الجزء العشرون
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ لا
يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى
رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ( 21
)
يقول
تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا, ولا يَخْشَون عقابنا, هلا
أنـزل الله علينا ملائكة, فتخبرَنا أن محمدًا محقّ فيما يقول, وأن ما جاءنا به
صدق, أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك, كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: وَقَالُوا لَنْ
نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ثم قال بعد: أَوْ
تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا يقول الله: لقد استكبر قائلو هذه
المقالة في أنفسهم، ونعظموا، (
وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) يقول:
وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدّه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج، قال: قال كفار قريش: ( لَوْلا أُنـزلَ عَلَيْنَا
الْمَلائِكَةُ )
فيخبرونا أن محمدا رسول الله (
لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا ) لأن « عتا » من ذوات الواو, فأخرج مصدره
على الأصل بالواو، وقيل في سورة مريم وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
وإنما قيل ذلك كذلك لموافقة المصادر في هذا الوجه جمع الأسماء كقولهم: قعد قعودا,
وهم قوم قعود, فلما كان ذلك كذلك, وكان العاتي يجمع عتيا بناء على الواحد, جعل
مصدره أحيانا موافقا لجمعه, وأحيانا مردودا إلى أصله.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ
الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ( 22 )
يقول
تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
أَوْ نَرَى رَبَّنَا بتصديق محمد الملائكة, فلا بشرى لهم يومئذ بخير ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) يعني
أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا, حراما محرّما عليكم اليوم البشرى أن
تكون لكم من الله; ومن الحجر قول المتلمس:
حَـنَّتْ
إلـى نَخْلَـةَ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا حِجْــرٌ حَـرَامٌ ألا تِلْـكَ
الدَّهـاريسُ
ومنه
قولهم: حجر القاضي على فلان, وحجر فلان على أهله; ومنه حجر الكعبة, لأنه لا يدخل
إليه في الطواف, وإنما يطاف من ورائه; ومنه قول الآخر.
فَهَمَمْــتُ
أنْ أَلْقَــى إلَيْهـا مَحْجَـرًا فَلَمِثْلُهَــا يُلْقَــى إلَيْــهِ
المَحْجَــرُ
أي مثلها
يُركب منه المُحْرَمُ.
واختلف
أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله: ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) ومن قائلوه؟ فقال بعضهم:
قائلو ذلك الملائكة للمجرمين نحو الذي قلنا فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأجلح, قال: سمعت الضحاك بن
مزاحم, وسأله رجل عن قول الله (
وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
تقول الملائكة: حراما محرما أن تكون لكم البُشرى.
حدثني
عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, عن الحسن, عن قتادة ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) قال:
هي كلمة كانت العرب تقولها, كان الرجل إذا نـزل به شدّة قال: حجرا, يقول: حراما
محرّما.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ
لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) لما جاءت زلازل الساعة, فكان من زلازلها أن السماء انشقت
فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا على شفة كل شيء
تشقَّق من السماء, فذلك قوله: (
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
وَيَقُولُونَ ) : يعني
الملائكة تقول للمجرمين حراما محرمًا أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين
رأيتمونا.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) قال:
يوم القيامة (
وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
عوذا معاذا.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله,
وزاد فيه: الملائكة تقوله.
وقال
آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( يَوْمَ يَرَوْنَ
الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا
مَحْجُورًا ) قال
ابن جُرَيج: كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا حجرا, فقالوا حين عاينوا الملائكة.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: (
حِجْرًا ) عوذا,
يستعيذون من الملائكة.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحِجْر هو الحرام,
فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البُشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة
فإنها الاستجارة, وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم,
فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ( 23 ) أَصْحَابُ
الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ( 24 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَدِمْنَا ) وعمدنا
إلى ما عمل هؤلاء المجرمون ( مِنْ
عَمَلٍ ) ; ومنه
قول الراجز:
وَقَـــدِمَ
الخَـــوَارِجُ الضُّــلالُ إلَـــى عِبــادِ رَبِّهِــمْ وَقــالُوا
إنَّ
دِمَاءَكُم لَنا حَلالُ
يعني
بقوله: قدم: عمد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَقَدِمْنَا ) قال: عَمَدنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله وقوله: ( فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً
مَنْثُورًا ) يقول:
فجعلناه باطلا لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان.
والهباء:
هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوّة يحسبه الناظر غبارًا ليس بشيء
تقبض عليه الأيدي ولا تمسه, ولا يرى ذلك في الظل.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن عكرمة أنه قال في هذه
الآية (
هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال:
الغبار الذي يكون في الشمس.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: الشعاع في كوّة أحدهم إن
ذهب يقبض عليه لم يستطع.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: شعاع الشمس من الكوّة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: ما رأيت شيئا يدخل البيت
من الشمس تدخله من الكوّة, فهو الهباء.
وقال
آخرون: بل هو ما تسفيه الرياح من التراب, وتذروه من حطام الأشجار, ونحو ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال:
ما تسفي الريح تَبُثُّهُ.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: هو ما تذرو الريح من
حطام هذا الشجر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) قال: الهباء: الغبار.
وقال
آخرون: هو الماء المهراق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( هَبَاءً مَنْثُورًا ) يقال: الماء المهراق.
وقوله
جلّ ثناؤه: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) يقول تعالى ذكره: أهل الجنة
يوم القيامة خير مستقرّا, وهو الموضع الذي يستقرّون فيه من منازلهم في الجنة من
مستقرّ هؤلاء المشركين الذين يفتخرون بأموالهم, وما أوتوا من عرض هذه الدنيا في
الدنيا, وأحسن منهم فيها مقيلا.
فإن قال
قائل: وهل في الجنة قائلة؟ فيقال: ( وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) فيها؟ قيل: معنى ذلك: وأحسن فيها قرارا في أوقات قائلتهم في
الدنيا, وذلك أنه ذكر أن أهل الجنة لا يمرّ فيهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار
من أوّله إلى وقت القائلة, حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة, فذلك معنى قوله: ( وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
* ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) يقول: قالوا في الغرف في
الجنة, وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة, وذلك الحساب اليسير, وهو مثل
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا .
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن إبراهيم, في قوله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: كانوا يرون أنه يفرغ من
حساب الناس يوم القيامة في نصف النهار, فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: لم ينتصف النهار حتى
يقضي الله بينهم, فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. قال: وفي قراءة
ابن مسعود: ( ثُمَّ
إِنَّ مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحيم ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) قال: قال ابن عباس: كان
الحساب من ذلك في أوّله, وقال القوم حين قالوا في منازلهم من الجنة, وقرأ ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن سعيدًا الصوّاف حدثه
أنه بلغه أن يوم القيامة يقضي على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب
الشمس, وأنهم يقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس, فذلك قول الله: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) .
قال أبو
جعفر: وإنما قلنا: معنى ذلك: خير مستقرا في الجنة منهم في الدنيا, لأن الله تعالى
ذكره عَمَّ بقوله: (
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) جميع أحوال الجنة في الآخرة
أنها خير في الاستقرار فيها, والقائلة من جميع أحوال أهل النار, ولم يخُصّ بذلك
أنه خير من أحوالهم في النار دون الدنيا, ولا في الدنيا دون الآخرة, فالواجب أن
يعمَّ كما عمّ ربنا جلّ ثناؤه, فيقال: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرًّا في
الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة, وأحسن منهم مقيلا وإذا كان ذلك معناه, صحّ
فساد قول من توهم أن تفضيل أهل الجنة بقول الله: ( خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) على غير الوجه المعروف من كلام الناس بينهم في قولهم: هذا
خير من هذا, وهذا أحسن من هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا ( 25 ) الْمُلْكُ
يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (
26 )
اختلف
القرّاء في قراءة قوله (
تَشَقَّقُ ) فقرأته
عامَّة قرّاء الحجاز (
وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ ) بتشديد
الشين بمعنى: تَتَشقق, فأدغموا إحدى التاءين في الشين فشدّدوها, كما قال: ( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى
الْمَلإِ الأَعْلَى )
وقرأ ذلك
عامة قرّاء أهل الكوفة: (
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ) بتخفيف
الشين والاجتزاء بإحدى التاءين من الأخرى.
والقول
في ذلك عندي: أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ
فمصيب. وتأويل الكلام: ويوم تُشقق السماء عن الغمام. وقيل: إن ذلك غمام أبيض مثل
الغمام الذي ظلل على بني إسرائيل, وجعلت الباء, في قوله: ( بِالْغَمَامِ ) مكان « عن » كما تقول: رميت عن القوس
وبالقوس وعلى القوس, بمعنى واحد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ) قال:
هو الذي قال: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ الذي يأتي الله فيه يوم القيامة, ولم يكن
في تلك قطّ إلا لبني إسرائيل. قال ابن جُرَيج: الغمام الذي يأتي الله فيه غمام
زعموا في الجنة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا معتمر بن سليمان, عن عبد الجليل, عن أبي حازم, عن عبد الله بن
عمرو قال: يهبط الله حين يهبط, وبينه وبين خلقه سبعون حجابا, منها النور والظلمة
والماء, فيصوّت الماء صوتا تنخلع له القلوب.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة في قوله: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ يقول: والملائكة حوله.
قال: ثني
حجاج, عن مبارك بن فضالة, عن عليّ بن زيد بن جُدعان, عن يوسف بن مهران, أنه سمع
ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نـزل منها من الملائكة أكثر من الجنّ
والإنس, وهو يوم التلاق, يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض, فيقول أهل الأرض: جاء
ربنا, فيقولون: لم يجيء وهو آت, ثم تَتَشقق السماء الثانية, ثم سماء سماء على قدر
ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة, فينـزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نـزل
من السماوات ومن الجنّ والإنس. قال: فتنـزل الملائكة الكُروبيون, ثم يأتي ربنا
تبارك وتعالى في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة,
وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة, قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه, وكلّ
ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول: سبحان الملك القدوس, وعلى رءوسهم شيء مبسوط
كأنه القباء, والعرش فوق ذلك, ثم وقف.
قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن هارون بن وثاب, عن شهر بن حوشب, قال: حملة
العرش ثمانية, فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمّ وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد
علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهمّ وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش
يهبط عليهم فوقهم شخصت إليه أبصارهم, ورجفت كُلاهم في أجوافهم, قال: وطارت قلوبهم
من مقرّها في صدورهم إلى حناجرهم.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنـزلَ الْمَلائِكَةُ تَنـزيلا ) يعني يوم القيامة حين تشقق
السماء بالغمام, وتنـزل الملائكة تنـزيلا.
وقوله: ( وَنـزلَ الْمَلائِكَةُ
تَنـزيلا ) يقول:
ونـزل الملائكة إلى الأرض تنـزيلا ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ) يقول: الملك الحقّ يومئذ خالص
للرحمن دون كلّ من سواه, وبطلت الممالك يومئذ سوى ملكه. وقد كان في الدنيا ملوك,
فبطل الملك يومئذ سوى ملك الجبار ( وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) يقول: وكان يومُ تشقُّق
السماء بالغمام يوما على أهل الكفر بالله عسيرا, يعني صعبا شديدا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ( 27 )
يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا (
29 )
يقول تعالى
ذكره: ويوم يعضّ الظالم نفسه المشرك بربه على يديه ندما وأسفًا على ما فرط في جنب
الله، وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صدّه عن سبيل ربه, يقول: يا ليتني
اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلا يعني طريقا إلى النجاة من عذاب الله ، وقوله ( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي
لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .
اختلف
أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (
الظَّالِمُ )
وبقوله: (
فُلانًا ) فقال
بعضهم: عني بالظالم: عقبة بن أبي معيط, لأنه ارتدّ بعد إسلامه, طلبا منه لرضا
أُبيّ بن خلف, وقالوا: فلان هو أُبيّ.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن
عباس قال: كان أُبيّ بن خلف يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي
معيط, فنـزل: (
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) ...
إلى قوله (
خَذُولا ) قال: ( الظَّالِمُ ) : عقبة, وفلانا خليلا أُبيّ
بن خلف.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة، عن الشعبيّ في قوله: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلانًا خَلِيلا ) قال:
كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف, فأسلم عقبة, فقال أمية: وجهي من وجهك
حرام إن تابعت محمدا فكفر; وهو الذي قال: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة وعثمان الجزري, عن مقسم
في قوله: (
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) قال:
اجتمع عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف, وكانا خليلين, فقال أحدهما لصاحبه: بلغني
أنك أتيت محمدا فاستمعت منه, والله لا أرضى عنك حتى تتفل في وجهه وتكذّبه, فلم
يسلطه الله على ذلك, فقتل عقبة يوم بدر صبرا . وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبيّ صلى
الله عليه وسلم بيده يوم أُحد في القتال, وهما اللذان أنـزل الله فيهما: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) .
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن ابن عباس, ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ ) ...
إلى قوله: (
فُلانًا خَلِيلا ) قال:
هو أُبيّ بن خلف, كان يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي معيط.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ ) قال:
عقبة بن أبي معيط دعا مجلسا فيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لطعام, فأبى النبيّ
صلى الله عليه وسلم أن يأكل, وقال: « ولا آكُل حتى تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ, وأنَّ
مُحمَّدًا رسُولُ الله » , فقال:
ما أنت بآكل حتى أشهد؟ قال: « نعم » , قال: أشهد أن لا إله إلا
الله وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله. فلقيه أمية بن خلف فقال: صبوت؟ فقال: إن أخاك
على ما تعلم, ولكني صنعت طعاما فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك, فقلته, وليس من نفسي.
وقال
آخرون: عنى بفلان: الشيطان.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فُلانًا خَلِيلا ) قال: الشيطان.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله. وقوله: ( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ
الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ) يقول
جلّ ثناؤه مخبرا عن هذا النادم على ما سلف منه في الدنيا, من معصية ربه في طاعة
خليله: لقد أضلني عن الإيمان بالقرآن, وهو الذكر, بعد إذ جاءني من عند الله,
فصدّني عنه، يقول الله: (
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا ) يقول: مسلما لما ينـزل به من البلاء غير منقذه ولا منجيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( 30 ) وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ
هَادِيًا وَنَصِيرًا ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: وقال الرسول يوم يعضّ الظالم على يديه: يا ربّ إن قومي الذين بعثتني
إليهم لأدعوهم إلى توحيدك اتخذوا هذا القرآن مهجورا.
واختلف
أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجورا, فقال بعضهم: كان اتخاذهم ذلك هجرا,
قولهم فيه السييء من القول, وزعمهم أنه سحر, وأنه شعر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ
مَهْجُورًا ) قال:
يهجُرون فيه بالقول, يقولون: هو سحر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَقَالَ الرَّسُولُ ) ... الآية: يهجرون فيه
بالقول. قال مجاهد: وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ قال:
مستكبرين بالبلد سامرا مجالس تهجرون, قال: بالقول السييء في القرآن غير الحقّ.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال, ثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, في قول الله: ( إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا
هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) قال:
قالوا فيه غير الحقّ، ألم تر إلى المريض إذا هذي قال غير الحق.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا
له.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ
إِنَّ َ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) لا يريدون أن يسمعوه, وإن
دعوا إلى الله قالوا لا. وقرأ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قال:
ينهون عنه, ويبعدون عنه.
قال أبو
جعفر: وهذا القول أولى بتأويل ذلك, وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ , وذلك هجرهم إياه.
وقوله: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وكما جعلنا
لك يا محمد أعداء من مشركي قومك, كذلك جعلنا لكل من نبأناه من قبلك عدوّا من مشركي
قومه, فلم تخصص بذلك من بينهم. يقول: فاصبر لما نالك منهم كما صبر من قبلك أولو
العزم من رسلنا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن عباس: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) قال: يوطن محمدا صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدوّا من
المجرمين كما جعل لمن قبله.
وقوله: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا ) يقول
تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديا يهديك إلى الحقّ, ويبصرك الرشد,
ونصيرا: يقول: ناصرا لك على أعدائك, يقول: فلا يهولنك أعداؤك من المشركين, فإني
ناصرك عليهم, فاصبر لأمري, وامض لتبليغ رسالتي إليهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ( 32 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله
(
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ) يقول: هلا نـزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن ( جُمْلَةً وَاحِدَةً ) كما أنـزلت التوراة على موسى
جملة واحدة؟ قال الله: (
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) تنـزيله عليك الآية بعد الآية, والشيء بعد الشيء, لنثبت به
فؤادك نـزلناه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان الله ينـزل عليه الآية, فإذا علمها نبيّ الله
نـزلت آية أخرى ليعلمه الكتاب عن ظهر قلب, ويثبت به فؤاده.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) كما أنـزلت التوراة على موسى,
قال: (
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) قال: كان القرآن ينـزل عليه جوابا لقولهم: ليعلم محمد أن
الله يجيب القوم بما يقولون بالحقّ, ويعني بقوله: ( لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) لنصحح به عزيمة قلبك ويقين
نفسك, ونشجعك به.
وقوله ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) يقول: وشيئا بعد شيء علمناكه
حتى تحفظنه، والترتيل في القراءة: الترسل والتثبت.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: نـزل متفرّقا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان ينـزل آية وآيتين
وآيات جوابا لهم إذا سألوا عن شيء أنـزله الله جوابا لهم, وردّا عن النبيّ فيما
يتكلمون به. وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: كان بين ما أنـزل القرآن
إلى آخره أنـزل عليه لأربعين, ومات النبيّ صلى الله عليه وسلم لثنتين أو لثلاث
وستين.
وقال
آخرون: معنى الترتيل: التبيين والتفسير.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال: فسرناه تفسيرا, وقرأ:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ
عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا (
34 )
يقول
تعالى ذكره: ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه إلا جئناك من الحق,
بما نبطل به ما جاءوا به, وأحسن منه تفسيرًا.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ) قال:
الكتاب بما تردّ به ما جاءوا به من الأمثال التي جاءوا بها وأحسن تفسيرا.
وعنى
بقوله (
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) وأحسن
مما جاءوا به من المثل بيانا وتفصيلا.
وبنحو الذي
قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن ابن عباس قوله:
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) يقول: أحسن تفصيلا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
قال: بيانا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا يقول: تفصيلا.
وقوله: ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى
وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شرٌّ مَكَانًا يقول تعالى ذكره لنبيه:
هؤلاء المشركون يا محمد, القائلون لك لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً
وَاحِدَةً ومن كان على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله, الذين يحشرون يوم القيامة
على وجوههم إلى جهنم, فيساقون إلى جهنم شرّ مستقرّا في الدنيا والآخرة من أهل
الجنة في الجنة, وأضل منهم في الدنيا طريقا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( الَّذِينَ
يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ) قال: الذي أمشاهم على أرجلهم
قادر على أن يمشيهم على وجوههم ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ) من أهل الجنة (
وَأَضَلُّ سَبِيلا ) قال: طريقا.
حدثني
محمد بن يحيى الأزدي, قال: ثنا الحسين بن محمد, قال: ثنا شيبان, عن قتادة, قوله: (
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ) قال: حدثنا أنس بن مالك
أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: « الَّذِي أَمْشَاهُ عَلى
رِجْلَيْهِ قادرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ » .
حدثنا
أبو سفيان الغنوي يزيد بن عمرو, قال: ثنا خلاد بن يحيى الكوفي, قال: ثنا سفيان
الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, قال: أخبرني من سمع أنس بن مالك يقول: جاء رجل
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: كيف يحشرهم على وجوههم؟ قال: « الَّذِي يَحْشُرُهُمْ عَلى
أرْجُلِهِمْ قادِرٌ بأنْ يَحْشُرُهُمْ عَلى وُجُوههمْ » .
حدثنا
عبيد بن محمد الورّاق, قال: ثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد,
عن أبي داود, عن أنس بن مالك, قال: « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يُحشر أهل النار على
وجوههم؟ فقال: إنَّ الَّذِي أمْشاهُمْ عَلى أقْدامِهِمْ قَادِرٌ عَلى أنْ
يُمْشِيَهُمْ عَلى وُجُوهِهِمْ » .
حدثني
أحمد بن المقدام قال: ثنا حزم, قال: سمعت الحسن يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الآية ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ )
فقالوا: يا نبي الله، كيف يمشون على وجوههم؟ « قال : أرأيْتَ الَّذِي أمْشاهُمْ عَلى أقْدَامِهِمْ ألَيْس
قَادِرًا أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلى وُجُوهِهم » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا منصور بن زاذان, عن علي بن
زيد بن جدعان, عن أبي خالد, عن أبي هريرة, قال: « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدوابّ,
وصنف على أقدامهم, وصنف على وجوههم, فقيل: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي
أمشاهم على أقدامهم, قادر أن يمشيهم على وجوههم. »
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ
وَزِيرًا ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ( 36 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يتوعد مشركي قومه على كفرهم بالله,
وتكذيبهم رسوله ويخوّفهم من حلول نقمته بهم, نظير الذي يحلّ بمن كان قبلهم من
الأمم المكذّبة رسلها ( وَلَقَدْ آتَيْنَا ) يا محمد ( مُوسَى الْكِتَابَ ) يعني
التوراة, كالذي آتيناك من الفرقان وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا
يعني معينا وظهيرا ( فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا ) يقول: فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بإعلامنا وأدلتنا,
فدمرناهم تدميرا. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر من ذكره وهو: فذهبا
فكذبوهما فدمرناهم حينئذ.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ
لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: وقوم نوح لما كذبوا رسلنا, وردّوا عليهم ما جاءوهم به من الحقّ,
أغرقناهم بالطوفان ( وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) يقول: وجعلنا تغريقنا
إياهم وإهلاكنا عظة وعبرة للناس يعتبرون بها ( وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا
أَلِيمًا ) يقول: وأعددنا لهم من الكافرين بالله في الآخرة عذابا أليما, سوى الذي
حلّ بهم من عاجل العذاب في الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ( 38
) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: ودمرنا أيضا عادا وثمود وأصحاب الرسّ.
واختلف
أهل التأويل في أصحاب الرسّ, فقال بعضهم: أصحاب الرسّ من ثمود.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: (
وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: قرية من ثمود.
وقال
آخرون: بل هي قرية من اليمامة يقال لها الفلْج .
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن وهب, قال: ثنا جرير بن حازم, قال: قال قتادة:
الرسّ: قرية من اليمامة يقال لها الفلج.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال عكرمة: أصحاب
الرسّ بفلج هم أصحاب يس.
وقال
آخرون: هم قوم رسوا نبيهم في بئر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي بكر, عن عكرمة, قال: كان
الرسّ بئرا رسُّوا فيها نبيهم.
وقال
آخرون: هي بئر كانت تسمى الرسّ.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس (
وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: هي بئر كانت تسمى الرّسّ.
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى عن
مجاهد في قوله: ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قال: الرّسّ بئر كان عليها قوم.
قال
أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, قول من قال: هم قوم كانوا على بئر, وذلك أن
الرّسّ في كلام العرب: كلّ محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك; ومنه قول الشاعر:
سَـــبَقْتَ
إلــى فَــرطٍ بــاهِلٍ تنابِلَـــةٍ يَحْـــفِرُونَ الرِّساســا
يريد
أنهم يحفِرون المعادن, ولا أعلم قوما كانت لهم قصة بسبب حفرة, ذكرهم الله في كتابه
إلا أصحاب الأخدود, فإن يكونوا هم المعنيين بقوله: وَأَصْحَابَ الرَّسِّ فإنا
سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج, وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف
لهم خبرا, إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رَسوا نبيهم في حفرة.
إلا ما
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ
أَوَّلَ النَّاسِ يَدخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ الْعَبْدُ الأسْوَدُ » . وذلك أن الله تبارك وتعالى
بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن مِنْ أهلها أحد إلا ذلك الأسود, ثم إن أهل القرية
عدوا على النبيّ عليه السلام, فحفروا له بئرا فألقوه فيها, ثم أطبقوا عليه بحجر
ضخم, قال: وكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره, ثم يأتي بحطبه فيبيعه, فيشتري به
طعاما وشرابا, ثم يأتي به إلى ذلك البئر, فيرفع تلك الصخرة, فيعينه الله عليها,
فيدلي إليه طعامه وشرابه, ثم يعيدها كما كانت, قال: فكان كذلك ما شاء الله أن
يكون. ثم إنه ذهب يوما يحتطب, كما كان يصنع, فجمع حطبه, وحزم حزمته وفرغ منها;
فلما أراد أن يحتملها وجد سِنة, فاضطجع فنام, فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما.
ثم إنه هبّ فتمطى, فتحوّل لشقة الآخر, فاضطجع, فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى.
ثم إنه هبّ فاحتمل حزمته, ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار, فجاء إلى القرية
فباع حزمته, ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي
كانت فيه فالتمسه فلم يجده, وقد كان بدا لقومه فيه بداء, فاستخرجوه وآمنوا به
وصدّقوه, قال: فكان النبي عليه السلام يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون: ما
ندري, حتى قبض الله النبيّ, فأهبّ الله الأسود من نومته بعد ذلك, فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ
ذَلكَ الأسْودَ لأوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ » غير أن هؤلاء في هذا الخبر يذكر محمد بن كعب عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم أنهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته, فلا ينبغي أن يكونوا
المعنيين بقوله: ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) لأن الله أخبر عن أصحاب الرّسّ أنه
دمرهم تدميرا, إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من
الحفرة وآمنوا به, فيكون ذلك وجها ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) يقول:
ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سمَّيناها لكم أمما كثيرة.
كما
حدثنا الحسن بن شبيب, قال: ثنا خلف بن خليفة, عن جعفر بن عليّ بن أبي رافع مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلفت بالمدينة عمي ممن يفتي على أن القرن سبعون
سنة, وكان عمه عبيد الله بن أبي رافع كاتب عليّ رضي الله عنه.
حدثنا
عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا حفص بن غياث, عن الحجاج, عن الحكم, عن إبراهيم قال:
القرن أربعون سنة.
وقوله:
( وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ ) يقول تعالى ذكره: وكل هذه الأمم التي
أهلكناها التي سميناها لكم أو لم نسمها ضربنا له الأمثال يقول: مثلنا له الأمثال
ونبهناها على حججنا عليها, وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ, فلم نهلك أمة إلا بعد
الإبلاغ إليهم في المعذرة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَكُلا ضَرَبْنَا
لَهُ الأمْثَالَ ) قال: كلّ قد أعذر الله إليه, ثم انتقم منه.
وقوله:
( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم
أمرهم استأصلناهم, فدمرناهم بالعذاب إبادة, وأهلكناهم جميعا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تبر الله كلا بعذاب تتبيرا.
حدثنا
أبو كريب قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جُبير ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تتبير بالنبطية.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( وَكُلا
تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: بالعذاب.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ
يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ( 40 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرها
الله مطر السوء وهي سدوم, قرية قوم لوط. ومطر السوء: هو الحجارة التي أمطرها الله
عليهم فأهلكهم بها. كما:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى
الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) قال: حجارة, وهي قرية قوم لوط,
واسمها سدوم. قال ابن عباس: خمس قرَّيات, فأهلك الله أربعة, وبقيت الخامسة, واسمها
صعوة. لم تهلك صعوة، كان أهلها لا يعملون ذلك العمل, وكانت سدوم أعظمها, وهي التي
نـزل بها لوط, ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم ينادي نصيحة لهم: يا
سدوم, يوم لكم من الله, أنهاكم أن تعرضوا لعقوبة الله, زعموا أن لوطا ابن أخي
إبراهيم صلوات الله عليهما.
وقوله:
( أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) يقول جلّ ثناؤه: أو لم يكن هؤلاء المشركون
الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يرون تلك القرية, وما نـزل بها من
عذاب الله بتكذيب أهلها رسلهم, فيعتبروا ويتذكروا, فيراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم
محمدا صلى الله عليه وسلم ( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) يقول تعالى
ذكره: ما كذّبوا محمدا فيما جاءهم به من عند الله, لأنهم لم يكونوا رأوا ما حلّ
بالقرية التي وصفت, ولكنهم كذّبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورًا بعد الممات,
يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب, ولا يؤمنون بقيام الساعة, فيردعهم ذلك عما
يأتون من معاصي الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَفَلَمْ يَكُونُوا
يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) بعثا.
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ
اللَّهُ رَسُولا ( 41 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت
عليك قصصهم ( إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا ) يقول: ما يتخذونك إلا سخرية
يسخرون منك, يقولون: ( أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ ) إلينا ( رَسُولا ) من بين
خلقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ
كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ( 42 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهزءون برسول الله صلى الله عليه
وسلم إنهم يقولون إذا رأوه: قد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها, فيصدّنا عن
عبادتها لولا صبرنا عليها, وثبوتنا على عبادتها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) يقول
جلّ ثناؤه: سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حلّ بهم على عبادتهم الآلهة ( مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ) يقول: من الراكب غير طريق
الهدى, والسالك سبيل الردى أنت أوهم.
وبنحو ما
قلنا في تأويل قوله: (
لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج ( إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا
عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) قال: ثبتنا عليها.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ( 43 )
يعني
تعالى ذكره: (
أَرَأَيْتَ ) يا
محمد ( مَنِ
اتَّخَذَ إِلَهَهُ ) شهوته
التي يهواها وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر, فإذا رأى أحسن منه رمى به,
وأخذ الآخر يعبده, فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه، فلذلك قال جلّ ثناؤه ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ) يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون
يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
سَبِيلا ( 44 )
( أَمْ تَحْسَبُ ) يا محمد أن أكثر هؤلاء
المشركين (
يَسْمَعُونَ ) ما
يتلى عليهم, فيعون ( أَوْ
يَعْقِلُونَ ) ما
يعاينون من حجج الله, فيفهمون ( إِنْ
هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ ) يقول:
ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها, ولا تفقه, بل هم من البهائم أضلّ
سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها, وتنقاد لأربابها, وهؤلاء الكفرة لا يطيعون
ربهم, ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم, بل يكفرونها, ويعصون من خلقهم وبرأهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا
الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
( 46 )
يقول
تعالى ذكره: (
أَلَمْ تَرَ ) يا
محمد (
كَيْفَ مَدَّ ) ربك ( الظِّلَّ ) وهو ما بين طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) يقول:
ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال: مدّه ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ) قال: الظلّ: ما بين طلوع
الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثنا
محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا أبو محصن, عن حصين, عن أبي مالك, قال: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال:
ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال. ظلّ الغداة قبل أن تطلع
الشمس.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: الظلّ:
ظلّ الغداة.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة, قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال: مدّه من طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) يعني:
من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) يقول:
ولو شاء لجعله دائما لا يزول, ممدودا لا تذهبه الشمس, ولا تنقصه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) يقول:
دائما.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال, ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
لا تصيبه الشمس ولا يزول.
حدثنا
القاسم. قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
لا يزول.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ) قال:
دائما لا يزول.
وقوله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) يقول
جلّ ثناؤه: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه, أنه خلْق من
خلق ربكم, يوجده إذا شاء, ويفنيه إذا أراد; والهاء في قوله: « عليه » من ذكر الظلّ. ومعناه: ثم
جعلنا الشمس على الظلّ دليلا. قيل: معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي
تنسخه لم يعلم أنه شيء, إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها, نظير الحلو الذي
إنما يعرف بالحامض والبارد بالحارِّ, وما أشبه ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) يقول:
طلوع الشمس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) قال:
تحويه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلا ) قال:
أخرجت ذلك الظل فذهبت به وقوله: ( ثُمَّ
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظلّ
إلينا قبضا خفيا سريعا بالفيء الذي نأتي به بالعشيّ.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا
قَبْضًا يَسِيرًا ) قال:
حوى الشمس الظلّ. وقيل: إن الهاء التي في قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا ) عائدة على الظلّ, وإن معنى
الكلام: ثم قبضنا الظلّ إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظلّ
الممدود, قالوا: وذلك وقت قبضه.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله: (
يَسِيرًا ) فقال
بعضهم: معناه: سريعا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا
قَبْضًا يَسِيرًا ) يقول:
سريعا.
وقال
آخرون: بل معناه: قبضا خفيا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عبد العزيز بن رفيع, عن مجاهد
( ثُمَّ
قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) قال: خفيا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج ( قَبْضًا يَسِيرًا ) قال: خفيا, قال: إن ما بين
الشمس والظلّ مثل الخيط, واليسير الفعيل من اليسر, وهو السهل الهين في كلام العرب.
فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك, يتوجه لما روي عن ابن عباس ومجاهد؛ لأن سهولة قبض
ذلك قد تكون بسرعة وخفاء. وقيل: إنما قيل ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) لأن الظلّ بعد غروب الشمس لا
يذهب كله دفعة, ولا يقبل الظلام كله جملة, وإنما يقبض ذلك الظلّ قبضا خفيا, شيئا
بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه جزء من الظلام.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ( 47 )
يقول
تعالى ذكره: الذي مدّ الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا هو الذي جعل لكم أيها الناس
الليل لباسا. وإنما قال جلّ ثناؤه ( جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ) لأنه جعله لخلقه جنة يجتنون
فيها ويسكنون، فصار لهم سترا يستترون به, كما يستترون بالثياب التي يُكسونها.
وقوله: (
وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) يقول:
وجعل لكم النوم راحة تستريح به أبدانكم, وتهدأ به جوارحكم. وقوله: ( وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا ) يقول
تعالى ذكره: وجعل النهار يقظة وحياة من قولهم: نَشر الميتُ, كما قال الأعشى:
حَــتى
يقُــولَ النَّــاسُ مِمَّـا رأَوْا يـــا عَجَبــا للْمَيِّــتِ النَّاشِــرِ
ومنه قول
الله: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا
وكان
مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا
عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن
مجاهد, قوله: (
وَجَعَلَ َالنَّهَارَ نُشُورًا ) قال:
ينشر فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
وإنما
اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك, أنه عقيب قوله: ( وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) في الليل. فإذ كان ذلك كذلك,
فوصف النهار بأن فيه اليقظة والنشور من النوم أشبه إذ كان النوم أخا الموت. والذي
قاله مجاهد غير بعيد من الصواب؛ لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشا, وفيه الانتشار
للمعاش, ولكن النشور مصدر من قول القائل: نشر, فهو بالنشر من الموت والنوم أشبه,
كما صحّت الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من
نومه: «
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أماتَنا, وإلَيْهِ النُّشُورُ » .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
طَهُورًا ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا
أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح الملقحة ( بُشْرًا ) : حياة
أو من الحيا والغيث الذي هو منـزله على عباده ( وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) يقول: وأنـزلنا من السحاب
الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهورا. ( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً
مَيْتًا ) يعني
أرضا قَحِطة عذية لا تُنبت. وقال: ( بَلْدَةً مَيْتًا ) ولم يقل ميتة, لأنه أريد بذلك لنحيي به موضعًا ومكانًا
ميتًا (
وَنُسْقِيَهُ ) من
خلقنا (
أَنْعَامًا ) من
البهائم (
وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ) يعني
الأناسيّ: جمع إنسان وجمع أناسي, فجعل الياء عوضا من النون التي في إنسان, وقد
يجمع إنسان: إناسين, كما يجمع النَشْيان نشايين. فإن قيل: أناسيّ جمع واحده إنسيّ,
فهو مذهب أيضًا محكي, وقد يجمع أناسي مخففة الياء, وكأن من جمع ذلك كذلك أسقط
الياء التي بين عين الفعل ولامه, كما يجمع القرقور: قراقير وقراقر. ومما يصحح جمعهم
إياه بالتخفيف, قول العرب: أناسية كثيرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ( 50 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنـزلناه من السماء طهورا لنحيي به الميت
من الأرض بين عبادي, ليتذكروا نعمي عليهم, ويشكروا أيادي عندهم وإحساني إليهم ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلا كُفُورًا ) يقول:
إلا جحودا لنعمي عليهم, وأياديّ عليهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا معتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: سمعت الحسن بن مسلم
يحدّث طاوسا, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرا من عام, ولكنّ
الله يصرّفه بين خلقه; قال: ثم قرأ: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) .
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, قال: ثنا الحسن بن مسلم, عن سعيد بن
جُبير, قال: قال ابن عباس: ما عام بأكثر مطرا من عام, ولكنه يصرفه في الأرضين, ثم
تلا (
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ ) قال:
المطر ينـزله في الأرض, ولا ينـزله في الأرض الأخرى, قال: فقال عكرِمة: صرفناه
بينهم ليذّكروا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ
بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ) قال:
المطر مرّة هاهنا, ومرّة هاهنا.
حدثنا
سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان بن عيينة, عن يزيد بن أبي زياد, أنه سمع
أبا جحيفة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ليس عام بأمطر من عام, ولكنه يصرفه,
ثم قال عبد الله: (
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) .
وأما
قوله: (
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) فإن القاسم حدثنا قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج عن ابن
جُرَيج, عن عكرمة: (
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) قال: قولهم في الأنواء.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا
فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ
جِهَادًا كَبِيرًا ( 52 )
يقول
تعالى ذكره: ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كلّ مصر ومدينة نذيرا ينذرهم بأسنا على
كفرهم بنا, فيخفّ عنك كثير من أعباء ما حملناك منه, ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة,
ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى, لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعدّ الله لك
من الكرامة عنده, والمنازل الرفيعة قِبَله, فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من
أن تعبد آلهتهم, فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات, ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا
كبيرا, حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله, ويدينوا به ويذعنوا للعمل
بجميعه طوعا وكرها.
وبنحو
الذي قلنا في قوله: (
وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس، قوله
( فَلا
تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) قال: بالقرآن.
وقال
آخرون في ذلك بما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا
كَبِيرًا ) قال:
الإسلام. وقرأ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقرأ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وقال: هذا
الجهاد الكبير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ( 53 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي خلط البحرين, فأمرج أحدهما في الآخر, وأفاضه فيه. وأصل
المرج الخلط, ثم يقال للتخلية مرج؛ لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره,
فكأنه قد مرجه، ومنه الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, وقوله لعبد الله بن
عمرو: « كَيْفَ
بِكَ يا عَبْدَ اللهِ إذَا كُنْتَ في حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ, قَدْ مَرِجَتْ
عُهُودُهُمْ وأماناتُهُمْ, وصَارُوا هَكَذا وشبَّك بين أصابعه. يعني بقوله: قد
مرجت: اختلطت, ومنه قول الله: فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي مختلط. وإنما قيل للمرج مرج
من ذلك, لأنه يكون فيه أخلاط من الدوابّ, ويقال: مَرَجْت دابتك: أي خليتها تذهب
حيث شاءت. ومنه قول الراجز: »
رَعَى
بِهَا مَرَجَ رَبيعٍ مَمْرَج
وبنحو ما
قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) يعني أنه خلع أحدهما على الآخر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) أفاض أحدهما على الآخر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ ) يقول:
خلع أحدهما على الآخر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد ( مَرَجَ ) أفاض أحدهما على الآخر.
وقوله ( هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ) الفرات: شديد العذوبة, يقال:
هذا ماء فرات: أي شديد العذوبة وقوله ( وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يقول: وهذا ملح مرّ، يعني بالعذب الفرات: مياه الأنهار
والأمطار, وبالملح الأجاج: مياه البحار.
وإنما
عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه, وعظيم سلطانه, يخلط ماء البحر العذب بماء البحر
الملح الأجاج, ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته, وإفساده إياه بقضائه
وقدرته, لئلا يضرّ إفساده إياه بركبان الملح منهما, فلا يجدوا ماء يشربونه عند
حاجتهم إلى الماء, فقال جلّ ثناؤه: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ) يعني حاجزا يمنع كل واحد
منهما من إفساد الآخر (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) يقول:
وجعل كلّ واحد منهما حراما محرّما على صاحبه أن يغيره ويفسده.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يعني أنه خلع أحدهما على الآخر, فليس يفسد العذب المالح,
وليس يفسد المالح العذب, وقوله: (
وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ) قال:
البرزخ: الأرض بينهما (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) يعني:
حجر أحدهما على الآخر بأمره وقضائه, وهو مثل قوله وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
حَاجِزًا .
وحدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
محبسا، قوله: (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
لا يختلط البحر بالعذب.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
حاجزا لا يراه أحد, لا يختلط العذب في البحر. قال ابن جُرَيج: فلم أجد بحرا عذبا
إلا الأنهار العذاب, فإن دجلة تقع في البحر, فأخبرني الخبير بها أنها تقع في
البحر, فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من
البحر, والنيل يصبّ في البحر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) قال:
البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان, وقوله ( حِجْرًا مَحْجُورًا ) : أي لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا, لا يبغي أحدهما على
الآخر.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن رجاء, عن الحسن, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
هذا اليبس.
حدثنا
الحسن, قال: ثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) قال:
جعل هذا ملحا أجاجًا, قال: والأجاج: المرّ.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) يقول: خلع أحدهما على الآخر, فلا يغير أحدهما طعم الآخر ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا ) هو
الأجل ما بين الدنيا والآخرة (
وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) جعل
الله بين البحرين حجرا, يقول: حاجزا حجز أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) وجعل
بينهما سترا لا يلتقيان. قال: والعرب إذا كلم أحدهم الآخر بما يكره قال حجرا, قال:
سترا دون الذي تقول.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) دون
القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بينهما حاجزا من الأرض أو من اليبس, لأن
الله تعالى ذكره أخبر في أوّل الآية أنه مرج البحرين, والمرج: هو الخلط في كلام
العرب على ما بيَّنت قبل, فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين,
والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين, وقد أخبر جلّ ثناؤه أنه
مرجهما, وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات, مع
اختلاط كلّ واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كلّ واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه,
فليس هناك مرج, ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس, ويذكرون
به, وإن كان كلّ ما ابتدعه ربنا عجيبا, وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ
الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ( 54 )
يقول
تعالى ذكره: والله الذي خلق من النطف بشرا إنسانا فجعله نسبا, وذلك سبعة, وصهرا,
وهو خمسة.
كما
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في
قوله: (
فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ) النسب:
سبع, قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... إلى قوله وَبَنَاتُ الأُخْتِ
والصهر خمس, قوله: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ... إلى قوله
وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ .
وقوله: ( وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ) يقول: وربك يا محمد ذو قدرة
على خلق ما يشاء من الخلق, وتصريفهم فيما شاء وأراد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ
ظَهِيرًا ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهة لا تنفعهم, فتجلب إليهم نفعا
إذا هم عبدوها, ولا تضرّهم إن تركوا عبادتها, ويتركون عبادة من أنعم عليهم هذه
النعم التي لا كفاء لأدناها, وهي ما عدّد علينا جلّ جلاله في هذه الآيات من قوله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إلى قوله: قَدِيرًا ، ومن قدرته
القدرة التي لا يمتنع عليه معها شيء أراده, ولا يتعذّر عليه فعل شيء أراد فعله, ومن
إذا أراد عقاب بعض من عصاه من عباده أحلّ به ما أحلّ بالذين وصف صفتهم من قوم
فرعون وعاد وثمود وأصحاب الرّسّ, وقرونا بين ذلك كثيرا, فلم يكن لمن غضب عليه منه
ناصر, ولا له عنه دافع (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكان الكافر معينا للشيطان على ربه,
مظاهرا له على معصيته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
يظاهر الشيطان على معصية الله بعينه.
حدثني محمد
بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال:
ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال: معينا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله. قال ابن
جُرَيج: أبو جهل معينا ظاهر الشيطان على ربه.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
عونا للشيطان على ربه على المعاصي.
حدثني
يونس. قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا ) قال:
على ربه عوينا. والظهير: العوين. وقرأ قول الله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا
لِلْكَافِرِينَ قال: لا تكونن لهم عوينا. وقرأ أيضا قول الله: وَأَنْـزَلَ
الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ قال: ظاهروهم:
أعانوهم.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) يعني: أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أبا جهل بن هشام.
وقد كان
بعضهم يوجه معنى قوله: (
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) أي وكان الكافر على ربه هينا، من قول العرب: ظهرت به, فلم
ألتفت إليه, إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه, وكأنّ الظهير كان عنده فعيل صرف من
مفعول إليه من مظهور به, كأنه قيل: وكان الكافر مظهورا به. والقول الذي قلناه هو
وجه الكلام, والمعنى الصحيح, لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من
دونه, فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إياهم, وذمّ فعلهم دون الخبر عن هوانهم على
ربهم, ولم يجر لاستكبارهم عليه ذكر, فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا
مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( 56 ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا
مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ( 57 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ) يا محمد إلى من أرسلناك إليه ( إِلا مُبَشِّرًا ) بالثواب الجزيل, من آمن بك
وصدّقك, وآمن بالذي جئتهم به من عندي, وعملوا به ( وَنَذِيرًا ) من كذّبك وكذّب ما جئتهم به من عندي, فلم يصدّقوا به, ولم
يعملوا ( قُلْ
مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول له: قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم, ما أسألكم يا قوم
على ما جئتكم به من عند ربي أجرا, فتقولون: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا
إليه, فلا نتبعه فيه, ولا نعطيه من أموالنا شيئا، ( إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ
يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ) يقول:
لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله, وفيما يقربه
إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوّه, وغير ذلك من سبل الخير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ
الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ
خَبِيرًا ( 58 )
يقول
تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها، فثق به
في أمر ربك وفوّض إليه, واستسلم له, واصبر على ما نابك فيه. قوله: ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) يقول: واعبده شكرا منك له على
ما أنعم به عليك. قوله: (
وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) يقول: وحسبك بالحي الذي لا يموت خابرا بذنوب خلقه, فإنه لا
يخفى عليه شيء منها, وهو محص جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ( 59 )
يقول
تعالى ذكره: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ( الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فقال: ( وَمَا بَيْنَهُمَا ) وقد ذكر السماوات والأرض,
والسماوات جماع, لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين, كما قال القطامي:
ألَـــمْ
يَحْــزُنْكَ أنَّ حِبــالَ قَيْسٍ وتَغْلِــبَ قَــدْ تَبايَنَتــا انقِطاعــا
يريد:
وحبال تغلب فثنى, والحبال جمع, لأنه أراد الشيئين والنوعين.
وقوله: ( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) قيل: كان ابتداء ذلك يوم
الأحد, والفراغ يوم الجمعة ( ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ ) يقول: ثم استوى على العرش الرحمن وعلا عليه, وذلك يوم السبت
فيما قيل. وقوله: (
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) يقول:
فاسأل يا محمد خبيرا بالرحمن, خبيرا بخلقه, فإنه خالق كلّ شيء, ولا يخفى عليه ما
خلق.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) قال: يقول لمحمد صلى الله
عليه وسلم: إذا أخبرتك شيئا, فاعلم أنه كما أخبرتك, أنا الخبير، والخبير في قوله:
(
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) منصوب
على الحال من الهاء التي في قوله به.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا
وَزَادَهُمْ نُفُورًا ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم: ( اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ) أي اجعلوا سجودكم لله خالصا
دون الآلهة والأوثان. قالوا: (
أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ( لِمَا تَأْمُرُنَا ) بمعنى: أنسجد نحن يا محمد لما
تأمرنا أنت أن نسجد له. وقرأته عامة قرّاء الكوفة « لمَا يَأْمُرُنا » بالياء, بمعنى: أنسجد لما يأمر الرحمن، وذكر بعضهم أن
مُسيلمة كان يُدعى الرحمن, فلما قال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم اسجدوا للرحمن,
قالوا: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة؟ يعنون مُسَيلمة بالسجود له.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك, أنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان, قد قرأ بكل
واحد منهما علماء من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَزَادَهُمْ نُفُورًا ) يقول: وزاد هؤلاء المشركين
قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن من إخلاص السجود لله, وإفراد الله بالعبادة بعدا
مما دعوا إليه من ذلك فرارا.
القول
في تأويل قوله تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي
السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ( 61 )
يقول
تعالى ذكره: تقدّس الربّ الذي جعل في السماء بروجا، ويعني بالبروج: القصور, في قول
بعضهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى وسلم بن جنادة, قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس,
قال: سمعت أبي, عن عطية بن سعد, في قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: قصورا في السماء, فيها
الحرس.
حدثنا
محمد بن المثنى, قال: ثني أبو معاوية, قال: ثني إسماعيل, عن يحيى بن رافع, في
قوله: (
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: قصورا في السماء.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن إبراهيم ( جَعَلَ فِي السَّمَاءِ
بُرُوجًا ) قال:
قصورًا في السماء.
حدثني
إسماعيل بن سيف, قال: ثني عليّ بن مسهر, عن إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال:
قصورا في السماء فيها الحرس.
وقال
آخرون: هي النجوم الكبار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن المثنى, قال: ثنا يعلى بن عبيد, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال:
النجوم الكبار.
قال: ثنا
الضحاك, عن مخلد, عن عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: الكواكب.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( بُرُوجًا ) قال: البروج: النجوم.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء, لأن ذلك في
كلام العرب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وقول الأخطل:
كَأَنَّهَــا
بُــرْجُ رُومــيّ يُشَــيِّدُهُ بــانٍ بِجِــصّ وآجُــر وأحْجـارِ
يعني
بالبرج: القصر.
قوله: ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك,
فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) على التوحيد, ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس, وهي
السراج التي عني عندهم بقوله: (
وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) .
كما
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, في قوله: ( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا
وَقَمَرًا مُنِيرًا ) قال:
السراج: الشمس.
وقرأته
عامة قرّاء الكوفيين «
وَجَعَلَ فِيها سُرُجا » على
الجماع, كأنهم وجهوا تأويله: وجعل فيها نجوما ( وَقَمَرًا مُنِيرًا ) وجعلوا النجوم سرجا إذ كان يهتدي بها.
والصواب
من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار, لكل
واحدة منهما وجه مفهوم, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَقَمَرًا مُنِيرًا ) يعني بالمنير: المضيء.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا ( 62 )
اختلف
أهل التأويل في تأويل قوله: (
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) فقال بعضهم: معناه: أن الله جعل كل واحد منهما خلفًا من
الآخر, في أن ما فات أحدهما من عمل يعمل فيه لله, أدرك قضاؤه في الآخر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القمي, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية, عن شقيق قال:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: فاتتني الصلاة الليلة, فقال: أدرك
ما فاتك من ليلتك في نهارك, فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر, أو
أراد شكورا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) يقول:
من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار, أو من النهار أدركه بالليل.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال:
جعل أحدهما خلفا للآخر, إن فات رجلا من النهار شيء أدركه من الليل, وإن فاته من
الليل أدركه من النهار.
وقال
آخرون: بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا صاحبه, فجعل هذا أسود وهذا أبيض.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةً ) قال:
أسود وأبيض.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا يحيى بن يمان, قال: ثنا سفيان, عن عمر بن قيس بن أبي
مسلم الماصر, عن مجاهد (
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: أسود وأبيض.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه, إذا ذهب هذا جاء هذا, وإذا جاء
هذا ذهب هذا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو أحمد الزبيري, قال: ثنا قيس, عن عمر بن قيس الماصر, عن
مجاهد, قوله: (
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: هذا يخلف هذا, وهذا يخلف هذا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال:
لو لم يجعلهما خلفة لم يدر كيف يعمل, لو كان الدهر ليلا كله كيف يدري أحد كيف
يصوم, أو كان الدهر نهارا كله كيف يدري أحد كيف يصلي. قال: والخلفة: مختلفان, يذهب
هذا ويأتي هذا, جعلهما الله خلفة للعباد, وقرأ ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) والخلفة: مصدر, فلذلك وحدت,
وهي خبر عن الليل والنهار; والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة, وذلك إذا جاء شيء
مكان شيء ذهب قبله, كما قال الشاعر:
وَلهَـــــا
بالمَـــــاطِرُونَ إذَا أَكَـــلَ النَّمْــلُ الَّــذِي جَمَعَــا
خِلْفَـــةٌ
حَـــتَّى إذَا ارْتَبَعَـــتْ سَـــكَنَتْ مِـــنْ جِــلَّقٍ بِيَعَــا
وكما قال
زهير:
بِهَــا
العِيْـنُ والآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وأطْلاؤُهـا يَنْهَضْـنَ مِـنْ كُـلّ
مَجْثَمِ
يعني
بقوله: يمشين خلفة: تذهب منها طائفة, وتخلف مكانها طائفة أخرى. وقد يحتمل أن
زُهَيرا أراد بقوله: خلفة: مختلفات الألوان, وأنها ضروب في ألوانها وهيئاتها.
ويحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا, وتجيء كذا.
وقوله ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ ) يقول
تعالى ذكره: جعل الليل والنهار, وخلوف كل واحد منهما الآخر حجة وآية لمن أراد أن
يذكَّر أمر الله, فينيب إلى الحق ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) أو أراد شكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل
والنهار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) قال: شكر نعمة ربه عليه
فيهما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ ) ذاك
آية له ( أَوْ
أَرَادَ شُكُورًا ) قال:
شكر نعمة ربه عليه فيهما.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله: (
يَذَّكَّرَ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( يَذَّكَّرَ ) مشددة, بمعنى يتذكر. وقرأه عامة قرّاء الكوفيين: « يَذْكُرَ » مخففة، وقد يكون التشديد
والتخفيف في مثل هذا بمعنى واحد. يقال: ذكرت حاجة فلان وتذكرتها.
والقول
في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب
فيهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلامًا ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) بالحلم والسكينة والوقار غير
مستكبرين, ولا متجبرين, ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, غير أنهم اختلفوا, فقال بعضهم: عنى بقوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) أنهم
يمشون عليها بالسكينة والوقار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
قال: ثنا
عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن مجاهد: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالحلم والوقار.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث; قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد, قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا )
بالوقار والسكينة.
حدثني
يحيى بن طلحة اليربوعي, قال: ثنا شريك, عن سالم, عن سعيد وعبد الرحمن ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) قالا
بالسكينة والوقار.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن شريك, عن جابر, عن عمار, عن عكرمة, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
قال: ثنا
ابن يمان, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أيوب, عن عمرو الملائي ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
بالوقار والسكينة.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالطاعة والتواضع.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) بالطاعة
والعفاف والتواضع.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: يمشون على الأرض
بالطاعة.
حدثني
أحمد بن عبد الرحمن, قال: ثني عمي عبد الله بن وهب, قال: كتب إليّ إبراهيم بن
سويد, قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: التمست تفسير هذه الآية ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأرْضِ هَوْنًا ) فلم
أجدها عند أحد, فأُتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أسامة بن زيد بن أسلم, عن أبيه, قال: لا يفسدون
في الأرض.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: لا يتكبرون على الناس, ولا يتجبرون, ولا يفسدون. وقرأ
قول الله تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن في ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
حلماء, وإن جُهِلَ عليهم لم يجهلوا.
حدثنا
ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
حلماء.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْنًا ) قال:
علماء حلماء لا يجهلون.
وقوله: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) يقول:
وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول, أجابوهم بالمعروف من القول, والسداد
من الخطاب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أبو الأشهب, عن الحسن ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ) ... الآية, قال: حلماء, وإن
جُهل عليهم لم يجهلوا.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن معمر, عن يحيى بن المختار, عن الحسن, في قوله
(
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: إن المؤمنين قوم ذُلُلٌ,
ذلّت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح, حتى يحسبهم الجاهل مرضى, وإنهم لأصحاء
القلوب, ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم, ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة,
فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ والله ما حزنهم حزن
الدنيا, ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة, أبكاهم الخوف من النار, وإنه من
لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعَ نفسه على الدنيا حسرات, ومن لم ير لله عليه نعمة إلا
في مطعم ومشرب, فقد قلّ علمه وحضر عذابه.
حدثنا
ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال:
سدادا.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن
مجاهد (
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: سَدَادا من القول.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوريّ, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) حلماء.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون,
وإن جُهِل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم - خير ليل - صفوا
أقدامهم, وأجْرَوا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جلّ ثناؤه في فكاك رقابهم.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عبادة, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون وإن
جهل عليهم حلموا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ
عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( 65 ) إِنَّهَا
سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 66 )
يقول
تعالى ذكره: والذين يبيتون لربهم يصلون لله, يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام.
وقوله: (
وَقِيَامًا ) جمع
قائم, كما الصيام جمع صائم (
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) يقول تعالى ذكره: والذين
يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه وعذابه حذرا منه ووجلا . وقوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) يقول:
إن عذاب جهنم كان غراما ملحا دائما لازما غير مفارق من عذِّب به من الكفار, ومهلكا
له. ومنه قولهم: رجل مُغْرم, من الغُرْم والدَّين. ومنه قيل للغريم غَريم لطلبه
حقه, وإلحاحه على صاحبه فيه. ومنه قيل للرجل المولع للنساء: إنه لمغرَم بالنساء,
وفلان مغرَم بفلان: إذا لم يصبر عنه; ومنه قول الأعشى:
إنْ يُعَــاقِب
يَكُـنْ غَرَامـا وَإِنْ يُـعْـ ـطِ جَـــزِيلا فَإِنَّـــهُ لا يبـــالي
يقول: إن
يعاقب يكن عقابه عقابا لازما, لا يفارق صاحبه مهلكا له، وقول بشر بن أبي خازم:
وَيــوْمَ
النِّســارِ وَيَــوْمَ الجِفــا رِ كَــانَ عِقَابًــا وَكَــانَ غَرَامـا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن الحسن اللاني, قال: أخبرنا المعافي بن عمران الموصلي, عن موسى بن عبيدة, عن
محمد بن كعب في قوله: ( إِنَّ
عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال:
إن الله سأل الكفار عن نعمه, فلم يردّوها إليه, فأغرمهم, فأدخلهم النار.
قال: ثنا
المعافي, عن أبي الأشهب, عن الحسن, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال: قد علموا أن كلّ غريم
مفارق غريمه إلا غريم جهنم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) قال:
الغرام: الشرّ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا ) قال:
لا يفارقه.
وقوله ( إِنَّهَا سَاءَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) يقول:
إن جهنم ساءت مستقرًّا ومقاما, يعني بالمستقرّ: القرار, وبالمقام: الإقامة; كأن
معنى الكلام: ساءت جهنم منـزلا ومقاما. وإذا ضمت الميم من المقام فهو من الإقامة,
وإذا فتحت فهو من قمت, ويقال: المقام إذا فتحت الميم أيضا هو المجلس، ومن المُقام
بضمّ الميم بمعنى الإقامة, قول سلامة بن جندل:
يَوْمــانِ:
يَــوْمُ مُقَامــاتٍ وأَنْدِيَـةٍ وَيَـوْمُ سَـيْرٍ إلـى الأعْـداءِ تَـأوِيبَ
ومن
المُقام الذي بمعنى المجلس, قول عباس بن مرداس:
فــأيِّي
مــا وأيُّــكَ كـانَ شَـرًّا فقِيــدَ إلــى المَقَامَــة لا يَرَاهــا
يعني:
المجلس.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا
لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( 67 )
يقول
تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها.
ثم اختلف
أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع, وما الإسراف فيها والإقتار.
فقال بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله وإن قلت: قال: وإياها عني الله,
وسماها إسرافا. قالوا: والإقتار: المنع من حقّ الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: هم المؤمنون لا يسرفون
فينفقون في معصية الله, ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى.
حدثنا
أبو كُريب, قال: ثنا ابن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: لو أنفقت مثل
أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا, ولو أنفقت صاعا فى معصية الله كان سرفا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهما واحدا, ولم يقتروا
ولم يُقصِّروا عن النفقة في الحق.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: لم يسرفوا فينفقوا في
معاصي الله كلّ ما أنفق في معصية الله, وإن قلّ فهو إسراف, ولم يقتروا فيمسكوا عن
طاعة الله. قال: وما أُمْسِكَ عن طاعة الله وإن كثر فهو إقتار.
قال:
أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن
الإسراف ما هو؟ قال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف.
وقال
آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد السلام بن حرب, عن مغيرة, عن إبراهيم,
قوله: (
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: لا يجيعهم ولا يعريهم
ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف.
حدثني
سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس أبو عبد الله المخزومي
المكي, قال: سمعت وهيب بن الورد أبا الورد مولى بني مخزوم, قال: لقي عالم عالما هو
فوقه في العلم, فقال: يرحمك الله أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو؟
قال: هو ما سترك من الشمس, وأكنك من المطر, قال: يرحمك الله, فأخبرني عن هذا
الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما سدّ الجوع ودون الشبع, قال: يرحمك
الله, فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما ستر عورتك, وأدفأك
من البرد.
حدثني يونس,
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح, عن يزيد بن أبي حبيب في هذه
الآية: (
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا ) ...
الآية, قال: كانوا لا يلبسون ثوبا للجمال, ولا يأكلون طعاما للذّة, ولكن كانوا
يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم, ويكتَنُّون به من الحرّ والقرّ, ويريدون من
الطعام ما سدّ عنهم الجوع, وقواهم على عبادة ربهم.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن العلاء بن عبد الكريم, عن يزيد بن مرّة
الجعفي. قال: العلم خير من العمل, والحسنة بين السيئتين, يعني: إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا, وخير الأعمال أوساطها.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا مسلم بن إبراهيم, قال: ثنا كعب بن فروخ, قال: ثنا قتادة, عن
مطرِّف بن عبد الله, قال: خير هذه الأمور أوساطها, والحسنة بين السيئتين. فقلت
لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟ فقال: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا ) ...
الآية.
وقال
آخرون: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا سالم بن سعيد, عن أبي مَعْدان, قال: كنت عند عون بن عبد
الله بن عتبة, فقال: ليس المسرف من يأكل ماله, إنما المسرف من يأكل مال غيره.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك, قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في
هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه, والإقتار: ما قصر
عما أمر الله به, والقوام: بين ذلك.
وإنما
قلنا إن ذلك كذلك, لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة
مرخصا فيهما ما كانا مذمومين, ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما, لأن ما أذن الله
في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ.
فإن قال
قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم ذلك مفهوم في كلّ شيء من المطاعم
والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك, نكره تطويل الكتاب بذكر كلّ نوع
من ذلك مفصلا غير أن جملة ذلك هو ما بيَّنا وذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع
ما يضعف بدنه, وينهك قواه ويشغله عن طاعة ربه, وأداء فرائضه؛ فذلك من السرف, وأن
يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه وينهك قواه ويضعفه عن أداء فرائض ربه؛
فذلك من الإقتار وبين ذلك القوام على هذا النحو, كل ما جانس ما ذكرنا، فأما اتخاذ
الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه مع الناس, وحضوره المحافل والجمع والأعياد دون ثوب
مهنته, أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه, مما ارتفع عما قد يسدّ الجوع,
مما هو دونه من الأغذية, غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته,
فذلك خارج عن معنى الإسراف, بل ذلك من القوام, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد
أمر ببعض ذلك, وحضّ على بعضه, كقوله: « مَا عَلى أحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ: ثَوْبًا
لِمِهْنَتِهِ, وَثَوْبًا لجُمْعَتِهِ وَعِيدِه » وكقوله: « إذَا
أنْعَمَ اللهُ عَلَى عبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ » وما أشبه ذلك من الأخبار التي
قد بيَّناها في مواضعها.
وأما
قوله: (
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) فإنه
النفقة بالعدل والمعروف على ما قد بيَّنا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن أبي سليمان, عن وهب بن منبه, في
قوله: (
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال:
الشطر من أموالهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) النفقة
بالحقّ.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) قال:
القوام: أن ينفقوا في طاعة الله, ويمسكوا عن محارم الله.
قال:
أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفْرة, قال: قلت له: ما القوام؟ قال:
القوام: أن لا تنفق في غير حقّ, ولا تمسك عن حقّ هو عليك. والقوام في كلام العرب,
بفتح القاف, وهو الشيء بين الشيئين. تقول للمرأة المعتدلة الخلق: إنها لحسنة
القوام في اعتدالها, كما قال الحطيئة:
طَــافَتْ
أُمَامَــةُ بالرُّكْبــانِ آونَـةً يـا حُسْـنَهُ مِـنْ قَـوَام مـا
وَمُنْتَقَبـا
فأما إذا
كسرت القاف فقلت: إنه قِوام أهله, فإنه يعني به: أن به يقوم أمرهم وشأنهم. وفيه
لغات أُخَر, يقال منه: هو قيام أهله وقيّمهم في معنى قوامهم. فمعنى الكلام: وكان
إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلا لا مجاوزة عن حد الله, ولا تقصيرا عما
فرضه الله, ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحه جلّ ثناؤه, وأذن فيه ورخص.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَلَمْ يَقْتُرُوا ) فقرأته
عامة قرّاء المدينة « ولمْ
يُقْتروا » بضم
الياء وكسر التاء من أقتر يَقْتِر. وقرأته عامة قرّاء الكوفيين ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) بفتح الياء وضم التاء من قتر
يَقْتُر. وقرأته عامة قرّاء البصرة « وَلمْ يَقْتِروا » بفتح الياء وكسر التاء من قتر يَقْتِر.
والصواب
من القول في ذلك, أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب,
وقراءات مستفيضات وفي قرّاء الأمصار بمعنى واحد, فبأيتها قرأ القارئ فمصيب.
وقد
بيَّنا معنى الإسراف والإقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب, فأغنى
ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وفي نصب القَوام وجهان: أحدهما ما ذكرت, وهو أن يجعل
في كان اسم الإنفاق بمعنى: وكان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما: أي عدلا والآخر
أن يجعل بين هو الاسم, فتكون وإن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع, كما يقال: كان
دون هذا لك كافيا, يعني به: أقلّ من هذا كان لك كافيا, فكذلك يكون في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ) لأن
معناه: وكان الوسط من ذلك قواما.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( 68 )
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( 69 )
إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 70 ) وَمَنْ تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر, فيشركون في عبادتهم إياه, ولكنهم
يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة ( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) قتلها ( إِلا بِالْحَقِّ ) إما بكفر بالله بعد إسلامها,
أو زنا بعد إحصانها, أو قتل نفس, فتقتل بها ( وَلا يَزْنُونَ ) فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يقول: ومن يأت هذه الأفعال,
فدعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله بغير الحق, وزنى ( يَلْقَ أَثَامًا ) يقول: يلق من عقاب الله عقوبة
ونكالا كما وصفه ربنا جلّ ثناؤه, وهو أنه ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
فِيهِ مُهَانًا ) ، ومن
الأثام قول بَلْعَاءَ بن قيس الكناني:
جَـزَى
اللـهُ ابْـنَ عُـرْوَةَ حيْثُ أمْسَى عُقُوقـــا والعُقُــوقُ لَــهُ أثــامُ
يعني
بالأثام: العقاب.
وقد ذُكر
أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين
أرادوا الدخول في الإسلام, ممن كان منه في شركه هذه الذنوب, فخافوا أن لا ينفعهم
مع ما سلف منهم من ذلك إسلام, فاستفتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك,
فأنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية, يعلمهم أن الله قابل توبة من تاب منهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: ثني يعلى بن مسلم,
عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قَتَلُوا فأكثروا, فأتوا
محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسن, لو تخبرنا أن لما
عملنا كفارة, فنـزلت (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) ونـزلت: قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى
قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا
تَشْعُرُونَ قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء.
حدثنا
عبد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا سفيان, عن أبي معاوية, عن أبي عمرو الشيباني,
عن عبد الله, قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟ قال: أنْ تَدْعُوَ
للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأَكُلَ
مَعَكَ, وأنْ تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ , وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم من كتاب الله (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) .
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان عن الأعمش ومنصور, عن أبي وائل، عن
عمرو بن شرحبيل, عن عبد الله, قال: قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم؟ أنْ
تَجْعَلَ للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ، قلت: ثم أي؟ قال: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
خَشْيَةَ أَنْ يَأَكُلَ مَعَكَ, قلت: ثم أي؟ قال: أنْ تُزَاني حَلِيلَةِ جَارِكَ « فأنـزل تصديق قول النبي صلى
الله عليه وسلم: (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) » ... الآية.
حدثنا
سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا عليّ بن قادم, قال: ثنا أسباط بن نصر الهمداني, عن
منصور, عن أبي وائل, عن أبي ميسرة, عن عبد الله بن مسعود, عن النبيّ صلى الله عليه
وسلم, نحوه.
حدثني
عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثني عمي يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن سفيان,
عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي
الذنب أكبر؟ ثم ذكر نحوه.
حدثني
أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: ثنا عامر بن مدرك, قال: ثنا السريّ - يعني ابن
إسماعيل - قال: ثنا الشعبي, عن مسروق, قال: قال عبد الله: « خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يوم, فاتبعته, فجلس على نشَز من الأرض, وقعدت أسفل منه, ووجهي حيال
ركبتيه, فاغتنمت خلوته وقلت: بأبي وأمي يا رسول الله, أي الذنوب أكبر؟ قال : » أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدّا وهُوَ
خَلَقَكَ. قلت: ثم مه؟ قال: « أنْ
تَقْتَلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قلت: ثم مه؟ قال: « أنْ تُزَانِي حَلِيلَةِ
جَارِكَ » , ثم
تلا هذه الآية: (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى آخر الآية.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جُبير, أو
حُدثت عن سعيد بن جُبير, أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين
الآيتين التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... إلى آخر
الآية, والآية التي في الفرقان (
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) إلى (
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) قال
ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فلا
توبة له، والتي في الفرقان لما أنـزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله,
وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ, فما ينفعنا الإسلام؟ قال: فنـزلت ( إِلا مَنْ تَابَ ) قال: فمن تاب منهم قُبل منه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جبير, أو قال: حدثني الحكم
عن سعيد بن جُبير, قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي, فقال: سل ابن عباس, عن هاتين
الآيتين, ما أمرهما عن الآية التي في الفرقان ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) الآية, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فسألت ابن عباس عن ذلك, فقال: لما أنـزل الله
التي في الفرقان, قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله, ودعونا مع
الله إلها آخر, فقال: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) الآية. فهذه لأولئك. وأما التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... الآية, فإن الرجل إذا عرف
الإسلام, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فجزاؤه جهنم, فلا توبة له. فذكرته لمجاهد, فقال:
إلا من ندم.
حدثنا
محمد بن عوف الطائي, قال: ثنا أحمد بن خالد الذهني, قال: ثنا شيبان, عن منصور بن
المعتمر, قال: ثني سعيد بن جُبير, قال لي سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: سل ابن
عباس، عن هاتين الآيتين عن قول الله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى ( مَنْ تَابَ ) وعن قوله وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... إلى آخر الآية، قال: فسألت عنها ابن عباس, فقال:
أنـزلت هذه الآية في الفرقان بمكة إلى قوله ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) فقال المشركون: فما يغني عنا
الإسلام, وقد عدلنا بالله, وقتلنا النفس التي حرّم الله, وأتينا الفواحش, قال:
فأنـزل الله ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ... إلى آخر الآية, قال: وأما من دخل في الإسلام وعقله, ثم
قتل, فلا توبة له.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس, قال في هذه الآية (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ... الآية, قال: نـزلت في أهل الشرك.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن سعيد بن جُبير,
قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هذه الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) فذكر
نحوه.
حدثني
عبد الكريم بن عمير, قال: ثنا إبراهيم بن المنذر, قال: ثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان,
مَولى لبني الديل من أهل المدينة, عن فليح الشماس, عن عبيد بن أبي عبيد, عن أبي
هريرة, قال: « صليت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العَتَمة, ثم انصرفت فإذا امرأة عند بابي, ثم
سلمت, ففتحت ودخلت, فبينا أنا في مسجدي أصلي, إذ نقرت الباب, فأذنت لها, فدخلت
فقالت: إني جئتك أسألك عن عمل عملت, هل لي من توبة؟ فقالت: إني زنيت وولدت,
فقتلته, فقلت : ولا لا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة تقول: يا
حسرتاه, أخُلق هذا الحسن للنار؟ قال: ثم صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح
من تلك الليلة, ثم جلسنا ننتظر الإذن عليه, فأذن لنا, فدخلنا, ثم خرج من كان معي,
وتخلفت, فقال: مَا لَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ, ألَكَ حَاجَة؟ فقلت له: يا رسول الله
صليت معك البارحة ثم انصرفت. وقصصت عليه ما قالت المرأة, فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ما قُلْت لَهَا؟ قال: قلت لها: لا والله، ولا نعمت العين ولا كرامة, فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: » بِئسَ
مَا قُلتَ، أمَا كُنْتَ تَقْرَأ هذِهِ الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ... الآية ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) فقال
أبو هريرة: فخرجت, فلم أترك بالمدينة حصنا ولا دارًا إلا وقفت عليه, فقلت: إن تكن
فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة الليلة, فلتأتني ولتبشر; فلما صليت مع النبيّ صلى
الله عليه وسلم العشاء, فإذا هي عند بابي, فقلت: أبشري, فإني دخلت على النبيّ,
فذكرت له ما قلت لي, وما قلت لك, فقال: وبئس ما قلت لها, أما كنت تقرأ هذه الآية؟
فقرأتها عليها, فخرّت ساجدة, فقالت: الحمد لله الذي جعل مخرجًا وتوبة مما عملت, إن
هذه الجارية وابنها حرَّان لوجه الله, وإني قد تبت مما عملت « . »
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك, عن
أبي الجوزاء, قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة, فما شيء من القرآن إلا
سألته عنه, ورسولي يختلف إلى عائشة, فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول: إن
الله يقول لذنب: لا أغفره.
وقال
آخرون: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني المغيرة بن عبد الرحمن
الحراني, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد أنه دخل على أبيه وعنده رجل من أهل العراق,
وهو يسأله عن هذه الآية التي في تبارك الفرقان, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فقال زيد بن ثابت: قد عرفت الناسخة من المنسوخة, نسختها
التي في النساء بعدها بستة أشهر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الضحاك بن
مزاحم: هذه السورة بينها وبين النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثمان
حجج. وقال ابن جُرَيج: وأخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جُبير: هل لمن
قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ فقال: لا فقرأ عليه هذه الآية كلها, فقال سعيد بن جُبير: قرأتها
على ابن عباس كما قرأتها علي, فقال: هذه مكية, نسختها آية مدنية, التي في سورة
النساء، وقد أتينا على البيان عن الصواب من القول في هذه الآية التي في سورة
النساء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو
الذي قلنا في الأثام من القول, قال أهل التأويل, إلا أنهم قالوا: ذلك عقاب يعاقب
الله به من أتى هذه الكبائر بواد في جهنم يُدعى أثاما.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت أبي يحدّث, عن قتادة, عن
أبي أيوب الأزدي, عن عبد الله بن عمرو, قال: الأثام: واد في جهنم.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: واديا في جهنم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, حدثنا ابن حميد
قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, في قوله: ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَامًا ) قال:
واديا في جهنم فيه الزناة.
