الجزء الحادي والعشرون

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 )

يقول تعالى ذكره: ( وَلا تُجَادِلُوا ) أيها المؤمنون بالله وبرسوله اليهود والنصارى، وهم ( أَهْلَ الكِتابِ إلا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) يقول: إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُججه.

وقوله: ( إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: إلا الذين أبوا أن يقرّوا لكم بإعطاء الجزية، ونصبوا دون ذلك لكم حربا، فإنهم ظلمة، فأولئك جادلوهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد في قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) قال: من قاتل ولم يُعط الجزية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، بنحوه. إلا أنه قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: إن قالوا شرّا؛ فقولوا خيرا، ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فانتصروا منهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) قال: قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير، أو آذوا محمدا صلى الله عليه وسلم، قال: هم أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) قال: أهل الحرب، من لا عهد له جادله بالسيف.

وقال آخرون: معنى ذلك: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتابِ ) الذين قد آمنوا به، واتبعوا رسوله فيما أخبروكم عنه مما في كتبهم ( إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فأقاموا على كفرهم، وقالوا: هذه الآية محكمة، وليست بمنسوخة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: ليست بمنسوخة، لا ينبغي أن تجادل من آمن منهم، لعلهم يحسنون شيئا في كتاب الله، لا تعلمه أنت فلا تجادله، ولا ينبغي أن تجادل إلا الذين ظلموا، المقيمَ منهم على دينه. فقال: هو الذي يُجادَلُ، ويقال له بالسيف قال: وهؤلاء يهود. قال: ولم يكن بدار الهجرة من النصارى أحد، إنما كانوا يهودا هم الذي كلَّموا وحالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدرت النضير يوم أُحد، وغدرت قُريظة يوم الأحزاب.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية قبل أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقتال، وقالوا: هي منسوخة، نسخها قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ثم نسخ بعد ذلك، فأمر بقتالهم في سورة براءة، ولا مجادلة أشدّ من السيف، أن يقاتلوا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقرّوا بالخراج.

وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: عني بقوله: ( إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) : إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب.

فإن قال قائل: أو غير ظالم من أهل الكتاب إلا من لم يؤدّ الجزية؟ قيل: إن جميعهم، وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ظلمة، فإنه لم يعن بقوله: ( إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) . ظلم أنفسهم. وإنما عنى به: إلا الذين ظلموا منهم أهل الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك جادلوهم بالقتال.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب، بغير الذي هو أحسن بقوله: ( إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمن؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ، لأنه إذا جاء بغير الحق، فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك، تبين أن ألا معنى لقول من قال: عنى بقوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ) أهل الإيمان منهم، وكذلك لا معنى لقول من قال: نـزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال، وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل.

وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل.

وقوله: ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن: إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم، وأخبروكم عنها بما يمكن ويجوز أن يكونوا فيه صادقين، وأن يكونوا فيه كاذبين، ولم تعلموا أمرهم وحالهم في ذلك، فقولوا لهم ( آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ ) مما في التوراة والإنجيل، ( وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ) يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) يقول: ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر الرواية بذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عليّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ وَلا تُكَذّبُوُهْم، ( وَقُولُوا آمَنَّا بالَّذِي أُنـزلَ إلَيْنا وأُنـزلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ وَنحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) » .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: كان ناس من اليهود يحدثون ناسا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: « لا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، ( وَقُولُوا آمَنَّا بالَّذِي أُنـزلَ إلَيْنا وأُنـزلَ إلَيْكُمْ ) » .

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحقّ أو تصدّقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال .

وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) . قال: قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير، أو آذوا محمدا، ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ ) لمن لم يقل هذا من أهل الكتاب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ( 47 )

يقول تعالى ذكر: كما أنـزلنا الكتب على مَن قبلك يا محمد من الرسل ( كَذلكَ أنـزلْنَا إلَيْكَ ) هذا ( الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ) من قبلك من بني إسرائيل ( يُؤْمِنُون بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) يقول: ومن هؤلاء الذين هم بين ظهرانيك اليوم، من يؤمن به، كعبد الله بن سلام، ومن آمن برسوله من بني إسرائيل.

وقوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلا الذي يجحد نعمنا عليه، وينكر توحيدنا وربوبيتنا على علم منه عنادا لنا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ) قال: إنما يكون الجحود بعد المعرفة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 )

يقول تعالى ذكره: ( وَما كُنْتَ ) يا محمد ( تَتْلُو ) يعني: تقرأ ( مِنْ قَبْلِهِ ) يعني: من قبل هذا الكتاب الذي أنـزلته إليك ( مِنْ كِتَابٍ وَلا تخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) يقول: ولم تكن تكتب بيمينك، ولكنك كنت أمِّيًّا ( إذًا لارْتابَ المُبْطِلَونَ ) يقول: ولو كنت من قبل أن يُوحَى إليك تقرأ الكتاب، أو تخطه بيمينك، ( إذًا لارْتَابَ ) يقول: إذن لشكّ - بسبب ذلك في أمرك، وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الذي تتلوه عليهم- المبطلون القائلون إنه سجع وكهانة، وإنه أساطير الأوّلين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أمِّيا؛ لا يقرأ شيئا ولا يكتب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) قال: كان نبيّ الله لا يقرأ كتابا قبله، ولا يخطه بيمينه، قال: كان أُمِّيا، والأمّي: الذي لا يكتب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إدريس الأودي، عن الحكم، عن مجاهد ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) قال: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخطّ بيمينه، ولا يقرأ كتابا، فنـزلت هذه الآية.

وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله: ( إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ) قالوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ) إذن لقالوا: إنما هذا شيء تعلَّمه محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( إذًا لارْتابَ المُبْطِلُون ) قال: قريش.

 

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ( 49 )

اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) فقال بعضهم: عنى به نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلام: بل وجود أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أمّي، آيات بينات في صدورهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) قال: كان الله تعالى أنـزل في شأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم، وعلمه لهم، وجعله لهم آية، فقال لهم: إن آية نبوّته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا، ولا يخطه بيمينه، وهي الآيات البينات.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ) قال: كان نبي الله لا يكتب ولا يقرأ، وكذلك جعل الله نعته في التوراة والإنجيل، أنه نبيّ أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وهي الآية البينة في صدور الذين أوتوا العلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) من أهل الكتاب، صدّقوا بمحمد ونعته ونبوّته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ ) قال: أنـزل الله شأن محمد في التوراة والإنجيل لأهل العلم، بل هو آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم، يقول: النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، وقالوا: معنى الكلام: بل هذا القرآن آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم، من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يعني المؤمنين.

وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا، ولا تخطه بيمينك، آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.

وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن قوله: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) بين خبرين من أخبار الله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبرًا عنه، أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل.

وقوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ما يجحد نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وأدلته، ويُنكر العلم الذي يعلم من كتب الله، التي أنـزلها على أنبيائه، ببعث محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ومبعثه إلا الظالمون، يعني: الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله عزّ وجلّ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 )

يقول تعالى ذكره: وقالت المشركون من قريش: هلا أنـزل على محمد آية من ربه، تكون حجة لله علينا، كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى، قل يا محمد: إنما الآيات عند الله، لا يقدر على الإتيان بها غيره ( وَإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) وإنما أنا نذير لكم، أنذركم بأس الله وعقابه على كفركم برسوله. وما جاءكم به من عند ربكم ( مُبِينٌ ) يقول: قد أبان لكم إنذاره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 )

يقول تعالى ذكره: أولم يكف هؤلاء المشركين يا محمد، القائلين: لولا أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية من ربه، من الآيات والحجج ( أنَّا أنـزلْنا عَلَيْكَ ) هذا ( الكِتابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) يقول: يُقرأ عليهم، ( إنَّ فِي ذلكَ لَرَحْمَةٌ ) يقول: إن في هذا الكتاب الذي أنـزلنا عليهم لرحمة للمؤمنين به وذكرى يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت من أجل أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أن ناسا من المسلمين أتوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بكتب، قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما أن نظر فيها ألقاها، ثم قال: « كفى بها حماقة قوم - أو ضلالة قوم- أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم، إلى ما جاء به غير نبيهم، إلى قوم غيرهم » ، فنـزلت: ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 52 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، للقائلين لك: لولا أنـزل عليك آية من ربك، الجاحدين بآياتنا من قومك: كفى الله يا هؤلاء بيني وبينكم، شاهدا لي وعليّ؛ لأنه يعلم المحقّ منا من المبطل، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء فيهما، وهو المجازي كل فريق منا بما هو أهله، المحق على ثباته على الحقّ، والمبطل على باطله بما هو أهله، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بالْبَاطِلِ ) يقول: صدقوا بالشرك، فأقرّوا به وكفروا به، يقول: وجحدوا الله ( أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ) يقول: هم المغبونون في صفقتهم.

وبنحو الذي قلنا في قوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بالْبَاطِلِ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بالْبَاطِلِ ) : الشرك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 )

يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنـزل عليه آية من ربه بالعذاب ويقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ولولا أجل سميته لهم فلا أهلكهم حتى يستوفوه ويبلغوه، لجاءهم العذاب عاجلا. وقوله: ( وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: وليأتينهم العذاب فجأة، وهم لا يشعرون بوقت مجيئه قبل مجيئه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ) قال: قال ناس من جهلة هذه الأمة اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ الآية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ( 54 )

يقول تعالى ذكره: يستعجلكَ يا محمد هؤلاء المشركون بمجيء العذاب ونـزوله بهم، والنار بهم محيطة، لم يبق إلا أن يدخلوها. وقيل: إن ذلك هو البحر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عكرمة يقول في هذه الآية ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) قال: البحر.

أخبرنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 )

يقول تعالى ذكره: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يوم يغشى الكافرين العذاب، من فوقهم في جهنم، ومن تحت أرجلهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) : أي في النار.

وقوله: ( وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، وما يسخطه فيها. وبالياء في ( وَيقُولُ ذُوقُوا ) قرأت عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر، وأبي عمرو، فإنهما قرأا ذلك بالنون: ( وَنَقُولُ ) . والقراءة التي هي القراءة عندنا بالياء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 )

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من عباده: يا عبادي الذين وحَّدوني، وآمنوا بي، وبرسولي محمد صلى الله عليه وسلم ( إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) .

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أريد من الخبر عن سعة الأرض، فقال بعضهم: أريد بذلك أنها لم تضق عليكم فتقيموا بموضع منها لا يحلّ لكم المُقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله، فلم تقدروا على تغييره، فاهرُبوا منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير في قوله: ( إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي، فاخرج منها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ( إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ ) قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن رجل، عن سعيد بن جُبَير قال: اهرُبوا؛ فإن أرضي واسعة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن منصور، عن عطاء قال: إذا أمِرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء ( إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ ) قال: مجانبة أهل المعاصي.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ ) ، فهاجروا وجاهدوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) فقلت: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين، فقال: نعم.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أخرج من أرضي لكم من الرزق واسع لكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني زيد بن الحباب، عن شدّاد بن سعيد بن مالك أبي طلحة الراسبي، عن غَيْلان بن جرير المِعْولي، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير العامري في قول الله: ( إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ ) : قال: إن رزقي لكم واسع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حُباب، عن شدّاد، عن غَيلان بن جرير، عن مُطَرِّف بن الشِّخِّير ( إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ ) قال: رزقي لكم واسع.

وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: إن أرضي واسعة، فاهربوا ممن منعكم من العمل بطاعتي؛ لدلالة قوله: ( فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) على ذلك، وأن ذلك هو أظهر معنييه، وذلك أن الأرض إذا وصفها بِسعَة، فالغالب من وصفه إياها بذلك لا تضيق جميعها على من ضاق عليه منها موضع، لا أنه وصفها بكثرة الخير والخصب.

وقوله: ( فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) يقول: فأخلصوا لي عبادتكم وطاعتكم، ولا تطيعوا في معصيتي أحدا من خلقي.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 )

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب نبيه: هاجِرُوا من أرض الشرك، من مكة إلى أرض الإسلام المدينة، فإن أرضي واسعة، فاصبروا على عبادتي، وأخلِصوا طاعتي، فإنكم ميتون وصائرون إليّ؛ لأن كل نفس حية ذائقة الموت، ثم إلينا بعد الموت تُرَدّون، ثم أخبرهم جلّ ثناؤه عما أعدّ للصابرين منهم على طاعته من كرامته عنده، فقال: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، يعني: صدقوا الله ورسوله فيما جاء به من عند الله، ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله فأطاعوه فيه، وانتهوا عما نهاهم عنه ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا ) يقول: لننـزلنهم من الجنة عَلالي.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض الكوفيين: ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) بالباء، وقرأته عامة قرّاء الكوفة بالثاء ( لَنَثْوِيَنَّهُمْ ) .

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن قوله: ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) من بوأته منـزلا أي أنـزلته، وكذلك لنثوينهم، إنما هو من أثويته مسكنا، إذا أنـزلته منـزلا من الثواء، وهو المقام.

وقوله: ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يقول: ماكثين فيها إلى غير نهاية، ( نِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ ) يقول: نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرفُ التي يُثْوِيهُمُوها الله في جنَاته، تجرى من تحتها الأنهار، الذين صبروا على أذى المشركين في الدنيا، وما كانوا يَلْقون منهم، وعلى العمل بطاعة الله وما يرضيه، وجهاد أعدائه ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) في أرزاقهم وجهاد أعدائهم، فلا يَنْكُلون عنهم، ثقة منهم بأن الله مُعْلِي كلمته، ومُوهِن كيد الكافرين، وأن ما قُسِم لهم من الرزق فلن يَفُوتَهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 )

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هاجروا وجاهدوا في الله أيها المؤمنون أعداءه، ولا تخافوا عيلة ولا إقتارا، فكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء ومطعم ومشرب ( لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) ، يعني: غذاءها لا تحمله، فترفعه في يومها لغدها لعجزها عن ذلك ( اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) يوما بيوم ( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالكم: نخشى بفراقنا أوطاننا العَيْلة ( العَلِيمُ ) ما في أنفسكم، وما إليه صائر أمركم، وأمر عدوّكم، من إذلال الله إياهم، ونُصرتكم عليهم، وغير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ ) قال: الطيرُ والبهائم لا تحمل الرزق.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران، عن أبي مُجَلِّز في هذه الآية ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) قال: من الدوابّ ما لا يستطيع أن يدّخر لغد، يُوَفَّق لرزقه كلّ يوم حتى يموت.

حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عليّ بن الأقمر ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) قال: لا تدخر شيئا لغد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 )

يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، من خلق السموات والأرض فَسَوّاهن، وسخَّر الشمس والقمر لعباده، يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولنّ: الذي خلق ذلك وفَعَلَه الله. ( فَأنَّى يُؤْفَكُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: فأنى يُصْرفون عمن صنع ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَأنَّى يُؤْفَكُونَ ) : أي يعدلون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 )

يقول تعالى ذكره: الله يوسع من رزقه لمن يشاء من خلقه، ويضيق فيُقتِّر لمن يشاء منهم، يقول: فأرزاقكم وقسمتها بينكم أيها الناس بيدي، دون كل أحد سواي، أبسط لمن شئت منها، وأقتر على من شئت، فلا يخلفنكم عن الهجرة وجهاد عدوّكم خوف العيلة ( إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يقول: إن الله عليم بمصالحكم، ومن لا يصلُح له إلا البسط في الرزق، ومن لا يصلح له إلا التقتير عليه، وهو عالم بذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من نـزل من السماء ماء، وهو المطر الذي ينـزله الله من السحاب ( فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ ) يقول: فأحيا بالماء الذي نـزل من السماء الأرض، وإحياؤها: إنباته النبات فيها ( مِنْ بَعْدِ مَوْتها ) من بعد جدوبها وقحوطها.

وقوله: ( لَيَقُولُنَّ اللهَ ) يقول: ليقولنّ الذي فعل ذلك الله، الذي له عبادة كل شيء.

وقوله: ( قُلِ الحَمْدُ لِلهِ ) يقول: وإذا قالوا ذلك، فقل: الحمد لله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم، وما فيه الضرّ، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الآلهة دون الله، ينالون بها عند الله زُلْفة وقربة، ولا يعلمون أنهم بذلك هالكون، مستوجبون الخلود في النار.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 )

يقول تعالى ذكره: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ( إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) يقول: إلا تعليل النفوس بما تلتذّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريب، لا بقاء له ولا دوام ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) يقول: وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) حياة لا موت فيها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قالا ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، قوله: ( لَهِيَ الحَيَوانُ ) قال: لا موتَ فيها.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) يقول: باقية.

وقوله: ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكذيبهم بالله، وإشراكهم غيره في عبادته، ولكنهم لا يعلمون ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 )

يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) يقول: أخلصوا لله عند الشدّة التي نـزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ) يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلَّمهم، فصاروا إلى البرّ، إذا هم يجعلون مع الله شريكا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 )

يقول تعالى ذكره: فلما نجى الله هؤلاء المشركين مما كانوا فيه في البحر، من الخوف والحذر من الغرق إلى البرّ، إذا هم بعد أن صاروا إلى البرّ يشركون بالله الآلهة والأنداد. ( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْناهُمْ ) يقول: ليجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليهم في أنفسهم وأموالهم.

( وَلِيَتَمَتَّعُوا ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ( وَلِيَتَمَتَّعُوا ) بكسر اللام، بمعنى: وكي يتمتعوا آتيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين: ( وَلْيَتَمَتَّعُوا ) بسكون اللام على وجه الوعيد والتوبيخ: أي اكفروا فإنكم سوف تعلمون ماذا يَلْقون من عذاب الله بكفرهم به.

وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه بسكون اللام، على وجه التهديد والوعيد، وذلك أن الذين قرءوه بكسر اللام، زعموا أنهم إنما اختاروا كسرها عطفا بها على اللام التي في قوله: ( لِيَكْفُرُوا ) ، وأن قوله: ( لِيَكْفُرُوا ) لما كان معناه: كي يكفروا، كان الصواب في قوله: ( وَلِيَتَمَتَّعُوا ) أن يكون: وكي يتمتعوا، إذ كان عطفا على قوله: ( لِيَكْفُرُوا ) عندهم، وليس الذي ذهبوا من ذلك بمذهب؛ وذلك لأن لام قوله: ( لِيَكْفُرُوا ) صلُحت أن تكون بمعنى كي؛ لأنها شرط، لقوله: إذا هم يشركون بالله كي يكفروا بما آتيناهم من النعم، وليس ذلك كذلك في قوله: ( وَلِيَتَمَتَّعُوا ) لأن إشراكهم بالله كان كفرا بنعمته، وليس إشراكهم به تمتعا بالدنيا، وإن كان الإشراك به يسهل لهم سبيل التمتع بها، فإذ كان ذلك كذلك فتوجيهه إلى معنى الوعيد أولى وأحقّ من توجيهه إلى معنى: وكي يتمتعوا، وبعد فقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ ( وَتَمَتَّعُوا ) وذلك دليل على صحة من قرأه بسكون اللام بمعنى الوعيد.

وقوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ) يقول تعالى ذكره، مذكرا هؤلاء المشركين من قريش، القائلين: لولا أنـزل عليه آية من ربه، نِعْمَتَه عليهم التي خصهم بها دون سائر الناس غيرهم، مع كفرهم بنعمته وإشراكهم في عبادته الآلهة والأنداد: أولم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من نعمتنا عليهم، دون سائر عبادنا، فيشكرونا على ذلك، وينـزجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعنا، ولا يضرّهم في عبادتنا أنا جعلنا بلدهم حرما، حرّمنا على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، آمنا يأمن فيه من سكنه، فأوى إليه من السباء، والخوف، والحرام الذي لا يأمنه غيرهم من الناس، ( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) يقول: وتُسْلَب الناس من حولهم قتلا وسباء.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، في قوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) قال: كان لهم في ذلك آية، أن الناس يُغزَون ويُتَخَطَّفون وهم آمنون.

وقوله: ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ) يقول: أفبالشرك بالله يقرّون بألوهة الأوثان بأن يصدّقوا، وبنعمة الله التي خصهم بها من أن جعل بلدهم حرما آمنا يكفرون، يعني بقوله: ( يكفرون ) : يجحدون.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُون ) : أي بالشرك ( وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) : أي يجحدون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ( 68 )

يقول تعالى ذكره: ومن أظلم أيها الناس ممن اختلق على الله كذبا، فقالوا إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، والله لا يأمر بالفحشاء ( أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ) يقول: أو كذّب بما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من توحيده، والبراءة من الآلهة والأنداد لما جاءه هذا الحقّ من عند الله ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ) يقول: أليس في النار مَثْوًى ومَسْكَن لمن كفر بالله، وجحد توحيده وكذّب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا تقرير، وليس باستفهام، إنما هو كقول جرير:

أَلَسْــتُمْ خَـيْرَ مَـنْ رَكـبَ المَطايـا وأنْـــدَى العَــالَمِينَ بُطُــونَ رَاح

إنما أخبر أن للكافرين بالله مَسْكَنا في النار، ومنـزلا يَثْوُونَ فيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 )

يقول تعالى ذكره: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبا من كفار قريش، المكذّبين بالحقّ لما جاءهم فينا، مُبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا، ونُصرة ديننا ( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) يقول: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ( وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ) يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ) فقلت له: قاتلوا فينا، قال: نعم.

آخر تفسير سورة العنكبوت

 

تفسير سورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : الم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 )

قال أبو جعفر: قد بيَّنا فيما مضى قبلُ معنى قوله: ( الم ) وذكرنا ما فيه من أقوال أهل التأويل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: ( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ ) اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( غُلِبَتِ الرُّومُ ) بضمّ الغين، بمعنى أن فارس غَلَبت الروم.

وروي عن ابن عمر وأبي سعيد في ذلك ما حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن الحسن الجفريّ، عن سليط، قال: سمعت ابن عمر يقرأ ( الم غَلَبَتِ الرُّومُ ) فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، على أيّ شيء غَلَبوا؟ قال: على ريف الشام.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) بضم الغين؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: غلبت فارس الروم ( فِي أَدْنَى الأرْضِ ) من أرض الشام إلى أرض فارس ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ) يقول: والروم من بعد غلبة فارس إياهم ( سَيَغْلِبُونَ ) فارس ( فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ) غلبتهم فارس ( وَمِنْ بَعْدُ ) غلبتهم إياها، يقضي في خلقه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر من شاء منهم على من أحبّ إظهاره عليه ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) يقول: ويوم يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون بالله ورسوله بنصر الله إياهم على المشركين، ونُصْرة الروم على فارس ( يَنْصُرُ ) اللهُ تعالى ذكره ( مَنْ يَشاءُ ) من خلقه، على من يشاء، وهو نُصرة المؤمنين على المشركين ببدر، ( وَهُوَ العَزِيزُ ) يقول: والله الشديد في انتقامه من أعدائه، لا يمنعه من ذلك مانع، ولا يحول بينه وبينه حائل، ( الرَّحِيمُ ) بمن تاب من خلقه، وراجع طاعته أن يعذّبه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن سعيد - أو، سعيد الثعلبي، الذي يقال له أبو سعد من أهل طَرَسُوس- قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون يُحبون أن تغلب الرومُ أهل الكتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، قال: فذكروا ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: « أَمَا إنَّهُمْ سَيُهْزَمُونَ » ، قال: فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، قال: فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلا فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا، وقال: فجعلوا بينهم وبينه أجلا خمس سنين، قال: فمضت فلم يُغلَبوا، قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: « أَفَلا جَعَلْتَهُ دُونَ العَشْرِ » ، قال سعيد: والبضْع ما دون العشر، قال: فَغَلَبَ الروم، ثم غلبت، قال: فذلك قوله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) قال: البضع: ما دون العشر، ( لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: ثنا موسى بن هارون البرديّ، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: لما نـزلت ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ ... ) الآية، ناحب أبو بكر قريشا، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني قد ناحبتهم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: « هَلا احْتَطْتَ، فإنَّ البِضْع ما بينَ الثلاثِ إلى التِّسْعِ » . قال الجمحي: المناحبة: المراهنة، وذلك قبل أن يكون تحريم ذلك.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى قوله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) قال: قد مضى، كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبتهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبيّ الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب، يوم التقت الروم وفارس، فنصر الله النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم، ونصر أهل الكتاب على العجم. قال عطية: فسألت أبا سعيد الخدريّ عن ذلك، فقال: التقينا مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر الله أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين، وفرحنا بنصر الله أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) .

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) غلبتهم فارس، ثم غلبت الروم.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، قال: قد مضى ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) .

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى قوله: ( أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) قال: ذَكَر غَلَبة فارس إياهم، وإدالة الروم على فارس، وفرحَ المؤمنون بنصر الروم أهل الكتاب على فارس من أهل الأوثان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرِمة، أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض، قالوا: وأدنى الأرض يومئذ أَذْرعات، بها التقَوا، فهُزِمت الروم، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة، فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميُّون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنكم أهل الكتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمِّيُّون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم، فأنـزل الله ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ... ) الآيات، فخرج أبو بكر الصدّيق إلى الكفَّار، فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟ فلا تفرحوا، ولا يقرّنّ الله أعينكم، فوالله ليظهرنّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أُبيّ بن خلف، فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله، فقال: أناحبك عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمتَ إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: « مَا هَكذَا ذَكَرْتُ، إنَّما البِضْعُ ما بينَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَزَايِدْهُ فِي الخَطَرِ، ومادّه فِي الأجَلِ » . فخرج أبو بكر فلقي أُبَيًّا، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا فقال: أزايدك في الخطر، وأمادّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرِمة قال: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى، فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري عليّ أيهم أستعمل، فقالت: هذا فلان، وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صرد، وهذا فرخان، وهو أنفذ من سنان، وهذا شهربراز، وهو أحلم من كذا، فاستعمل أيهم شئت، قال: إني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إلى الروم بأهل فارس، وظهر عليهم، فقتلهم، وخرّب مدائنهم، وقطع زيتونهم. قال أبو بكر: فحدّثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا قال: أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خرّبت، والزيتون الذي قُطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته.

قال عطاء الخراساني: ثني يحيى بن يعمر، أن قيصر بعث رجلا يُدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهربراز، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس، ففرح بذلك كفار قريش، وكرهه المسلمون، فأنـزل الله ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ ... ) الآيات، ثم ذكر مثل حديث عكرِمة، وزاد: فلم يزل شهربراز يطؤهم، ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، ثم مات كسرى، فبلغهم موته، فانهزم شهربراز وأصحابه، وأوعبت عليهم الروم عند ذلك، فأتبعوهم يقتلونهم قال: وقال عكرِمة في حديثه: لما ظهرت فارس على الروم جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب إلى شهربُراز: إذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس فرخان. فكتب إليه: أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وضربا في العدوّ، فلا تفعل. فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجِّل إليّ برأسه، فراجعه، فغضب كسرى، فلم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس، إني قد نـزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة: إذا ولي فرخان المُلك، وانقاد له أخوه، فأعطه هذه؛ فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعا وطاعة، ونـزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع الصحيفة إليه، قال: ائتوني بشهربراز، فقدّمه ليضرب عنقه، قال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسَّفط، فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فردَّ الملك، وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا يحملها البريد، ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتته عيونه أن ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين، فدعيا ترجمانا بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خرّبوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك. فقال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السرّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا. قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحُدَيبية، ففرح ومن معه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) قال: غلبتهم فارس على أدنى الشام ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ... ) الآية، قال: لما أنـزل الله هؤلاء الآيات صدّق المسلمون ربهم، وعلموا أن الروم سيظهرون على فارس، فاقتمروا هم والمشركون خمس قلائص خمس قلائص، وأجلوا بينهم خمس سنين، فولي قمار المسلمين أبو بكر رضي الله عنه، وولي قمار المشركين أُبيّ بن خلف، وذلك قبل أن ينهى عن القمار، فحل الأجل، ولم يظهر الروم على فارس، وسأل المشركون قمارهم، فذكر ذلك أصحاب النبيّ للنبي صلى الله عليه وسلم قال: « لَمْ تكُونُوا أَحِقَّاءَ أنْ تُؤجِّلُوا دُونَ العَشْرِ، فإنَّ البِضْعَ ما بينَ الثلاثِ إلى العَشْرِ، وَزَايِدوهُمْ فِي القِمار، وَمادُّوهُمْ فِي الأجَلِ » ، ففعلوا ذلك، فأظهر الله الروم على فارس عند رأس البِضْع سنينَ من قمارهم الأوّل، وكان ذلك مرجعه من الحديبية، ففرح المسلمون بصلحهم الذي كان، وبظهور أهل الكتاب على المجوس، وكان ذلك مما شدّد الله به الإسلام وهو قوله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ... ) الآية.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ في قوله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى قوله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر الناس بمكة أن الروم ستغلب، قال: فنـزل القرآن بذلك، قال: وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن عبد الله قال: كانت فارس ظاهرة على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم، فلما نـزلت ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) إلى ( فِي بِضْعِ سِنِينَ ) قالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين، قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، وشقّ على المسلمين، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فقال: « مَا بضْعُ سِنينَ عنْدَكُمْ؟ » قالوا: دون العشر. قال: « اذْهَبْ، فزَايِدْهُمْ وازْدَدْ سَنَتَيْن » قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المسلمون بذلك، فأنـزل الله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى قوله: ( وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش ومطر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضت الروم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ ) قال: أدنى الأرض: الشأم، ( وَهُمْ منْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) قال: كانت فارس قد غلبت الروم، ثم أديل الروم على فارس، وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنَّ الرُّوم سَتَغْلِبُ فارِسًا » ، فقال المشركون: هذا مما يتخرّص محمد، فقال أبو بكر: تناحبونني؟ - والمناحبة: المجاعلة- قالوا: نعم. فناحبهم أبو بكر، فجعل السنين أربعا أو خمسا، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: « إنَّ الْبِضْعَ فِيمَا بَيْنَ الثَّلاثِ إِلَى التِّسْعِ، فارْجعْ إلى القَوْمِ، فَزِدْ فِي المُناحَبَةِ » ، فرجع إليهم. قالوا: فناحبهم فزاد. قال: فغَلبت الروم فارسا، فذلك قول الله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ) يوم أديلت الروم على فارس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) قال: غُلبت وغَلبت؛ فأما الذين قرءوا ذلك: ( غَلَبَتِ الرُّومُ ) بفتح الغين، فإنهم قالوا: نـزلت هذه الآية خبرا من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سليمان - يعني الأعمش- عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنـزلت ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) على فارس.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم بدر، غلبت الروم على فارس، ففرح المسلمون بذلك، فأنـزل الله ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى آخر الآية.

حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين؛ لأنهم أهل كتاب، فأنـزل الله ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ ) قال: كانوا قد غلبوا قبل ذلك، ثم قرأ حتى بلغ ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ) .

وقوله: ( فِي أَدْنَى الأرْضِ ) قد ذكرت قول بعضهم فيما تقدّم قبل، وأذكر قول من لم يذكر قوله.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( فِي أَدْنَى الأرْضِ ) يقول: في طرف الشام. ومعنى قوله أدنى: أقرب، وهو أفعل من الدنوّ والقرب. وإنما معناه: في أدنى الأرض من فارس، فترك ذكر فارس استغناء بدلالة ما ظهر من قوله: ( فِي أَدْنَى الأرْضِ ) عليه منه. وقوله: ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ) يقول: والروم من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبون فارس.

وقوله: ( مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ) مصدر من قول القائل: غلبته غلبة، فحذفت الهاء من الغلبة. وقيل: من بعد غلبهم، ولم يقل: من بعد غلبتهم للإضافة، كما حذفت من قوله: وَإِقَامَ الصَّلاةِ للإضافة. وإنما الكلام: وإقامة الصلاة.

وأما قوله: ( سَيَغْلِبُونَ ) فإن القرّاء أجمعين على فتح الياء فيها، والواجب على قراءة من قرأ: ( الم غَلَبَتِ الرُّومُ ) بفتح الغين، أن يقرأ قوله: ( سَيُغْلَبُونَ ) بضم الياء، فيكون معناه: وهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبهم المسلمون، حتى يصحّ معنى الكلام، وإلا لم يكن للكلام كبير معنى إن فتحت الياء، لأن الخبر عما قد كان يصير إلى الخبر عن أنه سيكون، وذلك إفساد أحد الخبرين بالآخر.

وقوله: ( فِي بضْعِ سِنِينَ ) قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في معنى البضع فيما مضى، وأتينا على الصحيح من أقوالهم، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا خلاد بن أسلم الصفار، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت له: ما البضع؟ قال: زعم أهل الكتاب أنه تسع أو سبع.

وأما قوله: ( لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) فإن القاسم حدثنا، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج قوله: ( لِلهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ) دولة فارس على الروم، ( وَمِنْ بَعْدُ ) دولة الروم على فارس.

وأما قوله: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ) فقد ذكرنا الرواية في تأويله قبل، وبيَّنا معناه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 )

يقول تعالى ذكره: وعد الله جلّ ثناؤه، وعد أن الروم ستغلب فارس من بعد غلبة فارس لهم، ونصب ( وَعْدَ اللهِ ) على المصدر من قوله: ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) لأن ذلك وعد من الله لهم أنهم سيغلبون، فكأنه قال: وعد الله ذلك المؤمنين وعدا، ( لا يُخلف اللهُ وَعْدَهُ ) يقول تعالى ذكره: إن الله يفي بوعده للمؤمنين أن الروم سيغلبون فارس، لا يخلفهم وعده ذلك؛ لأنه ليس في مواعيده خلف ( ولكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يعْلَمُونَ ) يقول: ولكنّ أكثر قريش الذين يكذّبون بأن الله منجز وعده المؤمنين، من أن الروم تغلب فارس، لا يعلمون أن ذلك كذلك، وأنه لا يجوز أن يكون في وعد الله إخلاف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( 7 )

يقول تعالى ذكره: يعلم هؤلاء المكذّبون بحقيقة خبر الله أن الروم ستغلب فارس، ظاهرا من حياتهم الدنيا، وتدبير معايشهم فيها، وما يصلحهم، وهم عن أمر آخرتهم، وما لهم فيه النجاة من عقاب الله هنالك، غافلون، لا يفكرون فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تُمَيْلة يحيى بن واضح الأنصاري، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثنا يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظاهِرا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ) يعني معايشهم، متى يحصدون ومتى يغرسون.

حدثني أحمد بن الوليد الرمليّ، قال ثنا: عمرو بن عثمان بن عمر، عن عاصم بن عليّ، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا ابن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( يعلَمونَ ظاهِرًا من الحَياةِ الدُّنْيا ) قال: متى يَزْرَعون، متى يَغْرِسون.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثني شرقي، عن عكرمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: هو السراج أو نحوه.

حدثنا أبو هريرة محمد بن فراس الضبعي، قال: ثنا أبو قُتَيبة، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) : قال السراجون.

حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: الخرازون والسراجون.

حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم، وما يصلحهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة، وعن منصور، عن إبراهيم ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يعني الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.

حدثني ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: معايشهم، وما يصلحهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) من حرفَتها وتصرّفها وبغيتها، ( وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: يعلمون متى زرعهم، ومتى حصادهم.

قال: ثنا حفص بن راشد الهلالي، عن شعبة، عن شرقي، عن عكرِمة ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: السراج ونحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: صرفها في معيشتها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) .

