وإذا قذفها لاعنَ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبيدة، عن الشعبي في قوله: « وللرجال عليهن درجة » ، قال: بما أعطاها من صَداقها، وأنه إذا قذفها لاعَنها، وإذا قذفته جُلدت وأُقِرَّتْ عنده.

وقال آخرون: تلك الدرجة التي له عليها، إفضاله عليها، وأداء حقها إليها، وصفحه عن الواجب لهُ عليها أو عن بعضه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما أحب أن استنظف جميع حقي عليها، لأن الله تعالى ذكره يقول: « وللرجال عليهن درجة »

وقال آخرون: بل تلك الدرجة التي له عليها أن جعل له لحية وحرمها ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا عبيد بن الصباح قال، حدثنا حميد قال، « وللرجال عليهن درجة » قال: لحية.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن « الدرجة » التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفحُ من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه.

وذلك أن الله تعالى ذكره قال: « وللرجال عليهن درجة » عَقيب قوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحُقوقها، مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهنّ وغير ذلك من حقوقه.

ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداءَ بعض ما أوجب الله لهم عليهن، فقال تعالى ذكره: « وللرجال عليهن درجة » بتفضّلهم عليهن، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله: « ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها » لأن الله تعالى ذكره يقول: « وللرجال عليهن درجة » .

ومعنى « الدرجة » ، الرتبة والمنـزلة.

وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان ظاهرُه ظاهر الخبر، فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل، ليكون لهم عليهن فضل درَجة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: « والله عزيز » في انتقامه ممن خالف أمره، وتعدَّى حدوده، فأتى النساء في المحيض، وجعل الله عُرضة لأيمانه أن يبرَّ ويتقي، ويصلح بين الناس، وعضَل امرأته بإيلائه، وضَارَّها في مراجعته بعد طلاقه، ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن، ونكحن في عددهن، وتركنَ التربُّص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن، وركبن غير ذلك من معاصيه « حكيم » فيما دبَّر في خلقه، وفيما حكم وقضَى بينهم من أحكامه، كما:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « والله عزيز حكيم » ، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.

وإنما توعَّد الله تعالى ذكره بهذا القول عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرَّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ إلى قوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو النُّهى، وليذكر أولو الحجى، فيتقوا عقابه، ويحذروا عذابه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته، والعدد الذي تبين به زوجته منه.

* ذكر من قال إن هذه الآية أنـزلت لأن أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نـزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدًّا، حرَّم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأتَه المطلقة، إلا بعد زوج، وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه.

* ذكر الأخبار الواردة بما قلنا في ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل يطلق ما شاء ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربُك ولا تحلّين مني. قالت له: كيف؟ قال: أطلِّقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. قال: فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى ذكره: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف » الآية.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه، قال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤيك، ولا أدَعك تحلّين. فقالت له: كيف تصنع؟ قال: أطلقك، فإذا دنا مُضِىُّ عدتك راجعتُك، فمتى تحلّين؟ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، فاستقبله الناس جديدًا، من كان طلق ومن لم يكن طلق .

حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلِّق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك، ثم يراجعُ ما كانت في العِّدة، فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، كان أهل الجاهلية يطلِّق أحدهم امرأته ثم يراجعها، لا حَّد في ذلك، هي امرأته ما راجعها في عدتها، فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة قروء، وجعل حدَّ الطلاق ثلاث تطليقات .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « الطلاق مرتان » ، قال كان الطلاق- قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاثًا- ليس له أمد يطلق الرجل امرأته مائة، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحلّ، كان ذلك له، وطلق رجلٌ امرأته، حتى إذا كادت أن تحلّ ارتجعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعد ذلك ليضارّها بتركها، حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها. وصنع ذلك مرارًا، فلما علم الله ذلك منه، جعل الطلاق ثلاثًا، مرتين، ثم بعد المرتين إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان .

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، أما قوله: « الطلاق مرتان » ، فهو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة .

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: « الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » قال: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فيطلقها تطليقتين، فإن أراد أن يراجعها كانت له عليها رجعة، فإن شاء طلقها أخرى، فلم تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره .

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعة إذا كن مدخولا بهن تطليقتان. ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين، إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسان، لأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطلقها الثالثة.

وقال آخرون إنما أنـزلت هذه الآية على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم تعريفًا من الله تعالى ذكره عبادَه سنة طلاقهم نساءهم إذا أرادوا طلاقهن- لا دلالةً على العدد الذي تبين به المرأة من زوجها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: « الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » قال: يطلقها بعد ما تطهر من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاث حيض وتبينُ منه به.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في التطليقة الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، قال: يطلق الرجل امرأته طاهرًا من غير جماع، فإذا حاضت ثم طهرت فقد تم القرء، ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى، إن أحب أن يفعل، فإذا طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهما تطليقتان وقرءان، ثم قال الله تعالى ذكره في الثالثة: « إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان » ، فيطلقها في ذلك القرء كله إن شاء حين تجمع عليها ثيابها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه- إلا أنه قال: فحاضت الحيضة الثانية، كما طلق الأولى، فهذان تطليقتان وقرءان، ثمّ قال: الثالثة- وسائرُ الحديث مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبى عاصم .

قال أبو جعفر: وتأويل الآية على قول هؤلاء: سنة الطلاق التي سننتها وأبحتها لكم إن أردتم طلاقَ نسائكم، أن تطلقوهن ثنتين في كل طهر واحدة، ثمّ الواجب بعد ذلك عليكم: إما أن تمسكوهنّ بمعروف، أو تسرحوهن بإحسان.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بظاهر التنـزيل ما قاله عروة وقتادة ومن قال مثل قولهما من أن الآية إنما هي دليل على عدد الطلاق الذي يكون به التحريم، وبُطولُ الرجعة فيه، والذي يكون فيه الرجعة منه. وذلك أن الله تعالى ذكره قال في الآية التي تتلوها: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فعرَّف عباده القدرَ الذي به تحرُم المرأة على زوجها إلا بعد زوجٍ- ولم يبين فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه، والوقتَ الذي لا يجوز ذلك فيه، فيكون موجَّهًا تأويلُ الآية إلى ما روي عن ابن مسعود ومجاهد ومن قال بمثل قولهما فيه.

وأما قوله: « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، فإنّ في تأويله وفيما عُني به اختلافًا بين أهل التأويل.

فقال بعضهم: عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج المطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية- من عشرتهن بالمعروف، أو فراقهن بطلاق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: « الطلاق مرتان » ، قال: يقول عند الثالثة: إما أن يمسك بمعروف، وإما أن يسرح بإحسان. وغيره قالها قال: وقال مجاهد: الرجل أملك بامرأته في تطليقتين من غيره، فإذا تكلم الثالثة فليست منه بسبيل، وتعتدّ لغيره .

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين قال، أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أرأيت قوله: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » فأين الثالثة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان » هي الثالثة « . »

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين قال، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، « الطلاق مرتان » ، فأين الثالثة؟ قال: « إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن إسماعيل، عن أبي رزين قال، قال رجل: يا رسول الله، يقول الله: « الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف » فأين الثالثة؟ قال: « التسريح بإحسان » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: « أو تسريح بإحسان » قال في الثالثة .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كان الطلاق ليس له وقت حتى أنـزل الله: « الطلاق مرتان » قال: الثالثة: « إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان » .

وقال آخرون منهم: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان، بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن، فيصرن أملك لأنفسهن. وأنكروا قول الأولين الذين قالوا: إنه دليل على التطليقة الثالثة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ذلك: « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، إذا طلق واحدة أو اثنتين، إما أن يمسك « ويمسك » : يراجع بمعروف، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها.

حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: « أو تسريح بإحسان » والتسريحُ: أن يدعها حتى تمضي عدتها.

حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تصريح بإحسان » ، قال: يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرّح بإحسان. قال: فإن هو طلقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره .

قال أبو جعفر: وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساك في كل واحدةٍ منهما لهن بمعروف، أو تسريحٌ لهن بإحسان.

وهذا مذهب مما يحتمله ظاهرُ التنـزيل، لولا الخبرُ الذي ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، فإنّ اتباع الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره.

فإذْ كان ذلك هو الواجب، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآية: الطلاقُ الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة، مرتان. ثم الأمرُ بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية، إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة حتى تبينَ منهم، فيبطل ما كان لهم عليهنّ من الرجعة، ويصرن أملك بأنفسهن منهن.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما ذلك الإمساك الذي هو بمعروف؟ قيل: هو ما:-

حدثنا به علي بن عبد الأعلى المحاربي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « فإمساك بمعروف » ، قال: المعروف: أن يحسن صحبتها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « فإمساك بمعروف » ، قال: ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها .

فإن قال: فما التسريح بإحسان؟

قيل: هو ما:-

حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « أو تسريح بإحسان » ، قيل: يسرحها، ولا يظلمها من حقها شيئًا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » ، قال: هو الميثاق الغليظ.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « أو تسريح بإحسان » قال: الإحسان: أن يوفيها حقها، فلا يؤذيها، ولا يشتمها .

حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: « أو تسريحٌ بإحسان » ، قال: التسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عِدَّتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلَّقها. فذلك التسريح بإحسان، والمتعة على قَدْر الميسرة .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: « وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا » قال قوله: « فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان » .

فإن قال: فما الرافع للإمساك والتسريح؟

قيل: محذوف اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام من ذكره، ومعناه: الطلاق مرتان، فالأمر الواجبُ حينئذ به إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وقد بينا ذلك مفسرًا في قوله: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [ سورة البقرة: 178 ] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا » ، ولا يحل لكم أيها الرجال، أن تأخذوا من نسائكم، إذا أنتم أردتم طلاقهن- لطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق، وسقتم إليهن، بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان، وذلك إيفاؤهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم « إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله » .

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » ، وذلك قراءة معظم أهل الحجاز والبصرة بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله، وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: ( إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله ) .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني ثور، عن ميمون بن مهران قال: في حرف أبي بن كعب أن الفداء تطليقة. قال: فذكرت ذلك لأيوب، فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأبي خرج من ثقة، فقرأناه فإذا فيه: ( إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله، فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) .

والعرب قد تضع « الظن » موضع « الخوف » ، « والخوف » موضع « الظن » في كلامها، لتقارب معنييهما، كما قال الشاعر:

أتــاني كـلام عـن نصيـب يقولـه ومـا خـفت يـا سـلام أنـك عائبي

بمعنى: ما ظننت.

وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة: ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) .

فأما قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة، فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك اعتبارا منه بقراءة ابن مسعود، وذكر أنه في قراءة ابن مسعود: ( إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله ) . وقراءة ذلك كذلك، اعتبارا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه، خطأ وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه، فإنما أعمل الخوف في « أن » وحدها، وذلك غير مدفوعة صحته، كما قال الشاعر:

إذا مـت فـادفني إلـى جـنب كرمة تـروي عظـامي بعـد موتي عروقها

ولا تـــدفنني بـــالفلاة فــإنني أخــاف إذا مـا مـت أن لا أذوقهـا

فأما قارئه: « إلا أن يخافا » بذلك المعنى، فقد أعمل في متروكة تسميته، وفي « أن » - فأعمله في ثلاثة أشياء: المتروك الذي هو اسم ما لم يسم فاعله، وفي « أن » التي تنوب عن شيئين، ولا تقول العرب في كلامها: « ظنا أن يقوما » .

ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة، على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك، اعتبارا بقراءة عبد الله الذي وصفنا، ولكن على أن يكون مرادا به إذا قرئ كذلك: إلا أن يخاف بأن لا يقيما حدود الله- أو على أن لا يقيما حدود الله، فيكون العامل في « أن » غير « الخوف » ، ويكون « الخوف » ، عاملا فيما لم يسم فاعله. وذلك هو الصواب عندنا من القراءة لدلالة ما بعده على صحته، وهو قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ، فكان بينا أن الأول بمعنى: إلا أن تخافوا أن لا يقيما حدود الله.

فإن قال قائل: وأية حال الحال التي يخاف عليهما أن لا يقيما حدود الله، حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها؟

قيل: حال نشوزها وإظهارها له بغضته، حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق، ويخاف على زوجها - بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله له - تركه أداء الواجب لها عليه. فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه، والحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان آتى زوجته إذ نشزت عليه، بغضا منها له، كما:-

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، قرأت على فضيل، عن أبي حريز أنه سأل عكرمة، هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام، أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا! إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها! قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي! حديقة، فإن ردت على حديقتي! قال: « ما تقولين؟ » قالت: نعم، وإن شاء زدته! قال: ففرق بينهما.

حدثني محمد بن معمر قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا أبو عمرو السدوسي، عن عبد الله- يعني ابن أبي بكر- ، عن عمرة عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نغضها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح، فاشتكته، فدعا رسول الله ثابتا، فقال: خذ بعض مالها وفارقها. قال: ويصلح ذاك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال، فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « خذهما وفارقها. ففعل. »

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا مالك، عن يحيى، عن عمرة أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند بابه بالغلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، لا أنا ولا ثابت بن قيس!! لزوجها فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه حبيبة بنت سهل تذكر ما شاء الله أن تذكر! . فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطانيه عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ منها. فأخذ منها، وجلست في بيتها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسن بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت أبي ابن سلول، أنها كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: « يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا، إلا أني كرهت دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة » قالت: نعم! فردت الحديقة وفرق بينهما.

قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في شأنهما- أعني في شأن ثابت بن قيس وزوجته هذه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، نـزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة قال، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم! فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: ويطيب لي ذلك؟ قال: « نعم » ، قال ثابت: قد فعلت فنـزلت: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها » .

وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في معنى « الخوف » منهما أن لا يقيما حدود الله.

فقال بعضهم: ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها، فإذا ظهر ذلك منها له، حل له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » ، إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها، فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح عليك فيما افتدت به.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، قال ابن جريح: أخبرني هشام بن عروة أن عروة كان يقول: لا يحل الفداء حتى يكون الفساد من قبلها، ولم يكن يقول: « لا يحل له » ، حتى تقول: « لا أبر لك قسما، ولا اغتسل لك من جنابة » .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج قال، أخبرني عمرو بن دينار قال، قال جابر بن زيد: إذا كان الشر من قبلها حل الفداء.

حدثنا الربيع بن سليمان قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول إذا كان سوء الخلق وسوء العشرة من قبل المرأة فذاك يحل خلعها .

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا محمد بن كثير، عن حماد، عن هشام، عن أبيه أنه قال: لا يصلح الخلع، حتى يكون الفساد من قبل المرأة .

حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر في امرأة قالت لزوجها: لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة! قال: ما هذا- وحرك يده- « لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا » !! إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذه وليتركها .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: تفعل بها كذا وتفعل بها كذا! ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا وتفعل به كذا. فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ فوق يده، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: « الطلاق مرتان فإمساك بمعروف » إلى قوله: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » . قال: إذا كانت المرأة راضية مغتبطة مطيعة، فلا يحل له أن يضربها، حتى تفتدي منه. فإن أخذ منها شيئا على ذلك، فما أحذ منها فهو حرام، وإذا كان النشوز والبغض والظلم من قبلها، فقد حل له أن يأخذ منها ما افتدت به .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » ، قال: لا يحل للرجل أن يخلع امرأته إلا أن تؤتى ذلك منها، فأما أن يكون يضارها حتى تختلع، فإن ذلك لا يصلح، ولكن إذا نشزت فأظهرت له البغضاء، وأساءت عشرته، فقد حل له خلعها .

حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » ، قال: الصداق « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » - وحدود الله أن تكون المرأة ناشزة، فإن الله أمر الزوج أن يعظها بكتاب الله، فإن قبلت وإلا هجرها، والهجران أن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراش واحد، ويوليها ظهره ولا يكلمها، فإن أبت غلظ عليها القول بالشتيمة لترجع إلى طاعته، فإن أبت فالضرب ضرب غير مبرح، فإن أبت إلا جماحا فقد حل له منها الفدية .

وقال آخرون: بل « الخوف » من ذلك: أن لا تبر له قسما، ولا تطيع له أمرا، وتقول: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أطيع لك أمرا‍ فحينئذ يحل له عندهم أخذ ما آتاها على فراقه إياها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال، قال الحسن: إذا قالت: « لا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا » ، فحينئذ حل الخلع .

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال، إذا قالت المرأة لزوجها: لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم حدا من حدود الله « ، فقد حل له مالها . »

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن محمد بن سالم قال، سألت الشعبي، قلت: متى يحل للرجل أن يأخذ من مال امرأته؟ قال: إذا أظهرت بغضه وقالت: « لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي أنه كان يعجب من قول من يقول: لا تحل الفدية حتى تقول: « لا أغتسل لك من جنابة » . وقال: إن الزاني يزني ثم يغتسل ! .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في الناشز قال، إن المرأة ربما عصت زوجها، ثم أطاعته، ولكن إذا عصته فلم تبر قسمه، فعند ذلك تحل الفدية .

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » ، لا يحل له أن يأخذ من مهرها شيئا « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » ، فإذا لم يقيما حدود الله، فقد حل له الفداء، وذلك أن تقول: « والله لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أكرم لك نفسا، ولا أغتسل لك من جنابة » ، فهو حدود الله، فإذا قالت المرأة ذلك فقد حل الفداء للزوج أن يأخذه ويطلقها .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن علي بن بذيمة، عن مقسم في قوله: ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن ) [ سورة النساء: 19 ] ، في قراءة ابن مسعود، قال إذا عصتك وآذتك، فقد حل لك ما أخذت منها.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: « ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » ، قال: الخلع، قال: ولا يحل له إلا أن تقول المرأة: « لا أبر قسمه ولا أطيع أمره » ، فيقبله خيفة أن يسيء إليها إن أمسكها، ويتعدى الحق.