حدثني
العباس بن أبي طالب, قال: ثنا محمد بن زياد, قال: ثنا شرقي بن قطاميّ, عن لقمان بن
عامر الخزاعيّ, قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهلي, فقلت: حدثني حديثًا
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فدعا لي بطعام, ثم قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « لَوْ
أَنَّ صَخْرَةً زِنَةَ عَشْر عَشْرَوَاتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ ما
بَلَغَتْ قَعْرَهَا خَمْسِينَ خَرِيفا, ثُمَّ تَنْتَهِي إلى غَيٍّ وأثامٍ » . قلت: وما غيّ وأثام؟ قال:
بِئْرَان فِي أَسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أهْلِ النَّار, وهما
اللذان ذكر الله في كتابه أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا وقوله في الفرقان ( وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: الأثام الشرّ, وقال:
سيكفيك ما وراء ذلك: (
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: نكالا قال: وقال: إنه
واد في جهنم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن هشيم, قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم
قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين
خريفا بحجر يهوي فيها أو بصخرة تهوي, عظمها كعشر عشراوات سمان, فقال له رجل: فهل
تحت ذلك من شيء؟ قال: نعم غيّ وأثام.
قوله: ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) اختلفت
القرّاء في قراءته, فقرأته عامة قراء الأمصار سوى عاصم ( يُضَاعفْ ) جزما ( وَيَخْلُدْ ) جزما. وقرأه عاصم: ( يضَاعَفُ ) رفعا ( وَيَخْلُدُ ) رفعا كلاهما على الابتداء,
وأن الكلام عنده قد تناهى عند (
يَلْقَ أَثَامًا ) ثم
ابتدأ قوله: (
يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ ) .
والصواب من القراءة عندنا فيه: جزم الحرفين كليهما: يضاعفْ, ويخلدْ, وذلك أنه
تفسير للأثام لا فعل له, ولو كان فعلا له كان الوجه فيه الرفع, كما قال الشاعر:
مَتـى
تأْتِـهِ تَعْشُـو إلـى ضَـوْءِ نَارِهِ تَجِـدْ خَـيْرَ نَـارٍ عِنْدَهَـا
خَـيْرُ مُوقِدِ
فرفع
تعشو, لأنه فعل لقوله تأته, معناه: متى تأته عاشيا.
وقوله ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في
هوان. وقوله: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) يقول تعالى ذكره: ومن يفعل هذه الأفعال التي ذكرها جلّ
ثناؤه يلق أثاما ( إِلا
مَنْ تَابَ ) يقول:
إلا من راجع طاعة الله تبارك وتعالى بتركه ذلك, وإنابته إلى ما يرضاه الله ( وَآمَنَ ) يقول: وصدّق بما جاء به محمد
نبيّ الله (
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) يقول:
وعمل بما آمره الله من الأعمال, وانتهى عما نهاه الله عنه.
قوله: ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه:
فأولئك يبدّل الله بقبائح أعمالهم في الشرك, محاسن الأعمال في الإسلام, فيبدله
بالشرك إيمانا, وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان به, وبالزنا عفة وإحصانا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات, فرغب الله
بهم عن ذلك, فحوّلهم إلى الحسنات, وأبدلهم مكان السيئات حسنات.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ... إلى آخر الآية, قال: هم الذين يتوبون فيعملون بالطاعة,
فيبدّل الله سيئاتهم حسنات حين يتوبون.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن سعيد, قال: نـزلت ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى آخر الآية في وحشي
وأصحابه, قالوا: كيف لنا بالتوبة, وقد عبدنا الأوثان, وقتلنا المؤمنين, ونكحنا
المشركات, فأنـزل الله فيهم ( إِلا
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله, وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالا مع
المسلمين للمشركين, وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال ابن عباس, في
قوله: (
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: بالشرك إيمانا, وبالقتل
إمساكا, والزنا إحصانا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) وهذه
الآية مكية نـزلت بمكة (
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يعني:
الشرك, والقتل, والزنا جميعا. لما أنـزل الله هذه الآية قال المشركون من أهل مكة:
يزعم محمد أن من أشرك وقتل وزنى فله النار, وليس له عند الله خير, فأنـزل الله ( إِلا مَنْ تَابَ ) من المشركين من أهل مكة, ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) يقول: يبدّل الله مكان الشرك والقتل والزنا: الإيمان بالله,
والدخول في الإسلام, وهو التبديل في الدنيا. وأنـزل الله في ذلك يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ يعنيهم بذلك لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يعني ما كان في الشرك، يقول
الله لهم: (
أَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) , يدعوهم إلى الإسلام, فهاتان الآيتان مكيتان والتي في
النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... الآية, هذه مدنية, نـزلت
بالمدينة, وبينها وبين التي نـزلت في الفرقان ثمان سنين, وهي مبهمة ليس منها مخرج.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا أبو تُمَيْلة, قال ثنا أبو حمزة, عن جابر, عن مجاهد, قال: سُئل
ابن عباس عن قول الله جلّ ثناؤه: ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) فقال:
بُـــدِّلْنَ
بَعْـــدَ حَــرّهِ خَرِيفــا وَبَعْـــدَ طُــولِ النَّفَسِ الوَجِيفــا
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ...إلى
قوله: (
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) فقال
المشركون: ولا والله ما كان هؤلاء الذين مع محمد إلا معنا, قال: فأنـزل الله ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ) قال: تاب من الشرك, قال: وآمن
بعقاب الله ورسوله (
وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) قال:
صدّق, (
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: يبدّل الله أعمالهم
السيئة التي كانت في الشرك بالأعمال الصالحة حين دخلوا في الإيمان.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك, فأولئك يبدل الله سيئاتهم في الدنيا حسنات لهم يوم القيامة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أحمد بن عمرو البصري, قال: ثنا قريش بن أنس أبو أنس, قال: ثني صالح بن رستم, عن
عطاء الخراساني, عن سعيد بن المسيب ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قال: تصير سيئاتهم حسنات لهم
يوم القيامة.
حدثنا
الحسن بن عرفة, قال: ثنا محمد بن حازم أبو معاوية, عن الأعمش, عن المعرور بن سويد,
عن أبي ذرّ, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنِّي لأعْرِفُ آَخِرَ أهْلِ
النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ, وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولا الجَنَّةَ, قال:
يُؤتَى بِرجُلٍ يَومَ القِيَامَةِ, فَيُقَالُ: نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وسَلُوهُ
عَنْ صِغَارِهَا, قال: فَيُقُالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا, وَعَمِلْتَ كَذَا
وكَذَا, قال: فيَقُولُ: يا رَبّ لَقَدْ عَمِلْتُ أشْيَاءَ ما أرَاها هاهُنَا, قال:
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه, قال: فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ مَكَانَ
كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ » .
قال أبو
جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويل من تأوّله: فأولئك يبدل الله
سيئاتهم: أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام, بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال
إلى ما يرضى.
وإنما
قلنا ذلك أولى بتأويل الآية, لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من
القُبح, وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه إلا بتغييرها عما
كانت عليه من صفتها في حال أخرى, فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي
كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة,
وذلك ما لا يقوله ذو حجا.
وقوله: ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) يقول
تعالى ذكره: وكان الله ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده, وراجع طاعته, وذا رحمة به
أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها. قوله: ( وَمَنْ تَابَ ) يقول: ومن تاب من المشركين, فآمن بالله ورسوله ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) يقول: وعمل بما أمره الله
فأطاعه, فإن الله فاعل به من إبداله سيئ أعماله في الشرك بحسنها في الإسلام, مثل
الذي فعل من ذلك بمن تاب وآمن وعمل صالحا قبل نـزول هذه الآية من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) قال: هذا للمشركين الذين
قالوا لما أنـزلت (
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ... إلى قوله ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) لأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان هؤلاء إلا معنا, قال: ومن تاب وعمل صالحا
فإن لهم مثل ما لهؤلاء (
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) لم تُحظر التوبة عليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( 72 )
اختلف
أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه, فقال
بعضهم: معناه الشرك بالله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: ( لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: الشرك.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
هؤلاء المهاجرون, قال: والزور قولهم لآلهتهم, وتعظيمهم إياها.
وقال
آخرون: بل عني به الغناء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن عبد الأعلى المحاربيّ قال: ثنا محمد بن مروان, عن ليث, عن مجاهد في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
لا يسمعون الغناء.
وقال
آخرون: هو قول الكذب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ ) قال:
الكذب.
قال أبو
جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء, ووصفه بخلاف صفته, حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه,
أنه خلاف ما هو به, والشرك قد يدخل في ذلك, لأنه محسَّن لأهله, حتى قد ظنوا أنه
حق, وهو باطل, ويدخل فيه الغناء, لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت, حتى يستحلي
سامعه سماعه, والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه, حتى يظنّ صاحبه أنه حق,
فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور.
فإذا كان
ذلك كذلك, فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من
الباطل لا شركا, ولا غناء, ولا كذبا ولا غيره, وكلّ ما لزمه اسم الزور, لأن الله
عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور, فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة
يجب التسليم لها, من خبر أو عقل.
وقوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) اختلف
أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذُكر في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: ما كان
المشركون يقولونه للمؤمنين, ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كراما إعراضهم عنهم
وصفحهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
صفحوا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
إذا أوذوا مرّوا كراما, قال: صفحوا.
وقال
آخرون: بل معناه: وإذا مرّوا بذكر النكاح, كفوا عنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوام بن حوشب, عن مجاهد ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام بن حوشب, عن مجاهد،
(
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبي مخزوم, عن سيار ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) إذا
مرّوا بالرفث كفُّوا.
وقال
آخرون: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
هؤلاء المهاجرون, واللغو ما كانوا فيه من الباطل, يعني المشركين وقرأ
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ
وقال
آخرون: عُني باللغو هاهنا: المعاصي كلها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
اللغو كله: المعاصي.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي, أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء
المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مرّوا كراما, واللغو في كلام العرب هو
كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل, أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان
بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مما يُستقبح في بعض
الأماكن, فهو من اللغو, وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما
عظموه على نحو ما عظموه, وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين, فكل ذلك يدخل
في معنى اللغو, فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو, أن يقال: عُني به بعض ذلك
دون بعض, إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذ كان ذلك كذلك, فتأويل
الكلام: وإذا مرّوا بالباطل فسمعوه أو رأوه, مرّوا كراما، مرورهم كراما في بعض ذلك
بأن لا يسمعوه, وذلك كالغناء. وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا, وذلك إذا أو
ذوا بإسماع القبيح من القول، وفي بعضه بأن يَنْهَوْا عن ذلك, وذلك بأن يروا من
المنكر ما يغير بالقول فيغيروه بالقول. وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف, وذلك
بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم, فيستصرخهم المراد ذلك منهم, فيصرخونهم, وكلّ
ذلك مرورهم كراما.
وقد
حدثني ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن مسلم, عن إبراهيم بن
ميسرة, قال: مرّ ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ
لَكَرِيما » .
وقيل: إن
هذه الآية مكية.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت السديّ يقول: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا ) قال:
هي مكية, وإنما عني السديّ بقوله هذا إن شاء الله, أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين
بقتال المشركين بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وأمرهم
إذا مرّوا باللَّغو الذي هو شرك, أن يُقاتلوا أمراءه, وإذا مرّوا باللغو, الذي هو
معصية لله أن يغيروه, ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة, وهذا القول نظير تأويلنا الذي
تأولناه في ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ( 73 )
يقول
تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله, لم يكونوا صما لا يسمعون, وعميا
لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب, فهماء العقول, يفهمون عن الله ما يذِّكرهم به,
ويفهمون عنه ما ينبههم عليه, فيوعون مواعظه آذانا سمعته, وقلوبا وعته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا
صُمًّا وَعُمْيَانًا ) فلا
يسمعون, ولا يبصرون, ولا يفقهون حقا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) قال: لا يفقهون, ولا يسمعون,
ولا يبصرون.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علَية, عن ابن عون, قال: قلت للشعبيّ: رأيت قوما
قد سجدوا ولم أعلم ما سجدوا منه أسجد قال: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) قال: هذا مثل ضربه الله لهم,
لم يدعوها إلى غيرها, وقرأ قول الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... الآية.
فإن قال
قائل: وما معنى قوله ( لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) أوَ يَخرّ الكافرون صما وعميانا إذا ذكروا بآيات الله,
فَيُنْفَى عن هؤلاء ما هو صفة للكفار؟ قيل: نعم, الكافر إذا تُليت عليه آيات الله
خرّ عليها أصم وأعمى, وخرّه عليها كذلك: إقامته على الكفر, وذلك نظير قول العرب:
سببت فلانا, فقام يبكي, بمعنى فظلّ يبكي, ولا قيام هنالك, ولعله أن يكون بكى
قاعدا، وكما يقال: نهيت فلانا عن كذا, فقعد يشتمني: ومعنى ذلك: فجعل يشتمني, وظلّ
يشتمني, ولا قعود هنالك, ولكن ذلك قد جرى على ألسن العرب, حتى قد فهموا معناه.
وذكر الفرّاء أنه سمع العرب تقول: قعد يشتمني, كقولك: قام يشتمني, وأقبل يشتمني;
قال: وأنشد بعض بني عامر:
لا
يُقْنِـــعُ الجَارِيَــةَ الخِضَــابُ ولا الوِشــــاحانِ ولا الجِلْبـــابُ
مــنْ
دُونِ أنْ تَلْتَقِــي الأرْكــابُ وَيَقْعُـــدَ الأيْـــرُ لَــهُ لُعــابُ
بمعنى:
يصير, فكذلك قوله: ( لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) إنما معناه: لم يصَمُّوا عنها, ولا عموا عنها, ولم يصيروا
على باب ربهم صُمًّا وعمْيانًا, كما قال الراجز:
وَيَقْعَدَ
الهَنُ لَهُ لُعَابُ
بمعنى:
ويصير.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا
من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) يعنون: من يعمل لك بالطاعة فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا
والآخرة.
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا حزم, قال: سمعت كثيرا سأل الحسن, قال: يا أبا سعيد, قول
الله: ( هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) في الدنيا والآخرة؟ قال: لا
بل في الدنيا, قال: وما ذاك؟ قال: المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله.
حدثنا
الفضل بن إسحاق, قال: ثنا سالم بن قُتَيبة, قال: ثنا حزم, قال: سمعت الحسن فذكر
نحوه.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: قرأ حضرمي ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: وإنما قرّة أعينهم أن يروهم يعملون بطاعة الله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج فيما قرأنا عليه في قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك, ولا يجرُّون الجرائر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك يحسنون عبادتك, ولا يجرّون علينا الجرائر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يسألون الله لأزواجهم
وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
حدثنا
محمد بن عون, قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, قال: ثني أبي, عن صفوان بن عمرو,
عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير, عن أبيه, قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود,
فقال: لقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أشدّ حالة بُعث عليها نبيّ من
الأنبياء في فترة وجاهلية, ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان, فجاء بفرقان فَرق
به بين الحق والباطل, وفرق بين الوالد وولده, حتى إن كان الرجل ليرى ولده ووالده
وأخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإسلام, فيعلم أنه إن مات دخل النار, فلا
تقرّ عينه, وهو يعلم أن حبيبه في النار, وإنها للتي قال الله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ... الآية.
حدثني
ابن عوف, قال: ثني علي بن الحسن العسقلاني, عن عبد الله بن المبارك, عن صفوان, عن
عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَيرٍ, عن أبيه, عن المقداد, نحوه.
وقيل: هب
لنا قرّة أعين, وقد ذكر الأزواج والذريات وهم جمع, وقوله: ( قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) واحدة لأن قوله: قرّة أعين مصدر
من قول القائل: قرّت عينك قرة, والمصدر لا تكاد العرب تجمعه.
وقوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) اختلف
أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه: اجعلنا أئمة يَقْتَدِي بنا من بعدنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن عبد الأعلى بن واصل, قال: ثني عون بن سلام, قال: أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي
روق, عن الضحاك, عن ابن عباس, في قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) يقول: أثمة يُقْتَدَى بنا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) أثمة
التقوى ولأهله يقتدى بنا. قال ابن زيد: كما قال لإبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا .
وقال
آخرون: بل معناه: واجعلنا للمتقين إمامًا: نأتمّ بهم, ويأتمّ بنا من بعدنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في
قوله: (
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) أئمة نقتدي بمن قبلنا, ونكون أئمة لمن بعدنا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا ابن عيينة, عن أبن أبي نجيح, عن
مجاهد: (
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) قال: اجعلنا مؤتمين بهم, مقتدين بهم.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: واجعلنا للمتقين الذين
يتقون معاصيك, ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات, لأنهم إنما سألوا ربهم
أن يجعلهم للمتقين أئمة ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما, وقال: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا ) ولم
يقل أئمة. وقد قالوا: واجعلنا وهم جماعة, لأن الإمام مصدر من قول القائل: أمّ فلان
فلانا إماما, كما يقال: قام فلان قياما وصام يوم كذا صياما. ومن جمع الإمام أئمة,
جعل الإمام اسما, كما يقال: أصحاب محمد إمام, وأئمة للناس. فمن وحَّد قال: يأتمّ
بهم الناس. وهذا القول الذي قلناه في ذلك قول بعض نحويِّي أهل الكوفة. وقال بعض
أهل البصرة من أهل العربية: الإمام في قوله: ( لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) جماعة, كما تقول: كلهم عُدُول. قال: ويكون على الحكاية كما
يقول القائل: إذا قيل له: من أميركم، هؤلاء أميرنا، واستشهد لذلك بقول الشاعر:
يــا
عــاذِلاتي لا تُـرِدْنَ مَلامَتِـي إنَّ العــوَاذلَ لَسْــنَ لــي بـأمِيرِ
القول
في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ
الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ( 75 )
يقول
تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي, وذلك من ابتداء قوله: وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ... إلى قوله:
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا ... الآية ( يُجْزَوْنَ ) يقول: يُثابون على أفعالهم
هذه التي فعلوها في الدنيا (
الْغُرْفَةَ ) وهي
منـزلة من منازل الجنة رفيعة ( بِمَا
صَبَرُوا ) يقول:
بصبرهم على هذه الأفعال, ومقاساة شدتها. وقوله: ( وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ) اختلفت القرّاء في قراءته,
فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وَيُلَقَّوْنَ ) مضمومة الياء, مشدّدة القاف, بمعنى: وتتلقاهم الملائكة فيها
بالتحية. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: « وَيَلْقَوْنَ » بفتح الياء, وتخفيف القاف.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار بمعنى واحد,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن أعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها « وَيَلْقَوْنَ فِيهَا » بفتح الياء, وتخفيف القاف. لأن
العرب إذا قالت ذلك بالتشديد, قالت: فلان يُتَلَّقَّى بالسلام وبالخير ونحن
نتلقاهم بالسلام, قرنته بالياء وقلما تقول: فلان يُلقَّى السلام, فكان وجه الكلام
لو كان بالتشديد, أن يقال: ويُتَلَقَّوْنَ فيها بالتحية والسلام.
وإنما
اخترنا القراءة بذلك, كما تجيز أخذت بالخطام, وأخذت الخطام.
وقد
بيَّنا معنى التحية والسلام فيما مضى قبل, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 76 ) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا
دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ( 77 )
يقول
تعالى ذكره: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا, خالدين في الغرفة, يعني أنهم ماكثون
فيها, لابثون إلى غير أمد, حسنت تلك الغرفة قرارا لهم ومقاما. يقول: وإقامة.
وقوله: ( قُلْ
مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) يقول
جلّ ثناؤه لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: أيّ شيء يَعُدّكم, وأيّ
شيء يصنع بكم ربي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئا, وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته,
كما قال الشاعر:
كــــأنَّ
بِنَحْـــرِهِ وبمَنْكَبَيْـــهِ عَبِــيرًا بــاتَ يَعْبَــؤُهُ عَـرُوسُ
يقول:
يهيئه ويعمله يعبؤُه عبا وعبوءا, ومنه قولهم: عَبَّأت الجيش بالتشديد والتخفيف
فأنا أعبئه: أُهَيِّئُهُ والعبءُ: الثقل.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي ) يصنع
لولا دعاؤكم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي ) قال:
يعبأ: يفعل.
وقوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول: لولا عبادة من يعبده
منكم, وطاعة من يطيعه منكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي
لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول:
لولا إيمانكم, وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين, ولو كان
له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حبَّبه إلى المؤمنين.
وحدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) قال: لولا دعاؤكم إياه
لتعبدوه وتطيعوه.
وقوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) يقول تعالى ذكره لمشركي قريش
قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم
وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به لو تمسكتم به, كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون
تكذيبكم رسول ربكم, وخلافكم أمر بارئكم, عذابًا لكم ملازما, قتلا بالسيوف وهلاكا
لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا, كما قال أبو ذُؤَيب الهُذَليّ:
فَفاجــــأَهُ
بِعادِيَــــةٍ لِـــزَامٍ كمَــا يَتَفَجَّــرُ الحَــوْضُ اللَّقِيـفُ
يعني
باللزام: الكبير الذي يتبع بعضه بعضا, وباللقيف: المتساقط الحجارة المتهدّم, ففعل
الله ذلك بهم, وصدقهم وعده, وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه, وألحق بعضهم ببعض, فكان
ذلك العذاب اللزام.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني مولى لشقيق بن
ثور أنه سمع سلمان أبا عبد الله, قال: صليت مع ابن الزُّبير فسمعته يقرأ: فقد كذب
الكافرون.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا سعيد بن أدهم السدوسيّ, قال:
ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة, عن عبد المجيد, قال: سمعت مسلم بن عمار, قال:
سمعت ابن عباس يقرأ هذا الحرف: فقد كذب الكافرون ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) .
حدثنا محمد
بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ
رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) يقول: كذب الكافرون أعداء
الله.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن ابن مسعود, قال:
فسوف يلقون لزاما يوم بدر.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق. قال: قال عبد
الرحمن: خمس قد مضين: الدخان, واللزام, والبطشة, والقمر, والروم.
حدثني
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال أُبَيِّ بن كعب: هو القتل
يوم بدر.
حدثنا بن
حميد, قال: ثنا سلمة, عن عمرو, عن مغيرة, عن إبراهيم, قال: اللزام: يوم بدر.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: هو يوم بدر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: يوم بدر.
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن مَعْمر, عن منصور, عن سفيان, عن ابن مسعود, قال:
اللزام, القتل يوم بدر.
حُدثت عن
الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ
يَكُونُ لِزَامًا ) الكفار
كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من عند الله, فسوف يكون لزاما,
وهو يوم بدر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله, قال: قد مضى اللزام,
كان اللزام يوم بدر, أسروا سبعين, وقتلوا سبعين.
وقال آخرون:
معنى اللزام: القتال.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: فسوف يكون قتالا اللزام:
القتال.
وقال
آخرون: اللزام: الموت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: موتا.
وقال بعض
أهل العلم بكلام العرب: معنى ذلك: فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو
شرّ. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك. وللنصب في اللزامِ وجه آخر غير الذي
قلناه, وهو أن يكون في قوله (
يَكُون ) مجهول,
ثم ينصب اللزام على الخبر كما قيل:
إذَا كان
طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَقتالا
وقد كان
بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبأ بكم ربي لولا
دعاؤكم ما تَدْعون من دونه من الآلهة والأنداد, وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه
عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.
آخر
تفسير سورة الفرقان, والحمد لله وحده.
تفسير سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : طسم ( 1 ) تِلْكَ آيَاتُ
الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 )
قال أبو
جعفر: وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما في ابتداء فواتح سور القرآن من حروف
الهجاء, وما انتزع به كل قائل منهم لقوله ومذهبه من العلة. وقد بيَّنا الذي هو
أولى بالصواب من القول فيه فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته, وقد ذكر
عنهم من الاختلاف في قوله: طسم و طس , نظير الذي ذكر عنهم في: الم و المر و المص .
وقد
حدثني عليّ بن داود, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن
عباس, في قوله: ( طسم ) قال: فإنه قسم أقسمه الله,
وهو من أسماء الله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( طسم ) قال: اسم من أسماء القرآن.
فتأويل
الكلام على قول ابن عباس والجميع: إن هذه الآيات التي أنـزلتها على محمد صلى الله
عليه وسلم في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنـزلته إليه من قبلها الذي بين لمن
تدبره بفهم, وفكر فيه بعقل, أنه من عند الله جلّ جلاله, لم يتخرّصه محمد صلى الله
عليه وسلم, ولم يتقوّله من عنده, بل أوحاه إليه ربه.
وقوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ
أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) يقول
تعالى ذكره: لعلك يا محمد قاتل نفسك ومهلكها إن لم يؤمن قومك بك, ويصدقوك على ما
جئتهم به والبخْع: هو القتل والإهلاك في كلام العرب; ومنه قول ذي الرُّمة:
ألا
أيُّهَــذَا البــاخعُ الوَجْـدُ نَفْسَـهُ لشَــيْءٍ نَحَتْـهُ عَـنْ يَدَيْـهِ
المَقـادِرُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: ( بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) : قاتل نفسك.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ
أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) قال:
لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك, قال: ذلك البخع.
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) عليهم حرصا.
وأن من
قوله: ( أَلا
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) في
موضع نصب بباخع, كما يقال: زرت عبد الله أن زارني, وهو جزاء; ولو كان الفعل الذي
بعد أن مستقبلا لكان وجه الكلام في « أن » الكسر
كما يقال; أزور عبد الله إن يزورني.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ
عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ( 4 )
اختلف أهل
التأويل في تأويل قوله: (
فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ) ...
الآية, فقال بعضهم: معناه: فظلّ القوم الذين أنـزل عليهم من السماء آية خاضعة
أعناقهم لها من الذلَّة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ
لَهَا خَاضِعِينَ ) قال:
فظلوا خاضعة أعناقهم لها.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( خَاضِعِينَ ) قال: لو شاء الله لنـزل عليه
آية يذلون بها, فلا يلوي أحد عنقه إلى معصية الله.
حدثنا
القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
إِنْ نَشَأْ نُنـزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً ) قال: لو شاء الله لأراهم أمرا
من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بمعصية.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال: ملقين أعناقهم.
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ
لَهَا خَاضِعِينَ ) قال:
الخاضع: الذليل.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين, ويقول: الأعناق: هم
الكبراء من الناس.
واختلف
أهل العربية في وجه تذكير (
خاضعين ) , وهو
خبر عن الأعناق, فقال بعض نحوييّ البصرة: يزعمون أن قوله ( أعْنَاقُهُمْ ) على الجماعات, نحو: هذا عنق
من الناس كثير, أو ذُكِّر كما يذكَّر بعض المؤنث, كما قال الشاعر:
تَمَزَّزْتُهــا
والـدّيكُ يَدْعُـو صَبَاحَـهُ إذا مــا بنـو نَعْشٍ دَنَـوْا فَتَصَوَّبُـوا
فجماعات
هذا أعناق, أو يكون ذكره لإضافته إلى المذكر كما يؤنث لإضافته إلى المؤنث, كما قال
الأعشى:
وتشـرقُ
بـالقَوْلِ الَّـذِي قَـدْ أذَعْتَـه كمَـا شَـرَقَتْ صَـدْرُ القَنـاةِ مِنَ
الدَّم
وقال
العجاج:
لَمَّا
رأى مَتْنَ السَّماء أبْعَدَتْ
وقال
الفرزدق:
إذَا
الْقُنْبُضَـاتُ السُّـودُ طَوَّفْنَ بالضحى رَقَــدْنَ عَلَيهِـنَّ الحِجَـالُ
المُسَـجَّفُ
وقال
الأعشى:
وإن
أمــرأً أهْــدَى إلَيْـكَ وَدُونَـهُ مِـنَ الأرْضِ يَهْمـاءٌ وَبَيْـدَاءُ
خَـيْفَقُ
لَمَحْقُوقَــة
أن تَسْــتَجِيبِي لِصَوْتِـهِ وأنْ تَعْلَمِــي أنَّ المُعــانَ المُـوَفَّقُ
قال:
ويقولون: بنات نعش وبنو نعش, ويقال: بنات عِرس, وبنو عِرس; وقالت امرأة: أنا امرؤ
لا أخبر السرّ, قال: وذكر لرؤبة رجل فقال: هو كان أحد بنات مساجد الله, يعني
الحَصَى. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا بمنـزلة قول الشاعر:
تَـــرَى
أرْمَـــاحَهُمْ مُتَقَلديهـــا إذَا صَــدِئَ الحَــدِيدُ عـلى الكُمـاةِ
فمعناه
عنده: فظلت أعناقهم خاضعيها هم, كما يقال: يدك باسطها, بمعنى: يدك باسطها أنت,
فاكتفى بما ابتدأ به من الاسم أن يكون, فصار الفعل كأنه للأوّل وهو للثاني, وكذلك
قوله: لمحقوقة أن تستجيبي لصوته إنما هو لمحقوقة أنت, والمحقوقة: الناقة, إلا أنه
عطفه على المرء لما عاد بالذكر. وكان آخر منهم يقول: الأعناق: الطوائف, كما يقال:
رأيت الناس إلى فلان عنقا واحدة, فيجعل الأعناق الطوائف والعصب; ويقول: يحتمل أيضا
أن تكون الأعناق هم السادة والرجال الكبراء, فيكون كأنه قيل: فظلت رءوس القوم
وكبراؤهم لها خاضعين, وقال: أحب إلي من هذين الوجهين في العربية أن يقال: إن
الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون, فجعلت الفعل أولا للأعناق, ثم جعلت خاضعين
للرجال, كما قال الشاعر:
عَـلى
قَبْضَـة مَرْجُـوَّة ظَهْـرُ كَفِّـهِ فَـلا المَـرْءُ مُسْـتَحي وَلا هُـوَ
طاعِمُ
فأنث فعل
الظهر, لأن الكفّ تجمع الظهر, وتكفي منه, كما أنك تكتفي بأن تقول: خضعت لك, من أن
تقول: خَضَعَتْ لك رقبتي, وقال: ألا ترى أن العرب تقول: كل ذي عين ناظر وناظرة
إليك, لأن قولك: نظرتْ إليك عيني, ونظرت إليك بمعنى واحد بترك كل, وله الفعل ومرده
إلى العين, فلو قلت: فظلت أعناقهم لها خاضعة, كان صوابا.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون
الأعناق هي أعناق الرجال, وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة, للآية التي
ينـزلها الله عليهم من السماء, وأن يكون قوله « خاضعين » مذكرا,
لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق, فيكون ذلك نظير قول جرير:
أرَى
مَــرَّ السِّــنِينَ أخَــذْنَ مِنِّـي كمَــا أخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الهـلالِ
وذلك أن
قوله: مرّ, لو أسقط من الكلام, لأدى ما بقي من الكلام عنه ولم يفسد سقوطه معنى
الكلام عما كان به قبل سقوطه, وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: فظلت أعناقهم, لأدى
ما بقي من الكلام عنها, وذلك أن الرجال إذا ذلوا, فقد ذلت رقابهم, وإذا ذلت رقابهم
فقد ذلوا.
فإن قيل
في الكلام: فظلوا لها خاضعين, كان الكلام غير فاسد, لسقوط الأعناق, ولا متغير
معناه عما كان عليه قبل سقوطها, فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق, وإن كان قد
ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم, إذا كان الاسم المبتدأ
به, وما أضيف إليه يؤدّي الخبر كل واحد منهما عن الآخر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ
ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد
من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك, وحقيقة ما تدعوهم
إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك, لتذكرهم به, إلا أعرضوا عن استماعه, وتركوا
إعمال الفكر فيه وتدبره.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 6 )
يقول
تعالى ذكره: فقد كذب يا محمد هؤلاء المشركون بالذكر الذي أتاهم من عند الله,
وأعرضوا عنه (
فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول: فسيأتيهم أخبار الأمر
الذي كانوا يسخرون منه, وذلك وعيد من الله لهم أنه محلّ بهم عقابه على تماديهم في
كفرهم, وتمرّدهم على ربهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى
الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المشركون المكذّبون بالبعث والنشر إلى الأرض, كم أنبتنا
فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) يعني بالكريم: الحسن, كما
يقال للنخلة الطيبة الحمل: كريمة, وكما يقال للشاة أو الناقة إذا غزرتا, فكثرت
ألبانهما: ناقة كريمة, وشاة كريمة.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ
كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) قال:
من نبات الأرض, مما تأكل الناس والأنعام.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: اخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) قال: حسن.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 9 )
يقول
تعالى ذكره: إن في إنباتنا في الأرض من كلّ زوج كريم لآية. يقول: لدلالة لهؤلاء
المشركين المكذّبين بالبعث, على حقيقته, وأن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض
ذلك النبات بعد جدوبتها, لن يُعجزه أن يُنْشر بها الأموات بعد مماتهم, أحياء من
قبورهم.
وقوله: ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ) يقول:
وما كان أكثر هؤلاء المكذبين بالبعث, الجاحدين نبوتك يا محمد, بمصدقيك على ما
تأتيهم به من عند الله من الذكر.
يقول جلّ
ثناؤه: وقد سبق في علمي أنهم لا يؤمنون, فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم.
وقوله: (
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) يقول: وإن ربك يا محمد لهو العزيز في نقمته, لا يمتنع عليه
أحد أراد الانتقام منه. يقول تعالى ذكره: وإني إن أحللت بهؤلاء المكذبين بك يا
محمد, المعرضين عما يأتيهم من ذكر من عندي, عقوبتي بتكذيبهم إياك, فلن يمنعهم مني
مانع, لأني أنا العزيز الرحيم, يعني أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه من كفره
ومعصيته, أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته.
وكان ابن
جُرَيج يقول في معنى ذلك, ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني الحجاج, عن
ابن جُرَيج قال: كلّ شيء في الشعراء من قوله ( الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم, يقول عزيز, حين انتقم من
أعدائه, رحيم بالمؤمنين, حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه.
قال أبو
جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع, لأن قوله: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) عقيب
وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث, لم يكونوا أهلكوا, فيوجه إلى أنه
خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه.ولعلّ ابن جُرَيج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك
عقيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمم, وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم
كذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى
أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (
11 )
يقول
تعالى ذكره: واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران ( أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ) يعني
الكافرين قوم فرعون, ونصب القوم الثاني ترجمة عن القوم الأوّل, وقوله: ( أَلا يَتَّقُونَ ) يقول: ألا يتقون عقاب الله على
كفرهم به. ومعنى الكلام: قوم فرعون فقل لهم: ألا يتقون. وترك إظهار فقل لهم لدلالة
الكلام عليه. وإنما قيل: ألا يتقون بالياء, ولم يقل ألا تتقون بالتاء, لأن
التنـزيل كان قبل الخطاب, ولو جاءت القراءة فيها بالتاء كان صوابا, كما قيل: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ
) و
سَتُغْلَبُونَ
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ
أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ
إِلَى هَارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 )
يقول تعالى
ذكره: ( قال ) موسى لربه ( رَبِّ إِنِّي أَخَافُ ) من قوم فرعون الذين أمرتني أن
آتيهم ( أَنْ
يُكَذِّبُونِ ) بقيلي
لهم: إنك أرسلتني إليهم. (
وَيَضِيقُ صَدْرِي ) من
تكذيبهم إياي إن كذّبوني. ورفع قوله: ( وَيَضِيقُ صَدْرِي ) عطفا به على أخاف, وبالرفع فيه قرأته عامة قرّاء الأمصار,
ومعناه: وإني يضيق صدري .وقوله: ( وَلا
يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) يقول:
ولا ينطق بالعبارة عما ترسلني به إليهم, للعلة التي كانت بلسانه. وقوله: ( وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) كلام معطوف به على يضيق.
وقوله: (
فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ) يعني
هارون أخاه, ولم يقل: فأرسل إليّ هارون ليؤازرني وليعينني, إذ كان مفهوما معنى
الكلام, وذلك كقول القائل: لو نـزلت بنا نازلة لفزعنا إليك, بمعنى: لفزعنا إليك
لتعيننا. وقوله: (
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) يقول:
ولقوم فرعون عليّ دعوى ذنب أذنبت إليهم, وذلك قتله النفس التي قتلها منهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثني عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ
فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) قال:
قتل النفس التي قتل منهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: قتْل موسى
النفس.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) قال: قتل النفس.
وقوله: ( فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) يقول: فأخاف أن يقتلوني قودا
بالنفس التي قتلت منهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ كَلا فَاذْهَبَا
بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ ( 17 )
يقول
تعالى ذكره: ( كَلا ) : أي لن يقتلك قوم فرعون. ( فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ) يقول: فاذهب أنت وأخوك
بآياتنا, يعني بأعلامنا وحججنا التي أعطيناك عليهم. وقوله: ( إِنَّا مَعَكُمْ
مُسْتَمِعُونَ ) من قوم
فرعون ما يقولون لكم, ويجيبونكم به. وقوله: ( فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا ) ... الآية, يقول: فأت أنت يا
موسى وأخوك هارون فرعون. (
فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) إليك ب ( أَنْ
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وقال رسول ربّ العالمين, وهو يخاطب اثنين بقوله فقولا لأنه
أراد به المصدر من أرسلت, يقال: أرسلت رسالة ورسولا كما قال الشاعر:
لَقَـدْ
كَـذَبَ الوَاشُـونَ ما بُحْتُ عِندَهمْ بِسُـــوءٍ وَلا أرْسَــلْتُهُمْ
بِرَسُــولِ
يعنى
برسالة, وقال الآخر:
ألا
مــنْ مُبْلِــغٌ عَنّــي خُفافــا رَسُــولا بَيْــتُ أهلِــكَ مُنْتَهاهـا
يعني
بقوله: رسولا رسالة, فأنث لذلك الهاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ
فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ
فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 19 )
وفي هذا
الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه, وهو: فأتيا فرعون فأبلغاه رسالة
ربهما إليه, فقال فرعون: ألم نربك فينا يا موسى وليدا, ولبثت فينا من عمرك سنين؟
وذلك مكثه عنده قبل قتل القتيل الذي قتله من القبط. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ ) يعني:
قتله النفس التي قتل من القبط.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي
فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ
الضَّالِّينَ قال: قتل النفس
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
وإنما
قيل (
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ) لأنها
مرة واحدة, ولا يجوز كسر الفاء إذا أريد بها هذا المعنى. وذُكر عن الشعبي أنه قرأ
ذلك: «
وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ » بكسر
الفاء, وهي قراءة لقراءة القرّاء من أهل الأمصار- مخالفة.
وقوله: ( وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
) اختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين بالله على
ديننا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) يعني على ديننا هذا الذي تعيب.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتنا عليك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) قال: ربيناك فينا وليدا, فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا
نفسا, وكفرت نعمتنا!.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
) يقول:
كافرا للنعمة لأن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر.
قال أبو
جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويل الآية, لأن فرعون لم يكن مقرّا
لله بالربوبية وإنما كان يزعم أنه هو الرب, فغير جائز أن يقول لموسى إن كان موسى
كان عنده على دينه يوم قتل القتيل على ما قاله السديّ : فعلت الفعلة وأنت من
الكافرين, الإيمان عنده: هو دينه الذي كان عليه موسى عنده, إلا أن يقول قائل: إنما
أراد: وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى, على قولك اليوم, فيكون ذلك وجها يتوجه.
فتأويل الكلام إذن: وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك, وإحساننا
إليك في قتلك إياه.
وقد قيل:
معنى ذلك: وأنت الآن من الكافرين لنعمتي عليك, وتربيتي إياك.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ
لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت, أي قتلت تلك النفس التي
قتلت إذن وأنا من الضالين. يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي
بتحريم قتله عليّ. والعرب تضع من الضلال موضع الجهل, والجهل موضع الضلال, فتقول:
قد جهل فلان الطريق وضل الطريق, بمعنى واحد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال ابن
جُرَيج: وفي قراءة ابن مسعود: « وأنا
مِنَ الجَاهِلِينَ » .
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ فقال موسى: لم أكفر, ولكن فعلتها وأنا من الضالين.
وفي حرف ابن مسعود: « فعلتها
إذا وأنا من الجاهلين » .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قبل أن
يأتيني من الله شيء كان قتلي إياه ضلالة خطأ. قال: والضلالة ههنا الخطأ, لم يقل
ضلاله فيما بينه وبين الله.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) يقول:
وأنا من الجاهلين.
وقوله ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا
خِفْتُكُمْ ) ...
الآية, يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى لفرعون: ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ ) معشر الملأ من قوم فرعون ( لَمَّا خِفْتُكُمْ ) أن تقتلوني بقتلي القتيل
منكم. (
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ) يقول:
فوهب لي ربي نبوّة وهي الحكم.
كما
حدثنا موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط عن السديّ: ( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا
)
والحكم: النبوّة.
وقوله: ( وَجَعَلَنِي مِنَ
الْمُرْسَلِينَ ) يقول:
وألحقني بعداد من أرسله إلى خلقه, مبلغا عنه رسالته إليهم بإرساله إياي إليك يا
فرعون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا
عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 22 ) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ ( 23 ) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ ) يعني
بقوله: وتلك تربية فرعون إياه, يقول: وتربيتك إياي, وتركك استعبادي, كما استعبدت
بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ بحقّ. وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر
عليه عنه, وهو: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني, فلم تستعبدني,
فترك ذكر «
وتركتني » لدلالة
قوله ( أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) عليه,
والعرب تفعل ذلك اختصارا للكلام, ونظير ذلك في الكلام أن يستحق رجلان من ذي سلطان
عقوبة, فيعاقب أحدهما, ويعفو عن الآخر, فيقول المعفو عنه هذه نعمة علي من الأمير
أن عاقب فلانا, وتركني, ثم حذف « وتركني
» لدلالة
الكلام عليه, ولأن في قوله: ( أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وجهين:
أحدهما النصب, لتعلق « تمنها
» بها,
وإذا كانت نصبا كان معنى الكلام: وتلك نعمة تمنها علي لتعبدك بني إسرائيل. والآخر:
الرفع على أنها ردّ على النعمة. وإذا كانت رفعا كان معنى الكلام: وتلك نعمة تمنها
عليّ تعبيدك بني إسرائيل. ويعني بقوله: ( أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) : أن اتخذتهم عبيدا لك. يقال
منه: عبدت العبيد وأعبدتهم, قال الشاعر:
عَـلامَ
يُعْبِـدنِي قَـومِي وقـدْ كَـثُرَتْ فِيهــا أبـاعِرُ مـا شـاءُوا وَعُبْـدَانُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال:
قهرتهم واستعملتهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: تمن علي أن عبَّدت
بني إسرائيل, قال: قهرت وغلبت واستعملت بني إسرائيل.
حدثنا
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وربيتني قبل وليدا.
وقال
آخرون: هذا استفهام كان من موسى لفرعون, كأنه قال: أتمنّ عليّ أن اتخذت بني
إسرائيل عبيدا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَيَّ ) قال:
يقول موسى لفرعون: أتمنّ عليّ أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدا.
واختلف
أهل العربية في ذلك, فقال بعض نحويي البصرة: وتلك نعمة تمنها عليّ, فيقال: هذا
استفهام كأنه قال: أتمنها علي؟ ثم فسر فقال: ( أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وجعله بدلا من النعمة. وكان
بعض أهل العربية ينكر هذا القول, ويقول: هو غلط من قائله لا يجوز أن يكون همز
الاستفهام يلقى, وهو يطلب, فيكون الاستفهام كالخبر, قال: وقد استقبح ومعه أم, وهي
دليل على الاستفهام واستقبحوا:
تَــرُوحُ
مــنَ الحَــيّ أمْ تَبْتَكــرْ وَمــاذَا يَضُــرُّكَ لَــوْ تَنْتظــرْ?
قال:
وقال بعضهم: هو أتروح من الحيّ, وحذف الاستفهام أوّلا اكتفاء بأم. وقال أكثرهم: بل
الأوّل خبر, والثاني استفهام, وكأن « أم » إذا
جاءت بعد الكلام فهي الألف, فأما وليس معه أم, فلم يقله إنسان.
وقال بعض
نحويي الكوفة في ذلك ما قلنا. وقال: معنى الكلام: وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من
الكافرين لنعمتي: أي لنعمة تربيتي لك, فأجابه فقال: نعم هي نعمة عليّ أن عبدت
الناس ولم تستعبدني.
وقول ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا
رَبُّ الْعَالَمِينَ ) يقول:
وأيّ شيء ربّ العالمين؟
( قال ) موسى هو ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ )
ومالكهن ( وَمَا
بَيْنَهُمَا ) يقول:
ومالك ما بين السموات والأرض من شيء. ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) يقول: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه, فكذلك
فأيقنوا أن ربنا هو ربّ السموات والأرض وما بينهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا
تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 )
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (
28 ) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ ( 29 )
يعني
تعالى ذكره بقوله ( قَالَ
لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ) قال فرعون لمن حوله من قومه: ألا تستمعون لما يقول موسى,
فأخبر موسى عليه السلام القوم بالحواب عن مسألة فرعون إياه وقيله له وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ ليفهم بذلك قوم فرعون مقالته لفرعون, وجوابه إياه عما سأله, إذ قال
لهم فرعون ( أَلا
تَسْتَمِعُونَ ) إلى
قول موسى, فقال لهم الذي دعوته إليه وإلى عبادته ( رَبُّكُمْ ) الذي خلقكم ( وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) فقال فرعون لما قال لهم موسى
ذلك, وأخبرهم عما يدعو إليه فرعون وقومه: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
لَمَجْنُونٌ ) يقول:
إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله, لأنه يقول قولا لا نعرفه
ولا نفهمه, وإنما قال ذلك ونسب موسى عدو الله إلى الجنة, لأنه كان عنده وعند قومه
أنه لا رب غيره يعبد, وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة, فقال موسى عند
ذلك محتجًّا عليهم, ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته, إذ كان عند قوم فرعون أن الذي
يعرفونه ربًّا لهم في ذلك الوقت هو فرعون, وأن الذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك
أخر, كانوا قبل فرعون, قد مضوا فلم يكن عندهم أن موسى أخبرهم بشيء له معنى يفهمونه
ولا يعقلونه, ولذلك قال لهم فرعون: إنه مجنون, لأن كلامه كان عندهم كلاما لا
يعقلون معناه، وقوله: ( قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) فمعناه: الذي أدعوكم وفرعون
إلى عبادته رب المشرق والمغرب وما بينهما يعني ملك مشرق الشمس ومغربها, وما بينهما
من شيء لا إلى عبادة ملوك مصر الذين كانوا ملوكها قبل فرعون لآبائكم فمضوا, ولا
إلى عبادة فرعون الذي هو ملكها. ( إِنْ
كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) يقول:
إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم, وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم؛
فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح, إذ كان فرعون ومن
قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر, وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي
يدعوهم موسى إلى عبادته, هو الملك الذي يملك الملوك. قال فرعون حينئذ استكبارا عن
الحق, وتماديا في الغي لموسى: (
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي ) يقول: لئن أقررت بمعبود سواي ( لأجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ ) يقول:
لأسجننك مع من في السجن من أهله.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ
بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 )
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا
هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره: قال موسى لفرعون لما عرفه ربه, وأنه رب المشرق والمغرب, ودعاه إلى
عبادته وإخلاص الألوهة له, وأجابه فرعون بقوله لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ : أتجعلني من المسجونين ( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ
مُبِينٍ ) يبين
لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه؟ وإنما قال ذلك له, لأن من أخلاق
الناس السكون للإنصاف, والإجابة إلى الحق بعد البيان؛ فلما قال موسى له ما قال من
ذلك, قال له فرعون: فأت بالشيء المبين حقيقة ما تقول, فإنا لن نسجنك حينئذ إن
اتخذت إلها غيري إن كنت من الصادقين: يقول: إن كنت محقا فيما تقول, وصادقا فيما
تصف وتخبر, (
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) يقول جلّ ثناؤه: فألقى موسى
عصاه فتحوّلت ثعبانا, وهي الحية الذكر كما قد بيَّنت فيما مضى قبل من صفته وقوله ( مُبِينٌ ) يقول: يبين لفرعون والملأ من
قومه أنه ثعبان.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن شهر بن حوشب,
عن ابن عباس, قوله: (
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) يقول: مبين له خلق حية.
وقوله: ( وَنـزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ
بَيْضَاءُ ) يقول:
وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع ( للناظرين ) لمن
ينظر إليها ويراها.
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا عثام بن عليّ, قال: ثنا الأعمش, عن المنهال, قال: ارتفعت الحية
في السماء قدر ميل, ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها, فجعلت تقول: يا موسى
مرني بما شئت, فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك. بالذي أرسلك, قال: فأخذه بطنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ
إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي
الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: قال فرعون لما أراه موسى من عظيم قدرة الله وسلطانه حجة عليه لموسى
بحقيقة ما دعاه إليه, وصدق ما أتاه به من عند ربه ( لِلْمَلإ حَوْلَهُ ) يعني لأشراف قومه الذين كانوا
حوله. ( إِنَّ
هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) يقول:
إن موسى سحر عصاه حتى أراكموها ثعبانا ( عَلِيمٌ ) ,
يقول: ذو علم بالسحر وبصر به. (
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ) يقول: يريد أن يخرج بني
إسرائيل من أرضكم إلى الشأم بقهره إياكم بالسحر. وإنما قال: يريد أن يخرجكم فجعل
الخطاب للملإ حوله من القبط, والمعنيّ به بنو إسرائيل, لأن القبط كانوا قد
استعبدوا بني إسرائيل, واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا, فلذلك قال لهم: ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ ) وهو يريد: أن يخرج خدمكم
وعبيدكم من أرض مصر إلى الشأم.
وإنما
قلت معنى ذلك كذلك, لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بإرسال بني إسرائيل
معه, فقال له ولأخيه فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وقوله: ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) يقول: فأي شيء تأمرون في أمر
موسى وما به تشيرون من الرأي فيه؟ ( قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ
حَاشِرِينَ ) يقول
تعالى ذكره: فأجاب فرعون الملأ حوله بأن قالوا له: أخِّر موسى وأخاه وأنظره, وابعث
في بلادك وأمصار مصر حاشرين يحشرون إليك كل سحّار عليم بالسحر.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَجُمِعَ السَّحَرَةُ
لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ
مُجْتَمِعُونَ ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: فجمع الحاشرون الذين بعثهم فرعون بحشر السحرة ( لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
) يقول:
لوقت واعد فرعون لموسى الاجتماع معه فيه من يوم معلوم, وذلك يوم الزينة وَأَنْ
يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى .
وقيل
للناس: هل أنتم مجتمعون لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان, ولمن تكون الغلبة, لموسى أو
للسحرة؟
القول
في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ
السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ( 40 )
فلعلنا
نتبع السحرة، ومعنى لعل هنا كي، يقول: كي نتبع السحرة، إن كانوا هم الغالبين موسى،
وإنما قلت ذلك معناها: لأن قوم فرعون كانوا على دين فرعون، فغير معقول أن يقول من
كان على دين: أنظر إلى حجة من هو على خلافي لعلي أتبع ديني، وإنما يقال: أنظر
إليها كي أزداد بصيرة بديني، فأقيم عليه. وكذلك قال قوم فرعون. فإياها عنوا
بقيلهم: ( لعلنا
نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) .
وقيل: إن
اجتماعهم للميقات الذي اتعد للاجتماع فيه فرعون وموسى كان بالإسكندرية.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ
أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ قال: كانوا بالإسكندرية, قال: ويقال: بلغ ذنب الحية من
وراء البحيرة يومئذ, قال: وهربوا وأسلموا فرعون وهمت به, فقال: فخذها يا موسى,
قال: فكان فرعون مما يلي الناس منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئا, قال: فأحدث
يومئذ تحته, قال: وكان إرساله الحية في القبة الحمراء.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ
قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (
41 ) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قَالَ لَهُمْ
مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ
وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ( 44
)
يقول
تعالى ذكره: (
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ ) فرعون
لوعد لموسى وموعد فرعون (
قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا ) سحرنا قبلك ( إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ) مُوسَى ، ( قال ) فرعون لهم ( نَعَمْ ) لكم الأجر على ذلك ( وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ
الْمُقَرَّبِينَ ) منا.
فقالوا عند ذلك لموسى: إما أن تلقي, وإما أن نكون نحن الملقين, وترك ذكر قيلهم ذلك
لدلالة خبر الله عنهم أنهم قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون, على أن ذلك معناه ف
( قَالَ
لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) من حبالكم وعصيكم. ( فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ) من أيديهم ( وَقَالُوا بِعِزَّةِ
فِرْعَوْنَ ) يقول:
أقسموا بقوّة فرعون وشدّة سلطانه, ومنعة مملكته ( إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ) موسى.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ
فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
( 46 ) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (
48 ) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: (
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ ) حين
ألقت السحرة حبالهم وعصيهم. (
فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر
الذي لا حقيقة له, وإنما هو مخاييل وخدعة. ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ) يقول: فلما تبين السحرة أن
الذي جاءهم به موسى حق لا سحر, وأنه مما لا يقدر عليه غير الله الذي فطر السموات
والأرض من غير أصل, خرّوا لوجوههم سجدا لله, مذعنين له بالطاعة, مقرّين لموسى
بالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الحقّ, وأن ما كانوا يعملونه من السحر باطل,
قائلين: (
آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) الذي
دعانا موسى إلى عبادته دون فرعون وملئه. ( رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
آذَنَ لَكُمْ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال فرعون للذين كانوا سحرته فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حق قبل
أن آذن لكم في الإيمان به. (
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) يقول: إن موسى لرئيسكم في السحر,
وهو الذي علَّمكموه, ولذلك آمنتم به. ( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عند عقابي إياكم وبال ما فعلتم, وخطأ ما صنعتم من الإيمان
به.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا
إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ( 50 )
يقول
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مخالفا في قطع ذلك منكم بين قطع الأيدي
والأرجل, وذلك أن أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى, ثم اليد اليسرى والرجل اليمنى,
ونحو ذلك من قطع اليد من جانب, ثم الرجل من الجانب الآخر, وذلك هو القطع من خلاف
وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فوكد ذلك بأجمعين إعلاما منه أنه غير مُسْتَبْقٍ
منهم أحدا. (
قَالُوا لا ضَيْرَ ) يقول
تعالى ذكره: قالت السحرة: لا ضير علينا; وهو مصدر من قول القائل: قد ضار فلانٌ
فلانا فهو يضير ضيرا, ومعناه: لا ضرر.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( لا ضَيْرَ ) قال: يقول: لا يضرنا الذي
تقول, وإن صنعته بنا وصلبتنا. (
إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ) يقول: إنا إلى ربنا راجعون, وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك
إيانا, وثباتنا على توحيده, والبراءة من الكفر به.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 )
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة: إنا نطمع: إنا نرجو أن يصفع لنا ربنا عن خطايانا
التي سلفت منا قبل إيماننا به, فلا يعاقبنا بها.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا ) قال: السحر والكفر الذي كانوا فيه. ( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
لأن كنا أوّل من آمن بموسى وصدقه بما جاء به من توحيد الله وتكذيب فرعون في ادعائه
الربوبية في دهرنا هذا وزماننا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ) قال:
كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها.
وقوله: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى
أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ) يقول:
وأوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه وأبى إلا الثبات على طغيانه بعد ما أريناه
آياتنا, أن أسر بعبادي: يقول: أن سر ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر. ( إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) إن فرعون وجنده متبعوك وقومك
من بني إسرائيل, ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرضهم, أرض مصر.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي
الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 )
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره: فأرسل فرعون في المدائن يحشر له جنده وقومه ويقول لهم ( إِنَّ هَؤُلاءِ ) يعني بهؤلاء: بني إسرائيل ( لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) يعني بالشرذمة: الطائفة
والعصبة الباقية من عصب جبيرة, وشرذمة كل شيء: بقيته القليلة; ومنه قول الراجز:
جَــاءَ
الشِّــتَاءُ وقَمِيصِـي أخْـلاقْ شَــرَاذِمٌ يَضْحَــكُ مِنْــهُ التَّـوَّاقْ
وقيل:
قليلون, لأن كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة; فلما جمع جمع جماعاتهم قيل:
قليلون, كما قال الكُمَيت:
فَــرَدَّ
قَــوَاصِيَ الأحْيَــاء مِنْهُـمْ فَقَــدْ صَــارُوا كَحَــيّ وَاحدينـا
وذكر أن
الجماعة التي سماها فرعون شرذمة قليلين, كانوا ستّ مئة ألف وسبعين ألفا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) , قال:
كانوا ستّ مئة وسبعين ألفا.
قال: ثنا
عبد الرحمن, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عُبيدة, عن عبد الله, قال:
الشرذمة: ستّ مئة ألف وسبعون ألفا.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي,
عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد, قال: اجتمع يعقوب وولده إلى يوسف, وهم اثنان
وسبعون, وخرجوا مع موسى وهم ستّ مئة ألف, فقال فرعون ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) , وخرج
فرعون على فرس أدهم حصان على لون فرسه في عسكره ثمان مئة ألف.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن سعيد الجريري, عن أبي السليل, عن قيس بن
عباد, قال: وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بني إسرائيل, قال: فحدثنا أن
الشرذمة الذين سماهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ستّ مئة ألف, قال: وكان مقدمة
فرعون سبعة مئة ألف, كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة, وفي يده حربة, وهو خلفهم
في الدهم. فلما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر, قالت بنو إسرائيل. يا موسى أين
ما وعدتنا, هذا البحر بين أيدينا, وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا, فقال موسى
للبحر: انفلق أبا خالد, قال: لا لن أنفلق لك يا موسى, أنا أقدم منك خلقا; قال:
فنودي أن اضرب بعصاك البحر, فضربه, فانفلق البحر, وكانوا اثني عشر سبطا. قال
الجريري. فأحسبه قال: إنه كان لكل سبط طريق, قال: فلما انتهى أول جنود فرعون إلى
البحر, هابت الخيل اللهب; قال: ومثل لحصان منها فرس وديق, فوجد ريحها فاشتدّ,
فاتبعه الخيل; قال: فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر, وخرج آخر بني إسرائيل, أمر
البحر فانصفق عليهم, فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا, فسمع
الله تكذيبهم نبيه عليه السلام, قال: فرمى به على الساحل, كأنه ثور أحمر يتراءاه
بنو إسرائيل.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) يعني
بني إسرائيل.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) قال:
هم يومئذ ستّ مئة ألف, ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: وَأَوْحَيْنَا
إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ قال: أوحى الله إلى
موسى أن اجمع بني إسرائيل, كل أربعة أبيات في بيت, ثم اذبحوا أولاد الضأن, فاضربوا
بدمائها على الأبواب, فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتا على بابه دم, وسآمرهم
بقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم, ثم اخبزوا خبزا فطيرا, فإنه أسرع لكم, ثم
أسر بعبادي حتى تنتهي للبحر, فيأتيك أمري, ففعل; فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل
موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا, فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مئة
ألف وخمس مئة ملك مسوّر, مع كل ملك ألف رجل, وخرج فرعون في الكرش العظمى, وقال ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ ) قال:
قطعة, وكانوا ستّ مئة ألف, مئتا ألف منهم أبناء عشرين سنة إلى أربعين.
قال: ثني
حجاج, عن أبي بكر بن حوشب, عن ابن عباس, قال: كان مع فرعون يومئذ ألف جبار, كلهم
عليه تاج, وكلهم أمير على خيل.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: كانوا ثلاثين ملكا ساقة خلف فرعون يحسبون أنهم معهم
وجبرائيل أمامهم, يرد أوائل الخيل على أواخرها, فأتبعهم حتى انتهى إلى البحر,
وقوله: (
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ) يقول:
وإن هؤلاء الشرذمة لنا لغائظون, فذكر أن غيظهم إياهم كان قتل الملائكة من قتلت من
أبكارهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَإِنَّهُمْ لَنَا
لَغَائِظُونَ ) يقول:
بقتلهم أبكارنا من أنفسنا وأموالنا. وقد يحتمل أن يكون معناه: وإنهم لنا لغائظون
بذهابهم منهم بالعواريّ التي كانوا استعاروها منهم من الحليّ, ويحتمل أن يكون ذلك
بفراقهم إياهم, وخروجهم من أرضهم بكره لهم لذلك.
وقوله ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الكوفة ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) بمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو
أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة: « وأنا لجميع حذرون » بغير ألف. وكان الفرّاء يقول:
كأن الحاذر الذي يحذرك الآن, وكأن الحذر المخلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا; ومن
الحذر قول ابن أحمر:
هَــلْ
أُنسَــأَنْ يَوْمـا إلـى غَـيْرِهِ إنِّـــي حَــوَالِيٌّ وآنّــي حَــذِر
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار متقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ, فمصيب الصواب فيه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, قال: سمعت الأسود بن زيد يقرأ: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) قال:
مقوون مؤدون.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عيسى بن عبيد, عن أيوب, عن أبي
العرجاء, عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرأ: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) يقول: مؤدون.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) يقول:
حذرنا, قال: جمعنا أمرنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ ) قال:
مؤدون معدون في السلاح والكراع.
ثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج أبو معشر, عن محمد بن قيس قال: كان مع
فرعون ست مئة ألف حصان أدهم سوى ألوان الخيل.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا سليمان بن معاذ الضبي, عن عاصم بن
بهدلة, عن أبي رزين, عن ابن عباس أنه قرأها: ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) قال: مؤدون مقوون.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذَلِكَ
وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء, وكنوز ذهب وفضة, ومقام
كريم. قيل: إن ذلك المقام الكريم: المنابر. وقوله ( كذلك ) يقول: هكذا أخرجناهم من ذلك
كما وصفت لكم في هذه الآية والتي قبلها. ( وأورثناها ) يقول: وأورثنا تلك الجنات التي أخرجناهم منها والعيون
والكنوز والمقام الكريم عنهم بهلاكهم بني إسرائيل.وقوله: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) فأتبع
فرعون وأصحابه بني إسرائيل, مشرقين حين أشرقت الشمس, وقيل حين أصبحوا.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) قال:
خرج موسى ليلا فكسف القمر وأظلمت الأرض, وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سننجَى
من فرعون, وأخذ علينا العهد لنخرجنّ بعظامه معنا, فخرج موسى ليلته يسأل عن قبره,
فوجد عجوزا بيتها على قبره, فأخرجته له بحكمها, وكان حكمها أو كلمة تشبه هذا, أن
قالت: احملني فأخرجني معك, فجعل عظام يوسف في كسائه, ثم حمل العجوز على كسائه,
فجعله على رقبته, وخيل فرعون هي ملء أعنتها حضرا في أعينهم, ولا تبرح, حبست عن
موسى وأصحابه حتى تواروا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
) قال:
فرعون وأصحابه, وخيل فرعون في ملء أعنتها في رأي عيونهم, ولا تبرح, حبست عن موسى
وأصحابه حتى تواروا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا تَرَاءَى
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قَالَ كَلا
إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ
بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (
63 )
يقول
تعالى ذكره: فلما تناظر الجمعان: جمع موسى وهم بنو إسرائيل, وجمع فرعون وهم القبط
( قَالَ
أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) أي إنا لملحقون, الآن يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا, وذكر
أنهم قالوا ذلك لموسى, تشاؤما بموسى.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: قلت لعبد الرحمن ( فَلَمَّا تَرَاءَى
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) قال: تشاءموا بموسى, وقالوا:
أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا .
حدثنا
موسى, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ) فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون
قد رمقهم قالوا (
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ( قالوا ) يَامُوسَى ( أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا, إنا لمدركون; البحر بين
أيدينا, وفرعون من خلفنا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر, عن شهر بن حوشب, عن ابن
عباس, قال: لما انتهى موسى إلى البحر, وهاجت الريح العاصف, فنظر أصحاب موسى خلفهم
إلى الريح, وإلى البحر أمامهم ( قَالَ
أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى الأعرج ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) , وقرأه الأعرج: « إنَّا لَمُدَرَّكُونَ » كما يقال نـزلت, وأنـزلت.
والقراءة عندنا التي عليها قرّاء الأمصار, لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
وقوله: ( كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ ) قال
موسى لقومه: ليس الأمر كما ذكرتم, كلا لن تدركوا إن معي ربي سيهدين, يقول: سيهدين
لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه.
كما
حدثني ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله
بن شداد بن الهاد, قال: لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من
دُهم الخيل, سوى ما في جنده من شية الخيل, وخرج موسى حتى إذا قابله البحر, ولم يكن
عنه منصرف, طلع فرعون في جنده من خلفهم ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) أي للنجاة, وقد وعدني ذلك,
ولا خُلف لموعوده.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ
رَبِّي سَيَهْدِينِ ) يقول:
سيكفيني, وقال: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وقوله ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ
الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) ذكر أن
الله كان قد أمر البحر أن لا ينفلق حتى يضربه موسى بعصاه.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: فتقدم هارون فضرب البحر,
فأبى أن ينفتح, وقال: من هذا الجبار الذي يضربني, حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد,
وضربه فانفلق.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, قال: أوحى الله فيما ذكر إلى
البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له, قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من
الله, وانتظار أمره, وأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر, فضربه بها وفيها
سلطان الله الذي أعطاه, فانفلق.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, ظن سليمان التيمي, عن أبي السليل,
قال: لما ضرب موسى بعصاه البحر, قال: إيها أبا خالد, فأخذه إفْكَلُ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, وحجاج عن أبي: بكر بن عبد
الله وغيره, قالوا: لما انتهى موسى إلى البحر وهاجت الريح والبحر يرمي بتياره,
ويموج مثل الجبال, وقد أوحى الله إلى البحر أن لا ينفلق حتى يضربه موسى بالعصا,
فقال له يوشع: يا كليم الله أين أمرت؟ قال: ههنا, قال: فجاز البحر ما يواري حافره
الماء, فذهب القوم يصنعون مثل ذلك, فلم يقدروا, وقال له الذي يكتم إيمانه: يا كليم
الله أين أمرت؟ قال: ههنا, فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه, ثم قحمه
البحر فأرسب في الماء, فأوحى الله إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر, فضرب بعصاه موسى
البحر فانفلق, فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتلّ سرجه ولا لبده.
وقوله: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول
تعالى ذكره: فكان كل طائفة من البحر لما ضربه موسى كالجبل العظيم. وذُكر أنه انفلق
اثنتي عشرة فلقة على عدد الأسباط, لكل سبط منهم فرق.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول:
كالجبل العظيم, فدخلت بنو إسرائيل, وكان في البحر اثنا عشر طريقا, في كل طريق سبط,
وكان الطريق كما إذا انفلقت الجدران, فقال: كل سبط قد قتل أصحابنا; فلما رأى ذلك
موسى دعا الله فجعلها قناطر كهيئة الطيقان, فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, وحجاج, عن أبي بكر بن عبد
الله وغيره قالوا: انفلق البحر, فكان كل فرق كالطود العظيم, اثنا عشر طريقا في كل
طريق سبط, وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا, وكانت الطرق بجدران, فقال كل سبط: قد
قتل أصحابنا; فلما رأى ذلك موسى, دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان, ينظر
بعضهم إلى بعض, وعلى أرض يابسة كأن الماء لم يصبها قطّ حتى عبر.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لما انفلق البحر لهم صار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) أي
كالجبل على نشز من الأرض.
حدثني
عليّ, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) يقول:
كالجبل.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) قال: كالجبل العظيم.
ومنه قول
الأسود بن يعفر:
حَــلُّوا
بــأنْقِرَةٍ يَســيلُ عَلَيْهِــمُ مــاء الفُـرَاتِ يَجـيءُ مِـنْ أطْـوادِ
يعني
بالأطواد: جمع طود, وهو الجبل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ
أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 )
يعني
بقول تعالى ذكره: (
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) :
وقرّبنا هنالك آل فرعون من البحر, وقدمناهم إليه, ومنه قوله: وَأُزْلِفَتِ
الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ بمعنى: قربت وأُدنيت; ومنه قول العجاج:
طَـــيّ
اللَّيــالي زُلَفــا فَزُلَفــا سَــماوَةَ الهِــلالِ حـتى احْقَوْقَفَـا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) قال:
قرّبنا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ) قال:
هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: دنا فرعون وأصحابه بعد ما
قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر; فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا, قال: ألا
ترون البحر فرق مني, قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم, فذلك قول الله ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ ) يقول:
قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون; فلما قام فرعون على الطرق, وأبت خيله أن تتقحم,
فنـزل جبرائيل صلى الله عليه وسلم على ماذيانة, فتشامَّتْ الحُصُن ريح الماذيانة
فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم,
فالتطم عليهم, وتفرد جبرائيل بمقلة من مقل البحر, فجعل يدسها في فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: أقبل فرعون
فلما أشرف على الماء, قال أصحاب موسى: يا مكلم الله إن القوم يتبعوننا في الطريق,
فاضرب بعصاك البحر فاخلطه, فأراد موسى أن يفعل, فأوحى الله إليه: أن اترك البحر
رَهْوا يقول: أمره على سكناته إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ إنما أمكر بهم, فإذا
سلكوا طريقكم غرقتهم; فلما نظر فرعون إلى البحر قال: ألا ترون البحر فرق مني حتى
تفتح لي, حتى أدرك أعدائي فأقتلهم; فلما وقف على أفواه الطرق وهو على حصان, فرأى
الحصان البحر فيه أمثال الجبال هاب وخاف, وقال فرعون: أنا راجع, فمكر به جبرائيل
عليه السلام, فأقبل على فرس أنثى, فأدناها من حصان فرعون, فطفق فرسه لا يقرّ, وجعل
جبرائيل يقول: تقدم, ويقول: ليس أحد أحق بالطريق منك, فتشامت الحصن الماذيانة, فما
ملك فرعون فرسه أن ولج على أثره; فلما انتهى فرعون إلى وسط البحر, أوحى الله إلى
البحر: خذ عبدي الظَّالم وعبادي الظلمة, سلطاني فيك, فإني قد سلطتك عليهم, قال:
فتغطمطت تلك الفرق من الأمواج كأنها الجبال, وضرب بعضها بعضا; فلما أدركه الغرق
قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وكان جبرائيل صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليه لما
ردّ من آيات الله, ولطول علاج موسى إياه, فدخل في أسفل البحر, فأخرج طينا, فحشاه
في فم فرعون لكيلا يقولها الثانية, فتدركه الرحمة, قال: فبعث الله إليه ميكائيل
يعيره: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وقال جبرائيل:
يا محمد ما أبغضت أحدا من خلق الله ما أبغضت اثنين أحدهما من الجن وهو إبليس,
والآخر فرعون فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى : ولقد رأيتني يا محمد, وأنا أحشو
في فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها.
وقد زعم
بعضهم أن معنى قوله: ( وَأَزْلَفْنَا
ثَمَّ الآخَرِينَ )
وجمعنا, قال: ومنه ليلة المزدلفة, قال: ومعنى ذلك: أنها ليلة جمع. وقال بعضهم:
وأزلفنا ثَمَّ وأهلكنا.
وقوله: ( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ
مَعَهُ أَجْمَعِينَ ) يقول
تعالى ذكره: وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع
موسى من بني إسرائيل أجمعين. وقوله: ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ) يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه
من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه.
وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول تعالى ذكره: إن فيما
فعلت بفرعون ومن معه تغريقي إياهم في البحر إذ كذبوا رسولي موسى, وخالفوا أمري بعد
الإعذار إليهم, والإنذار لدلالة بينة يا محمد لقومك من قريش على أن ذلك سنتي فيمن
سلك سبيلهم من تكذيب رسلي, وعظة لهم وعبرة أن ادكروا واعتبروا أن يفعلوا مثل فعلهم
من تكذيبك مع البرهان والآيات التي قد أتيتهم, فيحلّ بهم من العقوبة نظير ما حل
بهم, ولك آية في فعلي بموسى, وتنجيتي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه, وإظهاري
إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم, على أني سالك فيك سبيله, إن أنت صبرت
صبره, وقمت من تبليغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه قيامه, ومظهرك على مكذّبيك,
ومعليك عليهم. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) يقول:
وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما أتاك الله من الحقّ المبين, فسابق في علمي
أنهم لا يؤمنون.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه ممن كفر به وكذّب رسله من أعدائه, ( الرَّحِيمُ ) بمن أنجى من رسله, وأتباعهم من الغرق والعذاب الذي عذب به
الكفرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
إِبْرَاهِيمَ ( 69 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ( 70 )
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: واقصص على قومك من المشركين يا محمد خبر إبراهيم حين قال لأبيه وقومه:
أيّ شيء تعبدون؟ ( قالوا
) لَهُ:
(
نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) يقول: فنظلّ لها خدما مقيمين على عبادتها وخدمتها.
وقد
بيَّنا معنى العكوف بشواهده فيما مضى قبل, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وكان ابن
عباس فيما روي عنه يقول في معنى ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, قوله: ( قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) قال: الصلاة لأصنامهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ
إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قَالُوا بَلْ
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم؟ واختلف أهل
العربية في معنى ذلك: فقال بعض نحويي البصرة معناه: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون
دعاءكم. فحذف الدعاء, كما قال زُهَير:
القــائِدُ
الخَــيْلَ مَنْكُوبًـا دَوَابِرُهـا قـدْ أُحْـكِمَتْ حَكمـاتِ القِـدّ والأبَقـا
وقال:
يريد أحكمت حكمات الأبق, فألقى الحكمات وأقام الأبق مُقامها. وقال بعض من أنكر ذلك
من قوله من أهل العربية: الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن, لأن العرب
تقول: سمعت زيدا متكلما, يريدون: سمعت كلام زيد, ثم تعلم أن السمع لا يقع على
الأناسيّ. إنما يقع على كلامهم ثم يقولون: سمعت زيدا: أي سمعت كلامه. قال: ولو لم
يقدم في بيت زهير حكمات القدّ لم يجز أن يسبق بالأبق عليها, لأنه لا يقال: رأيت
الأبق, وهو يريد الحكمة. وقوله: ( أَوْ
يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) يقول:
أو تنفعكم هذه الأصنام, فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها, أو يضرّونكم فيعاقبونكم
على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم, أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم ( قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا
آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) . وفي
الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك, وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم:
( هَلْ
يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) فكان جوابهم إياه: لا ما
يسمعوننا إذا دعوناهم, ولا ينفعوننا ولا يضرّون, يدل على أنهم بذلك أجابوه. قولهم:
( بَلْ
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) وذلك رجوع عن مجحود, كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا,
ومعنى قولهم: (
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) وجدنا من قبلنا ولا يضرّون, يدّل على أنهم بذلك أجابوه،
قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها, فنحن نفعل ذلك اقتداء
بهم, واتباعا لمنهاجهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ( 76 )
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 77 )
يقول
تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه: أفرأيتم أيها القوم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام
أنتم وآباؤكم الأقدمون, يعني بالأقدمين: الأقدمين من الذين كان إبراهيم يخاطبهم,
وهم الأوّلون قبلهم ممن كان على مثل ما كان عليه الذين كلمهم إبراهيم من عبادة
الأصنام ( فإنهم
عدو لي إلا رب العالمين ) . يقول
قائل: وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟ فإن معنى ذلك: فإنهم عدوّ
لي لو عبدتهم يوم القيامة, كما قال جلّ ثناؤه وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا .
وقوله: ( إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) نصبا على الاستثناء, والعدوّ
بمعنى الجمع, ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر, مثل القعود والجلوس.
ومعنى
الكلام: أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم, فإني منه بريء لا أعبده, إلا رب العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ
يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذَا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 )
يقول:
فإنهم عدوّ لي إلا ربّ العالمين (
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) للصواب من القول والعمل, ويسددني للرشاد. ( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي
وَيَسْقِينِ ) يقول:
والذي يغذوني بالطعام والشراب, ويرزقني الأرزاق ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) يقول: وإذا سقم جسمي واعتل,
فهو يبرئه ويعافيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ
يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ
الدِّينِ ( 82 )
يقول:
والذي يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي. ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) فربي هذا الذي بيده نفعي وضرّي, وله القدرة والسلطان, وله
الدنيا والآخرة, لا الذي لا يسمع إذا دعي, ولا ينفع ولا يضرّ. وإنما كان هذا
الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه, في أنه لا تصلح الألوهة, ولا ينبغي أن تكون
العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال, لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرّا.
وقيل: إن
إبراهيم صلوات الله عليه, عني بقوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ
الدِّينِ ) :
والذي أرجو أن يغفر لي قولي: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا وقولي لسارة: إنها أختي.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي
يَوْمَ الدِّينِ ) قال:
قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي,
حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) قال: قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة ومجاهد نحوه.
ويعني
بقوله (
يَوْمِ الدِّينِ ) يوم
الحساب, يوم المجازاة. وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي
الآخِرِينَ ( 84 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن مسألة خليله إبراهيم إياه ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ) يقول: رب هب لي نبوّة. ( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) يقول: واجعلني رسولا إلى
خلقك, حتى تلحقني بذلك بعداد من أرسلته من رسلك إلى خلقك, وائتمنته على وحيك,
واصطفيته لنفسك.وقوله: (
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) يقول: واجعل لي في الناس ذكرًا جميلا وثناء حسنا, باقيا
فيمن يجيء من القرون بعدي.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر, عن عكرمة, قوله: ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ
صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ )
قَوْلُهُ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا . قال: إن الله فضله بالخُلة حين
اتخذه خليلا فسأل الله فقال: (
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) حتى لا تكذّبني الأمم, فأعطاه الله ذلك, فإن اليهود آمنت
بموسى, وكفرت بعيسى, وإن النصارى آمنت بعيسى, وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم,
وكلهم يتولى إبراهيم; قالت اليهود: هو خليل الله وهو منا, فقطع الله ولايتهم منه
بعد ما أقرّوا له بالنبوّة وآمنوا به, فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا
وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ثم ألحق ولايته بكم فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ فهذا أجره الذي عجل له, وهي الحسنة, إذ يقول: وَآتَيْنَاهُ فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ
صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) قال:
اللسان الصدق: الذكر الصدق, والثناء الصالح, والذكر الصالح في الآخرين من الناس,
من الأمم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ
جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86
) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا
بَنُونَ ( 88 ) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 )
يعني
إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: (
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) أورثني يا ربّ من منازل من هلك من أعدائك المشركين بك من
الجنة, وأسكني ذلك. (
وَاغْفِرْ لأبِي ) يقول:
واصفح لأبي عن شركه بك, ولا تعاقبه عليه ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) يقول: إنه كان ممن ضل عن سبيل
الهدى, فكفر بك.
وقد
بيَّنا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم لأبيه صلوات الله عليه, واختلاف أهل
العلم في ذلك, والصواب عندنا من القول فيه فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا
الموضع.
وقوله: ( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ
يُبْعَثُونَ ) يقول:
ولا تذلني بعقابك إياي يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ
وَلا بَنُونَ ) يقول:
لا تخزني يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا مال كان له في الدنيا, ولا بنوه
الذين كانوا له فيها, فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه, ولا ينجيه منه.
وقوله: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) يقول:
ولا تخزني يوم يبعثون, يوم لا ينفع إلا القلب السليم.
والذي
عني به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب من الشكّ في توحيد الله,
والبعث بعد الممات.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن عون, قال: قلت لمحمد: ما القلب السليم؟
قال: أن يعلم أن الله حقّ, وأن الساعة قائمة, وأن الله يبعث من في القبور.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ ) قال:
لا شك فيه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال:
ليس فيه شكّ في الحقّ.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: سليم من الشرك.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: سليم من الشرك, فأما
الذنوب فليس يسلم منها أحد.
حدثني
عمرو بن عبد الحميد الآملي, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن جُوَيْبِر, عن الضحاك,
في قول الله: ( إِلا
مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال: هو الخالص.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ
أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ( 94 )
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 )
يعني جلّ
ثناؤه بقوله: (
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) وأدنيت الجنة وقرّبت للمتقين, الذين اتقوا عقاب الله في
الآخرة بطاعتهم إياه في الدنيا (
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ) يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل. وقيل
لِلْغَاوِينَ (
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من الأنداد ( هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ) اليوم من الله, فينقذونكم من
عذابه ( أَوْ
يَنْتَصِرُونَ )
لأنفسهم, فينجونها مما يُرَاد بها؟.
وقوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ) يقول:
فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض, وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم. وأصل
كبكبوا: كببوا, ولكن الكاف كرّرت كما قيل: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ يعني به صرّ, ونهنهني
يُنهنهَني, يعني به: نههني.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال. ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( فكبكبوا ) قال: فدهوروا.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) يقول: فجمعوا فيها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) قال: طرحوا فيها. فتأويل
الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون.
وذُكر عن
قَتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع. الشياطين.
* ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ) قال:
الغاوون: الشياطين.
فتأويل
الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة. فكبكب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون
من دون الله الأصنام والشياطين.
وقوله: ( وَجُنُودُ إِبْلِيسَ
أَجْمَعُونَ ) يقول:
وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده: كل من كان من تباعه,
من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا وَهُمْ فِيهَا
يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ
نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 98 )
يقول
تعالى ذكره: قال هؤلاء الغاوون والأنداد التي كانوا يعبدونها من دون الله وجنود
إبليس, وهم في الجحيم يختصمون. (
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يقول: تالله لقد كنا في ذهاب عن الحقّ, إن كنا لفي ضلال
مبين, يبين ذهابنا ذلك عنه عن نفسه, لمن تأمله وتدبره, أنه ضلال وباطل. وقوله: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ) يقول
الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب عن الحقّ حين نعدلكم
برب العالمين فنعبدكم من دونه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ) قال:
لتلك الآلهة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَضَلَّنَا إِلا
الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الغاوين في الجحيم: ( وَمَا أَضَلَّنَا إِلا
الْمُجْرِمُونَ ) يعني
بالمجرمين إبليس, وابن آدم الذي سنّ القتل.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عكرمة, قوله: ( وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ
) قال:
إبليس وابن آدم القاتل.
وقوله ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ
) يقول:
فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد, فيعفو عنا, وينجينا من عقابه. ( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) من الأقارب.
واختلف
أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين, وبالصديق الحميم, فقال بعضهم: عني
بالشافعين: الملائكة, وبالصديق الحميم: النسيب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ
) قال:
من الملائكة ( وَلا
صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال:
من الناس, قال مجاهد: صديق حميم, قال: شقيق.
وقال
آخرون: كل هؤلاء من بني آدم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي, عن أخيه يحيى
بن سعيد المسمعي, قال: كان قَتادة إذا قرأ: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال: يعلمون والله أن الصديق
إذا كان صالحا نفع, وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.
وقوله ( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
فلو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنؤمن بالله فنكون بإيماننا به من المؤمنين.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 104 )
يقول
تعالى ذكره: إن فيما احتجّ به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة
بينة واضحة لمن اعتبر, على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من
عبادة الأصنام والآلهة, ويقتدون بهم في ذلك ما سنّ فيهم في الدار الآخرة, من
كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم, وما كان أكثرهم في سابق علمه
مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه, ثم لم يتب من كفره حتى
هلك, الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 106
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ) رسل
الله الذين أرسلهم إليهم لما ( قَالَ
لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) فتحذروا عقابه على كفركم به, وتكذيبكم رسله. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من الله ( أمِينٌ ) على وحيه إلي, برسالته إياي
إليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا
عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 )
يقول
تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به, وأطيعوني في نصيحتي لكم,
وأمري إياكم باتقائه. ( وَمَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء
عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم, من ثواب ولا جزاء ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) دونكم
ودون جميع خلق الله, فاتقوا عقاب الله على كفركم به, وخافوا حلول سخطه بكم على
تكذيبكم رسله, وأطيعون: يقول: وأطيعوني في نصيحتي لكم, وأمري إياكم بإخلاص العبادة
لخالقكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ
وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ( 111 ) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 )
يقول
تعالى ذكره: قال قوم نوح له مجيبيه عن قيله لهم: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قالوا: أنؤمن لك يا نوح, ونقرّ بتصديقك فيما
تدعونا إليه, وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات. ( قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قال
نوح لقومه: وما علمي بما كان أتباعي يعملون, إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه,
ولم أكَلَّفْ علم باطنهم, وإنما كلّفت الظاهر, فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا, ومن
أظهر سيئا ظننت به سيئا. يقول: إن حساب باطن أمرهم الذي خفي عني إلا على ربي لو
تشعرون, فإنه يعلم سرّ أمرهم وعلانيته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى
رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) قال:
هو أعلم بما في نفوسهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنَا بِطَارِدِ
الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قَالُوا لَئِنْ
لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني على
التصديق بما جئت به من عند الله. ( إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) يقول: ما أنا إلا نذير لكم من
عند ربكم أنذركم بأسه, وسطوته على كفركم به مبين: يقول: نذير قد أبان لكم إنذاره,
ولم يكتمكم نصيحته. (
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) يقول: قال لنوح قومه: لئن لم
تنته يا نوح عما تقول, وتدعو إليه, وتعيب به آلهتنا, لتكوننّ من المشتومين, يقول:
لنشتمك.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ
مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ( 120 )
يقول
تعالى ذكره: قال نوح: ( رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ) فيما
أتيتهم به من الحقّ من عندك, وردّوا عليّ نصيحتي لهم. ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) يقول:
فاحكم بيني وبينهم حكما من عندك تهلك به المبطل, وتنتقم به ممن كفر بك وجحد
توحيدك, وكذب رسولك.
كما
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) قال:
فاقض بيني وبينهم قضاء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَافْتَحْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) قال:
يقول: اقض بيني وبينهم. ( ونجني
) يقول:
ونجني من ذلك العذاب الذي تأتي به حكما بيني وبينهم. ( وَمَنْ مَعِيَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
والذين معي من أهل الإيمان بك والتصديق لي.
وقوله ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ
مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يقول: فأنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين - حين فتحنا بينهم
وبين قومهم, وأنـزلنا بأسنا بالقوم الكافرين- في الفلك المشحون, يعني في السفينة
الموقرة المملوءة.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل قوله (
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال:
يعني الموقر.
حدثنا
محمد بن سنان القزاز, قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر, قال: ثنا أبو كدينة, عن
عطاء, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: ( المشحون ) :
الموقر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: المفروغ منه المملوء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: ( المشحون ) المفروغ منه تحميلا.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قول الله: ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: هو المحمل.
وقوله: ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ
الْبَاقِينَ ) من
قومه الذين كذبوه, وردوا عليه النصيحة.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 122 )
يقول
تعالى ذكره: إن فيما فعلنا يا محمد بنوح ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون,
حين أنـزلنا بأسنا وسطوتنا, بقومه الذين كذبوه, لآية لك ولقومك المصدّقيك منهم
والمكذّبيك, في أن سنتنا تنجية رسلنا وأتباعهم, إذا نـزلت نقمتنا بالمكذبين بهم من
قومهم, وإهلاك المكذبين بالله, وكذلك سنتي فيك وفي قومك. ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ) يقول:
ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدّقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا. ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه ممن كفر به, وخالف أمره (
الرَّحِيمُ )
بالتائب منهم, أن يعاقبه بعد توبته.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ عَادٌ
الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 124
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 )
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 127 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ عَادٌ ) رسل
الله إليهم. ( إِذْ
قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ) عقاب الله على كفركم به. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من ربي يأمركم بطاعته, ويحذركم على كفركم بأسه, ( أَمِينٌ ) على وحيه ورسالته. ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) بطاعته والانتهاء إلى ما
يأمركم وينهاكم (
وأطيعون ) فيما
آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته. ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أطلب منكم على أمري
إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا. ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: ما جزائي وثوابي على
نصيحتي إياكم إلا على ربّ العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (
129 ) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) والريع: كل مكان مشرف من
الأرض مرتفع, أو طريق أو واد; ومنه قول ذي الرُّمَّة:
طِـرَاقُ
الخَـوَافِي مُشْـرفٌ فَوْق رِيعَةٍ نَــدَى لَيْلِـه فِـي ريشِـهِ يَـتَرَقْرَقُ
وقول
الأعشى:
وَيهْمـــاءُ
قَفْـــرٍ تَجاوَزْتهـــا إذَا خَـــبَّ فِــي رِيعِهــا آلُهَــا
وفيه
لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتحها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ ) يقول:
بكلّ شرف.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال:
بكل طريق.
حدثني
سليمان بن عبيد الله الغيلاني, قال: ثنا أبو قتيبة, قال: ثنا مسلم بن خالد, قال:
ثنا ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: الريع: الثنية الصغيرة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد
مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عكرمة: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ وواد, قال: وقال
مجاهد (
بِكُلِّ رِيعٍ ) بين
جبلين.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: شرف ومنظر.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: بكلّ طريق.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) بكلّ طريق. ويعني بقوله ( آية ) بنيانا, علما.
وقد بينا
في غير موضع من كتابنا هذا, أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن
إعادتها في هذا الموضع.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: الآية: علم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: آية: بنيان.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( آية ) : بنيان.
حدثني
عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: بنيان الحمام.
وقوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك, يقول في قوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وقوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) اختلف أهل التأويل في معنى
المصانع, فقال بعضهم: هي قصور مشيدة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) قال: قصور مشيدة, وبنيان
مخلد.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( مصانع ) : قصور مشيدة وبنيان.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن مجاهد, قال: ( مصانع ) يقول: حصون وقصور.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم, عن رجل, عن مجاهد, قوله: ( مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
تَخْلُدُونَ ) قال:
أبرجة الحمام.
وقال
آخرون: بل هي مآخذ للماء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مصانع ) قال: مآخذ للماء.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة, والعرب تسمي كل
بناء مصنعة, وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة, وجائز أن يكون كان
مآخذ للماء, ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان, ولا هو مما يدرك من جهة العقل.
فالصواب أن يقال فيه, ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون, فتبقون
في الأرض.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: قال في بعض الحروف ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) كأنكم تخلدون.
وكان ابن
زيد يقول: « لعلكم
» في هذا
الموضع استفهام.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ
لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال:
هذا استفهام, يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟.
وكان بعض
أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى « كيما » .
وقوله: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) يقول:
وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف, وضربا بالسياط.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) قال:
القتل بالسيف والسياط.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ( 131 ) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ( 132 )
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم
إياه فيما أمركم ونهاكم, وانتهوا عن اللهو واللعب, وظلم الناس, وقهرهم بالغلبة
والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون, وأعانكم به من بين
المواشي والبنين, والبساتين والأنهار. ( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ) من الله ( عَظِيمٍ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا
أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ( 136 )
يقول
تعالى ذكره: قالت عاد لنبيهم هود صلى الله عليه وسلم: معتدل عندنا وعظك إيانا,
وتركك الوعظ, فلن نؤمن لك ولن نصدّقك على ما جئتنا به.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأَوَّلِينَ ( 137 ) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 )
وقوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك; فقرأته عامة قرّاء المدينة سوى أبي جعفر, وعامة قرّاء
الكوفة المتأخرين منهم: ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) من
قبلنا: وقرأ ذلك أبو جعفر, وأبو عمرو بن العلاء: « إنْ هَذَا إلا خَلْقُ الأوّلينَ » بفتح الخاء وتسكين اللام
بمعنى: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوّلين وأحاديثهم.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, نحو اختلاف القرَّاء في قراءته, فقال بعضهم: معناه: ما
هذا إلا دين الأوّلين وعادتهم وأخلاقهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) يقول:
دين الأوّلين.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) يقول:
هكذا خِلْقة الأوّلين, وهكذا كانوا يحيون ويموتون.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كذب الأوّلين وأساطيرهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
أساطير الأوّلين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: كذبهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
إن هذا إلا أمر الأوّلين وأساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن علقمة, عن ابن
مسعود: ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) يقول:
إن هذا إلا اختلاق الأوّلين.
قال ثنا
يزيد بن هارون, قال. أخبرنا داود, عن الشعبيّ, عن علقمة, عن عبد الله, أنه كان
يقرأ ( إِنْ
هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) ويقول
شيء اختلقوه.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبيّ, قال: قال علقمة: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ
الأوَّلِينَ ) قال:
اختلاق الأوّلين.
وأولى
القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) بضم الخاء واللام, بمعنى: إن
هذا إلا عادة الأوّلين ودينهم, كما قال ابن عباس, لأنهم إنما عوتبوا على البنيان
الذي كانوا يتخذونه, وبطشهم بالناس بطش الجبابرة, وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم
عليهم, فأجابوا نبيّهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك, احتذاء منهم سنة من قبلهم
من الأمم, واقتفاء منهم آثارهم, فقالوا: ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأوّلين,
يعنون بالخلق: عادة الأوّلين. ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة
والتأويل, قولهم: ( وَمَا
نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) لأنهم
لو كانوا لا يقرُّون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم, ما قالوا: ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
) بل
كانوا يقولون: إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأوّلين, وما لنا من معذب
يعذبنا, ولكنهم كانوا مقرين بالصانع, ويعبدون الآلهة, على نحو ما كان مشركو العرب
يعبدونها, ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى, فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته:
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ثم قالوا له:
ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم, وما الله معذبنا عليه. كما أخبرنا
تعالى ذكره عن الأمم الخالية قبلنا, أنهم كانوا يقولون لرسلهم: إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ
فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 )
يقول
تعالى ذكره: فكذّبت عاد رسول ربهم هودا, والهاء في قوله ( فكذبوه ) من ذكر هود. ( فأهلكناهم ) يقول: فأهلكنا عادا بتكذيبهم
رسولنا. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول
تعالى ذكره: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها, لعبرة وموعظة لقومك يا محمد,
المكذّبيك فيما أتيتهم به من عند ربك.
يقول:
وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علم الله.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ ) في
انتقامه من أعدائه, (
الرَّحِيمُ )
بالمؤمنين به.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ
الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (
142 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 143 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (
144 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 145 )
يقول
تعالى ذكره: كذّبت ثمود رسل الله, إذ دعاهم صالح أخوهم إلى الله, فقال لهم: ألا
تتقون عقاب الله يا قوم على معصيتكم إياه, وخلافكم أمره, بطاعتكم أمر المفسدين في
أرض الله. (
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من
الله أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته على خلافكم أمره ( أمِينٌ ) على رسالته التي أرسلها معي
إليكم. (
فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أيها
القوم, واحذروا عقابه (
وأطيعون ) في
تحذيري إياكم, وأمر ربكم باتباع طاعته. ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أسألكم على نصحي
إياكم, وإنذاركم من جزاء ولا ثواب. ( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: إن جزائي وثوابي إلا
على ربّ جميع ما في السموات, وما في الأرض, وما بينهما من خلق.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتُتْرَكُونَ فِي مَا
هَاهُنَا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ
طَلْعُهَا هَضِيمٌ ( 148 ) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (
149 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا
آمنين, لا تخافون شيئا؟. ( فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) يقول:
في بساتين وعيون ماء. (
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يعني بالطلع: الكُفُرَّى.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله (
هَضِيمٌ ) فقال
بعضهم: معناه اليانع النضيج.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يقول:
أينع وبلغ فهو هضيم.
وقال
آخرون: بل هو المتهشم المتفتت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال محمد بن عمرو في حديثه
تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشّما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: سمعت عبد الكريم
يقول: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: حين تطلع يقبض عليه
فيهضمه.
قال ابن
جُرَيج: قال مجاهد: إذا مسّ تهشّم وتفتَّت, قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه
فتهضمه.
وقال
آخرون: هو الرطب اللين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
هناد, قال: ثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: الهضيم: الرطب اللين.
وقال
آخرون: هو الراكب بعضه بعضا.
ذكر
من قال ذلك:
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) إذا كثر حمل النخلة فركب
بعضها بعضا, حتى نقص بعضها بعضا, فهو حينئذ هضيم.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته, وذلك من
قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه, فكذلك الهضم في الطلع, إنما هو التنقص
منه من رطوبته ولينه إما بمسّ الأيدي, وإما بركوب بعضه بعضا, وأصله مفعول صرف إلى
فعيل.
وقوله: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ
الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول
تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله (
فارهين ) فقرأته
عامة قرّاء أهل الكوفة: (
فارهين ) بمعنى:
حاذقين بنحتها.
وقرأته
عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: «
فَرِهِينَ » بغير
ألف, بمعنى: أشرين بطرين.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته, فقال بعضهم: معنى
فارهين: حاذقين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح وعبد الله بن
شدّاد: (
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال أحدهما: حاذقين, وقال
الآخر: يتجبرون.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا مروان, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح:
(
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال: حاذقين بنحتها.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فارهين ) يقول: حاذقين.
وقال
آخرون: معنى فارهين: مستفرهين متجبرين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن السديّ, عن عبد الله بن شداد في
قوله: «
فَرِهِينَ » قال:
يتجبرون.
قال أبو
جعفر: والصواب: فارهين.
وقال
آخرون ممن قرأه فارهين: معنى ذلك: كيسين.
ذكر
من قال ذلك:
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فارهين ) قال: كيسين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك أنه قرأ ( فارهين ) قال: كيسين.
وقال
آخرون: فرهين: أشرين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول: أشرين, ويقال: كيسين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « بيوتا فرهين » قال: شرهين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بمثله.
وقال
آخرون: معنى ذلك: أقوياء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: « وَتَنْحِتُونَ مِنَ
الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ » قال:
الفره: القويّ.
وقال
آخرون في ذلك بما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن
قتادة, في قوله: «
فَرِهِينَ » قال:
معجبين بصنيعكم.والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها ( فارهين ) وقراءة من قرأ « فَرِهِينَ » قراءتان معروفتان, مستفيضة
القراءة بكل واحدة منهما في علماء القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى
قراءة من قرأ (
فارهين ) :
حاذقين بنحتها, متخيرين لمواضع نحتها, كيسين, من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ « فَرِهِينَ » : مرحين أشرين. وقد يجوز أن
يكون معنى فاره وفره واحدا, فيكون فاره مبنيا على بنائه, وأصله من فعل يفعل, ويكون
فره صفة, كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر
عديّ بن وادع العوفي من الأزد:
لا
أسْــتَكِينُ إذا مــا أزْمَـةٌ أزَمَـتْ وَلَــنْ تَـرَانِي بِخَـيْرٍ فـارِهَ
الطَّلَـبِ
أي مرح
الطلب. وقوله: (
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) يقول
تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم, وخلافكم أمره, وأطيعون
في نصيحتي لكم, وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ
الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (
152 ) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم أمر المسرفين
على أنفسهم في تماديهم في معصية الله, واجترائهم على سخطه, وهم الرهط التسعة الذين
كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله:
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا
يُصْلِحُونَ يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه, ولا يصلحون, يقول: ولا يصلحون
أنفسهم بالعمل بطاعة الله.
وقوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) اختلف
أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
من المسحورين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتاده, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
إنما أنت من المسحورين.
وقال
آخرون: معناه: من المخلوقين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عبيد, قال: ثنا موسى بن عمرو, عن أبي صالح, عن ابن عباس, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ) قال:
من المخلوقين.
واختلف
أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك, فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس
أو دابة فهو مسحر, وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه, واستشهد على ذلك بقول لبيد:
فَــإِنْ
تَسْــأَلينا فِيـمَ نَحْـنُ فإنَّنـا عَصَـافِيرُ مِـنْ هَـذَا الأنـامِ
المُسَحَّر
وقال بعض
نحويي الكوفيين نحو هذا, غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل
الطعام والشراب, فتُسَحَّر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: « من هذا الأنام المسحر » : من هذا الأنام المعلل
المخدوع. قال: ويُروى أن السحر من ذلك, لأنه كالخديعة.
والصواب
من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس, أن معناه: إنما أنت من
المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا, ولست ربا ولا ملكا فنطيعك, ونعلم
أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة, وهو الذي له سحرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ
مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قَالَ هَذِهِ
نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوهَا
بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل ثمود لنبيها صالح: ( مَا أَنْتَ - يَا صَالِحُ- إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) من بني آدم, تأكل ما نأكل,
وتشرب ما نشرب, ولست بربّ ولا ملك, فعلام نتبعك؟ فإن كنت صادقا في قيلك, وأن الله
أرسلك إلينا (
فَأْتِ بِآيَةٍ ) يعني:
بدلالة وحجة على أنك محقّ فيما تقول, إن كنت ممن صدقنا في دعواه أن الله أرسله
إلينا.
وقد
حدثنا أحمد بن عمرو البصري, قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي, قال: ثنا داود بن أبي
الفرات, قال: ثنا علباء بن أحمر, عن عكرمة, عن ابن عباس: أن صالحا النبيّ صلى الله
عليه وسلم بعثه الله إلى قومه, فآمنوا به واتبعوه, فمات صالح, فرجعوا عن الإسلام,
فأتاهم صالح, فقال لهم: أنا صالح, قالوا: إن كنت صادقا فأتنا بآية, فأتاهم
بالناقة, فكذبوه وعقروها, فعذّبهم الله.
وقوله: ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) يقول تعالى ذكره: قال صالح لثمود لما سألوه آية يعلمون بها
صدقه, فأتاهم بناقة أخرجها من صخرة أو هضبة: هذه ناقة يا قوم, لها شرب ولكم مثله
شرب يوم آخر معلوم, ما لكم من الشرب, ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها
شيئا, ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئا. ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من
الماء, يقول: لها حظّ من الماء, ولكم مثله, والشُّرْب والشَّرْب والشِّرْب مصادر
كلها بالضم والفتح والكسر.
وقد حُكي
عن العرب سماعا: آخرها أقلها شُربا وشِربا.
وقوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) يقول: لا تمسوها بما يؤذيها
من عقر وقتل ونحو ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) لا تعقروها. وقوله: ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول:
فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا
نَادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (
159 )
يقول
تعالى ذكره, فخالفت ثمود أمر نبيها صالح صلى الله عليه وسلم, فعقروا الناقة التي
قال لهم صالح: لا تمسوها بسوء, فأصبحوا نادمين على عقرها, فلم ينفعهم ندمهم,
وأخذهم عذاب الله الذي كان صالح توعدهم به فأهلكهم. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول: إنّ في إهلاك ثمود بما
فعلت من عقرها ناقة الله وخلافها أمر نبي الله صالح لعبرة لمن اعتبر به يا محمد من
قومك. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) يقول:
ولن يؤمن أكثرهم في سابق علم الله. ( وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد (
لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في
انتقامه من أعدائه (
الرَّحِيمُ ) بمن
آمن به من خلقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 161
) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 )
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 164 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) من
أرسله الله إليهم من الرسل حين ( قَالَ
لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ) الله أيها القوم. ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من ربكم (
أمِينٌ ) على
وحيه, وتبليغ رسالته. (
فَاتَّقُوا اللَّهَ ) في
أنفسكم, أن يحلّ بكم عقابه على تكذيبكم رسوله ( وأطيعون ) فيما
دعوتكم إليه أهدكم سبيل الرشاد. ( وَمَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ من أجر ) يقول:
وما أسألكم على نصيحتي لكم ودعايتكم إلى ربي جزاء ولا ثوابا. يقول: ما جزائي على
دعايتكم إلى الله, وعلى نصحي لكم وتبليغ رسالات الله إليكم, إلا على ربّ العالمين.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ
مِنَ الْعَالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ( 166 )
يعني
بقوله: (
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ) : أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم. وقوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ,
فأحله لكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: « وَتَذَرُونَ ما أصْلَحَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ
» .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) قال: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد بنحوه.
وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
عَادُونَ ) يقول:
بل أنتم قوم تتجاوزون ما أباح لكم ربكم, وأحله لكم من الفروج إلى ما حرّم عليكم
منها.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
عَادُونَ ) قال:
قوم معتدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ( 167 ) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ
مِنَ الْقَالِينَ ( 168 )
يقول
تعالى ذكره: قال قوم لوط: (
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ ) عن
نهينا عن إتيان الذكران (
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) من بين أظهرنا وبلدنا. ( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ) يقول لهم لوط: إني لعملكم
الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين, يعني من المبغضين, المنكرين
فعله.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي
مِمَّا يَعْمَلُونَ ( 169 ) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلا
عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ( 171 )
يقول
تعالى ذكره: فاستغاث لوط حين توعده قومه بالإخراج من بلدهم إن هو لم ينته عن نهيهم
عن ركوب الفاحشة, فقال ( رَبِّ
نَجِّنِي وَأَهْلِي ) من
عقوبتك إياهم على ما يعملون من إتيان الذكران. ( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ) من عقوبتنا التي عاقبنا بها
قوم لوط (
أَجْمَعِينَ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) يعني في الباقين, لطول مرور السنين عليها, فصارت هرمة,
فإنها أهلكت من بين أهل لوط, لأنها كانت تدلّ قومها على الأضياف. وقد قيل: إنما
قيل من الغابرين لأنها لم تهلك مع قومها في قريتهم, وأنها إنما أصابها الحجر بعد
ما خرجت عن قريتهم مع لوط وابنتيه, فكانت من الغابرين بعد قومها, ثم أهلكها الله
بما أمطر على بقايا قوم لوط من الحجارة, وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بشواهده المغنية
عن إعادتها.
القول
في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ
( 172 ) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 173 )
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 174 ) وَإِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 175 )
يقول
تعالى ذكره: ثم أهلكنا الآخرين من قوم لوط بالتدمير. ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ
مَطَرًا ) وذلك
إرسال الله عليهم حجارة من سجيل من السماء. ( فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) يقول: فبئس ذلك المطر مطر القوم
الذين أنذرهم نبيهم فكذّبوه. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول
تعالى ذكره: إن في إهلاكنا قوم لوط الهلاك الذي وصفنا بتكذيبهم رسولنا, لعبرة
وموعظة لقومك يا محمد, يتعظون بها في تكذيبهم إياك, وردهم عليك ما جئتهم به من عند
ربك من الحقّ ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) في
سابق علم الله (
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) بمن آمن به .
القول
في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ( 176 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 177 )
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 178 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 179 )
يقول
تعالى ذكره: (
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ ) .
والأيكة: الشجر الملتفّ, وهي واحدة الأيك, وكل شجر ملتفّ فهو عند العرب أيكة; ومنه
قول نابغة بني ذبيان:
تَجْــلُو
بِقــادمَتَيْ حَمَامَــةِ أيْكَـةٍ بَــرَدًا أُسِــفّ لِثاتُــهُ بــالإثْمِدِ
وأصحاب
الأيكة: هم أهل مدين فيما ذُكر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ) يقول:
أصحاب الغيضة.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: الأيكة: مجمع الشجر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, قوله:
(
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: أهل مدين, والأيكة: الملتف من الشجر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ
الْمُرْسَلِينَ ) قال:
الأيكة: الشجر, بعث الله شعيبا إلى قومه من أهل مدين, وإلى أهل البادية, قال: وهم
أصحاب ليكة, وليكة والأيكة: واحد.
وقوله ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ
أَلا تَتَّقُونَ ) يقول
تعالى ذكره: قال لهم شعيب: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم ربكم؟. ( إِنِّي لَكُمْ مِنَ اللَّهِ
رَسُولٌ أَمِينٌ ) على
وحيه. (
فاتقوا ) عقاب ( الله ) على خلافكم أمره ( وأطيعون ) ترشدوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 180 ) أَوْفُوا
الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 )
يقول: ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ ) على نصحي لكم من جزاء وثواب,
ما جزائي وثوابي على ذلك ( إِلا
عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ ) . يقول: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل. ( وَلا تَكُونُوا مِنَ
الْمُخْسِرِينَ ) يقول:
ولا تكونوا ممن نقصهم حقوقهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ
الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا
فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 183 )
يعني
بقوله (
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ ) وزنوا
بالميزان (
الْمُسْتقِيمِ ) الذي
لا بخس فيه على من وزنتم له. ( وَلا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن. ( وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ
مُفْسِدِينَ ) يقول:
ولا تكثروا في الأرض الفساد. قد بيَّنا ذلك كله بشواهده, واختلاف أهل التأويل فيه
فيما مضى, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ ( 184 ) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ
الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ
لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 )
يقول
تعالى ذكره: (
واتقوا ) أيها
القوم عقاب ربكم (
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ خَلَقَ الْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يعني بالجبلة: الخلق
الأوّلين. وفي الجبلة للعرب لغتان: كسر الجيم والباء وتشديد اللام, وضم الجيم
والباء وتشديد اللام; فإذا نـزعت الهاء من آخرها كان الضم في الجيم والباء أكثر
كما قال جلّ ثناؤه: «
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جُبُلا كَثِيرًا » وربما سكنوا الباء من الجبْل, كما قال أبو ذؤيب:
مَنايــا
يُقَــرّبْنَ الحُـتُوفَ لأهْلِهـا جِهـارًا وَيَسْـتَمْتِعْنَ بـالأنس الجِـبْلِ
وبنحو ما
قلنا في معنى الجِبِلَّة قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: قوله: ( وَاتَّقُوا الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يقول: خلق الأوّلين.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخليقة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخلق الأوّلين, الجبلة:
الخلق.
وقوله: ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ
مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) يقول:
قالوا: إنما أنت يا شعيب معلل تعلل بالطعام والشراب, كما نعلل بهما, ولست ملَكا. ( وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ
مِثْلُنَا ) تأكل
وتشرب (
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ) . يقول: وما نحسبك فيما تخبرنا وتدعونا إليه, إلا ممن يكذب
فيما يقول, فإن كنت صادقا فيما تقول بأنك رسول الله كما تزعم ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) يعني
قطعا من السماء, وهي جمع كِسفة, جمع كذلك كما تجمع تمرة: تمرا .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كسفا ) يقول: قِطَعا.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) : جانبا من السماء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) قال:
ناحية من السماء, عذاب ذلك الكسف.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا
تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ
كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 )
يقول
تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: (
رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يقول: بأعمالهم هو بها محيط, لا يخفى عليه منها شيء, وهو
مجازيكم بها جزاءكم. (
فكذبوه ) يقول:
فكذّبه قومه. (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) يعني بالظلة: سحابة ظللتهم, فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم
نارا, وأحرقتهم, وبذلك جاءت الآثار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن زيد بن معاوية,
في قوله: (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أصابهم حرّ أقلقهم في بيوتهم, فنشأت لهم سحابة كهيئة
الظلة, فابتدروها, فلما تتاموا تحتها أخذتهم الرجفة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: كانوا يحفرون الأسراب
ليتبردوا فيها, فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر, وكانت الظلة سحابة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بعث شُعيب
إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين, وإلى أصحاب الأيكة. وكانت الأيكة من شجر ملتف; فلما
أراد الله أن يعذّبهم, بعث الله عليهم حرّا شديدا, ورفع لهم العذاب كأنه سحابة;
فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها, فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا. قال:
فذلك قوله: (
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) .
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد, قال: ثنا حاتم بن
أبي صغيرة, قال: ثني يزيد الباهلي, قال: سألت عبد الله بن عباس, عن هذه الآية: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) فقال عبد الله بن عباس: بعث الله عليهم ومدة وحرّا شديدا,
فأخذ بأنفاسهم, فدخلوا البيوت, فدخل عليهم أجواف البيوت, فأخذ بأنفاسهم, فخرجوا من
البيوت هرابا إلى البرية, فبعث الله عليهم سحابة, فأظلتهم من الشمس, فوجدوا لها
بردا ولذة, فنادى بعضهم بعضا, حتى إذا اجتمعوا تحتها, أرسلها الله عليهم نارا. قال
عبد الله بن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة, ( إنه كان عذاب يوم عظيم ) .
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: « يَوْمُ الظُّلَّةِ » قال: إظلال العذاب إياهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب.
قال ابن
جُرَيج: لما أنـزل الله عليهم أوّل العذاب, أخذهم منه حر شديد, فرفع الله لهم
غمامة, فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها, فأصابهم منها روح وبرد وريح طيبة,
فصبّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا, فذلك قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر بن راشد, قال: ثني رجل من
أصحابنا, عن بعض العلماء قال: كانوا عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم
عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق,
فجعلوا كلما عطلوا حدّا وسع الله عليهم في الرزق, حتى إذا أراد إهلاكهم سلط الله
عليهم حرّا لا يستطيعون أن يتقارّوا, ولا ينفعهم ظل ولا ماء, حتى ذهب ذاهب منهم,
فاستظلّ تحت ظلة, فوجد روحا, فنادى أصحابه: هلموا إلى الروح, فذهبوا إليه سراعا,
حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا, فذلك عذاب يوم الظلة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن ابن عباس,
قال: من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة؟ فكذِّبْه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ ) قوم
شعيب, حبس الله عنهم الظل والريح, فأصابهم حرّ شديد, ثم بعث الله لهم سحابة فيها
العذاب, فلما رأوا السحابة انطلقوا يؤمونها, زعموا يستظلون, فاضطرمت عليهم نارا
فأهلكتهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قال: بعث الله إليهم ظلة من سحاب, وبعث إلى الشمس فأحرقت ما
على وجه الأرض, فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة, حتى إذا اجتمعوا كلهم, كشف الله عنهم
الظلة, وأحمى عليهم الشمس, فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى. وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول
تعالى ذكره: إن عذاب يوم الظلة كان عذاب يوم لقوم شُعيب عظيم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ( 191 )
يقول
تعالى ذكره: إن في تعذيبنا قوم شعيب عذاب يوم الظلة, بتكذيبهم نبيهم شعيبا, لآية
لقومك يا محمد, وعبرة لمن اعتبر, إن اعتبروا أن سنتنا فيهم بتكذيبهم إياك, سنتنا
في أصحاب الأيكة. ( وَمَا
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) في
سابق علمنا فيهم (
وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا
محمد (
لَهُوَ الْعَزِيزُ ) فى
نقمته ممن انتقم منه من أعدائه (
الرَّحِيمُ ) بمن
تاب من خلقه, وأناب إلى طاعته.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ( 193 ) عَلَى قَلْبِكَ
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )
يقول
تعالى ذكره: وإنّ هذا القرآن (
لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) والهاء
في قوله ( وإنه ) كناية الذكر الذي فى قوله:
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَتَنـزيلُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) قال:
هذا القرآن.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله ( نـزلَ
بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) فقرأته
عامة قرّاء الحجاز والبصرة ( نـزل ) به مخففة ( الرُّوحُ الأمِينُ ) رفعا بمعنى: أن الروح الأمين
هو الذي نـزل بالقرآن على محمد, وهو جبريل. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة. ( نـزل ) مشددة الزاي ( الرُّوحُ الأمِينُ ) نصبا, بمعنى: أن رب العالمين
نـزل بالقرآن الروح الأمين, وهو جبريل عليه السلام.
والصواب
من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان فى قرّاء الأمصار,
متقاربتا المعنى, فأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن الروح الأمين إذا نـزل على
محمد بالقرآن, لم ينـزل به إلا بأمر الله إياه بالنـزول, ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو
إيمان بالله, وأن الله إذا أنـزله به نـزل.
وبنحو
الذي قلنا في أن المعني بالروح الأمين في هذا الموضع جبريل قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبى, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس. في
قوله: ( نـزلَ
بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) قال:
جبريل.
حدثنا
الحسين, قال أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قول الله: ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ
الأمِينُ ) قال:
جبريل.
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج قال: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جبريل.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) قال: جبريل.
وقوله ( عَلَى قَلْبِكَ ) يقول: نـزل به الروح الأمين
فتلاه عليك يا محمد, حتى وعيته بقلبك. وقوله: ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) يقول: لتكون من رسل الله
الذين كانوا ينذرون من أرسلوا إليه من قومهم, فتنذر بهذا التنـزيل قومك المكذّبين
بآيات الله. وقوله: (
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) يقول:
لتنذر قومك بلسان عربي مبين, يبين لمن سمعه أنه عربي, وبلسان العرب نـزل, والباء
من قوله ( بلسان
) من صلة
قوله: ( نـزلَ
) ,
وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نـزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع, إعلاما
منه مشركي قريش أنه أنـزله كذلك, لئلا يقولوا إنه نـزل بغير لساننا, فنحن إنما
نعرض عنه ولا نسمعه, لأنا لا نفهمه, وإنما هذا تقريع لهم, وذلك أنه تعالى ذكره
قال: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا
عَنْهُ مُعْرِضِينَ . ثم قال: لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه, بل يفهمونها,
لأنه تنـزيل رب العالمين نـزل به الروح الأمين بلسانهم العربيّ, ولكنهم أعرضوا عنه
تكذيبا به واستكبارا فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِئُونَ . كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذّبت
رسلها أنباء ما كانوا به يكذّبون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ
الأَوَّلِينَ ( 196 ) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ
بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 197 ) وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (
198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذَلِكَ
سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى
يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ( 201 )
يقول
تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لفي زبر الأوّلين: يعني في كتب الأوّلين, وخرج مخرج
العموم ومعناه الخصوص, وإنما هو: وإن هذا القرآن لفي بعض زبر الأوّلين; يعني: أن
ذكره وخبره في بعض ما نـزل من الكتب على بعض رسله. وقوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) يقول تعالى ذكره: أولم يكن
لهؤلاء المعرضين عما يأتيك يا محمد من ذكر ربك, دلالةٌ على أنك رسول رب العالمين,
أن يعلم حقيقة ذلك وصحته علماء بني إسرائيل. وقيل: عني بعلماء بني إسرائيل في هذا
الموضع: عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم
من بني إسرائيل في عصره.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: كان عبد الله بن سلام من
علماء بنى إسرائيل, وكان من خيارهم, فآمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم, فقال لهم
الله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وخيارهم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( عُلَمَاءُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ ) قال:
عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً ) قال
محمد: ( أَنْ
يَعْلَمَهُ ) قال:
يعرفه. (
عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) . قال
ابن جُرَيج, قال مجاهد: علماء بني إسرائيل: عبد الله بن سلام, وغيره من علمائهم.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: أولم يكن للنبي آية,
علامة أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم؟. وقوله:
(
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يقول تعالى ذكره: ولو نـزلنا هذا القرآن على بعض البهائم
التي لا تنطق, وإنما قيل على بعض الأعجمين, ولم يقل على بعض الأعجميين, لأن العرب
تقول إذا نعتت الرجل بالعجمة وأنه لا يفصح بالعربية: هذا رجل أعجم, وللمرأة: هذه
امرأة عَجْماء, وللجماعة: هؤلاء قوم عُجْم وأعجمون, وإذا أريد هذا المعنى وصف به
العربيّ والأعجمي, لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان, وقد يكون كذلك, وهو من
العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر:
مِــنْ
وَائِــلٍ لا حَــيَّ يَعْــدِلُهُمْ مِــنْ سُــوقَةٍ عَــرَبٌ ولا عُجْـمُ
فأما إذا
أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم, لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان, فإنه يقال:
هذا رجل عجميّ, وهذان رجلان عجميان, وهؤلاء قوم عَجَم, كما يقال: عربيّ, وعربيان,
وقوم عرب. وإذا قيل: هذا رجل أعجميّ, فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر: هذا
أحمري ضخم, وكما قال العجاج:
والدَّهْرُ
بالإنسانِ دَوَّارِيُّ
ومعناه:
دوّار, فنسبه إلى فعل نفسه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, قال: كنت
واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة, فتلا هذه الآية: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: لو نـزل على بعيري هذا
فتكلم به ما آمنوا به لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ
وعجميّ, لو فعلنا ذلك.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى,
قال: كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة, فقرأ هذه الآية ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: فقال: جملي هذا أعجم,
فلو أُنـزل على هذا ما كانوا به مؤمنين.
ورُوي عن
قَتادة في ذلك ما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن
قتادة: (
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) قال: لو نـزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به, لأنهم لا
يعرفون بالعجمية.
وهذا
الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له, لأنه وجَّه الكلام أن معناه: ولو أنـزلناه
أعجميا, وإنما التنـزيل (
وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يعني: ولو نـزلنا هذا القرآن العربي علي بهيمة من العجم أو
بعض ما لا يفصح, ولم يقل: ولو نـزلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله.
وقوله ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) يقول: فقرأ هذا القرآن على
كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين.
يقول: لم يكونوا ليؤمنوا به, لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء, وهذا تسلية
من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه, لئلا يشتد وجدُه بإدبارهم عنه,
وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن, لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على
قبولهم منه, والدخول فيما دعاهم إليه, حتى عاتبه ربه على شدّة حرصه على ذلك منهم,
فقال له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثم قال مؤيسه من
إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته, كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه
السورة. ولو نـزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك, فإنك رجل منهم, ويقولون
لك: ما أنت إلا بشر مثلنا, وهلا نـزل به ملك, فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن,
ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق, وأنه تنـزيل من عندي, ما كانوا به مصدقين,
فخفض من حرصك على إيمانهم به, ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء
المشركين, الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء,
فقال: كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن ( وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى
بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) (
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ )
التكذيب والكفر ( فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) .
ويعني بقوله: سلكنا: أدخلنا, والهاء في قوله ( سلكناه ) كناية
من ذكر قوله ( مَا
كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) , كأنه
قال: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) قال: الكفر ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ
) .
حدثني عليّ
بن سهل, قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن حميد, عن الحسن, في هذه الآية:
(
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال: خلقناه.
قال: ثنا
زيد, عن حماد بن سلمة, عن حميد, قال: سألت الحسن في بيت أبي خليفة, عن قوله ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال:
الشرك سلكه في قلوبهم. وقوله: ( لا
يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) يقول: فعلنا ذلك؛ بهم لئلا
يصدّقوا بهذا القرآن, حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا, كما رأت ذلك الأمم
الذين قص الله قصصهم في هذه السورة. ورفع قوله ( لا يُؤْمِنُونَ ) لأن العرب من شأنها إذا وضعت في موضع مثل هذا الموضع « لا » ربما جزمت ما بعدها, وربما
رفعت فتقول: ربطت الفرس لا تنفلتْ, وأحكمت العقد لا ينحلّ, جزما ورفعا. وإنما تفعل
ذلك لأن تأويل ذلك: إن لم أحكم العقد انحلّ, فجزمه على التأويل, ورفعه بأن الجازم
غير ظاهر.
ومن
الشاهد على الجزم في ذلك قول الشاعر:
لَـوْ
كُـنْتَ إذْ جِئْتَنـا حـاوَلْتَ رؤْيَتَنا أوْ جِئْتنـا ماشِـيا لا يَعْـرِف
الفَـرَس
وقول
الآخر:
لَطالَمَـــا
حَلأتَمَاهـــا لا تَــرِدْ فَخَلِّياهـــا والسِّـــجَالَ تَبْـــتَرِدْ
القول
في تأويل قوله تعالى : فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 )
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 )
يقول
تعالى ذكره: فيأتي هؤلاء المكذّبين بهذا القرآن, العذاب الأليم بغتة, يعني فجأة ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: لا يعلمون قبل ذلك
بمجيئه حتى يفجأهم بغتة. (
فيقولوا ) حين
يأتيهم بغتة ( هَلْ
نَحْنُ مُنْظَرُونَ ) : أي
هل نحن مؤخَّر عنا العذاب, ومُنْسأ في آجالنا لنئوب, وننيب إلى الله من شركنا
وكفرنا بالله, فنراجع الإيمان به, وننيب إلى طاعته؟. وقوله: ( أَفَبِعَذَابِنَا
يَسْتَعْجِلُونَ ) يقول
تعالى ذكره: أفبعذابنا هؤلاء المشركون يستعجلون بقولهم: لن نؤمن لك حتى تُسْقِطَ
السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا .
القول
في تأويل قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ( 206 )
يقول
تعالى ذكره: ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم بآياتنا, وتكذيبهم
رسولنا.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 )
( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ) يقول: أي شيء أغنى عنهم
التأخير الذي أخرنا في آجالهم, والمتاع الذي متعناهم به من الحياة, إذ لم يتوبوا
من شركهم, هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا؟, وهل نفعهم شيئا؟, بل ضرهم
بازديادهم من الآثام, واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ إلى قوله ( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) قال: هؤلاء أهل الكفر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 209 )
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ( 210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا
يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 )
يقول
تعالى ذكره: ( وَمَا
أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) من هذه
القرى التي وصفت في هذه السور ( إِلا
لَهَا مُنْذِرُونَ ) يقول:
إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم. ( ذِكْرَى ) يقول: إلا لها منذرون
ينذرونهم, تذكرة لهم وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى
وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من الإنذار على ما بيَّنْتُ, والآخر:
الرفع على الابتداء كأنه قيل: ذكرى.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى ) قال: الرسل. قال ابن جُرَيج: و قوله: ( ذِكْرَى ) قال: الرسل.
قوله: ( وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) يقول: وما كنا ظالميهم في
تعذيبناهم وإهلاكهم, لأنا إنما أهلكناهم, إذ عتوا علينا, وكفروا نعمتنا, وعبدوا
غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار, ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن
يفعلوه, فأبوا إلا التمادي في الغيّ.
وقوله: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ ) يقول
تعالى ذكره: وما تنـزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد, ولكنه ينـزل به الروح
الأمين. ( وَمَا
يَنْبَغِي لَهُمْ ) يقول:
وما ينبغي للشياطين أن ينـزلوا به عليه, ولا يصلح لهم ذلك. ( وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) يقول: وما يستطيعون أن
يتنـزلوا به, لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء. ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ
لَمَعْزُولُونَ ) يقول:
إن الشياطين عن سمع القران من المكان الذي هو به من السماء لمعزولون, فكيف
يستطيعون أن يتنـزلوا به.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ ) قال:
هذا القرآن. وفي قوله (
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) قال: عن سمع السماء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, بنحوه, إلا أنه
قال: عن سمع القرآن.
والقرّاء
مجمعة على قراءة ( وَمَا
تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) بالتاء
ورفع النون, لأنها نون أصلية, واحدهم شيطان, كما واحد البساتين بستان. وذُكر عن
الحسن أنه كان يقرأ ذلك: « وَمَا
تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ » بالواو,
وذلك لحن, وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه, أن يكون توهم أن ذلك نظير
المسلمين والمؤمنين, وذلك بعيد من هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( فَلا تَدْعُ ) يا محمد ( مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) أي لا
تعبد معه معبودا غيره (
فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) فينـزل
بك من العذاب ما نـزل بهؤلاء الذين خالفوا أمرنا وعبدوا غيرنا. وقوله: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) يقول
جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك
قرابة, وحذّرهم من عذابنا أن ينـزل بهم بكفرهم.
وذُكر أن
هذه الآية لما نـزلت, بدأ ببني جده عبد المطلب وولده, فحذّرهم وأنذرهم.
*ذكر
الرواية بذلك:
حدثني
أحمد بن المقدام, قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه,
عن عائشة قالت: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « يا
صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ, يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي
عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا, سَلُوني مِنْ مالي
ما شِئْتُمْ » .
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثني أبي ويونس بن بكير, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: لما
نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: « يا فَاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ, ويا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ » ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.
حدثني
يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا سلامة, قال: قال عقيل: ثني الزهري, قال: قال سعيد بن
المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين أنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) : « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ
الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا,
يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا
فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, سَلِينِي ما
شِئْتِ, لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا » .
حدثني
محمد بن عبد الملك, قال: ثنا أبو اليمان, قال: أخبرنا شعيب عن الزهري, قال: أخبرني
سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين أنـزل عليه: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال: « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله » ثم ذكر نحو حديث يونس, عن
سلامة; غير أنه زاد فيه « يا
صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا » ولم يذكر في حديثه فاطمة.
حدثني
يونس, قال: ثنا سلامة بن روح, قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما أنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) جمع قريشا, ثم أتاهم, فقال لهم: « هَلْ فِيكُمْ غرِيبٌ؟ » فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا
نراه إلا منا, قال: « إنَّهُ
منْكُمْ » ,
فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لهم في آخر كلامه: « لا أعْرِفَنَّ مَا وَرَدَ
عليَّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسُوقُونَ الآخِرَةَ, وجِئْتُمْ إليَّ
تَسُوقُونَ الدُّنْيا » .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, أخبرني سعيد بن المسيب
وأبو سلمة بن عبد الرحمن, أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
أُنـزل عليه (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) : « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله
شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا
عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا
صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسُولِ الله لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ
بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا » .
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت الحجاج يحدث, عن عبد الملك بن عمير,
عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنـزل
الله: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: « يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ
أنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي
نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها ببلالها » .
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا أبو أسامة, عن زائدة, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة,
عن أبي هريرة, قال: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم قريشا, فعم وخصّ, فقال: « يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ
بْنِ لُؤَيٍّ, يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, يا مَعْشَرَ بِنِي هاشم, يا
مَعْشَرَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ » , يقول لكلهم: « أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, فإني وَاللهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ
الله شَيْئًا, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها بِبلالها » .
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: ثنا أبو عثمان, عن زهير بن عمرو
وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا أنـزل الله على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) ,
فحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه علا صخرة من جبل, فعلا أعلاها حجرا, ثم
قال: « يا آل
عَبْدِ مَنافاه, يا صَباحاه, إنّي نَذِيرٌ, إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَكُمْ مَثَل
رَجُلٍ أتى الجَيْشُ, فَخَشِيَهُمْ على أهْلِهِ, فَذَهَبَ يَرْبَؤُهم فَخَشِيَ أنْ
يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ, فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ: يا صَبَاحَاهُ » ! أو كما قال.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن قسامة بن زهير, قال:
بلغني أنه لما نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) جاء
فوضع أصبعه في أذنه, ورفع من صوته, وقال: « يا بَنِي عَبْدِ مَناف وَاصَبَاحَاهُ » !
قال: ثني
أبو عاصم, قال: ثنا عوف, عن قسامة بن زهير, قال: أظنه عن الأشعري, عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثني
عبد الله بن أبي زياد, قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس, عن عوف, قال: قال قسامة
بن زهير, حدثني الأشعري, قال: لما نـزلت, ثم ذكر نحوه; إلا أنه قال: وضع أصبعيه في
أذنيه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن نُمير, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قام رسول الله صلى الله عليه
وسلم على الصفا, ثم نادى: « يا
صَباحاهُ » ,
فاجتمع الناس إليه, فبين رجل يجيء, وبين آخر يبعث رسوله, فقال: « يا بَنِي هَاشِمٍ, يا بَنِي
عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي فِهْرٍ, يا بَنِي يا بَنِي, أرَأَيْتَكُمْ لَوْ
أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ
عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟ » قالوا:
نعم, قال: « فإنِّي
نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » فقال أبو لهب: تبا لكم سائر اليوم, ما دعوتموني إلا لهذا؟
فنـزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ .
حدثنا
أبو كُرَيب وأبو السائب, قالا ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن
سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا,
فقال: « يا
صباحاهُ! » فاجتمعت
إليه قريش, فقالوا له: مالك؟ فقال: « أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ
مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمُسِّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ » قالوا: بلى, قال: « فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ
يَدَيْ عَذَاب شَدِيد » . قال
أبو لهب: تبا لك, ألهذا دعوتنا أو جمعتنا!, فأنـزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي
لَهَبٍ ... إلى آخر السورة.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ورهطك منهم المخلصين, خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا, فهتف: « يا صَباحاهُ! » فقالوا: من هذا الذي يهتف؟
فقالوا: محمد, فاجتمعوا إليه, فقال: « يا بَنِي فُلان, يا بَنِي فُلان, يا بَنِي عَبْدِ
المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَنَاف » , فاجتمعوا إليه, فقال: « أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا تَخْرُج
بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيّ؟ » قالوا: ما جربنا عليك كذبا, قال: « فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ
يَدَيْ عَذَاب شَدِيدٍ » , فقال
أبو لهب: تبا لك, ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنـزلت هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا
أَبِي لَهَبٍ و قد تب, كذا قرأ الأعمش, إلى آخر السورة.
حدثنا أبو
كريب, قال: ثنا أبو معاوية بن هشام, عن سفيان, عن حبيب, عن سعيد, عن ابن عباس,
قال: لما نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على الصفا, فقال: « يا صَباحاهُ » !
قال ثنا
خالد بن عمرو, قال: ثنا سفيان الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن
ابن عباس, قال: لما نـزلت (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) , قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, فقال: « يا صباحاه ! » فجعل يعددهم: « يا بَنِي فُلان, وَيا بَنِي
فُلان, ويا بَنِي عَبْدِ مَنَاف » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ, قال: لما نـزلت: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) قال:
أتى جبلا فجعل يهتف: « يا
صَباحاهُ » , فأتاه
من خف من الناس, وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلا فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت
; فلما انتهوا إليه قال: « إنَّ
مِنْكُمْ مَنْ جَاءَ لِيَنْظُرَ, وَمِنكُمْ مَنْ أرْسَلَ لينظر مَنِ الهاتف » , فلما اجتمعوا وكثروا قال: « أرَأيتَْكُمْ لَوْ
أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا مُصَبِّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَلِ, أكُنْتُمْ
مُصَدِّقيّ؟ » قالوا:
نعم, ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا, فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ التي
أُنـزلْنَ, وأنذرهم كما أمر, فَجَعَلَ ينادي: « يا قُرَيْشُ, يا بَنِي هاشِمٍ » حتى قالَ: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ,
إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَاب شَدَيد » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عمرو: أنه كان يقرأ: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) ورهطك
المخلصين.
قال: ثنا
سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن
عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن عبد الله بن عباس, عن
عليّ بن أبي طالب: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) دعاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لي: « يا عليُّ, إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي
الأقْرَبِين » , قال: « فضقت بذلك ذرعا, وعرفت أنى متى
ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره, فصمتُّ حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد,
إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام, واجعل عليه رجل شاة,
واملأ لنا عسا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب, حتى أكلمهم, وأبلغهم ما أمرت به
» , ففعلت
ما أمرني به, ثم دعوتهم له, وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه, فيهم
أعمامه: أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب; فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام
الذي صنعت لهم, فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم حِذْية من
اللحم فشقها بأسنانه, ثم ألقاها في نواحي الصحفة, قال: « خذوا باسم الله » , فأكل القوم حتى ما لهم بشيء
حاجة, وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد
ليأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: « اسْقِ
النَّاسَ » ,
فجِئْتُهُمْ بذلك العس, فشربوا حتى رووا منه جميعا, وايم الله إن كان الرجل الواحد
منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم, بدره أبو لهب
إلى الكلام, فقال: لَهَدَّ ما سحركم به صاحبكم, فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم, فقال: « الغد
يا عليّ, إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ,
فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ
الَّذِي صَنَعْتَ, ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي » , قال: ففعلت ثم جمعتهم, ثم دعاني بالطعام, فقرّبته لهم,
ففعل كما فعل بالأمس, فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, قال: « اسقهم » , فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى
رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ,
إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا
جئْتُكُمْ بِهِ, إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ, وَقَدْ
أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ, فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا
الأمْرِ, عَلى أنْ يَكُونَ أخِي » وكَذَا
وكَذَا؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا, وقلت وإني لأحدثهم سنا, وأرمصهم عينا,
وأعظمهم بطنا, وأخمشهم ساقا. أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك, فأخذ برقبتي, ثم قال: « إن هذا أخي » وكذا وكذا, « فاسمعوا له وأطيعوا » , قال: فقام القوم يضحكون,
ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني إسحاق, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن بن أبي
الحسن, قال: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح, ثم قال: « يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَناف, يا
بَنِي قُصَيّ » , قال:
ثم فخَّذ قريشا قبيلة قبيلة, حتى مرّ على آخرهم, « إنّي أدْعُوكُمْ إلى اللهِ, وأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ » .
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال: أمر محمد أن ينذر قومه, ويبدأ بأهل بيته وفصيلته, قال:
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ .
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال:
ولما نـزلت: (
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « يا فاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ, يا صَفِيَّهُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ, اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ
بِشِقِّ تَمْرَةٍ » .
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) بدأ
بأهل بيته وفصيلته.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لما نـزلت: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ ) جمع
النبيّ صلى الله عليه وسلم بني هاشم, فقال: « يا بني هاشم, ألا لا ألْفِيَنَّكُمْ تأْتُونِي تَحْمِلُونَ
الدُّنْيَا, ويأتي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ, ألا إنَّ أوْليائي مِنْكُمْ
المُتَّقُونَ, فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لما نـزلت هذه الآية
بدأ بأهل بيته وفصيلته; قال: وشقّ ذلك على المسلمين, فأنـزل الله تعالى: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وقوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ) يقول: وألن جانبك وكلامك ( لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) .
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال:
يقول: لن لهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ
الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 )
يقول
تعالى ذكره: فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم, وأبوا إلا
الإقامة على عبادة الأوثان, والإشراك بالرحمن, فقل لهم: ( إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
تَعْمَلُونَ ) من
عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام. ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ ) فى نقمته من أعدائه ( الرَّحِيمِ ) بمن أناب إليه وتاب من
معاصيه.
( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ
تَقُومُ ) يقول:
الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.
وكان
مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن
جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) قال:
أينما كنت.
( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) اختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك في صلاتك حين تقوم,
ثم تركع, وحين تسجد.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) يقول:
قيامك وركوعك وسجودك.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت أبي وعليّ بن بذيمة
يحدّثان عن عكرمة في قوله: (
يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال: قيامه وركوعه وسجوده.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال عكرمة, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
قائما وساجدا وراكعا وجالسا.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تقلبك في المصلين, وإبصارك منهم من هو خلفك, كما تبصر من
هو بين يديك منهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد : ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) كان
يرى من خلفه, كما يرى من قدّامه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال : ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
المصلين كان يرى من خلفه في الصلاة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
المصلين, قال: كان يرى في الصلاة من خلفه.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وتقلبك مع الساجدين: أي تصرفك معهم في الجلوس والقيام
والقعود.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني عطاء
الخراساني عن ابن عباس, قال: (
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال:
يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في المصلين.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في الساجدين: المصلين.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تصرّفك في الناس.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا ربيعة بن كلثوم, قال: سألت الحسن عن قوله: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ ) قال:
في الناس.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله, والساجدون
في قول قائل هذا القول: الأنبياء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, في قوله: ( الَّذِي يَرَاكَ ) ... الآية, قال: كما كانت
الأنبياء من قبلك.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال تأويله: ويرى تقلبك مع الساجدين في
صلاتهم معك, حين تقوم معهم وتركع وتسجد, لأن ذلك هو الظاهر من معناه. فأما قول من
وجهه إلى أن معناه: وتقلبك في الناس, فإنه قول بعيد من المفهوم بظاهر التلاوة, وإن
كان له وجه, لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله, فإنه ليس المفهوم من قول
القائل: فلان مع الساجدين, أو في الساجدين, أنه مع الناس أو فيهم, بل المفهوم بذلك
أنه مع قوم سجود, السجود المعروف, وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من
توجيهه إلى الأنكر.
وكذلك
أيضا في قول من قال: معناه: تتقلب في أبصار الساجدين, وإن كان له وجه, فليس ذلك
الظاهر من معانيه.
فتأويل
الكلام إذن: وتوكل على العزيز الرحيم, الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك, ويرى تقلبك
في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس.
وقوله: ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ) يقول
تعالى ذكره: إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد, وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر,
العليم بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك مؤتما بك, يقول: فرتل فيها
القرآن, وأقم حدودها, فإنك بمرأى من ربك ومسمع.
القول
في تأويل قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى
مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (
222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ( 223 )
يقول
تعالى ذكره: ( هَلْ
أُنَبِّئُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى مَنْ تَنـزلُ الشَّيَاطِينُ ) من الناس؟ ( تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ
أَفَّاكٍ ) يعني
كذّاب بهات (
أَثِيمٍ ) يعني:
آثم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال: كل كذّاب من الناس.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ
أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال:
كذاب من الناس.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) قال: هم الكهنة تسترق الجن
السمع, ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس.
حدثني
محمد بن عمارة الأسدي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي
إسحاق, عن سعيد بن وهب, قال: كنت عند عبد الله بن الزبير, فقيل له: إن المختار
يزعم أنه يوحى إليه, فقال: صدق, ثم تلا ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَـزَّلُ الشَّيَاطِينُ *
تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) .
وقوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) يقول تعالى ذكره: يلقي
الشياطين السمع, وهو ما يسمعون مما استرقوا سمعه من حين حدث من السماء, إلى ( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) من أوليائهم من بني آدم.
وبنحو ما
قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) قال: الشياطين ما سمعته ألقته
على كلّ أفَّاكٍ كذّاب.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) الشياطين ما سمعته ألقته ( عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ ) قال: يلقون السمع, قال:
القول.
وقوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) يقول: وأكثر من تنـزل عليه
الشياطين كاذبون فيما يقولون ويخبرون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري, في قوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) عن عروة, عن عائشة قالت:
الشياطين تسترق السمع, فتجيء بكلمة حقّ فيقذفها في أذن وليه; قال: ويزيد فيها أكثر
من مائة كذبة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ
الْغَاوُونَ ( 224 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( 225 )
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (
227 )
يقول
تعالى ذكره: والشعراء يتبعهم أهل الغيّ لا أهل الرشاد والهدى.
واختلف
أهل التأويل في الذين وصفوا بالغيّ في هذا الموضع فقال بعضهم: رواة الشعر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحسن بن يزيد الطحان, قال: ثنا إسحاق بن منصور, قال: ثنا قيس, عن يعلى, عن عكرمة,
عن ابن عباس; وحدثني أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن قيس; وحدثنا أبو كريب,
قال: ثنا ابن عطية, عن قيس, عن يعلى بن النعمان, عن عكرمة, عن ابن عباس: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
الرواة.
وقال
آخرون: هم الشياطين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) :
الشياطين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: يتبعهم الشياطين.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن سلمة بن
كهيل, عن عكرمة, في قوله: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: عصاة الجنّ.
وقال
آخرون: هم السفهاء, وقالوا: نـزل ذلك في رجلين تهاجيا على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ... إلى آخر الآية, قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, وأنهما تهاجيا, وكان مع
كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء, فقال الله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) .
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من
قوم آخرين, تهاجيا, مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السُّفهاء.
وقال
آخرون: هم ضلال الجنّ والإنس.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
هم الكفار يتبعهم ضلال الجنّ والإنس.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال:
الغاوون المشركون.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء
المشركين يتبعهم غواة الناس, ومردة الشياطين, وعصاة الجنّ, وذلك أن الله عم بقوله:
(
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض, فذلك على جميع أصناف
الغواة التي دخلت في عموم الآية. قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ألم تر يا
محمد أنهم, - يعني الشعراء - في كلّ واد يذهبون, كالهائم على وجهه على غير قصد, بل
جائرا على الحقّ, وطريق, الرشاد, وقصد السبيل.
وإنما
هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق, فيمدحون
بالباطل قوما ويهجون آخرين كذلك بالكذب والزور.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي
كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) يقول:
في كلّ لَغْوٍ يخوضون.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) قال: في كلّ فنّ يَفْتَنُّون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي
كُلِّ وَادٍ ) قال:
فن (
يَهِيمُونَ ) قال:
يقولون.
حدثنا
الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) قال: يمدحون قوما بباطل,
ويشتمون قوما بباطل.
وقوله: ( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا
لا يَفْعَلُونَ ) يقول:
وأن أكثر قيلهم باطل وكذب.
كما
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا
لا يَفْعَلُونَ ) يقول:
أكثر قولهم يكذبون.
وعني
بذلك شعراء المشركين.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد: قال رجل لأبي: يا
أبا أسامة, أرأيت قول الله جلّ ثناؤه: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا
يَفْعَلُونَ ) فقال
له أبي: إنما هذا لشعراء المشركين, وليس شعراء المؤمنين, ألا ترى أنه يقول: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ...
إلخ. فقال: فَرَّجت عني يا أبا أسامة; فرّج الله عنك.
وقوله: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) وهذا
استثناء من قوله (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ) . وذكر
أن هذا الاستثناء نـزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم, كحسان بن ثابت,
وكعب بن مالك, ثم هو لكلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها.
وبالذي
قلنا في ذلك جاءت الأخبار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن
يزيد بن عبد الله بن قُسَيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري, قال: لما
نـزلت: (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال: جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه
الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثنا محمد بن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن
يسار, قال: نـزلت (
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) إلى آخر السورة في حسَّان بن ثابت, وعبد الله بن رواحة وكعب
بن مالك.
قال: ثنا
يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة وطاوس, قالا قال: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ) , فنسخ من ذلك واستثنى, قال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ...
الآية.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: ثم استثنى
المؤمنين منهم, يعني الشعراء, فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, فذكر
مثله.
حدثنا
الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
هم الأنصار الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ثم ذكر
نحو حديث ابن حميد عن سلمة.
وقوله: ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
) اختلف
أهل التأويل في حال الذكر الذي وصف الله به هؤلاء المستثنين من الشعراء, فقال
بعضهم: هي حال منطقهم ومحاورتهم الناس, قالوا: معنى الكلام: وذكروا الله كثيرا في
كلامهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) في كلامهم.
وقال
آخرون: بل ذلك في شعرهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
) قال:
ذكروا الله في شعرهم.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الذين استثناهم من
شعراء المؤمنين بذكر الله كثيرا, ولم يخص ذكرهم الله على حال دون حال في كتابه,
ولا على لسان رسوله, فصفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا في كلّ أحوالهم.
وقوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) يقول:
وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم, وإجابتهم عما
هجوهم به.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا
ظُلِمُوا ) قال:
يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وانتصروا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) .
وقيل:
عني بذلك كله الرهط الذين ذكرت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا عليّ بن مجاهد وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداريّ, قال: لما نـزلت: ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) جاء
حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم
وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى
الله عليه وسلم: ( إِلا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت ( وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) ثم ذكر
نحوه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
عبد الله بن رواحة وأصحابه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ
مَا ظُلِمُوا ) قال:
عبد الله بن رواحة.
وقوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا ) يقول
تعالى ذكره: وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله من أهل مكة ( أَيَّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ ) يقول:
أي مرجع يرجعون إليه, وأي معاد يعودون إليه بعد مماتهم, فإنهم يصيرون إلى نار لا
يُطفأ سعيرها, ولا يَسْكُن لهبها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن
يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) يعني: أهل مكة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) قال: وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون.
آخر
تفسير سورة الشعراء
تفسير سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ
وَكِتَابٍ مُبِينٍ ( 1 ) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( 3 )
قال أبو
جعفر: وقد بيَّنا القول فيما مضى من كتابنا هذا فيما كان من حروف المعجم في فواتح
السور, فقوله: ( طس ) من ذلك. وقد رُوي عن ابن عباس
أن قوله: ( طس ) قسم أقسمه الله هو من أسماء
الله.
حدثني
علي بن داود, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس:
قوله: ( طس ) قسم أقسمه الله هو من أسماء
الله.
فالواجب
على هذا القول أن يكون معناه: والسميع اللطيف, إن هذه الآيات التي أنـزلتها إليك
يا محمد لآيات القرآن, وآيات كتاب مبين: يقول: يبين لمن تدبَّره, وفكَّر فيه بفهم
أنه من عند الله, أنـزله إليك, لم تتخرّصه أنت ولم تتقوّله, ولا أحد سواك من خلق
الله, لأنه لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله, ولو تظاهر عليه الجنّ والإنس.
وخفض قوله : (
وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) عطفا
به على القرآن. وقوله: ( هُدًى
) من صفة
القرآن.
يقول:
هذه آيات القرآن بيان من الله بين به طريق الحق وسبيل السلام. ( وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وبشارة لمن آمن به,
وصدّق بما أنـزل فيه بالفوز العظيم في المعاد.
وفي
قوله: ( هُدًى
وَبُشْرَى ) وجهان
من العربية: الرفع على الابتداء بمعنى: هو هدى وبُشرى. والنصب على القطع من آيات
القرآن, فيكون معناه: تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للمؤمنين, ثم أسقطت الألف
واللام من الهدى والبشرى, فصارا نكرة, وهما صفة للمعرفة فنصبا.
وقوله: ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ ) يقول:
هو هدى وبشرى لمن آمن بها, وأقام الصلاة المفروضة بحدودها. وقوله : ( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) يقول: ويؤدّون الزكاة
المفروضة. وقيل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي.
وقد
بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ ) يقول:
وهم مع إقامتهم الصلاة, وإيتائهم الزكاة الواجبة, بالمعاد إلى الله بعد الممات
يوقنون, فيذلون في طاعة الله, رجاء جزيل ثوابه, وخوف عظيم عقابه, وليسوا كالذين
يكذّبون بالبعث, ولا يبالون, أحسنوا أم أساءوا, وأطاعوا أم عصوا, لأنهم إن أحسنوا
لم يرجوا ثوابا, وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 )
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ
الأَخْسَرُونَ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة, وقيام الساعة, وبالمعاد إلى الله
بعد الممات والثواب والعقاب. (
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ )
يقول:
حببنا إليهم قبيح أعمالهم, وسهَّلنا ذلك عليهم. ( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيَّناها لهم
يتردّدون حيارى يحسبون أنهم يحسنون.
وقوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ
سُوءُ الْعَذَابِ ) يقول
تعالى ذكره: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا, وهم الذين
قتلوا ببدر من مشركي قريش.