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: تسترق الشياطين السمع، فيسمعون الكلمة التي قد نـزلت ينبغي لها أن تكون في الأرض، قال: ويرمون بالشُّهب، فلا ينجو أن يحترق، أو يصيبه شرر منه، قال: فيسقط فلا يعود أبدا، قال: ويرمي بذاك الذي سمع إلى أوليائه من الإنس، قال: فيحملون عليه ألف كذبة، قال: فما رأيت الناس يقولون: يكون كذا وكذا، قال: فيجيء الصحيح منه كما يقولون، الذي سمعوه من السماء، ويعقبه من الكذب الذي يخوضون فيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ( 8 )

يقول تعالى ذكره: أولم يتفكَّر هؤلاء المكذّبون بالبعث يا محمد من قومك في خلق الله إياهم، وأنه خلقهم ولم يكونوا شيئا، ثم صرفهم أحوالا وقارات حتى صاروا رجالا فيعلموا أن الذي فعل ذلك قادر أن يعيدهم بعد فنائهم خلقا جديدا، ثم يجازي المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته لا يظلم أحدا منهم، فيعاقبه بجرم غيره، ولا يحرم أحدا منهم جزاء عمله، لأنه العدل الذي لا يجور ( مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ) إلا بالعدل، وإقامة الحقّ، ( وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: وبأجل مؤقت مسمى، إذا بلغت ذلك الوقت أفنى ذلك كله، وبدّل الأرض غير الأرض والسماوات ، وبرزوا لله الواحد القهَّار، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم جاحدون منكرون؛ جهلا منهم بأن معادهم إلى الله بعد فنائهم، وغفلة منهم عن الآخرة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 )

يقول تعالى ذكره: أولم يسر هؤلاء المكذّبون بالله، الغافلون عن الآخرة من قريش في البلاد التي يسلكونها تجرا، فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذّبة، كيف كان عاقبة أمرها في تكذيبها رسلها، فقد كانوا أشدّ منهم قوّة، ( وَأَثَارُوا الأرْضَ ) : يقول: واستخرجوا الأرض، وحرثوها وعمروها أكثر مما عمر هؤلاء، فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم رسلهم، فلم يقدروا على الامتناع، مع شدّة قواهم مما نـزل بهم من عقاب الله، ولا نفعتهم عمارتهم ما عمروا من الأرض، إذ ( جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَينَاتِ ) من الآيات، فكذّبوهم، فأحلّ الله بهم بأسه، ( فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ) بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، وجحودهم آياته، ( وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بمعصيتهم ربهم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ( وَأَثَارُوا الأرْضَ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ) قال: ملكوا الأرض وعمروها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَأَثَارُوا الأرْضَ ) قال: حرثوها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضَ ... ) إلى قوله: ( وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوها ) كقوله: وَآثَارًا فِي الأَرْضِ ، وقوله: ( وَعَمَرُوها ) أكثر مما عمر هؤلاء ( وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالْبَيِّناتِ ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ( 10 )

يقول تعالى ذكره: ثم كان آخر أمر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض وعمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات بالله، وكذّبوا رسلهم، فأساءوا بذلك من فعلهم.

( السُّوءَى ) : يعني الخُلَّة التي هي أسوأ من فعلهم؛ أما في الدنيا، فالبوار والهلاك، وأما في الآخرة فالنار لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون.

وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى ) : الذين أشركوا السوءَى: أي النار.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى ) يقول: الذين كفروا جزاؤهم العذاب.

وكان بعض أهل العربية يقول: السوءى في هذا الموضع: مصدر، مثل البُقوى، وخالفه في ذلك غيره فقال: هي اسم.

وقوله: ( أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ) يقول: كانت لهم السوءى ، لأنهم كذّبوا في الدنيا بآيات الله، ( وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) . يقول: وكانوا بحجج الله وهم أنبياؤه ورسله يسخرون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 )

يقول تعالى ذكره: الله تعالى يبدأ إنشاء جميع الخلق منفردا بإنشائه من غير شريك ولا ظهير، فيحدثه من غير شيء، بل بقدرته عزّ وجل، ثم يعيد خلقا جديدا بعد إفنائه وإعدامه، كما بدأه خلقا سويا، ولم يك شيئا ( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول: ثم إليه من بعد إعادتهم خلقا جديدا يردّون، فيحشرون لفصل القضاء بينهم و لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ( 13 )

يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعة التي فيها يفصل الله بين خلقه، وينشر فيها الموتى من قبورهم، فيحشرهم إلى موقف الحساب ( يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) يقول: ييأس الذين أشركوا بالله، واكتسبوا في الدنيا مساوئ الأعمال من كلّ شرّ، ويكتئبون ويتندمون، كما قال العجاج:

يا صَاحِ هلْ تعْرِفُ رَسمًا مُكْرَسا قـــالَ نَعَــمْ أعْرِفُــهُ وأبْلَســا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( يُبْلِسُ ) . قال: يكتئب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) أي في النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) قال: المبلس: الذي قد نـزل به الشرّ، إذا أبلس الرجل، فقد نـزل به بلاء.

وقوله: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ ) يقول تعالى ذكره: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) لم يكن لهؤلاء المجرمين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم ( مِن شُرَكَائِهِمْ ) الذين كانوا يتبعونهم، على ما دعوهم إليه من الضلالة، فيشاركونهم في الكفر بالله، والمعاونة على أذى رسله، ( شُفَعَاءُ ) يشفعون لهم عند الله، فيستنقذوهم من عذابه، ( وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ) يقول: وكانوا بشركائهم في الضلالة والمعاونة في الدنيا على أولياء الله ( كَافِرِينَ ) ، يجحدون ولايتهم، ويتبرّءون منهم، كما قال جلّ ثناؤه: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ( 15 )

يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعة التي يحشر فيها الخلق إلى الله يومئذ، يقول في ذلك اليوم ( يَتَفَرَّقُونَ ) يعني: يتفرّق أهل الإيمان بالله، وأهل الكفر به، فأما أهل الإيمان، فيؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأما أهل الكفر فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، فهنالك يميز الله الخبيث من الطيِّب.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ) قال: فرقة والله، لا اجتماع بعدها ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ورسوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) يقول: فهم في الرياحين والنباتات الملتفة، وبين أنواع الزهر في الجنان يُسرون، ويلذّذون بالسماع وطيب العيش الهنيّ، وإنما خصّ جلّ ثناؤه ذكر الروضة في هذا الموضع، لأنه لم يكن عند الطرفين أحسن منظرا، ولا أطيب نشرا من الرياض، ويدل على أن ذلك كذلك قول أعشي بني ثعلبة:

مـا رَوْضَـةٌ مِن رِياضِ الحُسْن مُعْشِبَةٌ خَـضْرَاءُ جـادَ عَلَيْهـا مُسْـبِلٌ هَطِلُ

يُضَـاحكُ الشَّـمس منهـا كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُــؤَزَرٌ بعَمِيــمِ النَّبْــتِ مُكْتَهِـلُ

يَوْمـا بـأطْيَبَ مِنْهـا نَشْـرَ رائحَـةٍ وَلا بأحْسَــنَ مِنْهـا إذ دَنـا الأصُـلُ

فأعلمهم بذلك تعالى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنظر الأنيق، واللذيذ من الأراييح، والعيش الهنيّ فيما يحبون، ويسرُون به، ويغبطون عليه. و ( الحبرة ) عند العرب: السرور والغبطة، قال العجاج:

فـالْحَمْدُ لِلـهِ الَّـذِي أعْطَـى الحَـبَرْ مَــوَالِيَ الحَــقَّ إِنَّ المَـوْلى شَـكَرْ

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم في روضة يكرمون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) قال: يكرمون.

وقال آخرون: معناه: ينعمون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( يُحْبَرُونَ ) قال: ينعمون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) قال: ينعمون.

وقال آخرون: يلذذون بالسماع والغناء.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن موسى الحرسي، قال: ثني عامر بن يساف، قال: سألت يحيى بن أبي كثير، عن قول الله: ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) قال: الحبرة: اللذة والسماع.

حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ( يُحْبَرُونَ ) قال: السماع في الجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، مثله.

وكل هذه الألفاظ التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه تعود إلى معنى ما قلنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( 16 )

يقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله، وأنكروا البعث بعد الممات والنشور للدار الآخرة، فأولئك في عذاب الله محضرون، وقد أحضرهم الله إياها، فجمعهم فيها ليذوقوا العذاب الذي كانوا في الدنيا يكذّبون .

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ( 18 )

يقول تعالى ذكره: فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له ( حِينَ تُمْسُونَ ) ، وذلك صلاة المغرب، ( وَحِينَ تُصْبَحُونَ ) ، وذلك صلاة الصبح ( وَلهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: وله الحمد من جميع خلقه دون غيره ( فِي السَّمَاوَاتِ ) من سكانها من الملائكة، ( وَالأرْضِ ) من أهلها، من جميع أصناف خلقه فيها، ( وَعَشِيًّا ) يقول: وسَبِّحوه أيضا عشيا، وذلك صلاة العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) يقول: وحين تَدْخلون في وقت الظهر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزين، قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس: هل نجد ميقات الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال: نعم ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) المغرب ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) الفجر ( وَعَشِيًّا ) العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) الظهر، قال: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزين، قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الصلوات الخمس في القرآن، قال: نعم، فقرأ ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) قال: صلاة المغرب ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) قال: صلاة الصبح ( وَعَشِيًّا ) قال: صلاة العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) صلاة الظهر، ثم قرأ: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ .

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن الحكم بن أبي عياض، عن ابن عباس، قال: جمعت هاتان الآيتان مواقيت الصلاة ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) قال: المغرب والعشاء ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) الفجر ( وَعَشِيًّا ) العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) الظهر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن الحكم، عن أبي عياض، عن ابن عباس، بنحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن أبي عياض، عن ابن عباس في قوله: ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... ) إلى قوله: ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) قال: جمعت الصلوات ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) المغرب والعشاء ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) صلاة الصبح ( وَعَشِيًّا ) صلاة العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) صلاة الظهر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن ليث، عن مجاهد ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) المغرب والعشاء ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) الفجر ( وَعَشِيًّا ) العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) الظهر، وكلّ سجدة في القرآن فهي صلاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) لصلاة المغرب ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) لصلاة الصبح ( وَعشَيًّا ) لصلاة العصر ( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) صلاة الظهر أربع صلوات.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) قال: ( حِينَ تُمْسُونَ ) : صلاة المغرب، ( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) : صلاة الصبح، وعشيا: صلاة العصر، وحين تظهرون: صلاة الظهر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 )

يقول تعالى ذكره: صَلّوا في هذه الأوقات التي أمركم بالصلاة فيها أيها الناس، الله الذي يخرج الحيّ من الميت، وهو الإنسان الحيّ من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحيّ ( ويُحيي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) فينبتها، ويخرج زرعها بعد خرابها وجدوبها ( وَكَذَلكَ تُخْرَجُونَ ) يقول: كما يحيي الأرض بعد موتها، فيخرج نباتها وزرعها، كذلك يحييكم من بعد مماتكم، فيخرجكم أحياء من قبوركم إلى موقف الحساب.

وقد بيَّنا فيما مضى قبل تأويل قوله: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) ، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا نذكر بعض ما لم نذكر من الخبر هنالك إن شاء الله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) قال: يخرج من الإنسان ماء ميتا فيخلق منه بشرا، فذلك الميت من الحي، ويخرج الحي من الميت، فيعني بذلك أنه يخلق من الماء بشرًا فذلك الحي من الميت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن قوله: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، وأبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) قال: النُّطْفة ماء الرجل ميتة وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 )

يقول تعالى ذكره: ومن حُججه على أنه القادر على ما يشاء أيها الناس من إنشاء وإفناء، وإيجاد وإعدام، وأن كل موجود فخلقه خلقة أبيكم من تراب، يعني بذلك خلق آدم من تراب، فوصفهم بأنه خلقهم من تراب، إذ كان ذلك فعله بأبيهم آدم كنحو الذي قد بيَّنا فيما مضى من خطاب العرب من خاطبت بما فعلت بسلفه من قولهم: فعلنا بكم وفعلنا.

وقوله: ( ثُمَّ إِذَا أنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ) يقول: ثم إذا أنتم معشر ذرّية من خلقناه من تراب ( بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ) ، يقول: تتصرفون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) خلق آدم عليه السلام من تراب ( ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ) يعني: ذرّيته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 )

يقول تعالى ذكره: ومن حججه وأدلته على ذلك أيضا خلقه لأبيكم آدم من نفسه زوجة ليسكن إليها، وذلك أنه خلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) خلقها لكم من ضلع من أضلاعه.

وقوله: ( وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) يقول: جعل بينكم بالمصاهرة والختونة مودة تتوادّون بها، وتتواصلون من أجلها، ( وَرَحْمَةً ) رحمكم بها، فعطف بعضكم بذلك على بعض ( إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعله ذلك لعبرا وعظات لقوم يتذكرون في حجج الله وأدلته، فيعلمون أنه الإله الذي لا يُعجزه شيء أراده، ولا يتعذّر عليه فعل شيء شاءه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ( 22 )

يقول تعالى ذكره: ومن حججه وأدلته أيضا على أنه لا يُعجزه شيء، وأنه إذا شاء أمات من كان حيا من خلقه، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ وأعاده كما كان قبل إماتته إياه خلقه السموات والأرض من غير شيء أحدث ذلك منه، بل بقدرته التي لا يمتنع معها عليه شيء أراده ( وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) يقول: واختلاف منطق ألسنتكم ولغاتها ( وَأَلْوَانِكُمْ ) يقول: واختلاف ألوان أجسامكم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ للْعالِمِينَ ) يقول: إن في فعله ذلك كذلك لعبرا وأدلة لخلقه الذين يعقلون أنه لا يعييه إعادتهم لهيئتهم التي كانوا بها قبل مماتهم من بعد فنائهم، وقد بيَّنا معنى ( الْعَالِمِينَ ) فيما مضى قبل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 )

يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها القوم، تقديره الساعات والأوقات، ومخالفته بين الليل والنهار، فجعل الليل لكم سكنا تسكنون فيه، وتنامون فيه، وجعل النهار مضيئا لتصرّفكم في معايشكم والتماسكم فيه من رزق ربكم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كذلك، لعبرا وذكرى وأدلة على أن فاعل ذلك لا يُعجزه شيء أراده ( لِقَوْمٍ يِسْمَعُونَ ) مواعظ الله، فيتعظون بها، ويعتبرون فيفهمون حجج الله عليهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 )

يقول تعالى ذكره: ومن حججه ( يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ) لكم إذا كنتم سفْرا، أن تُمطروا فتتأذّوا به ( وطَمَعًا ) لكم، إذا كنتم في إقامة، أن تمطروا، فتحيوا وتخصبوا ( وَيُنـزلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً ) يقول: وينـزل من السما مطرا، فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة؛ فتنبت ويخرج زرعها بعد موتها، يعني جدوبها ودروسها ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) يقول: إن في فعله ذلك كذلك لعبرا وأدلة ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) عن الله حججه وأدلته.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فى قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ) قال: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم. واختلف أهل العربية في وجه سقوط « أن » في قوله: ( يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ) فقال بعض نحويي البصرة: لم يذكر هاهنا « أن » ؛ لأن هذا يدلّ على المعنى، وقال الشاعر:

ألا أيُّهَـذَا الزَّاجِـرِي أحْـضُرَ الـوَغَى وأنْ أشْـهَدَ اللَّـذَّاتِ هَـل أنْتَ مُخْلِدي

قال: وقال:

لَـوْ قُلْـتُ مـا فِـي قَوْمِهـا لَـمْ تِيثَمِ يَفْضُلُهــا فــي حَسَــبٍ وَمِيسـمِ

وقال: يريد ما في قومها أحد، وقال بعض نحويي الكوفيين: إذا أظهرت « أن » فهي في موضع رفع، كما قال: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - وَمَنَامُكُمْ ) فإذا حذفت جعلت ( مِنْ ) مؤدّية عن اسم متروك، يكون الفعل صلة، كقول الشاعر:

وَمــا الدَّهْــرُ إلا تارَتـانِ فَمِنْهُمـا أمـوتُ وأُخْـرَى أبْتَغـي العَيْش أَكْدحُ

كأنه أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها، وكذلك: ( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ) آية البرق، وآية لكذا، وإن شئت أردت: ويريكم من آياته البرق، فلا تضمر « وأن » ولا غيره. وقال بعض من أنكر قول البصري: إنما ينبغي أن تحذف « أن » من الموضع الذي يدلّ على حذفها، فأما في كلّ موضع فلا فأما مع أحضر الوغى، فلما كان: زجرتك أن تقوم، وزجرتك لأنْ تقوم، يدلّ على الاستقبال جاز حذف « أن » ؛ لأن الموضع معروف لا يقع في كلّ الكلام، فأما قوله: ومن آياته أنك قائم، وأنك تقوم، وأن تقوم، فهذا الموضع لا يحذف، لأنه لا يدلّ على شيء واحد.

والصواب من القول في ذلك أن « من » في قوله: ( وَمِنْ آياتِهِ ) تدل على المحذوف، وذلك أنها تأتي بمعنى التبعيض. وإذا كانت كذلك، كان معلوما أنها تقتضي البعض، فلذلك تحذف العرب معها الاسم؛ لدلالتها عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 )

يقول تعالى ذكره: ومن حججه أيها القوم على قُدرته على ما يشاء، قيام السماء والأرض بأمره خضوعا له بالطاعة بغير عمد ترى ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) يقول: إذا أنتم تخرجون من الأرض، إذا دعاكم دعوة مستجيبين لدعوته إياكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ) قامتا بأمره بغير عمد ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) قال: دعاهم فخرجوا من الأرض.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إِذَا أنتُمْ تَخْرُجُونَ ) يقول: من الأرض.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 )

يقول تعالى ذكره: من في السموات والأرض من ملك وجنّ وإنس عبيد وملك ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) يقول: كلّ له مطيعون، فيقول قائل: وكيف قيل ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) وقد علم أن أكثر الإنس والجنّ له عاصون؟ فنقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكر اختلافهم، ثم نبين الصواب عندنا في ذلك من القول، فقال بعضهم: ذلك كلام مخرجه مخرج العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) في الحياة والبقاء والموت، والفناء والبعث والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك، وإن عصاه بعضهم في غير ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ... إلى ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) يقول: مطيعون، يعني الحياة والنشور والموت، وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) : أي مطيع مقرٌّ بأن الله ربه وخالقه.

وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: ( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس. قال: أخبرنا ابن وهب. قال: قال ابن زيد في قوله: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) قال: كلّ له مطيعون، المطيع: القانت. قال: وليس شيء إلا وهو مطيع، إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. وفي قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ .

قال: هذا في الصلاة. لا تتكلموا في الصلاة، كما يتكلم أهل الكتاب في الصلاة. قال: وأهل الكتاب يمشي بعضهم إلى بعض في الصلاة. قال: ويتقابلون في الصلاة، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناء من قلوبنا، تسلم قلوب بعضنا لبعض، فقال الله: وقوموا لله قانتين لا تزولوا كما يزولون. قانتين: لا تتكلموا كما يتكلمون. قال: فأما ما سوى هذا كله في القرآن من القنوت فهو الطاعة، إلا هذه الواحدة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أن كلّ من في السماوات والأرض من خلق لله مطيع في تصرّفه فيما أراد تعالى ذكره، من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره وإيثاره على خلافه.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثير عددهم، وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي فيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت.

وقوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) يقول تعالى ذكره: والذي له هذه الصفات تبارك وتعالى، هو الذي يبدأ الخلق من غير أصل فينشئه ويوجده، بعد أن لم يكن شيئا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده، كما بدأه بعد فنائه، وهو أهون عليه.

اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ) فقال بعضهم: معناه: وهو هين عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، عن سفيان، عمن ذكره، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خيثم ( وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ) قال: ما شيء عليه بعزيز.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) يقول: كلّ شيء عليه هين.

وقال آخرون: معناه: وإعادة الخلق بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ) قال: يقول: أيسر عليه.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) قال: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين.

حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرِمة قرأ هذا الحرف ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، قال: فنـزلت هذه الآية: ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) إعادة الخلق أهون عليه من إبداء الخلق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرِمة، بنحوه. إلا أنه قال: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْه ) : يقول: إعادته أهون عليه من بدئه، وكلّ على الله هين. وفي بعض القراءة: ( وكلٌ على الله هين ) .

وقد يحتمل هذا الكلام وجهين، غير القولين اللذين ذكرت، وهو أن يكون معناه: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلق؛ أي إعادة الشيء أهون على الخلق من ابتدائه. والذي ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثني به ابن سعد قول أيضا له وجه.

وقد وجَّه غير واحد من أهل العربية قول ذي الرمة:

أخـي قَفَـرَاتٍ دَبَّيَـتْ فِـي عظامـه شُـفافات أعْجـاز الكَـرَى فهوَ أخْضَعَ

إلى أنه بمعنى خاضع. وقول الآخر:

لَعَمْـــرُكَ إنَّ الزِّبْرَقــانَ لَبــاذِلٌ لَمعْروفِــه عِنْــدَ السِّـنِينَ وأفْضَـلُ

كَــرِيمٌ لَــه عَـنْ كُـلّ ذَمّ تَـأَخُّرٌ وفِــي كُــلّ أسْـبابِ المَكـارِمِ أوَّلُ

إلى أنه بمعنى: وفاضل. وقول معن:

لَعَمْــرُكَ مـا أْدِري وإنّـي لأوْجَـلُ عــلى أيِّنــا تَعْــدُو المَنِيَّـةُ أوَّلُ

إلى أنه بمعنى: وإني لوجل. وقول الآخر:

تَمَنَّـى مُـرَيْءُ القَيْسِ مَوْتي وإنْ أمُتْ فَتِلــكَ سَـبِيلٌ لَسْـتُ فِيهـا بـأوْحَدِ

إلى أنه بمعنى: لست فيها بواحد. وقول الفرزدق:

إنَّ الَّـذِي سَـمَكَ السَّـماءَ بَنـى لَنـا بَيْتــا دَعائمُــهُ أعَــزُّ وأطْــوَلُ

إلى أنه بمعنى: عزيزة طويلة.

قالوا: ومنه قولهم في الأذان: الله أكبر؛ بمعنى: الله كبير؛ وقالوا: إن قال قائل: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به الخلق، فزعم أنه وهو أهون على الخلق، فإن الحجة عليه قول الله: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ، وقوله: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا أي: لا يثقله حفظهما.

وقوله: ( وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى ) يقول: ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثل الأعلى، تعالى ربنا وتقدّس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ ) يقول: ليس كمثله شيء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ) مثله أنه لا إله إلا هو، ولا ربّ غيره.

وقوله: ( وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) يقول تعالى ذكره: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وتصريفهم فيما أراد من إحياء وإماتة، وبعث ونشر، وما شاء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 )

يقول تعالى ذكره: مثل لكم أيها القوم ربكم مثلا من أنفسكم، ( هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) يقول: من مماليككم من شركاء، فيما رزقناكم من مال، فأنتم فيه سواء وهم. يقول: فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء في عبادتكم إياي، وأنتم وهم عبيدي ومماليكي، وأنا مالك جميعكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) قال: مثل ضربه الله لمن عدل به شيئا من خلقه، يقول: أكان أحدكم مشاركا مملوكه في فراشه وزوجته؟! فكذلكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) قال: هل تجد أحدا يجعل عبده هكذا في ماله، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبيدي وخلقي، وتجعل لهم نصيبا في عبادتي، كيف يكون هذا؟ قال: وهذا مثل ضربه الله لهم، وقرأ: ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء، مما ملكت أيمانكم، أن يرثوكم أموالكم من بعد وفاتكم، كما يرث بعضكم بعضا.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: في الآلهة، وفيه يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم أن يقاسموكم أموالكم، كما يقاسم بعضكم بعضا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، قال: قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.

وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك، القول الثاني؛ لأنه أشبههما بما دلّ عليه ظاهر الكلام، وذلك أن الله جلّ ثناؤه وبخ هؤلاء المشركين، الذين يجعلون له من خلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خلقه وهم عبيده، وعيرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبيدكم شركاء فيما خوّلناكم من نعمنا، فهم سواء، وأنتم في ذلك تخافون أن يقاسموكم ذلك المال الذي هو بينكم وبينهم، كخيفة بعضكم بعضا أن يقاسمه ما بينه وبينه من المال شركة، فالخيفة التي ذكرها تعالى ذكره بأن تكون خيفة مما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه المال الذي بينهما إياه، أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يرثه؛ لأن ذكر الشركة لا يدلّ على خيفة الوراثة، وقد يدلّ على خيفة الفراق والمقاسمة.

وقوله: ( كَذَلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يقول تعالى ذكره: كما بيَّنا لكم أيها القوم حججنا في هذه الآيات من هذه السورة على قدرتنا على ما نشاء من إنشاء ما نشاء، وإفناء ما نحبّ، وإعادة ما نريد إعادته بعد فنائه، ودللنا على أنه لا تصلح العبادة إلا للواحد القهار، الذي بيده ملكوت كلّ شيء كذلك نبين حججنا في كل حقّ لقوم يعقلون، فيتدبرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فيتعظون بها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 29 )

يقول تعالى ذكره: ما ذلك كذلك، ولا أشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله الآلهة والأوثان؛ لأن لهم شركاء فيما رزقهم الله من ملك أيمانهم، فهم وعبيدهم فيه سواء، يخافون أن يقاسموهم ما هم شركاؤهم فيه، فرضوا لله من أجل ذلك بما رضوا به لأنفسهم، فأشركوهم في عبادته، ولكن الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله، اتبعوا أهواءهم، جهلا منهم لحقّ الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ( فَمَنْ يهْدِي مَنْ أضَلَّ اللهُ ) يقول: فمن يسدّد للصواب من الطرق، يعني بذلك من يوفق للإسلام مَن أضلّ الله عن الاستقامة والرشاد ( وَما لَهُمْ منْ ناصرِينَ ) يقول: وما لمن أضلّ الله من ناصرين ينصرونه، فينقذونه من الضلال الذي يبتليه به تعالى ذكره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 )

يقول تعالى ذكره: فسدّد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربك يا محمد لطاعته، وهي الدين، ( حَنِيفًا ) يقول: مستقيما لدينه وطاعته ( فِطرةَ اللهِ التي فَطَر النَّاسَ عَلَيْهَا ) يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها ونصبت « فطرة » على المصدر من معنى قوله: ( فَأقِم وَجْهَكَ للدّينِ حَنِيفًا ) وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها ) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِطْرَةَ اللهِ ) قال: الإسلام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبي صالح، عن يزيد بن أبي مريم، قال: مرّ عمر بمُعاذ بن جبل، فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهنّ المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة ( فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) ، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة. فقال عمر: صدقت.

حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ ثم ذكر نحوه.

وقوله: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) يقول: لا تغيير لدين الله؛ أي لا يصلح ذلك، ولا ينبغي أن يفعل.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ) قال: لدينه.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له: قاسم، إلى عكرِمة يسأله عن قول الله: ( لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ) إنما هو الدين، وقرأ: ( لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرِمة ( فطْرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) قال: الإسلام.

قال: ثني أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة ( لا تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ ) قال: لدين الله.

قال: ثني أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: لدين الله.

قال: ثنا أبي، عن عبد الجبار بن الورد، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: قال مجاهد، فسل عنها عكرِمة، فسألته، فقال عكرِمة: دين الله تعالى ما له أخزاه الله؟! ألم يسمع إلى قوله: ( فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) ؟

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) : أي لدين الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن عكرِمة، قال: لدين الله.

قال: ثنا ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جُبَير ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) قال: لدين الله.

قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) قال: لدين الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) قال: دين الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، قال: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) قال: لدين الله.

قال: ثنا أبي، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لدين الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تغيير لخلق الله من البهائم، بأن يخصي الفحول منها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن رجل، سأل ابن عباس عن خصاء البهائم، فكرهه، وقال: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) .

قال: ثنا ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال عكرِمة: الإخصاء.

قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد، قال: الإخصاء.

وقوله: ( ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) يقول تعالى ذكره: إن إقامتك وجهك للدين حنيفا، غير مغير ولا مبدّل، هو الدين القيم، يعني: المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من الضلالات والبدع المحدثة.

وقد وجَّه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة ( ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) قال: الحساب القيم.

( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الدين الذي أمرتك يا محمد به بقولي ( فَأقمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفا ) هو الدين الحقّ دون سائر الأديان غيره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 )

يعني تعالى ذكره بقوله: ( مُنِيِبِين إلَيْهِ ) تائبين راجعين إلى الله مقبلين.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( مُنِيبينَ إلَيْهِ ) قال: المنيب إلى الله: المطيع لله، الذي أناب إلى طاعة الله وأمره، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك، كان القوم كفارا، فنـزعوا ورجعوا إلى الإسلام.

وتأويل الكلام: فأقم وجهك يا محمد للدين حنيفا، منيبين إليه، إلى الله، فالمنيبون حال من الكاف التي في وجهك.

فإن قال قائل: وكيف يكون حالا منها، والكاف كناية عن واحد، والمنيبون صفة لجماعة؟ قيل: لأن الأمر من الكاف كناية اسمه من الله في هذا الموضع أمر منه له ولأمته، فكأنه قيل له: فأقم وجهك أنت وأمتك للدين حنيفا لله، منيبين إليه.

وقوله: ( واتَّقُوهُ ) يقول جلّ ثناؤه: وخافوا الله وراقبوه، أن تفرّطوا في طاعته، وتركبوا معصيته ( وَلا تَكُونَوا مِنَ المُشْرِكِينَ ) يقول: ولا تكونوا من أهل الشرك بالله بتضييعكم فرائضه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه.

وقوله: ( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعا ) يقول: ولا تكونوا من المشركين الذين بدّلوا دينهم، وخالفوه ففارقوه ( وكانوا شِيَعًا ) يقول: وكانوا أحزابا فرقا كاليهود والنصارى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا ) : وهم اليهود والنصارى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا ) إلى آخر الآية، قال: هؤلاء يهود، فلو وجِّه قوله: ( مِنَ الِّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ) إلى أنه خبر مستأنف منقطع عن قوله: ( وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ) ، وأن معناه: ( من الذين فرّقوا دِينَهُم وكانُوا شيَعا ) أحزابا، ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) كان وجها يحتمله الكلام.

وقوله: ( كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ ) يقول: كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحقّ، فأحدثوا البدع التي أحدثوا ( بِمَا لَديْهم فَرِحُونَ ) يقول: بما هم به متمسكون من المذهب، فرحون مسرورون، يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 )

يقول تعالى ذكره: وإذا مسّ هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر ضرّ، فأصابتهم شدة وجدوب وقحوط ( دَعَوْا رَبَّهُمْ ) يقول: أخلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بالدعاء والتضرّع إليه، واستغاثوا به ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) ، تائبين إليه من شركهم وكفرهم ( ثُمَّ إِذَا أذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً ) يقول: ثم إذا كشف ربهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضرّ، وفرّجه عنهم، وأصابهم برخاء وخصب وسعة، ( إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) يقول: إذا جماعة منهم ( بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثان.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 )

يقول تعالى ذكره متوعدا لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنه إذا كشف الضرّ عنهم كفروا به: ليكفروا بما أعطيناهم، يقول: إذا هم بربهم يشركون، كي يكفروا: أي يجحدوا النعمة التي أنعمتها عليهم، بكشفي عنهم الضرّ الذي كانوا فيه، وإبدالي ذلك لهم بالرخاء والخصب والعافية، وذلك الرخاء والسعة هو الذي آتاهم تعالى ذكره: الذي قال: ( بِمَا آتَيْنَاهُمْ ) وقوله: ( فَتَمَتَّعُوا ) يقول: فتمتعوا أيها القوم، بالذي آتيناكم من الرخاء والسعة في هذه الدنيا ( فَسَوْف تَعْلَمُونَ ) إذا وردتم على ربكم ما تلقون من عذابه، وعظيم عقابه على كفركم به في الدنيا.

وقد قرأ بعضهم: ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) بالياء، بمعنى: ليكفروا بما آتيناهم، فقد تمتعوا، على وجه الخبر، فسوف يعلمون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 )

يقول تعالى ذكره: أم أنـزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان كتابا بتصديق ما يقولون، وبحقيقة ما يفعلون ( فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) يقول: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم، وإنما يعني جلّ ثناؤه بذلك: أنه لم ينـزل بما يقولون ويفعلون كتابا، ولا أرسل به رسولا وإنما هو شيء افتعلوه واختلقوه؛ اتباعا منهم لأهوائهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( أَمْ أَنـزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) يقول: أم أنـزلنا عليهم كتابا فهو ينطق بشركهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 )

يقول تعالى ذكره: إذا أصاب الناس منا خصب ورخاء وعافية في الأبدان والأموال، فرحوا بذلك، وإن تصبهم منا شدّة من جدب وقحط وبلاء في الأموال والأبدان ( بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهمْ ) يقول: بما أسلفوا من سيئ الأعمال بينهم وبين الله، وركبوا من المعاصي ( إذَا هُمْ يَقْنطُونَ ) يقول: إذا هم ييأسون من الفرج، والقنوط: هو الإياس، ومنه قول حميد الأرقط.

قَدْ وَجَدُوا الحَجَّاجَ غَيرَ قَانِطِ

وقوله: ( إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) هو جواب الجزاء؛ لأن « إذا » نابت عن الفعل بدلالتها عليه، فكأنه قيل: وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم وجدتهم يقنطون، أو تجدهم، أو رأيتهم، أو تراهم. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: إذا كانت « إذا » جوابا لأنها متعلقة بالكلام الأوّل بمنـزلة الفاء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 )

يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يصيبهم والخصب، وييأسون من الفرج عند شدّة تنالهم، بعيون قلوبهم، فيعلموا أن الشدّة والرخاء بيد الله، وأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده فيوسعه عليه، ويقدر على من أراد فيضيقه عليه ( إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ ) يقول: إن في بسطه ذلك على من بسطه عليه، وقدره على من قدره عليه، ومخالفته بين من خالف بينه من عباده في الغنى والفقر، لدلالة واضحة لمن صدّق حجج الله وأقرّ بها إذا عاينها ورآها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فأعط يا محمد ذا القرابة منك حقه عليك من الصلة والبرّ، والمسكين وابن السبيل، ما فرض الله لهما في ذلك.

كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الحسن ( فآت ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) قال: هو أن توفيهم حقهم إن كان عند يسر، وإن لم يكن عندك؛ فقل لهم قولا ميسورا، قل لهم الخير.

وقوله: ( ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده، خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك ( وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) يقول: ومن يفعل ذلك مبتغيا وجه الله به، فأولئك هم المنجحون، المدركون طلباتهم عند الله، الفائزون بما ابتغوا والتمسوا بإيتائهم إياهم ما آتوا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 )

يقول تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناس، بعضكم بعضا من عطية؛ لتزداد في أموال الناس برجوع ثوابها إليه، ممن أعطاه ذلك، ( فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) ، يقول: فلا يزداد ذلك عند الله، لأن صاحبه لم يعطه من أعطاه مبتغيا به وجهه ( وَما آتَيْتمْ مِنْ زَكاةٍ ) يقول: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله، ( فَأُوْلَئِكَ ) يعني الذين يتصدّقون بأموالهم، ملتمسين بذلك وجه الله ( هُمُ المُضْعِفُونَ ) يقول: هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب. من قول العرب: أصبح القوم مسمِنين معطِشين، إذا سمنت إبلهم وعطشت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) قال: هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضا، يعطي الرجل الرجل العطية، يريد أن يعطى أكثر منها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوالِ النَّاسِ ) قال: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليثيبه.