وقال آخرون: بل « الخوف » من ذلك أن تبتدئ له بلسانها قولا أنها له كارهة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، قال: يحل الخلع أن تقول المرأة لزوجها: « إني لأكرهك، وما أحبك، ولقد خشيت أن أنام في جنبك ولا أؤدي حقك » - وتطيب نفسا بالخلع.

وقال آخرون: بل الذي يبيح له أخذ الفدية، أن يكون خوف أن لا يقيما حدود الله منهما جميعا لكراهة كل واحد منهما صحبة الآخر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا داود، عن عامر حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود، قال: قال عامر : أحل له مالها بنشوزه ونشوزها .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: قال ابن جريج، قال طاوس: يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره، ولم يكن يقول قول السفهاء: « لا أبر لك قسما » ، ولكن يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره: « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » ، فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة .

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » قال: فيما افترض الله عليهما في العشرة والصحبة .

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: لا يحل الخلع حتى يخافا أن لا يقيما حدود الله في العشرة التي بينهما .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها، حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه - في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه - منهما جميعا، على ما ذكرناه عن طاوس والحسن، ومن قال في ذلك قولهما; لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته، عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت فالواجب أن يكون حراما على الرجل قبول الفدية منها إذا كان النشوز منها دونه، حتى يكون منه من الكراهة لها مثل الذي يكون منها؟ قيل له: إن الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت، وذلك أن في نشوزها عليه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به، وذلك هو المعنى الذي يوجب للمسلمين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله. فأما إذا كان التفريط من كل واحد منهما في واجب حق صاحبه قد وجد وسوء الصحبة والعشرة قد ظهر للمسلمين، فليس هناك للخوف موضع، إذ كان المخوف قد وجد. وإنما يخاف وقوع الشيء قبل حدوثه، فأما بعد حدوثه فلا وجه للخوف منه ولا الزيادة في مكروهه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: « فإن خفتم ألا يقيما حدود الله » - التي إذا خيف من الزوج والمرأة أن لا يقيماها، حلت له الفدية من أجل الخوف عليهما تضييعها. فقال بعضهم: هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، وأذاها له بالكلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به » قال: هو تركها إقامة حدود الله، واستخفافها بحق زوجها، وسوء خلقها، فتقول له: « والله لا أبر لك قسما، ولا أطأ لك مضجعا، ولا أطيع لك أمرا » ، فإن فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية .

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبى بن أبي زائدة، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن في قوله: « فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به » قال: إذا قالت: « لا اغتسل لك من جنابة » ، حل له أن يأخذ منها.

حدثني المثنى، قال: حدثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: حدثنا يونس، عن الزهري قال: يحل الخلع حين يخافا أن لا يقيما حدود الله، وأداء حدود الله في العشرة التي بينهما .

وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم أن لا يطيعا الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن عامر: « فإن خفتم ألا يقيما حدود الله » قال: أن لا يطيعا الله.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحدود: الطاعة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ما أوجب الله عليهما من الفرائض، فيما ألزم كل واحد منهما من الحق لصاحبه، من العشرة بالمعروف، والصحبة بالجميل، فلا جناح عليهما فيما افتدت به.

وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس والشعبي، وما رويناه عن الحسن والزهري، لأن من الواجب للزوج على المرأة - إطاعته فيما أوجب الله طاعته فيه، وأن لا تؤذيه بقول، ولا تؤذيه بقول تمتنع عليه إذا دعاها لحاجته، فإذا خالفت ما أمرها الله به من ذلك كانت قد ضيعت حدود الله التي أمرها بإقامتها.

وأما معنى « إقامة حدود الله » ، فإنه العمل بها، والمخالفة عليها، وترك تضييعها- وقد بينا ذلك فيما مضى قبل من كتابنا هذا بما يدل على صحته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ

قال أبو جعفر : يعني قوله تعالى ذكره بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيم الزوجان ما حد الله لكل واحد منهما على صاحبه من حق، وألزمه له من فرض، وخشيتم عليهما تضييع فرض الله وتعدي حدوده في ذلك فلا جناح حينئذ عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها، ولا حرج عليهما فيما أعطت هذه على فراق زوجها إياها ولا على هذا فيما أخذ منها من الجعل والعوض عليه.

فإن قال قائل: وهل كانت المرأة حرجة لو كان الضرار من الرجل بها فيما افتدت به نفسها، فيكون « لا جناح عليهما » فيما أعطته من الفدية على فراقها إذا كان النشوز من قبلها.

قيل: لو علمت في حال ضراره بها ليأخذ منها ما آتاها أن ضراره ذلك إنما هو ليأخذ منها ما حرم الله عليه أخذه على الوجه الذي نهاه الله عن أخذه منها، ثم قدرت أن تمتنع من إعطائه بما لا ضرر عليها في نفس، ولا دين، ولا حق عليها في ذهاب حق لها - لما حل لها إعطاؤه ذلك، إلا على وجه طيب النفس منها بإعطائه إياه على ما يحل له أخذه منها. لأنها متى أعطته ما لا يحل له أخذه منها، وهي قادرة على منعه ذلك بما لا ضرر عليها في نفس، ولا دين، ولا في حق لها تخاف ذهابه، فقد شاركته في الإثم بإعطائه ما لا يحل له أخذه منها على الوجه الذي أعطته عليه. فلذلك وضع عنها الجناح إذا كان النشوز من قبلها، وأعطته ما أعطته من الفدية بطيب نفس، ابتغاء منها بذلك سلامتها وسلامة صاحبها من الوزر والمأثم.

وهي إذا أعطته على هذا الوجه باستحقاق الأجر والثواب من الله تعالى أولى إن شاء الله من الجناح والحرج، ولذلك قال تعالى ذكره: « فلا جناح عليهما » فوضع الحرج عنها فيما أعطته على هذا الوجه من الفدية على فراقه إياها، وعنه فيما قبض منها إذ كانت معطية على المعنى الذي وصفنا، وكان قابضا منها ما أعطته من غير ضرار، بل طلب السلامة لنفسه ولها في أديانهما وحذار الأوزار والمأثم.

وقد يتجه قوله: « فلا جناح عليهما » وجها آخر من التأويل وهو أنها لو بذلت ما بذلت من الفدية على غير الوجه الذي أذن نبي الله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس وذلك لكراهتها أخلاق زوجها، أو دمامة خلقه، وما أشبه ذلك من الأمور التي يكرهها الناس بعضهم من بعض- ولكن على الانصراف منها بوجهها إلى آخر غيره على وجه الفساد وما لا يحل لها- كان حراما عليها أن تعطي على مسألتها إياه فراقها على ذلك الوجه شيئا، لأن مسألتها إياه الفرقة على ذلك الوجه معصية منها. وتلك هي المختلعة - إن خولعت على ذلك الوجه - التي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها « منافقة » ، كما:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة » .

وقال: « المختلعات هن المنافقات »

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مزاحم بن دواد بن علية، عن أبيه، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والمختلعات هن المنافقات « »

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حفص بن بشر، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب وحدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية قالا جميعا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن ثوبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عارم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.

فإذا كان من وجوه افتداء المرأة نفسها من زوجها ما تكون به حرجة، وعليها في افتدائها نفسها على ذلك الحرج والجناح وكان من وجوهه ما يكون الحرج والجناح فيه على الرجل دون المرأة ومنه ما يكون عليهما ومنه ما لا يكون عليهما فيه حرج ولا جناح قيل في الوجه: الذي لا حرج عليهما فيه لا جناح، إذ كان فيما حاولا وقصدا من افتراقهما بالجعل الذي بذلته المرأة لزوجها: « لا جناح عليهما فيما افتدت به » من الوجه الذي أبيح لهما، وذلك، أن يخافا أن لا يقيما حدود الله بمقام كل واحد منهما على صاحبه.

قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل العربية أن في ذلك وجهين: أحدهما أن يكون مرادا به: فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا كما قال في « سورة الرحمن » : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [ سورة الرحمن: 22 ] وهما من الملح لا من العذب، قال: ومثله. فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [ سورة الكهف: 61 ] ، وإنما الناسي صاحب موسى وحده. قال: ومثله في الكلام أن تقول: « عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما » وإنما تركب إحداهما. وتستقي على الأخرى، وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام.

قالوا: والوجه الآخر أن يشتركا جميعا في أن لا يكون عليهما جناح، إذ كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم. اشتركت فيه، لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم، احتاجت إلى مثل ذلك.

قال أبو جعفر: فلم يصب الصواب في واحد من الوجهين، ولا في احتجاجه فيما احتج به من قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ .

فأما قوله: « فلا جناح عليهما » فقد بينا وجه صوابه، وسنبين وجه قوله: « يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان » في موضعه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى. وإنما خطأنا قوله ذلك، لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الحرج عن الزوجين إذا افتدت المرأة من زوجها على ما أذن، وأخبر عن البحرين أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، فأضاف إلى اثنين. فلو جاز لقائل أن يقول: « إنما أريد به الخبر عن أحدهما، فيما لم يكن مستحيلا أن يكون عنهما » ، جاز في كل خبر كان عن اثنين - غير مستحيلة صحته أن يكون عنهما - أن يقال: « إنما هو خبر عن أحدهما » .

وذلك قلب المفهوم من كلام الناس والمعروف من استعمالهم في مخاطباتهم، وغير جائز حمل كتاب الله تعالى ووحيه جل ذكره على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود.

قال أبو جعفر: ثم أختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » أمعني به: أنهما موضوع عنهما الجناح في كل ما افتدت به المرأة نفسها من شيء أم في بعضه؟

فقال بعضهم: عنى بذلك: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » من صداقها الذي كان آتاها زوجها الذي تختلع منه. واحتجوا في قولهم ذلك بأن آخر الآية مردود على أولها، وأن معنى الكلام: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به مما آتيتموهن. قالوا: فالذي أحله الله لهما من ذلك - عند الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله- هو الذي كان حظر عليهما قبل حال الخوف عليهما من ذلك. واحتجوا في ذلك بقصة ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر امرأته إذ نشزت عليه، أن ترد ما كان ثابت أصدقها، وأنها عرضت الزيادة فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع أنه كان يقول: لا يصلح له أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها، ويقول: إن الله يقول: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » منه، يقول: من المهر - وكذلك كان يقرؤها: « فيما افتدت به منه » .

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: سمعت عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري يقولون في الناشز: لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها .

حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، عن عطاء، قال: الناشز لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها .

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء أنه كره أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها .

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن الشعبي، قال: كان يكره أن يأخذ الرجل من المختلعة فوق ما أعطاها، وكان يرى أن يأخذ دون ذلك .

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي، قال: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: اخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها - يعني المختلعة .

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا عن الحكم بن عتيبة، قال: كان علي رضي الله عنه يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها .

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن الحكم أنه قال في المختلعة: أحب إلي أن لا يزداد .

حدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن حميد أن الحسن كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن مطر أنه سأل الحسن - أو أن الحسن سئل - عن رجل تزوج امرأة على مائتي درهم، فأراد أن يخلعها، هل له أن يأخذ أربعمائة؟ فقال: لا والله، ذاك أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها! .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان الحسن يقول: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها قال معمر: وبلغني عن علي أنه كان يرى أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن ابن المسيب، قال: ما أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها منه ما يعيشها .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس أن أباه كان يقول في المفتدية: لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته أكثر مما أعطاها .

وقال آخرون: بل عنى بذلك: فلا جناح عليهما فيما افتدت به من قليل ما تملكه وكثيره. واحتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية، وأنه غير جائزة إحالة ظاهر عام - إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا: ولا حجة يجب التسليم لها بأن الآية مراد بها بعض الفدية. دون بعض من أصل أو قياس، فهي على ظاهرها وعمومها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب عن كثير مولى سمرة: أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثلاثا، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ قالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي حبستني! فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن كثير مولى سمرة، قال: أخذ عمر بن الخطاب امرأة ناشزا فوعظها، فلم تقبل بخير، فحبسها في بيت كثير الزبل ثلاثة أيام وذكر نحو حديث ابن علية .

حدثنا ابن بشار ومحمد بن يحيى، قالا حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكت زوجها، فقال: إنها ناشز؟ فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبح قال لها: كيف وجدت مكانك! قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة! فقال: خذ ولو عقاصها.

حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع: أن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه إلا من ثيابها، فلم يعب ذلك ابن عمر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا معتمر، قال: سمعت عبيد الله يحدث، عن نافع، قال: ذكر لابن عمر مولاة له اختلعت من زوجها بكل مال لها، فلم يعب ذلك عليها ولم ينكره .

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا هشيم، عن حميد، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب: أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . ثم تلا هذه الآية: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » .

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال في الخلع: خذ ما دون عقاص شعرها، وإن كانت المرأة لتفتدي ببعض مالها.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الخلع ما دون عقاص الرأس.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أنه قال في المختلعة: خذ منها ولو عقاصها .

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: الخلع بما دون عقاص الرأس، وقد تفتدي المرأة ببعض مالها .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الربيع ابنة معوذ بن عفراء حدثته قالت: كأن لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت: فكانت مني زلة يوما، فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه! قال: نعم! قال: ففعلت قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه- أو قالت: ما دون عقاص الرأس.

حدثني ابن المثنى، قال: حدثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا الحسن بن يحيى، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: لا بأس بما خلعها به من قليل أو كثير، ولو عقصها.

حدثني المثنى، قال: حدثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إن شاء أخذ منها أكثر مما أعطاها .

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ليأخذ منها حتى قرطها- يعني في الخلع .

حدثني المثنى، قال: حدثنا مطرف بن عبد الله، قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع، عن مولاة لصفية ابنة أبي عبيد: أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر.

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا حميد، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب أنه تلا هذه الآية: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » قال: يأخذ أكثر مما أعطاها.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يزيد وسهل بن يوسف وابن أبي عدي، عن حميد، قال: قلت لرجاء بن حيوه: إن الحسن يقول في المختلعة: لا يأخذ أكثر مما أعطاها، ويتأول: « ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » قال رجاء: فإن قبيصة بن ذؤيب كان يرخص أن يأخذ أكثر مما أعطاها، ويتأول: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به »

وقال آخرون: هذه الآية منسوخة بقوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [ سورة النساء: 20 ]

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت بكرا عن المختلعة أيأخذ منها شيئا؟ قال لا! وقرأ: « وأخذن منكم ميثاقا غليظا » .

حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا عقبة بن أبي الصهباء، قال: سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد امرأته منه الخلع، قال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: يقول الله تعالى ذكره في كتابه: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » ؟ قال: هذه نسخت. قلت: فإني حفظت؟ قال: حفظت في « سورة النساء » قول الله تعالى ذكره: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [ النساء: 20 ]

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: إذا خيف من الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله - على سبيل ما قدمنا البيان عنه- فلا حرج عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها، من قليل ما تملكه وكثيره مما يجوز للمسلمين أن يملكوه، وإن أتى ذلك على جميع ملكها. لأن الله تعالى ذكره لم يخص ما أباح لهما من ذلك على حد لا يجاوز، بل أطلق ذلك في كل ما افتدت به. غير أني أختار للرجل استحبابا لا تحتيما إذا تبين من امرأته أن افتداءها منه لغير معصية لله، بل خوفا منها على دينها أن يفارقها بغير فدية ولا جعل. فإن شحت نفسه بذلك، فلا يبلغ بما يأخذ منها جميع ما آتاها.

فأما ما قاله بكر بن عبد الله، من أن هذا الحكم في جميع الآية منسوخ بقوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا فقول لا معنى له، فنتشاغل بالإبانة عن خطئه لمعنيين: أحدهما: إجماع الجميع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين، على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره.

والآخر: أن الآية التي في « سورة النساء » إنما حرم الله فيها على زوج المرأة أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، بأن أراد الرجل استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خوف من المسلمين عليهما مقام أحدهما على صاحبه أن لا يقيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. و إذا كان الأمر كذلك، فقد ثبت أن أخذ الزوج من امرأته مالا على وجه الإكراه لها والإضرار بها حتى تعطيه شيئا من مالها على فراقها حرام، ولو كان ذلك حبة فضة فصاعدا.

وأما الآية التي في « سورة البقرة » فإنها إنما دلت على إباحة الله تعالى ذكره له أخذ الفدية منها في حال الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله بنشوز المرأة، وطلبها فراق الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أذن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في « سورة البقرة » ضد الأمر الذي نهى من أجله عن أخذ الفدية في « سورة النساء » ، كما الحظر في « سورة النساء » ، غير الإطلاق والإباحة في « سورة البقرة » . فإنما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه، ثم خولف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة.

وأما اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد، فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل.

وأما الذي قاله الربيع بن أنس من أن معنى الآية: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه - يعني بذلك: مما آتيتموهن - فنظير قول بكر في دعواه نسخ قوله: « فلا جناح عليهما فيما افتدت به » بقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا لادعائه في كتاب الله ما ليس موجودا في مصاحف المسلمين رسمه.