يقول:
وهم يوم القيامة هم الأوضعون تجارة والأوكسوها باشترائهم الضلالة بالهدى فَمَا
رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى
الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي
آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي
النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 8 )
يقول
تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتحفظ القرآن وتعلمه ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) يقول: من عند حكيم بتدبير
خلقه, عليم بأنباء خلقه ومصالحهم, والكائن من أمورهم, والماضي من أخبارهم, والحادث
منها. ( إِذْ
قَالَ مُوسَى ) وإذ من
صلة عليم. ومعنى الكلام: عليم حين قال موسى ( لأَهْلِهِ ) وهو في مسيره من مدين إلى مصر, وقد آذاهم برد ليلهم لما
أصلد زنده. (
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) أي
أبصرت نارا أو أحسستها, فامكثوا مكانكم ( سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) يعني من النار, والهاء والألف
من ذكر النار ( أَوْ
آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ )
اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: « بِشِهَابٍ قَبَسٍ » بإضافة الشهاب إلى القبس, وترك
التنوين, بمعنى: أو آتيكم بشعلة نار أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل
الكوفة: (
بِشِهَابٍ قَبَسٍ ) بتنوين
الشهاب وترك إضافته إلى القبس, يعني: أو آتيكم بشهاب مقتبس.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار, متقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلا من
الشهاب, فالتنوين في الشهاب, وإن أضاف الشهاب إلى القبس لم ينون الشهاب. وقال بعض
نحويِّي الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنـزلة قوله وَلَدَارُ الآخِرَةِ
مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأوّل قال:
ومثله حبة الخضراء, وليلة القمراء, ويوم الخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم: إن كان
الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة, لأن القبس نعت, ولا يضاف الاسم إلى نعته إلا في
قليل من الكلام, وقد جاء: وَلَدَارُ الآخِرَةِ و وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ .
والصواب
من القول في ذلك: أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس, فالقراءة فيه بالإضافة,
لأن معنى الكلام حينئذ, ما بينا من أنه شعلة قبس, كما قال الشاعر:
فـــي
كَفِّـــه صَعْــدَةٌ مُثَقَّفَــةٌ فِيهـــا سِـــنانٌ كشُــعْلَة القَبَس
وإذا
أريد بالشهاب أنه هو القبس, أو أنه نعت له, فالصواب في الشهاب التنوين؛ لأن الصحيح
في كلام العرب ترك إضافة الاسم إلى نعته, وإلى نفسه, بل الإضافات في كلامها
المعروف إضافة الشيء إلى غير نفسه وغير نعته.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) يقول: كي تصطلوا بها من
البرد. وقوله: (
فَلَمَّا جَاءَهَا ) يقول:
فلما جاء موسى النار التي آنسها (
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) .
كما
حدثنا عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ ) يقول:
قدّس.
واختلف
أهل التأويل في المعنِّي بقوله ( مَنْ
فِي النَّارِ ) فقال
بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان في النار, وكانت النار نوره تعالى
ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في
قوله: (
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ
العالمين في الشجرة.
حدثني
إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي, قال: ثنا أبو قُتَيبة, عن ورقاء, عن عطاء
بن السائب, عن سعيد بن جُبير, في قول الله: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: ناداه وهو في النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن في قوله: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال:
هو النور.
قال
معمر: قال قَتادة: ( بُورِكَ
مَنْ فِي النَّارِ ) قال:
نور الله بورك.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الحسن البصري: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) .
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ
فِي النَّارِ ) بوركت
النار. كذلك قاله ابن عباس.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي
النَّارِ ) قال:
بوركت النار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: بوركت النار.
حدثنا
محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب, في
قوله: ( أَنْ
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) نور
الرحمن, والنور هو الله (
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
واختلف
أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن
ذكرت ذلك عنه.
وقال
آخرون: معناه النار لا النور.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, أنه
قال: حجاب العزّة, وحجاب المَلِكَ, وحجاب السلطان, وحجاب النار, وهي تلك النار
التي نودي منها. قال: وحجاب النور, وحجاب الغمام, وحجاب الماء, وإنما قيل: بورك من
في النار, ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب
تقول: باركك الله, وبارك فيك.
وقوله: ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) يقول: ومن حول النار. وقيل:
عَنى بمن حولها: الملائكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: يعني الملائكة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن الحسن, مثله.
وقال
آخرون: هو موسى والملائكة.
حدثنا
محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: موسى النبيّ والملائكة,
ثم قال: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وقوله: ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) يقول:
وتنـزيها لله رب العالمين, مما يصفه به الظالمون.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا
اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ
كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا
بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيله لموسى: ( إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ ) في نقمته من أعدائه ( الْحَكِيمُ ) في تدبيره في خلقه، والهاء
التي في قوله: (
إِنَّهُ ) هاء
عماد, وهو اسم لا يظهر في قول بعض أهل العربية. وقال بعض نحويي الكوفة: يقول هي
الهاء المجهولة, ومعناها: أن الأمر والشأن: أنا الله. وقوله: ( وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا
رَآهَا تَهْتَزُّ ) في
الكلام محذوف تُرك ذكره, استغناء بما ذُكِر عما حذف, وهو فألقاها فصارت حية تهتز ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ
كَأَنَّهَا جَانٌّ ) يقول:
كأنها حية عظيمة, والجانّ: جنس من الحيات معروف.
وقال ابن
جُرَيْج في ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن
جُرَيج: (
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ) قال: حين تحوّلت حية تسعى، وهذا
الجنس من الحيات عنى الراجز بقوله:
يَــرْفَعْنَ
بــاللَّيِل إذَا مــا أسْـدَفا أعْنــاقَ جِنَّــانِ وَهامــا رُجَّفَــا
وَعَنَقا
بَعْدَ الرَّسِيم خَيْطَفَا
وقوله: ( وَلَّى مُدْبِرًا ) يقول تعالى ذكره: ولى موسى
هاربا خوفا منها (
وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقول:
ولم يرجع . من قولهم: عقب فلان: إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) قال: لم يرجع.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, عن قتادة, قال: لم يلتفت.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) قال: لم يرجع ( يَا مُوسَى ) قال: لما ألقى العصا صارت
حية, فرعب منها وجزع, فقال الله: ( إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) قال: فلم يرعو لذلك, قال:
فقال الله له: أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ قال: فلم يقف أيضا
على شيء من هذا حتى قال: سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى قال: فالتفت فإذا هي
عصا كما كانت, فرجع فأخذها, ثم قوي بعد ذلك حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها.
وقوله: ( يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) يقول تعالى ذكره: فناداه ربه:
يا موسى لا تخف من هذه الحية, إني لا يخاف لديّ المرسلون. يقول: إني لا يخاف عندي
رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوّة, إلا من ظلم منهم, فعمل بغير الذي أذن له في
العمل به.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قوله: ( يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي
لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) قال: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم, فإن
أصابه أخافه حتى يأخذه منه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله الفزاري, عن عبد الله بن المبارك, عن
أبي بكر, عن الحسن, قال: قوله: ( يَا
مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) قال: إني إنما أخفتك لقتلك
النفس, قال: وقال الحسن: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول إلا في هذا الموضع, وهو استثناء مع وعد الله الغفران
المستثنى من قوله: (
إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) بقوله: (
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .وحكم
الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله, وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما
قبله منفيا مثبتا كقوله: ما قام إلا زيد, فزيد مثبت له القيام, لأنه مستثنى مما
قبل إلا وما قبل إلا منفيّ عنه القيام, وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتا
منفيا كقولهم: قام القوم إلا زيدًا; فزيد منفيّ عنه القيام; ومعناه: إن زيدًا لم
يقم, القوم مثبت لهم القيام ( إِلا
مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) , فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة, وأدخله في عداد من
لا يخاف لديه من المرسلين، فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت إلا في هذا الموضع؛ لأن
إلا تدخل في مثل هذا الكلام, كمثل قول العرب: ما أشتكي إلا خيرا، فلم يجعل قوله:
إلا خيرا على الشكوى, ولكنه علم أنه إذا قال: ما أشتكي شيئا أن يذكر عن نفسه خيرا,
كأنه قال: ما أذكر إلا خيرا.
وقال بعض
نحويي الكوفة يقول القائل: كيف صير خائفا من ظلم, ثم بدّل حسنا بعد سوء, وهو مغفور
له؟ فأقول لك: في هذه الآية وجهان: أحدهما أن يقول: إن الرسل معصومة مغفور لها
آمنة يوم القيامة, ومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو, فهذا وجه.
والآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة, لأن المعنى: لا يخاف لديّ
المرسلون, إنما الخوف على من سواهم, ثم استثنى فقال: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا ) يقول:
كان مشركا, فتاب من الشرك, وعمل حسنا, فذلك مغفور له, وليس يخاف. قال: وقد قال بعض
النحويين: إن إلا في اللغة بمنـزلة الواو, وإنما معنى هذه الآية: لا يخاف لديّ
المرسلون, ولا من ظلم ثم بدّل حسنا, قال: وجعلوا مثله كقول الله: لِئَلا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال: ولم أجد
العربية تحتمل ما قالوا, لأني لا أجيز: قام الناس إلا عبد الله, وعبد الله قائم،
إنما معنى الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء التي قبل إلا.
وقد أراه جائزا أن يقول: لي عليك ألف سوى ألف آخر; فإن وضعت إلا في هذا الموضع
صلحت, وكانت إلا في تأويل ما قالوا, فأما مجردة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا
ولكن مثله مما يكون معنى إلا كمعنى الواو, وليست بها قوله خَالِدِينَ فِيهَا مَا
دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ هو في المعنى. والذي شاء
ربك من الزيادة, فلا تجعل إلا بمنـزلة الواو, ولكن بمنـزلة سوى; فإذا كانت « سوى » في موضع « إلا » صلحت بمعنى الواو, لأنك تقول:
عندي مال كثير سوى هذا: أي وهذا عندي, كأنك قلت: عندي مال كثير وهذا أيضا عندي,
وهو في سوى أبعد منه في إلا لأنك تقول: عندي سوى هذا, ولا تقول: عندي إلا هذا.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في قوله ( إِلا
مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ ) عندي
غير ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربية, بل هو القول الذي قاله الحسن
البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما, وهو أن قوله: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) استثناء صحيح من قوله ( لا يَخَافُ لَدَيَّ
الْمُرْسَلُونَ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) منهم
فأتى ذنبا, فإنه خائف لديه من عقوبته، وقد بين الحسن رحمه الله معنى قيل الله
لموسى ذلك, وهو قوله قال: إني إنما أخفتك لقتلك النفس.
فإن قال
قائل فما وجه قيله إن كان قوله ( إِلا
مَنْ ظُلِمَ )
استثناء صحيحا, وخارجا من عداد من لا يخاف لديه من المرسلين, وكيف يكون خائفا من
كان قد وُعد الغفران والرحمة؟ قيل: إن قوله: ( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) كلام آخر بعد الأوّل, وقد
تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم, ومن لم يظلم عند قوله ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) ثم ابتدأ الخبر عمن ظلم من
الرسل, وسائر الناس غيرهم، وقيل: فمن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فإني له غفور رحيم.
فإن قال
قائل: فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت ب ( ثُمَّ ) إن لم
يكن عطفا على قوله: (
ظَلَمَ ) ؟ قيل:
على متروك استغني بدلالة قوله ( ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) عليه
عن إظهاره, إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره, وهو فمن ظلم من الخلق. وأما
الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية, فقد قالوا على مذهب العربية, غير أنهم أغفلوا
معنى الكلمة وحملوها على غير وجهها من التأويل. وإنما ينبغي أن يحمل الكلام على
وجهه من التأويل, ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج لا على إحالة
الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل.
وقوله: ( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا
بَعْدَ سُوءٍ ) يقول
تعالى ذكره: فمن أتى ظلما من خلق الله, وركب مأثما, ثم بدل حسنا, يقول: ثم تاب من
ظلمه ذلك وركوبه المأثم, (
فَإِنِّي غَفُورٌ ) يقول:
فإني ساتر على ذنبه وظلمه ذلك بعفوي عنه, وترك عقوبته عليه ( رَحِيمٌ ) به أن أعاقبه بعد تبديله
الحسن بضده.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسين,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ
بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ) ثم تاب
من بعد إساءته (
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ )
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي
جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 12 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيله لنبيه موسى: ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) ذكر أنه تعالى ذكره أمره أن
يدخل كفه في جيبه; وإنما أمره بإدخاله في جيبه, لأن الذي كان عليه يومئذ مِدرعة من
صوف. قال بعضهم: لم يكن لها كُمٌّ. وقال بعضهم: كان كمها إلى بعض يده.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين قال ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي
جَيْبِكَ ) قال:
الكف فقط في جيبك، قال: كانت مدرعة إلى بعض يده, ولو كان لها كُمٌّ أمره أن يدخل
يده في كمه.
قال: ثني
حجاج, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبيه, عن عمرو بن ميمون قال: قال ابن مسعود: إن
موسى أتى فرعون حين أتاه في ذُرْ مانقة, يعني جبة صوف.
وقوله: ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ ) يقول: تخرج اليد بيضاء بغير
لون موسى ( مِنْ
غَيْرِ سُوءٍ ) يقول:
من غير برص ( فِي
تِسْعِ آيَاتٍ ) , يقول
تعالى ذكره: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء, فهي آية في تسع آيات مُرسل
أنت بهنّ إلى فرعون; وترك ذكر مرسل لدلالة قوله ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) على أن ذلك معناه, كما قال
الشاعر:
رأتْنِــي
بِحَبْلَيْهــا فَصَـدَّتْ مخافَـةً وفِـي الحَـبْلِ رَوْعـاءُ الفُـؤَادِ فَرُوقُ
ومعنى
الكلام: رأتني مقبلا بحبليها, فترك ذكر « مقبل » استغناء
بمعرفة السامعين معناه في ذلك, إذ قال: رأتني بحبليها; ونظائر ذلك في كلام العرب
كثيرة.
والآيات
التسع: هنّ الآيات التي بيَّناهنّ فيما مضى.
وقد
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) قال:
هي التي ذكر الله في القرآن: العصا, واليد, والجراد, والقمل, والضفادع, والطوفان,
والدم, والحجر, والطمس الذي أصاب آل فرعون في أموالهم.
وقوله: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ ) يقول:
إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فاسقين, يعني كافرين بالله، وقد بيَّنا معنى
الفسق فيما مضى.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاءت فرعون آياتنا, يعني: أدلتنا وحججنا, على حقيقة ما دعاهم
إليه موسى وصحته, وهي الآيات التسع التي ذكرناها قبل. وقوله ( مُبْصِرَةً ) يقول: يبصر بها من نظر إليها
ورآها حقيقة ما دلت عليه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) قال:
بينة (
قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ،
يقول: قال فرعون وقومه: هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين, يقول: يبين للناظرين له
أنه سحر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 )
وقوله: ( وَجَحَدُوا بِهَا ) يقول: وكذبوا بالآيات التسع
أن تكون من عند الله.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَجَحَدُوا بِهَا ) قال: الجحود: التكذيب بها.
وقوله: (
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) يقول:
وأيقنتها قلوبهم, وعلموا يقينا أنها من عند الله, فعاندوا بعد تبينهم الحق,
ومعرفتهم به.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني,
عن ابن عباس: (
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) قال:
يقينهم في قلوبهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: ( وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال:
استيقنوا أن الآيات من الله حق, فلم جحدوا بها؟ قال: ظلما وعلوّا.
وقوله: ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) يعني بالظلم: الاعتداء,
والعلو: الكبر, كأنه قيل: اعتداء وتكبرا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) قال: تعظما واستكبارا, ومعنى
ذلك: وجحدوا بالآيات التسع ظلما وعلوّا, واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله,
فعاندوا الحقّ بعد وضوحه لهم, فهو من المؤخر الذي معناه التقديم.
وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) .
ويقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة
تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة, وماذا حل بهم من إفسادهم في
الأرض ومعصيتهم فيها ربهم, وأعقبهم ما فعلوا, فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون, وزروع
ومقام كريم, إلى هلاك في العاجل بالغرق, وفي الآجل إلى عذاب دائم لا يفتر عنهم وهم
فيه مبلسون. يقول: وكذلك يا محمد سنتي في الذين كذّبوا بما جئتهم به من الآيات على
حقيقة ما تدعوهم إليه من الحق من قومك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ
وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى
كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ) وذلك علم كلام الطير والدواب, وغير ذلك مما خصهم الله
بعلمه. (
وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول
جلّ ثناؤه: وقال داود وسليمان: الحمد لله الذي فضلنا بما خصنا به من العلم الذي
آتاناه ، دون سائر خلقه من بني آدم في زماننا هذا على كثير من عباده المؤمنين به
في دهرنا هذا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ
وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ ) أباه ( دَاودَ ) العلم الذي كان آتاه الله في
حياته, والمُلك الذي كان خصه به على سائر قومه, فجعله له بعد أبيه داود دون سائر
ولد أبيه (
وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) يقول: وقال سليمان لقومه: يا
أيها الناس علمنا منطق الطير, يعني فهمنا كلامها; وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل
من بني آدم إذ فهمه عنها.
وقد
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: ( وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ
عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) قال:
بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس, وخمسة وعشرون
للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير, وكان له ألف بيت من قوارير على
الخشب; فيها ثلاث مائة صريحة, وسبع مائة سرية, فأمر الريح العاصف فرفعته, وأمر
الرخاء فسيرته، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد أردت أنه لا
يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته. وقوله: ( وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يقول:
وأعطينا ووهب لنا من كلّ شيء من الخيرات ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) يقول: إن هذا الذي أوتينا من
الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا المبين, يقول: الذي يبين لمن تأمَّله وتدبره
أنه فضل أعطيناه على من سوانا من الناس.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 )
يقول
تعالى ذكره: وجمع لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير في مسير لهم، فهم يوزعون.
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله (
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) فقال
بعضهم: معنى ذلك: فهم يحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس,
قال: جعل على كل صنف من يرد أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير، كما تصنع
الملوك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, عن قَتادة في قوله: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يردّ أوّلهم على آخرهم.
وقال
آخرون: معنى ذلك فهم يساقون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يوزعون: يُساقون.
وقال
آخرون: بل معناه: فهم يتقدمون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان عن معمر, قال: قال الحسن: ( يُوزَعُونَ ) يتقدمون.
قال أبو
جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: يردّ أوّلهم على آخرهم; وذلك
أن الوازع في كلام العرب هو الكافّ, يقال منه: وزع فلان فلانا عن الظلم: إذا كفَّه
عنه, كما قال الشاعر:
أَلَــمْ
يَــزَعِ الهَـوَى إذْ لَـمْ يُـؤَاتِ بَـلى وَسَـلَوْت عَـنْ ضَلَـب الفَتـاة
وقال
آخر:
عَـلى
حِينَ عاتَبْتُ الْمَشيبَ عَلى الصّبا وقُلْــتُ ألَمَّـا أصْـحُ والشَّـيْبُ
وَازع
وإنما
قيل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء: وزعة: لكفهم إياهم عنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى
وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ) حتى إذا أتى سليمان وجنوده على وادي النمل ( قَالَتْ نَمْلَةٌ
يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ
وَجُنُودُهُ ) يقول:
لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى, قالا ثنا سفيان, عن الأعمش, عن رجل يقال له
الحكم, عن عوف في قوله: (
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ) قال: كان نمل سليمان بن داود مثل الذباب.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ
قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي
بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )
يقول
تعالى ذكره: فتبسم سليمان ضاحكا من قول النملة التي قالت ما قالت, وقال: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) يعني بقوله ( أَوْزِعْنِي ) ألهمني.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس في قوله: ( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) يقول:
اجعلني.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) قال: في كلام العرب, تقول: أوزع فلان بفلان, يقول: حرض
عليه. وقال ابن زيد: (
أوْزِعْني ) ألهمني
وحرّضني على أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ.
وقوله: ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَاهُ ) يقول:
وأوزعني أن أعمل بطاعتك وما ترضاه ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) يقول: وأدخلني برحمتك مع
عبادك الصالحين, الذين اخترتهم لرسالتك وانتخبتهم لوحيك, يقول: أدخلني من الجنة
مداخلهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) قال:
مع عبادك الصالحين الأنبياء والمؤمنين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ( 20 )
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَتَفَقَّدَ ) سليمان
(
الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) . وكان سبب تفقده الطير وسؤاله عن الهدهد خاصة من بين
الطير, ما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت عمران عن
أبي مجلز, قال: جلس ابن عباس إلى عبد الله بن سلام, فسأله عن الهدهد: لم تفقَّده
سليمان من بين الطير فقال عبد الله بن سلام: إن سليمان نـزل منـزلة في مسير له,
فلم يدر ما بُعْد الماء, فقال: من يعلم بُعْد الماء؟ قالوا: الهدهد, فذاك حين
تفقده.
حدثنا
محمد, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا عمران بن حدير, عن أبي مجلز, عن ابن عباس وعبد الله
بن سلام بنحوه.
حدثني أبو
السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس, قال: كان سليمان بن داود يوضع له ستّ مائة كرسي, ثم يجيء أشراف الإنس
فيجلسون مما يليه, ثم تجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس قال: ثم يدعو الطير
فتظلهم, ثم يدعو الريح فتحملهم, قال: فيسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر, قال:
فبينا هو في مسيره إذ احتاج إلى الماء وهو في فلاة من الأرض, قال: فدعا الهدهد,
فجاءه فنقر الأرض, فيصيب موضع الماء, قال: ثم تجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ
الإهاب, قال: ثم يستخرجون الماء. فقال له نافع بن الأزرق: قف يا وقاق، أرأيت قولك
الهدهد يجيء فينقر الأرض, فيصيب الماء, كيف يبصر هذا, ولا يبصر الفخّ يجيء حتى يقع
في عنقه؟ قال: فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه,
قال: كان سليمان بن داود إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير, وقام له
الجنّ والإنس حتى يجلس على سريره, حتى إذا كان ذات غداة في بعض زمانه غدا إلى
مجلسه الذي كان يجلس فيه, فتفقد الطير. وكان فيما يزعمون يأتيه نوبا من كل صنف من
الطير طائر, فنظر فرأى من أصناف الطير كلها قد حضره إلا الهدهد, فقال: ما لي لا
أرى الهدهد.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أوّل ما فقد سليمان الهدهد نـزل
بواد فسأل الإنس عن ماءه, فقالوا: ما نعلم له ماء, فإن يكن أحد من جنودك يعلم له
ماء فالجنّ فدعا الجنّ فسألهم, فقالوا: ما نعلم له ماء وإن يكن أحد من جنودك يعلم
له ماء فالطير, فدعا الطير فسألهم, فقالوا: ما نعلم له ماء, وإن يكن أحد من جنودك
يعلمه فالهدهد, فلم يجده, قال: فذاك أوّل ما فقد الهدهد.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ
الْغَائِبِينَ ) قال:
تفقد الهدهد من أجل أنه كان يدله على الماء إذا ركب, وإن سليمان ركب ذات يوم فقال:
أين الهدهُد ليدلنا على الماء؟ فلم يجده؛ فمن أجل ذلك تفقده، فقال ابن عباس: إن
الهدهد كان ينفعه الحذر ما لم يبلغه الأجل؛ فلما بلغ الأجل لم ينفعه الحذر, وحال
القدر دون البصر، فقد اختلف عبد الله بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه, فقال
عبد الله: كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي
نـزل به في مسيره، وقال وهب بن منبه: كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بالنوبة
التي كان ينوبها، والله أعلم بأي ذلك كان إذ لم يأتنا بأيّ ذلك كان تنـزيل, ولا
خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.
فالصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير, إما للنوبة التي
كانت عليها وأخلت بها, وإما لحاجة كانت إليها عن بُعد الماء.
وقوله: ( فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى
الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) يعني بقوله ( مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) أخطأه بصري فلا أراه وقد حضر
أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق فلم يحضر؟.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( مَا لِيَ لا أَرَى
الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أخطأه بصري في الطير, أم غاب فلم يحضر؟.
وقوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) يقول:
فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر، وأنه غائب غير شاهد, أقسم ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) وكان
تعذيبه الطير فيما ذُكر عنه إذا عذبها أن ينتف ريشها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب قال: ثنا الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن
عباس, في قوله: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عطاء, عن مجاهد, عن ابن عباس في: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) عذابه:
نتفه وتشميسه.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه وتشميسه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) قال:
نتف ريشه كله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا
) قال:
نتف ريش الهدهد كله, فلا يغفو سِنة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: نتف ريشه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) يقول:
نتف ريشه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه
الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قيل لبعض أهل العلم: هذا الذبح, فما
العذاب الشديد؟. قال: نتف ريشه بتركه بَضعة تنـزو.
حدثنا
سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن بشار, عن ابن عباس, في قوله: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا ) قال:
نتفه.
حدثني
سعيد بن الربيع, قال: ثنا سفيان, عن حسين بن أبي شدّاد, قال: نتفه وتشميسه ( أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
كما حدثت
عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في
قوله: ( أَوْ
لأذْبَحَنَّهُ ) يقول:
أو لأقتلنه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عباد بن العوّام, عن حصين, عن عبد الله بن
شدّاد: (
لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) ... الآية, قال: فتلقَّاهُ
الطير, فأخبره, فقال: ألم يستثن.
وقوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول:
أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ بن الحسين الأزدي, قال: ثنا المعافى بن عمران, عن سفيان, عن عمار الدُّهْني,
عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( أَوْ
لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة أعذره بها, وهو مثل قوله: الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ يقول: بغير بينة.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن رجل, عن عكرمة, قال: كل شيء في
القرآن سلطان, فهو حجة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله, بن يزيد, عن قباث بن رزين, أنه سمع
عكرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: كل سلطان في القرآن فهو حجة, كان للهدهد سلطان.
حدثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر بين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : أي
بحجة عذر له في غيبته.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول:
ببينة, وهو قول الله الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ بغير بينة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال:
بعذر أعذره فيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
( 22 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) فمكث
سليمان غير طويل من حين سأل عن الهدهد, حتى جاء الهدهد.
واختلف
القرّاء في قراءة قوله: (
فَمَكَثَ ) فقرأت
ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم: « فَمَكُثَ » بضمّ
الكاف, وقرأه عاصم بفتحها, وكلتا القراءتين عندنا صواب؛ لأنهما لغتان مشهورتان,
وإن كان الضمّ فيها أعجب إليّ, لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.
وقوله: ( فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ
تُحِطْ بِهِ ) يقول:
فقال الهدهد حين سأله سليمان عن تخلفه وغيبته: أحطت بعلم ما لم تحط به أنت يا
سليمان.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ ) قال: ما لم تعلم.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) ثم جاء الهدهد, فقال له
سليمان: ما خلَّفك عن نوبتك؟ قال: أحطت بما لم تحط به.
وقوله: ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ
بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) يقول:
وجئتك من سبإ بخبر يقين.
وهو ما
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه:
(
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) أي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: ( مِنْ
سَبَإٍ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة ( مِنْ
سَبَإٍ )
بالإجراء. المعنى أنه رجل اسمه سبأ. وقرأه بعض قرّاء أهل مكة والبصرة ( مِنْ سَبَأَ ) بترك الإجراء, على أنه اسم
قبيلة أو لامرأة.
والصواب
من القول في ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان, وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء
من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب; فالإجراء في سبأ, وغير الإجراء صواب, لأن
سبأ إن كان رجلا كما جاء به الأثر, فإنه إذا أريد به اسم الرجل أجري, وإن أريد به
اسم القبيلة لم يجر, كما قال الشاعر في إجرائه:
الْــوَارِدُونَ
وَتَيْــمٌ فِــي ذَرَا سَـبإٍ قَـدْ عَـضَّ أعْنـاقَهُمْ جِـلدُ الجَوَاميسِ
يروى:
ذرا, وذرى, وقد حُدثت عن الفرّاء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء كيف لم
يجر سبأ؟ قال: لست أدري ما هو; فكأن أبا عمرو ترك إجراءه إذ لم يدر ما هو, كما
تفعل العرب بالأسماء المجهولة التي لا تعرفها من ترك الإجراء، حكي عن بعضهم: هذا
أبو معرور قد جاء, فترك إجراءه إذ لم يعرفه في أسمائهم. وإن كان سبأ جبلا أجري؛
لأنه يُراد به الجبل بعينه، وإن لم يجر فلأنه يجعل اسما للجبل وما حوله من البقعة.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُهَا
وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (
24 )
يقول
تعالى مخبرا عن قيل الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في مغيبه عنه: ( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ ) يعني
تملك سبأ, وإنما صار هذا الخبر للهدهد عذرا وحجة عند سليمان, درأ به عنه ما كان
أُوعد به؛ لأن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحدا له مملكة معه, وكان مع ذلك صلى
الله عليه وسلم رجلا حبِّب إليه الجهاد والغزو, فلما دله الهدهد على ملك بموضع من الأرض
هو لغيره, وقوم كفرة يعبدون غير الله, له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل, والثواب
العظيم في الآجل, وضمّ مملكة لغيره إلى ملكه, حقَّت للهدهد المعذرة, وصحّت له
الحجة في مغيبه عن سليمان.
وقوله: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يقول:
وأوتيت من كلّ شيء يؤتاه الملك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي عُبيدة الباجي, عن الحسن, قوله: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ ) يعني:
من كل أمر الدنيا.
وقوله ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يقول: ولها كرسي عظيم. وعني
بالعظيم في هذا الموضع: العظيم في قدره, وعظم خطره, لا عظمه في الكبر والسعة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, قوله: (
وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) قال:
سرير كريم, قال: حَسن الصنعة, وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
قال: ثني
حجاج, عن أبي عبيدة الباجي, عن الحسن قوله: ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يعني سرير عظيم.
وقوله: ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا
يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ, وقومها من سبأ, يسجدون
للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: وحسَّن لهم إبليس
عبادتهم الشمس, وسجودهم لها من دون الله, وحبَّب ذلك إليهم ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
) يقول:
فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم, وهو دين الله الذي بعث به
أنبياءه, ومعناه: فصدّهم عن سبيل الحقّ ( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: فهم لما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس
من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبيل الحقّ ولا يسلكونه, ولكنهم في ضلالهم الذي
هم فيه يتردّدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا
تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ ( 26 )
اختلف
القرّاء في قراءة قوله ( أَلا
يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) فقرأ
بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين « ألا »
بالتخفيف, بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فأضمروا « هؤلاء » اكتفاء
بدلالة « يا » عليها. وذكر بعضهم سماعا من
العرب: ألا يا ارحمنا, ألا يا تصدّق علينا; واستشهد أيضا ببيت الأخطل:
ألا يـا
اسْـلَمي يـا هِنْـدَ هنْدَ بَنِي بَدرٍ وَإنْ كـان حَيَّانـا عِـدًا آخِـرَ
الدَّهْـر
فعلى هذه
القراءة اسجدوا في هذا الموضع جزم, ولا موضع لقوله « ألا » في الإعراب. وقرأ ذلك عامة
قرّاء المدينة والكوفة والبصرة ( أَلا
يَسْجُدُوا ) بتشديد
ألا بمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله « ألا » في موضع نصب لما ذكرت من معناه
أنه لئلا (
ويسجدوا ) في
موضع نصب بأن.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما
علماء من القراء مع صحة معنييهما.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول « يا » في قراءة من قرأه على وجه
الأمر, فقال بعض نحوييِّ البصرة: من قرأ ذلك كذلك, فكأنه جعله أمرا, كأنه قال لهم:
اسجدوا, وزاد « يا » بينهما التي تكون للتنبيه, ثم
أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا, وأذهبت الألف التي في « يا » ؛ لأنها ساكنة لقيت السين,
فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه « يا » التي
تدخل للنداء يكتفى بها من الاسم, ويكتفى بالاسم منها, فتقول: يا أقبل, وزيد أقبل,
وما سقط من السواكن فعلى هذا.
ويعني
بقوله: (
يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) يخرج
المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء, ونبات في الأرض ونحو ذلك.
وبالذي
قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وإن اختلفت عبارتهم عنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, قراءة عن مجاهد: ( يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي
السَّمَاوَاتِ ) قال:
الغيث.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) قال: الغيث.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال:
خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق, والمطر من السماء, والنبات من
الأرض, كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه, ففتق السماء, وأنـزل منها المطر,
وأخرج النبات.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم
بن جابر, في قوله: ( أَلا
يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ويعلم كل خفية في السموات
والأرض.
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا أسامة بن زيد, عن معاذ بن
عبد الله, قال: رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبا عن
البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر؟ قال: سمعت كعبا يقول: البذر ينـزل
من السماء ويخرج من الأرض, قال: صدقت.
قال أبو
جعفر: إنما هو تبيع, ولكن هكذا قال محمد: وقيل: يخرج الخبء في السموات والأرض, لأن
العرب تضع « من » مكان « في » و « في » مكان « من » في الاستخراج ( وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ ) يقول:
ويعلم السرّ من أمور خلقه, هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها,
وذلك على قراءة من قرأ ألا بالتشديد. وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه:
ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله: « ألا يا هؤلاء اسجدوا » . وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: « ألا تَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي
يَعْلَمُ سرَّكُمْ وما تُعْلِنُون » .
وقوله: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
) يقول
تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح العبادة إلا له, لا إله إلا هو, لا معبود سواه تصلح
له العبادة, فأخلصوا له العبادة, وأفردوه بالطاعة, ولا تشركوا به شيئا ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) يعني بذلك: مالك العرش العظيم
الذي كل عرش, وإن عظم, فدونه, لا يُشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد; في قوله: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ
بِهِ إلى قوله ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) هذا كله كلام الهدهد.
حدثنا ابن
حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق بنحوه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 27 ) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ
إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ( 28 )
يقول تعالى
ذكره: ( قَالَ
) سليمان
للهدهد: (
سَنَنظُرُ ) فيما
اعتذرت به من العذر, واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا, وفيما جئتنا به من الخير ( أَصَدَقْتَ ) في ذلك كله ( أَمْ كُنْتَ مِنَ
الْكَاذِبِينَ ) فيه ( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ )
فاختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك; فقال بعضهم: معناه: اذهب بكتابي هذا, فألقه إليهم,
فانظر ماذا يَرْجِعونَ, ثم تول عنهم منصرفا إليّ, فقال: هو من المؤخَّر الذي معناه
التقديم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: فأجابه سليمان, يعني أجاب الهدهد لما
فرغ: (
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ) وانظر
ماذا يرجعون, ثم تول عنهم منصرفا إلي. وقال: وكانت لها كوّة مستقبلة الشمس, ساعة
تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها, فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها, واستبطأت الشمس,
فقامت تنظر, فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه, وطار حتى قامت تنظر الشمس.
قال أبو
جعفر: فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ على أن الهدهد تولى إلى سليمان راجعا بعد
إلقائه الكتاب, وأن نظره إلى المرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب
سليمان إليها.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم, ثم تولّ عنهم, فكن قريبا منهم,
وانظر ماذا يرجعون; قالوا: وفعل الهدهد, وسمع مراجعة المرأة أهل مملكتها, وقولها
لهم: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم
بعضا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قوله:
(
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي كن قريبا ( فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) وهذا القول أشبه بتأويل
الآية؛ لأن مراجعة المرأة قومها, كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب, ولم يكن الهدهد
لينصرف وقد أمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره
به سليمان.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ
سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلا
تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: فذهب الهدهد بكتاب سليمان إليها, فألقاه إليها فلما قرأته قالت
لقومها: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
كتب - يعني سليمان بن داود- مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن داود,
إلى بلقيس بنت ذي سرح وقومها, أما بعد, فلا تعلو عليّ، وأتوني مسلمين, قال: فأخذ
الهدهد الكتاب برجله, فانطلق به حتى أتاها, وكانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت
الشمس نظرت إليها, فسجدت لها, فأتى الهدهد الكوّة فسدّها بجناحيه حتى ارتفعت الشمس
ولم تعلم, ثم ألقى الكتاب من الكوّة, فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه, فأخذته.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قال: بلغني أنها
امرأة يقال لها بلقيس, أحسبه قال: ابنة شراحيل, أحد أبويها من الجنّ, مؤخر أحد
قدميها كحافر الدابة, وكانت في بيت مملكة, وكان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر
كلّ رجل منهم على عشرة آلاف, وكانت بأرض يقال لها مأرب, من صنعاء على ثلاثة أيام;
فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داود, كتب الكتاب وبعث به مع الهدهد, فجاء
الهدهد وقد غَلقت الأبواب, وكانت تغلِّق أبوابها وتضع مفاتيحها تحت رأسها, فجاء
الهدهد فدخل من كوّة, فألقى الصحيفة عليها, فقرأتها, فإذا فيها: ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) وكذلك
كانت تكتب الأنبياء لا تطنب, إنما تكتب جملا.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في
كتابه إنه وإنه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فمضى الهدهد بالكتاب, حتى إذا
حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب.
وقوله: ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) والملأ أشراف قومها، يقول تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف
قومها: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
واختلف
أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم, فقال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختوما.
وقال
آخرون: وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بالكرم لكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن
زيد.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ
كِتَابٌ كَرِيمٌ ) قال:
هو كتاب سليمان حيث كتب إليها.
وقوله ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كُسِرت إنَّ الأولى والثانية على الردّ على « إني » من قوله: ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ
كِتَابٌ كَرِيمٌ ) .
ومعنى الكلام: قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب, وإنه من سليمان.
وقوله ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول:
ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا عليّ.
ففي « أنْ » وجهان من العربية: إن جعلت
بدلا من الكتاب كانت رفعا بما رفع به الكتاب بدلا منه; وإن جعل معنى الكلام: إني
ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا علي كانت نصبا بتعلق الكتاب بها.
وعنى
بقوله: ( أَلا
تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا
تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تمتنعوا من الذي دعوتكم
إليه إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابن زيد: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تتكبروا علي؟ قال: نعم; قال: وقال ابن زيد: ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ذلك في
كتاب سليمان إليها. وقوله: (
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول:
وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ
( 32 ) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ
إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ) تقول: أشيروا عليّ في أمري
الذي قد حضرني من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقي إليّ, فجعلت المشورة فتيا.
وقوله: ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً
أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) تقول:
ما كنت قاضية أمرا في ذلك حتى تشهدون, فأشاوركم فيه.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: دعت قومها تشاورهم ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ
أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) يقول في الكلام: ما كنت لأقطع
أمرا دونك ولا كنت لأقضي أمرا, فلذلك قالت: ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا ) بمعنى: قاضية.
وقوله: ( قَالُوا نَحْنُ أُولُو
قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) يقول
تعالى ذكره: قال الملأ من قوم ملكة سبأ, إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو
القوّة على القتال, والبأس الشديد في الحرب, والأمر أيتها الملكة إليك في القتال
وفي تركه, فانظري من الرأي ما ترين, فَمُرينا نأتمر لأمرك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) عرضوا لها القتال, يقاتلون
لها, والأمر إليك بعد هذا, (
فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مجاهد, قال: كان مع
ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول مع كل قيول مئة ألف.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن مجاهد,
عن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل, مع كل قيل مائة ألف.
قال: ثنا
وكيع, قال: ثنا الأعمش, قال: سمعت مجاهدا يقول: كانت تحت يد ملكة سبأ اثنا عشر ألف
قيول، والقيول بلسانهم: الملك تحت يد كلّ ملك مائة ألف مقاتل.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ
إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 )
يقول
تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها, إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان,
إن أمرتهم بذلك: ( إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً ) عنوة وغلبة ( أفْسَدُوها ) يقول: خرّبوها ( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) وذلك باستعبادهم الأحرار,
واسترقاقهم إياهم; وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع فقال الله: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: وكما قالت
صاحبة سبأ تفعل الملوك, إذا دخلوا قرية عنوة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو بكر, في قوله: ( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال أبو بكر: هذا عنوة.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا أبو بكر, قال: ثنا الأعمش, عن مسلم, عن ابن عباس, في
قوله: ( إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) قال: إذا دخلوها عنوة خرّبوها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ
إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال ابن عباس: يقول الله: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 )
ذكر أنها
قالت: إني مرسلة إلى سليمان, لتختبره بذلك وتعرفه به, أملك هو, أم نبيّ؟ وقالت: إن
يكن نبيا لم يقبل الهدية, ولم يرضه منا, إلا أن نتبعه على دينه, وإن يكن ملكا قبل
الهدية وانصرف.
*ذكر
الرواية عمن قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قالت: ( وَإِنِّي
مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) قال: وبعثت إليه بوصائف
ووصفَاء, وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى
يعرف الذكر من الأنثى, ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نترك ملكنا, ونتبع
دينه, ونلحق به.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
بجوار لباسهم لباس الغلمان, وغلمان لباسهم لباس الجواري.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قولها: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
مائتي غلام ومائتي جارية. قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: قوله: ( بِهَديَّةٍ ) قال: جوار ألبستهن لباس
الغلمان, وغلمان ألبستهم لباس الجواري.
قال ابن
جُرَيج: قال: قالت: فإن خلص الجواري من الغلمان, وردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي
لنا أن نتبعه.
قال ابن
جُرَيج, قال مجاهد: فخلص سليمان بعضهم من بعض, ولم يقبل هديتها.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا سفيان, عن معمر, عن ثابت البُنَانيّ, قال: أهدت له صفائح الذهب
في أوعية الديباج، فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجرّ بالذهب, ثم
أمر به فألقي في الطرق، فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يُلتفت إليه, صغر في أعينهم ما
جاءوا به.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا
دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ... الآية, وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما همته
الدنيا فسنرضيه, وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبلَ غيره ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك, لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها,
إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك, وكان دينها ودين قومها فيما ذكر الزنديقية;
فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها, فبعثت إلى
المقَاولة من أهل اليمن, فقالت لهم: يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ
إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله
( بِمَ
يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ثم
قالت: إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من الملوك قبله, فإن يكن الرجل نبيا
مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوّة, وإن يكن الرجل ملكا يكاثر, فليس بأعز منا, ولا
أعدّ. فهيَّأت هدايا مما يُهدَى للملوك, مما يُفتنون به, فقالت: إن يكن ملكا
فسيقبل الهدية ويرغب في المال, وإن يكن نبيا فليس له في الدنيا حاجة, وليس إياها
يريد, إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره, أو كما قالت.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) بعثت
بوصائف ووصفاء, لباسهم لباس واحد, فقالت: إن زيَّل بينهم حتى يعرف الذكر من
الأنثى, ثم رد الهدية فهو نبي, وينبغي لنا أن نتبعه, وندخل في دينه; فزيل سليمان
بين الغلمان والجواري, وردّ الهدية, فقال ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف
ووصفاء يختلفون في ثيابهم, ليميز الغلمان من الجواري, قال: فدعا بماء, فجعل
الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل, وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق. قال:
وكان أبي يحدثنا هذا الحديث.
حدثنا
عبد الأعلى, قال: ثنا مروان بن معاوية, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال:
أرسلت بلبنة من ذهب, وقالت: إن كان يريد الدنيا علمته, وإن كان يريد الآخرة علمته.
وقوله: ( فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
الْمُرْسَلُونَ ) تقول:
فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي, أبقبول
وانصراف عنا, أم بردّ الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه؟ وأسقطت الألف
من « ما » في قوله ( بِمَ ) وأصله: بما, لأن العرب إذا
كانت « ما » بمعنى: أي, ثم وصلوها بحرف
خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره, كما قال جلّ ثناؤه عَمَّ
يَتَسَاءَلُونَ و قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ , وربما أثبتوا فيها الألف, كما قال
الشاعر:
عَلامَـــا
قــامَ يَشْــتُمِني لَئِــيمٌ كَخِــنزيرٍ تَمَــرَّغَ فِــي تُــرَاب
وقالت: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ ) وإنما
أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَمَلَئِهِمْ ،
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ
أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ
مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 37 )
وقوله: ( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) .
إن قال
قائل: وكيف قيل: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) فجعل
الخبر في مجيء سليمان عن واحد, وقد قال قبل ذلك: ( فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) فإن كان الرسول كان واحدا,
فكيف قيل ( بِمَ
يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) وإن
كانوا جماعة فكيف قيل: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) قيل:
هذا نظير ما قد بيَّنا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه
الخبر, عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه, يُشار إليه بعينه, فسمي
في الخبر. وقد قيل: إن الرسول الذي وجَّهته ملكة سبأ إلى سليمان كان امرأ واحدا,
فلذلك قال: (
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) يُراد
به: فلما جاء الرسول سليمان; واستدلّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول
سليمان للرسول: (
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) وقد
ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله, فلما جاءوا سليمان على الجمع, وذلك للفظ قوله: ( بِمَ يَرْجِعُ
الْمُرْسَلُونَ ) فصلح
الجمع للفظ والتوحيد للمعنى.
وقوله: ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) يقول: قال سليمان لما جاء
الرسول من قبل المرأة بهداياها: أتمدونن بمال.
واختلف
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه بعض قرّاء أهل المدينة « أتُمِدونَنِي » بنونين, وإثبات الياء. وقرأه
بعض الكوفيين مثل ذلك, غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه
بعض قرّاء البصرة بنونين, وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأه بعض قرّاء
الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء. وكلّ هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب,
لأنها معروفة في لغات العرب, مشهورة في منطقها.
وقوله: ( فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ ) يقول:
فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل ( بَلْ أَنْتُمْ
بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) يقول:
ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إليّ, بل أنتم تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم,
لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا, ومكاثرة بها, وليست الدنيا وأموالها من حاجتي, لأن لله
تعالى ذكره قد مكَّنني منها وملَّكني فيها ما لم يُمَلِّك أحدا.
( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) وهذا قول سليمان لرسول المرأة
(
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم
على دفعهم عما أرادوا منهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوُصفاء, والخيل العراب, وأصناف من أصناف
الدنيا, قال للرسل الذين جاءوا به: ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ
مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) لأنه لا حاجة لي بهديتكم,
وليس رأيي فيه كرأيكم, فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها, ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ
بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) .
حدثنا
عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي
صالح في قوله: (
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) قال: لا طاقة لهم بها. وقوله:
(
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) يقول: ولنخرجنّ من أرسلكم من
أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا
أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) , أو
لتأتيني مسلمة هي وقومها.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 )
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ
مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ
طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 )
اختلف
أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه
الهدهد بنبأ صاحبة سبأ, وقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ وأخبره
أن لها عرشا عظيما, فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم
يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين. وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع
الهدهد إلى المرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه على ما
وصفه به الهدهد, قالوا: ولولا ذلك كان محالا أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري, هل
هو في الدنيا أم لا؟ قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل
مجيء عرشها إليه, وقبل علمه صدق الهدهد بذلك, لم يكن لقوله له سَنَنْظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ معنى؛ لأنه لا يُلِم بخبره الثاني من
إبلاغه إياها الكتاب, أو ترك إبلاغه إياها ذلك, إلا نحو الذي علم بخبره الأوّل حين
قال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ قالوا: وإن لم يكن في الكتاب
معهم امتحان صدقه من كذبه, وكان محالا أن يقول نبي الله قولا لا معنى له وقد قال:
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ علم أن الذي امتحن به صدق
الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه, على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه,
ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قال: إن سليمان أوتي ملكا, وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره; فلما فقد الهدهد
سأله: من أين جئت؟ ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب, قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ
بِنَبَإٍ يَقِينٍ قال له سليمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: إِنِّي وَجَدْتُ
امْرَأَةً بسبأ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ
عَظِيمٌ فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا, أنكر أن يكون لأحد في الأرض
سلطان غيره, فقال لمن عنده من الجنّ والإنس: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ
بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) قال سليمان: أريد أعجل من ذلك
( قَالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر,
الذي إذا دعي به أجاب: ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) فدعا بالاسم وهو عنده قائم,
فاحتمل العرش احتمالا حتى وُضع بين يدي سليمان, والله صنع ذلك; فلما أتى سليمان
بالعرش وهم مشركون, يسجدون للشمس والقمر, أخبره الهدهد بذلك, فكتب معه كتابًا ثم
بعثه إليهم, حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب قَالَتْ يَا أَيُّهَا
الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ... إلى وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
فقالت لقومها ما قالت وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفاء, وألبستهم لباسا
واحدا, حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى,
ثم رد الهدية, فإنه نبي, وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتبع دينه ونلحق به, فردّ
سليمان الهدية وزيل بينهم, فقال: هؤلاء غلمان وهؤلاء جوار وقال: أَتُمِدُّونَنِ
بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ
بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ... إلى آخر الآية.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ... الآية; قال: وأنكر سليمان أن يكون
لأحد على الأرض سلطان غيره, قال لمن حوله من الجنّ والإنس: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) ...
الآية.
وقال
آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب, وإنما سأل من عنده إحضاره عرش
المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده, وبعد أن أقبلت المرأة إليه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: لما
رجعت إليها الرسل بما قال سليمان: قالت: والله عرفت ما هذا بملك, وما لنا به طاقة,
وما نصنع بمكاثرته شيئا, وبعثت: إني قادمة عليك بملوك قومي, حتى أنظر ما أمرك, وما
تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بسرير ملكها, الذي كانت تجلس عليه, وكان من ذهب مفصص
بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ, فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض, ثم أقفلت عليه
الأبواب. وكانت إنما يخدمها النساء, معها ستّمائة امرأة يخدمنها; ثم قالت لمن خلفت
على سلطانها, احتفظ بما قِبَلك, وبسرير ملكي, فلا يخلص إليه أحد من عباد الله, ولا
يرينه أحد حتى آتيك; ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلِ معها من ملوك
اليمن, تحت يد كلّ قَيْلِ منهم ألوف كثيرة, فجعل سليمان يبعث الجنّ, فيأتونه
بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلة, حتى إذا دنت جمع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت
يده, فقال: (
يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ ) .
وتأويل
الكلام: قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجن والإنس: ( يَاأَيُّهَا الْمَلأ
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) يعني سريرها.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) قال:
سرير في أريكة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: عرشها
سرير في أريكة. قال ابن جُرَيج: سرير من ذهب, قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا )
بسريرها.
وقال ابن
زيد في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا ) قال:
مجلسها.
واختلف
أهل العلم في السبب الذي من أجله خصّ سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه
المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها, فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف
له الهدهد صفته, وخشي أن تسلم فيحرُم عليه مالها, فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن
يحرُم عليه أخذه بإسلامها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: أخبر سليمانَ
الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتيه, وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر
مكلَّل باللؤلؤ, فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحلّ لهم أموالهم, فقال للجنّ: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) .
وقال
آخرون: بل فعل ذلك سليمان ليعاتبها به, ويختبر به عقلها, هل تثبته إذا رأته, أم
تنكره؟
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أعلم الله سليمان أنها ستأتيه,
فقال: (
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) حتى يعاتبها, وكانت الملوك
يتعاتبون بالعلم.
واختلف
أهل التأويل في تأويل قوله (
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتوني مستسلمين طوعا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ ) يقول:
طائعين.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتوني مسلمين الإسلام الذي هو دين الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بحرمة الإسلام فيمنعهم وأموالهم, يعني الإسلام يمنعهم.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في السبب الذي من أجله خصّ سليمان بسؤاله الملأ من
جنده بإحضاره عرش هذه المرأة دون سائر ملكها عندنا, ليجعل ذلك حجة عليها في نبوته,
ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه, أنها خلَّفته في بيت في جوف أبيات, بعضها في
جوف بعض, مغلق مقفل عليها, فأخرجه الله من ذلك كله, بغير فتح أغلاق وأقفال, حتى
أوصله إلى ولية من خلقه, وسلمه إليه, فكان لها في ذلك أعظم حجة, على حقيقة ما
دعاها إليه سليمان, وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوّته.
فأما
الذي هو أولى التأويلين في قوله (
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) بتأويله, فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل, من أن معناه
طائعين, لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة, وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه
وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة.
وقوله: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ
الْجِنِّ ) يقول
تعالى ذكره: قال رئيس من الجنّ مارد قويّ. وللعرب فيه لغتان: عفريت, وعفرية; فمن
قال: عفرية, جمعه: عفاري; ومن قال: عفريت, جمعه: عفاريت.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال مجاهد: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ
الْجِنِّ ) قال:
مارد من الجنّ ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة وغيره, مثله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن بعض أصحابه: ( قَالَ عِفْريتٌ ) قال: داهية.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني وهب بن سليمان, عن شعيب الجبائي قال: العفريت
الذي ذكره الله: اسمه كوزن.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم: ( قَالَ عِفْريتٌ ) اسمه: كوزن.
وقوله: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) يقول:
أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا.
وكان
فيما ذُكر قاعدا للقضاء بين الناس, فقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا
الذي جلست فيه للحكم بين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلى انتصاف النهار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة وغيره, مثله, قال: وكان يقضي قال:
قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي فيه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) يعني
مجلسه.
وقوله ( وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) على ما
فيه من الجواهر, ولا أخون فيه.
وقد قيل:
أمين على فرج المرأة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) يقول:
قويّ على حمله, أمين على فرج هذه.
قوله: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله, وكان رجلا فيما ذكر من بني آدم, فقال
بعضهم: اسمه بليخا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو عثمة, قال: ثنا شعبة, عن بشر, عن قتادة, في قوله: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
كان اسمه بليخا.
حدثني
يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله: ( الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتَابِ ) رجل من
الإنس.
حدثنا
ابن عرفة, قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريّ, عن العلاء بن عبد الكريم, عن مجاهد,
في قول الله: ( قَالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ ) قال: أنا أنظر في كتاب ربي,
ثم آتيك به (
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج
إليهم.
حدثنا
ابن عرفة, قال: ثني حماد بن محمد, عن عثمان بن مطر, عن الزهري, قال: دعا الذي عنده
علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلّ شيء إلها واحدا, لا إله إلا أنت, ائتني بعرشها,
قال: فمثل بين يديه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ
عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
رجل من بني آدم، أحسبه قال: من بني إسرائيل, كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به
أجاب.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتَابِ ) قال:
الاسم الذي إذا دعي به أجاب, وهو: يا ذا الجلال والإكرام.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: قال سليمان
لمن حوله: (
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فقال عفريت ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) قال
سليمان: أريد أعجل من ذلك, فقال رجل من الإنس عنده علم من الكتاب, يعني اسم الله
إذا دعي به أجاب.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) لا آتيك بغيره, أقول غيره
أمثله لك. قال: وخرج يومئذ رجل عابد في جزيرة من البحر, فلما سمع العفريت ، ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: ثم دعا باسم من أسماء الله, فإذا هو يحمل بين عينيه,
وقرأ: (
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) ... حتى بلغ ( فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ
كَرِيمٌ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال رجل من الإنس.
قال:
وقال مجاهد: الذي عنده علم من الكتاب: علم اسم الله.
وقال آخرون:
الذي عنده علم من الكتاب, كان آصف.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( قَالَ عِفْريتٌ ) لسليمان ( أَنَا
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ
أَمِينٌ ) فزعموا
أن سليمان بن داود قال: أبتغي أعجل من هذا, فقال آصف بن برخيا, وكان صدّيقا يعلم
الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب, وإذا سئل به أعطى: أَنَا يا نبيّ الله ( آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) .
وقوله: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: أنا
آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مدّ البصر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني إبراهيم, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن
سعيد بن جُبَير: (
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى, فذلك قوله ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) .
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, قال: قال غير قتادة: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قبل أن
يأتيك الشخص من مدّ البصر.
وقال آخرون:
بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) تمدّ
عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. قال: ذلك أريد.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير, قال: أخبرت أنه قال:
ارفع طرفك من حيث يجيء, فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن عطاء, عن مجاهد, في قوله: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
مدّ بصره.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
إذا مدّ البصر حتى يردّ الطرف خاسئا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال:
إذا مدّ البصر حتى يحسر الطرف.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى
أثره, وذلك أن معنى قوله (
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ ) يرجع
إليك البصر, إذا فتحت العين غير راجع, بل إنما يمتدّ ماضيا إلى أن يتناهى ما امتدّ
نوره. فإذا كان ذلك كذلك, وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ
أَنْ يَرْتَدَّ ) لم يكن
لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ راجعا ( إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) من عند منتهاه.
وقوله: ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا
عِنْدَهُ ) يقول:
فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرا عنده. وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ظهر
عما ترك, وهو: فدعا الله, فأتى به; فلما رآه سليمان مستقرا عنده. وذُكر أن العالم
دعا الله, فغار العرش في المكان الذي كان به, ثم نبع من تحت الأرض بين يدي سليمان.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
ذكروا أن آصِف بن برخيا توضأ, ثم ركع ركعتين, ثم قال: يا نبيّ الله, امدد عينك حتى
ينتهي طرفك, فمدّ سليمان عينه ينظر إليه نحو اليمن, ودعا آصف فانخرق بالعرش مكانه
الذي هو فيه, ثم نبع بين يدي سليمان ( فَلَمَّا رَآهُ ) سليمان (
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ) ... الآية.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, عن ابن
عباس قال: نبع عرشها من تحت الأرض.
وقوله: ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ
رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ) يقول:
هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إليّ عرش هذه في قدر
ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام, من فضل ربي الذي أفضله عليّ وعطائه الذي جاد به
علي, ليبلوني, يقول: ليختبرني ويمتحنني, أأشكر ذلك من فعله عليّ, أم أكفر نعمته
عليّ بترك الشكر له.
وقد قيل:
إن معناه: أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أتيت به, أم كفر إذ رأيت من هو دوني في
الدنيا أعلم مني.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عطاء الخراساني, عن ابن عباس,
في قوله: (
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ ) على
السرير إذ أتيت به ( أَمْ
أَكْفُرُ ) إذ رأيت
من هو دوني في الدنيا أعلم مني؟ .
وقوله: ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يقول:
ومن شكر نعمة الله عليه, وفضله عليه, فإنما يشكر طلب نفع نفسه, لأنه ليس ينفع بذلك
غير نفسه؛ لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه, وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم
للنفع, لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه, ولا دفع ضرّ عنها ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) يقول:
ومن كفر نعمه وإحسانه إليه, وفضله عليه, لنفسه ظلم, وحظَّها بخَس, والله غنيّ عن
شكره, لا حاجة به إليه, لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه, كريم, ومن كرمه إفضاله
على من يكفر نعمه, ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ نَكِّرُوا لَهَا
عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41
)
يقول
تعالى ذكره: قال سليمان - لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبإٍ, وقدمت هي عليه, لجنده:
غيِّروا لهذه المرأة سريرها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيروا.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس:
فلما أتته ( قَالَ
نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال:
وتنكير العرش, أنه زيد فيه ونقص.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيِّروه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, نحوه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: مجلسها الذي تجلس فيه.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول, أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) أمرهم أن يزيدوا فيه, وينقصوا
منه.
وقوله: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) يقول: ننظر أتعقل فتثبت عرشها
أنه هو الذي لها ( أَمْ
تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها.
وقيل: إن
سليمان إنما نكَّر لها عرشها, وأمر بالصرح يعمل لها, من أجل أن الشياطين كانوا
أخبروه أنه لا عقل لها, وأن رجلها كحافر حمار, فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من
ذلك.
وبنحو الذي
قلنا في تأويل قوله (
أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ
تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال: زيد في عرشها ونقص منه؛ لينظر إلى عقلها, فُوجدت ثابتة
العقل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) أتعرفه؟.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثني ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) قال: تَعرفه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: ( أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ
مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) أي
أتعقل, أم تكون من الذين لا يعقلون؟ ففعل ذلك لينظر أتعرفه, أم لا تعرفه؟
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا
وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره: لما جاءت صاحبة سبإٍ سليمان, أخرج لها عرشها, فقال لها: ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ ) ؟ قالت وشبهته به: ( كَأَنَّهُ هُوَ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها, ثم قال: ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ
كَأَنَّهُ هُوَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) قال: شبهته, وكانت قد تركته خلفها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان أبي يحدّثنا هذا الحديث كله,
يعني حديث سليمان, وهذه المرأة (
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) شكت.
وقوله: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ
قَبْلِهَا ) يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل سليمان, وقال سليمان: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا ) أي: هذه المرأة, بالله
وبقدرته على ما يشاء, (
وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) لله من
قبلها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ
قَبْلِهَا ) قال:
سليمان يقوله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ( 43 )
يقول
تعالى ذكره: ومنع هذه المرأة صاحبة سبإ ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) , وذلك عبادتها الشمس أن تعبد
الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال:
كفرها بقضاء الله، وعبادة الوثن صدها أن تهتدي للحق.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ
تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال:
كفرها بقضاء الله, صدها أن تهتدي للحق. ولو قيل: معنى ذلك: وصدّها سليمان ما كانت
تعبد من دون الله, بمعنى: منعها وحال بينها وبينه, كان وجها حسنا. ولو قيل أيضا:
وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام, كان أيضا وجها صحيحا.
وقوله: ( إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ
قَوْمٍ كَافِرِينَ ) يقول:
إن هذه المرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله « إنها » على الابتداء. ومن تأول قوله:
(
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) التأويل الذي تأولنا, كانت « ما » من قوله ( مَا كَانَتْ تَعْبُدُ ) في موضع رفع بالصد, لأن
المعنى فيه لم يصدها عن عبادة الله جهلها, وأنها لا تعقل, إنما صدها عن عبادة الله
عبادتها الشمس والقمر, وكان ذلك من دين قومها وآبائها, فاتبعت فيه آثارهم. ومن
تأوله على الوجهين الآخرين كانت « ما » في موضع نصب.
القول
في تأويل قوله تعالى : قِيلَ لَهَا ادْخُلِي
الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ
إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 44 )
ذُكر أن
سليمان لما أقبلت صاحبة سبإ تريده, أمر الشياطين فبنوا له صرحا, وهو كهيئة السطح
من قوارير, وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك, وفهمها على نحو الذي كانت تفعل
هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك
كذلك.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال:
أمر سليمان بالصرح, وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا, ثم أرسل
الماء تحته, ثم وضع له فيه سريره, فجلس عليه, وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس, ثم
قال: (
ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ليريها
مُلكا هو أعزُ من ملكها, وسلطانا هو أعظم من سلطانها ( فَلَمَّا رَأَتْهُ
حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) لا تشكُّ أنه ماء تخوضه, قيل لها: ادخلي إنه صرح ممرّد من
قوارير; فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله ونعى عليها في عبادتها الشمس
دون الله, فقالت بقول الزنادقة, فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت, وسجد معه
الناس; وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع; فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك
ماذا قلت؟ قال: وأُنْسِيت ما قالت: , فقالت: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وأسلمت, فحسن إسلامها.
وقيل: إن
سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله, لأن الجنّ خافت من سليمان أن
يتزوّجها, فأرادوا أن يزهدوه فيها, فقالوا: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من
الجنّ, فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنّ من ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظيّ, قال: قالت الجنّ
لسليمان تزهِّده في بلقيس: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من الجنّ. فأمر
سليمان بالصرح, فعُمِل, فسجن فيه دواب البحر: الحيتان, والضفادع; فلما بصرت بالصرح
قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق؟ ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) قال:
فإذا أحسن الناس ساقا وقدما. قال: فضنّ سليمان بساقها عن الموسى, قال: فاتخذت
النورة بذلك السبب.
وجائز
عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب, والذي قاله محمد بن
كعب القرظيّ, ليختبر عقلها, وينظر إلى ساقها وقدمها, ليعرف صحة ما قيل له فيها.
وكان
مجاهد يقول - فيما ذكر عنه في معنى الصرح- ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو
عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن
ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (
الصرْحَ ) قال:
بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها. قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء, قدمها
كحافر الحمار, وكانت أمها جنية.
حدثني
أحمد بن الوليد الرملي, قال: ثنا هشام بن عمار, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن سعيد
بن بشير, عن قَتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كان
أحد أبوي صاحبة سبإ جنبا » .
قال: ثنا
صفوان بن صالح, قال: ثني الوليد, عن سعيد بن بشير, عن قَتادة, عن بشير بن نهيك, عن
أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, ولم يذكر النضر بن أنس.
وقوله: ( فَلَمَّا رَأَتْهُ
حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) يقول:
فلما رأت المرأة الصرح حسبته لبياضه واضطراب دواب الماء تحته لجة بحر كشفت من
ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.
ونحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: وكان من قوارير, وكان الماء من خلفه فحسبته لجة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: بحرا.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا ابن سوار, قال: ثنا روح بن القاسم, عن عطاء بن السائب, عن
مجاهد, في قوله: (
وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) فإذا
هما شعراوان, فقال: ألا شيء يذهب هذا؟ قالوا: الموسى, قال: لا الموسى له أثر, فأمر
بالنورة فصنعت.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا حفص, عن عمران بن سليمان, عن عكرمة وأبي صالح قالا لما تزوّج
سليمان بلقيس قالت له: لم تمسني حديدة قطّ، قال سليمان للشياطين: انظروا ما يُذهب
الشعر؟ قالوا: النورة, فكان أوّل من صنع النورة.
وقوله: ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مِنْ قَوَارِيرَ ) يقول
جلّ ثناؤه: قال سليمان لها: إن هذا ليس ببحر, إنه صرح ممرّد من قوارير, يقول: إنما
هو بناء مبني مشيد من قوارير.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( مُمَرَّدٌ ) قال: مشيد.
وقوله: ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي
ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) ... الآية, يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبإ: رب إني
ظلمت نفسي في عبادتي الشمس, وسجودي لما دونك ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ ) تقول: وانقدت مع سليمان مذعنة
لله بالتوحيد, مفردة له بالألوهة والربوبية دون كل من سواه.
وكان ابن
زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في: ( حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مِنْ قَوَارِيرَ ) فَعرفت
أنها قد غلبت (
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى
ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ
قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46
)
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) وَحده لا شريك له, ولا تجعلوا
معه إلها غيره (
فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ) يقول: فلما أتاهم صالح داعيا لهم إلى الله صار قومه من ثمود
فيما دعاهم إليه فريقين يختصمون, ففريق مصدّق صالحا مؤمن به, وفريق مكذّب به كافر
بما جاء به.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ) قال: مؤمن وكافر, قولهم: صالح
مرسل, وقولهم: صالح ليس بمُرسل, ويعني بقوله ( يَخْتَصِمُونَ ) يختلفون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ) قال:
مؤمن, وكافر.
وقوله: ( قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) يقول تعالى ذكره: قال صالح
لقومه: يا قوم لأيّ شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن نجيح, عن مجاهد قوله: ( لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) قال: السيئة: العذاب, قبل الحسنة: قبل الرحمة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال
بالعذاب قبل الحسنة, قال: العافية.
وقوله: ( لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول:
هلا تتوبون إلى الله من كفركم, فيغفر لكم ربكم عظيم جرمكم, يصفح لكم عن عقوبته
إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول: ليرحمكم ربكم
باستغفاركم إياه من كفركم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ
وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
( 47 )
يقول
تعالى ذكره: قالت ثمود لرسولها صالح ( اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ) أي: تشاءمنا بك وبمن معك من
أتباعنا, وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، فأجابهم صالح فقال
لهم (
طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) أي ما
زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه, لا يدري أيّ ذلك كائن, أما
تظنون من المصائب أو المكاره, أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب؟.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس قوله: ( قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ ) يقول:
مصائبكم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) علمكم عند الله.
وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تُفْتَنُونَ ) يقول:
بل أنتم قوم تختبرون, يختبركم ربكم إذ أرسلني إليكم, أتطيعونه, فتعملون بما أمركم
به, فيجزيكم الجزيل من ثوابه؟ أم تعصونه بخلافه, فيحلّ بكم عقابه؟.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ
تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قَالُوا
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح, وهي حِجر ثمود, تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا
يصلحون, وكان إفسادهم في الأرض، كفرهم بالله, ومعصيتهم إياه, وإنما خصّ الله جلّ
ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون,
وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين, لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما
بلغنا في عقر الناقة, وتعاونوا عليه, وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود.وقد
ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تِسْعَةُ رَهْطٍ ) قال: من قوم صالح.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا
يُصْلِحُونَ ) هم
الذين عقروا الناقة, وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا وأهله فنقتلهم, ثم نقول
لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا, وما لنا به علم, فدمرهم الله أجمعين.
وقوله: ( قَالُوا تَقَاسَمُوا
بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يُفسدون في
أرض حجر ثمود, ولا يصلحون: تقاسموا بالله: تحالفوا بالله أيها القوم, ليحلف بعضكم
لبعض: لنبيتنّ صالحا وأهله, فلنقتلنه, ثم لنقولنّ لوليه: ما شهدنا مهلك أهله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ ) قال: تحالفوا على إهلاكه, فلم
يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعون.
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.
ويتوجه
قوله (
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ ) إلى
وجهين: أحدهما النصب على وجه الخبر, كأنه قيل: قالوا متقاسمين وقد ذُكر أن ذلك في
قراءة عبد الله: « ولا
يصلحون تقاسموا بالله » وليس
فيها « قالوا » , فذلك من قراءته يدل على وجه
النصب في «
تقاسموا » على ما
وصفت. والوجه الآخر: الجزم, كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بالله, فعلى هذا الوجه
الثاني تصلح قراءة (
لَنُبَيِّتَنَّهُ ) بالياء
والنون, لأن القائل لهم تقاسموا, وإن كان هو الآمر فهو فيمن أقسم, كما يقال في
الكلام: انهضوا بنا نمض إلى فلان, وانهضوا نمضي إليه. وعلى الوجه الأوّل الذي هو
وجه النصب القراءة فيه بالنون أفصح, لأن معناه: قالوا متقاسمين لنبيتنه, وقد تجوز
الياء على هذا الوجه، كما يقال في الكلام: قالوا لنكرمنّ أباك, وليكرمنّ أباك,
وبالنون قرأ ذلك قرَّاء المدينة, وعامة قراء البصرة وبعض الكوفيين. وأما الأغلب
على قرّاء أهل الكوفة, فقراءته بالياء وضمّ التاء جميعا. وأما بعض المكيين, فقرأه
بالياء.
وأعجب
القراءات في ذلك إليّ النون, لأن ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللذين بيَّنت من
النصب والجزم, وإن كان كل ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت, وأكرهها إليّ القراءة بها
الياء, لقلة قارئ ذلك كذلك. وقوله: ( لَنُبَيِّتَنَّهُ ) قال: ليبيتنّ صالحا ثم يفتكوا به.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلمّ
فلنقتل صالحا, فإن كان صادقا - يعني فيما وعدهم من العذاب بعد الثلاث- عجلناه
قبله, وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله, فدمغتهم
الملائكة بالحجارة; فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منـزل صالح, فوجدوهم مشدوخين قد
رضخوا بالحجارة. وقوله: (
وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) نقول
لوليه: وإنا لصادقون, أنا ما شهدنا مهلك أهله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 )
يقول
تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمصيرهم إليه
ليلا ليقتلوه وأهله, وصالح لا يشعر بذلك ( وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم, وتعجيلنا العذاب لهم ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا.
وقد
بيَّنا فيما مضى معنى: مكر الله، بمن مكر به, وما وجه ذلك, وأنه أخذه من أخذه منهم
على غرّة, أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به, ومعصيته إياه, ثم إحلاله
العقوبة به على غرّة وغفلة,
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن شمر بن عطية, عن رجل,
عن عليّ, قال: المكر غدر, والغدر كفر.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال:
احتالوا لأمرهم, واحتال الله لهم, مكروا بصالح مكرا, ومكرنا بهم مكرا ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا وشعرنا بمكرهم, قالوا:
زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك, وكان له مسجد في
الحجر في شعب يصلي فيه, فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه, ثم رجعنا إذا
فرغنا منه إلى أهله, ففرغنا منهم, وقرأ قول الله تبارك وتعالى: قَالُوا
تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فبعث الله
صخرة من الهضب حيالهم, فخشوا أن تشدخهم, فبادروا الغار, فطبقت الصخرة عليهم فم ذلك
الغار, فلا يدري قومهم أين هم؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذّب الله تبارك وتعالى
هؤلاء هاهنا, وهؤلاء هنا, وأنجى الله صالحا ومن معه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال:
فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم.
وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ ) يقول
تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود بنبيهم صالح, كيف كانت؟
وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا, وطغى
علينا من سائر الخلق, فحذر قومك من قريش, أن ينالهم بتكذيبهم إياك, ما نال ثمود
بتكذيبهم صالحا من المثلات.
وقوله: ( أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ
وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) يقول:
إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض من قوم صالح وقومهم من ثمود أجمعين,
فلم نبق منهم أحدا.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله « إنا » فقرأ بكسرها عامة قرّاء الحجاز
والبصرة على الابتداء, وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ ) بفتح الألف. وإذا فُتحت كان
في (
أَنَّا ) وجهان
من الإعراب: أحدهما الرفع على ردّها على العاقبة على الاتباع لها, والآخر النصب على
الرد على موضع كيف؛ لأنها في موضع نصب إن شئت, وإن شئت على تكرير كان عليها على
وجه, فانظر كيف كان عاقبة مكرهم كان عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم.
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرأة
الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ
خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 )
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 53 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) فتلك
مساكنهم خاوية خالية منهم, ليس فيها منهم أحد, قد أهلكهم الله فأبادهم ( بِمَا ظَلَمُوا ) يقول تعالى ذكره: بظلمهم
أنفسهم بشركهم بالله, وتكذيبهم رسولهم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا
بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة, لعظة لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا, من قومك
الذين يكذّبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة. ( وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) يقول: وأنجينا من نقمتنا
وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالحا والمؤمنين به. ( وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يقول: وكانوا يتقون بإيمانهم,
وبتصديقهم صالحا الذي حل بقومهم من ثمود ما حلّ بهم من عذاب الله, فكذلك ننجيك يا
محمد وأتباعك, عند إحلالنا عقوبتنا بمشركي قومك من بين أظهرهم.
وذكر أن
صالحا لما أحلّ الله بقومه ما أحلّ, خرج هو والمؤمنون به إلى الشام, فنـزل رملة
فلسطين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلُوطًا إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَئِنَّكُمْ
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: وأرسلنا لوطا إلى قومه, إذ قال لهم: يا قوم ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أنها
فاحشة؛ لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد. وقوله: ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةً ) منكم
بذلك من دون فروج النساء التي أباحها الله لكم بالنكاح. وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ) يقول:
ما ذلك منكم إلا أنكم قوم سفهاء جهلة بعظيم حقّ الله عليكم, فخالفتم لذلك أمره,
وعصيتم رسوله.
الجزء العشرون
القول
في تأويل قوله تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ
إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره: فلم يكن لقوم لوط جواب له, إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من
إتيان الرجال, إلا قيل بعضهم لبعض: ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ ) عما
نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم.