قال: ثنا يحيى، قال ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جُبَير ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أموَال النَّاس فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) قال: الرجل يعطي ليثاب عليه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُو فِي أمْوَال النَّاسِ ) قال: الهدايا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هي الهدايا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُو فِي أمْوَالِ النَّاسِ ) قال: يعطي ماله يبتغي أفضل منه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: هو الرجل يهدي إلى الرجل الهدية؛ ليثيبه أفضل منها.

قال: ثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: هو الرجل يعطي العطية، ويهدي الهدية، ليثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر ولا وزر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاس فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) قال: ما أعطيت من شيء تريد مثابة الدنيا، ومجازاة الناس ذاك الربا الذي لا يقبله الله، ولا يجزي به.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ ) فهو ما يتعاطى الناس بينهم ويتهادون، يعطي الرجل العطية؛ ليصيب منه أفضل منها، وهذا للناس عامة.

وأما قوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ فَهذَا للنبيّ خاصة، لم يكن له أن يعطي إلا لله، ولم يكن يعطي ليعطى أكثر منه.

وقال آخرون: إنما عنى بهذا الرجل: يعطي ماله الرجل ليعينه بنفسه، ويخدمه، ويعود عليه نفعه، لا لطلب أجر من الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ومحمد بن فضيل، عن زكريا، عن عامر ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ ) قال: هو الرجل يلزق بالرجل، فيخفّ له ويخدمه، ويسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، وإنما أعطاه التماس عونه، ولم يرد وجه الله.

وقال آخرون: هو إعطاء الرجل ماله ليكثر به مال من أعطاه ذلك، لا طلب ثواب الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي حصين، عن ابن عباس ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ ) قال: ألم تر إلى الرجل يقول للرجل: لأموّلنك، فيعطيه، فهذا لا يربو عند الله؛ لأنه يعطيه لغير الله ليثري ماله.

قال ثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت إبراهيم النخعي يقول في قوله: ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللهِ ) قال: كان هذا في الجاهلية، يعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله.

وقال آخرون: ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وأما لغيره فحلال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي روّاد، عن الضحاك ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ فِي أمْوَال النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) هذا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، هذا الربا الحلال.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لأنه أظهر معانيه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة، ( لِيَرْبُو ) بفتح الياء من يربو، بمعنى: وما آتيتم من ربا ليربو ذلك الربا في أموال الناس، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة: ( لِتَرْبُوا ) بالتاء من تربوا وضمها، بمعنى: وما آتيتم من ربا لتربوا أنتم في أموال الناس.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار مع تقارب معنييهما؛ لأن أرباب المال إذا أربوا ربا المال، وإذا ربا المال فبإرباء أربابه إياه ربا، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب.

وأما قوله: ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضعِفُونَ ) فإن أهل التأويل قالوا في تأويله نحو الذي قلنا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدون وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ) قال: هذا الذي يقبله الله ويضعفه لهم عشر أمثالها، وأكثر من ذلك.

حدثنا عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: قال ابن عباس قوله: ( وَما آتيتُمْ مِنْ رِبا ليَرْبُوَ فِي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ) قال: هي الهبة، يهب الشيء يريد أن يُثاب عليه أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ ) قال: هي الصدقة تريدون وجه الله ( فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفونَ ) قال معمر: قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 )

يقول تعالى ذكره للمشركين به، معرّفهم قبح فعلهم، وخبث صنيعهم: الله أيها القوم الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره، هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا، ثم رزقكم وخوّلكم، ولم تكونوا تملكون قبل ذلك، ثم هو يميتكم من بعد أن خلقكم أحياء، ثم يحييكم من بعد مماتكم لبعث القيامة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) للبعث بعد الموت.

وقوله: ( هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) يقول تعالى ذكره: هل من آلهتكم وأوثانكم التي تجعلونهم لله في عبادتكم إياه شركاء من يفعل من ذلكم من شيء، فيخلق، أو يرزق، أو يميت، أو ينشر، وهذا من الله تقريع لهؤلاء المشركين. وإنما معنى الكلام أن شركاءهم لا تفعل شيئا من ذلك، فكيف يعبد من دون الله من لا يفعل شيئا من ذلك، ثم برأ نفسه تعالى ذكره عن الفرية التي افتراها هؤلاء المشركون عليه بزعمهم أن آلهتهم له شركاء، فقال جلّ ثناؤه ( سبحانه ) أي تنـزيها لله وتبرئة ( وَتَعالى ) يقول: وعلوّا له ( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول: عن شرك هؤلاء المشركين به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) لا والله ( سُبْحانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 )

يقول تعالى ذكره: ظهرت المعاصي في برّ الأرض وبحرها بكسب أيدي الناس ما نهاهم الله عنه.

واختلف أهل التأويل في المراد من قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) فقال بعضهم: عنى بالبرّ، الفلوات، وبالبحر: الأمصار والقُرى التي على المياه والأنهار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا عثام، قال: ثنا النضر بن عربي، عن مجاهد وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ... الآية، قال: إذا وَلي سعى بالتعدّي والظلم، فيحبس الله القطر، فَـ ( يُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ) قال: ثم قرأ مجاهد: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ... ) الآية، قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) قال: أما إني لا أقول بحركم هذا، ولكن كلّ قرية على ماء جار.

قال: ثنا يزيد بن هارون، عن عمرو بن فروخ، عن حبيب بن الزبير، عن عكرِمة ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) قال: إن العرب تسمي الأمصار بحرا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ ) قال: هذا قبل أن يَبعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، امتلأت ضلالة وظلما، فلما بعث الله نبيه رجع راجعون من الناس.

قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) أما البرّ فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) قال: الذنوب، وقرأ ( لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن في قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ ) قال: أفسدهم الله بذنوبهم، في بحر الأرض وبرها بأعمالهم الخبيثة.

وقال آخرون: بل عنى بالبرّ: ظهر الأرض، الأمصار وغيرها، والبحر: البحر المعروف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) قال: في البرّ: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كلّ سفينة غصبا.

حدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر - يعني: ابن علية- : قال: سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ ) قال: بقتل ابن آدم، والذي كان يأخذ كل سفينة غصبا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ ) قال: قلت: هذا البرّ، والبحر أيّ فساد فيه؟ قال: فقال: إذا قلّ المطر، قل الغوص.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( ظَهَرَ الفَسادُ فِي البرّ ) قال: قتل ابن آدم أخاه، ( وَالْبَحْر ) قال: أخذ الملك السفن غصبا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن الله تعالى ذكره، أخبر أن الفساد قد ظهر في البرّ والبحر عند العرب في الأرض القفار، والبحر بحران: بحر ملح، وبحر عذب، فهما جميعا عندهم بحر، ولم يخصص جلّ ثناؤه الخبر عن ظهور ذلك في بحر دون بحر، فذلك على ما وقع عليه اسم بحر عذبا كان أو ملحا. إذا كان ذلك كذلك، دخل القرى التي على الأنهار والبحار.

فتأويل الكلام إذن إذ كان الأمر كما وصفت، ظهرت معاصي الله في كل مكان من برّ وبحر ( بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ ) : أي بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما.

وقوله: ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) يقول جل ثناؤه: ليصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوا، ومعصيتهم التي عصوا ( لَعَلَّهُمْ يَرجِعُونَ ) يقول: كي ينيبوا إلى الحقّ، ويرجعوا إلى التوبة، ويتركوا معاصي الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) قال: يتوبون.

قال: ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) يوم بدر لعلهم يتوبون.

قال: ثنا أبو أُسامة، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) قال: إلى الحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : لعلّ راجعا أن يرجع، لعل تائبا أن يتوب، لعلّ مستعتبا أن يستعتب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) قال: يرجع من بعدهم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( لِيُذِيقَهُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار ( لِيُذِيقَهُمْ ) بالياء، بمعنى: ليذيقهم الله بعض الذي عملوا، وذُكر أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ ذلك بالنون على وجه الخبر من الله عن نفسه بذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سيروا في البلاد، فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذّبوا رسلَه، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم، ألم نهلكهم بعذاب منا، ونجعلهم عبرة لمن بعدهم، ( كان أكثرهم مشركين ) ، يقول: فَعَلنا ذلك بهم؛ لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلَهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 )

يقول تعالى ذكره: فوجِّه وجْهَك يا محمد، نحو الوجه الذي وجَّهك إليه ربك ( للدّين القَيِّمِ ) لطاعة ربك، والمِلةِ المستقيمةِ التي لا اعوجاج فيها عن الحقِّ ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: من قبل مجيء يوم من أيام الله لا مردّ له لمجيئه؛ لأن الله قد قضى بمجيئه فهو لا محالة جاء ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) يقول: يوم يجيء ذلك اليوم يصدّع الناسُ، يقول: يتفرّق الناس فرقتين من قولهم: صَدَعتُ الغنم صدعتين: إذا فرقتها فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( فَأقِمْ وَجْهَكَ للدِينِ القَيِّمِ ) الإسلام ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) فريق في الجنة، وفريق في السعير.

حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) يقول: يتفرّقون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَصَّدَّعُونَ ) قال: يتفرّقون إلى الجنة، وإلى النار.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 )

يقول تعالى ذكره: من كفر بالله فعليه أوزار كفره، وآثام جحوده نِعَمَ ربه، ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا ) : يقول: ومن أطاع الله، فعمل بما أمره به في الدنيا، وانتهى عما نهاه عنه فيها ( فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدونَ ) يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوّون المضجع ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر:

امْهِـدْ لنفْسِـكَ حـانَ السُّـقْمُ والتَّلَـفُ وَلا تُضَيِّعَـنَّ نَفْسـا مَـا لَهـا خَـلَفُ

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) قال: يسوّون المضاجع.

حدثنا ابن المثنى والحسين بن يزيد الطحان وابن وكيع وأبو عبد الرحمن العلائي، قالوا: ثنا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) قال: في القبر.

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) قال: للقبر.

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليم، قال: ثنا ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ( فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) قال: في القبر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( 45 )

يقول تعالى ذكره: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله ( مِنْ فَضْلِهِ ) الذي وعد من أطاعه في الدنيا أن يجزيه يوم القيامة ( إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ) يقول تعالى ذكره: إنما خصّ بجزائه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من كفر بالله، إنه لا يحبّ أهل الكفر به. واستأنف الخبر بقوله: ( إنَّه لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ) وفيه المعنى الذي وصفت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 )

يقول تعالى ذكره: ومن أدلته على وحدانيته، وحججه عليكم، على أنه إله كلّ شيء ( أنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ ) بالغيث والرحمة ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) يقول: ولينـزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد، ولتجري السفن في البحار بها بأمره إياها ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) يقول: ولتلتمسوا من أرزاقه ومعايشكم التي قسمها بينكم ( وَلَعلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) يقول: ولتشكروا ربكم على ذلك، أرسل هذه الرياح مبشرات.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( الرّياحَ مُبَشِّراتٍ ) قال: بالمطر.

وقالوا في قوله: ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) مثل الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) قال: المطر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) : المطر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 )

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم، فيما يلقى من قومه من الأذى فيه بما لقي من قبله من رسله من قومهم، ومعلمه سنته فيهم، وفي قومهم، وأنه سالك به وبقومه سنته فيهم، وفي أممهم: ولقد أرسلنا يا محمد من قبلك رسلا إلى قومهم الكفرة، كما أرسلناك إلى قومك العابدي الأوثان من دون الله ( فَجَاءُوهُمْ بالبَيِّناتِ ) يعني: بالواضحات من الحجج على صدقهم، وأنهم لله رسل، كما جئت أنت قومك بالبينات فكذّبوهم، كما كذّبك قومك، وردّوا عليهم ما جاءوهم به من عند الله، كما ردّوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، ( فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) يقول: فانتقمنا من الذين أجرموا الآثام، واكتسبوا السيئات من قومهم، ونحن فاعلو ذلك كذلك بمجرمي قومك، ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ) يقول: ونجَّينا الذين آمنوا بالله وصدّقوا رسله، إذ جاءهم بأسنا، وكذلك نفعل بك وبمن آمن بك من قومك، ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنينَ ) على الكافرين، ونحن ناصروك ومن آمن بك على مَن كفر بك، ومظفروك بهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 48 )

يقول تعالى ذكره: ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) يقول: فتنشئ الرياح سحابا، وهي جمع سحابة، ( فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) يقول: فينشره الله، ويجمعه في السماء كيف يشاء، وقال: ( فيبسطه ) فوحد الهاء، وأخرج مخرج كناية المذكر، والسحاب جمع كما وصفت، ردّا على لفظ السحاب، لا على معناه، كما يقال: هذا تمر جيد.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ( فَيَبْسُطُهُ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) ويجمعه.

وقوله: ( وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ) : يقول: ويجعل السحاب قِطعا. متفرّقة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَيجْعَلُهُ كِسَفا ) : أي قطعا.

وقوله: ( فَتَرى الوَدْقَ ) يعني: المطر ( يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) يعني: من بين السحاب.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَتَرى الوَدْقَ يخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن قطن، عن حبيب، عن عبيد بن عمير ( يُرْسِلُ الرّياحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) قال: الرياح أربع: يبعث الله ريحا فتقمّ الأرض قما، ثم يبعث الله الريح الثانية فتثير سحابا، فيجعله في السماء كِسَفا، ثم يبعث الله الريح الثالثة فتؤلف بينه، فيجعله ركاما، ثم يبعث الريح الرابعة فتمطر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَتَرَى الوَدْقَ ) قال: القطر.

وقوله: ( فَإذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) يقول: فإذا صرف ذلك الودق إلى أرض من أراد صرفه إلى أرضه من خلقه؛ رأيتهم يستبشرون؛ بأنه صرف ذلك إليهم ويفرحون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ( 49 )

يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء الذين أصابهم الله بهذا الغيث من عباده، من قبل أن ينـزل عليهم هذا الغيث، من قبل هذا الغيث ( لَمُبْلِسِينَ ) يقول: لمكتئبين حزنين؛ باحتباسه عنهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ) : أي قانطين.

واختلف أهل العربية في وجه تكرير « من قبله » وقد تقدم قبل ذلك قوله: ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْهم ) فقال بعض نحويي البصرة: ردّ من قبله على التوكيد، نحو قوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . وقال غيره: ليس ذلك كذلك؛ لأن مع ( مِنْ قَبْلِ أنْ يُنـزلَ عَلَيْهم ) حرفا ليس مع الثانية، قال: فكأنه قال: من قبل التنـزيل من قبل المطر، فقد اختلفتا، وأما كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وكد بأجمعين؛ لأن كلا يكون اسما ويكون توكيدا، وهو قوله: أجمعون. والقول عندي في قوله: ( مِنْ قَبْلِهِ ) على وجه التوكيد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 )

اختلفت القرّاء في قوله: ( فانْظُرْ إلَى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ ) فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض الكوفيين: ( إلَى أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ ) على التوحيد، بمعنى: فانظر يا محمد إلى أثر الغيث الذي أصاب الله به من أصاب من عباده، كيف يحيي ذلك الغيث الأرض من بعد موتها. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( فَانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ ) على الجماع، بمعنى: فانظر إلى آثاء الغيث الذي أصاب الله به من أصاب، كيف يحيي الأرض بعد موتها.

والصواب من القول فى ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن الله إذا أحيا الأرض بغيث أنـزله عليها، فإن الغيث أحياها بإحياء الله إياها به، وإذا أحياها الغيث، فإن الله هو المحيي به، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب. فتأويل الكلام إذًا: فانظر يا محمد، إلى آثار الغيث الذي ينـزل الله من السحاب، كيف يحيي بها الأرض الميتة، فينبتها ويعشبها، من بعد موتها ودثورها، ( إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى ) . يقول جلّ ذكره: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها بهذا الغيث، لمحيي الموتى من بعد موتهم، وهو على كلّ شيء مع قدرته على إحياء الموتى قدير، لا يعزّ عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه سبحانه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 )

يقول تعالى ذكره: ولئن أرسلنا ريحا مفسدة ما أنبته الغيث الذي أنـزلناه من السماء، فرأى هؤلاء الذين أصابهم الله بذلك الغيث الذي حييت به أرضوهم، وأعشبت ونبتت به زروعهم، ما أنبتته أرضوهم بذلك الغيث من الزرع مصفرّا، قد فسد بتلك الريح التي أرسلناها، فصار من بعد خضرته مصفرا، لظلوا من بعد استبشارهم، وفرحتهم به يكفرون بربهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 )

يقول تعالى ذكره: ( فَإنَّكَ ) يا محمد، ( لا تُسْمِعُ المَوتَى ) يقول: لا تجعل لهم أسماعا يفهمون بها عنك ما تقول لهم، وإنما هذا مثل معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين، الذين قد ختم الله على أسماعهم، فسلبهم فهم ما يُتلى عليهم من مواعظ تنـزيله، كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين قد سلبهم الله أسماعهم، بأن تجعل لهم أسماعا.

وقوله: ( وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ) يقول: وكما لا تقدر أن تُسمع الصمّ الذين قد سلبوا السمع - الدعاء، إذا هم ولوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فهم آيات كتابه، لسماع ذلك وفهمه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى ) : هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، ( وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) يقول: لو أن أصمَّ ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع.

وقوله: ( وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: وما أنت يا محمد بمسدّد من أعماه الله عن الاستقامة، ومحجة الحقّ، فلم يوفقه لإصابة الرشد، فصارفه عن ضلالته التي هو عليها، وركوبه الجائر من الطرق إلى سبيل الرشاد، يقول: ليس ذلك بيدك ولا إليك، ولا يقدر على ذلك أحد غيري؛ لأني القادر على كل شيء. وقيل: ( بهادي العمي عن ضلالتهم ) ولم يقل: من ضلالتهم، لأن معنى الكلام ما وصفت، من أنه: وما أنت بصارفهم عنه، فحمل على المعنى. ولو قيل: من ضلالتهم، كان صوابا. وكان معناه: ما أنت بمانعهم من ضلالتهم.