ويقال لمن قال بقوله: قد قال من قد علمت من أئمة الدين: إنما معنى ذلك: فلا جناح عليهما فيما افتدت به من ملكها فهل من حجة تبين بها منهم غير الدعوى؟ فقد احتجوا بظاهر التنـزيل، وادعيت فيه خصوصا! ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. وقد بينا الأدلة بالشواهد على صحة قول من قال: للزوج أن يأخذ منها كل ما أعطته المفتدية، التي أباح الله لها الافتداء - في كتابنا ( كتاب اللطيف ) فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 229 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: تلك معالم فصوله، بين ما أحل لكم، وما حرم عليكم أيها الناس، قلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصلها لكم من الحلال، إلى ما حرم عليكم، فتجاوزوا طاعته إلى معصيته.

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: « تلك حدود الله فلا تعتدوها » ، هذه الأشياء التي بينت لكم في هذه الآيات التي مضت: من نكاح المشركات الوثنيات، وإنكاح المشركين المسلمات، وإتيان النساء في المحيض، وما قد بين في الآيات الماضية قبل قوله: « تلك حدود الله » ، مما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أمر ونهى.

ثم قال لهم تعالى ذكره: هذه الأشياء - التي بينت لكم حلالها من حرامها- « حدودي » يعني به: معالم فصول ما بين طاعتي ومعصيتي، فلا تعتدوها يقول: فلا تتحاوزوا ما أحللته لكم إلى ما حرمته عليكم، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن من تعدى ذلك يعني من تخطاه وتجاوزه إلى ما حرمت عليه أو نهيته، فإنه هو الظالم- وهو الذي فعل ما ليس له فعله، ووضع الشيء في غير موضعه. وقد دللنا فيما مضى على معنى « الظلم » وأصله بشواهده الدالة على معناه، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن خالفت ألفاظ تأويلهم ألفاظ تأويلنا، غير أن معنى ما قالوا في ذلك [ يؤول ] إلى معنى ما قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « تلك حدود الله فلا تعتدوها » يعني بالحدود: الطاعة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « تلك حدود الله فلا تعتدوها » يقول: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه، « ومن يتعد حدود الله، فأولئك هم الظالمون » .

قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكر عن الضحاك لا معنى له في هذا الموضع، لأنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر، فيقال: « تلك حدود الله » ، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة، والذي لا يكون له فيه الرجعة دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيما دل عليه هذا القول من الله تعالى ذكره.

فقال بعضهم: دل على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما: « الطلاق مرتان » فإن امرأته تلك لا تحل له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره- يعني به غير المطلق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: جعل الله الطلاق ثلاثا، فإذا طلقها واحدة فهو أحق بها ما لم تنقض العدة، وعدتها ثلاث حيض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها، فقد بانت منه بواحدة، وصارت أحق بنفسها، وصار خاطبا من الخطاب، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قبل عدتها عند شاهدي عدل، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قبل عدتها، فإن بدا له مراجعتها راجعها، فكانت عنده على واحدة، وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره »

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » يقول: إن طلقها ثلاثا، فلا تحل حتى تنكح زوجا غيره.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة، قال: والثالثة قوله: « فإن طلقها » - يعني بالثالثة- فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره.

حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، بنحوه.

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « فإن طلقها » - بعد التطليقتين- « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » ، وهذه الثالثة

وقال آخرون: بل دل هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ قالوا: وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وأعلم أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين، فلا تحل له المسرحة كذلك إلا بعد زوج.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » قال: عاد إلى قوله: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب، للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال- أو سئل فقيل: هذا قول الله تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فأين الثالثة؟ قال: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنما هي قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: « فإن طلقها فلا تحل لا من بعد حتى تنكح زوجا غيره » من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله: « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟

قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إن نكحت رجلا نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح، لم تحل للأول بإجماع الأمة جميعا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن تأويل قوله: « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » نكاحا صحيحا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها.

فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟

قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه. وبعد، فإن الله تعالى ذكره قال: « فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » ، فلو نكحت زوجا غيره بعقب الطلاق قبل انقضاء عدتها، كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به، وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله: « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » ، لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . وكذلك قوله: « فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » ، وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دل على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ذلك على لسانه لعباده.

* ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري، وسفيان بن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت رجلا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تحل لزجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته » .

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: سمعتها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك « . »

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، نحوه.

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: ثنى عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، فذكر مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رفاعة القرظي طلق امرأته، فبت طلاقها، فتزوجها بعد عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله - إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات- فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل الهدبة!! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. قالت: وأبو بكر جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بن العاص بباب الحجرة لم يؤذن له، فطفق خالد ينادي يا أبا بكر يقول: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم!.

حدثنا محمد بن يزيد الأدمي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق الأول » .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله، قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة، قال: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق صاحبه » .

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا، فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول « . »

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا موسى بن عيسى الليثي، عن زائدة، عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه » .

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: أخبرنا سعيد بن حفص الطلحي، قال: أخبرنا شيبان، عن يحيى، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « حتى يذوق عسيلتها » .

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا شيبان، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا، فتتزوج زوجا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: « لا حتى يذوق عسيلتها » .

حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا محمد بن دينار، قال: حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها آخر فطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى زوجها الأول؟ قال: « لا حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، ويعقوب بن ماهان، قالا حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن العباس: أن الغميصاء- أو: الرميصاء- جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، وتزعم أنه لا يصل إليها، قال: فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها، فزعم أنها كاذبة، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره « . »

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين الأحمري، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فتتزوج زوجا آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ قال: « لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها » .

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن رزين الأحمري، عن ابن عمر، عن النبي أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها رجل، فأغلق الباب، فطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى زوجها الآخر؟ قال: « لا حتى يذوق عسيلتها » .

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن رجل طلق امرأته، فتزوجت بعده، ثم طلقها أو مات عنها، أيتزوجها الأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فإن طلقها » فإن طلق المرأة- التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني- ، زوجها الذي نكحها بعد بينونتها من الأول « فلا جناح عليهما » يقول تعالى ذكره: فلا حرج على المرأة التي طلقها هذا الثاني من بعد بينونتها من الأول، وبعد نكاحه إياها- ، وعلى الزوج الأول الذي كانت حرمت عليه ببينونتها منه بآخر التطليقات أن يتراجعا بنكاح جديد. كما:

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: « فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله » يقول: إذا تزوجت بعد الأول، فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلت له .

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: إذا طلق واحدة أو ثنتين، فله الرجعة ما لم تنقض العدة. قال: والثالثة قوله: « فإن طلقها » يعني الثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره، فيدخل بها، « فإن طلقها » هذا الأخير بعد ما يدخل بها، « فلا جناح عليهما أن يتراجعا » يعنى الأول « إن ظنا أن يقيما حدود الله » .

قال أبو جعفر: وأما قوله: « إن ظنا أن يقيما حدود الله » فإن معناه: إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله. وإقامتهما حدود الله: العمل بها، وحدود الله: ما أمرهما به، وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما. وقد بينا معنى « الحدود » ، ومعنى « إقامة » ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وكان مجاهد يقول في تأويل قوله: « إن ظنا أن يقيما حدود الله » ما:-

حدثني به محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « إن ظنا أن يقيما حدود الله » إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: وقد وجه بعض أهل التأويل قوله « إن ظنا » إلى أنه بمعنى: إن أيقنا. وذلك ما لا وجه له، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره. فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله؟ ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره: « إن ظنا » بمعنى طمعا بذلك ورجوا

« وأن » التي في قوله: « أن يقيما » ، في موضع نصب بـ « ظنا » ، و « أن » التي في « أن يتراجعا » جعلها بعض أهل العربية في موضع نصب بفقد الخافض، لأن معنى الكلام: فلا جناح عليهما في أن يتراجعا- فلما حذفت « في » التي كانت تخفضها نصبها، فكأنه قال: فلا جناح عليهما تراجعهما.

وكان بعضهم يقول: موضعه خفض، وإن لم يكن معها خافضها، وإن كان محذوفا فمعروف موضعه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وتلك حدود الله » هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات « حدود الله » - معالم فصول حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته « يبينها » يفصلها، فيميز بينها، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم، فيعرفون أنها من عند الله، فيصدقون بها، ويعملون بما أودعهم الله من علمه، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون بأنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من الله، وأنها تنـزيل من حكيم حميد. ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به.

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: « وإذا طلقتم » ، أيها الرجال نساءكم « فبلغن أجلهن » , يعني: ميقاتهن الذي وقته لهن، من انقضاء الأقراء الثلاثة، إن كانت من أهل القرء، وانقضاء الأشهر, إن كانت من أهل الشهور « فأمسكوهن » ، يقول: فراجعوهن إن أردتم رجعتهن في الطلقة التي فيها رجعة: وذلك إما في التطليقة الواحدة أو التطليقتين، كما قال تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .

وأما قوله: « بمعروف » ، فإنه عنى: بما أذن به من الرجعة، من الإشهاد على الرجعة قبل انقضاء العدة، دون الرجعة بالوطء والجماع. لأن ذلك إنما يجوز للرجل بعد الرجعة, وعلى الصحبة مع ذلك والعشرة بما أمر الله به وبينه لكم أيها الناس « أو سرحوهن بمعروف » ، يقول: أو خلوهن يقضين تمام عدتهن وينقضي بقية أجلهن الذي أجلته لهن لعددهن، بمعروف. يقول: بإيفائهن تمام حقوقهن عليكم، على ما ألزمتكم لهن من مهر ومتعة ونفقة وغير ذلك من حقوقهن قبلكم « وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا » يقول: ولا تراجعوهن، إن راجعتموهن في عددهن، مضارة لهن، لتطولوا عليهن مدة انقضاء عددهن, أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم، لمضارتكم إياهن، بإمساككم إياهن, ومراجعتكموهن ضرارا واعتداء.

وقوله: « لتعتدوا » ، يقول: لتظلموهن بمجاوزتكم في أمرهن حدودي التي بينتها لكم.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق: « وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا » ، قال: يطلقها، حتى إذا كادت تنقضي راجعها, ثم يطلقها, فيدعها, حتى إذا كادت تنقضي عدتها راجعها, ولا يريد إمساكها: فذلك الذي يضار ويتخذ آيات الله هزوا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء قال: سئل الحسن عن قوله تعالى: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، قال: كان الرجل يطلق المرأة ثم يراجعها, ثم يطلقها ثم يراجعها، يضارها، فنهاهم الله عن ذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف » ، قال: نهى الله عن الضرار « ضرارا » ، أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه إلا أنه قال: نهى عن الضرار, والضرار في الطلاق أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها, ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارها ويعضلها, فأنـزل الله هذه الآية .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، قال: كان الرجل يطلق امرأته تطليقة واحدة، ثم يدعها, حتى إذا ما تكاد تخلو عدتها راجعها, ثم يطلقها, حتى إذا ما كاد تخلو عدتها راجعها. ولا حاجة له فيها, إنما يريد أن يضارها بذلك. فنهى الله عن ذلك وتقدم فيه, وقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب قال: قال الله تعالى ذكره: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، فإذا طلق الرجل المرأة وبلغت أجلها، فليراجعها بمعروف أو ليسرحها بإحسان, ولا يحل له أن يراجعها ضرارا, وليست له فيها رغبة، إلا أن يضارها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: « ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، قال: هو في الرجل يحلف بطلاق امرأته, فإذا بقي من عدتها شيء راجعها، يضارها بذلك ويطول عليها، فنهاهم الله عن ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس, عن مالك بن أنس, عن ثور بن زيد الديلي: أن رجلا كان يطلق امرأته ثم يراجعها, ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها, كيما يطول عليها بذلك العدة ليضارها، فأنـزل الله تعالى ذكره: « ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه » ، يعظم ذلك.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: « ولا تمسكوهن ضرارا » ، هو الرجل يطلق امرأته واحدة ثم يراجعها, ثم يطلقها ثم يراجعها, ثم يطلقها، ليضارها بذلك، لتختلع منه.

حدثنا موسى قال حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا » ، قال: نـزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، ثم طلقها, ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر، مضارَّةً يضارُّها, فأنـزل الله تعالى ذكره: « ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » .

حدثني العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، سمعت عبد العزيز يسأل عن طلاق الضرار فقال: يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع, فهذا الضرار الذي قال الله: « ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » .

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق , عن عطية: « ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا » ، قال: الرجل يطلق امرأته تطليقة, ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض, ثم يراجعها, ثم يطلقها تطليقة, ثم يمسك عنها حتى تحيض ثلاث حيض , ثم يراجعها « لتعتدوا » ، قال: لا يطاول عليهن.

قال أبو جعفر: وأصل « التسريح » ، من « سرح القوم » , وهو ما أطلق من نَعَمهم للرعي. يقال للمواشي المرسلة للرعي « هذا سرْح القوم » يراد به مواشيهم المرسلة للرعي. ومنه قول الله تعالى ذكره: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [ سورة النحل: 5 ، 6 ] يعني بقوله: « حين تسرحون » ، حين ترسلونها للرعي. فقيل للمرأة إذا خلاها زوجها فأبانها منه: سرحها, تمثيلا لذلك ب « تسريح » المسرح ماشيته للرعي، وتشبيها به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ومن يراجع امرأته بعد طلاقه إياها في الطلاق الذي له فيه عليها الرجعة ضرارا بها ليعتدي حد الله في أمرها, فقد ظلم نفسه, يعني: فأكسبها بذلك إثما, وأوجب لها من الله عقوبة بذلك.

وقد بينا معنى « الظلم » فيما مضى, وأنه وضع الشيء في غير موضعه، وفعل ما ليس للفاعل فعله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولا تتخذوا أعلام الله وفصوله بين حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، في وحيه وتنـزيله استهزاء ولعبا, فإنه قد بين لكم في تنـزيله وآي كتابه، ما لكم من الرجعة على نسائكم، في الطلاق الذي جعل لكم عليهن فيه الرجعة, وما ليس لكم منها, وما الوجه الجائز لكم منها، وما الذي لا يجوز, وما الطلاق الذي لكم عليهن فيه الرجعة، وما ليس لكم ذلك فيه, وكيف وجوه ذلك، رحمة منه بكم ونعمة منه عليكم, ليجعل بذلك لبعضكم من مكروه، إن كان فيه من صاحبه ما يؤذيه المخرج والمخلص بالطلاق والفراق، وجعل ما جعل لكم عليهن من الرجعة سبيلا لكم إلى الوصول إلى ما نازعه إليه ودعاه إليه هواه، بعد فراقه إياهن منهن, لتدركوا بذلك قضاء أوطاركم منهن, إنعاما منه بذلك عليكم , لا لتتخذوا ما بينت لكم من ذلك في آي كتابي وتنـزيلي - تفضلا مني ببيانه عليكم وإنعاما ورحمة مني بكم- لعبا وسخريا.

وبمعنى ما قلنا في ذلك قال، أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أيوب بن سليمان قال، حدثنا أبو بكر بن أبي أويس, عن سليمان بن بلال, عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة, عن ابن شهاب, عن سليمان بن أرقم: أن الحسن حدثهم: أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، يطلق الرجل أو يعتق فيقال: ما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لاعبا! قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه قال الحسن: وفيه نـزلت: « ولا تتخذوا آيات الله هزوا » . .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « ولا تتخذوا آيات الله هزوا » ، قال: كان الرجل يطلق امرأته فيقول: إنما طلقت لاعبا! فنهوا عن ذلك, فقال تعالى ذكره: « ولا تتخذوا آيات الله هزوا » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن منصور, عن عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن عبد الرحمن, عن أبي العلاء, عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي موسى: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم غضب على الأشعريين - فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، غضبت على الأشعريين! فقال: يقول أحدكم: « قد طلقت، قد راجعت » !! ليس هذا طلاق المسلمين , طلقوا المرأة في قبل عدتها.

حدثنا أبو زيد, عن ابن شبة قال، حدثنا أبو غسان النهدي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن أبي خالد - يعني الدالاني- عن أبي العلاء الأودي, عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي موسى الأشعري, عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: « لم يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك, قد راجعتك » ؟ ليس هذا بطلاق المسلمين , طلقوا المرأة في قبل طهرها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام, الذي أنعم عليكم به فهداكم له, وسائر نعمه التي خصكم بها دون غيركم من سائر خلقه, فاشكروه على ذلك بطاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه, واذكروا أيضا مع ذلك ما أنـزل عليكم من كتابه، وذلك: القرآن الذي أنـزله على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم، واذكروا ذلك فاعملوا به, واحفظوا حدوده فيه و « الحكمة » ، يعني: وما أنـزل عليكم من الحكمة، وهي السنن التي علمكموها رسول الله صلي الله عليه وسلم وسنها لكم.

وقد ذكرت اختلاف المختلفين في معنى « الحكمة » فيما مضى قبل في قوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [ سورة البقرة: 129 ] ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « يعظكم به » ، يعظكم بالكتاب الذي أنـزل عليكم والهاء التي في قوله: « به » ، عائدة على الكتاب.

« واتقوا الله » ، يقول: وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه في كتابه الذي أنـزله عليكم, وفيما أنـزله فبينه على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم لكم أن تضيعوه وتتعدوا حدوده, فتستوجبوا ما لا قبل لكم به من أليم عقابه ونكال عذابه.

وقوله: « واعلموا أن الله بكل شيء عليم » ، يقول: واعلموا أيها الناس أن ربكم الذي حد لكم هذه الحدود, وشرع لكم هذه الشرائع, وفرض عليكم هذه الفرائض، في كتابه وفي تنـزيله على رسوله محمد صلي الله عليه وسلم بكل ما أنتم عاملوه- من خير وشر, وحسن وسيئ, وطاعة ومعصية, عالم لا يخفى عليه من ظاهر ذلك وخفيه وسره وجهره، شيء, وهو مجازيكم بالإحسان إحسانا, وبالسيئ سيئا, إلا أن يعفو ويصفح، فلا تتعرضوا لعقابه وتظلموا أنفسكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ

قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل كانت له أخت كان زوجها من ابن عم لها فطلقها، وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها, ثم خطبها منه, فأبى أن يزوجها إياه ومنعها منه، وهي فيه راغبة.