كما
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: سمعت الحسن بن عُمارة يذكر عن الحكم,
عن مجاهد, عن ابن عباس, في قوله: ( أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ ) قال:
من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: ( يَتَطَهَّرُونَ ) من أدبار الرجال والنساء,
استهزاء بهم يقولون ذلك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة أنه تلا ( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ ) قال:
عابوهم بغير عيب أي: إنهم يتطهرون من أعمال السوء.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ
إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ( 57 ) وَأَمْطَرْنَا
عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 58 )
يقول
تعالى ذكره: فأنجينا لوطا وأهله سوى امرأته من عذابنا حين أحللناه بهم, ثم ( قَدَّرْناها ) يقول: فإن امرأته قدرناها:
جعلناها بتقديرنا ( مِنَ
الْغَابِرِينَ ) من
الباقين (
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ) وهو إمطار الله عليهم من السماء حجارة من سجيل ( فَسَاءَ مَطَرُ
الْمُنْذَرِينَ ) يقول:
فساء ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه, وخوفهم بأسه
بإرسال الرسول إليهم بذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ
( 59 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قُلِ ) يا
محمد ( الْحَمْدُ
لِلَّهِ ) على
نعمه علينا, وتوفيقه إيانا لما وفِّقنا من الهداية، ( وَسَلامٌ ) يقول: وأمنة منه من عقابه
الذي عاقب به قوم لوط, وقوم صالح, على الذين اصطفاهم, يقول: الذين اجتباهم لنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم, فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدِّين الذي بعثه بالدعاء
إليه دون المشركين به, الجاحدين نبوّة نبيه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حديث أبو
كُرَيب, قال: ثنا طلق, يعني ابن غنام, عن ابن ظهير, عن السديّ, عن أبي مالك, عن
ابن عباس: (
وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه.
حدثنا
عليّ بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, قال: قلت لعبد الله بن المبارك: أرأيت قول
الله ( قُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) من هؤلاء؟ فحدثني عن سفيان
الثوري, قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله: ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا
يُشْرِكُونَ ) يقول
تعالى ذكره; قل يا محمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله
الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصَّها عليكم في هذه السورة, وأهلك أعداءه
بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير, أما تشركون من أوثانكم
التي لا تنفعكم ولا تضرّكم, ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها سوءً , ولا تجلب
إليها ولا إليهم نفعا؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل, فكيف تستجيزون
أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم, ولا دفع ضرّ عنكم في عبادة من بيده النفع
والضرّ, وله كل شيء؟ ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم, وأياديه عندهم,
وتعريفهم بقلة شكرهم إياه على ما أولاهم من ذلك, فقال: أَمَّنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ
ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره للمشركين به من قُريش: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم التي لا تضرّ ولا
تنفع خير, أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ ( وَأَنـزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني مطرا, وقد يجوز أن يكون
مريدا به العيون التي فجَّرها في الأرض؛ لأن كل ذلك من خلقه ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ ) يعني بالماء الذي أنـزل من
السماء (
حَدَائِقَ ) وهي
جمع حديقة, والحديقة: البستان عليه حائط محوّط, وإن لم يكن عليه حائط لم يكن
حديقة. وقوله: ( ذَاتَ
بَهْجَةٍ ) يقول:
ذات منظر حسن. وقيل ذات بالتوحيد. وقد قيل حدائق, كما قال: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى ,وقد بيَّنت ذلك فيما مضى.
وبنحو الذي
قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء, جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ) قال: البهجة: الفقاح مما يأكل
الناس والأنعام.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ) قال: من كل شيء تأكله الناس
والأنعام.
وقوله: ( مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) يقول
تعالى ذكره: أنبتنا بالماء الذي أنـزلناه من السماء لكم هذه الحدائق، إذ لم يكن
لكم لولا أنه أنـزل عليكم الماء من السماء، طاقة أن تنبتوا شجر هذه الحدائق, ولم
تكونوا قادرين على ذهاب ذلك, لأنه لا يصلح ذلك إلا بالماء.
وقوله: ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: أمعبود مع
الله أيها الجهلة خلق ذلك, وأنـزل من السماء الماء, فأنبت به لكم الحدائق؟ فقوله:
(
أَإِلَهٌ ) مردود
على تأويل: أمع الله إله، ( بَلْ
هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) يقول
جلّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضلال, يعدلون عن الحقّ, ويجورون عليه, على عمد
منهم لذلك, مع علمهم بأنهم على خطأ وضلال ولم يعدلوا عن جهل منهم, بأن من لا يقدر
على نفع ولا ضرّ, خير ممن خلق السماوات والأرض, وفعل هذه الأفعال, ولكنهم عدلوا
على علم منهم ومعرفة, اقتفاء منهم سُنّة من مضى قبلهم من آبائهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ
قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (
61 )
يقول
تعالى ذكره: أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضرّ ولا ينفع, أم الذي
جعل الأرض لكم قرارا تستقرّون عليها لا تميد بكم ( وَجَعَلَ ) لكم ( خِلالَهَا أَنْهَارًا ) يقول: بينها أنهارا ( وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ) وهي ثوابت الجبال،
( وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ) بين
العذب والملح, أن يفسد أحدهما صاحبه ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه؟
وقوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ) يقول
تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله, وما عليهم من الضرّ
في إشراكهم في عبادة الله غيره, وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة,
وإخلاصهم له العبادة, وبراءتهم من كلّ معبود سواه.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ
مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ( 62 )
يقول
تعالى ذكره: أم ما تُشركون بالله خير, أم الذي يجيب المضطّر إذا دعاه, ويكشف السوء
النازل به عنه؟
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) قال: الضرّ.
وقوله: ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ
الأرْضِ ) يقول:
ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم. وقوله: ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) يقول: أإله مع الله سواه يفعل
هذه الأشياء بكم, وينعم عليكم هذه النعم؟ وقوله: ( قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ) يقول: تَذَكُّرًا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون
وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا, فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي
ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير, أم الذي يهديكم في ظلمات البرّ والبحر إذا
ضللتم فيهما الطريق, فأظلمت عليكم السبل فيهما؟
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج قوله: ( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي
ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )
والظُّلماتِ في البر ضلاله الطريق, والبحر, ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه. قوله:
(
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) يقول: والذي يرسل الرياح
بُشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته, يعني: قدام الغيث الذي يحيي موات الأرض. وقوله:
(
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول تعالى ذكره: أإله مع
الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه, أو تشركوه في عبادتكم إياه ( تعالى الله ) يقول: لله العلوّ والرفعة عن
شرككم الذي تشركون به, وعبادتكم معه ما تعبدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ
اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 64 )
يقول
تعالى ذكره: أم ما تشركون أيها القوم خير, أم الذي يبدأ الخلق ثم يعيده, فينشئه من
غير أصل, ويبتدعه ثم يفنيه إذا شاء, ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه, والذي
يرزقكم من السماء والأرض فينـزل من هذه الغيث, وينبت من هذه النبات لأقواتكم,
وأقوات أنعامكم (
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) سوى
الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلها غير الله يفعل ذلك أو شيئا منه ف ( قُلْ ) لهم يا محمد ( هاتوا برهانكم ) أي حجتكم على أن شيئا سوى
الله يفعل ذلك ( إن
كنتم صادقين ) في
دعواكم. و من التي في « أمَّن
» و « ما » مبتدأ في قوله: أما يشركون,
والآيات بعدها إلى قوله: (
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) بمعنى « الذي » , لا بمعنى الاستفهام, وذلك أن
الاستفهام لا يدخل على الاستفهام.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ( 66 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا
محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة ( لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ) الذي قد استأثر الله بعلمه, وحجب عنه خلقه غيره والساعة من
ذلك ( وَمَا
يَشْعُرُونَ ) يقول:
وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة.
وقد
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا داود بن أبي هند, عن
الشعبيّ, عن مسروق, قال: قالت عائشة: من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد, فقد
أعظم على الله الفرية, والله يقول: ( لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ) .
واختلف
أهل العربية في وجه رفع الله, فقال بعض البصريين: هو كما تقول: إلا قليل منهم. وفي
حرف ابن مسعود: قليلا بدلا من الأوّل, لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر.
وقال بعض
الكوفيين: إن شئت أن تتوهم في « ومن » المجهول, فتكون معطوفة على: قل
لا يعلم أحد الغيب إلا الله. قال: ويجوز أن تكون « من » معرفة,
ونـزل ما بعد « إلا » عليه, فيكون عطفا ولا يكون
بدلا لأن الأوّل منفي, والثاني مثبت, فيكون في النسق كما تقول: قام زيد إلا عمرو,
فيكون الثاني عطفا على الأوّل, والتأويل جحد, ولا يكون أن يكون الخبر جحدًا, أو
الجحد خبرا. قال: وكذلك مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ وقليلا من نصب, فعلى الاستثناء
في عبادتكم إياه, ومن رفع فعلى العطف, ولا يكون بدلا.
وقوله: ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ
فِي الآخِرَةِ ) اختلفت
القراء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر وعامة قرّاء أهل
الكوفة : ( بَلِ
ادَّارَكَ ) بكسر
اللام من « بل » وتشديد الدال من « ادراك » , بمعنى: بل تدارك علمهم أي
تتابع علمهم بالآخرة هل هي كائنة أم لا ثم أدغمت التاء في الدال كما قيل:
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ وقد بينا ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته.
وقرأته
عامة قرّاء أهل مكة: « بَلْ
أدْرَك عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ » بسكون الدال وفتح الألف, بمعنى هل أدرك علمهم علم الآخرة.
وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فيما ذكر عنه قراءة من قرأ: « بَلْ أدْرَكَ » ويقول: إن « بل » إيجاب والاستفهام في هذا
الموضع إنكار. ومعنى الكلام: إذا قرئ كذلك « بَلْ أَدْرَكَ » لم يكن ذلك لم يدرك علمهم في الآخرة, وبالاستفهام قرأ ذلك
ابن محيصن على الوجه الذي ذكرت أن أبا عمرو أنكره.
وبنحو
الذي ذكرت عن المكيين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهد أنه قرأه, غير أنه كان يقرأ في
موضع بل: أم.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الله بن موسى, قال: ثنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, أنه
قرأ « أمْ
أدْرَكَ عِلْمُهُمْ » وكان
ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرأ بإثبات ياء في بل, ثم يبتدئ « أدّراك » بفتح ألفها على وجه الاستفهام
وتشديد الدال.
حدثنا
حميد بن مسعدة, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, عن ابن عباس
في هذه الآية: « بَلى
أدَّرَاكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ » : أي لم يدرك.
حدثنا محمد
بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: سمعت ابن
عباس يقرأ « بَلى
أدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ » إنما هو استفهام أنه لم يدرك. وكأن ابن عباس وجه ذلك إلى أن
مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث.
والصواب
من القراءات عندنا في ذلك، القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قرأة أهل مكة
والبصرة, وهي « بَلْ
أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ » بسكون
لام بل، وفتح ألف أدرك، وتخفيف دالها, والأخرى منهما عن قرأة الكوفة, وهي ( بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال من
ادّارك؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
عندنا. فأما القراءة التي ذُكرت عن ابن عباس, فإنها وإن كانت صحيحة المعنى
والإعراب, فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين, وذلك أن في بلى زيادة ياء في قراءاته
ليست في المصاحف, وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما
القراءة التي ذكرت عن ابن محيصن, فإن الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح؛ لأن العرب
تحقق ببل ما بعدها لا تنفيه، والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات, وذلك أن
الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شكّ, فقال: ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا
بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) .
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علمهم في الآخرة فأيقنوها
إذ عاينوها حين لم ينفعهم يقينهم بها, إذ كانوا بها في الدنيا مكذّبين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عطاء الخراساني,
عن ابن عباس: « بَلْ
أدْرَكَ عِلْمُهُمْ » قال:
بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر.
وقال
آخرون: بل معناه: بل غاب علمهم في الآخرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: « بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ في
الآخرة » يقول:
غاب علمهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ
في الآخِرَةِ ) قال:
يقول: ضلّ علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم, ( هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) .
وقال
آخرون: معنى ذلك: لم يبلغ لهم فيها علم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, قال: ثنا الحسين, عن قَتادة في
قوله: ( بَلِ
ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) قال: كان يقرؤها: « بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ » قال: لم يبلغ لهم فيها علم,
ولا يصل إليها منهم رغبة.
وقال
آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ » قال: أم أدرك.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عثمان, عن مجاهد: « بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ » قال: أم أدرك علمهم، من أين
يدرك علمهم؟
حدثنا
القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ « بَلْ أدْرَكَ » القول الذي ذكرناه عن عطاء
الخراساني, عن ابن عباس, وهو أن معناه: إذا قرئ كذلك ( وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ ) بل
أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون, فلا ينفعهم علمهم به حينئذ, فأما في
الدنيا فإنهم منها في شكّ, بل هم منها عمون.
وإنما
قلت: هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، على القراءة التي ذُكِرَت؛ لأن
ذلك أظهر معانيه. وإذ كان ذلك معناه، كان في الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ظهر
منه عنه، وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبْعثون, بل يشعرون ذلك في
الآخرة, فالكلام إذا كان ذلك معناه, وما يشعرون أيان يبعثون, بل أدرك علمهم بذلك
في الآخرة, بل هم في الدنيا في شك منها. وأما على قراءة من قرأه ( بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال,
فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد, وهو أن يكون معنى بل: أم, والعرب تضع أم موضع بل,
وموضع بل: أم, إذا كان في أول الكلام استفهام كما قال الشاعر:
فَوَاللــهِ
مـا أَدْرِي أَسَـلْمَى تَغَـوَّلَت أمِ النَّــوْمُ أَمْ كُــلٌّ إلــيَّ
حَـبِيبُ
يعني
بذلك بل كلّ إلي حبيب, فيكون تأويل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون, بل تدارك
علمهم في الآخرة: يعني تتابع علمهم في الآخرة: أي بعلم الآخرة: أي لم يتتابع بذلك
ولم يعلموه, بل غاب علمهم عنه, وضل فلم يبلغوه ولم يدركوه.
وقوله: ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا
) يقول:
بل هؤلاء المشركون الذين يسألونك عن الساعة في شك من قيامها، لا يوقنون بها ولا
يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الموت ( بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) يقول: بل هم من العلم بقيامها
عمون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ
وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ
الأَوَّلِينَ ( 68 )
يقول
تعالى ذكره: قال الذين كفروا بالله: أئنا لمخرجون من قبورنا أحياء, كهيئتنا من بعد
مماتنا بعد أن كنا فيها ترابا قد بلينا؟ ( لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ) يقول: لقد وَعَدنا هذا من قبل
محمد واعدون، وعدوا ذلك آباءنا, فلم نر لذلك حقيقة, ولم نتبين له صحة ( إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ
الأوَّلِينَ ) يقول:
قالوا: ما هذا الوعد إلا ما سطَّر الأوّلون من الأكاذيب في كتبهم, فأثبتوه فيها
وتحدّثوا به من غير أن يكون له صحة.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُل ) يا
محمد لهؤلاء المكذّبين ما جئتهم به من الأنباء من عند ربك: ( سِيرُوا فِي الأرْضِ
فَانْظُرُوا ) إلى
ديار من كان قبلكم من المكذّبين رسل الله ومساكنهم كيف هي, ألم يخرّبها الله,
ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم, وردّهم عليهم نصائحهم فخلت منهم الديار وتعفَّت منهم
الرسوم والآثار, فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم, وذلك سنة ربكم في كلّ من سلك سبيلهم
في تكذيب رسل ربهم, والله فاعل ذلك بكم إن أنتم لم تبادروا الإنابة من كفركم
وتكذيبكم رسول ربكم.
وقوله: ( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد
صلى الله عليه وسلم: ولا تحزن على إدبار هؤلاء المشركين عنك وتكذيبهم لك ( وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ
مِمَّا يَمْكُرُونَ ) يقول:
ولا يضق صدرك من مكرهم بك, فإن الله ناصرك عليهم, ومهلكهم قتلا بالسيف.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا
الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ
بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 )
يقول
تعالى ذكره: ويقول مشركو قومك يا محمد, المكذبوك فيما أتيتهم به من عند ربك: ( مَتَى ) يكون ( هَذَا الْوَعْدُ ) الذي تعدُناه من العذاب, الذي
هو بنا فيما تقول حالّ، ( إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) فيما
تعدوننا به ( قُلْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) يقول جلّ جلاله: قل لهم يا محمد: عسى أن يكون اقترب لكم
ودنا (
بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) من
عذاب الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس قوله: ( قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ
رَدِفَ لَكُمْ ) يقول:
اقترب لكم.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: ( قُلْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) يقول: اقترب لكم بعض الذي
تستعجلون.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ
لَكُمْ ) قال:
ردف: أعجل لكم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: ( قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ
رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال: أزِف.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( رَدِفَ لَكُمْ ) اقترب لكم.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله: ( رَدِفَ لَكُمْ ) وكلام العرب المعروف: ردفه أمرٌ, وأردفه, كما يقال: تبعه
وأتبعه, فقال بعض نحويي البصرة: أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال:
لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ و لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .
وقال بعض
نحويي الكوفة: أدخل اللام في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم, كما قال الشاعر:
فَقُلْتُ
لَها الحَاجَاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتى
فأدخل
الباء في يطرحن, وإنما يقال طرحته, لأن معنى الطرح: الرمي, فأدخل الباء للمعنى, إذ
كان معنى ذلك يرمين بالفتى, وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب, وقد مضى
البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
تَسْتَعْجِلُونَ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ
الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال:
من العذاب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَإِنَّ رَبَّكَ
لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا
محمد ( لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بتركه
معاجلتهم بالعقوبة على معصيتهم إياه, وكفرهم به, وذو إحسان إليهم في ذلك وفي غيره
من نعمه عندهم (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) لا يشكرونه على ذلك من إحسانه وفضله عليهم, فيخلصوا له
العبادة, ولكنهم يشركون معه في العبادة ما يضرّهم ولا ينفعهم ومن لا فضل له عندهم
ولا إحسان.
وقوله: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ
مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) يقول: وإن ربك ليعلم ضمائر صدور خلقه, ومكنون أنفسهم, وخفيّ
أسرارهم, وعلانية أمورهم الظاهرة, لا يخفى عليه شيء من ذلك, وهو محصيها عليهم حتى
يجازي جميعهم بالإحسان إحسانا وبالإساءة جزاءها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ
مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ) قال:
السر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( 75 ) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76
)
يقول
تعالى ذكره: ( وَمَا
مِنْ ) مكتوم
سرّ وخفيّ أمر يغيب عن أبصار الناظرين ( فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ ) وهو أمّ الكتاب الذي أثبت
ربنا فيه كلّ ما هو كائن من لدن ابتدأ خلق خلقه إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ( مُبِين ) أنه يبين لمن نظر إليه, وقرأ
ما فيه مما أثبت فيه ربنا جلّ ثناؤه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله: ( وَمَا
مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) يقول: ما من شيء في السماء
والأرض، سرّ ولا علانية إلا يعلمه.
وقوله: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن هذا
القرآن الذي أنـزلته إليك يا محمد يقصّ على بني إسرائيل الحقّ، في أكثر الأشياء
التي اختلفوا فيها, وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى, فقالت اليهود فيه ما
قالت, وقالت النصارى فيه ما قالت, وتبرأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء, وهؤلاء من
هؤلاء, وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها, فقال جلّ ثناؤه لهم: إن هذا القرآن
يقصّ عليكم الحق فيما اختلفتم فيه فاتبعوه, وأقرّوا لما فيه, فإنه يقص عليكم
بالحقّ, ويهديكم إلى سبيل الرشاد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 )
يقول
تعالى ذكره: إن هذا القرآن لهدى, يقول: لبيان من الله, بَيَّنَ به الحق فيما اختلف
فيه خلقه من أمور دينهم (
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) يقول:
ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه، ( إِنَّ
رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) يقول:
إن ربك يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم, فينتقم من المبطل منهم,
ويجازي المحسن منهم المحقّ بجزائه، ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) يقول: وربك العزيز في انتقامه
من المبطل منهم ومن غيرهم, لا يقدر أحد على منعه من الانتقام منه إذا انتقم العليم
بالمحق المحسن من هؤلاء المختلفين من بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه, ومن غيرهم من
المبطل الضالّ عن الهدى.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا
تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ففوِّض إلى الله يا محمد أمورك, وثق به
فيها, فإنه كافيك. (
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) لمن تأمَّله, وفكر ما فيه بعقل, وتدبره بفهم, أنه الحقّ,
دون ما عليه اليهود والنصارى، المختلفون من بني إسرائيل, ودون ما عليه أهل
الأوثان، المكذّبوك فيما أتيتهم به من الحقّ, يقول: فلا يحزنك تكذيب من كذّبك,
وخلاف من خالفك, وامض لأمر ربك الذي بعثك به.
وقوله: ( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ
الْمَوْتَى ) يقول:
إنك يا محمد لا تقدر أن تُفِهم الحقّ من طبع الله على قلبه فأماته, لأن الله قد
ختم عليه أن لا يفهمه ( وَلا
تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ) يقول:
ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصمّ الله عن سماعه سمعه ( إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) يقول: إذا هم أدبروا معرضين
عنه, لا يسمعون له لغلبة دين الكفر على قلوبهم, ولا يُصغون للحقّ, ولا يتدبرونه,
ولا ينصتون لقائله, ولكنهم يعرضون عنه, وينكرون القول به, والاستماع له.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنْتَ بِهَادِ
الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ
مُسْلِمُونَ ( 81 ) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ
دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا
يُوقِنُونَ ( 82 )
اختلف
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَمَا أَنْتَ بِهَادِ ) بالياء والألف وإضافته إلى
العمي بمعنى: لست يا محمد بهادي من عمي عن الحقّ ( عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) . وقراءة عامة قرّاء الكوفة « وَمَا أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ
» بالتاء
ونصب العمي, بمعنى: ولست تهديهم ( عَنْ
ضَلالَتِهِمْ ) ولكن
الله يهديهم إن شاء.
والقول
في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مشهورتان في قرّاء الأمصار, فبأيتهما
قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام ما وصفت ( وَمَا أَنْتَ ) يا محمد (
بِهادِي ) من
أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل على بصره غشاوة أن يتبين سبيل الرشاد عن ضلالته
التي هو فيها إلى طريق الرشاد وسبيل الرشاد. وقوله: ( إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ) يقول:
ما تقدر أن تُفهم الحقّ وتوعيه أحدا إلا سمع من يصدّق بآياتنا, يعني بأدلته وحججه
وآي تنـزيله (
فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) فإن
أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه, ويفكرون فيه, ويعملون به, فهم الذين يسمعون.
* ذكر من
قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى: ( وَقَعَ )
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وإذا وَقَعَ الْقَوْلُ
عَلَيْهِمْ ) قال:
حقّ عليهم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وإذا وقع الْقَوْلُ
عَلَيْهِمْ ) يقول:
إذا وجب القول عليهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ
) قال:
حقّ العذاب.
قال ابن
جُرَيج: القول: العذاب.
*ذكر من
قال قولنا في معنى القول.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( وإذا وقع القول عَلَيْهِمْ ) والقول: الغضب.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن هشام, عن حفصة, قالت: سألت أبا العالية,
عن قوله: (
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) فقال: أوحى الله إلى نوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ
قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ قالت: فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف.
وقال
جماعة من أهل العلم: خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا
ينهون عن منكر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا الأشجعي, عن سفيان, عن عمرو بن قيس, عن عطية العوفي, عن ابن
عمر في قوله: (
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ ) قال: هو حين لا يأمرون بمعروف
ولا ينهون عن منكر.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا محمد بن الحسن أبو الحسن, قال: ثنا عمرو بن قيس
الملائي, عن عطية, عن ابن عمر, في قوله: ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ
دَابَّةً مِنَ الأرْضِ ) قال:
ذاك إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حدثنا ابن
بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن قيس, عن عطية, عن ابن عمر,
في قوله: (
أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال: حين لا يأمرون بالمعروف,
ولا ينهون عن المنكر.
حدثني
محمد بن عمرو المقدسي, قال: ثنا أشعث بن عبد الله السجستاني, قال: ثنا شعبة, عن
عطية, في قوله: ( وإذا
وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تُكَلِّمُهُمْ ) قال: إذا لم يعرفوا معروفا,
ولم ينكروا منكرا.
وذُكر أن
الأرض التي تخرج منها الدابة مكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثني الأشجعي, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية, عن ابن عمر, قال: تخرج
الدابة من صَدع في الصفا، كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا الحكم بن بشير, قال: ثنا عمرو بن قيس, عن الفرات القزاز, عن
عامر بن واثلة أبي الطفيل, عن حُذيفة بن أسيد الغفاري, قال: إن الدابة حين تخرج
يراها بعض الناس فيقولون: والله لقد رأينا الدابة, حتى يبلغ ذلك الإمام, فيطلب فلا
يقدر على شيء. قال: ثم تخرج فيراها الناس, فيقولون: والله لقد رأيناها, فيبلغ ذلك
الإمام فيطلب فلا يرى شيئا, فيقول: أما إني إذا حدث الذي يذكرها قال: حتى يعدّ
فيها القتل, قال: فتخرج, فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون, فتجيء إليهم فتقول:
الآن تصلون, فتخطم الكافر, وتمسح على جبين المسلم غرّة, قال: فيعيش الناس زمانا
يقول هذا: يا مؤمن, وهذا: يا كافر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عثمان بن مطر, عن واصل مولى أبي عيينة, عن أبي
الطفيل, عن حُذيفة, وأبي سفيان, ثنا عن معمر, عن قيس بن سعد, عن أبي الطفيل, عن
حُذيفة بن أسيد, في قوله: (
أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة
في بعض البوادي ثم تكمن, وخرجة في بعض القُرى حين يهرَيق فيها الأمراء الدماء, ثم
تكمن, فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها, إذ ارتفعت بهم الأرض, فانطلق
الناس هرابا, وتبقى طائفة من المؤمنين, ويقولون: إنه لا ينجينا من الله شيء, فتخرج
عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ، ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها
هارب, وتأتي الرجل يصلي, فتقول: والله ما كنت من أهل الصلاة, فيلتفت إليها فتخطمه,
قال: تجلو وجه المؤمن, وتخطم الكافر, قلنا: فما الناس يومئذٍ؟ قال: جيران في
الرباع, وشركاء في الأموال, وأصحاب في الأسفار.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا ابن فضيل, عن الوليد بن جميع, عن عبد الملك بن المُغيرة, عن
عبد الرحمن بن البيلماني, عن ابن عمر: يبيت الناس يسيرون إلى جمع, وتبيت دابة
الأرض تسايرهم, فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها, فما من مؤمن إلا مسحته, ولا
من كافر ولا منافق إلا تخبطه.
حدثنا
مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا الخيبري, عن حيان بن عمير, عن حسان بن
حمصة, قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لو شئت لانتعلت بنعليّ هاتين, فلم أمسّ
الأرض قاعدا حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها, ولكأني بها قد خرجت
في عقب ركب من الحاجِّ, قال: فما حججت قطّ إلا خفت تخرج بعقبنا.
حدثنا
عمرو بن عبد الحميد الآملي, قال: ثنا أبو أسامة, عن هشام, عن قيس بن سعد, عن عطاء,
قال: رأيت عبد الله بن عمرو, وكان منـزله قريبا من الصفا, رفع قدمه وهو قائم,
وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة.
حدثنا
عصام بن روّاد بن الجراح, قال: ثنا أبي, قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوريّ, قال: ثنا
منصور بن المعتمر, عن ربعي بن حراش, قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: وذكر الدابة, فقال حُذيفة: قلت يا رسول الله, من
أين تخرج؟ قال: « مِنْ
أَعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللهِ, بَيْنَما عِيسَى يَطُوفُ بالبَيْتِ
وَمَعَهُ المُسْلِمُونَ, إذْ تَضْطَرِبُ الأرْضُ تحْتَهُمْ, تَحَرُّكَ القِنْديلِ,
وَيَنْشَق الصَّفا ممَّا يَلي المَسْعَى, وَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنَ الصَّفا،
أوَّلُ ما يَبْدُو رأْسُها، مُلَمَّعَةٌ ذَاتُ وَبَرٍ وَرِيشٍ, لَمْ يُدْرِكْها
طالبٌ, وَلَنْ يَفُوتَها هاربٌ, تَسِمُ النَّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ, أمَّا
المُؤْمِنُ فَتَتْرُكُ وَجْهَهُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرّيّ, وتَكْتُبُ بينَ
عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ , وأمَّا الكافُِر فَتَنْكُتُ بينَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاء
كافِرٌ » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو الحسين, عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد بن
جدعان, عن أوس بن خالد, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا
خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى, فَتَجْلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ بالْعَصَا,
وَتَخْتِمُ أنْفَ الكَافِرِ بِالْخَاتَمِ, حَتَّى إنَّ أَهْلَ البَيْتِ
لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هذَا: يا مُؤْمِنُ, وَيَقُولُ هَذَا: يا كافِرُ » .
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: هي دابة ذات زغب وريش, ولها
أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة, قال: قال عبد الله بن عمر: إنها تنكت في وجه
الكافر نكتة سوداء, فتفشو في وجهه, فيسودّ وجهه, وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء
فتفشو في وجه, حتى يبيضّ وجهه, فيجلس أهل البيت على المائدة, فيعرفون المؤمن من
الكافر, ويتبايعون في الأسواق, فيعرفون المؤمن من الكافر.
حدثني
ابن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب,
قالا ثنا ابن الهاد, عن عمر بن الحكم, أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: تخرج الدابة
من شعب, فيمسّ رأسها السحاب, ورجلاها في الأرض ما خرجتا, فتمرّ بالإنسان يصلي,
فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتخطمه.
حدثنا
صالح بن مسمار, قال: ثنا ابن أبي فديك, قال: ثنا يزيد بن عياض, عن محمد بن إسحاق,
أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو, قال: تخرج دابة الأرض ومعها خاتم سليمان وعصا موسى,
فأما الكافر فتختم بين عينيه بخاتم سليمان, وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى
فيبيض.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
تُكَلِّمُهُمْ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء الأمصار: (
تُكَلِّمُهُمْ ) بضم
التاء وتشديد اللام, بمعنى تخبرهم وتحدثهم, وقرأه أبو زرعة بن عمرو: « تَكْلِمُهُمْ » بفتح التاء وتخفيف اللام
بمعنى: تسمهم.
والقراءة
التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً
مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) قال:
تحدثهم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً
مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) وهي في
بعض القراءة « تحدثهم
» تقول
لهم: ( أن
الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن
ابن عباس, في قوله: (
تُكَلِّمُهُمْ ) قال:
كلامها تنبئهم ( أَنَّ
النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ َ ) .
وقوله: ( أَنَّ النَّاسَ كَانُوا
بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ) اختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام: « إنَّ النَّاسَ » بكسر الألف من « إن » على وجه الابتداء بالخبر عن
الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون; وهي وإن كسرت في قراءة هؤلاء فإن الكلام
لها متناول. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة: ( أَنَّ النَّاسَ كَانُوا ) بفتح أن بمعنى: تكلمهم بأن
الناس, فيكون حينئذ نصب بوقوع الكلام عليها.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضتان في قراءة الأمصار,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى
إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ
مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 )
يقول
تعالى ذكره: ويوم نجمع من كل قرن وملة فوجا, يعني جماعة منهم, وزمرة ( مِمَّنْ يُكَذِّبُ
بِآيَاتِنَا ) يقول:
ممن يكذّب بأدلتنا وحججنا, فهو يحبس أوّلهم على آخرهم, ليجتمع جميعهم, ثم يساقون
إلى النار.
وبنحو ما
قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) يعني:
الشيعة عند الحشر.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) قال: زمرة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
فَوْجًا ) قال:
زمرة زمرة (
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) .
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( مِمَّنْ يُكَذِّبُ
بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال:
يقول: فهم يدفعون.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, في قوله: ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يحبس أولهم على آخرهم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: وزعة تردّ أولاهم على أخرهم.
وقد
بيَّنت معنى قوله: (
يُوزَعُونَ ) فيما
مضى قبل بشواهده, فأغني ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: ( حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ
أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي ) يقول
تعالى ذكره: حتى إذا جاء من كل أمة فوج ممن يكذب بآياتنا فاجتمعوا قال الله: ( أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي ) أي: بحججي وأدلتي ( وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا
عِلْمًا ) يقول:
ولم تعرفوها حق معرفتها، ( أَمْ
مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) فيها
من تكذيب أو تصديق.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ
عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 86 )
يقول
تعالى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله على المكذّبين بآياته ( بِمَا ظَلَمُوا ) يعني بتكذيبهم بآيات الله,
يوم يحشرون ( فهم
لا ينطقون )
يقول:
فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول.
وقوله : (
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ ) يقول تعالى ذكره: ألم ير
هؤلاء المكذّبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار, ومخالفتنا بينهما بتصييرنا هذا
سكنًا لهم يسكنون فيه ويهدءون، راحة أبدانهم من تعب التصرِّف والتقلب نهارا, وهذا
مضيئا يبصرون فيه الأشياء ويعاينونها فيتقلبون فيه لمعايشهم, فيتفكروا في ذلك,
ويتدبروا, ويعلموا أن مصرِّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء, ولا يتعذر عليه
إماتة الأحياء, وإحياء الأموات بعد الممات, كما لم يتعذر عليه الذهاب بالنهار
والمجيء بالليل, والمجيء بالنهار والذهاب بالليل مع اختلاف أحوالهما ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يقول
تعالى ذكره: إن في تصييرنا الليل سكنا, والنهار مبصرا لدلالة لقوم يؤمنون بالله
على قدرته على ما آمنوا به من البعث بعد الموت, وحجة لهم على توحيد الله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي
الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ
اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ( 87 )
اختلف
أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) وقد ذكرنا اختلافهم فيما مضى,
وبيَّنا الصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده, غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما
لم يذكر هناك من الأخبار, فقال بعضهم: هو قرن يُنفخ فيه.
*ذكر بعض
من لم يُذكر فيما مضى قبل من الخبر عن ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء, جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( ويوم يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) قال كهيئة البوق.
حدثنا
القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: الصور:
البوق قال: هو البوق صاحبه آخذ به يقبض قبضتين بكفيه على طرف القرن، بين طرفه وبين
فيه قدر قبضة أو نحوها, قد برك على ركبة إحدى رجليه, فأشار, فبرك على ركبة يساره
مقعيًا على قدمها عقبها تحت فخذه وأليته وأطراف أصابعها في التراب.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: الصور كهيئة القرن قد رفع
إحدى ركبتيه إلى السماء, وخفض الأخرى, لم يلق جفون عينه على غمض منذ خلق الله
السموات مستعدًا مستجدًا, قد وضع الصور على فيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن إسماعيل بن رافع المدني, عن
يزيد بن زياد - قال أبو جعفر: والصواب: يزيد بن أبي زياد - عن محمد بن كعب القرظي,
عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول
الله, ما الصور؟ قال: « قَرنٌ
» , قال:
وكيف هو؟ قال: « قَرْنٌ
عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ,
والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ, والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِلهِ
رَبِّ العَالَمينَ, يَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى, فيَقُولُ:
انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيَفْزَعُ أهْلُ
السَّمَاوَاتِ وأَهْلُ الأرْضِ, إلا مَنْ شاءَ اللهُ, وَيأْمُرُهُ اللهُ فَيَمُدُّ
بِها ويطوِّلهَا, فَلا يَفْتُرُ, وَهيَ الَّتي يَقُولُ اللهُ: وَمَا يَنْظُرُ
هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيِّرُ اللهُ
الجِبالَ, فَتَكُون سَرَابا, وَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رجا, وهي التي يقول الله:
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ
وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ الأرضُ كالسَّفِينَةِ المُوثَقَةِ فِي البَحْرِ, تَضْرِبُها
الأمْوَاجُ, تُكْفأ بأَهْلِها, أوْ كالقِنْدِيِل المُعَلَّقِ بالوَتَر,
تُرَجِّحُهُ الأرْياحُ, فَتَمِيدُ النَّاسُ على ظَهْرها, فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ,
وَتَضَعُ الحَوَامِلُ, وَتَشِيبُ الولْدَانُ, وَتَطِيرُ الشَّياطِينُ هارِبَةً,
حَتَّى تَأتِي الأقْطار, فَتَتَلَقَّاهَا المَلائِكَةُ, فَتَضْرِبُ وُجُوهَها,
فَتَرْجِعُ, وَيُوَلي النَّاسُ مُدْبِرينَ يُنادي بَعْضُهُمْ بَعْضًا, وَهُوَ
الَّذِي يَقُوُل اللهُ: يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا
لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
فبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ, فَرَأوَا
أمْرًا عَظِيما, فَأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِنَ الكَرْب ما اللهُ أعْلَمُ بِهِ, ثُمَّ
نَظَرُوا إلى السَّماءِ, فإذَا هِي كَالمُهْلِ, ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُها,
وانْتَثَرتْ نُجُومُها, ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ » . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والأمْوَاتُ لا يعْلَمُون
بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ » , فقال
أبو هريرة: يا رسول الله, فمن استثنى الله حين يقول: ( فَفَزِعَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: « أولَئِكَ الشُّهَدَاءُ,
وإنَّمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ, أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ, وَقاهُمُ اللهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَومِ وآمَنَهُمْ, وَهُوَ عَذَابُ
اللهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرارِ خَلْقِه » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا إسماعيل بن رافع, عن محمد بن كعب القرظي, عن
أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنَّ الله تَبارَكَ وتَعالى
لَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ, خَلَقَ الصُّورَ فَأعْطاهُ مَلَكًا,
فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ, شَاخِصٌ بِبَصَرِه إلى العَرْشِ, يَنْتَظِرُ مَتى
يُؤمَرُ » . قال:
قُلْتُ: يا رسول الله, وما الصُّورُ؟ قال: « قَرْنٌ » , قلت:
فكيف هو؟ قال: «
عَظِيمٌ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ, إنَّ عِظَمَ دائِرَةٍ فيه, لَكَعَرْضِ
السَّمَاوَاتِ والأرْض, يَأْمُرُهُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيفْزَعُ أهْلُ
السَّمَاوَاتِ والأرْضِ إلا مَنْ شاءَ اللهِ » , ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث أبي كُرَيب عن المحاربي, غير
أنه قال في حديثه «
كالسفينة المرفأة في البحر » .
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ونفخ في صور الخلق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي
الصُّورِ ) أي في
الخلق. قوله: (
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) يقول: ففزع من في السموات من
الملائكة ومن في الأرض من الجن والإنس والشياطين, من هول ما يعاينون ذلك اليوم.
فإن قال
قائل: وكيف قيل: (
فَفَزِعَ ) , فجعل
فزع وهي فعل مردودة على ينفخ, وهي يَفْعُلُ؟ قيل: العرب تفعل ذلك في المواضع التي
تصلح فيها إذا, لأن إذا يصلح معها فعل ويفعل, كقولك: أزورك إذا زرتني, وأزورك إذا
تزورني, فإذا وضع مكان إذا يوم أجرى مجرى إذا. فإن قيل: فأين جواب قوله: ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي
الصُّورِ فَفَزِعَ ) ؟ قيل:
جائز أن يكون مضمرا مع الواو, كأنه قيل: ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا
ينطقون, وذلك يوم ينفخ في الصور. وجائز أن يكون متروكا اكتفي بدلالة الكلام عليه
منه, كما قيل: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فترك جوابه.
وقوله: ( إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قيل: إن الذين استثناهم الله
في هذا الموضع من أن ينالهم الفزع يومئذ الشهداء, وذلك أنهم أحياء عند ربهم
يُرزقون, وإن كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا, وبذلك جاء الأثر عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم, وقد ذكرناه في الخبر الماضي.
وحدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام عمن حدثه, عن أبي هريرة,
أنه قرأ هذه الآية: (
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: هم الشهداء.
وقوله: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
) يقول:
وكلّ أتوه صاغرين.
وبمثل
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
) يقول:
صاغرين.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) قال: صاغرين.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
) قال:
الداخر: الصاغر الراغم, قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من
الأمر الذي فزع منه, قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا, فلم يكن لهم من الله منجى.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) فقرأته
عامة قرّاء الأمصار : « وَكُل
آتَوهُ » بمدّ
الألف من أتوه على مثال فاعلوه سوى ابن مسعود, فإنه قرأه: « وكُلٌّ أتُوهُ » على مثال فعلوه, واتبعه على
القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة, واعتلّ الذين قرءوا ذلك على مثال فاعلوه
بإجماع القراء على قوله: (
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ ) قالوا:
فكذلك قوله: « آتَوهُ
» في
الجمع. وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله, فإنهم ردوه على قوله: ( فَفَزِعَ ) كأنهم وجَّهوا معنى الكلام
إلى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض, وأتوه كلهم داخرين, كما
يقال في الكلام: رأى وفر وعاد وهو صاغر.
والصواب
من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, ومتقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ( 88 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَتَرَى الْجِبَالَ ) يا
محمد (
تَحْسبَهُا ) قائمة
( وهي
تَمُرُّ ) .
كالذي
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ) يقول:
قائمة. وإنما قيل : (
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) لأنها
تجمع ثم تسير, فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة, وهي تسير سيرا حثيثا, كما قال
الجعدي:
بِـأَرْعَنَ
مِثْـلَ الطَّـوْدِ تَحْسِـبُ أَنَّهُـمْ وُقُــوفٌ لحِــاجٍ والرّكـابُ
تُهَمْلـجُ
قوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) وأوثق
خلقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) يقول:
أحكم كلّ شيء.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) يقول: أحسن كلّ شيء خلقه وأوثقه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) قال: أوثق كلّ شيء وسوّى.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( أتْقَنَ ) أوثق.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو
علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية, وهو مجازي جميعهم على جميع
ذلك على الخير الخيرَ, وعلى الشرِّ الشرّ نظيره.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ
جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 )
يقول
تعالى ذكره: ( مَنْ
جَاءَ ) الله
بتوحيده والإيمان به, وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه ( فَلَهُ ) من هذه الحسنة عند الله ( خَيرٌ ) يوم القيامة, وذلك الخير أن
يثيبه الله (
مِنْهَا ) الجنة,
ويؤمنِّه ( مِنْ
فَزَعٍ ) الصيحة
الكبرى وهي النفخ في الصور. (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) يقول:
ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه, وجحود وحدانيته ( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ) في نار جهنم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن خلف العسقلاني, قال: ثني الفضل بن دكين, قال: ثنا يحيى بن أيوب البجلي,
قال: سمعت أبا زرعة, قال: قال أبو هُريرة- قال يحيى: أحسبه عن النبيّ صلى الله
عليه وسلم قال: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ ) قال:
وهي لا إله إلا الله (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) قال: وهي الشرك.
حدثنا
موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا أبو يحيى الحماني, عن النضر بن عربيّ, عن
عكرمة, عن ابن عباس, في قوله: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ ) قال:
من جاء بلا إله إلا الله, (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) , قال: بالشرك.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) يقول:
من جاء بلا إله إلا الله (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) وهو
الشرك.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال:
بالشرك.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: كلمة الإخلاص ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
) قال:
الشرك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد بنحوه. قال ابن
جُرَيج: وسمعت عطاء يقول فيها الشرك, يعني في قوله: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن أبي المحجل, عن أبي معشر, عن إبراهيم, قال: كان يحلف
ما يستثني, أنَّ ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال:
لا إله إلا الله, (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال:
الشرك.
حدثنا ابن
حميد, قال: ثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) قال: الشرك.
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا حفص, قال: ثنا سعيد بن سعيد, عن عليّ بن الحسين, وكان رجلا
غزّاء, قال: بينا هو في بعض خلواته حتى رفع صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له, له المُلك وله الحمد يحيي ويميت, بيده الخير, وهو على كل شيء قدير; قال: فردّ
عليه رجل: ما تقول يا عبد الله؟ قال: أقول ما تسمع, قال: أما إنها الكلمة التي قال
الله: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ ) .
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: الإخلاص ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: الشرك.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
) يعني:
الشرك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ
) يقول:
الشرك.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي
النَّارِ ) قال:
السيئة: الشرك الكفر.
حدثني
سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثنا حفص بن عمر العدني, قال: ثنا الحكم بن
أبان, عن عكرِمة, قوله: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال:
شهادة أن لا إله إلا الله (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال:
السيئة: الشرك. قال الحكم: قال عكرمة: كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني عليّ,
قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) فمنها وصل إليه الخير, يعني
ابن عباس بذلك: من الحسنة وصل إلى الذي جاء بها الخير.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا روح بن عبادة, قال: ثنا حسين الشهيد, عن الحسن: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال:
له منها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن, قال: من جاء بلا
إله إلا الله, فله خير منها خيرا .
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( فله خير مِنْهَا ) يقول: له منها حظّ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال:
له منها خير; فأما أن يكون خيرا من الإيمان فلا ولكن منها خير يصيب منها خيرا.
حدثنا
سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص بن عمر, قال: ثنا الحكم, عن عكرمة,
قوله: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله, ولكن له منها خير.
وكان ابن
زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله:
( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: أعطاه الله بالواحدة عشرا, فهذا خير منها.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة: « وَهُمْ مِنْ فَزعِ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ » بإضافة
فزع إلى اليوم. وقرأ ذلك جماعة قرّاء أهل الكوفة: ( مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ) بتنوين فزع.
والصواب
من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى,
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن الإضافة أعجب إليّ, لأنه فزع معلوم. وإذا كان
ذلك كذلك كان معرفة على أن ذلك في سياق قوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
فإذا كان ذلك كذلك, فمعلوم أنه عني بقوله: ( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) من الفزع الذي قد جرى ذكره
قبله. وإذا كان ذلك كذلك, كان لا شك أنه معرفة, وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى
من ترك الإضافة; وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كلّ أهوال
ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك, وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل
الأمان من فزع بعض أهواله.
وقوله: ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول
تعالى ذكره. يقال لهم: هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون, إذ كبكم الله
لوجوهكم في النار, وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم; وترك « يقال لهم » اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ
أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ
أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ) وهي مكة (
الَّذِي حَرَّمَهَا ) على
خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما, أو يظلموا فيها أحدا, أو يصاد صيدها, أو يختلى
خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( إنما أمرت أَنْ أَعْبُدَ
رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ) يعني: مكة.
وقوله: ( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) يقول: ولرب هذه البلدة
الأشياء كلها ملكا. فإياه أمرت أن أعبد, لا من لا يملك شيئا. وإنما قال جلّ ثناؤه:
( رَبَّ
هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ) فخصها بالذكر دون سائر البلدان, وهو ربّ البلاد كلها, لأنه
أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذين هم أهل مكة, بذلك
نعمته عليهم, وإحسانه إليهم, وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرّم بلدهم,
فمنع الناس منهم, وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا, ويقتل بعضهم بعضا, لا من لم
تجر له عليهم نعمة, ولا يقدر لهم على نفع ولا ضرّ. وقوله: ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول:
وأمرني ربي أن أسلم وجهي له حنيفا, فأكون من المسلمين الذين دانوا بدين خليله
إبراهيم وجدكم أيها المشركون, لا من خالف دين جدّه المحق, ودان دين إبليس عدوّ
الله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ
فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا
أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 )
يقول
تعالى ذكره: قل: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ و أَنْ
أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى يقول:
فمن تبعني وآمن بي وبما جئت به, فسلك طريق الرشاد ( فَإِنَّمَا يَهْتَدِي
لِنَفْسِهِ ) يقول:
فإنما يسلك سبيل الصواب باتباعه إياي, وإيمانه بي, وبما جئت به لنفسه, لأنه
بإيمانه بي, وبما جئت به يأمن نقمته في الدنيا وعذابه في الآخرة. وقوله: ( وَمَنْ ضَلَّ ) يقول: ومن جار عن قصد السبيل
بتكذيبه بي وبما جئت به من عند الله ( فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) يقول تعالى ذكره: فقل يا محمد
لمن ضلّ عن قصد السبيل, وكذبك, ولم يصدّق بما جئت به من عندي: إنما أنا ممن ينذر
قومه عذاب الله وسخطه على معصيتهم إياه, وقد أنذرتكم ذلك معشر كفار قريش, فإن
قبلتم وانتهيتم عما يكرهه الله منكم من الشرك به, فحظوظَ أنفسكم تصيبون, وإن رددتم
وكذبتم فعلى أنفسكم جنيتم, وقد بلغتكم ما أمرت بإبلاغه إياكم, ونصحت لكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ ( 93 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا
محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ : (
الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على
نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحق الذي أنتم عنه عمون, سيريكم ربكم آيات عذابه
وسخطه, فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم, ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ
فَتَعْرِفُونَهَا ) قال:
في أنفسكم, وفي السماء والأرض والرزق.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ
فَتَعْرِفُونَهَا ) قال:
في أنفسكم والسماء والأرض والرزق.
وقوله: ( وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ ) يقول
تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون, ولكن لهم أجل هم
بالغوه, فإذا بلغوه فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى
الله عليه وسلم: فلا يحزنك تكذيبهم إياك, فإني من وراء إهلاكهم, وإني لهم
بالمرصاد, فأيقن لنفسك بالنصر, ولعدوّك بالذلّ والخزي.
آخر
تفسير سورة النمل
ولله
الحمد والمنة, وبه الثقة والعصمة.
تفسير سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : طسم (
1 ) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ
مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 3 )
قال أبو
جعفر: وقد بيَّنا قبل فيما مضى تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: ( طسم ) ، وذكرنا اختلاف أهل التأويل
في تأويله . وأما قوله: (
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) فإنه يعني: هذه آيات الكتاب الذي أنـزلته إليك يا محمد،
المبين أنه من عند الله، وأنك لم تتقوله:ولم تتخرّصه..
وكان
قَتادة فيما ذكر عنه يقول في ذلك ما حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد, قال: ثنا
سعيد, عن قَتادة, قوله: ( طسم *
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) يعني مبين والله بركته ورشده وهداه.
وقوله: ( نَتْلُوا عَلَيْك ) يقول: نقرأ عليك، ونقصّ في
هذا القرآن من خبر (
مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ) .
كما
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة قوله: ( نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ
نَبَإِ مُوسَى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ) يقول: في هذا القرآن نبؤهم. وقوله: ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يقول: لقوم يصدّقون بهذا
الكتاب, ليعلموا أن ما نتلو عليك من نبئهم فيه نبؤهم, وتطمئنّ نفوسهم، بأن سنتنا
فيمن خالفك وعاداك من المشركين سنتنا فيمن عادى موسى, ومن آمن به من بني إسرائيل
من فرعون وقومه, أن نهلكهم كما أهلكناهم, وننجيهم منهم كما أنجيناهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي
الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 )
يقول
تعالى ذكره: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر, وعلا أهلها وقهرهم, حتى أقرّوا له
بالعُبُودَةِ.
كما
حدثنا محمد بن هارون, قال: ثنا عمرو بن حماد, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي
الأرْضِ ) يقول:
تجبر في الأرض.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ ) أي: بغى في الأرض.
وقوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بالشيع: الفِرَق، يقول:
وجعل أهلَها فرقًا متفرّقين.
كماحدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَجَعَل أَهْلَهَا شِيَعًا ) : أي فرقًا يذبح طائفة منهم,
ويستحيي طائفة, ويعذب طائفة, ويستعبد طائفة، قال الله عز وجل: ( يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) .
حدثني
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كان من شأن فرعون
أنه رأى رؤيا في منامه, أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر,
فأحرقت القبط, وتركت بني إسرائيل, وأحرقت بيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والقافة
والحازة فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه,
يعنون بيت المقدس, رجل يكون على وجهه هلاك مصر, فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم
غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت, وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين
يعملون خارجا, فأدخلوهم, واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة, فجعل بني إسرائيل
في أعمال غلمانهم, وأدخلوا غلمانهم, فذلك حين يقول: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي
الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فرّق بينهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد : ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فِرَقا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: الشيع: الفِرَق.
وقوله: ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً
مِنْهُمْ ) ذكر أن
استضعافه إياها كان استعباده.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: يستعبد طائفة
منهم, ويذبح طائفة, ويقتل طائفة, ويستحي طائفة.
وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ) يقول:
إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحقّ منه القتل, واستعباده من ليس له
استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها, وتكبره على عبادة ربه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ ( 5 )
ومعنى
الكلام: أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها، من بني إسرائيل، فِرَقًا يستضعِف طائفة
منهم ( وَ ) نَحْنُ ( نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ )
استضعفهم فرعون من بني إسرائيل (
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأرْضِ ) قال:
بنو إسرائيل.
قوله: ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة وملوكا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) أي: ولاة الأمر.
وقوله: ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
) يقول:
ونجعلهم ورَّاث آل فرعون يرثون الأرض من بعد مهلكهم.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ ) : أي يرثون الأرض بعد فرعون
وقومه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي
الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا
يَحْذَرُونَ ( 6 )
وقوله: ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي
الأرْضِ ) يقول:
ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر (
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ) كانوا قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل,
فكانوا من ذلك على وجل منهم, ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم, فأرى
الله فرعونَ وهامان وجنودهما، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه، ما كانوا
يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي
الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا
يَحْذَرُونَ ) شيئًا
ما حذّر القوم.
قال:
وذُكر لنا أن حازيا حزا لعدوّ الله فرعون, فقال: يولد في هذا العام غلام من بني
إسرائيل يسلبك ملكك, فتتبَّع أبناءهم ذلك العام، يقتل أبناءهم, ويستحيي نساءهم،
حذرًا مما قال له الحازي.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: كان
لفرعون رجل ينظر له ويخبره, يعني أنه كاهن, فقال له: إنه يولد في هذا العام غلام
يذهب بملككم, فكان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم حذرا, فذلك قوله: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء الحجاز والبصرة، وبعض الكوفيين: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) بمعنى: ونري نحن، بالنون عطفا
بذلك على قوله: (
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ ) . وقرأ
ذلك عامة قرّاء الكوفة: «
وَيَرَى فِرْعَوْنُ » على أن
الفعل لفرعون, بمعنى: ويعاين فرعون، بالياء من يرى, ورفع فرعون وهامان والجنود.
والصواب
من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى, قد
قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب, لأنه معلوم
أن فرعون لم يكن ليرى من موسى ما رأى, إلا بأن يريه الله عزّ وجلّ منه, ولم يكن
ليريه الله تعالى ذكره ذلك منه إلا رآه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ
مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا
تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ) حين ولدت موسى ( أَنْ أَرْضِعِيهِ ) .
وكان
قَتادة يقول, في معنى ذلك (
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ) : قذفنا في قلبها.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ) وحيًا جاءها من الله, فقذف في
قلبها, وليس بوحي نبوة, أن أرضعي موسى، ( فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا
تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي ) ...
الآية..
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ
مُوسَى ) قال:
قذف في نفسها.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: أمر فرعون أن يذبح مَن
وُلِد من بني إسرائيل سنة, ويتركوا سنة; فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت
بموسى; فلما أرادت وضعه, حزنت من شأنه, فأوحى الله إليها ( أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) .
واختلف
أهل التأويل في الحال التي أمرت أمّ موسى أن تلقي موسى في اليم, فقال بعضهم: أُمرت
أن تلقيه في اليم بعد ميلاده بأربعة أشهر, وذلك حال طلبه من الرضاع أكثر مما يطلب
الصبيّ بعد حال سقوطه من بطن أمه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ ) قال:
إذا بلغ أربعة أشهر وصاح، وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك ( فَأَلْقِيهِ ) حينئذ ( فِي الْيَمِّ ) فذلك قوله: ( فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: لم يقل
لها: إذا ولدتيه فألقيه في اليمّ, إنما قال لها: ( أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي
الْيَمِّ ) بذلك
أُمرت, قال: جعلته في بستان, فكانت تأتيه كلّ يوم فترضعه, وتأتيه كلّ ليلة فترضعه,
فيكفيه ذلك.
وقال
آخرون: بل أُمِرت أن تلقيه في اليمّ بعد ولادها إياه, وبعد رضاعها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما وضعته أرضعته،
ثم دعت له نجارا، فجعل له تابوتًا، وجعل مفتاح التابوت من داخل, وجعلته فيه,
فألقته في اليمِّ.
وأولى
قول قيل في ذلك بالصواب, أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أمّ موسى أن ترضعه, فإذا
خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليمّ. وجائز أن تكون خافتهم عليه
بعد أشهر من ولادها إياه; وأيّ ذلك كان, فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه, ولا خبر
قامت به حجة, ولا فطرة في العقل لبيان أيّ ذلك كان من أيٍّ, فأولى الأقوال في ذلك
بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه، واليمّ الذي أُمِرَت أن تلقيه فيه هو النيل.
كما
حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ ) قال: هو البحر, وهو النيل.
وقد بيَّنا ذلك بشواهده, وذكر الرواية فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ( وَلا تَخَافِي وَلا
تَحْزَنِي ) يقول:
لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه, ولا تحزني لفراقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي ) قال: لا تخافي عليه البحر,
ولا تحزني لفراقه؛ ( إنَّا
رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) .
وقوله: ( إِنَّا رَادًّوهُ إِلَيْكِ
وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) يقول: إنا رادّو ولدك إليك للرضاع لتكوني أنت ترضعيه,
وباعثوه رسولا إلى من تخافينه عليه أن يقتله, وفعل الله ذلك بها وبه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ ) وباعثوه رسولا إلى هذا
الطاغية, وجاعلو هلاكه، ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا
كَانُوا خَاطِئِينَ ( 8 )
يقول
تعالى ذكره: فالتقطه آل فرعون فأصابوه وأخذوه; وأصله من اللقطة, وهو ما وُجد ضالا
فأخذ، والعرب تقول: لما وردت عليه فجأة، من غير طلب له ولا إرادة، أصبته التقاطا,
ولقيت فلانا التقاطا; ومنه قول الراجز:
وَمَنْهَـــلٍ
وَرَدْتُـــهُ الْتِقَاطَـــا لَـــمْ أَلْــقَ إِذْ وَرَدْتُــهُ فُرَّاطَــا
يعني
فجأة.
واختلف
أهل التأويل في المعني بقوله: ( آلُ
فِرْعَوْنَ ) في هذا
الموضع, فقال بعضهم: عنى بذلك: جواري امرأة فرعون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: أقبل الموج بالتابوت يرفعه
مرّة ويخفضه أخرى, حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة
فرعون يغسلن, فوجدن التابوت, فأدخلنه إلى آسية, وظننّ أن فيه مالا فلما نظرت إليه
آسية, وقعت عليها رحمته فأحبته; فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه, فلم تزل آسية
تكلمه حتى تركه لها, قال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل, وأن يكون هذا الذي
على يديه هلاكنا, فذلك قول الله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
وَحَزَنًا ) .
وقال
آخرون: بل عني به ابنة فرعون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس, قال: كانت
بنت فرعون برصاء, فجاءت إلى النيل, فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج, فأخذته
بنت فرعون, فلما فتحت التابوت, فإذا هي بصبي, فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص,
فجاءت به إلى أمها, فقالت: إن هذا الصبيّ مبارك لما نظرت إليه برئت, فقال فرعون:
هذا من صبيان بني إسرائيل, هلمّ حتى أقتله, فقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا
تَقْتُلُوهُ .
وقال
آخرون: عنى به أعوان فرعون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: أصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على
شفير النيل كلّ غداة: فبينما هو جالس, إذ مرّ النيل بالتابوت يقذف به, وآسية بنت
مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه, فقالت: إن هذا لشيء في البحر, فأتوني به, فخرج إليه
أعوانه, حتى جاءوا به, ففتح التابوت فإذا فيه صبيّ في مهده, فألقى الله عليه
محبته, وعطف عليه نفسه, قالت امرأته آسية: لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا .
ولا قول
في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله عزّ وجلّ: ( فَالْتَقَطَهُ آَلُ
فِرْعَوْنَ )
وقد بيَّنا
معنى الآل فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته ههنا.
وقوله: ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
وَحَزَنًا ) فيقول
القائل: ليكون موسى لآل فرعون عدوّا وحَزنا فالتقطوه, فيقال: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) قيل: إنهم حين التقطوه لم يلتقطوه لذلك، بل لما تقدّم ذكره،
ولكنه إن شاء الله كما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق, في قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) قال: ليكون في عاقبة أمره عدوّا وحزنا لما أراد الله به،
وليس لذلك أخذوه, ولكن امرأة فرعون قالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ فكان قول
الله: ( ليكون
لهم عدوّا وحزنا ) لما هو
كائن في عاقبة أمره لهم, وهو كقول الآخر إذا قَرَّعه لفعل، كان فعله وهو يحسب
محسنا في فعله، فأداه فعله ذلك إلى مساءة مندِّما له على فعله: فعلت هذا لضرّ
نفسك, ولتضرّ به نفسك فعلت. وقد كان الفاعل في حال فعله ذلك عند نفسه يفعله راجيا
نفعه, غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو. فكذلك قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) إنما هو: فالتقطه آل فرعون ظنًّا منهم أنهم محسنون إلى
أنفسهم, ليكون قرّة عين لهم, فكانت عاقبة التقاطهم إياه منه هلاكهم على يديه.
وقوله: ( عَدُوًّا وَحَزَنًا ) يقول: يكون لهم عدوّا في
دينهم, وحَزنًا على ما ينالهم منه من المكروه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) عدوا لهم في دينهم, وحزنا لما يأتيهم.
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: ( وَحَزَنًا ) بفتح الحاء والزاي. وقرأته
عامة قرّاء الكوفة: «
وَحُزْنًا » بضم
الحاء وتسكين الزاي. والحَزَن بفتح الحاء والزاي مصدر من حزنت حزنا, والحُزْن بضم
الحاء وتسكين الزاي الاسم: كالعَدَم والعُدْم، ونحوه.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى, وهما على اختلاف اللفظ فيهما
بمنـزلة العَدَم, والعُدْم, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) يقول تعالى ذكره: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم
آثمين, فلذلك كان لهم موسى عَدُوّا وحَزَنا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَةُ
فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ) له هذا
(
قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) يا
فرعون; فقرة عين مرفوعة بمضمر هو هذا, أو هو. وقوله: ( لا تَقْتُلُوهُ ) مسألة من امرأة فرعون أن لا
يقتله. وذُكِرَ أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون, قال فرعون: أما لك فنعم,
وأما لي فلا فكان كذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس, قال: قالت
امرأة فرعون: (
قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) قال
فرعون: قرّة عين لك, أما لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « لَوْ
قَالَ فِرْعَوْنُ: قُرّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكِ, لَكَانَ لَهُمَا جَمِيعًا » .
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: اتخذه فرعونُ ولدا, ودُعَى
على أنه ابن فرعون; فلما تحرّك الغلام أرته أمه آسية صبيا, فبينما هي ترقصه وتلعب
به، إذ ناولته فرعون, وقالت: خذه، قرّة عين لي ولك, قال فرعون: هو قرّة عين لكِ,
لا لي. قال عبد الله بن عباس: لو أنه قال: وهو لي قرّة عين إذن؛ لآمن به, ولكنه
أَبَى.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قالت امرأة فرعون: ( قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) تعني بذلك: موسى.
حدثنا
العباس بن الوليد, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبح بن يزيد, قال: ثنا القاسم
بن أبي أيوب, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس قال: لما أتت بموسى امرأة
فرعونَ فرعونَ قالت: (
قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) قال
فرعون: يكون لكِ, فأما لي فلا حاجة لي فيه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ
أَقَرَّ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ كَمَا أَقَرَّتْ, لَهَدَاهُ
اللهُ بِهِ كَمَا هَدَى بِهِ امْرَأَتَهُ, وَلَكِنَّ الله حَرَمَهُ ذَلِكَ » .
وقوله: ( لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ
يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) ذُكِرَ أن امرأة فرعون قالت هذا القول حين همّ بقتله. قال
بعضهم: حين أتَي به يوم التقطه من اليم. وقال بعضهم: يوم نَتَف من لحيته، أو ضربه
بعصا كانت في يده.
* ذكر من
قال: قالت ذلك يوم نتف لحيته:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما أتي فرعون به صبيا أخذه
إليه, فأخذ موسى بلحيته فنتفها, قال فرعون: علي بالذباحين, هو هذا! قالت آسية ( لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ
يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) إنما هو صبيّ لا يعقل, وإنما صَنع هذا من صباه.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ) قال: ألقيت عليه رحمتها حين
أبصرته.
وقوله: ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) اختلف أهل التأويل في تأويله,
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهم لا يشعرون هلاكهم على يده.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال: وهم لا يشعرون أن هلكتهم على يديه, وفي زمانه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( أوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال:
إن هلاكهم على يديه.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال: آل فرعون إنه لهم عدوّ.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: (
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بما هو
كائن من أمرهم وأمره.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: قالت امرأة فرعون آسية: ( لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ
يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول الله: وهم لا يشعرون أي:
بما هو كائن بما أراد الله به.
وقال
آخرون: بل معنى قوله: (
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بنو
إسرائيل لا يشعرون أنا التقطناه.
* ذِكر
من قال ذلك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس ( لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ
يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال: يقول: لا تدري بنو
إسرائيل أنَّا التقطناه.
والصواب
من القول في ذلك, قول من قال: معنى ذلك: وفرعون وآله لا يشعرون بما هو كائن من
هلاكهم على يديه.
وإنما
قلنا ذلك أولى التأويلات به؛ لأنه عقِيب قوله: ( وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) وإذا كان ذلك عقبه, فهو بأن
يكون بيانا عن القول الذي هو عقبه أحقّ من أن يكون بيانا عن غيره.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 )
اختلف
أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فارغا, فقال
بعضهم: الذي عنى جلّ ثناؤه أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فارغا: كل شيء سوى ذكر
ابنها موسى.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن العلاء, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا الأعمش, عن مجاهد, وحسان أبي
الأشرس عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) قال:
فرغ من كلّ شيء إلا من ذكر مُوسى.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد
بن جُبَيْر, عن ابن عباس (
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغًا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.
حدثنا
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبد الله, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن رجل, عن
ابن عباس (
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغا من كلّ شيء إلا من همّ موسى.
حدثنا
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) قال:
يقول: لا تذكر إلا موسى.
حدثنا
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبد الله, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) قال:
من كل شيء غير ذكر موسى.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فرغ من كل شيء، إلا من ذكر موسى.
حدثنا
عبد الجبار بن يحيى الرملي, قال: ثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب, عن مطر, في
قوله: (
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغا من كل شيء، إلا من هم موسى.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) : أي: لاغيًا من كلّ شيء, إلا
من ذكر موسى.
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) قال:
فرغ من كلّ شيء، غير ذكر موسى.
وقال
آخرون: بل عنى أن فؤادها أصبح فارغا من الوحي الذي كان الله أوحاه إليها، , إذ
أمرها أن تلقيه في اليمّ فقال وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ قال: فحزنت ونسيت عهد الله إليها, فقال
الله عز وجل: (
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من وحينا الذي أوحيناه إليها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) قال:
فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر, ولا تخاف ولا
تحزن، قال: فجاءها الشيطان, فقال: يا أمّ موسى, كرهت أن يقتل فرعون موسى, فيكون لك
أجره وثوابه، وتولَّيت قتله, فألقيتيه في البحر وغرقتيه, فقال الله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) من
الوحي الذي أوحاه إليها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: ثني الحسن,
قال: أصبح فارغا من العهد الذي عهدنا إليها, والوعد الذي وعدناها أن نردَّ عليها
ابنها, فنسيت ذلك كله, حتى كادت أن تُبْدِي به لولا أن ربطنا على قلبها.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: قال ابن إسحاق: قد كانت أمّ موسى ترفع له حين قذفته
في البحر, هل تسمع له بذكر؟ حتى أتاها الخبر بأن فرعون أصاب الغداة صبيا في النيل
في التابوت, فعرفت الصفة, ورأت أنه وقع في يدي عدوّه الذي فرّت به منه, وأصبح
فؤادها فارغا من عهد الله إليها فيه، قد أنساها عظيم البلاء ما كان من العهد عندها
من الله فيه.
وقال بعض
أهل المعرفة بكلام العرب: معنى ذلك: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من الحزن, لعلمها بأنه لم
يغرق. قال: وهو من قولهم: دم فرغ أي لا قود ولا دية; وهذا قول لا معنى له؛ لخلافه قول
جميع أهل التأويل.
قال أبو
جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: معناه: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) من كلّ
شيء، إلا من همّ موسى.
وإنما
قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لدلالة قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) ولو كان عَنَى بذلك: فراغ قلبها من الوحي، لم يعقب بقوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
) لأنها
إن كانت قاربت أن تبدي الوحي, فلم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه, وولوعها به.
ومحال أن تكون به ولعة إلا وهي ذاكرة.
وإذا كان
ذلك كذلك، بطل القول بأنها كانت فارغة القلب مما أوحي إليها. وأخرى أن الله تعالى
ذكره أخبر عنها أنها أصبحت فارغة القلب, ولم يخصص فراغ قلبها من شيء دون شيء, فذلك
على العموم إلا ما قامت حجته أن قلبها لم يفرغ منه. وقد ذُكر عن فضالة بن عبيد أنه
كان يقرؤه: « وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَازِعًا » من
الفزع.
وقوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
) اختلف
أهل التأويل في المعنى الذي عادت عليه الهاء في قوله: ( بِهِ ) فقال بعضهم: هي من ذكر موسى,
وعليه عادت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا الأعمش, عن مجاهد وحسان أبي الأشرس,
عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أن تقول: يا ابناه.
قال: ثني
يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
) أن
تقول: يا ابناه.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد
بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ
كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أن
تقول: يا ابناه.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أي: لتبدي به أنه ابنها من
شدّة وجدها.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما جاءت أمه أخذ منها, يعني
الرضاع, فكادت أن تقول: هو ابني, فعصمها الله, فذلك قول الله ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) .
وقال آخرون:
بِما أوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا: أي تظفر.
والصواب
من القول في ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنياه؛
لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك, وأنه عقيب قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ
مُوسَى فَارِغًا ) فلأن
يكون لو لم يكن ممن ذكرنا في ذلك إجماع على ذلك من ذكر موسى, لقربه منه, أشبه من
أن يكون من ذكر الوحي.
وقال
بعضهم: بل معنى ذلك ( إِنْ
كَادَتْ لَتُبْدِي ) بموسى
فتقول: هو ابني. قال: وذلك أن صدرها ضاق إذ نُسب إلى فرعون, وقيل: ابن فرعون. وعنى
بقوله: (
لتُبْدِي بِهِ ) لتظهره
وتخبر به.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
) :
لتشعر به.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
) قال:
لتعلن بأمره لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين.
وقوله: ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا ) يقول:
لولا أن عصمناها من ذلك بتثبيتناها وتوفيقناها للسكوت عنه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: قال الله ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا ) : أي
بالإيمان (
لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كادت تقول: هو ابني, فعصمها
الله, فذلك قول الله: ( إِنْ
كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) .
وقوله: ( لِتَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول
تعالى ذكره: عصمناها من إظهار ذلك وقيله بلسانها, وثبتناها للعهد الذي عهدنا إليها
(
لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بوعد
الله, الموقنين به.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ
فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَتْ ) أم
موسى لأخت موسى حين ألقته في اليم ( قُصّيهِ ) يقول:
قصي أثر موسى, اتبعي أثره, تقول: قصصت آثار القوم: إذا اتبعت آثارهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لأخْتِهِ قُصِّيهِ ) قال: اتبعي أثره كيف يصنع به.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( قُصِّيهِ ) أي قصي أثره.
حدثنا
ابن حميد, ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ ) قال: اتبعي أثره.
حدثنا
بشر بن معاذ, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ
) أي
انظري ماذا يفعلون به.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ ) يعني: قصي أثره.
حدثني
العباس بن الوليد, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم
بن أبي أيوب, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ
) أي قصي
أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا, أحيّ ابني أو قد أكلته دوابّ البحر
وحيتانه؟ونسيتِ الذي كان الله وعدها. وقوله: ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ) يقول تعالى ذكره: فقصت أخت
موسى أثره, فبصرت به عن جُنُب: يقول فبصرت بموسى عن بُعد لم تدن منه ولم تقرب,
لئلا يعلم أنها منه بسبيل، يقال منه: بصرت به وأبصرته, لغتان مشهورتان , وأبصرت عن
جنب, وعن جنابة, كما قال الشاعر:
أَتَيْــتُ
حُرَيْثًـا زَائِـرًا عَـنْ جَنَابَـةٍ فَكَـانَ حُـرَيْثُ عَـنْ عَطَـائِي
جَاحِدَا
يعني
بقوله: عن جنابة: عن بُعد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( عَنْ جُنُبٍ ) قال: بُعد.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( عَنْ جُبٍ ) قال: عن بُعد. قال ابن جُرَيج
( عَنْ
جُنُبٍ ) قال:
هي على الحدّ في الأرض, وموسى يجري به النيل وهما متحاذيان كذلك تنظر إليه نظرة,
وإلى الناس نظرة, وقد جعل في تابوت مقير ظهره وبطنه, وأقفلته عليه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ
) يقول:
بصرت به وهي محاذيته لم تأته.
حدثني
العباس بن الوليد, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثني القاسم
بن أبي أيوب, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ
)
والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد, وهو إلى جنبه لا يشعر به.
وقوله: ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: وقوم فرعون لا يشعرون
بأخت موسى أنها أخته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال: آل فرعون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أنها أخته, قال: جعلت تنظر
إليه كأنها لا تريده.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أنها أخته.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي لا يعرفون أنها منه بسبيل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ( 12 )
يقول
تعالى ذكره: ومنعنا موسى المراضع أن يرتضع منهنّ من قبل أمه، ذكر أن أختا لموسى هي
التي قالت لآل فرعون: ( هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: أرادوا له المرضعات, فلم
يأخذ من أحد من النساء, وجعل النساء يطلبن ذلك لينـزلن عند فرعون في الرضاع, فأبى
أن يأخذ, فذلك قوله: ( وَحَرَّمْنَا
عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ ) أخته ( هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) فلما جاءت أمه أخذ منها.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال:
لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس ( وَحَرَّمْنَا
عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: كان لا يؤتى بمرضع فيقبلها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال:
لا يرضع ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.
حدثنا بشر,
قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: جعل لا يؤتى بامرأة إلا
لم يأخذ ثديها, قال: (
فَقَالَتْ ) أخته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) .