وقوله: ( إنْ تُسْمعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ) يقول تعالى ذكره لنبيه: ما تسمع السماع الذي ينتفع به سامعه فيعقله، إلا من يؤمن بآياتنا، لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبَّره وفهمه وعقله، وعمل بما فيه، وانتهى إلى حدود الله الذي حدّ فيه، فهو الذي يسمع السماع النافع.

وقوله: ( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) يقول: فهم خاضعون لله بطاعته، متذللون لمواعظ كتابه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 )

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذّبين بالبعث من مشركي قريش، محتجا عليهم بأنه القادر على ذلك، وعلى ما يشاء: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) أيها الناس ( مِنْ ضَعْفٍ ) يقول: من نطفة وماء مهين، فأنشأكم بشرا سويا، ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ) يقول: ثم جعل لكم قوّة على التصرّف، من بعد خلقه إياكم من ضعف، ومن بعد ضعفكم بالصغر والطفولة، ( ثُم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ) يقول: ثم أحدث لكم الضعف، بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم، وشيبة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) أي من نطفة ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا ) الهرم ( وَشَيْبَةً ) الشمط.

وقوله: ( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) يقول تعالى ذكر: يخلق ما يشاء من ضعف وقوّة وشباب وشيب ( وَهُوَ العَلِيمُ ) بتدبير خلقه ( القَدِيرُ ) على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، فكما فعل هذه الأشياء، فكذلك يميت خلقه ويحييهم إذا شاء. يقول: واعلموا أن الذي فعل هذه الأفعال بقدرته يحيي الموتى إذا شاء.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 )

يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء ساعة البعث، فيبعث الخلق من قبورهم، يقسم المجرمون، وهم الذين كانوا يكفرون بالله في الدنيا، ويكتسبون فيها الآثام، وإقسامهم: حلفهم بالله ( ما لَبِثُوا غيرَ ساعَةٍ ) : يقول: يقسمون بأنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة، يقول الله جلّ ثناؤه: كذلك في الدنيا كانوا يؤفكون: يقول: كذبوا في قيلهم وقَسَمِهِم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الكذب وهم يعلمون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ) أي: يكذبون في الدنيا، وإنما يعني بقوله: ( يُؤفَكُونَ ) عن الصدق، ويَصُدُّون عنه إلى الكذب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 )

كان قَتادة يقول: هذا من المقدّم الذي معناه التأخير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) قال: هذا من مقاديم الكلام. وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله .

وذُكر عن ابن جُرَيج أنه كان يقول: معنى ذلك: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله، والإيمان بالله وكتابه.

وقوله: ( فِي كِتابِ اللهِ ) يقول: فيما كتب الله مما سبق في علمه أنكم تلبثونه ( فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ ) يقول: فهذا يوم يبعث الناس من قبورهم ( وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) يقول: ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون، وأنكم مبعوثون من بعد الموت، فلذلك كنتم تكذبون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 )

يقول تعالى ذكره: فيوم يبعثون من قبورهم ( لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ) يعني: المكذّبين بالبعث في الدنيا ( معذرتهم ) ، وهو قولهم: ما علمنا أنه يكون، ولا أنا نُبعث ( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) يقول: ولا هؤلاء الظلمة يُسترجعون يومئذ عما كانوا يكذّبون به في الدنيا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ ( 58 )

يقول تعالى ذكره: ولقد مثلنا للناس في هذا القرآن من كل مثل احتجاجا عليهم، وتنبيها لهم عن وحدانية الله. وقوله: ( َولئنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ) يقول: ولئن جئت يا محمد هؤلاء القوم بآية، يقول: بدلالة على صدق ما تقول ( لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ) يقول: ليقولنّ الذين جحدوا رسالتك، وأنكروا نبوّتك، إن أنتم أيها المصدّقون محمدا فيما أتاكم به إلا مبطلون فيما تجيئوننا به من هذه الأمور.

 

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 )

يقول تعالى ذكره: كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله من هذه العِبر والعظات، والآيات البيِّنات، فلا يفقهون عن الله حُجة، ولا يفهمون عنه ما يتلو عليهم من آي كتابه، فهم لذلك في طغيانهم يتردّدون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 )

يقول تعالى ذكره: فاصبر يا محمد لما ينالك من أذاهم، وبلِّغهم رسالة ربك، فإن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم، والظفر بهم، وتمكينك وتمكين أصحابك وتُبَّاعك في الأرض حقّ ( وَلا يسْتَخِفَّنَّك الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) يقول: ولا يستخفنّ حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمعاد ولا يصدّقون بالبعث بعد الممات، فيثبطوك عن أمر الله والنفوذ لما كلَّفك من تبليغهم رسالته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سعيد بن جُبَير، عن عليّ بن ربيعة، أن رجلا من الخوارج، قرأ خلف عليّ رضي الله عنه : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فقال عليّ: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) .

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة عن عليّ بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليا رضي الله عنه، وهو في صلاة الفجر، فقال: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فأجابه عليّ رضي الله عنه وهو في الصلاة: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) قال: قال رجل من الخوارج خلف عليّ في صلاة الغداة: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فأنصت له عليّ رضي الله عنه حتى فهم ما قال؛ فأجابه وهو في الصلاة: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) .

آخر تفسير سورة الروم.

 

تفسير سورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : الم ( 1 ) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ( 2 ) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ( 3 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 )

وقد تقدّم بياننا تأويل قول الله تعالى ذكره ( الم ) . وقوله: ( تِلكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ) يقول جل ثناؤه: هذه آيات الكتاب الحكيم بيانا وتفصيلا. وقوله: ( هُدًى وَرَحْمَةً ) يقول: هذه آيات الكتاب بيانا ورحمة من الله، رحم به من اتبعه، وعمل به من خلقه، وبنصب الهدى والرحمة على القطع من آيات الكتاب قرأت قرّاء الأمصار غير حمزة، فإنه قرأ ذلك رفعا على وجه الاستئناف، إذ كان منقطعا عن الآية التي قبلها بأنه ابتداء آية وأنه مدح، والعرب تفعل ذلك مما كان من نعوت المعارف، وقع موقع الحال إذا كان فيه معنى مدح أو ذمّ. وكلتا القراءتين صواب عندي، وإن كنت إلى النصب أميل، لكثرة القراء به.

وقوله: ( للْمُحْسِنِينَ ) وهم الذين أحسنوا في العمل بما أنـزل الله في هذا القرآن، يقول تعالى ذكره: هذا الكتاب الحكيم هدى ورحمة للذين أحسنوا، فعملوا بما فيه من أمر الله ونهيه ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) يقول: الذين يقيمون الصَّلاةَ المفروضة بحدودها ( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) من جعلها الله له المفروضة في أموالهم ( وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) يقول: يفعلون ذلك وهم بجزاء الله وثوابه لمن فعل ذلك في الآخرة يوقنون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم على بيان من ربهم ونور ( وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلحونَ ) يقول: وهؤلاء هم المنْجِحون المدركون ما رَجَوا وأملوا من ثواب ربهم يوم القيامة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 6 )

اختلف أهل التأويل، في تأويل قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيث ) فقال بعضهم: من يشتري الشراء المعروف بالثمن، ورووا بذلك خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ، وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَلا التِّجارَةُ فِيهِنَّ، وَلا أثمَانُهُنَّ، وفيهنّ نـزلت هذه الآية: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) » .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن خَلاد الصفار، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه قال: « أكْلُ ثَمَنِهِنَّ حَرَامٌ » وقال أيضا: « وفِيهِنَّ أنـزلَ اللهُ عليَّ هَذِهِ الآيَةَ: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) » .

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن عمرو بن قيس الكلابي، عن أبي المهلَّب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة. قال: وثنا إسماعيل بن عَياش، عن مُطَرَّح بن يزيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن زيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا يحلّ تَعْلِيمُ المُغَنِّياتِ، وَلا بَيْعُهُنَّ وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَثمَنُهُنَّ حَرامٌ، وقَدْ نـزلَ تَصْدِيقُ ذلكَ فِي كِتابِ الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) إلى آخر الآية » .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من يختار لهو الحديث ويستحبه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ ) والله لعله أن لا ينفق فيه مالا، ولكن اشتراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ، وما يضرّ على ما ينفع.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا ابن شوذب، عن مطر في قول الله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) قال: اشتراؤه: استحبابه.

وأولى التأويلين عندي بالصواب تأويل من قال: معناه: الشراء، الذي هو بالثمن، وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه.

فإن قال قائل: وكيف يشتري لهو الحديث؟ قيل: يشتري ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديث، فيكون مشتريا لهو الحديث.

وأما الحديث، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الغناء والاستماع له.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ ) فقال عبد الله: الغناء، والذي لا إله إلا هو، يردّدها ثلاث مرّات.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عليّ بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء وأشباهه.

حدثنا ابن وكيع، والفضل بن الصباح، قالا ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: هو الغناء ونحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، مثله.

حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأنماطي، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هو الغناء والاستماع له، يعني قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) .

حدثنا الحسن بن عبد الرحيم، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جابر في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: هو الغناء والاستماع له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو مقسم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: شراء المغنية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص والمحاربي، عن ليث، عن الحكم، عن ابن عباس، قال: الغناء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) قال: باطل الحديث: هو الغناء ونحوه.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن مجاهد قال: الغناء.

قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن مجاهد ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: هو الغناء، وكلّ لعب لهو.

حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأنماطي، قال: ثنا عليّ بن حفص الهمداني، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء والاستماع له وكل لهو.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: المغني والمغنية بالمال الكثير، أو استماع إليه، أو إلى مثله من الباطل.

حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: هو الغناء أو الغناء منه، أو الاستماع له.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام بن عليّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شعيب بن يسار، عن عكرِمة قال: ( لَهْوَ الحَدِيثِ ) : الغناء.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شعيب بن يسار هكذا قال عكرِمة، عن عبيد، مثله.

حدثنا الحسين بن الزبرقان النخعي، قال: ثنا أبو أسامة وعبيد الله، عن أسامة، عن عكرِمة في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أسامة بن زيد، عن عكرِمة، قال: الغناء.

وقال آخرون: عنى باللهو: الطبل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج الأعور، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: اللهو: الطبل.

وقال آخرون: عنى بلهو الحديث: الشرك.

ذكر من قال ذلك:

حديث عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ) يعني: الشرك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيل اللهِ بغيرِ عِلْمٍ وِيتَّخِذَها هُزُوًا ) قال: هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إلى قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فليس هكذا أهل الإسلام، قال: وناس يقولون: هي فيكم وليس كذلك، قال: وهو الحديث الباطل الذي كانوا يلغون فيه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى به كلّ ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عمّ بقوله: ( لَهْوَ الحَدِيثِ ) ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدلّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك.

وقوله: ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) يقول: ليصدّ ذلك الذي يشتري من لهو الحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرّب إليه من قراءة قرآن وذكر الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) قال: سبيل الله: قراءة القرآن، وذكر الله إذا ذكره، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية.

وقوله: ( بغَيرِ عِلْم ) يقول: فعل ما فعل من اشترائه لهو الحديث جهلا منه بما له في العاقبة عند الله من وزر ذلك وإثمه. وقوله: ( وَيَتَّخِذَها هُزُوًا ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: ( وَيَتَّخِذُها ) رفعا، عطفا به على قوله: ( يَشْتَرِي ) كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشتري لهو الحديث، ويتخذ آيات الله هزوا. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( وَيَتَّخِذَها ) نصبا عطفا على يضلّ، بمعنى: ليضلّ عن سبيل الله، وليتخذَها هُزُوًا.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته، والهاء والألف في قوله: ( وَيَتَّخِذَها ) من ذكر سبيل الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( وَيَتَّخِذَها هُزُوًا ) قال: سبيل الله.

وقال آخرون: بل ذلك من ذكر آيات الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: بِحَسْب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ، وما يضرّ على ما ينفع، ويتخذها هزوا يستهزئ بها ويكذّب بها. وهما من أن يكونا من ذكر سبيل الله أشبه عندي لقربهما منها، وإن كان القول الآخر غير بعيد من الصواب، واتخاذه ذلك هزوا هو استهزاؤه به.

وقوله: ( أُولَئِكَ لَهُمْ عذَابٌ مُهِينٌ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله. لهم يوم القيامة عذاب مُذِلّ مخزٍ في نار جهنم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 7 )

يقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على هذا الذي اشترى لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله آيات كتاب الله، فقرئت عليه ( ولَّى مُسْتَكْبِرًا ) يقول: أدبر عنها، واستكبر استكبارا، وأعرض عن سماع الحقّ والإجابة عنه ( كأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كأنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا ) يقول: ثقلا فلا يطيق من أجله سماعه.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ( فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ) قال: ثقلا.

وقوله: ( فَبشِّرْهُ بعَذَابٍ ألِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: فبشر هذا المعرض عن آيات الله إذا تُلِيت عليه استكبارا بعذاب له من الله يوم القيامة مُوجِع، وذلك عذاب النار.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 ) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 )

يقول تعالى ذكره: ( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله فوحدوه، وصدّقوا رسوله واتبعوه ( وَعمِلُوا الصَّالحَاتِ ) يقول: فأطاعوا الله، فعملوا بما أمرهم في كتابه وعلى لسان رسوله، وانتهوا عما نهاهم عنه ( لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيم ) يقول: لهؤلاء بساتين النعيم ( خالدين فِيها ) يقول: ماكثين فيها إلى غير نهاية ( وَعْدَ اللهِ حَقًّا ) يقول: وعدهم الله وعدا حقا، لا شكّ فيه ولا خلف له ( وَهُوَ العَزِيزُ ) يقول: وهو الشديد في انتقامه من أهل الشرك به، والصادّين عن سبيله ( الحَكِيمُ ) في تدبير خلقه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 )

يقول تعالى ذكره: ومن حكمته أنه ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ) السبع ( بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) ، وقد ذكرت فيما مضى اختلاف أهل التأويل في معنى قوله: ( بغَيْرِ عمَدٍ تَرَوْنَها ) وبيَّنا الصواب من القول في ذلك عندنا.

وقد حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، عن عكرِمة، عن ابن عباس ( بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) قال: لعلها بعمد لا ترونها.

وقال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد قال: إنها بعمد لا ترونها.

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس قال: لعلها بعمد لا ترونها.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، عن سماك، عن عكرمة في هذا الحرف ( خَلَقَ السَّمَواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) قال: ترونها بغير عمد، وهي بِعمد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) قال: قال الحسن وقَتادة: إنها بغير عمد ترونها، ليس لها عمد.

وقال ابن عباس ( بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) قال: لها عمد لا ترونها.

وقوله: ( وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) يقول: وجعل على ظهر الأرض رواسي، وهي ثوابت الجبال أن تميد بكم أن لا تميد بكم. يقول: أن لا تضطرب بكم، ولا تتحرّك يمنة ولا يسرة، ولكن تستقرّ بكم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: ( وألْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ ) : أي: جبالا ( أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرّت عليها خلقا، وذلك كما قال الراجز:

والمُهْرُ يأْبَى أنْ يَزَال مُلَهَّبا

بمعنى: لا يزال.

وقوله: ( وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلّ دابَّةٍ ) يقول: وفرّق في الأرض من كلّ أنواع الدوابّ. وقيل: الدوابّ اسم لكلّ ما أكل وشرب، وهو عندي لكلّ ما دبّ على الأرض.

وقوله: ( وأنـزلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فأنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا من السماء مطرا، فأنبتنا بذلك المطر في الأرض من كلّ زوج، يعني: من كل نوع من النبات ( كريم ) ، وهو الحسن النِّبتة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( مِنْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) : أي حسن.

 

القول في تأويل قوله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 )

يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعددت عليكم أيها الناس أني خلقته في هذه الآية خلق الله الذي له ألوهة كل شيء، وعبادة كل خلق، الذي لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، فأروني أيها المشركون في عبادتكم إياه من دونه من الآلهة والأوثان، أي شيء خلق الذين من دونه من آلهتكم وأصنامكم، حتى استحقت عليكم العبادة فعبدتموها من دونه؟ كما استحقّ ذلك عليكم خالقكم، وخالق هذه الأشياء التي عددتها عليكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( هَذَا خَلْقُ اللهِ ) ما ذكر من خلق السموات والأرض، وما بثّ من الدوابّ، وما أنبت من كلّ زوج كريم ( فأرونِي ماذا خلق الذين مِن دُونِه ) الأصنام الذين تدعون من دونه.

وقوله: ( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يقول تعالى ذكره: ما عبد هؤلاء المشركون الأوثان والأصنام من أجل أنها تخلق شيئا، ولكنهم دعاهم إلى عبادتها ضلالهم، وذهابهم عن سبيل الحقّ، فهم في ضلال: يقول: فهم في جور عن الحقّ، وذهاب عن الاستقامة مبين: يقول: يبين لمن تأمله، ونظر فيه وفكَّر بعقل أنه ضلال لا هدى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 )

يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدين والعقل والإصابة في القول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمان الحِكْمَةَ ) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ) أي الفقه في الإسلام، قال قَتادة: ولم يكن نبيا، ولم يوح إليه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهد في قوله: ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ) قال: الحكمة: الصواب، وقال غير أبي بشر: الصواب في غير النبوّة.

حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال: كان لقمان رجلا صالحا، ولم يكن نبيا.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي وابن حميد، قالا ثنا حكام، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد قال: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقَّق القدمين.

حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثني يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان لقمان الحكيم أسود من سودان مصر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أشعث، عن عكرِمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا.

حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرنا أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأل، فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بِلال، ومهجِّع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي، قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال له لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، قال: كان لقمان عبدا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل، وهو في مجلس أناس يحدّثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقمانَ الحِكْمَةَ ) قال: القرآن.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الحكمة: الأمانة.

وقال آخرون: كان نبيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرِمة، قال: كان لقمان نبيا.

وقوله: ( أنِ اشْكُرْ لِلهِ ) يقول تعالى ذكره: ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) ، أن احمد الله على ما آتاك من فضله، وجعل قوله: ( أنِ اشكُرْ ) ترجمة عن الحكمة؛ لأن من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتَاهُ، وقوله: ( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يقول: ومن يشكر الله على نعمه عنده فإنما يشكر لنفسه، لأن الله يجزل له على شكره إياه الثواب، وينقذه به من الهلكة ( وَمَن كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) يقول: ومن كفر نعمة الله عليه إلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياه، والله غنيّ عن شكره إياه على نعمه، لا حاجة به إليه، لأن شكره إياه لا يزيد في سلطانه، ولا ينقص كفرانه إياه من ملكه. ويعني بقوله: ( حَمِيدٌ ) محمود على كلّ حال، له الحمد على نعمه، كفر العبد نعمته أو شكره عليها، وهو مصروف من مفعول إلى فعيل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) يقول: لخطأ من القول عظيم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 )

يقول تعالى ذكره: وأمرنا الإنسان ببرّ والديه ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ ) يقول: ضعفا على ضعف، وشدّة على شدّة، ومنه قول زهير:

فَلَــنْ يَقُولُـوا بِحَـبْلٍ وَاهِـنٍ خَـلَقٍ لَـوْ كـانَ قَـوْمُكَ فِـي أسْـبابِه هَلَكُوا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في المعني بذلك، فقال بعضهم: عنى به الحمل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) يقول: شدّة بعد شدّة، وخلقا بعد خلق.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَهْنًا عَلى وَهْنٍ ) يقول: ضعفا على ضعف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ ) أي جهدا على جهد.

وقال آخرون: بل عنى به: وهن الولد وضعفه على ضعف الأمّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَهْنًا عًلى وَهْنٍ ) قال: وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها.

وقوله: ( وَفِصَالُهُ فِي عامَيْنِ ) يقول: وفطامه في انقضاء عامين. وقيل: ( وَفِصَالُهُ فِي عامَيْنِ ) وترك ذكر انقضاء اكتفاء بدلالة الكلام عليه، كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا يراد به أهل القرية.

وقوله: ( أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) يقول: وعهدنا إليه أن اشكر لي على نعمي عليك، ولوالديك تربيتهما إياك، وعلاجهما فيك ما عالجا من المشقة حتى استحكم قواك. وقوله: ( إليَّ المَصِيرُ ) يقول: إلى الله مصيرك أيها الإنسان، وهو سائلك عما كان من شكرك له على نعمه عليك، وعما كان من شكرك لوالديك، وبرّك بهما على ما لقيا منك من العناء والمشقة في حال طفوليتك وصباك، وما اصطنعا إليك في برّهما بك، وتحننهما عليك.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه.

ذكر الرواية الواردة في ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: حلفت أمّ سعد أن لا تأكل ولا تشرب، حتى يتحوّل سعد عن دينه، قال: فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها، قال: فأتاها بنوها فسقوها، قال: فلما أفاقت دعت الله عليه، فنـزلت هذه الآية ( وَوَصَّيْنا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) إلى قوله: فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قالت أمّ سعد لسعد: أليس الله قد أمر بالبرّ، فوالله، لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها، فنـزلت هذه الآية ( وَوَصَّيْنا الإنسانَ بِوَالِدَيْهِ ) .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن سماك بن حرب، قال: قال سعد بن مالك: نـزلت فيّ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا قال: لما أسلمت، حلفت أمي لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا، قال: فناشدتها أوّل يوم، فأبت وصبرت، فلما كان اليوم الثاني ناشدتها، فأبت، فلما كان اليوم الثالث ناشدتها فأبت، فقلت: والله، لو كانت لك مئة نفس لخرجت قبل أن أدع ديني هذا، فلما رأت ذلك، وعرفت أني لست فاعلا أكلت.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا هبيرة يقول: قال: نـزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ... الآية.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 )

يقول تعالى ذكره: وإن جاهدك أيها الإنسان، والداك على أن تشرك بي في عبادتك إياي معي غيري، مما لا تعلم أنه لي شريك، ولا شريك له تعالى ذكره علوّا كبيرا، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك بي، ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا ) يقول: وصاحبهما في الدنيا بالطاعة لهما فيما لا تبعة عليك فيه، فيما بينك وبين ربك ولا إثم.

وقوله: ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أنابَ إليَّ ) يقول: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلى الإسلام، واتبع محمدا صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إليَّ ) أي: من أقبل إليّ.

وقوله: ( إليَّ مَرْجِعُكُمْ فأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) فإن إليّ مصيركم ومعادكم بعد مماتكم، فأخبركم بجميع ما كنتم في الدنيا تعملون من خير وشرّ، ثم أجازيكم على أعمالكم، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته.

فإن قال لنا قائل: ما وجه اعتراض هذا الكلام بين الخبر عن وصيتي لقمان ابنه؟ قيل: ذلك أيضا وإن كان خبرا من الله تعالى ذكره عن وصيته عباده به، وأنه إنما أوصى به لقمان ابنه، فكان معنى الكلام: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ولا تطع في الشرك به والديك ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفا ) فإن الله وصّى بهما، فاستؤنف الكلام على وجه الخبر من الله، وفيه هذا المعنى، فذلك وجه اعتراض ذلك بين الخبرين عن وصيته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 )

اختلف أهل العربية في معنى الهاء والألف اللتين في قوله: ( إنَّها ) فقال بعض نحويي البصرة: ذلك كناية عن المعصية والخطيئة. ومعنى الكلام عنده: يا بنيّ، إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل، أو إن الخطيئة. وقال بعض نحويي الكوفة: وهذه الهاء عماد. وقال: أنَّث تك، لأنه يراد بها الحبة، فذهب بالتأنيث إليها، كما قال الشاعر:

وَتَشْـرَقُ بـالقَوْلِ الَّـذِي قَـدْ أذَعْتَـهُ كمَـا شَـرِقَتْ صَـدْرُ القَنـاةِ مِنَ الدَّمِ

وقال صاحب هذه المقالة: يجوز نصب المثقال ورفعه، قال: فمن رفع رفعه ( بتَكُ ) ، واحتملت النكرة أن لا يكون لها فعل في كان وليس وأخواتها، ومن نصب جعل في تكن اسما مضمرا مجهولا مثل الهاء التي في قوله: ( إنَّها إن تَكُ ) : ومثله قوله: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ قال: ولو كان ( إن يك مثقال حبة ) كان صوابا، وجاز فيه الوجهان. وأما صاحب المقالة الأولى، فإن نصب مثقال في قوله، على أنه خبر، وتمام كان، وقال: رفع بعضهم فجعلها كان التي لا تحتاج إلى خبر.

وأولى القولين بالصواب عندي، القول الثاني؛ لأن الله تعالى ذكره لم يعد عباده أن يوفيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم، فيقال: إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأت الله بها، بل وعد كلا العاملين أن يوفيه جزاء أعمالهما. فإذا كان ذلك كذلك، كانت الهاء في قوله: ( إنَّها ) بأن تكون عمادا أشبه منها بأن تكون كناية عن الخطيئة والمعصية. وأما النصب في المثقال، فعلى أن في « تَكُ » مجهولا والرفع فيه على أن الخبر مضمر، كأنه قيل: إن تك في موضع مثقال حبة؛ لأن النكرات تضمر أخبارها، ثم يترجم عن المكان الذي فيه مثقال الحبة.

وعنى بقوله: ( مِثْقالَ حَبَّةٍ ) : زنة حبة. فتأويل الكلام إذن: إن الأمر إن تك زنة حبة من خردل من خير أو شرّ عملته، فتكن في صخرة، أو في السموات، أو في الأرض، يأت بها الله يوم القيامة، حتى يوفيك جزاءه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) من خير أو شرّ.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ ) فقال بعضهم: عنى بها الصخرة التي عليها الأرض، وذلك قول رُوي عن ابن عباس وغيره، وقالوا: هي صخرة خضراء.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، قال: الصخرة خضراء على ظهر حوت.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: خلق الله الأرض على حوت، والحوت هو النون الذي ذكر الله في القرآن ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء، ولا في الأرض.

وقال آخرون: عنى بها الجبال، قالوا: ومعنى الكلام: فتكن في جبل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ ) أي: جبل.

وقوله: ( يَأْتِ بِهَا اللهُ ) كان بعضهم يوجه معناه إلى: يعلمه الله، ولا أعرف يأتي به بمعنى: يعلمه، إلا أن يكون قائل ذلك أراد أن لقمان إنما وصف الله بذلك؛ لأن الله يعلم أماكنه، لا يخفى عليه مكان شيء منه فيكون وجها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى، قالا ثنا أبو سفيان، عن السدي، عن أبي مالك ( فَتَكُن فِي صخْرَةٍ أوْ فِي السَّمَاوَاتِ أوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِها اللهُ ) قال: يعلمها الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، مثله.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) يقول: إن الله لطيف باستخراج الحبة من موضعها حيث كانت خبير بموضعها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) أي: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرّها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( 17 )

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل لقمان لابنه ( يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ ) بحدودها ( وأمُرْ بالمعْرُوفِ ) يقول: وأمر الناس بطاعة الله، واتباع أمره ( وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ ) يقول: وانه الناس عن معاصي الله ومواقعة محارمه ( وَاصْبِرْ عَلى ما أصَابَكَ ) يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدّنك عن ذلك ما نالك منهم ( إنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) قال: اصبر على ما أصابك من الأذى في ذلك ( إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) قال: إن ذلك مما عزم الله عليه من الأمور، يقول: مما أمر الله به من الأمور.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 18 )

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ ) فقرأه بعض قرّاء الكوفة والمدنيين والكوفيين: ( وَلا تُصَعِّرْ ) على مثال ( تُفَعِّل ) . وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة ( وَلا تُصَاعِرْ ) على مثال ( تُفَاعِل ) .

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: ولا تعرض بوجهك عمن كلمته تكبرا واستحقارا لمن تكلمه، وأصل ( الصعر ) داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رءوسها حتى تلفت أعناقها عن رءوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس، ومنه قول عمرو بن حُنَيٍّ التَّغلبيّ:

وكُنَّــا إذَا الجَبَّــارُ صَعَّــرَ خَـدَّهُ أقَمْنــا لَــهُ مِــنْ مَيْلِـهِ فَتَقوَّمـا

واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) يقول: ولا تتكبر؛ فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُصَعِّرْ ) قال: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر بن برقان، عن يزيد في هذه الآية ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) قال: إذا كلمك الإنسان لويت وجهك، وأعرضت عنه محقرة له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان الرقي، عن جعفر بن ميمون بن مهران، قال: هو الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه.

حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، قال: ثنا أبو مكين، عن عكرِمة في قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) قال: لا تُعْرض بوجهك.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) يقول: لا تعرض عن الناس، يقول: أقبل على الناس بوجهك وحسن خلقك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) قال: تصعير الخدّ: التجبر والتكبر على الناس ومحقرتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، قال: الإعراض.

وقال آخرون: إنما نهاه عن ذلك أن يفعله لمن بينه وبينه صعر، لا على وجه التكبر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) قال: الرجل يكون بينه وبين أخيه الحنة، فيراه فيعرض عنه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ) قال: هو الرجل بينه وبين أخيه حنة فيعرض عنه.

وقال آخرون: هو التشديق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: هو التشديق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: هو التشديق أو التشدّق « الطبري يشكُّ » .

حدثنا يحيى بن طلحة، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، بمثله.

وقوله: ( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحا ) يقول: ولا تمش في الأرض مختالا.

كما حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحا ) يقول: بالخيلاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ ولا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحا إنَّ اللهَ لا يُحبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) قال: نهاه عن التكبر، قوله: ( إنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ ) متكبر ذي فخر.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) قال: متكبر. وقوله: ( فخور ) قال: يعدّد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 )

يقول: وتواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال: أمره بالتواضع في مشيه، ومنهم من قال: أمره بترك السرعة فيه.

ذكر من قال: أمره بالتواضع في مشيه:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن جابر، عن مجاهد ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) قال: التواضع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) قال: نهاه عن الخيلاء.

ذكر من قال نهاه عن السرعة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبد الله بن عقبة، عن يزيد بن أبي حبيب، في قوله: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) قال: من السرعة. قوله: ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ) يقول: واخفض من صوتك، فاجعله قصدا إذا تكلمت.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ) قال: أمره بالاقتصاد في صوته.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ) قال: اخفض من صوتك.

واختلف أهل التأويل قوله: ( إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) فقال بعضهم: معناه: إن أقبح الأصوات.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة وأبان بن تغلب، قالا ثنا أبو معاوية عن جُوَيبر، عن الضحاك ( إنَّ أنكَرَ الأصْوَاتِ ) قال: إن أقبح الأصوات ( لَصَوْتُ الحَمِيرِ ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( إنَّ أنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ) أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوّله زفير، وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الأعمش يقول: ( إنَّ أنكَرَ الأصْوَاتِ ) صوت الحمير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن أشرّ الأصوات.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن يحيى بن واضح، عن أبي حمزة، عن جابر عن عكرِمة والحكم بن عُتيبة ( إنَّ أنكَرَ الأصْوَاتِ ) قال: أشرّ الأصوات.

قال جابر: وقال الحسن بن مسلم: أشدّ الأصوات.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) قال: لو كان رفع الصوت هو خيرا ما جعله للحمير.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إن أقبح أو أشرّ الأصوات، وذلك نظير قولهم: إذا رأوا وجها قبيحا، أو منظرا شنيعا، ما أنكر وجه فلان، وما أنكر منظره.

وأما قوله: ( لَصَوْتُ الحَمِيرِ ) فأضيف الصوت، وهو واحد، إلى الحمير وهي جماعة، فإن ذلك لوجهين: إن شئت، قلت: الصوت بمعنى الجمع، كما قيل: لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وإن شئت قلت: معنى الحمير: معنى الواحد، لأن الواحد في مثل هذا الموضع يؤدّي عما يؤدي عنه الجمع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ( 20 )

يقول تعالى ذكره: ( أَلَمْ تَرَوْا ) أيها الناس ( أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ ) من شمس وقمر ونجم وسحاب ( وَما فِي الأرْضِ ) من دابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم، لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذّكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) .

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين: ( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ) على الواحدة، ووجهوا معناها إلى أنه الإسلام، أو إلى أنها شهادة أن لا إله إلا الله. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ( نِعَمَهُ ) على الجماع، ووجَّهوا معنى ذلك، إلى أنها النعم التي سخرها الله للعباد مما في السموات والأرض، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله: شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ قالوا: فهذا جمع النعم.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن النعمة قد تكون بمعنى الواحدة، ومعنى الجماع، وقد يدخل في الجماع الواحدة. وقد قال جلّ ثناؤه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا فمعلوم أنه لم يعن بذلك نعمة واحدة. وقال في موضع آخر: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ ، فجمعها، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ ذلك فمصيب.

ذكر بعض من قرأ ذلك على التوحيد، وفسَّره على ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، قال: ثني مستور الهنائي، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قرأها: ( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً ) وفسَّرها: الإسلام.

حُدثت عن الفراء قال: ثني شريك بن عبد الله، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: ( نِعْمَةً ) واحدة. قال: ولو كانت ( نِعْمَهُ ) ، لكانت نعمة دون نعمة، أو نعمة فوق نعمة « الشكّ من الفراء » .

حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حميد، قال: قرأ مجاهد: ( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً ) قال: لا إله إلا الله.

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا ابن أبي بكير، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً ) قال: كان يقول: هي لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد ( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً ) قال: لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عيسى، عن قَيْس، عن ابن عباس ( نِعَمَةً ظاهِرَةً وَباطِنَةً ) قال: لا إله إلا الله. وقوله: ( ظاهِرَةً ) يقول: ظاهرة على الألسن قولا وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملا. وقوله: ( وَباطِنَةً ) يقول: وباطنة في القلوب، اعتقادا ومعرفة.

وقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى ) يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له ( بِغَيرِ عِلْمٍ ) عنده بما يخاصم، ( وَلا هُدًى ) : يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول ( وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) يقول: ولا بتنـزيل من الله جاء بما يدعي، يبين حقية دعواه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) ليس معه من الله برهان ولا كتاب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ( 21 )

يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلا منهم بعظمة الله اتبعوا أيها القوم ما أنـزل الله على رسوله، وصدِّقوا به، فإنه يفرق بين المحقّ منا والمبطل، ويفصل بين الضّالّ والمهتدى، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حقّ، قال الله تعالى ذكره ( أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ) بتزيينه لهم سوء أعمالهم، واتباعهم إياه على ضلالتهم، وكفرهم بالله، وتركهم اتباع ما أنـزل الله من كتابه على نبيه ( إلى عَذَابِ السَّعِيرِ ) يعني: عذاب النار التي تتسعر وتلتهب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( 22 )

يقول تعالى ذكره: ومن يُعبِّد وجهه متذللا بالعبودة، مقرّا له بالألوهة ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) يقول: وهو مطيع لله في أمره ونهيه، ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) يقول: فقد تمسك بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه من تمسك به، وهذا مثل، وإنما يعني بذلك: أنه قد تمسك من رضا الله بإسلامه وجهه إليه وهو محسن، ما لا يخاف معه عذاب الله يوم القيامة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) قال: لا إله إلا الله.