ثم اختلف أهل التأويل في الرجل الذي كان فعل ذلك، فنـزلت فيه هذه الآية. فقال بعضهم كان ذلك الرجل: « معقل بن يسار المزني » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة عن الحسن, عن معقل بن يسار قال: كانت أخته تحت رجل فطلقها، ثم خلا عنها، حتى إذا انقضت عدتها خطبها, فحمي معقل من ذلك، أَنَفًا، وقال: خلا عنها وهو يقدر عليها!! فحال بينه وبينها، فأنـزل الله تعالى ذكره: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن الفضل بن دلهم, عن الحسن, عن معقل بن يسار: أن أخته طلقها زوجها, فأراد أن يراجعها, فمنعها معقل، فأنـزل الله تعالى ذكره: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » إلى آخر الآية.

حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا عباد بن راشد قال، حدثنا الحسن قال، حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب وأمنعها الناس, حتى خطب إلي ابن عم لي فأنكحتها, فاصطحبا ما شاء الله, ثم إنه طلقها طلاقا له رجعة, ثم تركها حتى انقضت عدتها, ثم خطبت إلي، فأتاني يخطبها مع الخطاب, فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس, فآثرتك بها, ثم طلقت طلاقا لك فيه رجعة, فلما خُطبت إلي آتيتني تخطبها مع الخطاب! والله لا أنكحكها أبدا! قال: ففي نـزلت هذه الآية: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، قال: فكفرت عن يميني، وأنكحتها إياه.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، ذكر لنا أن رجلا طلق امرأته تطليقة, ثم خلا عنها حتى انقضت عدتها, ثم قرب بعد ذلك يخطبها والمرأة أخت معقل بن يسار فأنف من ذلك معقل بن يسار, وقال: خلا عنها وهي في عدتها، ولو شاء راجعها, ثم يريد أن يراجعها وقد بانت منه! فأبى عليها أن يزوجها إياه. وذكر لنا أن نبي لله، لما نـزلت هذه الآية، دعاه فتلاها عليه, فترك الحمية واستقاد لأمر الله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن يونس , عن الحسن قوله تعالى: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن » ، إلى آخر الآية, قال: نـزلت هذه الآية في معقل بن يسار. قال الحسن: حدثني معقل بن يسار أنها نـزلت فيه, قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها, حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها , فقلت له: زوجتك وفرشتك أختي وأكرمتك, ثم طلقتها, ثم جئت تخطبها! لا تعود إليك أبدا! قال: وكان رجل صدق لا بأس به, وكانت المرأة تحب أن ترجع إليه, قال الله تعالى ذكره: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » .

قال، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! فزوجها منه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو بكر الهذلي, عن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت أخت معقل بن يسار تحت رجل فطلقها, فخطب إليه فمنعها أخوها، فنـزلت: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن » إلى آخر الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله : « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » الآية, قال: نـزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها وأبينت منه, فنكحها آخر, فعضلها أخوها معقل بن يسار، يضارها خيفة أن ترجع إلى زوجها الأول قال ابن جريج، وقال عكرمة: نـزلت في معقل بن يسار. قال ابن جريج: أخته جمل ابنة يسار، كانت تحت أبي البداح، طلقها, فانقضت عدتها, فخطبها, فعضلها معقل بن يسار.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، نـزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها، فعضلها أخوها أن ترجع إلى زوجها الأول وهو معقل بن يسار أخوها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله إلا أنه لم يقل فيه: « وهو معقل بن يسار » .

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا سفيان, عن أبي إسحاق الهمداني: أن فاطمة بنت يسار طلقها زوجها, ثم بدا له فخطبها, فأبى معقل, فقال: زوجناك فطلقتها وفعلت! فأنـزل الله تعالى ذكره: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن وقتادة في قوله: « فلا تعضلوهن » ، قال: نـزلت في معقل بن يسار, كانت أخته تحت رجل فطلقها, حتى إذا انقضت عدتها جاء فخطبها, فعضلها معقل فأبى أن ينكحها إياه, فنـزلت فيها هذه الآية، يعني به الأولياء، يقول: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن رجل, عن معقل بن يسار قال: كانت أختي عند رجل فطلقها تطليقة بائنة, فخطبها, فأبيت أن أزوجها منه, فأنـزل الله تعالى ذكره: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » ، الآية.

وقال آخرون كان الرجل: « جابر بن عبد الله الأنصاري » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، قال: نـزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري, وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة, فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها. فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته. فنـزلت هذه الآية.

وقال آخرون: نـزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل مضارة وليَّته من النساء, يعضلها عن النكاح.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » فهذا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، فتنقضي عدتها, ثم يبدو له في تزويجها وأن يراجعها, وتريد المرأة فيمنعها أولياؤها من ذلك, فنهى الله سبحانه أن يمنعوها.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، كان الرجل يطلق امرأته تبين منه وينقضي أجلها، ويريد أن يراجعها وترضى بذلك, فيأبى أهلها, قال الله تعالى ذكره: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » .

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق في قوله: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » قال: كان الرجل يطلق امرأته ثم يبدو له أن يتزوجها, فيأبى أولياء المرأة أن يزوجوها, فقال الله تعالى ذكره: « فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أصحابه, عن إبراهيم في قوله: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » ، قال: المرأة تكون عند الرجل فيطلقها, ثم يريد أن يعود إليها، فلا يعضلها وليها أن ينكحها إياه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب: قال الله تعالى ذكره: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن » الآية, فإذا طلق الرجل المرأة وهو وليها, فانقضت عدتها, فليس له أن يعضلها حتى يرثها، ويمنعها أن تستعف بزوج.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن » ، هو الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم يسكت عنها فيكون خاطبا من الخطاب, فقال الله لأولياء المرأة: « لا تعضلوهن » , يقول: لا تمنعوهن أن يرجعن إلى أزواجهن بنكاح جديد « إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، إذا رضيت المرأة وأرادت أن تراجع زوجها بنكاح جديد.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنـزلها دلالة على تحريمه على أولياء النساء مضارة من كانوا له أولياء من النساء، بعضلهن عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهن, فبن منهن بما تبين به المرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح. وقد يجوز أن تكون نـزلت في أمر معقل بن يسار وأمر أخته، أو في أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه. وأي ذلك كان، فالآية دالة على ما ذكرت.

ويعني بقوله تعالى: « فلا تعضلوهن » ، لا تضيقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد، تبتغون بذلك مضارتهن.

يقال منه: « عضل فلان فلانة عن الأزواج يعضلها عضلا » ، وقد ذكر لنا أن حيا من أحياء العرب من لغتها: « عضل يعضل » . فمن كان من لغته « عضل » , فإنه إن صار إلى « يفعَل » , قال: « يعضَل » بفتح « الضاد » . والقراءة على ضم « الضاد » دون كسرها, والضم من لغة من قال « عضل » .

وأصل « العضل » ، الضيق, ومنه قول عمر رحمة الله عليه: « وقد أعضل بي أهل العراق, لا يرضون عن وال, ولا يرضى عنهم وال » , يعني بذلك حملوني على أمر ضيق شديد لا أطيق القيام به.

ومنه أيضا « الداء العضال » وهو الداء الذي لا يطاق علاجه، لضيقه عن العلاج, وتجاوزه حد الأدواء التي يكون لها علاج, ومنه قول ذي الرمة:

ولــم أقــذف لمؤمنــة حصـان بــإذن اللــه موجبــة عضــالا

ومنه قيل: « عضل الفضاء بالجيش لكثرتم » ، إذا ضاق عنهم من كثرتهم. وقيل: « عضلت المرأة » ، إذا نشب الولد في رحمها فضاق عليه الخروج منها, ومنه قول أوس بن حجر:

وليس أخــوك الـدائم العهـد بـالذي يــذمك إن ولـى ويـرضيك مقبـلا

ولكنــه النــائي إذا كــنت آمنـا وصـاحبك الأدنـى إذا الأمـر أعضلا

و « أن » التي في قوله: « أن ينكحن » ، في موضع نصب قوله: « تعضلوهن » .

ومعنى قوله: « إذا تراضوا بينهم بالمعروف » ، إذا تراضى الأزواج والنساء بما يحل, ويجوز أن يكون عوضا من أبضاعهن من المهور، ونكاح جديد مستأنف، كما:-

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن عمير بن عبد الله, عن عبد الملك بن المغيرة, عن عبد الرحمن بن البيلماني, قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أنكحوا الأيامى. فقال رجل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: « ما تراضى عليه أهلوهم » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني, عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلي الله عليه وسلم، بنحو منه.

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: « لا نكاح إلا بولي من العصبة » . وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك. فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها, أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها - لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم, إذ كان لا سبيل له إلى عضلها. وذلك أنها إن كانت متى أردات النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من توكله إنكاحها، فلا عضل هنالك لها من أحد فينهى عاضلها عن عضلها. وفي فساد القول بأن لا معنى لنهي الله عما نهى عنه، صحة القول بأن لولي المرأة في تزويجها حقا لا يصح عقده إلا به. وهو المعنى الذي أمر الله به الولي: من تزويجها إذا خطبها خاطبها ورضيت به, وكان رضى عند أوليائها، جائزا في حكم المسلمين لمثلها أن تنكح مثله ونهاه عن خلافه: من عضلها, ومنعها عما أرادت من ذلك، وتراضت هي والخاطب به.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله ذلك، ما ذكر في هذه الآية: من نهي أولياء المرأة عن عضلها عن النكاح، يقول: فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر- يعني يصدق بالله، فيوحده, ويقر بربوبيته، « واليوم الآخر » يقول: ومن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب، ليتقي الله في نفسه, فلا يظلمها بضرار وليته ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت لها في نكاحه.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: « ذلك يوعظ به » ، وهو خطاب لجميع, وقد قال من قبل : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ؟ وإذا جاز أن يقال في خطاب الجميع « ذلك » ، أفيجوز أن تقول لجماعة من الناس وأنت تخاطبهم: « أيها القوم، هذا غلامك، وهذا خادمك » , وأنت تريد: هذا خادمكم، وهذا غلامكم ؟

قيل: لا إن ذلك غير جائز مع الأسماء الموضوعات، لأن ما أضيف له الأسماء غيرها، فلا يفهم سامع سمع قول قائل لجماعة: « أيها القوم، هذا غلامك » , أنه عنى بذلك هذا غلامكم - إلا على استخطاء الناطق في منطقه ذلك. فإن طلب لمنطقه ذلك وجها في الصواب، صرف كلامه ذلك إلى أنه انصرف عن خطاب القوم بما أراد خطابهم به، إلى خطاب رجل واحد منهم أو من غيرهم , وترك مجاوزة القوم بما أراد مجاوزتهم به من الكلام. وليس ذلك كذلك في « ذلك » لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها, حتى صارت « الكاف » - التي هي كناية اسم المخاطب فيها- كهيئة حرف من حروف الكلمة التي هي متصلة. وصارت الكلمة بها كقول القائل: « هذا » , كأنها ليس معها اسم مخاطب. فمن قال: « ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر » ، أقر « الكاف » من « ذلك » موحدة مفتوحة في خطاب الواحدة من النساء، والواحد من الرجال, والتثنية ، والجمع. ومن قال: « ذلكم يوعظ به » ، كسر « الكاف » في خطاب الواحدة من النساء, وفتح في خطاب الواحد من الرجال، فقال في خطاب الاثنين منهم: « ذلكما » , وفي خطاب الجمع « ذلكم » .

وقد قيل : إن قوله: « ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله » ، خطاب للنبي صلي الله عليه وسلم, ولذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين بقوله: « من كان منكم يؤمن بالله » . وإذا وجه التأويل إلى هذا الوجه، لم يكن فيه مؤونة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 232 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله « ذلكم » نكاحهن أزواجهن, ومراجعة أزواجهن إياهن، بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد « أزكى لكم » ، أيها الأولياء والأزواج والزوجات.

ويعني بقوله: « أزكى لكم » ، أفضل وخير عند الله من فرقتهن أزواجهن. وقد دللنا فيما مضى على معنى « الزكاة » , فأغنى ذلك عن إعادته.

وأما قوله: « وأطهر » ، فإنه يعني بذلك: أطهر لقلوبكم وقلوبهن وقلوب أزواجهن من الريبة. وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما - أعني الزوج والمرأة - علاقة حب, لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما, ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين. فأمر الله تعالى ذكره الأولياء - إذا أراد الأزواج التراجع بعد البينونة، بنكاح مستأنف، في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك, وأن يزوجها. لأن ذلك أفضل لجميعهم, وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبوقه إليها من المعاني المكروهة.

ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم ما لا يعلمه بعضهم من بعض, ودلهم بقوله لهم ذلك في هذا الموضع، أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف, ونهاهم عن عضلهن عن ذلك لما علم مما في قلب الخاطب والمخطوب من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة, فقال لهم تعالى ذكره: افعلوا ما أمرتكم به، إن كنتم تؤمنون بي، وبثوابي وبعقابي في معادكم في الآخرة, فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمونه من الهوى والمحبة. وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم, وأزكى وأطهر لقلوبكم وقلوبهن في العاجل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والنساء اللواتي بن من أزواجهن، ولهن أولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق، أو ولدنهم منهم، بعد فراقهم إياهن، من وطء كان منهم لهن قبل البينونة « يرضعن أولادهن » , يعني بذلك: أنهن أحق برضاعهم من غيرهم.

وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم, إذا كان المولود له ولد، حيا موسرا. لأن الله تعالى ذكره قال في « سورة النساء القصرى » وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [ سورة الطلاق: 6 ] ، فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها, أن أخرى سواها ترضعه, فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها. فكان معلوما بذلك أن قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين » ، دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الوالدان في رضاع المولود بعده, جعل حدا يفصل به بينهما, لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن.

قال أبو جعفر: وأما قوله: « حولين » ، فإنه يعني به سنتين, كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، سنتين.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

وأصل « الحول » من قول القائل: « حال هذا الشيء » ، إذا انتقل. ومنه قيل: « تحول فلان من مكان كذا » ، إذا انتقل عنه.

فإن قال لنا قائل: وما معنى ذكر « كاملين » في قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، بعد قوله: « يرضعن حولين » ، وفي ذكر « الحولين » مستغنى عن ذكر « الكاملين » ، إذ كان غير مشكل على سامع سمع قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين » ما يراد به؟ فما الوجه الذي من أجله زيد ذكر كاملين؟.

قيل: إن العرب قد تقول: « أقام فلان بمكان كذا حولين، أو يومين، أو شهرين » ، وإنما أقام به يوما وبعض آخر، أو شهرا وبعض آخر, أو حولا وبعض آخر، فقيل: « حولين كاملين » ليعرف سامعو ذلك أن الذي أريد به حولان تامان، لا حول وبعض آخر. وذلك كما قال الله تعالى ذكره: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ سورة البقرة: 203 ] . ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف, وكذلك ذلك في اليوم الثالث من أيام التشريق، وأنه ليس منه شيء تام, ولكن العرب تفعل ذلك في الأوقات خاصة فتقول: « اليوم يومان منذ لم أره » , وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر. وقد توقع الفعل الذي تفعله في الساعة أو اللحظة، على العام والزمان واليوم, فتقول: « زرته عام كذا - وقتل فلان فلانا زمان صفين » ، وإنما تفعل ذلك، لأنها لا تقصد بذلك الخبر عن عدد الأيام والسنين, وإنما تعني بذلك الإخبار عن الوقت الذي كان فيه المخبر عنه, فجاز أن ينطق « بالحولين » ، و « اليومين » ، على ما وصفت قبل. لأن معنى الكلام في ذلك: فعلته إذ ذاك, وفي ذلك الوقت.

فكذلك قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، لما جاز الرضاع في الحولين وليسا بالحولين وكان الكلام لو أطلق في ذلك، بغير تضمين الحولين بالكمال، وقيل: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين » ، محتملا أن يكون معنيا به حول وبعض آخر نفي اللبس عن سامعيه بقوله: « كاملين » أن يكون مرادا به حول وبعض آخر, وأبين بقوله: « كاملين » عن وقت تمام حد الرضاع, وأنه تمام الحولين بانقضائهما، دون انقضاء أحدهما وبعض الآخر.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في الذي دلت عليه هذه الآية، من مبلغ غاية رضاع المولودين: أهو حد لكل مولود, أو هو حد لبعض دون بعض؟ فقال بعضهم : هو حد لبعض دون بعض.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في التي تضع لستة أشهر: أنها ترضع حولين كاملين, وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهرا, وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة، بمثله, ولم يرفعه إلى ابن عباس.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري، عن أبي عبيد، قال: رفع إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر, فقال: إنها رفعت [ إلي امرأة ] ، لا أراها إلا قد جاءت بشر - أو نحو هذا- ولدت لستة أشهر! فقال ابن عباس: إذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر. قال: وتلا ابن عباس: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [ سورة الأحقاف: 15 ] , فإذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر. فخلى عثمان سبيلها.