حدثنا ابن
حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: جمعوا المراضع حين ألقى الله محبتهم
عليه, فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها فيرمضهم ذلك, فيؤتي بمرضع بعد مرضع, فلا يقبل
شيئا منهنّ (
فَقَالَتْ ) لهم
أخته حين رأت من وجدهم به, وحرصهم عليه ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ
لَكُمْ ) ,
ويعني بقوله: (
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ) :
يضمونه لكم. وقوله: (
وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) ذكر
أنها أخذت, فقيل: قد عرفته, فقالت: إنما عنيت أنهم للملك ناصحون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما قالت أخته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) أخذوها, وقالوا: إنك قد
عَرَفت هذا الغلام, فدلينا على أهله, فقالت: ما أعرفه, ولكني إنما قلت: هم للملك
ناصحون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) قال: فعلقُوها حين قالت: وهم
له ناصحون, قالوا: قد عرفته, قالت: إنما أردت هم للملك ناصحون.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) أي لمنـزلته عندكم, وحرصكم على مسرّة الملك, قالوا: هاتي.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )
يقول
تعالى ذكره: (
فَرَدَدْنَا ) موسى ( إِلَى أُمِّهِ ) بعد أن التقطه آل فرعون,
لتقرّ عينها بابنها, إذ رجع إليها سليما من قَتل فرعون ( وَلا تَحْزَن ) على فراقه إياها ( وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ
اللَّهِ ) الذي
وعدها إذ قال لها فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي
وَلا تَحْزَنِي ... الآية, ( حقّ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ ) فقرأ حتى بلغ ( لا يَعْلَمُونَ ) ووعدها أنه رادّه إليها
وجاعله من المرسلين, ففعل الله ذلك بها.
وقوله: ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ) يقول
تعالى ذكره: ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن وعد الله حقّ, لا يصدقون بأن ذلك
كذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14
)
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَمَّا بَلَغَ ) مُوسَى
( أشده ) , يعني حان شدة بدنه وقواه,
وانتهى ذلك منه، وقد بيَّنا معنى الأشدّ فيما مضى بشواهده, فأغنى ذلك عن إعادته في
هذا الموضع.
وقوله: ( واستوى ) يقول: تناهي شبابه, وتمّ خلقه
واستحكم. وقد اختلف في مبلغ عدد سني الاستواء, فقال بعضهم: يكون ذلك في أربعين
سنة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, في قوله: ( واستوى ) قال: أربعين سنة.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين سنة.
قوله: ( واستوى ) قال: بلغ أربعين سنة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, عن ابن
عباس (
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال:
بضعا وثلاثين سنة.
قال: ثنا
سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين سنة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) قال: أربعين سنة, وأشدّه:
ثلاثا وثلاثين سنة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَاسْتَوَى ) قال:
كان أبي يقول: الأشدّ: الجلَد, والاستواء: أربعون سنة.
وقال
بعضهم: يكون ذلك في ثلاثين سنة.
وقوله: ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا ) يعني
بالحكم: الفهم بالدين والمعرفة.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا ) قال:
الفقه والعقل والعمل قبل النبوّة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا ) قال:
الفقه والعمل قبل النبوة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) آتاه الله حكما وعلما: وفقها
في دينه ودين آبائه, وعلما بما في دينه وشرائعه وحدوده.
وقوله: ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ ) يقول
تعالى ذكره: كما جزينا موسى على طاعته إيانا وإحسانه بصبره على أمرنا, كذلك نجزي
كلّ من أحسن من رسلنا وعبادنا, فصبر على أمرنا وأطاعنا, وانتهى عما نهيناه عنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى
حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا
مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ
عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَدَخَلَ ) موسى ( الْمَدِينَةَ ) مدينة منف من مصر ( عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ
أَهْلِهَا ) وذلك
عند القائلة، نصف النهار.
واختلف
أهل العلم في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت, فقال بعضهم:
دخلها متبعا أثر فرعون, لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد; فلما حضر علم بركوبه فركب
واتبع أثره, وأدركه المقيل في هذه المدينة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كان موسى حين كبر يركب مراكب
فرعون, ويلبس مثل ما يلبس , وكان إنما يُدعى موسى بن فرعون, ثم إن فرعون ركب مركبا
وليس عنده موسى; فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب, فركب في أثره فأدركه
المقيل بأرض يقال لها منف, فدخلها نصف النهار, وقد تغلقت أسواقها, وليس في طرقها
أحد, وهي التي يقول الله: (
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) .
وقال
آخرون: بل دخلها مستخفيا من فرعون وقومه, لأنه كان قد خالفهم في دينهم, وعاب ما
كانوا عليه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: لَمَّا بلغ موسى أشده واستوى, آتاه
الله حكما وعلما, فكانت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون
إليه, فلما استد رأيه, وعرف ما هو عليه من الحقّ, رأى فراق فرعون وقومه على ما هم
عليه حقا في دينه, فتكلم وعادى وأنكر, حتى ذكر منه, وحتى أخافوه وخافهم, حتى كان
لا يدخل قرية فرعون إلا خائفا مستخفيا, فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها.
وقال
آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا, فلم يدخلها إلا
بعد أن كبر وبلع أشدّه. قالوا: ومعنى الكلام: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها
لذكر موسى: أي من بعد نسيانهم خبره وأمره.
ذكر
من قال ذلك:
- حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ
أَهْلِهَا ) قال:
ليس غفلة من ساعة, ولكن غفلة من ذكر موسى وأمره. وقال فرعون لامرأته: أخرجيه عني,
حين ضرب رأسه بالعصا, هذا الذي قُتِلتْ فيه بنو إسرائيل, فقالت: هو صغير, وهو كذا,
هات جمرا, فأتي بجمر, فأخذ جمرة فطرحها في فيه فصارت عقدة في لسانه, فكانت تلك
العقدة التي قال الله وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي قال:
أخرجيه عني, فأخرج, فلم يدخل عليهم حتى كبر, فدخل على حين غفلة من ذكره.
وأولى
الأقوال في الصحة بذلك أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَاسْتَوَى ... وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا .
واختلفوا
في الوقت الذي عُني بقوله: ( عَلَى
حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) فقال
بعضهم: ذلك نصف النهار.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنى حجاج, عن ابن جُرَيج, عن محمد بن المنكدر, عن
عطاء بن يسار, عن ابن عباس, قوله: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ) قال: نصف النهار. قال ابن
جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, قال: يقولون في القائلة, قال: وبين
المغرب والعشاء.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى
حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) قال:
دخلها بعد ما بلغ أشده عند القائلة نصف النهار.
حدثني
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: دخل نصف النهار.
وقوله: ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ
يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ) يقول: هذا من أهل دين موسى من بني إسرائيل ( وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) من القبط من قوم فرعون ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ
شِيعَتِهِ ) يقول:
فاستغاثه الذي هو من أهل دين موسى على الذي من عدوّه من القبط ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى
عَلَيْهِ ) يقول:
فلكزه ولهزه في صدره بجمع كفه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا حفص, عن الأعمش, عن سعيد بن جُبَيْر, قال: أساء موسى
من حيث أساء, وهو شديد الغضب شديد القوّة, فمرّ برجل من القبط قد تسخر رجلا من المسلمين
, قال: فلما رأى موسى استغاث به, قال: يا موسى, فقال موسى: خلّ سبيله, فقال: قد
هممت أن أحمله عليك (
فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) قال: حتى إذا كان الغد نصف النهار خرج ينظر الخبر، قال:
فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر في مثل حده; قال: فقال: يا موسى, قال: فاشتدّ غضب
موسى, قال: فأهوى, قال: فخاف أن يكون إياه يريد, قال: فقال: أَتُرِيدُ أَنْ
تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ ؟ قال: فقال الرجل: ألا أراك يا
موسى أنت الذي قتلت!
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام بن عليّ, قال: ثنا الأعمش, عن سعيد بن جُبَيْر: ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ
يَقْتَتِلانِ ) قال:
رجل من بني إسرائيل يقاتل جبارا لفرعون ( فَاسْتَغَاثَهُ ... فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) فلما كان من الغد, استصرخ به
فوجده يقاتل آخر, فأغاثه, فقال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا
بِالأَمْسِ فعرفوا أنه موسى, فخرج منها خائفا يترقب, قال عثام: أو نحو هذا.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ
شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) أما الذي من شيعته فمن بني إسرائيل, وأما الذي من عدوه
فقبطي من آل فرعون.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ
شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) يقول: من القبط ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ
عَدُوِّهِ ) .
حدثنا
العباس بن الوليد, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم
بن أبي أيوب, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: لما بلغ موسى أشدّه,
وكان من الرجال, لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا
سخرة, حتى امتنعوا كلّ الامتناع, فبينا هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة, إذا هو
برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل, والآخر من آل فرعون, فاستغاثه الإسرائيلي
على الفرعوني, فغضب موسى واشتد غضبه, لأنه تناوله وهو يعلم منـزلة موسى من بني
إسرائيل, وحفظه لهم, ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة من أم موسى إلا
أن يكون الله اطلع موسى من ذلك على علم ما لم يطلع عليه غيره, فوكز موسى الفرعوني
فقتله, ولم يرهما أحد إلا الله والإسرائيلي, ف ( قَالَ ) موسى
حين قتل الرجل ( هَذَا
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) ...
الآية.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ
شِيعَتِهِ ) مسلم,
وهذا من أهل دين فرعون كافر (
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) وكان موسى قد أوتي بسطة في
الخلق, وشدّة في البطش فغضب بعدوّهما فنازعه ( فَوَكَزَهُ مُوسَى ) وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله, ف ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) .
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ) قال: من قومه من بني إسرائيل,
وكان فرعون من فارس من اصطخر.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.
قال: ثني
حجاج , عن أبي بكر بن عبد الله, عن أصحابه ( هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ) إسرائيلي (
وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) قبطي ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ
شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) .
وبنحو
الذي قلنا أيضا قالوا في معنى قوله: ( فَوَكَزَهُ مُوسَى ) .
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَوَكَزَهُ مُوسَى ) قال: بجمع كفه.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج , عن ابن جُرَيج , عن مجاهد, مثله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَوَكَزَهُ مُوسَى ) نبي الله, ولم يتعمد قتله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: قتله وهو لا يريد قتله.
وقوله: ( فَقَضَى عَلَيْهِ ) يقول: ففرغ من قتله. وقد
بيَّنت فيما مضى أن معنى القضاء: الفراغ بما أغنى عن إعادته ههنا.
ذكر أنه
قتله ثم دفنه في الرمل.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن أصحابه
( فوكزه
موسى فقضى عليه ) ثم
دفنه في الرمل.
وقوله: ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ ) يقول
تعالى ذكره: قال موسى حين قتل القتيل: هذا القتل من تسبب الشيطان لي بأن هيَّج
غضبي حتى ضربت هذا فهلك من ضربتي، ( إِنَّهُ عَدُوٌّ ) يقول: إن الشيطان عدو لابن آدم ( مُضِلٌّ ) له عن سبيل الرشاد بتزيينه له
القبيح من الأعمال, وتحسينه ذلك له ( مُبِينٌ ) يعني
أنه يبين عداوته لهم قديما, وإضلاله إياهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ
نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 )
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (
17 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن ندم موسى على ما كان من قتله النفس التي قتلها, وتوبته إليه
منه ومسألته غفرانه من ذلك ( رَبِّ
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بقتل
النفس التي لم تأمرني بقتلها, فاعف عن ذنبي ذلك, واستره عليّ , ولا تؤاخذني به
فتعاقبني عليه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ
نَفْسِي ) قال:
بقتلي من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر, ولم يُؤمر.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: عرف المخرج, فقال: ( ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ
لِي فَغَفَرَ لَهُ ) .
وقوله: ( فَغَفَرَ لَهُ ) يقول تعالى ذكره: فعفا الله
لموسى عن ذنبه ولم يعاقبه به، (
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) يقول: إن الله هو الساتر على المنيبين إليه من ذنوبهم على
ذنوبهم, المتفضل عليهم بالعفو عنها, الرحيم للناس أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد ما
تابوا منها. وقوله: ( قَالَ
رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) يقول
تعالى ذكره: قال موسى ربّ بإنعامك عليّ بعفوك عن قتل هذه النفس ( فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ ) يعني
المشركين, كأنه أقسم بذلك.
وقد ذكر
أن ذلك في قراءة عبد الله: « فَلا
تَجْعَلْنِي ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ » كأنه على هذه القراءة دعا ربه, فقال: اللهمّ لن أكون ظهيرا
ولم يستثن عليه السلام حين قال (
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ) فابتلي.
وكان
قَتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ ) يقول:
فلن أعين بعدها ظالما على فُجره, قال: وقلما قالها رجل إلا ابتُلي, قال: فابتلي
كما تسمعون.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ
خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ
قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 )
يقول
تعالى ذكره: فأصبح موسى في مدينة فرعون خائفا من جنايته التي جناها, وقتله النفس
التي قتلها أن يُؤخذ فيقتل بها (
يَتَرَقَّبُ ) يقول:
يترقب الأخبار: أي ينتظر ما الذي يتحدّث به الناس, مما هم صانعون في أمره وأمر
قتيله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
العباس بن الوليد, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا أصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم عن
أبي أيوب, قال: ثنا سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس: ( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ
خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ) قال:
خائفا من قتله النفس, يترقب أن يؤخذ.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي: ( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ) قال: خائفا أن يُؤخذ.
وقوله: ( فَإِذَا الَّذِي
اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ) يقول تعالى ذكره: فرأى موسى لما دخل المدينة على خوف مترقبا
الأخبار عن أمره وأمر القتيل, فإذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس على الفرعونيّ
يقاتله فرعونيّ آخر, فرآه الإسرائيلي فاستصرخه على الفرعونيّ. يقول: فاستغاثه أيضا
على الفرعوني, وأصله من الصُّراخ, كما يقال: قال بنو فلان: يا صباحاه, قال له
موسى: (
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) يقول
جل ثناؤه: قال موسى للإسرائيلي الذي استصرخه, وقد صادف موسى نادما على ما سلف منه
من قتله بالأمس القتيل, وهو يستصرخه اليوم على آخر: إنك أيها المستصرخ لغويّ: يقول:
إنك لذو غواية, مبين. يقول: قد تبينت غوايتك بقتالك أمس رجلا واليوم آخر.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا أصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا
سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: أتي فرعون, فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا
رجلا من آل فرعون, فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك, قال: ابغوني قاتله ومن يشهد
عليه, لا يستقيم أن نقضي بغير بينة ولا ثَبَت فاطلبوا ذلك, فبينما هم يطوفون لا
يجدون شيئا, إذ مرّ موسى من الغد, فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا, فاستغاثه
الإسرائيلي على الفرعونيّ, فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس, وكره الذي
رأى, فغضب موسى, فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني, فقال للإسرائيلي لما فعل
بالأمس واليوم (
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) , فنظر
الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال هذا, فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس إذ قتل فيه
الفرعوني, فخاف أن يكون بعد ما قال له: ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) إياه أراد, ولم يكن أراده,
إنما أراد الفرعوني, فخاف الإسرائيلي فحاجّه, فقال يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ
تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ
جَبَّارًا فِي الأَرْضِ ؟ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله,
فتتاركا.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد عن قَتادة: ( فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ) قال: الاستنصار والاستصراخ واحد.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي: ( فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ) يقول: يستغيثه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: لما قتل موسى القتيل, خرج فلحق
بمنـزله من مصر, وتحدّث الناس بشأنه, وقيل: قتل موسى رجلا حتى انتهى ذلك إلى
فرعون, فأصبح موسى غاديا الغَد, وإذا صاحبه بالأمس معانق رجلا آخر من عدوّه , فقال
له موسى: (
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) أمس
رجلا واليوم آخر؟.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا حفص, عن الأعمش, عن سعيد بن جُبَيْر والشيباني, عن
عكرمة, قال: الذي استنصره: هو الذي استصرخه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ
يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ
تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ
جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 )
يقول
تعالى ذكره: فلما أراد موسى أن يبطش بالفرعونيّ الذي هو عدو له وللإسرائيلي, قال
الإسرائيلي لموسى وظنّ أنه إياه يريد ( أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا
بِالأمْسِ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ
عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ ) : خافه
الذي من شيعته حين قال له موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ .
حدثنا
موسى , قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال موسى للإسرائيليّ: إِنَّكَ
لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ثم أقبل لينصره, فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل
الذي يقاتل الإسرائيلي, (
قَاَلَ )
الإسرائيلي, وفَرِق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ له الكلام: ( يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ
تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ
جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) فتركه موسى.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن أصحابه, قال:
ندم بعد أن قتل القتيل, فقال: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ
مُضِلٌّ مُبِينٌ قال: ثم استنصره بعد ذلك الإسرائيلي على قبطي آخر, فقال له موسى:
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فلما أراد أن يبطش بالقبطي, ظن الإسرائيلي أنه إياه يريد,
فقال: يا موسى (
أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ ) ؟.
قال:
وقال ابن جُرَيج, أو ابن أبي نجيح « الطبري يشكّ » وهو في الكتاب ابن أبي نجيح - أن موسى لما أصبح, أصبح نادما
تائبا, يودّ أن لم يبطش بواحد منهما, وقد قال للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ
مُبِينٌ فعلم الإسرائيلي أن موسى غير ناصره; فلما أراد الإسرائيلي أن يبطش بالقبطي
نهاه موسى, فَفَرِق الإسرائيلي من موسى, فقال: ( أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا
بِالأمْسِ ) فسعى
بها القبطيّ.
وقوله: ( إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ
جَبَّارًا فِي الأرْضِ ) يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل الإسرائيلي لموسى: إن تريد ما تريد إلا أن تكون جبارا في
الأرض، وكان من فعل الجبابرة: قتل النفوس ظلما, بغير حقّ. وقيل: إنما قال ذلك
لموسى الإسرائيليّ؛ لأنه كان عندهم من قتل نفسين: من الجبابرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا هشيم بن بشير, عن إسماعيل بن سالم, عن
الشعبي قال: من قتل رجلين فهو جبار; قال: ثم قرأ ( أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا
بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ
أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) .
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ ) إن الجبابرة هكذا, تقتل النفس
بغير النفس.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, ( إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ
تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ ) قال:
تلك سيرة الجبابرة أن تقتل النفس بغير النفس.
وقوله: ( وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ
مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) يقول:
ما تريد أن تكون ممن يعمل في الأرض بما فيه صلاح أهلها, من طاعة الله. وذكر عن ابن
إسحاق أنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ
مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) أي ما
هكذا يكون الإصلاح.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 )
ذُكِرَ
أن قول الإسرائيلي سمعه سامع فأفشاه, وأعلم به أهل القتيل, فحينئذ طلب فرعون موسى,
وأمر بقتله; فلما أمر بقتله, جاء موسى مخبر وخبره بما قد أمر به فرعون في أمره,
وأشار عليه بالخروج من مصر, بلد فرعون وقومه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم بن أبي
أيوب, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: انطلق الفرعوني الذي كان يقاتل
الإسرائيلي إلى قومه, فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أَتُرِيدُ
أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ فأرسل فرعون الذباحين لقتل
موسى, فأخذوا الطريق الأعظم, وهم لا يخافون أن يفوتهم, وكان رجل من شيعة موسى في
أقصى المدينة, فاختصر طريقا قريبا, حتى سبقهم إلى موسى, فأخبره الخبر.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: أعلمهم القبطي الذي هو عدو
لهما, فأتمر الملأ ليقتلوه, فجاء رجل من أقصى المدينة, وقرأ ( إنَّ ... ) إلى آخر الآية, قال: كنا
نحدّث أنه مؤمن آل فرعون.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: ذهب القبطي, يعني الذي كان
يقاتل الإسرائيلي, فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل, فطلبه فرعون وقال: خذوه
فإنه صاحبنا, وقال للذين يطلبونه: اطلبوه في بنيات الطريق, فإن موسى غلام لا يهتدي
الطريق, وأخذ موسى في بنيات الطريق, وقد جاءه الرجل فأخبره ( إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ
بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن أصحابه,
قالوا: لما سمع القبطي قول الإسرائيلي لموسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ
نَفْسًا بِالأَمْسِ سعى بها إلى أهل المقتول فقال: إن موسى هو قتل صاحبكم, ولو لم
يسمعه من الإسرائيلي لم يعلمه أحد; فلما علم موسى أنهم قد علموا خرج هاربا, فطلبه
القوم فسبقهم; قال: وقال ابن أبي نجيح: سعى القبطي.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, قال قال الإسرائيلي لموسى:
أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ وقبطي قريب منهما
يسمع, فأفشى عليهما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: سمع ذلك عدوّ, فأفشى
عليهما.
وقوله: ( وَجَاءَ رَجُلٌ ) ذُكر أنه مؤمن آل فرعون, وكان
اسمه فيما قيل: سمعان.
وقال
بعضهم: بل كان اسمه شمعون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, أخبرني وهب بن سليمان, عن
شعيب الجبئّي, قال: اسمه شمعون الذي قال لموسى: ( إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: أصبح الملأ من قوم فرعون قد أجمعوا
لقتل موسى فيما بلغهم عنه, فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى يقال له سمعان, فقال: ( يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ يَسْعَى ) إِلَى
مُوسَى ( قَالَ
يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ
مِنَ النَّاصِحِينَ ) .
وقوله: ( مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) يقول: من آخر مدينة فرعون ( يَسْعَى ) يقول: يعجل.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ يَسْعَى ) قال:
يعجل, ليس بالشدّ.
وقوله: ( قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ
الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) يقول جل ثناؤه: قال الرجل الذي جاءه من أقصى المدينة يسعى
لموسى: يا موسى إن أشراف قوم فرعون ورؤساءهم يتآمرون بقتلك, ويتشاورون ويرتئون
فيك; ومنه قول الشاعر:
مَـــا
تَـــأْتَمِرْ فِينـــا فـــأمْ ركَ فِـــي يَمِينِـــكَ أو شِــمالكْ
يعني: ما
ترتئي, وتهمّ به; ومنه قول النمر بن تولب:
أَرَى
النَّــاسَ قَــدْ أَحْـدَثُوا شِـيمَةً وَفِـــي كُــلِّ حَادِثَــةٍ
يُؤْتَمَــرْ
أي:
يُتشَاوَرُ وَيُرْتَأَى فِيها.
وقوله: ( فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ
النَّاصِحِينَ ) يقول:
فاخرج من هذه المدينة, إني لك في إشارتي عليك بالخروج منها من الناصحين.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا من قتله النفس أن يقتل به ( يَتَرَقَّبُ ) يقول: ينتظر الطلب أن يدركه
فيأخذه. كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ ) خائفًا
من قتله النفس يترقب الطلب ( قَالَ
رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ ) قال:
خائفا من قتل النفس, يترقب أن يأخذه الطلب.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ذُكر لي أنه خرج على وجهه خائفا
يترقب ما يدري أي وجه يسلك, وهو يقول: ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ ) قال:
يترقب مخافة الطلب.
وقوله: ( قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يقول
تعالى ذكره: قال موسى وهو شاخص عن مدينة فرعون خائفا: ربّ نجني من هؤلاء القوم
الكافرين, الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ
مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 22 )
وقوله: ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ
تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) يقول
تعالى ذكره: ولما جعل موسى وجهه نحو مدين, ماضيا إليها, شاخصا عن مدينة فرعون,
وخارجا عن سلطانه, ( قَالَ
عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) وعنى بقوله: « تلقاء » نحو مدين; ويقال: فعل ذلك من
تلقاء نفسه, يعني به: من قبل نفسه ويقال: داره تلقاء دار فلان: إذا كانت محاذيتها,
ولم يصرف اسم مدين لأنها اسم بلدة معروفة, كذلك تفعل العرب بأسماء البلاد
المعروفة; ومنه قول الشاعر:
رُهْبَــانُ
مَــدْيَنَ لَـوْ رَأَوْكِ تَـنزلُوا وَالعُصْـمُ مِـنْ شَـعَفِ العُقُـولِ
الفَادِرِ
وقوله: ( عَسَى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) يقول:
عسى ربي أن يبين لي قصد السبيل إلى مدين, وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق
إليها.
وذُكر أن
الله قيض له إذ قال: ( رَبِّ
نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ملَكا سدده الطريق, وعرفه إياه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما أخذ موسى في بنيات
الطريق جاءه مَلَك على فرس بيده عَنـزة; فلما رآه موسى سجد له من الفَرَق قال: لا
تسجد لي ولكن اتبعني, فاتبعه, فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه نحو مدين: ( عَسَى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) فانطلق
به حتى انتهى به إلى مَدين.
حدثنا
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا
سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: خرج موسى متوجها نحو مدين, وليس له علم
بالطريق إلا حسن ظنه بربه, فإنه قال: ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ذُكر لي أنه خرج وهو يقول: ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فهيأ
الله الطريق إلى مَدين, فخرج من مصر بلا زاد ولا حذاء ولا ظهر ولا درهم ولا رغيف,
خائفا يترقب, حتى وقع إلى أمة من الناس يسقون بمَدين.
حدثنا
أبو عمار الحسين بن حريث المَروزِيّ, قال: ثنا الفضل بن موسى, عن الأعمش, عن
المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جُبَيْر, قال: خرج موسى من مصر إلى مَدْيَنَ, وبينها
وبينها مسيرة ثمان, قال: وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة, ولم يكن له طعام إلا
وَرَق الشجر, وخرج حافيا, فما وصل إليها حتى وقع خفّ قدمه.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام, قال: ثنا الأعمش, عن المنهال, عن سعيد, عن ابن عباس,
قال: لما خرج موسى من مصر إلى مدين, وبينه وبينها ثمان ليال, كان يقال: نَحوٌ من
البصرة إلى الكوفة ثم ذكر نحوه.
ومدين
كان بها يومئذ قوم شعيب عليه السلام.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ
تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) ومدين:
ماء كان عليه قوم شعيب ( قَالَ
عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) .
وأما
قوله: (
سَوَاءَ السَّبِيلِ ) فإن
أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال: الطريق إلى مدين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال:
قصد السبيل.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عَبَّاد بن راشد, عن الحسن: ( عَسَى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال:
الطريق المستقيم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ
دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَمَّا وَرَدَ ) مُوسَى
( مَاءَ
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً ) يعني جماعة ( مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) نعمهم ومواشيهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) يقول: كثرة من الناس يسقون.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أُمَّةً مِنَ النَّاسِ ) قال: أناسًا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين
أهل نعم وشاء.
حدثنا
عليّ بن موسى وابن بشار, قالا ثنا أبو داود, قال: أخبرنا عمران القطان, قال: ثنا
أبو حمزة عن ابن عباس, في قوله: (
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ) قال
عليّ بن موسى: قال: مثل ماء جوابكم هذا, يعني المحدثة. وقال ابن بشار: مثل محدثتكم
هذه, يعني جوابكم هذا.
وقوله: ( وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ
امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) يقول:
ووجد من دون أمة الناس الذين هم على الماء, امرأتين تذودان, يعني بقوله: ( تَذُودَانِ ) تَحبِسان غنمهما; يقال منه:
ذاد فلان غنمه وماشيته: إذا أراد شيء من ذلك يَشِذّ ويذهب, فردّه ومنعه يذودها
ذَوْدًا.
وقال بعض
أهل العربية من الكوفيين: لا يجوز أن يقال: ذدت الرجل بمعنى: حبسته, إنما يقال ذلك
للغنم والإبل.
وقد رُوي
عن النبي صلى الله عليه وسلم: « إني
لبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بِعَصَايَ » فقد جعل الذَّود صلى الله عليه
وسلم في الناس، ومن الذود قول سويد بن كراع:
أَبِيــتُ
عَـلَى بَـابِ الْقَـوَافِي كَأَنَّمَـا أَذُودُ بِهَـا سِـرْبًا مِـنَ الَوَحْـشِ
نزعا
وقول
آخر:
وَقَــدْ
سَـلَبَتْ عَصَـاكَ بَنُـو تَمِيـمٍ فَمَــا تَــدْرِي بـأيّ عَصًـا تَـذُودُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( تَذُودَانِ ) يقول: تحبسان.
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثني سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس (
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) يعني بذلك أنهما حابستان.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن
جُبَيْر, في قوله: (
امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) قال:
حابستين.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) يقول: تحبسان غنمهما.
واختلف
أهل التأويل في الذي كانت عنه تذود هاتان المرأتان, فقال بعضهم: كانتا تذودان
غنمهما عن الماء, حتى يَصْدُرَ عَنْهُ مواشي الناس, ثم يسقيان ماشيتهما لضعفهما.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن أبي مالك قوله: ( امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) قال: تحبسان غنمهما عن الناس
حتى يفرغوا وتخلو لهما البئر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ ) يعني دون القوم تذودان غنمهما
عن الماء, وهو ماء مدين.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناس عن غنمهما.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً
مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) قال: أي حابستين شاءهما
تذودان الناس عن شائهما.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن أصحابه ( تَذُودَانِ ) قال: تذودان الناس عن غنمهما.
وأولى
التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال معناه: تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا من
سقي مواشيهم.
وإنما
قلنا ذلك أولى بالصواب لدلالة قوله: ( مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ
الرِّعَاءُ ) على أن
ذلك كذلك, وذلك أنهما إنما شكتا أنهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء, إذ سألهما موسى
عن ذودهما, ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس, كان لا شك أنهما كانتا تخبران عن
سبب ذودهما عنها الناس, لا عن سبب تأخر سقيهما إلى أن يُصْدِرَ الرعاء.
وقوله: ( قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ) يقول تعالى ذكره: قال موسى
للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس, هلا تسقونها مع مواشي الناس
والعرب, تقول للرجل: ما خطبك؟ بمعنى: ما أمرك وحالك, كما قال الراجز:
يَا
عَجَبًا مَا خَطْبُهُ وَخَطْبِي
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
العباس, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: أخبرنا القاسم, قال: ثني سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: قال لهما: ( مَا خَطْبُكُمَا ) معتزلتين لا تسقيان مع الناس.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: وجد لهما رحمة, ودخلته فيهما خشية,
لما رأى من ضعفهما, وغَلَبَةِ الناس على الماء دونهما, فقال لهما: ما خطبكما: أي
ما شأنكما.
وقوله: ( قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى
يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) يقول
جل ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مَوَاشِيهِم,
لأنا لا نطيق أن نسقي, وإنما نسقي مواشينا ما أفضلَتْ مواشي الرعاء في الحوض,
والرّعاء: جمع راع, والراعي جمعه رعاء ورعاة ورعيان.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثني سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: لما قال موسى للمرأتين: ( مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا
نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) : أي لا نستطيع أن نسقي حتى
يسقي الناس, ثم نَتَّبع فضلاتهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) قال: تنتظران تسقيان من فضول
ما في الحياض حياض الرعاء.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) امرأتان لا نستطيع أن نـزاحم
الرجال (
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) لا
يقدر أن يمسّ ذلك من نفسه, ولا يسقي ماشيته, فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا
أسقينا ثم انصرفنا.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء الحجاز سوى أبي جعفر القارئ وعامة قرّاء العراق سوى أبي عمرو: ( يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) بضم الياء, وقرأ ذلك أبو جعفر
وأبو عمرو بفتح الياء من يصدر الرعاء عن الحوض. وأما الآخرون فإنهم ضموا الياء,
بمعنى: أصدر الرعاء مواشيهم, وهما عندي قراءتان متقاربتا المعنى, قد قرأ بكل واحدة
منهما علماء من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) يقولان: لا يستطيع من الكبر
والضعف أن يَسْقِيَ ماشيته.
وقوله:
فَسَقَى لَهُمَا ذُكِرَ أنه عليه السلام فتح لهما عن رأس بئر كان عليها حَجَر لا
يطيق رفعه إلا جماعة من الناس, ثم استسقى فسَقى لهما ماشيتهما منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: فتح لهما عن بئر حجرا على
فيها, فسقى لهما منها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج بنحوه, وزاد فيه: قال ابن
جُرَيج: حجرا كان لا يطيقه إلا عشرة رَهْط.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو معاوية, عن الحجاج, عن الحكم, عن شريح,
قال: انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال, فرفعه وحده.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: رحمهما موسى حين ( قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى
يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل
مَدْيَنَ يجتمعون عليها, حتى يرفعوها, فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما, فرجعتا
سريعا, وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض.
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس فَسَقَى لَهُمَا فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كانتا أوّل
الرعاء ريا, فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, وقال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: تصدق عليهما نبي الله صلى
الله عليه وسلم , فسقى لهما, فلم يلبث أن أروى غنمهما.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: أخذ دلوهما موسى, ثم تقدّم إلى
السقاء بفضل قوّته, فزاحم القوم على الماء حتى أخَّرهم عنه, ثم سقى لهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ
تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره: فسقى موسى للمرأتين ماشيتهما, ثم تولى إلى ظلّ شجرة ذُكِر أنها
سَمُرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( ثُمَّ تَوَلَّى ) موسى إلى ظلّ شجرة سَمُرة, فقال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) .
حدثني
العباس, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثني سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: انصرف موسى إلى شجرة, فاستظلَّ بظلِّها, ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) .
حدثني
الحسين بن عمرو العنقزي, قال: ثنا أبي, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عمرو
بن ميمون, عن عبد الله, قال: حثثت على جَمَل لي ليلتين حتى صبحت مدين, فسألت عن
الشجرة التي أوى إليها موسى, فإذا شجرة خضراء تَرفّ, فأهوى إليها جملي وكان جائعا,
فأخذها جملي, فعالجها ساعة, ثم لفظها, فدعوت الله لموسى عليه السلام , ثم انصرفت.
وقوله: ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) محتاج. وذُكِر أن نبيّ الله موسى عليه السلام قال هذا
القول, وهو بجهد شديد, وعَرَّض ذلك للمرأتين تعريضا لهما, لعلهما أن تُطعماه مما
به من شدّة الجوع.
وقيل: إن
الخير الذي قال نبي الله (
إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) محتاج, إنَّمَا عنى به:
شَبْعَةٌ من طعام.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: لما هرب موسى من
فرعون أصابه جوع شديد, حتى كانت تُرى أمعاؤه من ظاهر الصِّفاق; فلما سقى للمرأتين,
وأوى إلى الظلّ, قال: ( رَبِّ
إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَيْر, عن
ابن عباس, في قوله: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ قال: ورد الماء وإنه ليتراءَى
خُضرةُ البقل في بطنه من الهُزال, ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ ) قال:
شَبعةُ.
حدثني
نصر بن عبد الرحمن الأوْدِيُّ, قال: ثنا حَكَّام بن سلم, عن عنبسة, عن أبي حُصَين,
عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ قال:
ورد الماء, وإن خُضرة البقل لتُرى في بطنه من الهُزال.
حدثني
نصر بن عبد الرحمن, قال: ثنا حكام بن سَلْم, عن عنبسة, عن أبي حصين, عن سعيد بن
جُبَيْر ( إِنِّي
لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: شَبْعَةُ يومئذ.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان عن منصور, عن إبراهيم, في قوله,
فقال: ( رَبِّ
إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: قال هذا وما معه درهم
ولا دينار.
قال: ثنا
سفيان, عن ليث, عن مجاهد (
إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: ما سأل إلا الطعام.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة بن الفضل, عن سفيان الثوري, عن ليث, عن مجاهد, في قوله:
فقال: ( رَبِّ
إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: ما سأل ربه إلا الطعام.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي قال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى: ولو شاء إنسان أن ينظر
إلى خُضْرة أمعائه من شدة الجوع, وما يسأل الله إلا أكلة.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: كان نبي الله بجهد.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب في قوله: ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ
إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال:
بلغني أن موسى قالها وأسمع المرأة.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نُجَيح, عن مجاهد, قوله: ( مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: طعام.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: طعام.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ
إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال:
الطعام يَسْتَطْعِم, لم يكن معه طعام, وإنما سأل الطعام.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ
مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ
نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 )
يقول
تعالى ذكره: فجاءت موسى إحدى المرأتين اللتين سَقَى لهما تمشي على استحياء من
موسى, قد سترت وجهها بثوبها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو السائب والفضل بن الصباح, قالا ثنا ابن فضيل, عن ضرار بن عبد الله بن أبي الهُذَيل,
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه , في قوله: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: مستترة بكمّ درعها, أو
بكمّ قميصها.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبو أسامة, عن حماد بن عمرو الأسدي, عن أبي سِنان, عن ابن أبي
الهُذَيل عن عمر رضي الله عنه, قال: واضعة يدها على وجهها مستترة.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن نَوْف: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال:
قد سترت وجهها بيديها.
قال: ثنا
يحيى, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن نَوْف، بنحوه.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن نوف ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال:
قائلة بيديها على وجهها, ووضع أبي يده على وجهه.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عَمرو بن
ميمون (
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: ليست بِسَلْفَع من
النساء خرّاجة ولاجة واضعة ثوبها على وجهها، تقول: ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ
لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) .
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون, عن عمر بن
الخطَّاب رضي الله عنه (
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: لم تكن سلفعا من النساء
خرَّاجة ولاجَة, قائلة بيدها على وجهها ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ
لَنَا ) .
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: ثنا قرة بن خالد, قال: سمعت
الحسن يقول, في قوله: (
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: بعيدة من البَذَاء.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: أتته تمشي على استحياء
منه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) قال: واضعة يدها على جبينها.
وقوله: ( قَالَتْ إِنَّ أَبِي
يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) يقول تعالى ذكره: قالت المرأة
التي جاءت موسى تمشي على استحياء: إن أبي يدعوك ليجزيك: تقول: يثيبَك أجر ما سقيت
لنا.
وقوله: ( فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ
عَلَيْهِ الْقَصَصَ ) يقول:
فمضى موسى معها إلى أبيها, فلما جاء أباها وقصّ عليه قصصه مع فرعون وقومه من
القبط, قال له أبوها: ( لا تَخَفْ
) فقد ( نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ
الظَّالِمِينَ ) يعني:
من فرعون وقومه, لأنه لا سلطان له بأرضنا التي أنت بها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: ثنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا سعيد بن
جُبَيْر عن ابن عباس, قال: استنكر أبو الجاريتين سُرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلا
بطانا, فقال: إن لكما اليوم لشأنا.
قال أبو
جعفر: احسبه قال: فأخبرتاه الخبر; فلما أتاه موسى كلمه, ( قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ليس
لفرعون ولا لقومه علينا سلطان, ولسنا في مملكته.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما رجعت الجاريتان إلى
أبيهما سريعا سألهما, فأخبرتاه خبر موسى, فأرسل إليه إحداهما, فأتته تمشي على
استحياء, وهي تستحي منه (
قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) فقام معها، وقال لها: امضي,
فمشت بين يديه, فضربتها الريح, فنظر إلى عجيزتها, فقال لها موسى: امشي خلفي,
ودُليني على الطريق إن أخطأت. فلما جاء الشيخ وقصّ عليه القصص ( قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) قال: قال مُطَرِّف: أما والله
لو كان عند نبيّ الله شيء ما تتبع مذقيهما ولكن إنما حمله على ذلك الجَهْد ( فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ
عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: رجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا
ترجعان فيها, فأنكر شأنهما, فسألهما فأخبرتاه الخبر, فقال لإحداهما: عجِّلي عليّ
به, فأتته على استحياء فجاءته, فقالت: ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ
لَنَا ) فقام
معها كما ذُكِر لي, فقال لها: امشي خلفي, وانعتي لي الطريق, وأنا أمشي أمامك, فإنا
لا ننظر إلى أدبار النساء; فلما جاءه أخبره الخبر, وما أخرجه من بلاده ( فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ
عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وقد أخبرت أباها بقوله: إنَّا
لا ننظر إلى أدبار النساء.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ( 26
)
يقول
تعالى ذكره: قالت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما موسى لأبيها حين أتاهُ موسى, وكان
اسم إحداهما صَفُّورا, واسم الأخرى لَيّا, وقيل: شَرْفا كذلك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني وهب بن
سليمان الرمادي, عن شعيب الجَبَئِي, قال: اسم الجاريتين لَيّا, وصَفُّورَا, وامرأة
موسى صفُّورا ابنة يثرون كاهن مدين, والكاهن: حبر.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: إحداهما صَفُّورا ابنة يثرون وأختها
شَرَفا, ويقال: ليا, وهما اللتان كانتا تذودان. وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف, فقال
بعضهم: كان اسمه يثرون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمر بن مرّة, عن أبي عُبيدة, قال:
كان الذي استأجر موسى ابنُ أخي شعيب يثرون .
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن أبي عُبيدة, قال:
الذي استأجر موسى يثرون ابنُ أخي شعيب عليه السلام .
وقال
آخرون: بل اسمه: يَثَرى .
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار, عن حماد بن سلمة, عن أبي حمزة, عن ابن
عباس قال: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين.
حدثني
أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم, قال: ثنا أبو قُتيبة, عن حماد بن سلمة, عن
أبي حمزة, عن ابن عباس, قال: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين.
حدثني
أبو العالية العبديّ إسماعيل بن الهيثم, قال: ثنا أبو قُتيبة, عن حماد بن سلمة, عن
أبي حمزة, عن ابن عباس, قال: اسم أبي المرأة: يثرى .
وقال
آخرون: بل اسمه شعيب, وقالوا: هو شعيب النبيّ صلى الله عليه وسلم .
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا قرّة بن خالد, قال: سمعت الحسن يقول:
يقولون شعيب صاحب موسى, ولكنه سيد أهل الماء يومئذ.
قال أبو
جعفر: وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبر, ولا خبر بذلك تجب حجته, فلا قول في ذلك
أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ
تَذُودَانِ ... قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ تعني بقولها:
استأجره ليرعى عليك ماشيتك.
( إِنَّ خَيْرَ مَنِ
اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) تقول: إن خير من تستأجره للرعي القويّ على حفظ ماشيتك
والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها, الأمين الذي لا تخاف خيانته, فيما تأمنه عليه.
وقيل:
إنها لما قالت ذلك لأبيها, استنكر أبوها ذلك من وصفها إياه فقال لها: وما علمك
بذلك؟ فقالت: أما قوّته فما رأيت من علاجه ما عالج عند السقي على البئر, وأما
الأمانة فما رأيت من غضّ البصر عني.
وبنحو
ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبي أيوب, عن
سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ
خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: فأحفظته الغَيْرة أن قال: وما يدريك ما قوّته وأمانته؟
قالت: أما قوّته, فما رأيت منه حين سقى لنا, لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه;
وأما أمانته, فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له, فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم
يرفعه, ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك, ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق, ولم
يفعل ذلك إلا وهو أمين, فسُرّي عن أبيها وصدَّقها وظن به الذي قالت.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: لموسى ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ
اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) يقول: أمين فيما وَلِيَ, أمين على ما استُودع.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال:
إن موسى لما سَقَى لهما, ورأت قوته, وحرّك حجَرا على الركِيّة, لم يستطعه ثلاثون
رجلا فأزاله عن الركية, وانطلق مع الجارية حين دعته, فقال لها: امشي خلفي وأنا
أمامك, كراهية أن يرى شيئا من خلفها مما حرّم الله أن ينظر إليه, وكان يوما فيه
ريح.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عبد الرحمن بن أبي نعم, في قوله: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال لها أبوها: ما رأيت من
أمانته؟ قالت: لما دعوته مشيت بين يديه, فجعلت الريح تضرب ثيابي, فتلزق بجسدي,
فقال: كوني خلفي, فإذا بلغت الطريق فاذهبي, قالت: ورأيته يملأ الحوض بسجل واحد.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: غضّ طرفه عنهما. قال
محمد بن عمرو في حديثه: حين, أو حتى سقى لهما فصدرتا. وقال الحارث في حديثه: حتى
سقى بغير شك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: فتح عن
بئر حجرا على فيها, فسقى لهما بها, والأمين: أنه غضّ بصره عنهما حين سقى لهما
فصدرتا.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبو خالد الأحمر وهانئ بن سعيد, عن الحجاج, عن القاسم, عن
مجاهد ( إِنَّ
خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: رفع حجرا لا يرفعه إلا فِئام من الناس.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, قال عمرو بن ميمون, في قوله: ( الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: كان يوم ريح, فقال: لا
تمشي أمامي, فيصفك الريح لي, ولكن امشي خلفي ودلِّيني على الطريق; قال: فقال لها:
كيف عرفت قوته؟قالت: كان الحجر لا يطيقه إلا عشرة فرفعه وحده.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو معاوية, عن الحجاج بن أرطأة, عن الحكم, عن
شريح في قوله: (
الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال:
أما قوّته: فانتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة, فرفعه وحده. وأما أمانته: فإنها مشت
أمامه فوصفها الريح, فقال لها: امشي خلفي وصفي لي الطريق.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبو معاوية, عن عمرو, عن زائدة, عن الأعمش, قال: سألت تميم بن
إبراهيم: بم عرفت أمانته ؟قال: في طرفه, بغضّ طرفه عنها.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: القويّ في الصنعة,
الأمين فيما وَلِيَ.
قال:
وذُكر لنا أن الذي رأت من قوّته: أنه لم تلبث ماشيتها حتى أرواها; وأن الأمانة
التي رأت منه أنها حين جاءت تدعوه, قال لها: كوني ورائي, وكره أن يستدبرها, فذلك
ما رأت من قوّته وأمانته.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال: بلغنا أن قوّته كانت
سرعة ما أروى غنمهما. وبلغنا أنه ملأ الحوض بدلو واحد. وأما أمانته فإنه أمرها أن
تمشي خلفه.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ
خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) وهي الجارية التي دعته, قال الشيخ: هذه القوة قد رأيت حين
اقتلع الصخرة, أرأيت أمانته, ما يدريكِ ما هي؟ قالت: مشيت قدّامه فلم يحبّ أن
يخونني في نفسي, فأمرني أن أمشي خلفه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) فقال لها: وما عِلْمكِ بقوته
وأمانته؟ فقالت: أما قوّته فإنه كشف الصخرة التي على بئر آل فلان, وكان لا يكشفها
دون سبعة نفر. وأما أمانته فإني لما جئت أدعوه قال: كوني خَلْفَ ظهري, وأشيري لي
إلى منـزلك, فعرفت أن ذلك منه أمانة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ
خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) لما رأت من قوّته وقوله:لها ما قال: أنِ امشي خلفي, لئلا
يرى منها شيئا مما يكره, فزاده ذلك فيه رغبة.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 )
يقول
تعالى ذكره: ( قَالَ
) أبو
المرأتين اللتين سقى لهما موسى لموسى: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ
هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) يعني بقوله: ( عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ) : على أن تثيبني من تزويجها
رعي ماشيتي ثماني حِجَج, من قول الناس: آجرك الله فهو يَأْجُرُك, بمعنى: أثابك
الله; والعرب تقول: أَجَرْت الأجير آجره, بمعنى: أعطيته ذلك, كما يقال: أخذته فأنا
آخذه. وحكى بعض أهل العربية من أهل البصرة أن لغة العرب: أَجَرْت غلامي فهو مأجور,
وآجرته فهو مُؤْجَر, يريد: أفعلته.
قال:
وقال بعضهم: آجره فهو مؤاجر, أراد فاعلته; وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي
زوجها موسى رعي موسى عليه ماشيته ثمانيَ حِجَج, والحجَج: السنون.
وقوله: ( فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا
فَمِنْ عِنْدِكَ ) يقول:
فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك إحدى ابنتي, فجعلتها
عشر حجج, فإحسان من عندك, وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ
عَلَيْكَ )
باشتراط الثماني الحِجَج عَشْرا عليك ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) في الوفاء بما قلت لك.
كما
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي في حُسن الصحبة والوفاء
بما قلت.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ
عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ( 28 )
يقول
تعالى ذكره: ( قَالَ
) موسى
لأبي المرأتين (
ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ) أي هذا
الذي قلتَ من أنك تزوّجني أحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حجَج, واجب بيني وبينك,
على كل واحد منا الوفاء لصاحبه بما أوجب له على نفسه.
وقوله: ( أَيَّمَا الأجَلَيْنِ
قَضَيْتُ ) يقول:
أيّ الأجلين من الثماني الحجج والعشر الحجَج قضيت, يقول: فرغت منها فوفيتكها رعي
غنمك وماشيتك ( فَلا
عُدْوَانَ عَلَيَّ ) يقول:
فليس لك أن تعتدي عليّ, فتطالبني بأكثر منه, و « ما » في
قوله: (
أَيَّمَا الأجَلَيْنِ ) صلة
يوصل بها أي على الدوام وزعم أهل العربية أن هذا أكثر في كلام العرب من أيّ, وأنشد
قول الشاعر:
وَأَيُّهُمَـــا
مَــا أَتَبَعَــنَّ فَــإِنَّنِي حَـرِيصٌ عَـلَى أَثَـرِ الَّـذِي أَنَـا
تَابِعُ
وقال
عباس بن مرداس:
فَــأَيِّي
مَــا وَأَيُّــكَ كَـانَ شَـرًّا فَقِيــدَ إلــى المَقَامَــةِ لا يَرَاهَــا
وقوله: ( وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ ) كان
ابن إسحاق يرى هذا القول من أبي المرأتين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: قال موسى ( ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ ) قَالَ : نَعَمْ ( وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ )
فزوّجه, وأقام معه يكفيه, ويعمل له في رعاية غنمه, وما يحتاج إليه منه.
وزوجة
موسى صَفُّورا أو أختها شرفا أو ليَّا:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: قال ابن عباس; الجارية التي
دعته هي التي تزوّج.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال له إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ... إلى آخر
الآية, قال: وأيتهما تريد أن تنكحني؟ قال: التي دعتك, قال: ألا وهي بريئة مما دخل
نفسك عليها, فقال: هي عندك كذلك, فزوّجه.
وبنحو
الذي قلنا في قوله: (
أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي: ( قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ
قَضَيْتُ ) إما
ثمانيا, وإما عشرًا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني ابن لهيعة, عن عمارة بن غزية, عن يحيى بن
سعيد, عن القاسم بن محمد, وسأله رجل قال ( أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ ) قال: فقال القاسم: ما أبالي
أيّ ذلك كان, إنما هو موعد وقضاء.
وقوله: ( وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ ) يقول:
والله على ما أوجب كلّ واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول, شهيد وحفيظ.
كالذي
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ ) قال:
شهيد على قول موسى وخَتَنه.
وذكر أن
موسى وصاحبه لما تعاقدا بينهما هذا العقد, أمر إحدى ابنتيه أن تعطي موسى عصًا من
العِصِيّ التي تكون مع الرعاة, فأعطته إياه, فذكر بعضهم أنها العصا التي جعلها
الله له آية.
وقال
بعضهم تلك عصا أعطاه إياها جبريل عليه السلام .
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: أمر - يعني أبا المرأتين-
إحدى ابنتيه أن تأتيه, يعني أن تأتيَ موسى بعصا, فأتته بعصًا, وكانت تلك العصا
عصًا استودعها إياه ملك في صورة رجل, فدفعها إليه, فدخلت الجارية, فأخذت العصا,
فأتته بها; فلما رآها الشيخ قال: لا ائتيه بغيرها, فألقتها تريد أن تأخذ غيرها,
فلا يقع في يدها إلا هي, وجعل يردّدها, وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها; فلما رأى
ذلك عمد إليها, فأخرجها معه, فَرعَى بها. ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة, فخرج
يتلقى موسى, فلما لقيه قال: اعطني العصا, فقال موسى: هي عَصَايَ, فأبى أن يعطيه,
فاختصما, فرضيا أن يجعلا بينهما أوّل رجل يلقاهما, فأتاهما ملك يمشي, فقال: ضعوها
في الأرض, فمن حملها فهي له, فعالجها الشيخ فلم يطقها, وأخذ موسى بيده فرفعها,
فتركها له الشيخ, فرعَى له عشر سنين. قال عبد الله بن عباس: كان موسى أحق بالوفاء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قال - يعني أبا الجارية- لما زوّجها
موسى لموسى: أدخل ذلك البيت فخذ عصا, فتوكأ عليها, فدخل, فلما وقف على باب البيت,
طارت إليه تلك العصا, فأخذها, فقال: اردُدها وخذ أخرى مكانها, قال: فردّها, ثم ذهب
ليأخذ أخرى, فطارت إليه كما هي, فقال: لا أرددها, فعل ذلك ثلاثا, فقال: ارددها,
فقال: لا أجد غيرها اليوم, فالتفت إلى ابنته, فقال لابنته: إن زوجك لنبيّ.
* ذكر من
قال: التي كانت آية عصًا أعطاها موسى جبرائيل عليه السلام:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر, قال: سألت عكرمة قال: أما
عصا موسى, فإنها خرج بها آدم من الجنة, ثم قبضها بعد ذلك جبرائيل عليه السلام ,
فلقي موسى بها ليلا فدفعها إليه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى
الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ
امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ
جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 )
يقول
تعالى ذكره: فلما وفى موسى صاحبه الأجل الذي فارقه عليه, عند إنكاحه إياه ابنته,
وذكر أن الذي وفَّاه من الأجلين, أتمهما وأكملهما, وذلك العشر الحجج, على أن بعض
أهل العلم قد روي عنه أنه قال: زاد مع العشر عَشْرا أخرى.
ذكر من
قال: الذي قضى من ذلك هو الحِجَج العَشْر:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن
جُبَيْر, قال: سألت ابن عباس: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: خيرهما وأوفاهما.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن
عباس سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأخيَرَهما.
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: ثنا موسى بن عُبَيدة, عن أخيه,
عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: قضى موسى آخِر الأجلين.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا ابن عبيدة, عن الحكم بن أبان, عن عكرِمة, سئل ابن عباس: أيّ
الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأوفاهما.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن حكيم بن جُبَيْر, عن سعيد بن
جُبَيْر, قال: قال يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحجّ: إني أراك رجلا تتتبع العلم,
أخبرني أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم, وأنا الآن قادم على حَبْر العرب ،
يعني ابن عباس, فسائله عن ذلك; فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول
اليهوديّ, فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما, إن النبيّ إذا وعد لم يخلف, قال
سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي, فأخبرته, فقال: صدق, وما أنـزل على موسى هذا,
والله العالم.
قال: ثنا
يزيد, قال: ثنا الأصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبي أيوب, عن سعيد بن جُبَيْر, قال:
سألني رجل من أهل النصرانية: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم, وأنا يومئذ لا
أعلم, فلقيت ابن عباس, فذكرت له الذي سألني عنه النصراني, فقال: أما كنت تعلم أن
ثمانيا واجب عليه, لم يكن نبيّ الله نقص منها شيئا, وتعلم أن الله كان قاضيا عن
موسى عِدَته التي وعده, فإنه قضى عشر سنين.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ ) قال: حدث ابن عباس, قال: رعى
عليه نبيّ الله أكثرها وأطيبها.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القُرَظيّ, قال: سئل رسول
الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأجلين قضى موسى؟ قال: « أَوْفَاهُمَا وَأَتَمَّهُمَا
» .
حدثنا
أحمد بن محمد الطوسي, قال: ثنا الحميدي أبو بكر بن عبد الله بن الزُّبير قال: ثنا
سفيان, قال: ثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة, عن
ابن عباس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سألْتُ جبْرَائِيلَ: أَيُّ الأجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟
قَالَ: أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُمَا » .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: إن
النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل جبرائيل: « أَيُّ الأجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ سَوْفَ أَسْأَلُ
إسْرَافِيلَ, فَسَأَلَه فَقَالَ: سَوْفَ أَسْأَلُ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى,
فَسَألَهُ, فَقَال: أَبَرَّهُمَا وَأَوْفَاهُمَا » .
ذكر من
قال: قضى العَشْرَ الحجَج وزاد على العشْر عشرا أخرى:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى
الأجَلَ ) قال:
عشر سنين, ثم مكث بعد ذلك عشرا أخرى.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَضَى مُوسَى الأجَلَ ) عشر سنين, ثم مكث بعد ذلك
عشرا أخرى.
حدثني
المثنى, قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثنا أبي, عن قَتادة, قال: ثنا أنس, قال: لما
دعا نبيّ الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما, قال له صاحبه: كلّ شاة ولدت
على غير لونها فلك ولد, فعمد, فرفع خيالا على الماء, فلما رأت الخيال, فزعت, فجالت
جولة فولدن كلهنّ بُلقا, إلا شاة واحدة, فذهب بأولادهنّ ذلك العام.
وقوله: ( وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ
مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) يقول
تعالى ذكره: (
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ) شاخصا بهم إلى منـزله من مصر
( آنَسَ
مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ) يعني
بقوله: آنس: أبصر وأحسّ كما قال العجَّاج:
آنَسَ
خِرْبَـــانَ فَضَــاءٍ فَــانْكَدَرْ دَانــى جَنَاحَيْـهِ مِـن الطُّـورِ
فَمَـرّ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل, غير أنا
نذكر ههنا بعض ما لم نذكر قبل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ
امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) : أي
أحسست نارا.
وقد
بيَّنا معنى الطور فيما مضى بشواهده, وما فيه من الرواية عن أهل التأويل.
وقوله: ( لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي
آنَسْتُ نَارًا ) يقول:
قال موسى لأهله: تَمهَّلُوا وانتظروا: إنّي أبصرت نارا ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا ) يعني من النار ( بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ
النَّارِ ) يقول:
أو آتيكم بقطعة غليظة من الحطب فيها النار, وهي مثل الجِذْمة من أصل الشجرة; ومنه
قول ابن مقبل:
بَـاتَتْ
حَـوَاطِبُ لَيْـلَى يَلْتَمِسْـنَ لَهَـا جَـزْلَ الجِـذَا غـيرَ خَـوَّارٍ وَلا
دَعِرِ
وفي
الجِذوة لغات للعرب ثلاث: جِذوة بكسر الجيم, وبها قرأت قرّاء الحجاز والبصرة وبعض
أهل الكوفة. وهي أشهر اللغات الثلاث فيها، وجَذوة بفتح الجيم, وبها قرأ أيضًا بعض
قرّاء الكوفة . وهذه اللغات الثلاث وإن كنّ مشهورات في كلام العرب, فالقراءة
بأشهرها أعجب إليّ, وإن لم أنكر قراءة من قرأ بغير الأشهر منهنّ.
وبنحو
الذي قلنا في معنى الجذوة قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
) يقول:
شهاب.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( أَوْ جَذْوَةٍ ) والجذوة: أصل شجرة فيها نار.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( إِنِّي آنَسْتُ نَارًا
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ) قال: أصل الشجرة في طرفها
النار, فذلك قوله: ( أَوْ
جَذْوَةٍ ) قال:
السعف فيه النار. قال مَعْمر, وقال قَتادة ( أَوْ جَذْوَةٍ ) : أو شُعلة من النار.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
) قال:
أصل شجرة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
) قال:
أصل شجرة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
) قال:
الجَذوة: العود من الحطب الذي فيه النار, ذلك الجذوة.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) يقول: لعلكم تسخنون بها من
البرد, وكان في شتاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ
الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 30 )
يقول
تعالى ذكره: فلما أتى موسى النار التي آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ( نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ
الْوَادِ الأيْمَن ) يعني
بالشاطئ: الشط, وهو جانب الوادي وعدوته, والشاطئ يجمع شواطئ وشطآن. والشطّ:
الشُّطوطَ، والأيمن: نعت من الشاطئ عن يمين موسى.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ
الأيْمَن ) قال
ابن عمرو في حديثه: عند الطور. وقال الحارث في حديثه: من شاطئ الوادي الأيمن عند
الطور عن يمين موسى.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ ) قال:
شِقّ الوادي عن يمين موسى عند الطور.
وقوله: ( فِي الْبُقْعَةِ
الْمُبَارَكَةِ ) من صلة
الشاطئ.
وتأويل
الكلام: فلما أتاها نادى الله موسى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة منه
من الشجرة ( أَنْ
يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
وقيل: إن
معنى قوله: ( مِنَ
الشَّجَرَةِ ) : عند
الشجرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
) قال:
نودي من عند الشجرة ( أَنْ
يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
وقيل: إن
الشجرة التي نادى موسى منها ربه: شجرة عَوْسَج. وقال بعضهم: بل كانت شجرة
العُلَّيق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, في قوله: ( الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ
مِنَ الشَّجَرَةِ ) قال:
الشجرة عوسج. قال معمر, عن قَتادة: عصا موسى من العَوْسج; والشجرة من العَوْسج.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض من لا يتهم, عن بعض أهل العلم
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا قال: خرج نحوها, فإذا هي شجرة من العُلَّيق, وبعض أهل
الكتاب يقول: هي عَوْسجة.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد
الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام, شجرة سَمْراء خضراء ترفّ.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ
فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ
فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ
مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 32 )
يقول
تعالى ذكره: نودي موسى: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
* وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فألقاها موسى, فصارت حية تسعى.
( فَلَمَّا رَآهَا ) موسى ( تَهْتَزُّ ) يقول: تتحرك وتضطرب ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) والجانّ واحد الجِنّان, وهي
نوع معروف من أنواع الحيات, وهي منها عظام. ومعنى الكلام: كأنها جانّ من الحيات ( وَلَّى مُدْبِرًا ) يقول: ولى موسى هاربا منها.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَّى مُدْبِرًا ) فارا منها، ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقول: ولم يرجع على عقبه.
وقد
ذكرنا الرواية في ذلك, وما قاله أهل التأويل فيما مضى, فكرهنا إعادته, غير أنا
نذكر في ذلك بعض ما لم نذكره هنالك.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقول: ولم يعقب, أي لم يلتفت من الفرق.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقول: لم ينتظر.
وقوله: ( يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا
تَخَفْ ) يقول
تعالى ذكره: فنودي موسى: يا موسى أقبل إليّ ولا تخف من الذي تهرب منه ( إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ) من أن يضرّك, إنما هو عصاك.
وقوله: ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
) يقول:
أدخل يدك، وفيه لغتان: سلكته, وأسلكته ( فِي جَيْبِكَ ) يقول: في جيب قميصك.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
) : أي
في جيب قميصك.
وقد
بيَّنا فيما مضى السبب الذي من أجله أُمر أن يدخل يده في الجيب دون الكمّ.
وقوله: ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ
غَيْرِ سُوءٍ ) يقول:
تخرج بيضاء من غير برص.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا ابن المفضل, قال: ثنا قرة بن خالد, عن الحسن, في قوله: ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) قال: فخرجت كأنها المصباح, فأيقن موسى أنه لقي ربه.
وقوله: ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ ) يقول:
واضمم إليك يدك.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس
(
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ) قال:
يدك.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ) قال: وجناحاه: الذراع.
والعضد: هو الجناح. والكفّ: اليد, وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ
بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ .
وقوله: ( مِنَ الرَّهْبِ ) يقول: من الخوف والفرَق الذي
قد نالك من معاينتك ما عاينت من هول الحية.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( مِنَ الرَّهْبِ ) قال: الفرَق.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) : أي من الرعب.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مِنَ الرَّهْبِ ) قال: مما دخله من الفرق من
الحيّة والخوف, وقال: ذلك الرهب, وقرأ قول الله: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا
قال: خوفا وطمعا.
واختلف
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والبصرة: ( مِنَ الرَّهَب ) بفتح الراء والهاء. وقرأته
عامة قرّاء الكوفة: ( مِنَ
الرُّهْبِ ) بضم
الراء وتسكين الهاء, والقول في ذلك أنهما قراءتان متفقتا المعنى مشهورتان في قراء
الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ
رَبِّكَ ) يقول
تعالى ذكره: فهذان اللذان أريتكهما يا موسى من تحول العصا حية, ويدك وهي سمراء,
بيضاء تلمع من غير برص, برهانان: يقول: آيتان وحجتان. وأصل البرهان: البيان, يقال
للرجل: يقول القول إذا سئل الحجة عليه: هات برهانك على ما تقول: أي هات تبيان ذلك
ومصداقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ ) العصا واليد آيتان.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في
قول الله (
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ ) تبيانان من ربك.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ ) هذان برهانان.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ
رَبِّكَ ) فقرأ:
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ على ذلك آية نعرفها, وقال: ( برهانان ) آيتان من الله.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
فَذَانِكَ ) فقرأته
عامة قراء الأمصار, سوى ابن كثير وأبي عمرو: ( فَذَانِكَ ) بتخفيف النون, لأنها نون الاثنين, وقرأه ابن كثير وأبو
عمرو: «
فَذَانِّكَ » بتشديد
النون.
واختلف
أهل العربية في وجه تشديدها, فقال بعض نحويي البصرة: ثقل النون من ثقلها للتوكيد,
كما أدخلوا اللام في ذلك. وقال بعض نحويي الكوفة: شددت فرقا بينها وبين النون التي
تسقط للإضافة, لأن هاتان وهذان لا تضاف. وقال آخر منهم: هو من لغة من قال: هذاآ
قال ذلك, فزاد على الألف ألفا, كذا زاد على النون نونا ليفصل بينهما وبين الأسماء
المتمكنة, وقال في (
ذَانِكَ ) إنما
كانت ذلك فيمن قال: هذان يا هذا, فكرهوا تثنية الإضافة فأعقبوها باللام, لأن
الإضافة تعقب باللام.وكان أبو عمرو يقول: التشديد في النون في ( ذَانِكَ ) من لغة قريش.
يقول: ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
) إلى
فرعون وأشراف قومه, حجة عليهم, ودلالة على حقيقة نبوّتك يا موسى ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ ) يقول:
إن فرعون وملأه كانوا قوما كافرين.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ
مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ
أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي
أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 )
يقول
تعالى ذكره: ( قال ) موسى: ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ ) مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ( نَفْسًا فَأَخَافُ ) إن أتيتهم فلم أُبن عن نفسي
بحجة ( أَنْ
يَقْتُلُونِ ) , لأن
في لساني عقدة, ولا أبين معها ما أريد من الكلام ( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ) يقول: أحسن بيانا عما يريد أن
يبينه (
فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ) يقول:
عونا (
يُصَدِّقُنِي ) : أي
يبين لهم عني ما أخاطبهم به. كما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ
أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ) : أي يبين لهم عني ما أكلمهم
به, فإنه يفهم ما لا يفهمون. وقيل: إنما سأل موسى ربه يؤيده بأخيه, لأن الاثنين
إذا اجتمعا على الخير, كانت النفس إلى تصديقهما, أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا
يُصَدِّقُنِي ) لأن
الاثنين أحرى أن يصدّقا من واحد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا
يُصَدِّقُنِي ) قال
عونا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ) : أي عونا.
وقال
آخرون: معنى ذلك: كيما يصدقني.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ) يقول: كي يصدّقني.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط , عن السدي ( فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ) يقول: كيما يصدّقني.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ) يقول: كيما يصدّقني. والردء
قي كلام العرب: هو العون, يقال منه: قد أردأت فلانا على أمره: أي أكفيته وأعنته.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
يُصَدِّقُنِي ) فقرأته
عامة قراء الحجاز والبصرة: «
رِدْءًا يُصَدِّقْنِي » بجزم
يصدقني. وقرأ عاصم وحمزة: «
يَصْدُقُنِي » برفعه,
فمن رفعه جعله صلة للردء, بمعنى: فأرسله معي ردءًا من صفته يصدّقني; ومَن جزمه
جعله جوابا لقوله:فأرسله, فإنك إذا أرسلته صدّقني على وجه الخبر. والرفع في ذلك
أحبّ القراءتين إليّ, لأنه مسألة من موسى ربه أن يرسل أخاه عونا له بهذه الصفة.
وقوله: ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُكَذِّبُونِ ) يقول:
إني أخاف أن لا يصدقون على قولي لهم: إني أرسلت إليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ
بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا
أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ( 35 )
يقول
تعالى ذكره: قال الله لموسى (
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ ) ; أي
نقوّيك ونعينك بأخيك. تقول العرب إذا أعزّ رجل رجلا وأعانه ومنعه ممن أراده بظلم:
قد شدّ فلان على عضد فلان, وهو من عاضده على أمره: إذا أعانه, ومنه قول ابن مقبل:
عَاَضدْتُهَــا
بِعَتُــودٍ غَـيْرَ مُعْتَلِـثٍ كَأَنَّــه وَقْـفُ عَـاجٍ بـاتَ مَكْنُونـا
يعني
بذلك: قوسا عاضدها بسهم. وفي العضُد لغات أربع: أجودها: العَضُد, ثم العَضْد, ثم
العُضُد, والعُضْد. يجمع جميع ذلك على أعضاد.
وقوله: ( وَنَجْعَلُ لَكُمَا
سُلْطَانًا ) يقول:
ونجعل لكما حجة.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم , قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَكُمَا سُلْطَانًا ) حجة.
حدثنا
القاسم قال: قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) والسلطان: الحجة.
وقوله: ( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) يقول تعالى ذكره: فلا يصل
إليكما فرعون وقومه بسوء.وقوله: (
بِآيَاتِنَا ) يقول
تعالى ذكره: ( فَلا
يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا )
فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ (
بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) فالباء فِي قوله:بآياتنا من
صلة غالبون. ومعنى الكلام: أنتما ومن اتبعكما الغالبون فرعون وملآه بآياتنا؛ أي
بحجتنا وسلطاننا الذي نجعله لكما.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى
بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا
بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ( 36 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا بينات أنها حجج شاهدة
بحقيقة ما جاء به موسى من عند ربه, قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر
افتريته من قبلك وتخرّصته كذبا وباطلا ( وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا ) الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا
وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ
بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَ مُوسَى ) مجيبا
لفرعون: (
رَبِّي أَعْلَمُ ) بالمحق
منا يا فرعون من المبطل, ومن الذي جاء بالرشاد إلى سبيل الصواب والبيان عن واضح
الحجة من عنده, ومن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة منا، وهذه معارضة من
نبيّ الله موسى عليه السلام لفرعون, وجميل مخاطبة, إذ ترك أن يقول له: بل الذي غرّ
قومه وأهلك جنوده, وأَضَلّ أتباعه أنت لا أنا, ولكنه قال: ( رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ
جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ) ثم بالغ في ذمّ عدوّ الله
بأجمل من الخطاب فقال: (
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) يقول: إنه لا ينجح ولا يدرك طلبتهم الكافرون بالله تعالى,
يعني بذلك فرعون إنه لا يفلح ولا ينجح لكفره به.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا
أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا
هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 38 )
يقول
تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرِي )
فتعبدوه, وتصدّقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربا غيري ومعبودا سواي ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ
عَلَى الطِّينِ ) يقول:
فاعمل لي آجرا, وذُكر أنه أوّل من طبخ الآجر وبنى به.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ
عَلَى الطِّينِ ) قال:
على المدَر يكون لَبِنا مطبوخا.
قال ابن
جُرَيج: أوّل من أمر بصنعة الآجرّ وبنى به فرعون.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) قال: فكان أوّل من طبخ الآجرّ
يبني به الصرح.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ
عَلَى الطِّينِ ) قال:
المطبوخ الذي يوقد عليه هو من طين يبنون به البنيان.
وقوله: ( فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ) يقول: ابنِ لي بالآجرّ بناء,
وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر. ومنه قول الشاعر:
بِهِـــنَّ
نَعـــامٌ بَنَاهَــا الرِّجَــا لُ تَحْسَــبُ أعْلامَهُــنَّ الصُّرُوحَـا
يعني
بالصروح: جمع صرح.
وقوله: ( لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى
إِلَهِ مُوسَى ) يقول:
انظر إلى معبود موسى, الذي يعبده, ويدعو إلى عبادته ( وَإِنِّي لأظُنُّهُ ) فيما يقول من أن له معبودا
يعبده في السماء, وأنه هو الذي يؤيده وينصره, وهو الذي أرسله إلينا من الكاذبين;
فذكر لنا أن هامان بنى له الصرح, فارتقى فوقه.
فكان من
قصته وقصة ارتقائه ما حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال:
قال فرعون لقومه: ( يَا
أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا
هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي ) أذهب في السماء, فأنظر ( إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) فلما بُنِي له الصرح, ارتقى
فوقه, فأمر بِنُشابة فرمى بها نحو السماء, فردّت إليه وهي متلطخة دما, فقال: قد
قتلت إله موسى, تعالى الله عما يقولون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ
وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا
يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَاسْتَكْبَرَ ) فرعون
(
وَجُنُودُهُ ) في أرض
مصر عن تصديق موسى واتباعه على ما دعاهم إليه من توحيد الله, والإقرار بالعبودية
له بغير الحقّ، يعني تَعدِّيًا وعتوًّا على ربهم ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ) يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم
لا يبعثون, ولا ثواب, ولا عقاب, فركبوا أهواءهم, ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد,
وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة.
وقوله: ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ) يقول تعالى ذكره: فجمعنا
فرعون وجنوده من القبط (
فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) يقول:
فألقيناهم جميعهم في البحر فغرقناهم فيه, كما قال أبو الأسود الدؤلي:
نَظَــرْتُ
إِلَــى عُنْوَانِــهِ فَنَبَذْتُـهُ كَنَبْـذِكَ نَعْـلا أَخْـلَقَتْ مِـنْ
نِعَالِكَـا
وذكر أن
ذلك بحر من وراء مصر, كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
) قال:
كان اليم بحرا يقال له إساف من وراء مصر غرّقهم الله فيه.
وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يقول
تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك: كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم
فكفروا بربهم، وردّوا على رسوله نصيحته, ألم نهلكهم فَنُوَرِّثُ ديارهم وأموالهم
أولياءنا, ونخوّلهم ما كان لهم من جنات وعيون وكنوز, ومقام كريم, بعد أن كانوا
مستضعفين, تقتل أبناؤهم, وتُستحيا نساؤهم, فإنا كذلك بك وبمن آمن بك وصدّقك فاعلون
مخوّلوك وإياهم ديار من كذّبك, وردّ عليك ما أتيتهم به من الحقّ وأموالهم,
ومهلكوهم قتلا بالسيف, سنة الله في الذين خلوا من قبل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 )
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ
الْمَقْبُوحِينَ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره: وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتمّ بهم أهل العتوّ على الله والكفر به,
يدعون الناس إلى أعمال أهل النار ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ويوم القيامة
لا ينصرهم إذا عذّبهم الله ناصر, وقد كانوا في الدنيا يتناصرون, فاضمحلت تلك
النصرة يومئذ.
وقوله: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: وألزمنا
فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيا وغضبا منا عليهم, فحتمنا لهم فيها بالهلاك والبوار
والثناء السَّيِّئ, ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة, فمخزوهم بها الخزي
الدائم, ومهينوهم الهوان اللازم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال:
لعنوا في الدنيا والآخرة, قال: هو كقوله: وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لعنة أخرى, ثم استقبل فقال: ( هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) وقوله: ( هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) يقول تعالى ذكره: هم من القوم
الذين قبحهم الله, فأهلكهم بكفرهم بربهم, وتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام ,
فجعلهم عبرة للمعتبرين, وعظة للمتعظين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى )
التَّوْرَاةَ ( مِنْ
بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ) الأمم
التي كانت قبله, كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ( بَصَائِرَ لِلنَّاسِ ) يقول: ضياء لبني إسرائيل فيما
بهم إليه الحاجة من أمر دينهم (
وَهُدًى ) يقول:
وبيانا لهم ورحمة لمن عمل به منهم ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يقول: ليتذكروا نعم الله بذلك
عليهم, فيشكروه عليها ولا يكفروا.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
الأولَى ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا محمد وعبد الوهاب, قالا ثنا عوف, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد
الخدريّ, قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنـزلت
التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة, ألم تر أن الله يقول: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ( 44 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا كُنْتَ ) يا محمد (
بِجَانِبِ ) غربي
الجبل ( إِذْ
قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ ) يقول:
إذ فرضنا إلى موسى الأمر فيما ألزمناه وقومه, وعهدنا إليه من عهد ( وَمَا كُنْتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ) يقول:
وما كنت لذلك من الشاهدين.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَمَا كُنْتَ ) يا محمد ( بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ) يقول: بجانب غربي الجبل ( إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى
الأمْرَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: غربي الجبل.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا الضحاك بن مخلد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن علي بن مدرك,
عن أبي زُرعة بن عمرو, قال: إنكم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أجبتم قبل أن
تسألوا, وقرأ: ( وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا
قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ
مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا ) ولكنا
خلقنا أمما فأحدثناها من بعد ذلك ( فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ) وقوله: ( وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي
أَهْلِ مَدْيَنَ ) يقول:
وما كنت مقيما في أهل مدين, يقال: ثويت بالمكان أثْوِي به ثَواء, قال أعشى ثعلبة:
أَثْــوَى
وَقَصَّــرَ لَيْلَــهُ لِــيُزَوَّدُا فَمَضَـى وَأَخْـلَفَ مِـنْ قُتَيْلَـةَ
مَوْعِدَا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي
أَهْلِ مَدْيَنَ ) قال:
الثاوي: المقيم (
تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) يقول:
تقرأ عليهم كتابنا (
وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) يقول:
لم تشهد شيئا من ذلك يا محمد, ولكنا كنا نحن نفعل ذلك ونرسل الرسل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ
إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ
مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 )
يقول
تعالى ذكره: وما كنت يا محمد بجانب الجبل إذ نادينا موسى بأن فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا
يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ...
الآية.
كما
حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن عليّ
بن مدرك, عن أبي زُرْعة, في قول الله: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا قال:
نادى يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, وأجبتكم قبل أن تدعوني.
حدثنا
بشر بن معاذ, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَمَا كُنْتَ
بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا قال: نُودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن
تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تَدْعُوني.
حدثني
ابن وكيع, قال: ثنا حرملة بن قيس النخعيّ, قال: سمعت هذا الحديث من أبي زُرْعة بن
عمرو بن جرير, عن أبي هريرة ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا )
قال: نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تدعوني.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا معتمر عن سليمان, وسفيان عن سليمان, وحجاج, عن
حمزة الزيات, عن الأعمش, عن عليّ بن مدرك, عن أبي زُرْعة بن عمرو, عن أبي هريرة,
في قوله: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) قال: نُودوا يا أمة
محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تدعوني, قال: وهو قوله:حين قال
موسى وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ ... الآية.
قال:
ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج مثل ذلك.
وقوله:
( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) يقول تعالى ذكره: لم تشهد شيئا من ذلك يا محمد
فتعلمه, ولكنا عرفناكه, وأنـزلنا إليك, فاقتصصنا ذلك كله عليك في كتابنا,
وابتعثناك بما أنـزلنا إليك من ذلك رسولا إلى من ابتعثناك إليه من الخلق رحمة منا
لك ولهم.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ
رَبِّكَ ) مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا ) ... الآية.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَكِنْ
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) قال: كان رحمة من ربك النبوّة.
وقوله:
( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) يقول تعالى
ذكره: ولكن أرسلناك بهذا الكتاب وهذا الدين لتنذر قوما لم يأتهم من قبلك نذير, وهم
العرب الذين بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , بعثه الله إليهم رحمة
لينذرهم بأسه على عبادتهم الأصنام, وإشراكهم به الأوثان والأنداد.
وقوله:
( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يقول: ليتذكروا خطأ ما هم عليه مقيمون من كفرهم
بربهم, فينيبوا إلى الإقرار لله بالوحدانية, وإفراده بالعبادة دون كلّ ما سواه من
الآلهة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ )
قال: الذي أنـزلنا عليك من القرآن ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ
نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا
رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 )
يقول
تعالى ذكره: ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد إليهم, لو حلّ بهم بأسنا,
أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم, واكتسابهم الآثام,
واجترامهم المعاصي: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحلّ بنا سخطك, وينـزل
بنا عذابك فنتبع أدلتك, وآي كتابك الذي تنـزله على رسولك ونكون من المؤمنين
بألوهيتك, المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا, لعاجلناهم العقوبة على شركهم من
قبل ما أرسلناك إليهم, ولكنا بعثناك إليهم نذيرا بأسنا على كفرهم, لئلا يكون للناس
على الله حجة بعد الرسل. والمصيبة في هذا الموضع: العذاب والنقمة. ويعني بقوله: (
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) بما اكتسبوا.
القول
في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا
أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ( 48 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاء هؤلاء الذين لم يأتهم من قبلك يا محمد نذير فبعثناك إليهم
نذيرا ( الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا ) , وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من
الله إليهم, قالوا تمرّدًا على الله, وتماديا في الغيّ: هلا أوتي هذا الذي أرسل
إلينا, وهو محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتي موسى بن عمران من الكتاب؟ يقول
الله تبارك وتعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقومك من قريش,
القائلين لك ( لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ) أو لم يكفر الذين علموا
هذه الحجة من اليهود بما أوتي موسى منْ قبلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: يهود تأمر قريشا أن تسأل
محمدا مثل ما أوتي موسى, يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لقريش يقولوا
لهم: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( قَالُوا
لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ) قال: اليهود تأمر قريشا, ثم ذكر نحوه « قَالُوا سَاحِرَانِ
تَظَاهَرَا » .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: « وَقَالُوا سَاحِرَانِ
تَظَاهَرَا »
بمعنى: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل, وقالوا له ولمحمد صلى الله عليه وسلم
في قول بعض المفسرين, وفي قول بعضهم لموسى وهارون عليهما السلام, وفي قول بعضهم:
لعيسى ومحمد ساحران تعاونا. وقرأ عامة قرّاء الكوفة: ( قَالُوا سِحْرَانِ
تَظَاهَرَا ) بمعنى: وقالوا للتوراة والفرقان في قول بعض أهل التأويل, وفي قول
بعضهم للإنجيل والفُرقان.
واختلف
أهل التأويل في تأويل ذلك على قدر اختلاف القرّاء في قراءته.
* ذكر
من قال: عُنِيَ بالساحرين اللذين تظاهرا محمد وموسى صلى الله عليهما:
حدثنا
سليمان بن محمد بن معدي كرب الرعيني, قال: ثنا بقية بن الوليد, قال: ثنا شعبة, عن
أبي حمزة قال: سمعت مسلم بن يسار, يحدّث عن ابن عباس, في قول الله « ساحران تظاهرا » قال: موسى ومحمد.
حدثنا
محمد بن المثنى, قال. ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: سمعت
مسلم بن يسار, قال: سألت ابن عباس, عن هذه الآية « ساحران تظاهرا » قال: موسى ومحمد.
حدثنا
ابن المثنى, قال. ثنا يحيى بن سعيد, عن شعبة, عن أبي حمزة, عن مسلم بن يسار, أن
ابن عباس, قرأ «
سَاحِرَانِ » قال
موسى ومحمد عليهما السلام.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي , عن شعبة, عن كيسان أبي حمزة, عن مسلم بن يسار, عن ابن
عباس, مثله.
* ومن
قال: موسى وهارون عليهما السلام:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال ثنا الحسن, قال:
ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله « ساحران تظاهرا » قال يهودُ: لموسى وهارون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( قَالُوا
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) قول يهودَ لموسى وهارون عليهما السلام.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن
جُبَيْر وأبي رزين أن أحدهما قرأ: « سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا » , والآخر: « سِحْرَانِ » . قال: الذي قرأ « سِحْرَانِ » قال: التوراة والإنجيل. وقال: الذي قرأ: « سَاحِرَان » قال: موسى وهارون.
وقال
آخرون: عنوا بالساحرين عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم .
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين. قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن, قوله: « سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا » قال عيسى ومحمد, أو قال موسى
صلى الله عليه وسلم .
* ذكر
من قال: عنوا بذلك التوراة والفرقان, ووجه تأويله إلى قراءة من قرأ « سِحْرَانِ تَظَاهَرَا » :
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثنى معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: « سِحْرَانِ تَظَاهَرَا » يقول: التوراة والقرآن.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمى, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس (
قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) يعني: التوراة والفرقان.
حدثني
يونس, قال أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قَالُوا سِحْرَانِ
تَظَاهَرَا ) قال: كتاب موسى, وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر
من قال: عنوا به التوراة والإنجيل:
حدثنا
ابن وكيع، قال ثنا ابن علية, عن حميد الأعرج, عن مجاهد, قال: كنت إلى جنب ابن عباس
وهو يتعوذ بين الركن والمقام, فقلت كيف تقرأ « سِحْرَانِ » , أو «
ساحِران » ؟فلم
يردّ عليّ شيئا, فقال عكرِمة: ساحران, وظننت أنه لو كره ذلك أنكره عليّ . قال حميد
فلقيت عكرِمة بعد ذلك فذكرت ذلك له, وقلت كيف كان يقرؤها؟ قال: كان يقرأ « سِحْرَانِ تَظَاهَرَا » أي: التوراة والإنجيل.
* ذكر
من قال: عنوا به الفرقان والإنجيل:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك, أنه قرأ ( سِحْرَانِ
تَظَاهَرَا ) يعنون الإنجيل والفرقان.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( قَالُوا سِحْرَانِ
تَظَاهَرَا ) قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان, فمن قال « سَاحِرَانِ » فيقول: محمد, وعيسى ابن
مريم.
قال
أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب, قراءة من قرأه ( قَالُوا
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) بمعنى: كتاب موسى وهو التوراة, وكتاب عيسى وهو الإنجيل.
وإنما
قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب, لأن الكلام من قبله جرى بذكر الكتاب, وهو قوله:
( قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ) والذي يليه من بعده ذكر
الكتاب, وهو قوله: فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا
أَتَّبِعْهُ فالذي بينهما بأن يكون من ذكره أولى وأشبه بأن يكون من ذكر غيره. وإذ
كان ذلك هو الأولى بالقراءة, فمعلوم أن معنى الكلام: قل يا محمد، أو لم يكفر هؤلاء
اليهود بما أوتي موسى من قبل؟ وقالوا لما أوتي موسى من الكتاب وما أوتيته أنت:
سحران تعاونا؟
وقوله:
( وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وقالت اليهود: إنا بكلّ
كتاب في الأرض من توراة وإنجيل, وزبور وفرقان كافرون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل, وخالفه فيه مخالفون.
* ذكر
من قال مثل الذي قلنا في ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِنَّا بِكُلٍّ
كَافِرُونَ ) قالوا: نكفر أيضا بما أوتي محمد.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَقَالُوا
إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) قال اليهود أيضا: نكفر بما أوتي محمد أيضا.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وقالوا إنا بكلّ الكتابين الفرقان والإنجيل كافرون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك ( وَقَالُوا إِنَّا
بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) يقول: بالإنجيل والقرآن.
حُدثت
عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:
( وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) يعنون الإنجيل والفرقان.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس (
وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) قال: هم أهل الكتاب, يقول: بالكتابين:
التوراة والفرقان .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَقَالُوا إِنَّا
بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) الذي جاء به موسى, والذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ
فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل:
هما سحران تظاهرا: ائتوا بكتاب من عند الله, هو أهدى منهما لطريق الحقّ, ولسبيل
الرشاد ( أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) في زعمكم أن هذين الكتابين
سحران, وأن الحقّ في غيرهما.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قال: فقال الله تعالى ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى
مِنْهُمَا ) ... الآية.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فقال الله ( قُلْ فَأْتُوا
بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ) من هذين الكتابين; الذي
بعث به موسى, والذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم .
القول
في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 )
يقول
تعالى ذكره: فإن لم يجبك هؤلاء القائلون للتوراة والإنجيل: سحران تظاهرا, الزاعمون
أن الحقّ في غيرهما من اليهود يا محمد, إلى أن يأتوك بكتاب من عند الله, هو أهدى
منهما, فاعلم أنما يتبعون أهواءهم, وأن الذي ينطقون به ويقولون في الكتابين, قول
كذب وباطل, لا حقيقة له, ولعل قائلا أن يقول: أو لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم
يعلم أن ما قال القائلون من اليهود وغيرهم في التوراة والإنجيل من الإفك والزور,
المسموهما سحرين باطل من القول, إلا بأن لا يجيبوه إلى إتيانهم بكتاب هو أهدى
منهما؟
قيل:
هذا كلام خرج مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم , والمراد به المقول لهم:
أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ من كفار قريش, وذلك أنه قيل
للنبيّ صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قريش: أو لم يكفر هؤلاء الذين
أمروكم أن تقولوا: هلا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى - بالذي أوتي موسى- من قبل هذا
القرآن؟ ويقولوا للذي أنـزل عليه وعلى عيسى سِحْرَانِ تَظَاهَرَا فقولوا لهم إن
كنتم صادقين أن ما أوتي موسى وعيسى سحر, فأتوني بكتاب من عند الله, هو أهدى من
كتابيهما, فإن هم لم يجيبوكم إلى ذلك فأعلموا أنهم كذبة, وأنهم إنما يتبعون في
تكذيبهم محمدا, وما جاءهم به من عند الله أهواء أنفسهم, ويتركون الحق وهم يعلمون.
يقول
تعالى ذكره: « وَمَنْ
أَضَلُّ » عن
طريق الرشاد, وسبيل السداد ممن اتبع هوى نفسه بغير بيان من عند الله, وعهد من
الله, ويترك عهد الله الذي عهده إلى خلقه في وحيه وتنـزيله: ( إِنَّ اللَّهَ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله لا يوفق لإصابة الحقّ
وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أ مر الله وتركوا طاعته, وكذّبوا رسوله, وبدّلوا
عهده, واتبعوا أهواء أنفسهم إيثارا منهم لطاعة الشيطان على طاعة ربهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد وصلنا يا محمد، لقومك من قريش ولليهود من بني إسرائيل القول
بأخبار الماضين والنبأ عما أحللنا بهم من بأسنا, إذ كذّبوا رسلنا, وعما نحن فاعلون
بمن اقتفى آثارهم, واحتذى في الكفر بالله, وتكذيب رسله مثالهم, ليتذكروا فيعتبروا
ويتعظوا. وأصله من: وصل الحبال بعضها ببعض; ومنه قول الشاعر:
فَقُـلْ
لِبَنِـي مَـرْوَانَ مَـا بَـالُ ذِمَّـةٍ وَحَـبْلٍ ضَعِيـفٍ مَـا يَـزَالُ
يُـوصَلُ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم ببيانهم عن تأويله، فقال
بعضهم: معناه: بيّنا. وقال بعضهم: معناه: فصلنا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن ليث, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ ) قال:
فصلنا لهم القول.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال: وصل الله لهم القول في
هذا القرآن, يخبرهم كيف صنع بمن مضى, وكيف هو صانع ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا محمد بن عيسى أبو جعفر, عن سفيان بن عيينة: وصلنا: بيَّنا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ) الخبر، خبر الدنيا بخبر
الآخرة, حتى كأنهم عاينوا الآخرة, وشهدوها في الدنيا, بما نريهم من الآيات في
الدنيا وأشباهها. وقرأ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ
وقال: إنا سوف ننجزهم ما وعدناهم في الآخرة كما أنجزنا للأنبياء ما وعدناهم نقضي
بينهم وبين قومهم.
واختلف
أهل التأويل, فيمن عنى بالهاء والميم من قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ) فقال بعضهم: عنى بهما قريشا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ ) قال:
قريش.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ ) قال:
لقريش.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) قال: يعني محمد صلى الله عليه
وسلم .
وقال
آخرون: عنى بهما اليهود.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
بشر بن آدم, قال: ثنا عفان بن مسلم, قال: ثنا حماد بن سلمة, قال: ثنا عمرو بن
دينار, عن يحيى بن جعدة, عن رفاعة القرظي, قال: نـزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم
(
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .
حدثنا
ابن سنان, قال: ثنا حيان, قال: ثنا حماد, عن عمرو, عن يحيى بن جعدة, عن عطية
القُرَظِيّ قال: نـزلت هذه الآية ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ) حتى
بلغ: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ في عشرة أنا أحدهم, فكأن ابن عباس
أراد بقوله:يعني محمدا، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم, فيقرّون بنبوّته
ويصدّقونه.
وقوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) يعني بذلك تعالى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله
وصدقوه, فقال الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن, هم بهذا القرآن يؤمنون.
فيقرّون أنه حق من عند الله, ويكذّب جهلة الأميين, الذين لم يأتهم من الله كتاب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنى أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله:تعالى: (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) قال: يعني من آمن بمحمد صلى
الله عليه وسلم من أهل الكتاب.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ ) ... إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ في مسلمة أهل
الكتاب.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ) ...
إلى قوله: الْجَاهِلِينَ قال: هم مسلمة أهل الكتاب.
قال ابن
جُرَيج: أخبرني عمرو بن دينار: أن يحيى بن جعدة أخبره, عن عليّ بن رفاعة, قال: خرج
عشرة رهط من أهل الكتاب, منهم أبو رفاعة, يعني أباه, إلى النبي صلى الله عليه وسلم
, فآمنوا, فأوذوا, فنـزلت: (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ) قبل القرآن.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) قال: كنا نُحدَّث أنها نـزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا
على شريعة من الحقّ, يأخذون بها, وينتهون إليها, حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه
وسلم , فآمنوا به, وصدّقوا به, فأعطاهم الله أجرهم مرتين, بصبرهم على الكتاب
الأوّل, واتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم , وصبرهم على ذلك, وذكر أن منهم
سلمان, وعبد الله بن سلام.
حدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) ... إلى قوله: مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ناس من أهل الكتاب
آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم , فآمنوا به. فآتاهم
الله أجرهم مرّتين بما صبروا: بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث,
وباتباعهم إياه حين بعث, فذلك قوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ
مُسْلِمِينَ ( 53 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَإِذَا يُتْلَى ) هذا
القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نـزول هذا القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ ) يقول: يقولون: صدّقتا به ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّنَا ) يعني
من عند ربنا نـزل, (
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ ) أي
نـزول هذا القرآن (
مُسْلِمِينَ ) , وذلك
أنهم كانوا مؤمنين بما جاء به الأنبياء قبل مجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
وعليهم من الكتب, وفي كتبهم صفة محمد ونعته, فكانوا به وبمبعثه وبكتابه مصدّقين
قبل نـزول القرآن, فلذلك قالوا: (
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ
أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 54 )
يقول
تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم ( يُؤْتَوْنَ ) ثواب عملهم ( مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) .
واختلف
أهل التأويل في معنى الصبر الذي وعد الله ما وعد عليه, فقال بعضهم:
وعدهم ما
وعد جلّ ثناؤه بصبرهم على الكتاب الأوّل, واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم,
وصبرهم على ذلك. وذلك قول قَتادة, وقد ذكرناه قبل.
وقال
آخرون: بل وعدهم بصبرهم بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث, وباتباعهم
إياه حين بعث، وذلك قول الضحاك بن مزاحم, وقد ذكرناه أيضا قبل, وممن وافق قَتادة
على قوله:عبد الرحمن بن زيد.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب. قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ
قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ على دين عيسى, فلما جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أسلموا,
فكان لهم أجرهم مرَّتين بما صبروا أوّل مرّة, ودخلوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم
في الإسلام.
وقال قوم
في ذلك بما حدثنا به ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال:
إن قوما كانوا مشركين أسلموا, فكان قومهم يؤذونهم, فنـزلت: ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ
أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) وقوله: (
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التي يفعلونها سيئاتهم ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) من الأموال ( يُنْفِقٌونَ ) في طاعة الله, إما في جهاد في
سبيل الله, وإما في صدقة على محتاج, أو في صلة رحم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ
مُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ (
أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) وأحسن الله عليهم الثناء كما
تسمعون, فقال: (
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء القوم الذين آتيناهم الكتاب اللغو, وهو الباطل من
القول.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) لا يجارون أهل الجهل والباطل في باطلهم, أتاهم من أمر الله
ما وقذهم عن ذلك.
وقال
آخرون: عُنِي باللغو في هذا الموضع: ما كان أهل الكتاب ألحقوه في كتاب الله مما
ليس هو منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا ) ...
إلى آخر الآية, قال: هذه لأهل الكتاب, إذا سمعوا اللغو الذي كتب القوم بأيديهم مع
كتاب الله, وقالوا: هو من عند الله, إذا سمعه الذين أسلموا, ومرّوا به يتلونه,
أعرضوا عنه, وكأنهم لم يسمعوا ذلك قبل أن يؤمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ,
لأنهم كانوا مسلمين على دين عيسى, ألا ترى أنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا مِنْ
قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ .
وقال
آخرون في ذلك بما حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن منصور, عن مجاهد ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ ) قال:
نـزلت في قوم كانوا مشركين فأسلموا, فكان قومهم يؤذونهم.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جويرية, عن منصور, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قال: كان ناس من أهل الكتاب
أسلموا, فكان المشركون يؤذونهم, فكانوا يصفحون عنهم, يقولون: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا
نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) .
وقوله: ( أَعْرَضُوا عَنْهُ ) يقول: لم يصغوا إليه ولم
يستمعوه ( وَقَالُوا
لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع, إنما
هو ما قاله مجاهد, من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم,
وأهم أجابوهم بالجميل من القول ( لَنَا
أَعْمَالُنَا ) قد
رضينا بها لأنفسنا, (
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قد
رضيتم بها لأنفسكم. وقوله: (
سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) يقول:
أمنة لكم منا أن نُسَابَّكم, أو تسمعوا منا ما لا تحبون ( لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) يقول: لا نريد محاورة أهل
الجهل ومسابَّتهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّكَ ) يا
محمد ( لا
تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) هدايته
(
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) أن يهديه من خلقه, بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل:
معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك, ولكن الله يهدي من يشاء, كان مذهبا ( وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول
جل ثناؤه: والله أعلم من سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد، ذلك الذي يهديه الله
فيسدده ويوفقه.
وذكر أن
هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبي طالب عمه من
إجابته, إذ دعاه إلى الإيمان بالله, إلى ما دعاه إليه من ذلك.
* ذكر
الرواية بذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب والحسين بن عليّ الصُّدائي, قالا ثنا الوليد بن القاسم, عن يزيد بن
كيسان, عن أبي حازم, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه
عند الموت: « قُلْ
لا إِلَهَ إِلا الله أَشْهَد لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ » قال: لولا أن تعيرني قريش
لأقررت عينك, فأنـزل الله: (
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ... الآية.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد, عن يزيد بن كيسان, قال: ثني أبو حازم الأشجعي,
عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: « قُلْ لا إِله إلا اللهُ » ثم ذكر مثله.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن يزيد بن كيسان سمع أبا حازم الأشجعي, يذكر عن
أبي هريرة قال: لما حضرتْ وفاة أبي طالب, أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
« يا
عَمَّاهُ، قُلْ لا إلَهَ إلا الله » فذكر مثله, إلا أنه قال: لولا أن تعيرني قريش, يقولون: ما
حمله عليه إلا جزع الموت.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا محمد بن عبيد, عن يزيد بن كيسان, عن أبي حازم, عن أبي هريرة,
قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم , فذكر نحو حديث أبي كُرَيب الصُّدائي.
حدثنا
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثني عمي عبد الله بن وهب, قال: ثني يونس, عن
الزهري قال: ثني سعيد بن المسيب, عن أبيه, قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة, جاءه
رسول الله صلى الله عليه وسلم , فوجد عنده أبا جهل بن هشام, وعبد الله بن أبي
أُمَيَّة بن المغيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا عَمّ، قُلْ لا إلَهَ إلا
اللهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ » فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّه: يا أبا طالب: أترغب
عن ملَّة عبد المطَّلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه, ويعيد
له تلك المقالة, حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب, وأبى أن
يقول: لا إله إلا الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أَمَا وَاللهِ
لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ » , فأنـزل الله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ، وأنـزل الله
في أبي طالب, فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي ) ... الآية.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن سعيد بن
المسيب, عن أبيه, بنحوه
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن أبي سعيد بن رافع, قال: قلت لابن عمر:
(
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) نـزلت في أبي طالب؟ قال: نعم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ ) قال:
قول محمد لأبي طالب: « قُلْ:
كَلمةَ الإخْلاص أُجَادِلُ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِيَامَةِ » قال محمد بن عمرو في حديثه:
قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ, أو سنة الأشياخ. وقال الحارث في حديثه: قال يا ابن
أخي ملة الأشياخ.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ ) قال:
قال محمد لأبي طالب: «
اشْهَدْ بكَلمَةِ الإخْلاصِ أُجَادلْ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِيَامَةِ » قال: أي ابن أخي ملة الأشياخ,
فأنـزل الله (
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) قال: نـزلت هذه الآية في أبي طالب.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ ) ذُكر
لنا أنها نـزلت في أبي طالب، قال الأصم عند موته يقول لا إله إلا الله لكيما تحلّ
له بها الشفاعة, فأبى عليه.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, عن عامر: لما حضر أبا طالب الموت, قال له
النبيّ صلى الله عليه وسلم: « يا
عَمَّاهُ، قُلْ: لا إلَهَ إلا اللهُ أشْهَدُ لكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ » فقال له: يا ابن أخي, إنه لولا
أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل، فقال له ذلك مرارا. فلما مات اشتدّ ذلك على
النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما تنفع قرابة أبي طالب منك, فقال: « بَلى، والَّذِي نَفْسِي
بِيَدِه إنَّه السَّاعَةَ لَفِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ عَلَيْهِ نَعْلان مِنْ
نَارٍ تغْلِي مِنْهُما أُمُّ رأسِهِ, وما مِنْ أهل النَّارِ مِنْ إِنْسانٍ هُوَ
أَهْوَنُ عَذابًا مِنْهُ, وَهُوَ الَّذِي أَنـزل الله فيه ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ) » .
وقوله: ( وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول:
وهو أعلم بمن قضى له الهدى.
كالذي
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ) قال
بمن قدّر له الهدى والضلالة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ
الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا
آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 )
يقول
تعالى ذكره: وقالت كفار قريش: إن نتبع الحقّ الذي جئتنا به معك, ونتبرأ من الأنداد
والآلهة, يتخطفنا الناس من أرضنا بإجماع جميعهم على خلافنا وحربنا, يقول الله
لنبيه: فقل: (
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا ) يقول: أو لم نوطئ لهم بلدا حرّمنا على الناس سفك الدماء
فيه, ومنعناهم من أن يتناولوا سكانه فيه بسوء, وأمنا على أهله من أن يصيبهم بها
غارة, أو قتل, أو سباء.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عبد الله بن أبي مليكة,
عن ابن عباس, أن الحارث بن نوفل, الذي قال: ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ
أَرْضِنَا ) وزعموا
أنهم قالوا: قد علمنا أنك رسول الله, ولكنا نخاف أن نتخطف من أرضنا, ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ ) الآية.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) قال: هم أناس من قريش قالوا
لمحمد: إن نتبعك يتخطفنا الناس, فقال الله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ
مِنْ حَوْلِهِمْ : قال: كان يغير بعضهم على بعض.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ
الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) قال الله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول:
أو لم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه ولا يخافون, يجبى إليه ثمرات كل شيء.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ
حَرَمًا آمِنًا ) قال:
كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا, إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم
يُتَعَرَّض له, وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ
حَرَمًا آمِنًا ) قال:
آمناكم به, قال هي مكة, وهم قريش.
وقوله: ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ
كُلِّ شَيْءٍ ) يقول
يجمع إليه, وهو من قولهم: جبيت الماء في الحوض: إذا جمعته فيه, وإنما أريد بذلك:
يحمل إليه ثمرات كلّ بلد.
كما
حدثنا أبو كُرَيب, قال ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عثمان بن أبي زرعة, عن مجاهد, عن
ابن عباس في (
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) قال: ثمرات الأرض.
وقوله: ( رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) يقول: ورزقا رزقناهم من لدنا,
يعني: من عندنا (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء المشركين القائلين لرسول
الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنْ
نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) لا يعلمون أنا نحن الذين
مكَّنا لهم حرما آمنا, ورزقناهم فيه, وجعلنا الثمرات من كلّ أرض تجبي إليهم, فهم
بجهلهم بمن فعل ذلك بهم يكفرون, لا يشكرون من أنعم عليهم بذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ
بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ( 58 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) أبطرتها (
مَعِيشَتَهَا ) فبطرت,
وأشِرت, وطَغَت, فكفرت ربها.
وقيل:
بطرت معيشتها, فجعل الفعل للقرية, وهو في الأصل للمعيشة, كما يقال: أسفهك رأيك
فَسفِهته, وأبطرك مالك فبطرته, والمعيشة منصوبة على التفسير.
وقد
بيَّنا نظائر ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) قال:
البطر: أَشَرُ أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله, وقال: ذلك البطر في
النعمة (
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا ) يقول: فتلك دور القوم الذين
أهلكناهم بكفرهم بربهم، ومنازلهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا يقول: خربت من بعدهم,
فلم يعمر منها إلا أقلها, وأكثرها خراب. ولفظ الكلام وإن كان خارجا على أن مساكنهم
قد سُكِنت قليلا فإن معناه: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها, كما
يقال: قضيت حقك إلا قليلا منه.
وقوله: ( وَكُنَّا نَحْنُ
الْوَارِثِينَ ) يقول:
ولم يكن لما خرّبنا من مساكنهم منهم وإرث, وعادت كما كانت قبل سُكناهم فيها, لا
مالك لها إلا الله, الذي له ميراث السماوات والأرض.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ
الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا
وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ( 59 )
يقول
تعالى ذكره: ( وَمَا
كَانَ رَبُّكَ ) يا
محمد (
مُهْلِكَ الْقُرَى ) التي
حوالي مكة في زمانك وعصرك (
حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا ) يقول: حتى يبعث في مكة رسولا وهي أمّ القرى, يتلو عليهم
آيات كتابنا, والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا ) وأمّ القرى مكة, وبعث الله
إليهم رسولا محمدا صلى الله عليه وسلم .
وقوله: ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي
الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) يقول: ولم نكن لنهلك قرية وهي بالله مؤمنة إنما نهلكها
بظلمها أنفسها بكفرها بالله, وإنما أهلكنا أهل مكة بكفرهم بربهم وظلم أنفسهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( وَمَا
كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) قال: الله لم يهلك قرية
بإيمان, ولكنه يهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها, ولو كانت قرية آمنت لم يهلكوا مع من
هلك, ولكنهم كذّبوا وظلموا, فبذلك أُهلكوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ
فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد, فإنما هو متاع
تتمتعون به في هذه الحياة الدنيا, وهو من زينتها التي يتزين به فيها, لا يغني عنكم
عند الله شيئا, ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، وما عند الله لأهل طاعته وولايته
خير مما أوتيتموه أنتم في هذه الدنيا من متاعها وزينتها ( وأبقى ) , يقول: وأبقى لأهله؛ لأنه
دائم لا نفاد له.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, في قوله: ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
وَأَبْقَى ) قال:
خيرٌ ثوابا, وأبقى عندنا.
يقول
تعالى ذكره (
أَفَلا تَعْقِلُونَ ) : أفلا
عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها الخير من الشرّ, وتختارون لأنفسكم
خير المنـزلتين على شرّهما, وتؤثرون الدائم الذي لا نفاد له من النعيم, على الفاني
الذي لا بقاء له.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا
حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ
هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 )
يقول
تعالى ذكره: أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا الجنة, فآمن بما وعدناه وصدّق
وأطاعنا, فاستحقّ بطاعته إيانا أن ننجز له ما وعدناه, فهو لاق ما وعد, وصائر إليه
كمن متَّعناه في الدنيا متاعها, فتمتع به, ونسي العمل بما وعدنا أهل الطاعة, وترك
طلبه, وآثر لذّة عاجلة على آجلة, ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله من المحضرين
, يعني من المُشْهدينَ عذاب الله, وأليم عقابه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال ثنا سعيد, عن قتاده, قوله: ( أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ
وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ ) قال: هو
المؤمن سمع كتاب الله فصدّق به وآمن بما وعد الله فيه ( كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) هو هذا
الكافر ليس والله كالمؤمن ( ثُمَّ
هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) : أي في عذاب الله.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال ابن عمرو في حديثه: قوله: ( مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) قال: أحضروها. وقال الحارث في
حديثه: ( ثُمَّ
هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) أهل النار, أحضروها.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( ثُمَّ هُوَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) قال: أهل النار, أحضروها.
واختلف
أهل التأويل فيمن نـزلت فيه هذه الآية, فقال بعضهم نـزلت في النبيّ صلى الله عليه
وسلم , وفي أبي جهل بن هشام.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي, قال: ثنا شعبة, عن
أبان بن تغلب, عن مجاهد (
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) قال نـزلت في النبيّ صلى الله
عليه وسلم , وفي أبي جهل بن هشام.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ
وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ ) قال:
النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال آخرون:
نـزلت في حمزة وعلي رضي الله عنهما, وأبي جهل لعنه الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا بدل بن المحبر التغلبي قال: ثنا شعبة, عن أبان بن تغلب, عن
مجاهد (
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) قال: نـزلت في حمزة وعلي بن
أبي طالب, وأبي جهل.
حدثنا
عبد الصمد, قال: ثنا شعبة عن أبان بن تغلب, عن مجاهد, قال: نـزلت في حمزة وأبي
جهل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ
أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 ) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ
كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: ويوم ينادي ربّ العزّة الذين أشركوا به الأنداد والأوثان في الدنيا,
فيقول لهم: (
أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أنهم لي في الدنيا شركاء ( قَالَ الَّذِينَ حَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) يقول:
قال الذين وجب عليهم غضب الله ولعنته, وهم الشياطين الذين كانوا يغوون بني آدم: ( رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ
أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, في قوله: ( هَؤُلاءِ الَّذِينَ
أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) قال: هم الشياطين.
وقوله: ( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ) يقول: تبرأنا من ولايتهم
ونصرتهم إليك ( مَا
كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) يقول:
لم يكونوا يعبدوننا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقِيلَ ادْعُوا
شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ
لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 )
يقول
تعالى ذكره: وقيل للمشركين بالله الآلهة والأنداد في الدنيا: ( ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ) الذين كنتم تدعون من دون الله
(
فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ) يقول: فلم يجيبوهم ( وَرَأَوُا الْعَذَابَ ) يقول: وعاينوا العذاب ( لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ) يقول: فودّوا حين رأوا العذاب
لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحقّ.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ
مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 ) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ
يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ( 66 )
يقول
تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين, فيقول لهم: ( مَاذَا أَجَبْتُمُ
الْمُرْسَلِينَ ) فيما
أرسلناهم به إليكم, من دعائكم إلى توحيدنا, والبراءة من الأوثان والأصنام ( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ
الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ ) يقول:
فخفيت عليهم الأخبار, من قولهم: قد عمي عني خبر القوم: إذا خفي. وإنما عُنِي بذلك
أنهم عميت عليهم الحجة, فلم يدروا ما يحتجون؛ لأن الله تعالى قد كان أبلغ إليهم في
المعذرة, وتابع عليهم الحجة, فلم تكن لهم حجة يحتجون بها, ولا خبر يخبرون به, مما
تكون لهم به نجاة ومخلص.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ
الأنْبَاءُ ) قال:
الحجج, يعني الحجة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ
الأنْبَاءُ ) قال:
الحجج.
قال: ثني
حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: (
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) قال: بلا إله إلا الله,
التوحيد.
وقوله: ( فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ) بالأنساب والقرابة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ) قال: لا يتساءلون بالأنساب,
ولا يتماتون بالقرابات, إنهم كانوا في الدنيا إذا ألتقوا تساءلوا وتماتوا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ) قال: بالأنساب.
وقيل
معنى ذلك: فعميت عليهم الحجج يومئذ, فسكتوا, فهم لا يتساءلون في حال سكوتهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ( 67 )
يقول
تعالى ذكره: (
فَأَمَّا مَنْ تَابَ ) من
المشركين, فأناب وراجع الحقّ, وأخلص لله الألوهة, وأفرد له العبادة, فلم يشرك في
عبادته شيئا (
وَآمَنَ ) يقول:
وصدّق بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) يقول: وعمل بما أمره الله بعمله في كتابه, وعلى لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم (
فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) يقول: فهو من المنجحين المدركين طَلِبتهم عند الله,
الخالدين في جنانه, وعسى من الله واجب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَرَبُّكَ ) يا
محمد (
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أن
يخلقه (
وَيَخْتَارُ )
لولايته الخيرة من خلْقه, ومن سبقت له منه السعادة. وإنما قال جلّ ثناؤه: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ )
والمعنى: ما وصفت, لأن المشركين كانوا فيما ذكر عنهم يختارون أموالهم, فيجعلونها
لآلهتهم, فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن
يخلقه, ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح من خلْقه, ما هو في سابق علمه أنه
خيرتهم, نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم, فكذلك اختياري
لنفسي. واجتبائي لولايتي, واصطفائي لخدمتي وطاعتي, خيار مملكتي وخلقي.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) قال: كانوا يجعلون خير
أموالهم لآلهتهم في الجاهلية. فإذا كان معنى ذلك كذلك, فلا شكّ أن « ما » من قوله: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) في
موضع نصب, بوقوع يختار عليها, وأنها بمعنى الذي.
فإن قال
قائل: فإن كان الأمر كما وصفت, من أن « ما » اسم
منصوب بوقوع قوله: (
يَخْتَارُ ) عليها,
فأين خبر كان؟ فقد علمت ذلك كان كما قلت, أن في كان ذكرا من ما, ولا بد لكان إذا
كان كذلك من تمام, وأين التمام؟ قيل: إن العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار
بعدها، أحيانا, أخبارا, كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها، ذكر الفرَّاء أن
القاسم بن معن أنشده قول عنترة:
أمِــنْ
سُـمَيَّةَ دَمْـعُ العَيْـنِ تَـذْرِيفُ لَـوْ كَـانَ ذَا مِنْـكَ قَبْلَ
اليَوْمِ مَعْرُوفُ
فرفع معروفا
بحرف الصفة, وهو لا شك خبر لذا, وذُكر أن المفضل أنشده ذلك:
لوْ
أَنَّ ذَا مِنْكَ قبلَ اليوْمِ مَعْرُوفُ
ومنه
أيضا قول عمر بن أبي ربيعة:
قُلْــــتُ
أَجِــــيبِي عَاشِـــقًا بِحُـــــــبِّكُمْ مُكَـــــــلَّفُ
فيهَــــا
ثَــــلاث كـــالدُّمَى وكــــــاعِبٌ وَمُسْــــــلِفُ
فمكلَّف
من نعت عاشق, وقد رفعه بحرف الصفة, وهو الباء, في أشباه لما ذكرنا بكثير من
الشواهد, فكذلك قوله: (
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) رُفعت الخيرة بالصفة, وهي لهم, إن كانت خبرا لما, لما جاءت
بعد الصفة, ووقعت الصفة موقع الخبر, فصار كقول القائل: كان عمر وأبوه قائم, لا شكّ
أن قائما لو كان مكان الأب, وكان الأب هو المتأخر بعده, كان منصوبا, فكذلك وجه رفع
الخيرة, وهو خبر لما.
فإن قال
قائل: فهل يجوز أن تكون « ما » في هذا الموضع جحدا, ويكون
معنى الكلام: وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه, ويختار ما يشاء أن يختاره, فيكون قوله:
(
وَيَخْتَارُ ) نهاية
الخبر عن الخلق والاختيار, ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بمعنى: لم تكن لهم
الخيرة: أي لم يكن للخلق الخيرة, وإنما الخيرة لله وحده؟
قيل: هذا
قول لا يخفي فساده على ذي حجا, من وجوه, لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قول, فكيف
والتأويل عمن ذكرنا بخلافه; فأما أحد وجوه فساده, فهو أن قوله: ( مَا كَانَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ ) لو كان
كما ظنه من ظنه, من أن « ما » بمعنى الجحد, على نحو التأويل
الذي ذكرت, كان إنما جحد تعالى ذكره, أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نـزول هذه
الآية, فأما فيما يستقبلونه فلهم الخيرة, لأن قول القائل: ما كان لك هذا, لا شكّ
إنما هو خبر عن أنه لم يكن له ذلك فيما مضى. وقد يجوز أن يكون له فيما يستقبل,
وذلك من الكلام لا شكّ خلف. لأن ما لم يكن للخلق من ذلك قديما, فليس ذلك لهم أبدا.
وبعد, لو أريد ذلك المعنى, لكان الكلام: فليس. وقيل: وربك يخلق ما يشاء ويختار,
ليس لهم الخيرة, ليكون نفيا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد.
والثاني:
أن كتاب الله أبين البيان, وأوضح الكلام, ومحال أن يوجد فيه شيء غير مفهوم المعنى,
وغير جائز في الكلام أن يقال ابتداء: ما كان لفلان الخيرة, ولما يتقدم قبل ذلك
كلام يقتضي ذلك; فكذلك قوله: (
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ولم يتقدم قبله من الله تعالى ذكره خبر عن أحد, أنه ادعى
أنه كان له الخيرة, فيقال له: ما كان لك الخيرة, وإنما جرى قبله الخبر عما هو صائر
إليه أمر من تاب من شركه, وآمن وعمل صالحا, وأتبع ذلك جلّ ثناؤه الخبر عن سبب
إيمان من آمن وعمل صالحا منهم, وأن ذلك إنما هو لاختياره إياه للإيمان, وللسابق من
علمه فيه اهتدى. ويزيد ما قلنا من ذلك إبانة قوله: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ
صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ فأخبر أنه يعلم من عباده السرائر والظواهر, ويصطفى
لنفسه ويختار لطاعته من قد علم منه السريرة الصالحة, والعلانية الرضية.
والثالث:
أن معنى الخيرة في هذا الموضع: إنما هو الخيرة, وهو الشيء الذي يختار من البهائم
والأنعام والرجال والنساء, يقال منه: أُعطي الخِيَرة والخَيْرة, مثل الطِّيرة
والطّيْرة, وليس بالاختيار, وإذا كانت الخيرة ما وصفنا, فمعلوم أن من أجود الكلام
أن يقال: وربك يخلق ما يشاء, ويختار ما يشاء, لم يكن لهم خير بهيمة أو خير طعام,
أو خير رجل أو امرأة.
فإن قال:
فهل يجوز أن تكون بمعنى المصدر؟ قيل: لا وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى
الكلام: وربك يخلق ما يشاء ويختار كون الخيرة لهم. إذا كان ذلك معناه, وجب ألا تكن
الشرار لهم من البهائم والأنعام; إذا لم يكن لهم شرار ذلك وجب ألا يكون لها مالك,
وذلك ما لا يخفى خطؤه, لأن لخيارها ولشرارها أربابا يملكونها بتمليك الله إياهم
ذلك, وفي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلى معنى المصدر.
وقوله:سبحانه
وتعالى: (
عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول
تعالى ذكره تنـزيها لله وتبرئة له, وعلوا عما أضاف إليه المشركون من الشرك, وما
تخرّصوه من الكذب والباطل عليه.
وتأويل
الكلام: سبحان الله وتعالى عن شركهم. وقد كان بعض أهل العربية يوجهه إلى أنه
بمعنى: وتعالى عن الذي يشركون به.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا
تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 69 ) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 70 )
يقول
تعالى ذكره: وربك يا محمد يعلم ما تخفي صدور خلقه; وهو من: أكننت الشيء في صدري:
إذا أضمرته فيه, وكننت الشيء: إذا صنته, ( وَمَا يُعْلِنُونَ ) : يقول: وما يبدونه بألسنتهم وجوارحهم, وإنما يعني بذلك أن
اختيار من يختار منهم للإيمان به على علم منه بسرائر أمورهم وبواديها, وأنه يختار
للخير أهله, فيوفقهم له, ويولي الشرّ أهله, ويخليهم وإياه، وقوله: ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ
إِلا هُوَ ) يقول
تعالى ذكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له, ولا معبود تجوز عبادته
غيره ( لَهُ
الْحَمْدُ فِي الأولَى ) يعني:
في الدنيا (
وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ ) يقول:
وله القضاء بين خلقه (
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول:
وإليه تردون من بعد مماتكم, فيقضي بينكم بالحقّ.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ
جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ
إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: أيها القوم أرأيتم إن جعل الله
عليكم الليل دائما لا نهار إلى يوم القيامة يعقبه. والعرب تقول لكلّ ما كان متصلا
لا ينقطع من رخاء أو بلاء أو نعمة: هو سرمد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( سَرْمَدًا ) : دائما لا ينقطع.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثنى حجاج, ثني حجاج, عن ابن أبي جُرَيج, عن مجاهد,
مثله.
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنْ جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا ) يقول:
دائما.
وقوله: ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ) يقول:
من معبود غير المعبود الذي له عبادة كل شيء يأتيكم بضياء النهار, فتستضيئون به. ( أَفَلا تَسْمَعُونَ ) يقول: أفلا ترعون ذلك سمعكم
وتفكرون فيه فتتعظون, وتعلمون أن ربكم هو الذي يأتي بالليل ويذهب بالنهار إذا شاء,
وإذا شاء أتى بالنهار وذهب بالليل, فينعم باختلافهما كذلك عليكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ
جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ
إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ
( 72 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا
محمد لمشركي قومك (
أَرَأَيْتُمْ ) أيها
القوم ( إِنْ
جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا ) دائما لا ليل معه أبدا ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ) من معبود غير المعبود الذي له
عبادة كلّ شيء (
يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) فتستقرون وتهدءون فيه ( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) يقول: أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم؛ رحمة
من الله لكم, وحجة منه عليكم, فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم
بذلك دون غيره, ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَمِنْ رَحْمَتِهِ ) بكم
أيها الناس (
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) فخالف بينهما, فجعل هذا الليل ظلاما ( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) وتهدءوا وتستقرّوا لراحة
أبدانكم فيه من تعب التصرّف الذي تتصرّفون نهارا لمعايشكم. وفي الهاء التي في
قوله: (
لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) وجهان:
أحدهما: أن تكون من ذكر الليل خاصة, ويضمر للنهار مع الابتغاء هاء أخرى. والثاني:
أن تكون من ذكر الليل والنهار, فيكون وجه توحيدها وهي لهما وجه توحيد العرب في
قولهم: إقبالك وإدبارك يؤذيني؛ لأن الإقبال والإدبار فعل, والفعل يوحَّدُ كثيره
وقليله. وجعل هذا النهار ضياء تبصرون فيه, فتتصرّفون بأبصاركم فيه لمعايشكم,
وابتغاء رزقه الذي قسمه بينكم بفضله الذي تفضل عليكم.
وقوله: ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولتشكروه
على إنعامه عليكم بذلك, فعل ذلك بكم لتفردوه بالشكر, وتخلصوا له الحمد, لأنه لم
يشركه في إنعامه عليكم بذلك شريك, فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك في الحمد عليه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ
فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) وَنَزَعْنَا
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ
الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 75 )
يعني
تعالى ذكره: ويوم ينادي ربك يا محمد هؤلاء المشركين فيقول لهم: ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أيها
القوم في الدنيا أنهم شركائي.
وقوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ شَهِيدًا )
وأحضرنا من كلّ جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما
أتاهم به عن الله من الرسالة. وقيل: ( ونـزعنا ) من
قوله: نـزع فلان بحجة كذا, بمعنى: أحضرها وأخرجها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ شَهِيدًا )
وشهيدُها: نبيّها, يشهد عليها أنه قد بَلَّغ رسالة ربه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا; عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد; قوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ شَهِيدًا ) قال:
رسولا.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.
وقوله: ( فَقُلْنَا هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ ) يقول:
فقلنا لأمة كلّ نبيّ منهم التي ردّت نصيحته, وكذّبت بما جاءها به من عند ربهم, إذ
شهد نبيها عليها بإبلاغه إياها رسالة الله: ( هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) يقول: فقال لهم: هاتوا حجتكم على إشراككم بالله ما كنتم
تشركون مع إعذار الله إليكم بالرسل وإقامته عليكم بالحجج.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) أي بيّنتكم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فَقُلْنَا هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ ) قال:
حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَقُلْنَا هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ ) قال:
حجتكم بما كنتم تعبدون.
وقوله: ( فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ
لِلَّهِ ) يقول:
فعلموا حينئذ أن الحجة البالغة لله عليهم, وأن الحق لله, والصدق خبره, فأيقنوا
بعذاب من الله لهم دائم (
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يقول: واضمحل فذهب الذي كانوا يُشركون بالله في الدنيا, وما
كانوا يتخرّصون, ويكذبون عليّ بهم, فلم ينفعهم هنالك بل ضرّهم وأصلاهم نار جهنم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ
قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ
مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 )
يقول
تعالى ذكره: ( إِنَّ
قَارُونَ ) وهو
قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ( كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ) يقول: كان من عشيرة موسى بن عمران النبيّ صلى الله عليه
وسلم, وهو ابن عمه لأبيه وأمه, وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قاهث, وموسى: هو
موسى بن عمران بن قاهث, كذا نسبه ابن جُرَيج.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ
قَوْمِ مُوسَى ) قال:
ابن عمه ابن أخي أبيه, فإن قارون بن يصفر, هكذا قال القاسم, وإنما هو يصهر بن
قاهث, وموسى بن عومر بن قاهث, وعومر بالعربية: عمران.
وأما ابن
إسحاق فإن ابن حميد حدثنا قال: ثنا سلمة عنه, أن يصهر بن قاهث تزوّج سميت بنت
بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم, فولدت له عمران بن يصهر, وقارون بن يصهر, فنكح
عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا, فولدت له هارون بن عمران, وموسى
بن عمران صفي الله ونبيه; فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون, وقارون هو
عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جُرَيج.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم,
في قوله: ( إِنَّ
قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ) قال: كان ابن عمّ موسى.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن سماك بن حرب, قال: ثنا سعيد عن
قَتادة ( إِنَّ
قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ) : كنا نحدّث أنه كان ابن عمه أخي أبيه, وكان يسمى المنوّر
من حُسن صوته بالتوراة, ولكن عدوّ الله نافق, كما نافق السامري, فأهلكه البغي.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن سماك, عن إبراهيم ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ
قَوْمِ مُوسَى ) قال:
كان ابن عمه فبغى عليه.
قال: ثنا
يحيى القطان, عن سفيان, عن سماك, عن إبراهيم, قال: كان قارون ابن عمّ موسى.
قال: ثنا
أبو معاوية, عن ابن أبي خالد, عن إبراهيم ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ) قال: كان ابن عمه.
حدثني
بشر بن هلال الصواف, قال: ثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعِيُّ, عن مالك بن دينار,
قال: بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عمّ قارون.
وقوله: ( فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) يقول: فتجاوز حده في الكبر
والتجبر عليهم.
وكان
بعضهم يقول: كان بغيه عليهم زيادة شبر أخذها في طول ثيابه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن سعيد الكندي وأبو السائب وابن وكيع قالوا: ثنا حفص بن غياث, عن ليث, عن
شَهر بن حَوْشب: ( إِنَّ
قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) قال: زاد عليهم في الثياب
شبرا.
وقال
آخرون: كان بغيه عليهم بكثرة ماله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: إنما بغى عليهم بكثرة ماله.
وقوله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنَ
الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) يقول تعالى ذكره: وآتينا
قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتحه, وهي جمع مفتح, وهو الذي يفتح به الأبواب.
وقال
بعضهم: عنى بالمفاتح في هذا الموضع: الخزائن لِتُثْقِل العصبة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من
قال ما قلنا في معنى مفاتح:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: أخبرنا الأعمش, عن خيثمة, قال: كانت مفاتح
قارون تحمل على ستين بغلا كلّ مفتاح منها باب كنـز معلوم مثل الأصبع من جلود.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن الأعمش, عن خيثمة, قال: كانت مفاتح كنوز قارون من جلود
كل مفتاح مثل الأصبع, كل مفتاح على خزانة على حدة, فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين
بغلا أغرّ محجَّل.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن خيثمة, في قوله: ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) قال: نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتح قارون وقر ستين بغلا غرّا
محجلة, ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع, لكل مفتاح منها كنـز.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن حميد, عن مجاهد, قال: كانت المفاتح من جلود
الإبل.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَآتَيْنَاهُ مِنَ
الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال: مفاتح من جلود كمفاتح
العيدان.
وقال
قوم: عني المفاتح في هذا الموضع: خزائنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم, عن أبي صالح, في قوله: ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال:
كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أبي حجير, عن الضحاك ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ ) قال: أوعيته.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا أبو روق, عن الضحاك عن ابن عباس, في
قوله: (
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال:
لتثقل بالعصبة.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) يقول: تثقل. وأما العصبة
فإنها الجماعة.
واختلف
أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد في هذا الموضع; فأما مبلغ عدد العصبة في كلام
العرب فقد ذكرناه فيما مضى باختلاف المختلفين فيه, والرواية في ذلك, والشواهد على
الصحيح من قولهم في ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع, فقال بعضهم: كانت
مفاتحه تنوء بعصبة; مبلغ عددها أربعون رجلا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, عن إسماعيل بن سالم, عن أبي صالح, قوله:
(
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال:
أربعون رجلا.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد عن قَتادة ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال: ذكر لنا أن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ
أُولِي الْقُوَّةِ ) يزعمون
أن العصبة أربعون رجلا ينقلون مفاتحه من كثرة عددها.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنى أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ
أُولِي الْقُوَّةِ ) قال:
أربعون رجلا.
وقال
آخرون: ستون, وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلا.
حدثنا
كذلك ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن الأعمش, عن خيثمة.
وقال
آخرون: كان تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال: العصبة: ثلاثة.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عباس ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال: العصبة: ما بين الثلاثة
إلى العشرة.
وقال
آخرون: كانت تحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال:
العُصْبة: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر.
حدثنا
القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) قال: العصبة: خمسة عشر رجلا.
وقوله: ( أُولِي الْقُوَّةِ ) يعني: أولي الشدة. وقال مجاهد
في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح,
عن مجاهد (
أُولِي الْقُوَّةِ ) قال:
خمسَة عَشَر.
فإن قال
قائل: وكيف قيل: (
وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) وكيف تنوء المفاتح بالعصبة,
وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ قيل: اختلف في ذلك أهل العلم بكلام العرب, فقال
بعض أهل البصرة: مجاز ذلك: ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بمفاتح نعمه. قال: ويقال
في الكلام: إنها لتنوء بها عجيزتها, وإنما هو: تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير
بحمله, قال: والعرب قد تفعل مثل هذا، قال الشاعر:
فَــدَيْتُ
بِنَفْسِــهِ نَفْسِــي وَمـالي وَمـــا آلُــوكَ إلا مــا أُطِيــقُ
والمعنى:
فديت بنفسي وبمالي نفسه.
وقال
آخر:
وَتَــرْكَبُ
خَــيْلا لا هَـوَادَةَ بَيْنَهـا وَتَشْـقَى الرِّمَـاحُ بالضَّيـاطِرَةِ
الحُمْرِ
وإنما
تشقى الضياطرة بالرماح. قال: والخيل ههنا: الرجال.
وقال آخر
منهم: ( مَا
إِنَّ مَفَاتِحَهُ ) قال:
وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه « إن » , وقد قال: إِنَّ الْمَوْتَ
الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وقوله: ( لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) إنما العصبة تنوء بها; وفي
الشعر:
تَنُوءُ
بِها فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها
وليست
العجيزة تنوء بها, ولكنها هي تنوء بالعجيزة; وقال الأعشى:
مـا
كُـنْتَ فـي الحَرْبِ العَوَانِ مُغَمَّرًا إذْ شَــبَّ حَــرُّ وَقُودِهـا
أجْذَالَهـا
وكان بعض
أهل العربية من الكوفيين يُنكر هذا الذي قاله هذا القائل, وابتداء إن بعد ما,
ويقول: ذلك جائز مع ما ومن, وهو مع ما ومَنْ أجود منه مع الذي, لأن الذي لا يعمل
في صلته, ولا تعمل صلته فيه, فلذلك جاز, وصارت الجملة عائد « ما » , إذ كانت لا تعمل في « ما » , ولا تعمل « ما » فيها; قال: وحسن مع « ما » و « من » , لأنهما يكونان بتأويل النكرة
إن شئت, والمعرفة إن شئت, فتقول: ضربت رجلا ليقومن, وضربت رجلا إنه لمحسن, فتكون « من » و « ما » تأويل هذا, ومع « الذي » أقبح, لأنه لا يكون بتأويل
النكرة.
وقال آخر
منهم في قوله: (
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) :
نَوْءُها بالعصبة: أن تُثْقلهم; وقال: المعنى: إن مفاتحه لَتُنِيءُ العصبة: تميلهن
من ثقلها, فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بهم , كما قال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ
قِطْرًا قال والمعنى: ائتوني بقطر أفرغ عليه; فإذا حذفت الباء, زدت على الفعل ألفا
في أوله; ومثله: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ معناه: فجاء بها المخاض; وقال: قد قال
رجل من أهل العربية: ما إن العصبة تنوء بمفاتحه, فحوّل الفعل إلى المفاتح, كما قال
الشاعر:
إنَّ
سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُه تَحْــلَى بـهِ العَيْـنُ إذَا مَـا
تَجْـهَرُهْ
وهو الذي
يحلى بالعين, قال: فإن كان سمع أثرًا بهذا, فهو وجه, و إلا فإن الرجل جهل المعنى،
قال: وأنشدني بعض العرب:
حــتى
إذَا مــا الْتَـأَمَتْ مَوَاصِلُـهْ ونَــاءَ فـي شـقّ الشَّـمالِ كَاهِلُـهْ
يعني:
الرامي لما أخذ القوس, ونـزع مال عليها. قال: ونرى أن قول العرب: ما ساءك, وناءك
من ذلك, ومعناه: ما ساءك وأناءك من ذلك, إلا أنه ألقى الألف لأنه متبع لساءك, كما
قالت العرب: أكلت طعاما فهنأني ومرأني, ومعناه: إذا أفردت وأمرأني؛ فحذفت منه
الألف لما أتبع ما ليس فيه ألف.
وهذا
القول الآخر في تأويل قوله: (
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ) أولى
بالصواب من الأقوال الأخر, لمعنيين: أحدهما: أنه تأويل موافق لظاهر التنـزيل.
والثاني: أن الآثار التي ذكرنا عن أهل التأويل بنحو هذا المعنى جاءت, وإن قول من
قال: معنى ذلك: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه, إنما هو توجيه منهم إلى أن معناه: ما
إن العصبة لتنهض بمفاتحه; وإذا وجه إلى ذلك لم يكن فيه من الدلالة على أنه أريد به
الخبر عن كثرة كنوزه, على نحو ما فيه, إذا وجه إلى أن معناه: إن مفاتحه تثقل
العصبة وتميلها, لأنه قد تنهض العصبة بالقليل من المفاتح وبالكثير. وإنما قصد جلّ
ثناؤه الخبر عن كثرة ذلك, وإذا أريد به الخبر عن كثرته, كان لا شكّ أن الذي قاله
مَن ذكرنا قوله, من أن معناه: لتنوء العصبة بمفاتحه, قول لا معنى له, هذا مع خلافه
تأويل السلف في ذلك.
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) يقول: إذ قال قومه: لا تبغ ولا تَبْطَر فرحا, إن الله لا
يحبّ من خلقه الأشِرِين البَطِرين.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْفَرِحِينَ ) يقول:
المرحين.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة,
عن مجاهد, في قوله: ( لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال: المُتبذِّخين الأشِرين البَطِرين, الذين لا يشكرون
الله على ما أعطاهم.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن جابر, قال: سمعت مجاهدا
يقول في هذه الآية ( إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال:
الأشِرين البَطِرين البَذِخين.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوام, عن مجاهد, في قوله: ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ
لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال:
يعني به البغي.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في
قول الله: ( لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال: المتبذخين الأشرين, الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله; إلا
أنه قال: المتبذخين.
حدثنا
محمد بن عبد الله المخرمي, قال: ثني شبابة, قال ثني ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن
مجاهد ( لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال: الأشرين البطرين.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده, إذ قال له قومه ( لا تَفْرَحْ ) : أي لا تمرح ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْفَرِحِينَ ) : أي
إن الله لا يحب المرحين.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريح, عن مجاهد ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ
لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال:
الأشرين البطرين, الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوام, عن مجاهد, في قوله:
( إِذْ
قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال: هو فرح البَغْي.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ
اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 77 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل قوم قارون له: لا تبغ يا قارون على قومك بكثرة مالك,
والتمس فيما آتاك الله من الأموال خيرات الآخرة, بالعمل فيها بطاعة الله في الدنيا
وقوله: ( وَلا
تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) يقول: ولا تترك نصيبك وحظك من الدنيا, أن تأخذ فيها بنصيبك
من الآخرة, فتعمل فيه بما ينجيك غدا من عقاب الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) يقول: لا تترك أن تعمل لله في
الدنيا.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن الأعمش, عن ابن عباس ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
أن تعمل فيها لآخرتك.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا قرة بن خالد, عن عون بن عبد الله ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
إن قوما يضعونها على غير موضعها. ولا تنس نصيبك من الدنيا: تعمل فيها بطاعة الله.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن معمر, عن ابن
أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلا
تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: العمل بطاعته.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: تعمل في دنياك
لآخرتك.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
العمل فيها بطاعة الله.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدننا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن عيسى الجُرَشِيّ, عن مجاهد: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
أن تعمل في دنياك لآخرتك.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن مجاهد, قال: العمل
بطاعة الله: نصيبه من الدنيا, الذي يُثاب عليه في الآخرة.
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك, فإنما تجد في آخرتك ما قدمت في الدنيا, فيما رزقك
الله.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: لا تترك أن تطلب فيها حظك من الرزق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) : قال الحسن: ما أحلّ الله لك
منها, فإن لك فيه غنى وكفاية.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا محمد بن حميد المعمري, عن معمر, عن قَتادة: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا ) قال:
طلب الحلال.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا حفص, عن أشعث, عن الحسن: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) : قال: قدِّم الفضل, وأمسك ما
يبلغك.
القاسم,
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: الحلال فيها.
وقوله: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ) يقول:
وأحسن في الدنيا إنفاق مالك الذي آتاكه الله, في وجوهه وسبله, كما أحسن الله إليك,
فوسع عليك منه, وبسط لك فيها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ) قال:
أحسن فيما رزقك الله.
( ولا تبغ الفساد في الأرض ) يقول: ولا تلتمس ما حرّم الله
عليك من البغي على قومك.
( إِن الله لا يحب المفسدين ) يقول: إن الله لا يحبّ بغاة البغي
والمعاصي.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ
قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا
وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 )
يقول
تعالى ذكره: قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أوتيتُ هذه الكنوز على فضل علم
عندي, علمه الله مني, فرضي بذلك عني, وفضلني بهذا المال عليكم, لعلمه بفضلي عليكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) قال:
على خُبْرٍ عندي.
قال:
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلْمٍ عِنْدِي ) قال:
لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا, وقرأ: ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ
قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) ...
الآية.
وقد قيل:
إن معنى قوله: (
عِنْدِي ) بمعنى:
أرى, كأنه قال: إنما أوتيته لفضل علمي, فيما أرى.
وقوله: ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ
قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) يقول
جل ثناؤه: أو لم يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده علمته أنا منه,
فاستحقّ بذلك أن يُؤتى ما أُوتي من الكنوز, أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من
هو أشد منه بطشا, وأكثر جمعا للأموال ; ولو كان الله يؤتي الأموال من يؤتيه لفضل
فيه وخير عنده, ولرضاه عنه, لم يكن يهلك من اهلك من أرباب الأموال الذين كانوا
أكثر منه مالا لأن من كان الله عنه راضيا, فمحال أن يهلكه الله, وهو عنه راضٍ,
وإنما يهلك من كان عليه ساخطا.
وقوله: ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قيل:
إن معنى ذلك أنهم يدخلون النار بغير حساب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا سفيان, عن عمر, عن قَتادة ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قال:
يُدْخلون النار بغير حساب.
وقيل:
معنى ذلك: أن الملائكة لا تسأل عنهم, لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) كقوله:
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ زرقا سود الوجوه, والملائكة لا تسأل عنهم قد
عرفتهم.
وقيل
معنى ذلك: ولا يسأل عن ذنوب هؤلاء الذين أهلكهم الله من الأمم الماضية المجرمون
فيم أهلكوا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) قال:
عن ذنوب الذين مضوا فيم أهلكوا؟ فالهاء والميم في قوله: ( عَنْ ذُنُوبِهِمُ ) على هذا التأويل لمن الذي في
قوله: (
أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ
مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً ) وعلى التأويل الأول الذي قاله مجاهد وقَتادة للمجرمين, وهي
بأن تكون من ذكر المجرمين أولى؛ لأن الله تعالى ذكره غير سائل عن ذنوب مذنب غير من
أذنب, لا مؤمن ولا كافر. فإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أنه لا معنى لخصوص المجرمين, لو
كانت الهاء والميم اللتان في قوله: ( عَنْ ذُنُوبِهِمُ ) لمن الذي في قوله: ( مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً ) من دون المؤمنين, يعني لأنه
غير مسئول عن ذلك مؤمن ولا كافر, إلا الذين ركبوه واكتسبوه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 79 )
يقول
تعالى ذكره: فخرج قارون على قومه في زينته, وهي فيما ذكر ثياب الأرجوان.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا طلحة بن عمرو, عن أبي الزبير, عن جابر ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
في القرمز.
قال: ثنا
عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
في ثياب حمر.
حدثنا
ابن وكيع, قال ثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
على براذين بيض, عليها سروج الأرجوان, عليهم المعصفرات.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
عليه ثوبان معصفران.
وقال ابن
جُرَيج: على بغلة شهباء عليها الأرجوان, وثلاث مائة جارية على البغال الشهب, عليهن
ثياب حمر.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثني أبي ويحيى بن يمان, عن مبارك, عن الحسن ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
في ثياب حمر وصفر.
حدثنا
ابن المثني, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن سماك, أنه سمع إبراهيم
النخعي, قال في هذه الآية (
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب حمر.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن إبراهيم النخعيّ,
مثله.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا غندر, قال: ثنا شعبة, عن سماك, عن إبراهيم مثله.
حدثنا
محمد بن عمرو بن علي المقدمي, قال: ثنا إسماعيل بن حكيم, قال: دخلنا على مالك بن
دينار عشية, وإذا هو في ذكر قارون, قال: وإذا رجل من جيرانه عليه ثياب معصفرة,
قال: فقال مالك: (
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) قال: في ثياب مثل ثياب هذا.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) : ذكر لنا أنهم خرجوا على
أربعة آلاف دابة, عليهم وعلى دوابهم الأرجوان.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ) قال:
خرج في سبعين ألفا, عليهم المعصفرات, فيما كان أبي يذكر لنا.
( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ) يقول تعالى ذكره: قال الذين
يريدون زينة الحياة الدنيا من قوم قارون: يا ليتنا أُعطينا مثل ما أعطي قارون من
زينتها (
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) يقول:
إن قارون لذو نصيب من الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا
يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ ( 80 )
يقول
تعالى ذكره: وقال الذين أوتوا العلم بالله, حين رأوا قارون خارجا عليهم في زينته,
للذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه, فثواب الله
وجزاؤه لمن آمن به وبرسله, وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة,
خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون. وقوله: ( وَلا يُلَقَّاهَا إِلا
الصَّابِرُونَ ) يقول:
ولا يلقاها: أي ولا يوفَّق لقيل هذه الكلمة, وهي قوله: ( ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ
لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) والهاء
والألف كناية عن الكلمة. وقال: ( إِلا
الصَّابِرُونَ ) يعني
بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا, وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه
على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها, فجدّوا في طاعة الله, ورفضوا
الحياة الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ
الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ( 81 )
يقول
تعالى ذكره: فخسفنا بقارون وأهل داره. وقيل: وبداره, لأنه ذكر أن موسى إذ أمر
الأرض أن تأخذه أمرها بأخذه, وأخذ من كان معه من جلسائه في داره, وكانوا جماعة
جلوسا معه, وهم على مثل الذي هو عليه من النفاق والمؤازرة على أذى موسى.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: أخبرنا الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن
عبد الله بن الحارث, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت الزكاة أتى قارون موسى, فصالحه
على كلّ ألف دينار دينارا, وكلّ ألف شيء شيئا, أو قال: وكلّ ألف شاة شاة « الطبريّ يشكّ » قال: ثم أتى بيته فحسبه فوجده
كثيرا, فجمع بني إسرائيل, فقال: يا بني إسرائيل، إن موسى قد أمركم بكلّ شيء
فأطعتموه, وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم, فقالوا: أنت كبيرنا وأنت سيدنا,
فمرنا بما شئت, فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي, فتجعلوا لها جعلا فتقذفه
بنفسها, فدعوها فجعل لها جعلا على أن تقذفه بنفسها, ثم أتى موسى, فقال لموسى: إن
بني إسرائيل قد اجتمعوا لتأمرهم ولتنهاهم, فخرج إليهم وهم في براح من الأرض, فقال:
يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده, ومن افترى جلدناه, ومن زنى وليس له امرأة جلدناه
مائة, ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت, أو رجمناه حتى يموت « الطبري يشكّ » فقال له قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال: ادعوها, فإن
قالت, فهو كما قالت; فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة, قالت: يا لبيك, قال: أنا
فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا وكذبوا, ولكن جعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي;
فوثب, فسجد وهو بينهم, فأوحى الله إليه: مُر الأرض بما شئت, قال: يا أرض خذيهم!
فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: يا أرض خذيهم, فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال: يا أرض
خذيهم, فأخذتهم إلى حقيهم ثم قال: يا أرض خذيهم, فأخذتهم إلى أعناقهم؛ قال: فجعلوا
يقولون: يا موسى يا موسى, ويتضرّعون إليه. قال: يا أرض خذيهم, فانطبقت عليهم,
فأوحى الله إليه: يا موسى, يقول لك عبادي: يا موسى, يا موسى فلا ترحمهم؟ أما لو
إياي دعوا, لوجدوني قريبا مجيبا; قال: فذلك قول الله: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ وكانت زينته أنه خرج على دوابّ شقر عليها سروج حمر, عليهم ثياب مصبغة
بالبهرمان .
قَالَ
الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ
قَارُونُ ... إلى قوله: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ يا محمد تِلْكَ
الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ
وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن المنهال, عن رجل, عن ابن عباس
قال: لما أمر الله موسى بالزكاة, قال: رموه بالزنا, فجزع من ذلك, فأرسلوا إلى
امرأة كانت قد أعطوها حكمها, على أن ترميه بنفسها; فلما جاءت عظم عليها, وسألها
بالذي فلق البحر لبني إسرائيل, وأنـزل التوراة على موسى إلا صدقتِ. قالت: إذ قد
استحلفتني, فإني أشهد أنك بريء, وأنك رسول الله, فخرّ ساجدا يبكي, فأوحى الله
تبارك وتعالى: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض, فمُرها بما شئت, فقال: خذيهم,
فأخذتهم إلى ما شاء الله, فقالوا: يا موسى, يا موسى، فقال: خذيهم, فأخذتهم إلى ما
شاء الله, فقالوا: يا موسى, يا موسى، فخسفتهم. قال: وأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة
وجوع شديد, فأتوا موسى, فقالوا: ادع لنا ربك; قال: فدعا لهم, فأوحى الله إليه: يا
موسى, أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم خطاياهم, وقد دعوك فلم تجبهم, أما
إياي لو دعوا لأجبتهم.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس
( فَخَسَفْنَا
بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ ) قال:
قيل للأرض خذيهم, فأخذتهم إلى أعقابهم; ثم قيل لها: خذيهم, فأخذتهم إلى ركبهم; ثم
قيل لها: خذيهم, فأخذتهم إلى أحقائهم; ثم قيل لها: خذيهم, فأخذتهم إلى أعناقهم ;
ثم قيل لها: خذيهم, فخسف بهم, فذلك قوله: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ ) .
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا علي بن هاشم بن البريد, عن الأعمش, عن المنهال,
عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ
مُوسَى قال: كان ابن عمه, وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل, وقارون في ناحية,
قال: فدعا بغية كانت في بني إسرائيل, فجعل لها جعلا على أن ترمي موسى بنفسها,
فتركته إذا كان يوم تجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى, أتاه قارون فقال: يا موسى ما
حد من سرق؟ قال: أن تنقطع يده, قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم ; قال. فما حد من زنى؟
قال: أن يرجم, قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم; قال: فإنك قد فعلت, قال: ويلك بمن؟
قال: بفلانة، فدعاها موسى, فقال: أنشدك بالذي أنـزل التوراة, أصدق قارون؟ قالت:
اللهمّ إذ نشدتني, فإني أشهد أنك برئ, وانك رسول الله, وأن عدو الله قارون جعل لي
جعلا على أن أرميك بنفسي; قال: فوثب موسى, فخر ساجدا لله, فأوحى الله إليه أن ارفع
رأسك, فقد أمرت الأرض أن تطيعك, فقال موسى: يا أرض خذيهم, فأخذتهم حتى بلغوا
الحقو, قال: يا موسى; قال: خذيهم, فأخذتهم حتى بلغوا الصدور, قال: يا موسى, قال:
خذيهم, قال: فذهبوا. قال: فأوحى الله إليه يا موسى: استغاث بك فلم تغثه, أما لو
استغاث بي لأجبته ولأغثته.