وقال آخرون: بل ذلك حد رضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدهما البلوغ إليه, والآخر التقصير عنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، فجعل الله سبحانه الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة, ثم قال: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ، إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، قال: إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقا أن تبلغه - لا أن تزيد عليه إلا أن يشاء.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران

وحدثني علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء جميعا, عن الثوري في قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة » ، والتمام الحولان. قال: فإذا أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض المرأة فليس له ذلك. وإذا قالت المرأة: « أنا أفطمه قبل الحولين » ، وقال الأب: « لا » ، فليس لها أن تفطمه حتى يرضى الأب، حتى يجتمعا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه, وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين. وذلك قوله: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ .

وقال آخرون: بل دل الله تعالى ذكره بقوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، على أن لا رضاع بعد الحولين, فإن الرضاع إنما هو كان في الحولين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، أخبرنا ابن أبي ذئب قال، حدثنا الزهري, عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا إن الله تعالى ذكره يقول: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، ولا نرى رضاعا بعد الحولين يحرم شيئا

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن يونس بن يزيد, عن الزهري, قال: كان ابن عمر وابن عباس يقولان: لا رضاع بعد الحولين.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص, عن الشيباني, عن أبي الضحى, عن أبي عبد الرحمن, عن عبد الله قال: ما كان من رضاع بعد سنتين أو في الحولين بعد الفطام فلا رضاع.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن إبراهيم عن علقمة، أنه رأى امرأة ترضع بعد حولين فقال: لا ترضعيه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الشيباني قال: سمعت الشعبي يقول: ما كان من وجور أو سعوط أو رضاع في الحولين فإنه يحرم, وما كان بعد الحولين لم يحرم شيئا.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن المغيرة, عن إبراهيم: أنه كان يحدث عن عبد الله، أنه قال: لا رضاع بعد فصال، أو بعد حولين.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن عبد الأعلى, عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ليس يحرم من الرضاع بعد التمام, إنما يحرم ما أنبت اللحم وأنشأ العظم

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس قال: لا رضاع بعد فصال السنتين.

حدثنا هلال بن العلاء الرقي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عبيد الله, عن زيد, عن عمرو بن مرة, عن أبي الضحى قال: سمعت ابن عباس يقول: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، قال: لا رضاع إلا في هذين الحولين.

وقال آخرون: بل كان قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، دلالة من الله تعالى ذكره عباده، على أن فرضا على والدات المولودين أن يرضعنهم حولين كاملين, ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله: « لمن أراد أن يتم الرضاعة » ، فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات، إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين, وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود، كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ثم أنـزل الله اليسر والتخفيف بعد ذلك، فقال تعالى ذكره: « لمن أراد أن يتم الرضاعة » .

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، يعني المطلقات، يرضعن أودهن حولين كاملين. ثم أنـزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك, فقال: « لمن أراد أن يتم الرضاعة » .

* ذكر من قال: إن « الوالدات » ، اللواتي ذكرهن الله في هذا الموضع: البائنات من أزوجهن، على ما وصفنا قبل.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » إلى إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، أما « الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد, وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك, بنحوه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة » ، القول الذي رواه علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس, ووافقه على القول به عطاء والثوري والقول الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر: وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في رضاع المولود إذا اختلف والداه في رضاعه, وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا, وأنه معني به كل مولود، لستة أشهر كان ولاده أو لسبعة أو لتسعة.

فأما قولنا: « إنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه » ، فلأن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حدا, كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه. لأن ذلك لو كان كذلك, لم يكن للحد معنى معقول. وإذا كان ذلك كذلك, فلا شك أن الذي هو دون الحولين من الأجل، لما كان وقت رضاع, كان ما وراءه غير وقت له, وأنه وقت لترك الرضاع وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين, وكان التام من الأشياء لا معنى إلى الزيادة فيه, كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين وأن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما, كان ما وراءه غير محرم.

وإنما قلنا: « هو دلالة على أنه معني به كل مولود، لأي وقت كان ولاده, لستة أشهر أو سبعة أو تسعة » , لأن الله تعالى ذكره عم بقوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، ولم يخصص به بعض المولودين دون بعض.

وقد دللنا على فساد القول بالخصوص بغير بيان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه, أو على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم- في كتابنا ( كتاب البيان عن أصول الأحكام ) ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى ذكره: قد بين ذلك بقوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [ سورة الأحقاف: 15 ] ، فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما, فغير جائز أن يكون حمل ورضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره. فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر, فهو مزيد في مدة الرضاع، وما زيد في مدة الحمل، نقص من مدة الرضاع. وغير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا, كما حده الله تعالى ذكره.

قيل له: فقد يجب أن يكون مدة الحمل - على هذه المقالة- إن بلغت حولين كاملين, ألا يرضع المولود إلا ستة أشهر, وإن بلغت أربع سنين، أن يبطل الرضاع فلا ترضع, لأن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا وجاوز غايته أو يزعم قائل هذه المقالة: أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر, فيخرج من قول جميع الحجة, ويكابر الموجود والمشاهد, وكفى بهما حجة على خطأ دعواه إن ادعى ذلك. فإلى أي الأمرين لجأ قائل هذه المقالة، وضح لذوي الفهم فساد قوله.

فإن قال لنا قائل: فما معنى قوله - إن كان الأمر على ما وصفت- : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره، نظير ما دون حده في الحكم؟ وقد قلت: إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا؟

قيل: إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حدا تعبد عباده بأن لا يجاوزه، كما جعل قوله: « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة » ، حدا لرضاع المولود الثابت الرضاع، وتعبد العباد بحمل والديه عند اختلافهما فيه, وإرادة أحدهما الضرار به. وذلك أن الأمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه. فأما ما لم يكن لهم إلى فعله ولا إلى تركه سبيل، فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنه ولا التعبد به.

فإذ كان ذلك كذلك, وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته ولا إلى إطالتها، فيضعنه متى شئن، ويتركن وضعه إذا شئن كان معلوما أن قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلقه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا، لما وصفنا. وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [ سورة الأحقاف: 15 ] .

فإن ظن ذو غباء أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه ووضعته وفصلته في ثلاثين شهرا, فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم وأن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهرا فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [ سورة الأحقاف: 15 ] ، على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية.

وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله، وكفرانه نعم ربه عليه, وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره، عند استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جميع عباده, بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض, وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد. لأن من يولد من الناس لسبعة أشهر، أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين؛ كما أن من يولد لتسعة أشهر، أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر.

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك, فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام: « لم أراد أن يتم الرضاعة » ب « الياء » في « يتم » ونصب « الرضاعة » - بمعنى: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده.

وقرأه بعض أهل الحجاز: « لمن أراد أن تتم الرضاعة » ب « التاء » في « تتم » , ورفع « الرضاعة » بصفتها.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ ب « الياء » في « يتم » ونصب « الرضاعة » . لأن الله تعالى ذكره قال: « والوالدات يرضعن أولادهن » ، فكذلك هن يتممنها إذا أردن هن والمولود له إتمامها وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة، دون القراءة الأخرى.

وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر « الراء » التي فيها. فإن تكن صحيحة، فهي نظيرة « الوكالة والوكالة » و « الدلالة والدلالة » , و « مهرت الشيء مهارة ومهارة » - فيجوز حينئذ « الرضاع » و « الرضاع » , كما قيل: « الحصاد، والحصاد » . وأما القراءة فبالفتح لا غير.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وعلى المولود له » ، وعلى آباء الصبيان للمراضع « رزقهن » , يعني: رزق والدتهن.

ويعني ب « الرزق » : ما يقوتهن من طعام, وما لا بد لهن من غذاء ومطعم.

و « كسوتهن » , ويعني: ب « الكسوة » : الملبس.

ويعني بقوله: « بالمعروف » ، بما يجب لمثلها على مثله، إذ كان الله تعالى ذكره قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر, وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك. فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته, كما قال تعالى ذكره: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا [ سورة الطلاق: 7 ] ، وكما: -

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ » ، قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا, فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين, فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة, لا نكلف نفسا إلا وسعها.

حدثني علي بن سهل الرملي قال حدثنا زيد وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران عن سفيان قوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ، والتمام الحولان « ، وعلى المولود له » على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف » ، قال: على الأب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت. وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم، إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل، كما قال تعالى ذكره: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [ سورة الطلاق: 7 ] ، كما: -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان: « لا تكلف نفس إلا وسعها » ، إلا ما أطاقت.

« والوسع » « الفعل » من قول القائل: « وسعني هذا الأمر فهو يسعني سعة » - ويقال: « هذا الذي أعطيتك وسعي » , أي: ما يتسع لي أن أعطيك، فلا يضيق علي إعطاؤكه و « أعطيتك من جهدي » ، إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه.

فمعنى قوله: « لا تكلف نفس إلا وسعها » ، هو ما وصفت: من أنها لا تكلف إلا ما يتسع لها بذل ما كلفت بذله, فلا يضيق عليها ولا يجهدها لا ما ظنه جهلة أهل القدر من أن معناه: لا تكلف نفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من الطاعات. لأن ذلك لو كان كما زعمت، لكان قوله تعالى ذكره: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا [ سورة الإسراء: 48 وسورة الفرقان: 9 ] ، إذا كان دالا على أنهم غير مستطيعي السبيل إلى ما كلفوه واجبا أن يكون القوم في حال واحدة، قد أعطوا الاستطاعة على ما منعوها عليه. وذلك من قائله إن قاله، إحالة في كلامه, ودعوى باطل لا يخيل بطوله. وإذ كان بينا فساد هذا القول , فمعلوم أن الذي أخبر تعالى ذكره أنه كلف النفوس من وسعها، غير الذي أخبر أنه كلفها مما لا تستطيع إليه السبيل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز والكوفة والشام: « لا تضار والدة بولدها » بفتح « الراء » ، بتأويل: لا تضارَرْ على وجه النهي، وموضعه إذا قرئ كذلك - جزم, غير أنه حرك, إذ ترك التضعيف بأخف الحركات، وهو الفتح. ولو حرك إلى الكسر كان جائزا، إتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه. وإن شئت فلأن الجزم إذا حرك حرك إلى الكسر.

وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة: « لا تضار والدة بولدها » ، رفع. ومن قرأه كذلك لم يحتمل قراءته معنى النهي, ولكنها تكون [ على معنى ] الخبر، عطفا بقوله: « لا تضار » على قوله: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا .

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع: « لا تضار والدة بولدها » ، هكذا في الحكم: - أنه لا تضار والدة بولدها- أي: ما ينبغي أن تضار. فلما حذفت « ينبغي » ، وصار « تضار » في وضعه، صار على لفظه, واستشهد لذلك بقول الشاعر:

عـلى الحـكم المـأتي يوما إذا قضى قضيتــه, أن لا يجــور ويقصــد

فزعم أنه رفع « يقصد » بمعنى « ينبغي » . والمحكي عن العرب سماعا غير الذي قال. وذلك أنه روي عنهم سماعا: « فتصنع ماذا » , إذا أرادوا أن يقولوا: « فتريد أن تصنع ماذا » , فينصبونه بنية « أن. وإذا لم ينووا » أن « ولم يريدوها, قالوا: » فتريد ماذا « , فيرفعون » تريد « , لأن لا جالب ل » أن « قبله, كما كان له جالب قبل » تصنع « . فلو كان معنى قوله » لا تضار « إذا قرئ رفعا بمعنى: » ينبغي أن لا تضار « أو » ما ينبغي أن تضار « ، ثم حذف « ينبغي » و » أن « , وأقيم » تضار « مقام « ينبغي » ، لكان الواجب أن يقرأ- إذا قرئ بذلك المعنى- نصبا لا رفعا, ليعلم بنصبه المتروك قبله المعني المراد, كما فعل بقوله: « فتصنع ماذا » , ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على » تكلف « : ليست تكلف نفس إلا وسعها, وليست تضار والدة بولدها. يعني بذلك أنه ليس ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين. »

قال أبو جعفر: وأولى القرأتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب, لأنه نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه له، حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين. فلو كان ذلك خبرا، لكان حراما عليهما ضرارهما به كذلك.

وبما قلنا في ذلك - من أن ذلك بمعنى النهي- تأوله أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « لا تضار والدة بولدها » ، لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه، ولا يضار الوالد بولده, فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح,عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده » ، قال: نهى الله تعالى عن الضرار وقدم فيه, فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه، إذا كانت راضية بما كان مسترضعا به غيرها ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « لا تضار والدة بولدها » ، ترمي به إلى أبيه ضرارا، « ولا مولود له بولده » ، يقول: ولا الوالد، فينتزعه منها ضرارا، إذا رضيت من أجر الرضاع ما رضي به غيرها, فهي أحق به إذا رضيت بذلك.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن يونس, عن الحسن: « لا تضار والدة بولدها » ، قال: ذلك إذا طلقها, فليس له أن يضارها فينتزع الولد منها، إذا رضيت منه بمثل ما يرضى به غيرها وليس لها أن تضاره فتكلفه ما لا يطيق، إذا كان إنسانا مسكينا، فتقذف إليه ولده.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير,عن جويبر, عن الضحاك: « لا تضار والدة بولدها » ، لا تضار أم بولدها ولا أب بولده. يقول: لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيا، أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتا. ولا يضار الأب المرأة إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينتزعه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « لا تضار والدة بولدها » ، يقول لا ينـزع الرجل ولده من امرأته فيعطيه غيرها بمثل الأجر الذي تقبله هي به ولا تضار والدة بولدها، فتطرح الأم إليه ولده، تقول: « لا أليه ساعة » تضيعه، ولكن عليها من الحق أن ترضعه حتى يطلب مرضعا.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب- وسئل عن قول الله تعالى ذكره « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » إلى « لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده » ، قال ابن شهاب: والوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر، وليس للوالدة أن تضار بولدها فتأبى رضاعه، مضارة وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها من الأجر. وليس للمولود له أن ينـزع ولده من والدته مضارا لها، وهي تقبل من الأجر ما يعطاه غيرها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان في قوله: « لا تضار والدة بولدها » ، لا ترم بولدها إلى الأب إذا فارقها، تضاره بذلك « ولا مولود له بولده » ، ولا ينـزع الأب منها ولدها، يضارها بذلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده » ، قال: لا ينـزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من ترضعه، ولا يجد ما يسترضعه به.

حدثنا عمرو بن علي الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني ابن جريج, عن عطاء في قوله: « لا تضار والدة بولدها » ، قال: لا تدعنه ورضاعه، من شنآنها مضارة لأبيه، ولا يمنعها الذي عنده مضارة لها.

وقال بعضهم: « الوالدة » التي نهى الرجل عن مضارتها: ظئر الصبي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثنا الزبير بن الخريت، عن عكرمة في قوله: « لا تضار والدة بولدها » ، قال: هي الظئر.

فمعنى الكلام: لا يضارر والد مولود والدته بمولوده منها, ولا والدة مولود والده بمولودها منه. ثم ترك ذكر الفاعل في « يضار » , فقيل: لا تضارر والدة بولدها ولا مولود له بولده، كما يقال إذا نهي عن إكرام رجل بعينه فيما لم يسم فاعله، ولم يقصد بالنهي عن إكرامه قصد شخص بعينه: « لا يكرم عمرو، ولا يجلس إلى أخيه » , ثم ترك التضعيف فقيل: « لا تضار » فحركت الراء الثانية التي كانت مجزومة- لو أظهر التضعيف- بحركة الراء الأولى.

وقد زعم بعض أهل العربية أنها إنما حركت إلى الفتح في هذا الموضع، لأنه آخر الحركات. وليس للذي قال من ذلك معنى. لأن ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك، لو كان معنى الكلام: لا تضارر والدة بولدها، وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة. على أن معنى الكلام لو كان كذلك، لكان الكسر في « تضار » أفصح من الفتح, والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح, كما أن: « مد بالثوب » أفصح من « مد به » . وفي إجماع القرأة على قراءة: « لا تضار » بالفتح دون الكسر، دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك.

فإن كان قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك: لا تضارر والدة، وأن « الوالدة » مرفوعة بفعلها, وأن « الراء » الأولى حظها الكسر، فقد أغفل تأويل الكلام، وخالف قول جميع من حكينا قوله من أهل التأويل. وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل أحد من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودهما لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود. وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي, والصبي في حال ما هو رضيع - غير جائز أن يكون منه ضرار لأحد؟ فلو كان ذلك معناه, لكل التنـزيل: لا تضر والدة بولدها.

وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر في « تضار » جائز. والكسر في ذلك عندي في هذا الموضع غير جائز، لأنه إذا كسر تغير معناه عن معنى:لا تضارَرْ « - الذي هو في مذهب ما لم يسم فاعله- إلى معنى » لاتضارر « ، الذي هو في مذهب ما قد سمي فاعله. »

قال أبو جعفر: فإذ كان الله تعالى ذكره قد نهى كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه بسبب ولدهما, فحق على إمام المسلمين إذا أراد الرجل نـزع ولده من أمه بعد بينونتها منه, وهي تحضنه وتكلفه وترضعه، بما يحضنه به غيرها ويكلفه به ويرضعه من الأجرة أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها، ما دام محتاجا الصبي، إليها في ذلك بالأجرة التي يعطاها غيرها وحق عليه إذا كان الصبي لا يقبل ثدي غير والدته, أو كان المولود له لا يجد من يرضع ولده وإن كان يقبل ثدي غير أمه, أو كان معدما لا يجد ما يستأجر به مرضعا، ولا يجد ما يتبرع عليه برضاع مولوده. أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته. لأن الله تعالى ذكره إن حرم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه، فالإضرار به أحرى أن يكون محرما، مع ما في الإضرار به من مضارة صاحبه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « الوارث » الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، وأي وارث هو: ووارث من هو؟

فقال بعضهم: هو وارث الصبي. وقالوا: معنى الآية: وعلى وارث الصبي إذا كان [ أبوه ] ميتا، مثل الذي كان على أبيه في حياته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قالا حدثنا سعيد, عن قتادة: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على وارث الولد.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على وارث الولد.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: وعلى وارث الصبي مثل ما على أبيه.

ثم اختلف قائلو هذه المقالة في وارث المولود، الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف. فقال بعضهم: هم وارث الصبي من قبل أبيه من عصبته، كائنا من كان، أخا كان، أو عما، أو ابن عم، أو ابن أخ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج: أن عمرو بن شعيب أخبره: أن سعيد بن المسيب أخبره: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال وقف بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه، مثل العاقلة.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: أن الحسن كان يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على العصبة.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الله بن إدريس وأبو عاصم قالا حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب, عن سعيد بن المسيب قال: وقف عمر ابن عم على منفوس كلالة برضاعه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا توفي الرجل وامرأته حامل, فنفقتها من نصيبها, ونفقة ولدها من نصيبه من ماله إن كان له, فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته.

قال: وكان يتأول قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على الرجال.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا هشيم, عن يونس, عن الحسن قال: على العصبة الرجال، دون النساء.

حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام عن ابن سيرين: أتي عبد الله بن عتبة مع اليتيم وليه, ومع اليتيم من يتكلم في نفقته , فقال لولي اليتيم: لو لم يكن له مال لقضيت عليك بنفقته, لأن الله تعالى يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن محمد بن سيرين قال: أُتي عبد الله بن عتبة في رضاع صبي, فجعل رضاعه في ماله, وقال لوليه: لو لم يكن له مال جعلنا رضاعه في مالك, ألا تراه يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » ؟

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: على الوارث ما على الأب، إذا لم يكن للصبي مال. وإذا كان له ابن عم أو عصبة ترثه، فعليه النفقة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الولي من كان.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن أبي بشر ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا عبد الله بن محمد الحنفي قال، حدثنا عبد الله بن عثمان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا يعقوب- يعني ابن القاسم- عن عطاء وقتادة- في يتيم ليس له شيء، أيجبر أولياؤه على نفقته؟ قالا نعم, ينفق عليه حتى يدرك.

حدثت عن يعلى بن عبيد, عن جويبر, عن الضحاك قال: إن مات أبو الصبي وللصبي مال، أخذ رضاعه من المال. وإن لم يكن له مال، أخذ من العصبة. فإن لم يكن للعصبة مال، أجبرت عليه أمه.

وقال آخرون منهم: بل ذلك على وارث المولود من كان، من الرجال والنساء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة أنه كان يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع، إذا كان الولد لا مال له، على الرجال والنساء على قدر ما يرثون.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغرم ثلاثة، كلهم يرث الصبي، أجر رضاعه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن ابن سيرين: أن عبد الله بن عتبة جعل نفقة صبي من ماله, وقال لوارثه: أما إنه لو لم يكن له مال أخذناك بنفقته, ألا ترى أنه يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » .

وقال آخرون منهم: هو من ورثته، من كان منهم ذا رحم محرم للمولود, فأما من كان ذا رحم منه وليس بمحرم، كابن العم والمولى ومن أشبههما، فليس من عناه الله بقوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » . والذين قالوا هذه المقالة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.

وقالت فرقةأخرى: بل الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، المولود نفسه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال، أخبرنا حيوة بن شريح قال، أخبرنا جعفر بن ربيعة. أن بشير بن نصر المزني - وكان قاضيا قبل ابن حجيرة في زمان عبد العزيز- كان يقول: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الوارث هو الصبي.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري قال، أخبرنا حيوة. قال، أخبرنا جعفر بن ربيعة, عن قبيصة بن ذؤيب: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: هو الصبي.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن حيوة بن شريح قال، أخبرني جعفر بن ربيعة: أن قبيصة بن ذؤيب كان يقول: الوارث هو الصبي يعني قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر, عن الضحاك: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: يعني بالوارث: الولد الذي يرضع.

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك على ما تأوله هؤلاء: وعلى الوارث المولود، مثل ما كان على المولود له.

وقال آخرون: بل هو الباقي من والدي المولود، بعد وفاة الآخر منهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن محمد الحنفي قال، أخبرنا عبد الله بن عثمان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، سمعت سفيان يقول في صبي له عم وأم وهي ترضعه, قال: يكون رضاعه بينهما, ويرفع عن العم بقدر ما ترث الأم, لأن الأم تجبر على النفقة على ولدها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مِثْلُ ذَلِكَ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « مثل ذلك » .

فقال بعضهم: تأويله: وعلى الوارث للصبي بعد وفاة أبويه، مثل الذي كان على والده من أجر رضاعه ونفقته، إذا لم يكن للمولود مال.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم,عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: على الوارث رضاع الصبي.

حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة, عن منصور, عن إبراهيم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: أجر الرضاع.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن المغيرة , عن إبراهيم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الرضاع.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة, عن المغيرة, عن إبراهيم في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: أجر الرضاع.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن أيوب, عن محمد بن سيرين, عن عبد الله بن عتبة: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الرضاع.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن أيوب, عن محمد, عن عبد الله بن عتبة في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: النفقة بالمعروف.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: على الوارث ما على الأب من الرضاع، إذا لم يكن للصبي مال.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم قال: الرضاع والنفقة.

حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن إبراهيم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الرضاع.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة, عن عطاء بن السائب, عن الشعبي، قال: الرضاع.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا أبو عوانة، عن مطرف, عن الشعبي: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: أجر الرضاع.

حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة, عن مغيرة, عن إبراهيم, والشعبي مثله.

حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي قالا حدثنا عبد الله بن إدريس قال، سمعت هشاما عن الحسن في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: الرضاع.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس, عن هشام وأشعث, عن الحسن مثله.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن يونس, عن الحسن: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، يقول في النفقة على الوارث، إذا لم يكن له مال.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن قيس بن سعد, عن مجاهد مثله.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن قيس بن سعد , عن مجاهد: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: النفقة بالمعروف.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، على الولي كفله ورضاعه، إن لم يكن للمولود مال.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: وعلى الوارث من كان، مثل ما وصف من الرضاع قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد: مثل ذلك في الرضاعة قال: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال : وعلى الوارث أيضا كفله ورضاعه، إن لم يكن له مال, وأن لا يضار أمه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج, عن ابن جريح, عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: نفقته حتى يفطم، إن كان أبوه لم يترك له مالا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: وعلى وارث الولد ما كان على الوالد من أجر الرضاع، إذا كان الولد لا مال له.

حدثني عبد الله بن محمد الحنفي قال، حدثنا عبد الله بن عثمان قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: على وارث الصبي مثل ما على أبيه, إذا كان قد هلك أبوه ولم يكن له مال، فإن على الوارث أجر الرضاع.

حدثنا ابن حميد, قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: إذا مات وليس له مال، كان على الوارث رضاع الصبي.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى الوارث مثل ذلك: أن لا يضار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن زيد, عن علي بن الحكم, عن الضحاك بن مزاحم: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: أن لا يضار.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عاصم الأحول , عن الشعبي في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: لا يضار, ولا غرم عليه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد في قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، أن لا يضار.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ، قال: الوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر. وليس لوالدة أن تضار بولدها، فتأبى رضاعه مضارة, وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها. وليس للمولود له أن ينـزع ولده من والدته ضرارا لها, وهي تقبل من الأجر ما يعطي غيرها « وعلى الوارث مثل ذلك » ، مثل الذي على الوالد في ذلك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثنا علي قال: حدثنا زيد, عن سفيان: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: أن لا يضار، وعليه مثل ما على الأب من النفقة والكسوة.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى وارث المولود، مثل الذي كان على المولود له، من رزق والدته وكسوتها بالمعروف.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر, عن الضحاك: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال: على الوارث عند الموت, مثل ما على الأب للمرضع من النفقة والكسوة قال: ويعني بالوارث: الولد الذي يرضع: أن يؤخذ من ماله- إن كان له مال- أجر ما أرضعته أمه.

فإن لم يكن للمولود مال ولا لعصبته، فليس لأمه أجر, وتجبر على أن ترضع ولدها بغير أجر.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، قال : على وارث الولد، مثل ما على الوالد من النفقة والكسوة.

وقال آخرون: معنى ذلك: وعلى الوارث مثل ما ذكره الله تعالى ذكره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله تعالى ذكره: « وعلى الوارث مثل ذلك » ؟ قال: مثل ما ذكره الله تعالى ذكره.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » : أن يكون المعني بالوارث ما قاله قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم؛ ومن ذكرنا قوله آنفا: من أنه معني بالوارث: المولود وفي قوله: « مثل ذلك » ، أن يكون معنيا به: مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة, ومن هي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فيها، ولا زوج لها تستغني به, وإن كانت من أهل الغنى والصحة، فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه.

وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرناها, لأنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة، على ما قد بينا في أول كتابنا هذا. وإذ كان ذلك كذلك, وكان قوله: « وعلى الوارث مثل ذلك » ، محتملا ظاهره: وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له ومحتملا وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود , وغير ذلك من التأويلات، على نحو ما قد قدمنا ذكرها وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته، غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه، في حكمه, في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع, إذ كان مولى النعمة من ورثته, وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع. فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني- حكمه.

وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا- من أنه معني به ورثة المولود- فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى. لأن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه - إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه- فالذي هو أبعد منه قرابة، أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه.

وأما الذي قلنا من وجوب رزق الوالدة وكسوتها بالمعروف على ولدها - إذا كانت الوالدة بالصفة التي وصفنا - على مثل الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له, فما لا خلاف فيه من أهل العلم جميعا. فصح ما قلنا في الآية من التأويل بالنقل المستفيض وراثة عمن لا يجوز خلافه. وما عدا ذلك من التأويلات، فمتنازع فيه, وقد دللنا على فساده.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فإن أرادا » ، إن أراد والد المولود ووالدته « فصالا » , يعني: فصال ولدهما من اللبن.

ويعني ب « الفصال » : الفطام, وهو مصدر من قول القائل: « فاصلت فلانا أفاصله مفاصلة وفصالا » ، إذا فارقه من خلطة كانت بينهما. فكذلك « فصال الفطيم » , إنما هو منعه اللبن، وقطعه شربه, وفراقه ثدي أمه إلا الاغتذاء بالأقوات التي يغتذي بها البالغ من الرجال.

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « فإن أرادا فصالا » ، يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « فإن أرادا فصالا » ، فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما » ، قال: الفطام.

وأما قوله: « عن تراض منهما وتشاور » ، فإنه يعني بذلك: عن تراض من والدي المولود وتشاور منهما.

ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أسقط الله الجناح عنهما، إن فطماه عن تراض منهما وتشاور, وأي الأوقات الذي عناه الله تعالى ذكره بقوله: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » .

فقال بعضهم: عنى بذلك، فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور, فلا جناح عليهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » ، يقول: إذا أرادا أن يفطماه قبل الحولين فتراضيا بذلك, فليفطماه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة: إذا أرادت الوالدة أن تفصل ولدها قبل الحولين, فكان ذلك عن تراض منهما وتشاور, فلا بأس به.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » ، قال: التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى, وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد قال: التشاور ما دون الحولين, « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » دون الحولين « فلا جناح عليهما » , فإن لم يجتمعا، فليس لها أن تفطمه دون الحولين.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان عن ليث, عن مجاهد قال: التشاور ما دون الحولين, ليس لها حتى يجتمعا.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني الليث قال، أخبرنا عقيل, عن ابن شهاب: « فإن أرادا فصالا » ، يفصلان ولدهما « عن تراض منهما وتشاور » ، دون الحولين الكاملين « فلا جناح عليهما » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان قال: التشاور ما دون الحولين، إذا اصطلحا دون ذلك, وذلك قوله: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » . فإن قالت المرأة: « أنا أفطمه قبل الحولين » , وقال الأب: « لا » , فليس لها أن تفطمه قبل الحولين. وإن لم ترض الأم، فليس له ذلك، حتى يجتمعا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه, وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين. وذلك قوله: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » ، قال: قبل السنتين « فلا جناح عليهما » .

وقال آخرون: معنى ذلك: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما » ، في أي وقت أرادا ذلك, قبل الحولين أرادا أم بعد ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية , عن علي, عن ابن عباس: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما » ، أن يفطماه قبل الحولين وبعده.

وأما قوله: « عن تراض منهما وتشاور » ، فإنه يعني: عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه، كما: -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور » ، قال: غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما « فلا جناح عليهما » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: « فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور » , لأن تمام الحولين غاية لتمام الرضاع وانقضائه , ولا تشاور بعد انقضائه، وإنما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته.

فإن ظن ذو غفلة أن للتشاور بعد انقضاء الحولين معنى صحيحا إذ كان من الصبيان من تكون به علة يحتاج من أجلها إلى تركه والاغتذاء بلبن أمه فإن ذلك إذا كان كذلك, فإنما هو علاج، كالعلاج بشرب بعض الأدوية، لا رضاع. فأما الرضاع الذي يكون في الفصال منه قبل انقضاء آخره تراض وتشاور من والدي الطفل الذي أسقط الله تعالى ذكره لفطمهما إياه الجناح عنهما، قبل انقضاء آخر مدته, فإنما حده الحد الذي حده الله تعالى ذكره بقوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ، على ما قد أتينا على البيان عنه فيما مضى قبل.

وأما الجناح، فالحرج، كما: -

حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « فلا جناح عليهما » ، فلا حرج عليهما.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر, أو من خيفة ضيعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم، أو غير ذلك من الأسباب فلا حرج عليكم في استرضاعهن، إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم » ، خيفة الضيعة على الصبي، « فلا جناح عليكم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني عبد الله بن محمد الحنفي قال، حدثنا عبد الله بن عثمان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو بشر ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم » ، إن قالت المرأة: « لا طاقة لي به فقد ذهب لبني » ‍‍‍‍‍ فتُسترْضَع له أخرى.

‍حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر, عن الضحاك قال: ليس للمرأة أن تترك ولدها بعد أن يصطلحا على أن ترضع, ويسلمان، ويجبران على ذلك. قال: فإن تعاسروا عند طلاق أو موت في الرضاع، فإنه يعرض على الصبي المراضع. فإن قبل مرضعا جاز ذلك وأرضعته، وإن لم يقبل مرضعا فعلى أمه أن ترضعه بالأجر إن كان له مال أو لعصبته. فإن لم يكن له مال ولا لعصبته، أكرهت على رضاعه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان: « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم » ، إذا أبت الأم أن ترضعه، فلا جناح على الأب أن يسترضع له غيرها.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، قال: إذا رضيت الوالدة أن تسترضع ولدها، ورضي الأب أن يسترضع ولده, فليس عليهما جناح.

واختلفوا في قوله: « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » .

فقال بعضهم: معناه: إذا سلمتم لأمهاتهم ما فارقتموهن عليه من الأجرة على رضاعهن، بحساب ما استحقته إلى انقطاع لبنها أو الحال التي عذر أبو الصبي بطلب مرضع لولده غير أمه، واسترضاعه له.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، قال: حساب ما أرضع به الصبي.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد : « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، حساب ما يرضع به الصبي.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، إن قالت - يعني الأم - : « لا طاقة لي به، فقد ذهب لبني » , فتسترضع له أخرى, وليسلم لها أجرها بقدر ما أرضعت.

حدثني المثنى قال، حدثني سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قال: قلت - يعني لعطاء- : « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم » ؟ قال: أمه وغيرها « فلا جناح عليكم إذا سلمتم » ، قال: إذا سلمت لها أجرها « ما آتيتم » ، قال: ما أعطيتم.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة منكم ومن أمهات أولادكم الذين تسترضعون لهم, وتراض منكم ومنهن باسترضاعهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، أخبرني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: لا جناح عليهما أن يسترضعا أولادهما- يعني أبوي المولود- إذا سلما ولم يتضارا.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع : « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع، من الأجرة، بالمعروف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان في قوله: « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » ، قال: إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرون أجرها بالمعروف- يعني: إلى من استرضع للمولود، إذا أبت الأم رضاعه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: « تأويله: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن, ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم, فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤورة، إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف. »

يعني بذلك المعنى: الذي أوجبه الله لهن عليكم, وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه، في حال الاسترضاع،، ووقت عقد الإجارة.

وهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج, ووافقه على بعضه مجاهد والسدي ومن قال بقولهم في ذلك.

وإنما قضينا لهذا التأويل أنه أولى بتأويل الآية من غيره, لأن الله تعالى ذكره ذكر قبل قوله: « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم » ، أمر فصالهم, وبين الحكم في فطامهم قبل تمام الحولين الكاملين فقال: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ، في الحولين الكاملين فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا . فالذي هو أولى بحكم الآية- إذ كان قد بين فيها وجه الفصال قبل الحولين- أن يكون الذي يتلو ذلك حكم ترك الفصال وإتمام الرضاع إلى غاية نهايته وأن يكون- إذ كان قد بين حكم الأم إذا هي اختارت الرضاع بما يرضع به غيرها من الأجرة- أن يكون الذي يتلو ذلك من الحكم، بيان حكمها وحكم الولد إذا هي امتنعت من رضاعه، كما كان ذلك كذلك في غير هذا الموضع من كتاب الله تعالى, وذلك في قوله: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [ سورة الطلاق: 6 ] . فأتبع ذكر بيان رضا الوالدات برضاع أولادهن, ذكر بيان امتناعهن من رضاعهن, فكذلك ذلك في قوله : « وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم » .

وإنما اخترنا في قوله: « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » - ما اخترنا من التأويل، لأن الله تعالى ذكره فرض على أبي المولود تسليم حق والدته إليها مما آتاها من الأجرة على رضاعها له بعد بينونتها منه, كما فرض عليه ذلك لمن استأجره لذلك ممن ليس من مولده بسبيل، وأمره بإيتاء كل واحدة منهما حقها بالمعروف على رضاع ولده. فلم يكن قوله: « إذا سلمتم » بأن يكون معنيا به: إذا سلمتم إلى أمهات أولادكم الذين يرضعون حقوقهن، بأولى منه بأن يكون معنيا به: إذا سلمتم ذلك إلى المراضع سواهن ولا الغرائب من المولود، بأولى أن يكن معنيات بذلك من الأمهات إذ كان الله تعالى ذكره قد أوجب على أبي المولود لكل من استأجره لرضاع ولده، من تسليم أجرتها إليها مثل الذي أوجب عليه من ذلك للأخرى. فلم يكن لنا أن نحيل ظاهر تنـزيل إلى باطن، ولا نقل عام إلى خاص، إلا بحجة يجب التسليم لها- فصح بذلك ما قلنا.

قال أبو جعفر: وأما معنى قوله: « بالمعروف » ، فإن معناه: بالإجمال والإحسان، وترك البخس والظلم فيما وجب للمراضع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 233 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « واتقوا الله » ، وخافوا الله فيما فرض لبعضكم على بعض من الحقوق , وفيما ألزم نساءكم لرجالكم ورجالكم لنسائكم, وفيما أوجب عليكم لأولادكم، فاحذروه أن تخالفوه فتعتدوا - في ذلك وفي غيره من فرائضه وحقوقه - حدوده، فتستوجبوا بذلك عقوبته « واعلموا أن الله بما تعملون » من الأعمال، أيها الناس، سرها وعلانيتها, وخفيها وظاهرها, وخيرها وشرها « بصير » ، يراه ويعلمه, فلا يخفى عليه شيء, ولا يتغيب عنه منه شيء، فهو يحصي ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم بخير ذلك وشره.

ومعنى « بصير » ، ذو إبصار, وهو في معنى « مبصر » .

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم، من الرجال، أيها الناس, فيموتون، ويذرون أزواجا، يتربص أزواجهن بأنفسهن.

فإن قال قائل: فأين الخبر عن « الذين يتوفون » ؟

قيل: متروك، لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم, وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن, فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات، إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة, إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام. وهو نظير قول القائل في الكلام: « بعض جبتك متخرقة » ، في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام، إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن، صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره، إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه, كما قال الشاعر:

لعـلي إن مـالت بـي الـرٌيح ميلـة عــلى ابـن أبـي ذبـان أن يتندمـا

فقال « لعلي » , ثم قال: « أن يتندما » , لأن معنى الكلام: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم، إن مالت بي الريح ميلة عليه فرجع بالخبر إلى الذي أراد به, وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره. ومنه قول الشاعر:

ألــم تعلمــوا أن ابـن قيس وقتلـه بغـــير دم, دار المذلــة حــلت

فألغى « ابن قيس » وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذل.

وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر « الذين يتوفون » متروك, وأن معنى الكلام: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم. وزعم أنه لم يذكر « موتهم » ، كما يحذف بعض الكلام- وأن « يتربصن » رفع، إذ وقع موقع « ينبغي » , و « ينبغي » رفع. وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع « يتربصن » بوقوعه موقع « ينبغي » فيما مضى, فأغنى عن إعادته.

وقال آخر منهم: إنما لم يذكر « الذين » بشيء, لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء: « من يلقك منا تصب خيرا » الذي يلقاك منا تصيب خيرا. قال: ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء.

قال أبو جعفر: وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا.

قال أبوجعفر: وأما قوله: « يتربصن بأنفسهن » ، فإنه يعني به: يحتبسن بأنفسهن معتدات عن الأزواج، والطيب، والزينة، والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن- أربعة أشهر وعشرا، إلا أن يكن حوامل, فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن. فإذا وضعن حملهن، انقضت عددهن حينئذ.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب في قول الله: « والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، قال ابن شهاب: جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها, فإن كانت حاملا فيحلها من عدتها أن تضع حملها, وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشرة فما استأخر, لا يحلها إلا أن تضع حملها.

قال أبو جعفر: وإنما قلنا: عنى ب « التربص » ما وصفنا، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم بما: -

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وأبو أسامة, عن شعبة وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة ، عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدث قال أبو كريب: قال أبو أسامة: عن أم سلمة أن امرأة توفى عنها زوجها واشتكت عينها, فأتت النبي صلي الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل, فقال: لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها، فتمكث في بيتها حولا إذا توفي عنها زوجها, فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة! أفلا أربعة أشهر وعشرا « ! »

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد قال، سمعت نافعا, عن صفية ابنة أبي عبيد: أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبي صلي الله عليه وسلم تحدث، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا « قال يحيى: والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل، ولا تزين. »

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى, عن نافع, عن صفية ابنة أبي عبيد, عن حفصة ابنة عمر: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، أخبرني حميد بن نافع: أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته، عن أم سلمة - أو أم حبيبة- زوج النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم, فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها, وأنها قد خافت على عينها فزعم حميد عن زينب: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول, وإنما هي أربعة أشهر وعشر. .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا يحيى بن سعيد , عن حميد بن نافع: أنه سمع زينب ابنة أم سلمة، تحدث عن أم حبيبة أو أم سلمة أنها ذكرت: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم قد توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، وهي تريد أن تكحل عينها, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة بعد الحول, وإنما هي أربعة أشهر وعشر قال ابن بشار، قال يزيد, قال يحيى: فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، عمدت إلى شر بيتها فقعدت فيه حولا فإذا مرت بها سنة ألقت بعرة وراءها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا شعبة, عن يحيى, عن حميد بن نافع بهذا الإسناد مثله

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ابن عيينة, عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد, عن حميد بن نافع, عن زينب ابنة أم سلمة, عن أم سلمة: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها, أفتكتحل؟ فقال، قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول, وإنما هي الآن أربعة أشهر وعشر! قال، قلت: وما « ترمي بالبعرة على رأس الحول » ؟ قال: كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهن، لبست أطمار ثيابها، وجلست في أخس بيوتها, فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار وقالت: قد حللت!

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة, عن أمها أم سلمة وأم حبيبة زوجي النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها, وقد خفت على عينها, وهي تريد الكحل؟ قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول! وإنما هي أربعة أشهر وعشر! قال حميد: فقلت لزينب: وما رأس الحول؟ قالت زينب: كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها، عمدت إلى أشر بيت لها فجلست فيه، حتى إذا مرت بها سنة خرجت, ثم رمت ببعرة وراءها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن الزهري, عن عروة عن عائشة: أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها، أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها, ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا معصفرا, ولا تكتحل بالإثمد, ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها, ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب, ولا تلبس حليا، وتلبس البياض ولا تلبس السواد.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن موسى بن عقبة, عن نافع, عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها: لا تكتحل, ولا تطيب, ولا تبيت عن بيتها, ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب تجلبب به.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن جريج, عن عطاء قال: بلغني عن ابن عباس قال: تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزين وتطيب.

حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر قال: إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا, ولا تمس طيبا, ولا تكتحل, ولا تمتشط وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد.

وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة, فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنـزل، فلم تنه عن ذلك, ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن: أنه كان يرخص في التزين والتصنع, ولا يرى الإحداد شيئا.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس: « والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، لم يقل تعتد في بيتها, تعتد حيث شاءت.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل قال، حدثنا ابن جريج, عن عطاء قال، قال ابن عباس: إنما قال الله: « والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، ولم يقل تعتد في بيتها, فلتعتد حيث شاءت.

واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره، إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص وبما: -

حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي قال، حدثنا أبو عاصم, وحدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا أبو عامر قالا جميعا، حدثنا محمد بن طلحة, عن الحكم بن عتيبة, عن عبد الله بن شداد بن الهاد, عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم وابن الصلت, عن محمد بن طلحة, عن الحكم بن عتيبة, عن عبد الله بن شداد, عن أسماء عن النبي صلي الله عليه وسلم بمثله.

قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم: أن لا إحداد على المتوفى عنها زوحها, وأن القول في تأويل قوله: « يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره.

قال أبو جعفر: وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها, وترك النقلة عن منـزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها, فإنهم اعتلوا بظاهر التنـزيل، وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا, فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنـزيل بعينه, بل عم بذلك معاني التربص. قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء, إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها. قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة، مما هو داخل في عموم الآية، كما التربص عن الأزواج داخل فيها. قالوا: وقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب، أما في النقلة فإن: -

أبا كريب حدثنا قال، حدثنا يونس بن محمد, عن فليح بن سليمان, عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته، عن الفريعة ابنة مالك، أخت أبي سعيد الخدري، قالت: قتل زوجي وأنا في دار, فاستأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في النقلة, فأذن لي. ثم ناداني بعد أن توليت, فرجعت إليه, فقال: يا فريعة، حتى يبلغ الكتاب أجله.

قالوا: فبين رسول الله صلي الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفى عنها زوجها، [ وبطل ] ما خالفه. قالوا: وأما ما روي عن ابن عباس: فإنه لا معنى له، بخروجه عن ظاهر التنـزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم.

قالوا: وأما الخبر الذي روي عن أسماء ابنة عميس، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا, ثم أن تصنع ما بدا لها - فإنه غير دال على أن لا حداد على المرأة، بل إنما دل على أمر النبي صلي الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا, ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه، مما لم يكن زينة ولا مطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب، وذلك كالذي أذن صلي الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب وبرود اليمن, فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب. وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه, فإن لها لبسه, لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس.

قال أبوجعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: « يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، ولم يقل: وعشرة؟ وإذ كان التنـزيل كذلك: أفبالليالي تعتد المتوفى عنها العشر، أم بالأيام؟

قيل: بل تعتد بالأيام بلياليها.

فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فكيف قيل: « وعشرا » ؟ ولم يقل: وعشرة؟ والعشر بغير « الهاء » من عدد الليالي دون الأيام؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، فهل تجيز: « عندي عشر » ، وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟

قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام, وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء. وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة، إذا أبهمت العدد، غلبت فيه الليالي, حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون: « صمنا عشرا من شهر رمضان » ، لتغليبهم الليالي على الأيام. وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام. فإذا أظهروا مع العدد مفسره،

أسقطوا من عدد المؤنث « الهاء » , وأثبتوها في عدد المذكر, كما قال تعالى ذكره: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [ سورة الحاقة: 7 ] ، فأسقط « الهاء » من « سبع » وأثبتها في « الثمانية » .

وأما بنو آدم, فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء، ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث. وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم, وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم. وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى, كما قيل للذكر والأنثى « شاة » , وقيل للذكور والإناث من البقر: « بقر » , وليس كذلك في بني آدم.

فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟

قيل: قد قيل في ذلك، فيما: -

حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: « والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » ، قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو عاصم, عن سعيد, عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن- وذلك بعد انقضاء عددهن , ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة « فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف » ، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء - أولياء المرأة- فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن، من تطيب وتزين ونقله من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه « بالمعروف » ، يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن. .

وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة. وقيل إن معنى قوله: « بالمعروف » إنما هو النكاح الحلال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف » ، قال: الحلال الطيب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: « فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف » ، قال: المعروف النكاح الحلال الطيب.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال ابن جريج, قال مجاهد: قوله: « فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف » ، قال: هو النكاح الحلال الطيب.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هو النكاح.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: « فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف » ، قال: في نكاح من هويته، إذا كان معروفا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: « والله بما تعملون » ، أيها الأولياء، في أمر من أنتم وليه من نسائكم، من عضلهن وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف, ولغير ذلك من أموركم وأمورهم, « خبير » ، يعني ذو خبرة وعلم, لا يخفى عليه منه شيء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا جناح عليكم، أيها الرجال، فيما عرضتم به من خطبة النساء، للنساء المعتدات من وفاة أزواجهن في عددهن, ولم تصرحوا بعقد نكاح.

والتعريض الذي أبيح في ذلك, هو ما: -

حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: التعريض أن يقول: « إني أريد التزويج » , و « إني لأحب امرأة من أمرها وأمرها » , يعرض لها بالقول بالمعروف.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس: « لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: « إني أريد أن أتزوج » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد: عن ابن عباس قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة، قال مجاهد: قال رجل لامرأة في جنازة زوجها: لا تسبقيني بنفسك! قالت: قد سبقت!

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: في هذه الآية: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: التعريض، ما لم ينصب للخطبة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس: « فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: التعريض أن يقول للمرأة في عدتها: « إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله » , و « لوددت أني وجدت امرأة صالحة » , ولا ينصب لها ما دامت في عدتها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، يقول: يعرض لها في عدتها, يقول لها: « إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك, ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك » ، ونحو هذا من الكلام، فلا حرج.

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: هو أن يقول لها في عدتها: « إني أريد التزويج, ووددت أن الله رزقني امرأة » ، ونحو هذا, ولا ينصب للخطبة.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون , عن محمد, عن عبيدة في هذه الآية, قال: يذكرها إلى وليها، يقول: « لا تسبقني بها » .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: يقول: « إنك لجميلة, وإنك لنافقة, وإنك إلى خير » .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان , عن ليث, عن مجاهد أنه كره أن يقول: « لا تسبقيني بنفسك » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قل: هو قول الرجل للمرأة: « إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: يعرض للمرأة في عدتها فيقول: والله إنك لجميلة, وإن النساء لمن حاجتي, وإنك إلى خير إن شاء الله « . »

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير قال: هو قول الرجل: « إني أريد أن أتزوج, وإني إن تزوجت أحسنت إلى امرأتي » , هذا التعريض.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: يقول: « لأعطينك, لأحسنن إليك, لأفعلن بك كذا وكذا. »

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد قال، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم في قوله: « فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: قول الرجل للمرأة في عدتها يعرض بالخطبة: « والله إني فيك لراغب, وإني عليك لحريص » , ونحو هذا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم بن محمد يقول: « فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، هو قول الرجل للمرأة: « إنك لجميلة, وإنك لنافقة, وإنك إلى خير » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: كيف يقول الخاطب؟ قال: يعرض تعريضا، ولا يبوح بشيء. يقول: « إن لي حاجة، وأبشري, وأنت بحمد الله نافقة » , ولا يبوح بشيء. قال عطاء: وتقول هي: « قد أسمع ما تقول » ، ولا تعده شيئا, ولا تقول: « لعل ذاك » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن يحيى بن سعيد قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم يقول في المرأة يتوفى عنها زوجها, والرجل يريد خطبتها ويريد كلامها، ما الذي يجمل به من القول؟ قال يقول: « إني فيك لراغب, وإني عليك لحريص, وإني بك لمعجب » , وأشباه هذا من القول.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن حماد, عن إبراهيم في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة قال: كان إبراهيم لا يرى بأسا أن يهدي لها في العدة، إذا كانت من شأنه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال يقول: « إنك لنافقة, وإنك لمعجبة, وإنك لجميلة » وإن قضى الله شيئا كان « . »

حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: كان إبراهيم النخعي يقول: « إنك لمعجبة, وإني فيك لراغب » .

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، وأخبرني - يعني شبيبا- عن سعيد, عن شعبة, عن منصور, عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: لا تأخذ ميثاقها ألا تنكح غيرك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: كان أبي يقول: كل شيء كان، دون أن يعزما عقدة النكاح, فهو كما قال الله تعالى ذكره: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال حدثنا زيد جميعا, عن سفيان قوله: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، والتعريض فيما سمعنا أن يقول الرجل وهي في عدتها: « إنك لجميلة, إنك إلى خير, إنك لنافقة, إنك لتعجبيني » , ونحو هذا, فهذا التعريض.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الرحمن بن سليمان, عن خالته سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي, فقال: يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام. فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي, وأنت يؤخذ عنك! فقال: أو قد فعلت! إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي! قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة, فتوفي عنها, فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منـزلته من الله وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شده تحامله على يده, فما كانت تلك خطبة.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » ، قال: لا جناح على من عرض لهن بالخطبة قبل أن يحللن، إذا كنوا في أنفسهن من ذلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني مالك, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أييه أنه كان يقول في قول الله تعالى ذكره: « ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء » : أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدة من وفاة زوجها: « إنك علي لكريمة, وإني فيك لراغب, وإن الله سائق إليك خيرا ورزقا » , ونحو هذا من الكلام.

قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في معنى « الخطبة » .

فقال بعضهم: « الخطبة » الذكر, و « الخطبة » : التشهد.

وكأن قائل هذا القول، تأول الكلام: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن. وقد زعم صاحب هذا القول أنه قال: لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا , لأنه لما قال: « ولا جناح عليكم » , كأنه قال: اذكروهن, ولكن لا تواعدوهن سرا.

وقال آخرون منهم: « خطبه، خطبة وخطبا » . قال: وقول الله تعالى ذكره: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ [ سورة طه: 95 ] ، يقال إنه من هذا. قال: وأما « الخطبة » فهو المخطوب [ به ] ، من قولهم: « خطب على المنبر واختطب » .

قال أبو جعفر: « والخطبة » عندي هي « الفعلة » من قول القائل: « خطبت فلانة » ك « الجلسة » ، من قوله: « جلس » أو « القعدة » من قوله « قعد » .