حدثنا
بشر بن هلال الصوّاف, قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ, قال: ثنا عليّ بن زيد بن
جدعان, قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار, ودخل المقصورة; فلما خرج منها,جلس
وتساند عليها, وجلسنا إليه, فذكر سليمان بن داود قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ... إلى
قوله: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ثم سكت عن ذكر سليمان, فقال: إِنَّ قَارُونَ
كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكر الله
في كتابه مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ , ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي قال: وعادى موسى, وكان مؤذيا له, وكان موسى يصفح عنه ويعفو,
للقرابة, حتى بنى دارا, وجعل باب داره من ذهب, وضرب على جدرانه صفائح الذهب, وكان
الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون, فيطعمهم الطعام, ويحدّثونه ويضحكونه,
فلم تدعه شقوته والبلاء, حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا, مشهورة
بالسب, فأرسل إليها فجاءته, فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك, وأخلطك في نسائي,
على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي, فتقولي: يا قارون, ألا تنهى عني موسى،
قالت: بلى. فلما جلس قارون, وجاء الملأ من بني إسرائيل, أرسل إليها, فجاءت فقامت
بين يديه, فقلب الله قلبها, وأحدث لها توبة, فقالت في نفسها: لأن أحدث اليوم توبة,
أفضل من أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأكذّب عدو الله له. فقالت: إن
قارون قال لي: هل لك أن أموّلك وأعطيك, وأخلطك بنسائي, على أن تأتيني والملأ من
بني إسرائيل عندي, فتقولي: يا قارون ألا تنهى عني موسى, فلم أجد توبة أفضل من أن
لا أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأكذب عدو الله; فلما تكلمت بهذا الكلام,
سقط في يدي قارون, ونكس رأسه, وسكت الملأ وعرف أنه قد وقع في هلكة, وشاع كلامها في
الناس, حتى بلغ موسى; فلما بلغ موسى اشتدّ غضبه, فتوضأ من الماء, وصلى وبكى, وقال:
يا ربّ عدوك لي مؤذ, أراد فضيحتي وشيني, يا ربّ سلطني عليه. فأوحى الله إليه أن مر
الأرض بما شئت تطعك. فجاء موسى إلى قارون; فلما دخل عليه, عرف الشرّ في وجه موسى
له, فقال: يا موسى ارحمني; قال: يا أرض خذيهم, قال: فاضطربت داره, وساخت بقارون
وأصحابه إلى الكعبين, وجعل يقول: يا موسى, فأخذتهم إلى ركبهم, وهو يتضرّع إلى
موسى: يا موسى ارحمني; قال: يا أرض خذيهم, قال فاضطربت داره وساخت وخُسف بقارون
وأصحابه إلى سررهم, وهو يتضرّع إلى موسى: يا موسى ارحمني; قال: يا أرض خذيهم, فخسف
به وبداره وأصحابه. قال: وقيل لموسى صلى الله عليه وسلم: يا موسى ما أفظك، أما
وعزّتي لو إياي نادى لأجبته.
حدثني
بشر بن هلال, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن أبي عمران الجوني, قال: بلغني أنه قيل
لموسى: لا أعبد الأرض لأحد بعدك أبدا.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, وعبد الحميد الحماني, عن سفيان, عن الأغر
بن الصباح, عن خليفة بن حصين, قال عبد الحميد, عن أبي نصر, عن ابن عباس, ولم يذكر
ابن مهدي أبا نصر ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ ) قال: الأرض السابعة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: بلغنا أنه يخسف به
كلّ يوم مائة قامة, ولا يبلغ أسفل الأرض إلى يوم القيامة, فهو يتجلجل فيها إلى يوم
القيامة.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا زيد بن حبان, عن جعفر بن سليمان, قال: سمعت مالك بن دينار,
قال: بلغني أن قارون يخسف به كلّ يوم مائة قامة.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ
الأرْضَ ) ذكر لما أنه يخسف به كلّ يوم قامة, وأنه يتجلجل فيها, لا يبلغ قعرها إلى
يوم القيامة.
وقوله:
( فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: فلم يكن
له جند يرجع إليهم, ولا فئة ينصرونه لما نـزل به من سخطه, بل تبرءوا منه.
(
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) يقول: ولا كان هو ممن ينتصر من الله إذا أحل
به نقمته، فيمتنع لقوته منها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ
يَنْصُرُونَهُ ) أي جند ينصرونه, وما عنده منعة يمتنع بها من الله.
وقد
بيَّنا معنى الفئة فيما مضى وأنها الجماعة من الناس, وأصلها الجماعة التي يفيء
إليها الرجل عند الحاجة إليهم, للعون على العدوّ, ثم تستعمل ذلك العرب في كل جماعة
كانت عونا للرجل, وظهرا له; ومنه قول خفاف:
فَلَـــمْ
أَرَ مِثْلَهُــمْ حَيًّــا لَقَاحًــا وَجَــدّكَ بيــنَ نَاضِحَــةٍ وَحَجْـرِ
أشَــدَّ
عــلى صُـرُوفِ الدَّهْـرِ آدًا وأكـــبرَ منهُــمُ فِئَــةً بِصَــبْرِ
القول
في تأويل قوله تعالى :
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ
اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ( 82 )
يقول
تعالى ذكره: وأصبح الذين تمنَّوا مكانه بالأمس من الدنيا, وغناه وكثرة ماله, وما
بسط له منها بالأمس, يعني قبل أن ينـزل به ما نـزل من سخط الله وعقابه, يقولون:
ويكأنّ الله ...
اختلف
في معنى ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ) فأما قَتادة, فإنه رُوي عنه في ذلك قولان: أحدهما
ما:
حدثنا
به ابن بشار, قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة, قال: ثنا سعيد بن بشير, عن قَتادة,
قال في قوله: ( وَيْكَأَنَّهُ ) قال: ألم تر أنه.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَيْكَأَنَّهُ ) أولا ترى أنه.
وحدثني
إسماعيل بن المتوكل الأشجعي, قال: ثنا محمد بن كثير, قال: ثني معمر, عن قَتادة (
وَيْكَأَنَّهُ ) قال: ألم تر أنه.
والقول
الآخر: ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن
قَتادة, في قوله: ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) قال: أو لم يعلم أن
الله ( وَيْكَأَنَّهُ ) أو لا يعلم أنه.
وتأول
هذا التأويل الذي ذكرناه عن قَتادة في ذلك أيضا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من
أهل البصرة, واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك, بقول الشاعر:
ســـألَتانِي
الطَّــلاقَ أنْ رأتــانِي قَــلَّ مــالي, قَــدْ جِئْتُمـا بِنُكْـرِ
وَيْكـأن
مَـنْ يَكُـنْ لَـهُ نشـب يُـحْ بَـبْ وَمـن يَفْتَقِـرْ يعِش عَيْشَ ضَـرّ
وقال
بعض نحويي الكوفة: « ويكأنّ
» في
كلام العرب: تقرير, كقول الرجل: أما ترى إلى صُنع الله وإحسانه، وذكر أنه أخبره من
سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابننا؟ فقال: ويكأنه وراء البيت. معناه: أما ترينه
وراء البيت؟ قال: وقد يذهب بها بعض النحويين إلى أنها كلمتان, يريد: ويك أنه, كأنه
أراد: ويلك, فحذف اللام, فتجعل « أن » مفتوحة بفعل مضمر, كأنه قال:
ويلك اعلم أنه وراء البيت, فأضمر « اعلم » .
قال:
ولم نجد العرب تعمل الظن مضمرا, ولا العلم وأشباهه في « أن » , وذلك أنه يبطل إذا كان بين
الكلمتين, أو في آخر الكلمة, فلما أضمر جرى مجرى المتأخر; ألا ترى أنه لا يجوز في
الابتداء أن يقول: يا هذا أنك قائم, ويا هذا أن قمت, يريد: علمت, أو أعلم, أو
ظننت, أو أظنّ، وأما حذف اللام من قولك: ويلك حتى تصير: ويك, فقد تقوله:العرب,
لكثرتها في الكلام, قال عنترة:
وَلَقَـدْ
شَـفَى نَفْسِـي وَأَبْـرَأَ سُـقْمَها قَـوْلُ الفَـوَارِسِ وَيْـكَ عَنْـتَرَ
أَقْـدِمِ
قال:
وقال آخرون: إن معنى قوله: ( وَيْكَأَنَّ ) : « وي »
منفصلة من كأنّ, كقولك للرجل: وَيْ أما ترى ما بين يديك؟ فقال: « وي » ثم استأنف, كأن الله يبسط
الرزق, وهي تعجب, وكأنّ في معنى الظنّ والعلم, فهذا وجه يستقيم. قال: ولم تكتبها
العرب منفصلة, ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة, وقد يجوز أن تكون كَثُر بها
الكلام, فوصلت بما ليست منه .
وقال
آخر منهم: إن « ويْ » : تنبيه, وكأنّ حرفٌ آخر
غيره, بمعنى: لعل الأمر كذا, وأظنّ الأمر كذا, لأن كأنّ بمنـزلة أظنّ وأحسب وأعلم.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكرنا عن قَتادة, من أن معناه: ألم تر, ألم
تعلم, للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر, والرواية عن العرب; وأن « ويكأنّ » في خطّ المصحف حرف واحد.
ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قَتادة, فإنه يصير حرفين, وذلك أنه إن
وجه إلى قول من تأوّله بمعنى: ويلك اعلم أن الله؛ وجب أن يفصل « ويك » من « أن » , وذلك خلاف خط جميع
المصاحف, مع فساده في العربية, لما ذكرنا. وإن وجه إلى قول من يقول: « وي » بمعنى التنبيه, ثم استأنف
الكلام بكأن, وجب أن يفصل « وي » من « كأن » , وذلك أيضا خلاف خطوط
المصاحف كلها .
فإذا
كان ذلك حرفا واحدا, فالصواب من التأويل: ما قاله قَتادة, وإذ كان ذلك هو الصواب,
فتأويل الكلام: وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس, يقولون لما
عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته: ألم تريا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من
عباده, فيوسع عليه, لا لفضل منـزلته عنده, ولا لكرامته عليه, كما كان بسط من ذلك
لقارون, لا لفضله ولا لكرامته عليه ( وَيَقْدِرُ ) يقول: ويضيق على من يشاء من
خلقه ذلك, ويقتر عليه, لا لهوانه, ولا لسخطه عمله.
وقوله:
( لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) يقول: لولا أن تفضل علينا, فصرف عنا ما
كنا نتمناه بالأمس ( لَخَسَفَ بِنَا ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى شيبة: « لخُسِفَ بِنَا » بضم الخاء, وكسر السين وذُكر
عن شيبة والحسن: ( لَخَسَفَ بِنَا ) بفتح الخاء والسين, بمعنى: لخسف الله بنا.
وقوله:
( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) يقول: ألم تعلم أنه لا يفلح
الكافرون, فَتُنجِح طلباتهم.
القول
في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي
الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 )
يقول
تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في
الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ, وعملا بمعاصي الله
فيها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن زياد بن أبي
زياد, قال: سمعت عكرمة يقول: ( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا
) قال: العلو: التجبر.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين (
تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي
الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التكبر في الحقّ, والفساد: الأخذ بغير الحق.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: التكبر في الأرض بغير الحقّ ( وَلا فَسَادًا ) أخذ
المال بغير حق.
قال:
ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن حُبَير: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: البغي.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( لِلَّذِينَ لا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: تعظُّما وتجبرا ( وَلا فَسَادًا ) : عملا
بالمعاصي.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أشعث السمان, عن أبي سلمان الأعرج, عن عليّ رضي الله
عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه, فيدخل في
قوله: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا
فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .
وقوله:
( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) يقول تعالى ذكره: والجنة للمتقين, وهم الذين
اتقوا معاصي الله, وأدّوا فرائضه.
وبنحو
الذي قلنا في معنى العاقبة قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
أي الجنة للمتقين.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا
يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 )
يقول
تعالى ذكره: من جاء الله يوم القيامة بإخلاص التوحيد, فله خير, وذلك الخير هو
الجنة والنعيم الدائم, ومن جاء بالسيئة, وهى الشرك بالله.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( مَنْ جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) أي: له منها حظّ خير, والحسنة: الإخلاص,
والسيئة: الشرك.
وقد
بيَّنا ذلك باختلاف المختلفين, ودللنا على الصواب من القول فيه.
وقوله:
( فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ) يقول: فلا يثاب الذين عملوا
السيئات على أعمالهم السيئة ( إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: إلا جزاء ما
كانوا يعملون.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ
بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذي أنـزل عليك يا محمد القرآن.
كما
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله:
( إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) قال: الذي أعطاك القرآن.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) قال:
الذي أعطاكه.
واختلف
أهل التأويل في تأويل قوله: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) فقال
بعضهم: معناه: لمصيرك إلى الجنة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد, قال: ثنا عتاب بن بشر, عن خصيف, عن عكرمة, عن
ابن عباس (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال:
إلى معدنك من الجنة.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا ابن مهدي, عن سفيان, عن الأعمش, عن رجل, عن سعيد بن جُبَيْر,
عن ابن عباس, قال: إلى الجنة.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثني أبي, عن إبراهيم بن حبان, سمعت أبا جعفر, عن ابن عباس, عن أبي
سعيد الخدرّي (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال:
معاده آخرته الجنة.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبى مالك, في ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى الجنة ليسألك عن القرآن.
حدثنا
أبو كُرَيب وابن وكيع, قالا ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبي صالح, قال:
الجنة.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا ابن مهدي, عن سفيان, عن السدى, عن أبي صالح: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى الجنة.
حدثنا
يحيى بن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك, قال يردّك إلى الجنة, ثم يسألك عن
القرآن.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن عكرمة ومجاهد, قالا إلى
الجنة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيْلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة
وعطاء ومجاهد وأبي قَزَعة والحسن, قالوا: يوم القيامة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: يجيء بك يوم القيامة.
قال: ثنا
الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن والزهري, قالا معاده يوم القيامة.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: يجيء بك يوم القيامة.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا هوذة, قال: ثنا عون, عن الحسن, في قوله: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: معادك من الآخرة.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, في قوله: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: كان الحسن يقول: إي
والله, إن له لمعادا يبعثه الله يوم القيامة, ويدخله الجنة.
وقال
آخرون: معنى ذلك: لرادّك إلى الموت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
إسحاق بن وهب الواسطي, قال: ثنا محمد بن عبد الله الزبيري, قال: ثنا سفيان بن سعيد
الثوري, عن الأعمش, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: الموت.
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن رجل, عن ابن عباس, قال:
إلى الموت.
قال: ثنا
أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر, عن سعيد: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى الموت.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن السدي عمن سمع ابن عباس, قال إلى
الموت.
حدثنا
أبو كُرَيب وابن وكيع, قالا ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن الأعمش, عن سعيد بن
جُبَيْر, قال: إلى الموت.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن رجل, عن سعيد بن
جُبَيْر في قوله: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال:
الموت.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عدي بن ثابت, عن سعيد بن
جُبَيْر, عن ابن عباس, قالا إلى الموت, أو إلى مكة.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: لرَادّك إلى الموضع الذي خرجت منه, وهو مكة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع, قال: ثنا يعلى بن عبيد, عن سفيان العصفري, عن عكرمة, عن ابن عباس: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى مكة.
حدثني محمد
بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: يقول: لرادك إلى مكة,
كما أخرجك منها.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق, عن مجاهد, قال:
مولده بمكة.
حدثنا
ابن وكيع, قال ثنا أبي عن يونس بن أبي إسحاق, قال: سمعت مجاهدًا يقول: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى مولدك بمكة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا يونس بن عمرو, وهو ابن أبي إسحاق, عن
مجاهد, في قوله: ( إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى مولدك بمكة.
حدثني
الحسين بن علي الصدائي, قال: ثنا أبي, عن الفضيل بن مرزوق, عن مجاهد أبي الحجاج,
في قوله: ( إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال: إلى مولده بمكة.
حدثنا
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني عيسى بن يونس, عن أبيه, عن مجاهد قال: إلى
مولدك بمكة.
والصواب
من القول في ذلك عندي: قول من قال: لرادّك إلى عادتك من الموت, أو إلى عادتك حيث
ولدت, وذلك أن المعاد في هذا الموضع: المفعل من العادة, ليس من العود, إلا أن يوجه
موجه تأويل قوله: ( لَرَادُّكَ
)
لمصيرك, فيتوجه حينئذ قوله: ( إِلَى
مَعَادٍ ) إلى
معنى العود, ويكون تأويله: إن الذي فرض عليك القرآن لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة
مفتوحة لك.
فإن قال
قائل: فهذه الوجوه التي وصفت في ذلك قد فهمناها, فما وجه تأويل من تأوّله بمعنى:
لرادك إلى الجنة؟ قيل: ينبغي أن يكون وجه تأويله ذلك كذلك على هذا الوجه الآخر,
وهو لمصيرك إلى أن تعود إلى الجنة.
فإن قال
قائل: أو كان أُخرج من الجنة, فيقال له: نحن نعيدك إليها؟ قيل: لذلك وجهان:
أحدهما: أنه إن كان أبوه آدم صلى الله عليهما أخرج منها, فكأن ولده بإخراج الله
إياه منها, قد أخرجوا منها, فمن دخلها فكأنما يرد إليها بعد الخروج. والثاني أن
يقال: إنه كان صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة أُسرِي به, كما رُوي عنه أنه قال: « دَخَلْتُ الجَنَّةَ, فرأيْتُ
فِيها قَصْرًا, فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فقالوا: لِعُمَرَ بنِ الخطَّابِ » , ونحو ذلك من الأخبار التي
رويت عنه بذلك, ثم رد إلى الأرض, فيقال له: إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك لمصيرك
إلى الموضع الذي خرجت منه من الجنة, إلى أن تعود إليه, فذلك إن شاء الله قول من
قال ذلك.
وقوله: ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ
جَاءَ بِالْهُدَى ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ربي أعلم
من جاء بالهُدى الذي مَنْ سلكه نجا, ومن هو في جَوْر عن قصد السبيل منا ومنكم.
وقوله: (
مُبِين ) ؛ يعني
أنه يبين للمفكر الفَهم إذا تأمَّله وتدبَّره, أنه ضلال وجور عن الهدى.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ
يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا
لِلْكَافِرِينَ ( 86 )
يقول
تعالى ذكره: وما كنت ترجو يا محمد أن ينـزل عليك هذا القرآن, فتعلم الأنباء
والأخبار عن الماضين قبلك, والحادثة بعدك, مما لم يكن بعد, مما لم تشهده ولا
تشهده, ثم تتلو ذلك على قومك من قريش, إلا أن ربك رحمك, فأنـزله عليك, فقوله: ( إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) استثناء منقطع.
وقوله: ( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا
لِلْكَافِرِينَ ) يقول:
فاحمد ربك على ما أنعم به عليك من رحمته إياك, بإنـزاله عليك هذا الكتاب, ولا
تكوننّ عونا لمن كفر بربك على كفره به. وقيل: إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه
التقديم, وإن معنى اللام: إن الذي فرض عليك القرآن, فأنـزله عليك, وما كنت ترجو أن
ينـزل عليك, فتكون نبيا قبل ذلك, لرادّك إلى معاد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ
آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنـزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 )
يقول
تعالى ذكره: ولا يصرفنَّك عن تبليغ آيات الله وحججه بعد أن أنـزلها إليك ربك يا
محمد هؤلاء المشركون بقولهم: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى وادع إلى
ربك وبلغ رسالته إلى من أرسلك إليه بها ( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يقول: ولا تتركنّ الدعاء إلى
ربك, وتبليغ المشركين رسالته, فتكون ممن فعل فِعل المشركين بمعصيته ربه, وخلافه
أمره.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ
الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 )
يقول
تعالى ذكره: ولا تعبد يا محمد مع معبودك الذي له عبادة كلّ شيء معبودا آخر سواه.
وقوله: ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول:
لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كلّ شيء هالك إلا وجهه.
واختلف
في معنى قوله: ( إِلا
وَجْهَهُ ) فقال
بعضهم: معناه: كلّ شيء هالك إلا هو.
وقال
آخرون: معنى ذلك: إلا ما أريد به وجهه, واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر:
أَسْـتَغْفِرُ
اللـهَ ذَنْبًـا لَسْـتُ مُحْصِيـهُ رَبُّ العِبــادِ إلَيْـهِ الوَجْـهُ
والعَمَـلُ
وقوله: ( لَهُ الْحُكْمُ ) يقول: له الحكم بين خلقه دون
غيره, ليس لأحد غيره معه فيهم حكم ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول: وإليه تردون من بعد مماتكم, فيقضي بينكم بالعدل, فيجازي
مؤمنيكم جزاءهم, وكفاركم ما وعدهم.
تفسير سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : الم ( 1 ) أَحَسِبَ النَّاسُ
أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
قال أبو
جعفر: وقد بيَّنا معنى قول الله تعالى ذكره: ( الم ) وذكرنا
أقوال أهل التأويل في تأويله، والذي هو أولى بالصواب من أقوالهم عندنا بشواهده
فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما
قوله: (
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) فإن معناه: أظنَّ الذين خرجوا
يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم أن نتركهم بغير اختبار ولا ابتلاء
امتحان، بأن قالوا: آمنا بك يا محمد فصدّقناك فيما جئتنا به من عند الله، كلا
لنختبرهم، ليتبين الصادق منهم من الكاذب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني محمد
بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال:
ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( آمَنَّا وَهُمْ لا
يُفْتَنُونَ ) قال:
يُبْتَلُونَ في أنفسهم وأموالهم.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) أي: لا يبتلون.
حدثنا
ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، في قوله: ( وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) قال: لا يُبْتَلونَ.
فإن
الأولى منصوبة بحسب، والثانية منصوبة في قول بعض أهل العربية بتعلق يتركوا بها وأن
معنى الكلام على قوله: (
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) لأن يقولوا آمنا؛ فلما حذفت اللام الخافضة من لأن نصبت على
ما ذكرت. وأما على قول غيره فهي في موضع خفض بإضمار الخافض، ولا تكاد العرب تقول
تركت فلانا أن يذهب، فتدخل أن في الكلام، وإنما تقول تركته يذهب، وإنما أدخلت أن
هاهنا لاكتفاء الكلام بقوله: ( أنْ
يُتْرَكُوا ) إذ كان
معناه: أحسب الناس أن يتركوا وهم لا يفتنون من أجل أن يقولوا آمنا، فكان قوله: ( أنْ يُتْرَكُوا ) مكتفية بوقوعها على الناس،
دون أخبارهم. وإن جعلت « أن » في قوله: ( أنْ يَقُولُوا ) منصوبة بنية تكرير أحسب، كان
جائزا، فيكون معنى الكلام: أحسب الناس أن يتركوا أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا
يفتنون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ ( 3 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم، ممن أرسلنا إليهم رسلنا،
فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم، وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذا
أرسلناه إلى بني إسرائيل، فابتليناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني
إسرائيل، فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من
أعدائك (
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ) منهم في قيلهم آمنا ( وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) منهم في قيلهم ذلك، والله
عالم بذلك منهم قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك:
ولَيُظْهِرَنَّ الله صدق الصادق منهم في قيله آمنا بالله من كذب الكاذب منهم
بابتلائه إياه بعدوّه، ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه، على نحو ما قد بيَّناه فيما
مضى قبلُ.
وذكر أن
هذه الآية نـزلت في قوم من المسلمين عذّبهم المشركون، ففتن بعضهم، وصبر بعضهم على
أذاهم حتى أتاهم الله بفرج من عنده.
* ذكر
الرواية بذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الله بن
عبيد بن عمير يقول: نـزلت، يعني هذه الآية الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ... إلى قوله: ( وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ ) في
عمَّار بن ياسر، إذ كان يعذّب في الله.
وقال
آخرون: بل نـزل ذلك من أجل قوم كانوا قد أظهروا الإسلام بمكة، وتخلفوا عن الهجرة،
والفتنة التي فتن بها هؤلاء القوم على مقالة هؤلاء، هي الهجرة التي امتحنوا بها.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن مطر، عن الشعبيِّ، قال: إنها نـزلت، يعني
الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا الآيتين في أناس كانوا بمكة أقرّوا
بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب محمد نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم من المدينة: إنه
لا يقبل منكم إقرارًا بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم
المشركون، فردّوهم، فنـزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم: إنه قد نـزلت فيكم آية
كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه، قال: فخرجوا فاتبعهم المشركون
فقاتلوهم ثَمَّ، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنـزله الله فيهم ثُمَّ إِنَّ
رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا
وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا ) قال: ابتلينا.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا
ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد ( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ ) قال:
ابتلينا الذين من قبلهم.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، مثله.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 4 )
يقول
تعالى ذكره: أم حَسِبَ الذين يشركون بالله فيعبدون معه غيره، وهم المعنيون بقوله:
(
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا ) يقول: أن يعجزونا فيفوتونا
بأنفسهم، فلا نقدر عليهم فننتقم منهم لشركهم بالله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ) أي:
الشرك أن يسبقونا.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أنْ يَسْبقُونا ) أن يعجزونا.
وقوله: ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ساء حكمهم
الذي يحكمون بأن هؤلاء الذين يعملون السيئات يسبقوننا بأنفسهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ
اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ
جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ ( 6 )
يقول
تعالى ذكره: من كان يرجو الله يوم لقائه، ويطمع في ثوابه، فإن أجل الله الذي أجله
لبعث خلقه للجزاء والعقاب لآت قريبا، ( وهو السميع ) يقول: والله الذي يرجو هذا الراجي بلقائه ثوابه، السميع
لقوله: آمنا بالله، العليم بصدق قيله، إنه قد آمن من كذبه فيه، وقوله: ( وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا
يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ) يقول:
ومن يجاهد عدوَّه من المشركين فإنما يجاهد لنفسه؛ لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب من
الله على جهاده، والهرب من العقاب، فليس بالله إلى فعله ذلك حاجة، وذلك أن الله
غنيّ عن جميع خلقه، له الملك والخلق والأمر.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله ورسوله، فصحّ إيمانهم عند ابتلاء الله إياهم
وفتنته لهم، ولم يرتدّوا عن أديانهم بأذى المشركين إياهم ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) التي سلفت منهم في شركهم ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
) يقول:
ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع
تكفيرنا سيئات أعمالهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ( 8 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ ) فيما
أنـزلنا إلى رسولنا (
بِوَالِدَيْهِ ) أن
يفعل بهما (
حُسْنا ) .
واختلف
أهل العربية في وجه نصب الحسن، فقال بعض نحويِّي البصرة: نُصب ذلك على نية تكرير
وصيّنا. وكأن معنى الكلام عنده: ووصينا الإنسان بوالديه، ووصيناه حسنا. وقال: قد
يقول الرجل وصيته خيرا: أي بخير.
وقال بعض
نحويي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حُسنا، ولكن العرب تسقط من الكلام
بعضه إذا كان فيما بقي الدلالة على ما سقط، وتعمل ما بقي فيما كان يعمل فيه
المحذوف، فنصب قوله: (
حُسْنا ) وإن
كان المعنى ما وصفت وصينا؛ لأنه قد ناب عن الساقط، وأنشد في ذلك:
عَجِــبْتُ
مِــنْ دَهْمـاءَ إذْ تَشْـكُونا وَمِــن أبــي دَهْمـاءَ إذْ يُوصِينـا
خَيْرًا
بها كأنَّنا جافُونا
وقال:
معنى قوله: يوصينا خيرا: أن نفعل بها خيرا، فاكتفى بيوصينا منه، وقال: ذلك نحو
قوله: فَطَفِقَ مَسْحًا أي يمسح مسحا.
وقوله: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ
لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) يقول: ( ووصينا الإنسان ) ، فقلنا له: إن جاهداك والداك
لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم
ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما في ذلك ( إليّ مرجعكم ) يقول تعالى ذكره: إليّ معادكم ومصيركم يوم القيامة ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول:
فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم عليها
المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله.
وذُكر أن
هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب سعد بن أبي وقاص.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ... ) إلى قوله: ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال:
نـزلت في سعد بن أبي وَقَّاص لما هاجر، قالت أمه: والله لا يُظِلُّني بيت حتى
يرجع، فأنـزل الله في ذلك أن يحْسِن إليهما، ولا يطيعَهما في الشرك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَالَّذِينَ آمَنُوا ) بالله
ورسوله (
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) من
الأعمال، وذلك أن يُؤَدُّوا فرائض الله، ويجتنبوا محَارمه ( لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ
) في
مَدْخل الصالحين، وذلك الجنة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا
مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ( 10 )
يقول
تعالى ذكره: ومن الناس من يقول: أقررنا بالله فوحَّدناه، فإذَا آذاه المشركون في
إقراره بالله، جعل فتنة الناس إياه في الدنيا، كعذاب الله في الآخرة، فارتدّ عن
إيمانه بالله، راجعا على الكفر به ( وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ) يا محمد أهل الإيمان به ( لَيَقُولُنَّ ) هؤلاء المرتدّون عن إيمانهم،
الجاعلون فتنة الناس كعذاب الله ( إنَّا
كُنَّا ) أيها
المؤمنون (
مَعَكُمْ ) ننصركم
على أعدائكم، كذبا وإفكا، يقول الله: ( أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ ) أيها القوم من كلّ أحد ( بِمَا فِي صُدُورِ
الْعَالَمِينَ ) جميع
خلقه، القائلين آمنا بالله وغَيرِهم، فإذا أُوذِي في الله ارتد عن دين الله فكيف
يخادع من كان لا يخفى عليه خافية، ولا يستتر عنه سرا ولا علانية.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) قال: فتنته أن يرتدّ عن دين الله إذا أوذي في الله.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ... ) إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ قال: أناس
يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، فجعلوا
ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة.
حُدِّثت
عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ... ) الآية،
نـزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من
المشركين، رجعوا إلى الكفر مخافة من يؤذيهم، وجعلوا أذى الناس في الدنيا كعذاب
الله.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) قال: هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر، وجعل
فتنة الناس كعذاب الله.
وذُكر أن
هذه الآية نـزلت في قوم من أهل الإيمان كانوا بمكة، فخرجوا مهاجرين، فأدركوا وأُخذوا
فأعطوا المشركين لما نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.
* ذكر
الخبر بذلك:
حدثنا
أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا محمد بن شريك، عن
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا
يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال
المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنـزلت إِنَّ
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ
كُنْتُمْ ... إلى آخر الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية أن
لا عذر لهم، فخرجوا. فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنـزلت فيهم هذه الآية ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
كَعَذَابِ اللَّهِ ... ) إلى
آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كلّ خير، ثم نـزلت فيهم
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ
جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فكتبوا
إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، حتى
نجا من نجا، وقُتل من قُتل.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ... ) إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ
الْمُنَافِقِينَ قال: هذه الآيات أنـزلت فِي القوم الذين ردّهم المشركون إلى مكة،
وهذه الآيات العشر مدنية إلى ههنا وسائرها مكي.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره: وليعلمنّ الله أولياء الله، وحزبه أهل الإيمان بالله منكم أيها القوم،
وليعلمنّ المنافقين منكم حتى يميزوا كلّ فريق منكم من الفريق الآخر، بإظهار الله
ذلك منكم بالمحن والابتلاء والاختبار وبمسارعة المسارع منكم إلى الهجرة من دار
الشرك إلى دار الإسلام، وتثاقل المتثاقل منكم عنها.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ
بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 12 )
يقول
تعالى ذكره: وقال الذين كفروا بالله من قريش للذين آمنوا بالله منهم ( اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ) يقول: قالوا: كونوا على مثل
ما نحن عليه من التكذيب بالبعث بعد الممات وجحود الثواب والعقاب على الأعمال ( وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) يقول: قالوا فإنكم إن اتبعتم
سبيلنا في ذلك، فبعثتم من بعد الممات، وجوزيتم على الأعمال، فإنا نتحمل آثام
خطاياكم حينئذ.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ) قال:
قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم، يقول: قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا إن
كان عليكم شيء فهو علينا.
حُدثت عن
الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) هم القادة من الكفار، قالوا
لمن آمن من الأتباع: اتركوا دين محمد واتبعوا ديننا، وهذا أعني قوله: ( اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ) وإن
كان خرج مخرج الأمر، فإن فيه تأويل الجزاء، ومعناه ما قلت: إن اتبعتم سبيلنا حملنا
خطاياكم، كما قال الشاعر:
فَقُلْــت
ادْعِــي وأدْع فـإنَّ أنْـدَى لِصَـــوْتٍ أنْ يُنــادِيَ دَاعيــانِ
يريد:
ادعي ولأدع، ومعناه: إن دعوت دعوت.
وقوله: ( وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ
مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) وهذا تكذيب من الله للمشركين
القاتلين للذين آمنوا (
اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وكذبوا في قيلهم ذلك لهم، ما هم بحاملين من
آثام خطاياهم من شيء، إنهم لكاذبون فيما قالوا لهم ووعدوهم، من حمل خطاياهم إن هم
اتبعوهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ
أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 )
يقول
تعالى ذكره: وليحملنّ هؤلاء المشركون بالله القائلون للذين آمنوا به اتبعوا سبيلنا
ولنحمل خطاياكم أوزار أنفسهم وآثامها، وأوزار من أضلوا وصدّوا عن سبيل الله مع
أوزارهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يكذّبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم
الأباطيل، وقيلهم لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ ) أي أوزارهم ( وَأَثْقَالا مَعَ
أَثْقَالِهِمْ ) يقول:
أوزار من أضلوا.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَيَحْمِلُنَّ
أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) . وقرأ قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا
سَاءَ مَا يَزِرُونَ قال: فهذا قوله: ( وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا
إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( 14 )
وهذا
وعيد من الله تعالى ذكره هؤلاء المشركين من قريش، القائلين للذين آمنوا: اتبعوا
سبيلَنا، ولنحمل خطاياكم، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزننك يا محمد
ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى، فإني وإن أمليت لهم فأطلت
إملاءهم، فإن مصير أمرهم إلى البوار، ومصير أمرك وأمر أصحابك إلى العلوّ والظفر
بهم، والنجاة مما يحلّ بهم من العقاب، كفعلنا ذلك بنوح، إذ أرسلناه إلى قومه، فلبث
فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد، وفراق الآلهة والأوثان، فلم
يزدهم ذلك من دعائه إياهم إلى الله من الإقبال إليه، وقبول ما أتاهم به من النصيحة
من عند الله إلا فرارا.
وذُكر
أنه أُرسل إلى قومه وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة.
كما
حدثنا نصر بن عليّ الْجَهْضَمِيّ، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا عون بن أبي شداد،
قال: إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة فلبث فيهم ألف سنة
إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مئة سنة، فأخذهم الطوفان، يقول تعالى
ذكره: فأهلكهم الماء الكثير، وكلّ ماء كثير فاش طامٌّ؛ فهو عند العرب طوفان، سيلا
كان أو غيره، وكذلك الموت إذا كان فاشيا كثيرا، فهو أيضا عندهم طوفان؛ ومنه قول
الراجز:
أَفْنَاهُـْم
طُوفان مَوْتٍ جارِفِ
وبنحو
قولنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ ) قال: هو الماء الذي أرسل
عليهم.
حُدثت عن
الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: الطوفان:
الغرق.
وقوله: ( وَهُمْ ظالِمُونَ ) يقول: وهم ظالمون أنفسهم
بكفرهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ
السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ( 15 )
يقول
تعالى ذكره: فأنجينا نوحا وأصحاب سفينته، وهم الذين حملهم في سفينته من ولده
وأزواجهم.
وقد
بيَّنا ذلك فيما مضى قبل، وذكرنا الروايات فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا
الموضع.
( وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ
) يقول:
وجعلنا السفينة التي أنجيناه وأصحابه فيها عبرة وعظة للعالمين، وحجة عليهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ
السَّفِينَةِ ... ) الآية.
قال: أبقاها الله آية للناس بأعلى الجوديّ.
ولو قيل:
معنى (
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في
قوله: (
وَجَعَلْناها ) كناية
عن العقوبة أو السخط، ونحو ذلك، إذ كان قد تقدم ذلك في قوله: فَأَخَذَهُمُ
الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ كان وجها من التأويل.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ ( 16 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد إبراهيم خليل
الرحمن، إذ قال لقومه: اعبدوا الله أيها القوم دون غيره من الأوثان والأصنام، فإنه
لا إله لكم غيره، (
واتقوه ) يقول:
واتقوا سخطه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ما هو خير لكم مما هو شرّ
لكم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ
الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل خليله إبراهيم لقومه: إنما تعبدون أيها القوم من دون الله
أوثانا، يعني مُثُلا.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا )
أصناما.
واختلف
أهل التأويل في تأويل قوله: (
وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) فقال
بعضهم: معناه: وتصنعون كذبا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: تصنعون كذبا.
وقال آخرون:
وتقولون كذبا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: وتقولون إفكا.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: تقولون كذبا.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وتنحِتون إفكا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراسانيّ، عن
ابن عباس قوله: (
وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) قال:
تنحِتون تصوّرون إفكا.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) أي: تصنعون أصنامًا.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) الأوثان التي ينحتونها
بأيديهم.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: وتصنعون كذبًا. وقد بيَّنا معنى الخلق
فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام إذن: إنما تعبدون من
دون الله أوثانا، وتصنعون كذبا وباطلا. وإنما في قوله: ( إفْكًا ) مردود على إنما، كقول القائل:
إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا. وقرأ جميع قرّاء الأمصار: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) بتخفيف الخاء من قوله: ( وَتَخْلُقُونَ ) وَضَمَّ اللام: من الخَلْق.
وذُكر عن أبي عبد الرحمن السُلميّ أنه قرأ ( وَتَخَلِّقُونَ إِفْكًا ) بفتح الخاء وتشديد اللام، من التخليق.
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا ) يقول جلّ ثناؤه: إن أوثانكم
التي تعبدونها، لا تقدر أن ترزقكم شيئا ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) يقول: فالتمسوا عند الله
الرزق لا من عند أوثانكم، تدركوا ما تبتغون من ذلك ( وَاعْبُدُوهُ ) يقول: وذلوا له ( وَاشْكُرُوا لهُ ) على رزقه إياكم، ونعمه التي
أنعمها عليكم، يقال: شكرته وشكرتُ له، أفصح من شكرته. وقوله: ( إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول: إلى الله تُرَدّون من
بعد مماتكم، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه، وفي نعمه
تتقلَّبون، ورزقه تأكلون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ
كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( 18 )
يقول
تعالى ذكره: وإن تكذِّبوا أيها الناس رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دعاكم
إليه من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم، والبراءة من الأوثان، فقد كَذَّبت جماعات
من قبلكم رسلَها فيما دعتهم إليه الرسل من الحقّ، فحلّ بها من الله سخطه، ونـزل
بها من عاجل عقوبته، فسبيلكم سبيلها فيما هو نازل بكم بتكذيبكم إياه ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا
الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) يقول:
وما على محمد إلا أن يبلِّغكم عن الله رسالته، ويؤدي إليكم ما أَمَره بأدائه إليكم
ربُّه. ويعني بالبلاغ المبين: الذي يُبِين لمن سمعه ما يراد به، ويفهم به ما يعني
به.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ
يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (
19 ) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ
اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 20 )
يقول
تعالى ذكره: أولم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلا صغيرا، ثم غلاما يافعا،
ثم رجلا مجتمعا، ثم كهلا يقال منه: أبدأ وأعاد وبدأ وعاد، لغتان بمعنى واحد.
وقوله: ( ثُمَّ
يُعِيدُه ) يقول:
ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أوّل مرّة خلقا جديدا، لا يتعذّر عليه
ذلك ( إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) سهل
كما كان يسيرًا عليه إبداؤه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، في قوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ
يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) : بالبعث بعد الموت.
وقوله: ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره لمحمد صلى
الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب:
(
سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ ) الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها
ابتداء، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاؤها معيدا ( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ
النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) يقول:
ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ
الْخَلْقَ ) خلق
السموات والأرض ( ثُمَّ
اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) : أى البعث بعد الموت.
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: ( ثُمَّ
اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) قال: هي الحياة بعد الموت، وهو النشور.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول
تعالى ذكره: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد إفنائه كهيئته قبل فنائه، وعلى غير
ذلك مما يشاء فعله قادر لا يعجزه شيء أراده.
القول
في تأويل قوله تعالى : يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 ) وَمَا أَنْتُمْ
بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 )
يقول
تعالى ذكره: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ خلقه من بعد فنائهم، فـ
(
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ) منهم
على ما أسلف من جرمه في أيام حياته، ( وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ) منهم ممن تاب وآمن وعمل صالحا ( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) يقول: وإليه ترجعون وتردّون.
وأما
قوله: ( وَمَا
أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) فإن ابن زيد قال في ذلك ما
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَمَا أَنْتُمْ
بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) قال: لا يُعجزه أهل الأرضين في الأرضين، ولا أهل السموات في
السموات إن عصوه، وقرأ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا
أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ .
وقال في
ذلك بعض أهل العربية من أهل البصرة: ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا ) من ( فِي السَّمَاءِ ) مُعْجِزِينَ قال: وهو من غامض
العربية للضمير الذي لم يظهر في الثاني، قال: ومثله قول حسان بن ثابت:
أمَــنْ
يَهْجُــو رَسُـولَ اللـهِ مِنْكُـمْ وَيَمْدَحُـــهُ وَيَنْصُـــرُه سَــواءُ?
أراد:
ومن ينصره ويمدحه، فأضمر « مَنْ » . قال: وقد يقع في وهم السامع
أن النصر والمدح لمنْ هذه الظاهرة، ومثله في الكلام: أكرمْ من أتاك وأتى أباك،
وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من
إعادة ( مَنْ ) ، كأنه قال: أمَن يهجو، ومن
يمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله عزّ وجلّ: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ وهذا القول أصحّ عندي في المعنى من القول الآخر، ولو قال
قائل: معناه: ولا أَنتم بمعجزين في الأرض، ولا أنتم لو كنتم في السماء بمعجزين كان
مذهبا.
وقوله: ( وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ
اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) يقول: وما كان لكم أيها الناس من دون الله من وليّ يلي
أموركم، ولا نصير ينصركم منه الله إن أراد بكم سوءا ولا يمنعكم منه إن أحل بكم
عقوبته.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 23 )
يقول
تعالى ذكره: والذين كفروا حُجَجَ الله، وأنكروا أدلته، وجحدوا لقاءه والورود عليه،
يوم تقوم الساعة: (
أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ) يقول تعالى ذكره: أولئك يئسوا من رحمتي في الآخرة لما
عاينوا ما أعدّ لهم من العذاب، وأولئك لهم عذاب مُوجِع.
فإن قال
قائل: وكيف اعْترض بهذه الآيات من قوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ
مِنْ قَبْلِكُمْ ... إلى قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وترك ضمير قوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ وهو من قصة إبراهيم. وقوله: إِنَّ
الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... إلى قوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ
اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
قيل: فعل
ذلك كذلك، لأن الخبر عن أمر نوح وإبراهيم وقومهما، وسائر مَنْ ذَكَر الله من الرسل
والأمم في هذه السورة وغيرها، إنما هو تذكير من الله تعالى ذكره به الَّذِينَ
يبتدئ بذكرهم قبل الاعتراض بالخبر، وتحذير منه لهم أن يحلّ بهم ما حلّ بهم، فكأنه
قيل في هذا الموضع: فاعبدوه واشكروا له إليه ترجعون، فكذّبتم أنتم معشر قريش
رسولكم محمدا، كما كذّب أولئك إبراهيم، ثم جَعَل مكان: فكذّبتم: وإن تكذبوا فقد
كَذَّب أمم من قبلكم، إذ كان ذلك يدل على الخبر عن تكذيبهم رسولَهم، ثم عاد إلى
الخبر عن إبراهيم وقومه، وتتميم قصته وقصتهم بقوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ
.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ
إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره: فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إذ قال لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ
وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إلا أن قال بعضهم
لبعض: (
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ) بالنار
، ففعلوا، فأرادوا إحراقه بالنار، فأضرموا له النار، فألقَوه فيها، فأنجاه الله
منها، ولم يسلطها عليه، بل جعلها عليه بَرْدا وسلاما.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ ) قوم إبراهيم ( إِلا أَنْ قَالُوا
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ) قال: قال كعب: ما حرقت منه
إلا وثاقه ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في إنجائنا لإبراهيم من النار، وقد
ألقي فيها وهي تَسَعر، وتصييرها عليه بردا وسلاما، لأدلة وحججا لقوم يصدّقون
بالأدلة والحجج إذا عاينوا ورأوا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ إِنَّمَا
اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 25 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم لقومه: ( وَقَالَ )
إبراهيم لقومه: يا قوم (
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ) فقرأته
عامة قرّاء المدينة والشأم وبعض الكوفيين: ( مَوَدَّةً ) بنصب « مودة » بغير إضافة ( بَيْنَكُمْ ) بنصبها. وقرأ ذلك بعض
الكوفيين: (
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ) بنصب « المودّة » وإضافتها إلى قوله: ( بَيْنِكُمْ ) ، وخفض ( بَيْنِكُمْ ) . وكأن هؤلاء الذين قرءوا
قوله: (
مَوَدَّةَ ) نصبا،
وجَّهوا معنى الكلام إلى: (
إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ ) أيها
القوم (
أَوْثَانًا مَّوَدَّةً بَيْنَكُمْ ) ، فجعلوا إنما حرفا واحدا، وأوقعوا قوله: ( اتخَذْتُمْ ) على الأوثان، فنصبوها بمعنى:
اتخذتموها مودّة بينكم في الحياة الدنيا، تتحابُّون على عبادتها، وتتوادّون على
خدمتها، فتتواصلون عليها، وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: ( مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ ) برفع المودة وإضافتها إلى
البَيْنِ، وخفض البين، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك، جعلوا « إنَّ مَا » حرفين، بتأويل: إن الذين
اتخذتم من دون الله أوثانا إنما هو مودّتكم للدنيا، فرفعوا « مَوَدَّةُ » على خبر إن. وقد يجوز أن
يكونوا على قراءتهم ذلك رفعا بقوله: « إنما » أن تكون
حرفا واحدا، ويكون الخبر متناهيا عند قوله: ( إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ) ثم يبتدئُ الخبر فيقال: ما
مودتكم تلك الأوثان بنافعتكم، إنما مودّة بينكم في حياتكم الدنيا، ثم هي منقطعة،
وإذا أريد هذا المعنى كانت المودّة مرفوعة بالصفة بقوله: ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وقد يجوز أن يكونوا أرادوا
برفع المودّة، رفعها على ضمير هي.
وهذه
القراءات الثلاث متقاربات المعاني، لأن الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها،
اتخذوها مودة بينهم، وكانت لهم في الحياة الدنيا مودة، ثم هي عنهم منقطعة، فبأيّ
ذلك قرأ القارئ فمصيب، لتقارب معاني ذلك، وشهرة القراءة بكلّ واحدة منهنّ في قرّاء
الأمصار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) قال: صارت كل خُلَّة في الدنيا
عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خُلَّة المتقين.
وقوله: ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) يقول تعالى ذكره: ثم يوم
القيامة أيها المتوادّون على عبادة الأوثان والأصنام، والمتواصلون على خدماتها عند
ورودكم على ربكم، ومعاينتكم ما أعدّ الله لكم على التواصل، والتوادّ في الدنيا من
أليم العذاب، (
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ) يقول:
يتبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضُكم بعضا.
وقوله: ( وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ ) يقول جلّ ثناؤه: ومصير جميعكم
أيها العابدون الأوثان وما تعبدون، النار ( وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) يقول: وما لكم أيها القوم
المتخذو الآلهة، من دون الله (
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ) من
أنصار ينصرونكم من الله حين يصليكم نار جهنم، فينقذونكم من عذابه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ
إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 26 )
يقول
تعالى ذكره: فصدّق إبراهيم خليل الله لوط ( وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) يقول: وقال إبراهيم: إني
مهاجر دار قومي إلى ربي إلى الشام.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) قال:
صدق لوط (
وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) قال: هو إبراهيم.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) أي فصدّقه لوط ( وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ
إِلَى رَبِّي ) قال:
هاجَرا جميعا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله
صلى الله عليه وسلم كان يقول: « إنها
سَتَكُون هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ يَنْحازُ أهْلُ الأرْضِ إلى مُهاجَر إبْراهِيمَ
وَيَبْقَي فِي الأرْضِ شِرَارُ أهْلِها، حتى تَلْفِظَهُمْ وَتَقْذرَهم،
وَتحْشُرَهُمُ النَّاُر مَعَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ » .
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) قال: صدّقه لوط، صدق إبراهيم،
قال: أرأيت المؤمنين، أليس آمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به؟ قال:
فالإيمان: التصديق. وفي قوله: (
إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) قال:
كانت هِجْرته إلى الشأم.
وقال ابن
زيد في حديث الذئب الذي كلم الرجل، فأخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «
فآمَنْتُ لَه أنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَر » ، وليس أبو بكر ولا عمر معه يعني: آمنت له: صدّقته.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ
إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) قال:
إلى حَرَّان، ثم أُمر بعد بالشأم الذي هاجر إبراهيم، وهو أوّل من هاجَر يقول: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ ) إبْرَاهِيمُ ( إنّي مُهاجِرٌ... ) الآية.
حُدثت عن
الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ
إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي )
إبراهيم القائل: (
إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) .
وقوله: ( إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) يقول:
إن ربي هو العزيز الذي لا يذِلّ من نَصَره، ولكنه يمنعه ممن أراده بسوء، وإليه
هجرته، الحكيم في تدبيره خلقه، وتصريفه إياهم فيما صرفهم فيه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ
أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 )
يقول
تعالى ذكره: ورزقناه من لدنا إسحاق ولدا، ويعقوبَ من بعده وَلَدَ وَلَدٍ.
كما
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن
عباس قوله: (
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) قال: هما ولدا إبراهيم.
وقوله: ( وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ
النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) بمعنى
الجمع، يراد به الكُتُب، ولكنه خُرِّج مَخْرج قولهم: كثر الدرهم والدينار عند
فلان.
وقوله: ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا ) يقول
تعالى ذكره: وأعطيناه ثواب بلائه فينا في الدنيا ( وَإنَّهُ ) مع ذلك
( فِي
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) فله
هناك أيضا جزاء الصالحين، غير منتقص حَظُّه بما أعطى في الدنيا من الأجر على بلائه
في الله عما له عنده في الآخرة.
وقيل: إن
الأجر الذي ذكره الله عزّ وجلّ أنه آتاه إبراهيم في الدنيا هو الثناء الحسن،
والولد الصالح.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا ) قال:
الثناء.
حدثني
أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له: قاسم، إلى
عكرِمة يسأله عن قوله: (
وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ
الصَّالِحِينَ ) قال:
قال: أجره في الدنيا، أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالحين، قال: فرجع إلى
مجاهد، فقال: أصاب.
حدثنا
أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن مندل، عمن ذكره، عن ابن عباس ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا ) قال:
الولد الصالح والثناء.
حدثني
عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا ) يقول:
الذكر الحسن.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا ) قال:
عافية وعملا صالحا، وثناء حسنا، فلست بلاق أحدا من الملل إلا يرى إبراهيم ويتولاه
(
وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلُوطًا إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ
مِنَ الْعَالَمِينَ ( 28 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر لوطا إذ قال لقومه: ( إِنَّكُمْ لَتَأتُونَ ) الذُّكْرَانَ ( مَا سَبَقَكُمْ بِهَا ) يعني بالفاحشة التي كانوا
يأتونها، وهي إتيان الذكران ( مِنْ
أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ) .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم، قالا ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي
نجيح، عن عمرو بن دينار، في قوله: ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ) قال:
ما نـزا ذَكَرٌ على ذكَر حتى كان قوم لوط.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 29 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل لوط لقومه ( أَئِنَّكُمْ ) أيها القوم، ( لَتأْتُونَ الرّجالَ ) في أدبارهم ( وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ) يقول: وتقطعون المسافرين عليكم بفعلكم الخبيث، وذلك أنهم فيما
ذُكر عَنْهم كانوا يفعلون ذلك بمن مرّ عليهم من المسافرين، من ورد بلادهم من
الغرباء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ) قال: السبيل: الطريق. المسافر
إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث.
وقوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) اختلف
أهل التأويل في المنكر الذي عناه الله، الذي كان هؤلاء القوم يأتونه في ناديهم،
فقال بعضهم: كان ذلك أنهم كانوا يتضارطُون في مجالسهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، قال: ثنا رَوْح بن عُطيفة الثقفيّ،
عن عمرو بن مصعب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، في قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
الضراط.
وقال
آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يحذفون من مر بهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب وابن وكيع قالا ثنا أبو أسامة، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب،
عن أبي صالح، عن أمّ هانئ، قالت: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قالَ: « كانوا يَحْذِفُونَ أهْل
الطَّرِيقِ وَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ » فهو المنكر الذي كانوا يأتون.
حدثنا
الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو أُسامة، بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
، مثله.
حدثنا
أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا سليم بن أخضر، قال: ثنا أبو يونس القُشَيري، عن
سِماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أمّ هانئ، أن أمّ هانئ سُئلت عن هذه الآية ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) فقالت:
سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « كانُوا يَحْذِفُون أهْلَ الطَّرِيقِ، وَيَسْخَرُونَ
مِنْهُمْ » .
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرِمة
يقول في قوله: (
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) قال: كانوا يُؤذْون أهل الطريق يحذفون من مَرَّ بهم.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرِمة قال: الحذف.
حدثنا
موسى، قال: أخبرنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
كان كلّ من مرّ بهم حذفوه، فهو المنكر.
حدثنا
الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سعيد بن زيد، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال:
ثنا سماك بن حرب، عن باذام، عن أبي صالح مولى أمّ هانئ، عن أمّ هانئ، قالت: سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) قال: « كانُوا يَجْلِسُونَ
بالطَّرِيقِ، فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ » .
وقال
بعضهم: بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان يأتي بعضهم بعضا في
مجالسهم، يعني قوله: (
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) .
حدثنا
سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا ثابت بن محمد الليثيّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن
منصور بن المعتمر، عن مجاهد، في قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) قال: كان يجامع بعضهم بعضا في
المجالس.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
كان يأتي بعضهم بعضا في المجالس.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال
في مجالسهم.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
المجالس، و (
المنكَرَ ) :
إتيانهم الرجال.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) قال:
ناديهم: المجالس، و (
المنكر ) :
عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب، فيأخذونه ويركبونه. وقرأ
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ، وقرأ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ .
حدثني
عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنْكَرَ ) يقول:
في مجالسكم.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: وتحذفون في مجالسكم المارّة بكم،
وتسخَرون منهم؛ لما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول صلى الله عليه وسلم .
وقوله: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ
الصَّادِقِينَ ) يقول
تعالى ذكره: فلم يكن جواب قوم لُوط إذ نهاهم عما يكرهه الله من إتيان الفواحش التي
حرمها الله إلا قيلهم: ( ائْتِنَا
بِعَذَابِ اللَّهِ ) الذي
تعدنا، ( إن
كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فيما
تقول، والمنجزين لما تعد.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى
الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ( 30 )
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ) من الله بإسحاق، ومن وراء
إسحاق يعقوب (
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ) يقول: قالت رسل الله
لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، قرية سَدُوم، وهي قرية قوم لوط ( إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ ) يقول:
إن أهلها كانوا ظالمي أنفسهم؛ بمعصيتهم الله، وتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ... ) إلى قوله: نَحْنُ أَعْلَمُ
بِمَنْ فِيهَا قال: فجادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا، قال: فقال
أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها
عشرة أبيات، ولا خمسة، ولا أربعة، ولا ثلاثة، ولا اثنان، قال: فحَزِن على لوط وأهل
بيته، فقال: إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ فذلك
قوله: يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ
مُنِيبٌ فقالت الملائكة: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ
أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ فبعث الله إليهم
جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فانتسف المدينة وما فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها
سافلها، وتتبعهم بالحجارة بكل أرض.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا
قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا
امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 32 )
يقول
تعالى ذكره: قال إبراهيم للرسل من الملائكة إذ قالوا له: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ فلم يستثنوا منهم أحدا، إذ
وصفوهم بالظلم: ( إنَّ
فِيهَا لُوطًا ) ، وليس
من الظالمين، بل هو من رسل الله، وأهل الإيمان به، والطاعة له، فقالت الرسل له: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ
فِيهَا ) من
الظالمين الكافرين بالله منك، وإن لوطا ليس منهم، بل هو كما قلت من أولياء الله، ( لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ
) من
الهلاك الذي هو نازل بأهل قريته ( إِلا
امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) الذين أبقتهم الدهور والأيام، وتطاولت أعمارهم وحياتهم،
وإنها هالكة من بين أهل لوط مع قومها.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ
إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا ) من الملائكة ( سِيءَ بِهِمْ ) يقول: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تَضَيفوه،
فساءوه بذلك، فقوله: ( سِيءَ
بِهِمْ ) :
فُعِلَ بهم مِنْ ساءه بذلك.
وذُكر عن
قتادة أنه كان يقول: ساء ظنه بقومه، وضاق بضيفه ذَرْعا.
حدثنا
بذلك الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعمَر عنه ( وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعا ) يقول: وضاق ذرعه بضيافتهم لما
علم من خُبث فعل قومه.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ) قال: بالضيافة مخافة عليهم
مما يعلم من شرّ قومه.
وقوله: ( وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا
تَحْزَنْ ) يقول
تعالى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك، ولا تحزَن مما
أخبرناك من أنَّا مهلكوهم، وذلك أن الرسل قالت له: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ
رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ، ( إنَّا مُنَجُّوكَ ) من العذاب الذي هو نازل بقومك
(
وَأَهْلَكَ ) يقول:
ومنجو أهلِك معك ( إلا
امْرَأتَكَ ) فإنها
هالكة فيمن يهلك من قومها، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى
أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (
34 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل الرسل للوط: ( إنَّا مُنـزلُونَ ) يا لُوط ( عَلى
أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ ) سَدُوم
(
رِجْزًا مِنَ السَّماءِ ) يعني
عذابا.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( إِنَّا مُنـزلُونَ عَلَى
أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا ) : أي عذابا.
وقد
بيَّنا معنى الرجز وما فيه من أقوال أهل التأويل فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في
هذا الموضع.
وقوله: ( بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) يقول: بما كانوا يأتون من
معصية الله، ويركبون من الفاحشة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا
آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 35 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد أبقينا من فَعْلتنا التي فَعَلْنا بهم آية، يقول: عبرة بينة وعظة
واعظة، (
لِقَومٍ يَعْقِلُونَ ) عن
الله حُجَجه، ويتفكرون في مواعظه، وتلك الآية البينة هي عندي عُفُوُّ آثارهم،
ودروس معالمهم.
وذُكر عن
قَتادة في ذلك ما:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ ) قال:
هي الحجارة التي أُمطرت عليهم.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً ) قال: عِبرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا
تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 )
يقول
تعالى ذكره: وأرسلت إلى مَدْين أخاهم شعيبا، فقال لهم: ( يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
) وحده،
وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالعبادة ( وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ ) يقول: وارجوا بعبادتكم إياي جزاءَ
اليوم الآخر، وذلك يوم القيامة ( وَلا
تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ ) يقول: ولا تكثِروا في الأرض معصية الله، ولا تقيموا عليها،
ولكن توبوا إلى الله منها وأنيبوا.
وقد كان
بعض أهل العلم بكلام العرب يتأوّل قوله: ( وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ ) بمعنى: واخشَوا اليوم الآخر،
وكان غيره من أهل العلم بالعربية يُنكر ذلك ويقول: لم نجد الرجاء بمعنى الخوف في
كلام العرب إلا إذا قارنه الجَحْد.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ
الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( 37 )
يقول تعالى
ذكره: فكذّب أهل مَدينَ شعيبا فيما أتاهم به عن الله من الرسالة، فأخذتهم رَجْفة
العَذاب (
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) جُثوما، بعضُهم على بعض مَوْتَى.
كما
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ
جَاثِمِينَ ) : أي
ميتين.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ
تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 )
يقول
تعالى ذكره: واذكروا أيها القوم عادا وثمود، ( وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ) خرابها وخلاؤُها منهم
بوقائعنا بهم، وحلول سَطْوتنا بجميعهم ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: وحسَّن لهم الشيطان
كفرهم بالله، وتكذيبَهم رسله (
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) يقول:
فردّهم بتزيينه لهم، ما زيَّن لهم من الكفر عن سبيل الله، التي هي الإيمان به
ورسله، وما جاءوهم به من عند ربهم ( وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) يقول: وكانوا مستبصرين في
ضلالتهم، مُعْجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، وهم على الضلال.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) يقول: كانوا مستبصرين في
دينهم.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) في الضلالة.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وكانُوا مسْتَبْصِرِينَ ) في ضلالتهم مُعْجَبين بها.
حُدثت عن
الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( وكانُوا مُسْتَبْصِرينَ ) يقول: في دينهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي
الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: واذكر يا محمد، قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى
بالبيِّنات، يعني بالواضحات من الآيات، ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ ) عن التصديق من الآيات، وعن
اتباع موسى صلوات الله عليه ( وَمَا
كَانُوا سَابِقِينَ ) يقول
تعالى ذكره: وما كانوا سابقينا بأنفسهم، فيفوتوننا، بل كنا مقتدرين عليهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (
40 )
يقول
تعالى ذكره: فأخذنا جميع هذه الأمم التي ذكرناها لك يا محمد بعذابنا ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِ حَاصِبًا ) وهم
قوم لُوط الذين أمطر الله عليهم حجارة من سجِّيلٍ مَنضُود، والعرب تسمي الريح
العاصف التي فيها الحصى الصغار أو الثلج أو البرد والجليد حاصبا، ومنه قول الأخطل:
وَلقـدْ
عَلِمْـتُ إذا العِشـارُ تَرَوَّحَـتْ هَــدَجَ الرّئــالِ يَكُــبُّهُنَّ شَـمالا
تَـرْمي
العِضَـاهَ بحـاصِبٍ مِن ثَلْجِها حـتى يَبِيـتَ عـلى العِضَـاهِ جُفـالا
وقال
الفرزدق:
مُسْــتَقْبِلِينَ
شَـمالَ الشَّـأْمِ تَضْرِبُنـا بحــاصِبٍ كَنَـدِيفِ القُطْـنِ مَنْثُـورِ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِ حَاصِبًا ) قوم
لوط.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) وهم قوم لوط ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ ) .
اختلف أهل
التأويل في الذين عُنوا بذلك، فقال بعضهم: هم ثمود قوم صالح.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ ) ثمود.
وقال
آخرون: بل هم قوم شعيب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) قوم شعيب.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب من أهل مدين أنه
أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه
وسلم: فمن الأمم التي أهلكناهم من أرسلنا عليهم حاصبا، ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ ) ، فلم
يخصص الخبر بذلك عن بعض مَنْ أخذته الصيحة من الأمم دون بعض، وكلا الأمتين أعني
ثمود ومَدين قد أخذتهم الصَّيحة. وقوله: ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ ) يعني بذلك قارون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا
بِهِ الأرْضَ ) قارون
(
وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنا ) يعني:
قوم نوح وفرعون وقومه.
واختلف
أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: عُني بذلك: قوم نوح عليه السلام.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنَا ) قوم نُوح.
وقال
آخرون: بل هم قوم فرعون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنا ) قوم فرعون.
والصواب
من القول في ذلك، أن يُقال: عُني به قوم نوح وفرعونُ وقومه؛ لأن الله لم يخصص بذلك
إحدى الأمتين دون الأخرى، وقد كان أهلكهما قبل نـزول هذا الخبر عنهما، فهما
مَعْنيتان به.
وقوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولم يكن
الله ليهلك هؤلاء الأمم الذين أهلكهم، بذنوب غيرهم، فيظلمَهم بإهلاكه إياهم بغير
استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، مع تتابع
إحسانه عليهم، وكثرة أياديه عندهم، ( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بتصرّفهم في نعم ربهم،
وتقلبهم في آلائه وعبادتهم غيره، ومعصيتهم من أنعم عليهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (
41 )
يقول
تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نَصْرها
ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم،
(
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) في
ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، (
اتَّخَذَتْ بَيْتًا ) لنفسها
، كيما يُكِنهَا، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن
عنهم حين نـزل بهم أمر الله، وحلّ بهم سخطه أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دون الله
شيئا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: (
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ
الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ... ) إلى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لمن عبد غيره، إن
مثله كمثل بيت العنكبوت.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) قال: هذا مثل ضربه الله
للمشرك مَثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه.
حدثني
يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ) قال: هذا مثل ضربه الله، لا
يغني أولياؤهم عنهم شيئا، كما لا يغني العنكبوت بيتها هذا.
وقوله: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
) يقول:
إن أضعف البيوت (
لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: لو كان
هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون
الله في قلة غنائهم عنهم، كغناء بيت العنكبوت عنها، لكنهم يجهلون ذلك، فيحسبون
أنهم ينفعونهم ويقرّبونهم إلى الله زلفى.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ
الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ( 43 )
اختلف
القرّاء في قراءة قوله: ( إنَّ
اللهَ يَعْلَمُ ما تَدْعُونَ ) فقرأته
عامة قرّاء الأمصار (
تَدْعُونَ ) بالتاء
بمعنى الخطاب لمشركي قريش ( إنَّ
اللهَ ) أيها
الناس، (
يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن دُونِهِ مِن شَيءٍ ) . وقرأ ذلك أبو عمرو: ( إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما
يَدْعُونَ ) بالياء
بمعنى الخبر عن الأمم، إن الله يعلم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم ( مِنْ دُونِهِ مِن شَيء ) .
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بالتاء؛ لأن ذلك لو كان خبرا عن الأمم
الذين ذكر الله أنه أهلكهم، لكان الكلام: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما كانوا يدعون، لأن
القوم في حال نـزول هذا الخبر على نبيّ الله لم يكونوا موجودين، إذ كانوا قد هلكوا
فبادوا، وإنما يقال: ( إنَّ
اللهَ يَعْلَمُ ما تَدْعُونَ ) إذا
أريد به الخبر عن موجودين، لا عمن قد هلك.
فتأويل
الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا: ( إنَّ
اللهَ يَعْلَمُ ) أيها
القوم، حال ما تعبدون ( مِن
دُونِهِ مِن شَيء ) ، وأن
ذلك لا ينفعكم ولا يضرّكم، إن أراد الله بكم سوءا، ولا يغني عنكم شيئا، وإن مثله
في قلة غنائه عنكم، مَثَلُ بيت العنكبوت في غَنائه عنها.
وقوله: ( وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) يقول: والله العزيز في
انتقامه ممن كفر به، وأشرك في عبادته معه غيره فاتقوا أيها المشركون به، عقابه
بالإيمان به قبل نـزوله بكم، كما نـزل بالأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة
عليكم، فإنه إن نـزل بكم عقابُه لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه
أولياء، كما لم يُغْنِ عنهم من قبلكم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دونه، الحكيم في
تدبيره خلقه فمُهلك من استوجب الهلاك في الحال التي هلاكه صلاح، والمؤخر من أخَّر
هلاكه من كفرة خلقه به إلى الحين الذي في هلاكه الصلاح.
وقوله: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ) يقول
تعالى ذكره: وهذه الأمثال، وهي الأشباه والنظائر ( نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ) يقول: نمثلها ونشبهها ونحتجّ بها للناس، كما قال الأعشى:
هَـلْ
تَذْكُـرُ العَهْـدَ مِـنْ تَنَمَّـصَ إذْ تَضْــرِبُ لــي قـاعِدًا بِهـا مَثَـلا
( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا
الْعَالِمُونَ ) يقول تعالى
ذكره: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحقّ فيما
ضربت له مثلا ( إلا
الْعَالِمُونَ ) بالله
وآياته.
القول
في تأويل قوله تعالى : خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: خلق الله يا محمد، السماوات والأرض
وحده منفردا بخلقها، لا يشركه في خلقها شريك ( إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول: إن في خلقه ذلك لحجة لمن صدق بالحجج إذا عاينها،
والآيات إذا رآها.
القول
في تأويل قوله تعالى : اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ
مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (
45 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( اتْلُ ) يعني:
اقرأ ( مَا
أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ) يعني:
ما أنـزل إليك من هذا القرآن (
وَأَقِمِ الصَّلاةَ ) يعني:
وأدّ الصلاة التي فرضها الله عليك بحدودها ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) اختلف أهل التأويل في معنى
الصلاة التي ذُكرت في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها القرآن الذي يقرأ في موضع
الصلاة، أو في الصلاة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي الوفاء، عن أبيه، عن ابن عمر ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال:
القرآن الذي يقرأ في المساجد.
وقال
آخرون: بل عنى بها الصلاة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) يقول:
في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن
ذكره، عن ابن عباس، في قول الله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) من لم تنهه صلاته عن الفحشاء
والمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدا.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد، قال: قال العلاء بن المسيب، عن سمرة بن
عطية، قال: قيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة، قال: فإنها لا تنفع إلا من
أطاعها.
قال ثنا
الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن
يزيد، عن ابن مسعود، قال: من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد
بها من الله إلا بعدا.
قال ثنا
الحسين، قال: ثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود،
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يُطِعِ الصَّلاةَ، وَطاعَةُ الصَّلاةِ
أنْ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ » قال: قال سفيان: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ
قال: فقال سفيان: إي والله، تأمره وتنهاه.
قال علي:
وحدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ صَلى صَلاةً لَمْ
تَنْهَهُ عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا
» .
حدثني
يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: الصلاة إذا لم تنه عن الفحشاء
والمنكر، قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة والحسن، قالا من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر، فإنه لا يزداد من الله بذلك إلا بعدا.
والصواب
من القول في ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال ابن عباس وابن مسعود،
فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر إن لم يكن معنيا بها ما يتلى
فيها؟ قيل: تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه
عن الشغل بالمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا
بعدا. وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر.
حدثنا
أبو حميد الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، في
قول الله ( إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال: إذا كنت في صلاة، فأنت
في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، و ( الفَحْشَاءِ ) : هو الزنا، و ( المُنْكَر ) : معاصي الله، ومن أتى فاحشة أو عَصَى الله في صلاته بما
يفسد صلاته، فلا شكّ أنه لا صلاة له.
وقوله: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) اختلف أهل التأويل في تأويله،
فقال بعضهم: معناه: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن
ربيعة، قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟
قال: قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: لقد
قلت قولا عجبا وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى
عنه، إذا ذكرتموه (
أَكْبَرُ ) من
ذكركم إياه.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن ربيعة، عن ابن عباس
قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا ابن
حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن ربيعة، قال: سألني ابن عباس، عن قول
الله: (
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) فقلت:
ذكره بالتسبيح والتكبير والقرآن حسن، وذكره عند المحارم فيحتجز عنها. فقال: لقد
قلت قولا عجيبا وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا
ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن
ربيعة، عن ابن عباس (
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال:
ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه.
حدثنا
محمد بن المثنى وابن وكيع، قال ابن المثنى: ثني عبد الأعلى وقال ابن وكيع: ثنا عبد
الأعلى قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت قاعدا عند ابن عباس، فجاءه
رجل، فسأل ابن عباس عن ذكر الله أكبر، فقال ابن عباس: الصلاة والصوم، قال: ذاك ذكر
الله، قال رجل: إني تركت رجلا في رحلي يقول غير هذا، قال: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله العباد أكبر من
ذكر العباد إياه، فقال ابن عباس: صدق والله صاحبك.
حدثنا
ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، قال: جاء رجل إلى
ابن عباس فقال: حدثني عن قول الله ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله لكم أكبر من
ذكركم له.
حدثنا
ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن عكرمة ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله للعبد أفضل من
ذكره إياه.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: هو قوله: فَاذْكُرُونِي
أَذْكُرْكُمْ وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثني
عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَلَذِكْرُ اللهِ ) لعباده إذا ذكروه ( أكْبَرُ ) من ذكركم إياه.
حدثني
محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن،
قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ ) قال: ذكر الله عبده أكبر من
ذكر العبد ربه في الصلاة أو غيرها.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي
موسى، عن ابن عباس، قال: ذكر الله إياكم، إذا ذكرتموه، أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا
القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيْلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر،
عن أبي قرة، عن سلمان، مثله.
حدثنا
أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن
أبي عَريب، عن كثير بن مرّة الحضرميّ، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: ألا أخبركم
بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوّكم،
فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: ما هو؟ قال: ذكركم
ربكم، وذكر الله أكبر.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي قرة، عن سلمان
(
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال:
قال ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
قال: ثني
أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: سألت أبا قرة، عن قوله: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله إياكم أكبر من
ذكركم إياه.
قال: ثنا
أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قالا ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم
إياه.
قال: ثنا
ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس قال: هو كقوله: ( اذْكُرُونِي أذْكرْكُمْ ) فذكر الله إياكم أكبر من
ذكركم إياه.
قال: ثنا
حسن بن عليّ، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله العبد أكبر من
ذكر العبد لربه.
قال: ثنا
أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم
له.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: ولذكركم الله أفضل من كلّ شيء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، عن العيزار بن حريث،
عن رجل، عن سلمان أنه سئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) : لا شيء أفضل من ذكر الله.
حدثنا
ابن حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عليّ بن عياش، قال: ثنا الليث، قال:
ثني معاوية، عن ربيعة بن يزيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أمّ الدرداء، أنها
قالت: (
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) فإن
صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكلّ خير تعمله فهو من ذكر الله،
وكل شرّ تجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيحُ الله.
حدثنا
بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: لا شيء أكبر من ذكر
الله، قال: أكبر الأشياء كلها، وقرأ ( أقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِي ) قال: لذكر الله وإنه لم يصفه عند القتال إلا أنه أكبر.
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لسلمان: أي العمل
أفضل،؟ قال: ذكر الله.
وقال
آخرون: هو محتمل للوجهين جميعا، يعنون القول الأوّل الذي ذكرناه والثاني.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرِمة، عن ابن عباس في قوله: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: لها وجهان: ذكر الله
أكبر مما سواه، وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا
أبو كُرَيب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا خالد الحذّاء، عن عكرِمة، عن
ابن عباس في قوله: (
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال:
لها وجهان: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وذكر الله عند ما حُرم.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: لذكر الله العبد في الصلاة، أكبر من الصلاة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السُّدِّي، عن أبي مالك في قوله: ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) قال: ذكر الله العبد في
الصلاة، أكبر من الصلاة.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وللصلاة التي أتيت أنت بها، وذكرك الله فيها، أكبر مما نهتك
الصلاة من الفحشاء والمنكر.
حدثني
أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن
عون، في قول الله ( إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) والذي أنت فيه من ذكر الله
أكبر.
قال أبو
جعفر: وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، قول من قال: ولذكر الله
إياكم أفضل من ذكركم إياه.
وقوله: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا
تَصْنَعُونَ ) يقول:
والله يعلم ما تصنعون أيها الناس في صلاتكم، من إقامة حدودها، وترك ذلك وغيره من
أموركم، وهو مجازيكم على ذلك، يقول: فاتقوا أن تضيعوا شيئا من حدودها، والله أعلم.