ومعنى قولهم: « خطب فلان فلانة » ، سألها خطبه إليها في نفسها, وذلك حاجته, من قولهم: « ما خطبك » ؟ بمعنى: ما حاجتك، وما أمرك؟

وأما « التعريض » ، فهو ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع الفهم ما يفهم بصريحه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أو أكننتم في أنفسكم » ، أو أخفيتم في أنفسكم, فأسررتموه، من خطبتهن، وعزم نكاحهن وهن في عددهن, فلا جناح عليكم أيضا في ذلك، إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله.

يقال منه: « أكن فلان هذا الأمر في نفسه, فهو يكنه إكنانا » ، و « كنه » ، إذا ستره، « يكنه كنا وكنونا » , و « جلس في الكن » ولم يسمع « كننته في نفسي » ، وإنما يقال: « كننته في البيت أو في الأرض » ، إذا خبأته فيه, ومنه قوله تعالى ذكره: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ سورة الصافات: 49 ] ، أي مخبوء, ومنه قول الشاعر:

ثــلاث مــن ثــلاث قداميــات مــن اللائـي تكـن مـن الصقيـع

و « تكن » بالتاء، وهو أجود، و « يكن » . ويقال: « أكنته ثيابه من البرد » « وأكنه البيت من الريح » .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أو أكننتم في أنفسكم » ، قال: الإكنان: ذكر خطبتها في نفسه، لا يبديه لها. هذا كله حل معروف.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد مثله.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « أو أكننتم في أنفسكم » ، قال: أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم بن محمد يقول, فذكر نحوه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « أو أكننتم في أنفسكم » ، قال: جعلت في نفسك نكاحها وأضمرت ذلك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان: « أو أكننتم في أنفسكم » ، أن يسر في نفسه أن يتزوجها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف, عن الحسن في قوله: « أو أكننتم في أنفسكم » ، قال: أسررتم.

قال أبو جعفر: وفي إباحة الله تعالى ذكره ما أباح من التعريض بنكاح المعتدة لها في حال عدتها وحظره التصريح، ما أبان عن افتراق حكم التعريض في كل معاني الكلام وحكم التصريح، منه. وإذا كان ذلك كذلك، تبين أن التعريض بالقذف غير التصريح به, وأن الحد بالتعريض بالقذف لو كان واجبا وجوبه بالتصريح به، لوجب من الجناح بالتعريض بالخطبة في العدة، نظير الذي يجب بعزم عقدة النكاح فيها. وفي تفريق الله تعالى ذكره بين حكميها في ذلك، الدلالة الواضحة على افتراق أحكام ذلك في القذف.

 

القول في تأويل قوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: علم الله أنكم ستذكرون المعتدات في عددهن بالخطبة في أنفسكم وبألسنتكم، كما: -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: « علم الله أنكم ستذكرونهن » ، قال: الخطبة.

حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، قال: ذكرك إياها في نفسك. قال: فهو قول الله: « علم الله أنكم ستذكرونهن » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن في قوله: « علم الله أنكم ستذكرونهن » ، قال: هي الخطبة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « السر » الذي نهى الله تعالى عباده عن مواعدة المعتدات به.

فقال بعضهم: هو الزنا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا همام, عن صالح الدهان, عن جابر بن زيد: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: الزنا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن أبي مجلز قوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » قال: الزنا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سليمان التيمي, عن أبي مجلز مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن أبي مجلز: « ولكن لا تواعدوهن سرا » قال: الزنا قيل لسفيان التيمي: ذكره؟ قال: نعم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر, عن أبيه, عن رجل, عن الحسن في المواعدة مثل قولة أبي مجلز.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم, عن الحسن قال: الزنا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا أشعث وعمران, عن الحسن مثله.

حدثنا ابن بشار قال حدثنا، عبد الرحمن ويحيى قالا حدثنا سفيان, عن السدي قال: سمعت إبراهيم يقول: « لا تواعدوهن سرا » قال: الزنا.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن إبراهيم مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « لا تواعدوهن سرا » قال: الزنا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: « ولكن لا تواعدوهن سرا » قال: الزنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة, عن الحسن في قوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » قال: الفاحشة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك وحدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جويبر عن الضحاك: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: السر: الزنا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: فذلك السر: الريبة. كان الرجل يدخل من أجل الريبة وهو يعرض بالنكاح, فنهى الله عن ذلك إلا من قال معروفا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا منصور, عن الحسن وجويبر, عن الضحاك وسليمان التيمي, عن أبي مجلز أنهم قالوا: الزنا.

حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، للفحش والخضع من القول.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن الحسن: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: هو الفاحشة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك لا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « لا تواعدوهن سرا » ، يقول: لا تقل لها: « إني عاشق, وعاهديني أن لا تتزوجي غيري » , ونحو هذا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير في قوله: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: لا يقاضها على كذا وكذا أن لا تتزوج غيره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل, عن جابر، عن عامر. ومجاهد وعكرمة قالوا: لا يأخذ ميثاقها في عدتها، أن لا تتزوج غيره.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور قال: ذكر في عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن الشعبي: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: لا يأخذ ميثاقها في أن لا تتزوج غيره.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي قال: سمعته يقول في قوله: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك, ولا يوجب العقدة حتى تنقضي العدة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن الشعبي: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: لا يأخذ عليها ميثاقا أن لا تتزوج غيره.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ولكن لا تواعدهن سرا » ، يقول: « أمسكي علي نفسك, فأنا أتزوج » ويأخذ عليها عهدا « لا تنكحي غيري » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: هذا في الرجل يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تتزوج غيره, فنهى الله عن ذلك وقدم فيه، وأحل الخطبة والقول بالمعروف, ونهى عن الفاحشة والخضع من القول.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: إن تواعدها سرا على كذا وكذا، « على أن لا تنكحي غيري » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « لا تواعدوهن سرا » ، قال: موعدة السر أن يأخذ عليها عهدا وميثاقا أن تحبس نفسها عليه, ولا تنكح غيره.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يقول لها الرجل: « لا تسبقيني بنفسك » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: قول الرجل للمرأة: « لا تفوتيني بنفسك, فإني ناكحك » ، هذا لا يحل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد قال: هو قول الرجل للمرأة: « لا تفوتيني » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، قال: المواعدة أن يقول: « لا تفوتيني بنفسك » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، أن يقول: « لا تفوتيني بنفسك » .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تنكحوهن في عدتهن سرا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » يقول: لا تنكحوهن سرا, ثم تمسكها، حتى إذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولكن تواعدوهن سرا » ، قال: كان أبي يقول: لا تواعدوهن سرا, ثم تمسكها, وقد ملكت عقدة نكاحها, فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك, تأويل من قال: « السر » ، في هذا الموضع، الزنا. وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة « سرا » , لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه, فيسمى لخفائه « سرا » ، من ذلك قوله رؤبة بن العجاج:

فعـف عـن أسـرارها بعـد العسـق ولــم يضعهـا بيـن فـرك وعشـق

يعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك، ومنه قول الحطيئة:

ويحــرم ســر جــارتهم عليهـم ويــأكل جــارهم أنـف القصـاع

وكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه: « سرا » . ويقال: « هو في سر قومه » , يعني: في خيارهم وشرفهم.

فلما كان « السر » إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة, وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » ، وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو « السر » الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعد بين المتواعدين، « والسر » الذي بمعنى الغشيان والجماع.

فلما لم يبق غيرهما, وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به، صح أن الآخر هو المعني به.

فإن قال [ قائل ] : فما الدلالة على أن مواعدة القول سرا، غير معني به على ما قال من قال إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق المرأة أن لا تنكح غيره, أو على ما قال من قال: قول الرجل لها: « لا تسبقيني بنفسك » ؟

قيل: لأن « السر » إذا كان بالمعنى الذي تأوله قائلو ذلك, فلن يخلو ذلك « السر » من أن يكون هو مواعدة الرجل المرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تجيبه إليه، بعد انقضاء عدتها، وبعد عقده له، دون الناس غيره. فإن كان « السر » الذي نهى الله الرجل أن يواعد المعتدات، هو أخذ العهد عليهن أن لا ينكحن غيره, فقد بطل أن يكون « السر » معناه: ما أخفى من الأمور في النفوس, أو نطق به فلم يطلع عليه, وصارت العلانية من الأمر سرا. وذلك خلاف المعقول في لغة من نـزل القرآن بلسانه.

إلا أن يقول قائل هذه المقالة: إنما نهى الله الرجال عن مواعدتهن ذلك سرا بينهم وبينهن, لا أن نفس الكلام بذلك - وإن كان قد أعلن- سر.

فيقال له إن قال ذلك: فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والخطبة صريحا علانية, إذ كان المنهي عنه من المواعدة، إنما هو ما كان منها سرا.

فإن قال: إن ذلك كذلك، خرج من قول جميع الأمة. على أن ذلك ليس من قيل أحد ممن تأول الآية أن « السر » ها هنا بمعنى المعاهدة أن لا تنكح غير المعاهد.

وإن قال: ذلك غير جائز.

قيل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلى المرأة بالمواعدة. لأن معنى ذلك، لو كان كذلك، لم يحرم عليه مواعدتها مجاهرة وعلانية. وفي كون ذلك عليه محرما سرا وعلانية، ما أبان أن معنى « السر » في هذا الموضع، غير معنى إسرار الرجل إلى المرأة بالمعاهدة أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها أو يكون، إذا بطل هذا الوجه، معنى ذلك: الخطبة والنكاح الذي وعدت المرأة الرجل أن لا تعدوه إلى غيره. فذلك إذا كان, فإنما يكون بولي وشهود علانية غير سر. وكيف يجوز أن يسمى سرا، وهو علانية لا يجوز إسراره؟

وفي بطول هذه الأوجه أن يكون تأويلا لقوله: « ولكن لا تواعدوهن سرا » بما عليه دللنا من الأدلة، وضوح صحة تأويل ذلك أنه بمعنى الغشيان والجماع.

وإذ كان ذلك صحيحا, فتأويل الآية: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما عرضتم به للمعتدات من وفاة أزوجهن، من خطبة النساء، وذلك حاجتكم إليهن, فلم تصرحوا لهن بالنكاح والحاجة إليهن، إذا أكننتم في أنفسكم, فأسررتم حاجتكم إليهن وخطبتكم إياهن في أنفسكم، ما دمن في عددهن؛ علم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن في عددهن، فأباح لكم التعريض بذلك لهن, وأسقط الحرج عما أضمرته نفوسكم - حكم منه ولكن حرم عليكم أن تواعدوهن جماعا في عددهن, بأن يقول أحدكم لإحداهن في عدتها: « قد تزوجتك في نفسي, وإنما أنتظر انقضاء عدتك » , فيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الجماع والمباضعة, فحرم الله تعالى ذكره ذلك.

 

القول في تأويل قوله : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا

قال أبو جعفر: ثم قال تعالى ذكره: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، فاستثنى القول المعروف مما نهى عنه, من مواعدة الرجل المرأة السر, وهو من غير جنسه، ولكنه من الاستثناء الذي قد ذكرت قبل: أن يأتي بمعنى خلاف الذي قبله في الصفة خاصة, وتكون « إلا » فيه بمعنى « لكن » ، فقوله: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » منه- ومعناه: ولكن قولوا قولا معروفا. فأباح الله تعالى ذكره أن يقول لها المعروف من القول في عدتها، وذلك هو ما أذن له بقوله: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، كما: -

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال: يقول: إني فيك لراغب, وإني لأرجو أن نجتمع.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال: هو قوله: « إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال: يعني التعريض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال: يعني التعريض.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ إلى حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، قال: هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: « والله إنكم لأكفاء كرام, وإنكم لرغبة، وإنك لتعجبيني, وإن يقدر شيء يكن » . فهذا القول المعروف.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثني علي قال، حدثنا زيد- قالا جميعا، قال سفيان: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال يقول: « إني فيك لراغب, وإني أرجو إن شاء الله أن نجتمع » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال يقول: « إن لك عندي كذا, ولك عندي كذا, وأنا معطيك كذا وكذا » . قال: هذا كله وما كان قبل أن يعقد عقدة النكاح, فهذا كله نسخه قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك: « إلا أن تقولوا قولا معروفا » ، قال: المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها, فيأتيها الرجل فيقول: « احبسي علي نفسك, فإن لي بك رغبة, فتقول: » وأنا مثل ذلك « ، فتتوق نفسه لها. فذلك القول المعروف. »

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولا تعزموا عقدة النكاح » ، ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة, فتوجبوها بينكم وبينهن, وتعقدوها قبل انقضاء العدة « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، يعني: يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فجعل بلوغ الأجل للكتاب، والمعنى للمتناكحين، أن لا ينكح الرجل المرأة المعتدة، فيعزم عقدة النكاح عليها حتى تنقضي عدتها, فيبلغ الأجل الذي أجله الله في كتابه لانقضائها، كما: -

حدثنا محمد بن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, وحدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن ليث, عن مجاهد: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: حتى تنقضي العدة.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: حتى تنقضي العدة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: تنقضي العدة.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: « ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: حتى تنقضي العدة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك قوله: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق, عن الشعبي في قوله: « ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: مخافة أن تتزوج المرأة قبل انقضاء العدة.

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله » ، حتى تنقضي العدة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران وحدثني علي قال، حدثنا زيد جميعا, عن سفيان قوله: « حتى يبلغ الكتاب أجله » ، قال: حتى تنقضي العدة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 235 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واعلموا، أيها الناس، أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن ونكاحهن وغير ذلك من أموركم، فاحذروه. يقول: فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئا مما نهاكم عنه، من عزم عقدة نكاحهن، أو مواعدتهن السر في عددهن, وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال ما هن معتدات, وفي غير ذلك « واعلموا أن الله غفور » ، يعني أنه ذو ستر لذنوب عباده وتغطية عليها، فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات، وذكرهم إياهن في حال عددهن, وفي غير ذلك من خطاياهم وقوله: « حليم » ، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم.

 

القول في تأويل قوله : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « لا جناح عليكم » ، لا حرج عليكم إن طلقتم النساء.

يقول: لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم، « ما لم تماسوهن » ، يعني بذلك: ما لم تجامعوهن.

« والمماسة » ، في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع، كما: -

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قالا جميعا، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: المس الجماع, ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: المس: النكاح.

قال أبو جعفر: وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والبصرة: « ما لم تمسوهن » ، بفتح « التاء » من « تمسوهن » , بغير « ألف » ، من قولك: مسسته أمسه مسا ومسيسا ومسيسى « مقصور مشدد غير مجرى. وكأنهم اختاروا قراءة ذلك، إلحاقا منهم له بالقراءة المجتمع عليها في قوله: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [ سورة آل عمران: 47، سورة مريم: 20 ] . »

وقرأ ذلك آخرون: « ما لم تماسوهن » ، بضم « التاء والألف » بعد « الميم » ، إلحاقا منهم ذلك بالقراءة المجمع عليها في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ سورة المجادلة: 3 ] ، وجعلوا ذلك بمعنى فعل كل واحد من الرجل والمرأة بصاحبه من قولك: « ماسست الشيء أماسه مماسة ومساسا. »

قال أبو جعفر: والذي نرى في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متفقتا التأويل, وإن كان في إحداهما زيادة معنى، غير موجبة اختلافا في الحكم والمفهوم.

وذلك أنه لا يجهل ذو فهم إذا قيل له: « مسست زوجتي » ، أن الممسوسة قد لاقى من بدنها بدن الماس، ما لاقاه مثله من بدن الماس. فكل واحد منهما وإن أفرد الخبر عنه بأنه الذي ماس صاحبه معقول بذلك الخبر نفسه أن صاحبه المسوس قد ماسه. فلا وجه للحكم لإحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما, وكثرة القرأة بكل واحدة منهما بأنها أولى بالصواب من الأخرى, بل الواجب أن يكون القارئ، بأيتهما قرأ، مصيب الحق في قراءته.

قال أبو جعفر: وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: « لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن » ، المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق. وإنما قلنا أن ذلك كذلك, لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين: إما مسمى لها الصداق, أو غير مسمى لها ذلك. فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره، أن المعنية بقوله: « لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن » ، إنما هي المسمى لها. لأن المعنية بذلك، لو كانت غير المفروض لها الصداق، لما كان لقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، معنى معقول. إذ كان لا معنى لقول قائل: « لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه، أو ما لم تفرضوا لهن فريضة » . فإذا كان لا معنى لذلك, فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق قبل أن تماسوهن, وغير المفروض لهن قبل الفرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أو تفرضوا لهن » ، أو توجبوا لهن. وبقوله: « فريضة » ، صداقا واجبا. كما: -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « أو تفرضوا لهن فريضة » ، قال: الفريضة: الصداق.

وأصل « الفرض » : الواجب, كما قال الشاعر:

كــانت فريضــة مـا أتيـت كمـا كــان الزنــاء فريضــة الرجـم

يعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا. ولذلك قيل: « فرض السلطان لفلان ألفين » , يعني بذلك: أوجب له ذلك، ورزقه من الديوان.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ومتعوهن » ، وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم، على أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار.

ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ ما أمر الله به الرجال من ذلك.

فقال بعضهم: أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, ودونه الكسوة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, ودون ذلك الكسوة.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل بن أمية, عن عكرمة, عن ابن عباس بنحوه.

حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن داود, عن الشعبي قوله: « ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره » ، قلت له: ما أوسط متعة المطلقة؟ قال: خمارها ودرعها وجلبابها وملحفتها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين » ، فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها, فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره ويسره. فإن كان موسرا متعها بخادم أو