وقوله: ( وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ ) يقول: وإلى الله مرجع عاقبة كلّ أمر خيره وشرّه، وهو المسائل أهله عنه، ومجازيهم عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 23 ) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ( 24 )

يقول تعالى ذكره: ومن كفر بالله فلا يحزنك كفره، ولا تذهب نفسك عليهم حسرة، فإنّ مرجعهم ومصيرهم يوم القيامة إلينا، ونحن نخبرهم بأعمالهم الخبيثة التي عملوها في الدنيا، ثم نجازيهم عليها جزاءهم ( إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) يقول: إن الله ذو علم بما تكنه صدورهم من الكفر بالله، وإيثار طاعة الشيطان. وقوله: ( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ) يقول: نمهلهم في هذه الدنيا مهلا قليلا يتمتعون فيها ( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ) يقول: ثم نوردهم على كره منهم عذابا غليظا، وذلك عذاب النار، نعوذ بالله منها، ومن عمل يقرّب منها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 26 )

يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك ( مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لله ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد، فإذا قالوا ذلك، فقل لهم: الحمد لله الذي خلق ذلك، لا لمن لا يخلق شيئا وهم يخلقون، ثم قال تعالى ذكره: ( بَلْ أكْثرُهُمْ لا يعْلَمون ) يقول: بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد، وأين موضع الشكر، وقوله: ( لِلهِ ما فِي السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: لله كلّ ما في السموات والأرض من شيء ملكا كائنا ما كان ذلك الشيء من وثن وصنم وغير ذلك، مما يعبد أو لا يعبد ( إنَّ الله هُوَ الغَنيُّ الحَمِيدُ ) يقول: إن الله هو الغنيّ عن عباده هؤلاء المشركين به الأوثان والأنداد، وغير ذلك منهم ومن جميع خلقه؛ لأنهم ملكه وله، وبهم الحاجة إليه، الحميد: يعني: المحمود على نعمه التي أنعمها على خلقه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 )

يقول تعالى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما ( والبَحْرُ يَمُدُّهُ ) يقول: والبحر له مداد، والهاء في قوله: ( يَمُدُّهُ ) عائدة على البحر. وقوله: ( منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفذ ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن هذه الآية ( وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ ) قال: لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحور مدادا، وقال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحور، وتكسَّرت الأقلام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو في قوله: ( وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ ) قال: لو بريت أقلاما والبحر مدادا، فكتب بتلك الأقلام منه ( ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) ولو مدّه سبعة أبحر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البرّ أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت من اليهود له.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كُلا » ، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كلّ شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنَّها في عِلْمِ اللهِ قَلِيلٌ وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذلكَ ما يكْفِيكُمْ » ، فأنـزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك ( وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنـزل الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا قال: فنـزلت ( وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) قال: ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار، وأدخلكم الجنة، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: لما نـزلت بمكة وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا يعني: اليهود، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا أفتعنينا أم قومك؟ قال: « كُلا قَدْ عَنَيْتُ » ، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هِيَ فِي عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكُمُ اللهُ ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ » ، فأنـزل الله: ( وَلَوْ أنَّما فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ) إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( والبَحْرُ يَمُدُّهُ مَنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ) فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والكوفة: ( والبحرُ ) رفعا على الابتداء، وقرأته قرّاء البصرة نصبا، عطفا به على « ما » في قوله: ( وَلَوْ أنَّمَا فِي الأرْضِ ) ، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندي. وقوله: ( إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) يقول: إن الله ذو عزّة في انتقامه ممن أشرك به، وادّعى معه إلها غيره، حكيم في تدبيره خلقه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 )

يقول تعالى ذكره: ما خلقكم أيها الناس ولا بعثكم على الله إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، وذلك أن الله لا يتعذّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( كَنَفْسٍ وِاحِدَةٍ ) يقول: كن فيكون للقليل والكثير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) قال: يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها، وإنما صلح أن يقال: إلا كنفس واحدة، والمعنى: إلا كخلق نفس واحدة؛ لأن المحذوف فعل يدلّ عليه قوله: ( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ ) والعرب تفعل ذلك في المصادر، ومنه قول الله: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ والمعنى: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، فلم يذكر الدوران والعين لما وصفت.

وقوله: ( إنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يقول هؤلاء المشركون ويفترونه على ربهم، من ادّعائهم له الشركاء والأنداد وغير ذلك من كلامهم وكلام غيرهم، بصير بما يعملونه وغيرهم من الأعمال، وهو مجازيهم على ذلك جزاءهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 )

يقول تعالى ذكره: ( ألَمْ تَرَ ) يا محمد بعينك ( أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ) يقول: يزيد من نقصان ساعات الليل في ساعات النهار ( وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) يقول: يزيد ما نقص من ساعات النهار في ساعات اللَّيل.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ) نقصان الليل في زيادة النهار ( وَيُولجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) نقصان النهار في زيادة الليل.

وقوله: ( وَسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَل مُسَمًّى ) يقول تعالى ذكره : وسخر الشمس والقمر لمصالح خلقه ومنافعهم، ( كلٌّ يجري ) يقول: كلّ ذلك يجري بأمره إلى وقت معلوم، وأجل محدود إذا بلغه كوّرت الشمس والقمر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: لذلك كله وقت وحد معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه.

وقوله: ( وَأنَّ اللهَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) يقول: وإن الله بأعمالكم أيها الناس من خير أو شرّ ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميع ذلك، وخرج هذا الكلام خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنيّ به المشركون، وذلك أنه تعالى ذكره: نبه بقوله: ( أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) على موضع حجته من جهل عظمته، وأشرك في عبادته معه غيره، يدلّ على ذلك قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ .

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 )

يقول تعالى ذكره : هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، وغير ذلك من عظيم قُدرته، إنما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه، ولا تصلح الألوهة إلا لمن فعل ذلك بقُدرته.

وقوله. ( وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ ) يقول تعالى ذكره: وبأن الذي يعبد هؤلاء المشركون من دون الله الباطل الذي يضمحلّ، فيبيد ويفنى ( وأنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ) يقول تعالى ذكره: وبأن الله هو العليُّ، يقول: ذو العلوّ على كلّ شيء، وكلّ ما دونه فله متذلل منقاد، الكبير الذي كل شيء دونه، فله متصاغر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد أن السفن تجري في البحر نعمة من الله على خلقه ( لِيُرِيكُمْ مِنْ آياتِهِ ) يقول: ليريكم من عبره وحججه عليكم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) يقول: إن في جري الفلك في البحر دلالة على أن الله الذي أجراها هو الحقّ، وأنّ ما يدعون من دونه الباطل ( لكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) يقول: لكلّ من صبر نفسه عن محارم الله، وشكره على نعمه فلم يكفره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مطرف يقول: إنّ من أحبّ عباد الله إليه: الصبَّار الشَّكور.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله، ألم تر إلى قوله: ( إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) ، ( إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ للْمُوقِنينَ ) ، ( إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ للْمُؤْمِنينَ ) .

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن الشعبيّ ( إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله.

إن قال قائل: وكيف خصّ هذه الدلالة بأنها دلالة للصبَّار الشَّكور دون سائر الخلق؟ قيل: لأنّ الصبر والشكر من أفعال ذوي الحجى والعقول، فأخبر أن في ذلك لآيات لكلّ ذي عقل؛ لأن الآيات جعلها الله عبرا لذوي العقول والتمييز.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 )

يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر - إذا ركبوا في الفُلك- موج كالظُلل، وهي جمع ظُلَّة، شبَّه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، قال نابغة بني جعدة في صفة بحر:

يُماشِـــيهِنَّ أخْــضَرُ ذُو ظــلال عَـــلى حافاتِــهِ فِلَــق الدّنــانِ

وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع، لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كهيئة الظلل. وقوله: ( دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ ) يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره. قوله: ( فَلَمَّا نجَّاهُمْ إلى البَرّ ) مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البرّ. ( فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) قال: المقتصد في القول وهو كافر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) قال: المقتصد الذي على صلاح من الأمر.

وقوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) يقول تعالى ذكره: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كلّ غدّار بعهده، والختر عند العرب: أقبح الغدر، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:

وَإنَّــكَ لَــوْ رأيْــتَ أبـا عُمَـيْرٍ مَــلأتَ يَـدَيْكَ مِـنْ غَـدْرٍ وَخَـتْرٍ

وقوله: ( كَفُور ) يعني: جحودا للنعم، غير شاكر ما أسدى إليه من نعمة.

وبنحو الذي قلنا في معنى الختار قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ( كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: كلّ غَدّار.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( كُلُّ خَتَّارٍ ) قال: غدّار.

حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا ثنا ابن علية، عن أبي رجاء عن الحسن في قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: غدّار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) الختار: الغدار، كلّ غدار بذمته كفور بربه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: كلّ جحاد كفور.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: الختار: الغدّار، كما تقول: غدرني.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، قال: سمعت قَتادة قال: الذي يغدر بعهده.

قال: ثنا المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال: الغدّار.

قال: ثنا أبي: عن الأعمش، عن سمر بن عطية الكاهلي، عن عليّ رضي الله عنه قال: المكر غدر، والغدر كفر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 )

يقول تعالى ذكره: أيها المشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحلّ بكم سخطه في يوم لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئا؛ لأن الأمر يصير هنالك بيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا. وقوله: ( إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقّ ) يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حقّ، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ) يقول: فلا تخدعنكم زينة الحياة الدنيا ولذّاتها، فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله ذلك اليوم. وقوله: ( وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغَرُورُ ) يقول: ولا يخدعنَّكم بالله خادع. والغَرور بفتح الغين: هو ما غرّ الإنسان من شيء كائنا ما كان شيطانا كان أو إنسانا، أو دنيا، وأما الغُرور بضم الغين: فهو مصدر من قول القائل: غررته غرورا.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( ولا يَغُرَّنَّكُمْ باللهِ الغَرُورُ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( الغَرُور ) قال: الشيطان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَلا يَغُرنَّكُمْ باللهِ الغَرُور ) ذاكم الشيطان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد المروزي، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الغَرُورُ ) قال: الشيطان.

وكان بعضهم يتأوّل الغَرور بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَير قوله: ( وَلا يَغُرَّنَّكُمْ باللهِ الغَرُورُ ) قال: إن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 )

يقول تعالى ذكره: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا هو آتيكم؛ علم إتيانه إياكم عند ربكم، لا يعلم أحد متى هو جائيكم، لا يأتيكم إلا بغتة، فاتقوه أن يفجأكم بغتة، وأنتم على ضلالتكم لم تنيبوا منها، فتصيروا من عذاب الله وعقابه إلى ما لا قبل لكم به. وابتدأ تعالى ذكره الخبر عن علمه بمجيء الساعة. والمعنى: ما ذكرت لدلالة الكلام على المراد منه، فقال: ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره ( وينـزلُ الغيْثَ ) من السماء، لا يقدر على ذلك أحد غيره، ( وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ) أرحام الإناث ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا ) يقول: وما تعلم نفس حيّ ماذا تعمل في غد، ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَمُوتُ ) يقول: وما تعلم نفس حيّ بأيّ أرض تكون منيتها ( إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) يقول: إن الذي يعلم ذلك كله هو الله دون كلّ أحد سواه، إنه ذو علم بكلّ شيء، لا يخفى عليه شيء، خبير بما هو كائن، وما قد كان.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) قال: جاء رجل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا، قال: - إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حُبلى، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلادنا محل جدبة، فأخبرني متى ينـزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت، فأنـزل الله: ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ ) إلى آخر السورة، قال: فكان مجاهد يقول: هنّ مفاتح الغيب التي قال الله وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) الآية، أشياء من الغيب، استأثر الله بهنّ، فلم يطلع عليهنّ ملَكا مقرّبا، ولا نبيا مرسلا ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أيّ سنة، أو في أيّ شهر، أو ليل، أو نهار ( ويُنـزلُ الغَيْثَ ) فلا يعلم أحد متى ينـزل الغيث، ليلا أو نهارا ينـزل؟ ( وَيَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ ) فلا يعلم أحد ما فِي الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو؟ ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ) خير أم شرّ، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدا، لعلك المصاب غدا؟ ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَمُوتُ ) ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض في بحر أو برّ أو سهل أو جبل، تعالى وتبارك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قالت عائشة: من قال: إن أحدا يعلم الغيب إلا الله فقد كذب، وأعظم الفرية على الله، قال الله: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ .

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن شُعيب أن رجلا قال: يا رسول الله، هل من العلم علم لم تؤته؟ قال: « لَقَدْ أُوتِيتُ عِلْما كَثِيرًا، وَعِلما حَسنًا » ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ ) إلى ( إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « مَفاتِحُ الغَيبِ خَمْسَةٌ » ثم قرأ هؤلاء الآيات ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة ) إلى آخرها.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ، ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ وَيعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ ) » الآية، ثم قال: « لا يعْلَمُ ما فِي غَدٍ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنـزلُ الغَيْثَ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى قِيامُ السَّاعَةِ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ ما فِي الأرْحامِ إلا اللهُ، وَلا تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَمُوتُ. »

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَفاتحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلا اللهُ: إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغيْثَ وَيعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْري نَفْسٌ بأيّ أرضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن مسعر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود قال: كلّ شيء أوتيه نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا علم الغيب الخمس: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تكْسبُ غَدًا ) .

قال: تنا جرير وابن علية، عن أبي خباب، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ: ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنـزلُ الغَيْثَ ... ) الآية » .

حدثني أبو شُرَحبيل، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا إسماعيل، عن جعفر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: كلّ شيء قد أوتي نبيكم غير مفاتح الغيب الخمس، ثم قرأ هذه الآية ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَة ) إلى آخرها.

وقيل: ( بأيّ أرض تموت ) ، وفيه لغة أخرى: ( بأيَّةِ أرْضٍ ) فمن قال: ( بأيّ أرْضٍ ) اجتز بتأنيث الأرض من أن يظهر في ( أيِّ ) تأنيث آخر، ومن قال ( بأيَّة أرْضٍ ) فأنث، ( أي ) قال: قد تجتزئ بأي مما أضيف إليه، فلا بدّ من التأنيث، كقول القائل: مررت بامرأة، فيقال له: بأيةٍ، ومررت برجل، فيقال له بأيٍّ؟ ويقال: أي امرأة جاءتك وجاءك، وأية امرأة جاءتك.

آخر تفسير سورة لقمان.

 

تفسير سورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : الم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 2 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 )

قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله: ( الم ) بما فيه الكفاية. وقوله: ( تَنـزيلُ الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ ) يقول تعالى ذكره: تنـزيل الكتاب الذي نـزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لا شكّ فيه ( من ربّ العالمين ) : يقول: من ربّ الثقلين: الجنّ والإنس.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ ) لا شكّ فيه. وإنما معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنـزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا وقول الذين قالو: إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ .

وقوله: ( أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) يقول تعالى ذكره: يقول المشركون بالله: اختلق هذا الكتاب محمد من قبل نفسه، وتكذّبه، و ( أم ) هذه تقرير، وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أن العرب إذا اعترضت بالاستفهام في أضعاف كلام قد تقدّم بعضه أنه يستفهم بأم. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: أم بمعنى الواو، بمعنى بل في مثل هذا الموضع، ثم أكذبهم تعالى ذكره فقال: ما هو كما تزعمون وتقولون من أن محمدا افتراه، بل هو الحقّ والصدق من عند ربك يا محمد، أنـزله إليك؛ لتنذر قوما بأس الله وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم به ( ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ منْ قَبْلكَ ) يقول: لم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا محمد إليهم، وهم قومه من قريش، نذير ينذرهم بأس الله على كفرهم قبلك. وقوله: ( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) يقول: ليتبيَّنوا سبيل الحقّ فيعرفوه ويؤمنوا به.

وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) قال: كانوا أمَّة أمِّيَّة، لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 )

يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له أيها الناس ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ) من خلق ( فِي سِتَّةِ أيَّام ) ثم استوى على عرشه في اليوم السابع بعد خلقه السموات والأرض وما بينهما.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) في اليوم السابع. يقول: ما لكم أيها الناس إله إلا من فعل هذا الفعل، وخلقَ هذا الخَلْق العجيب في ستة أيام.

وقوله: ( ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ) يقول: ما لكم أيها الناس دونه وليّ يلي أمركم وينصركم منه إن أراد بكم ضرّا، ولا شفيع يشفع لكم عنده إن هو عاقبكم على معصيتكم إياه، يقول: فإياه فاتخذوا وليا، وبه وبطاعته فاستعينوا على أموركم؛ فإنه يمنعكم إذا أراد منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يقدر أحد على دفعه عما أراد بكم هو؛ لأنه لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب ( أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: أفلا تعتبرون وتتفكَّرون أيها الناس، فتعلموا أنه ليس لكم دونه وليّ ولا شفيع، فتفردوا له الألوهة، وتخلصوا له العبادة، وتخلعوا ما دونه من الأنداد والآلهة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 )

يقول تعالى ذكره: الله هو الذي يدبر الأمر من أمر خلقه من السماء إلى الأرض، ثم يعرُج إليه.

واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) فقال بعضهم: معناه: أن الأمر ينـزل من السماء إلى الأرض، ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا؛ لأن ما بين الأرض إلى السماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن معروف، عن ليث، عن مجاهد ( فِي يَوْمٍ كان مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ) يعني بذلك نـزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد وذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ ) من أيامكم ( كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم من أيام الدنيا خمسمائة سنة نـزوله، وخمسمائة صعوده فذلك ألف سنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: تعرج الملائكة إلى السماء، ثم تنـزل في يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن عكرِمة ( ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ ) قال: من أيام الدنيا.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ ) من أيامكم هذه، مسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام.

وذكر عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة قال: تنحدر الأمور وتصعد من السماء إلى الأرض في يوم واحد، مقداره ألف سنة، خمسمائة حتى ينـزل، وخمسمائة حتى يعرُج.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ الخلق، كان مقدار ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ( ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ ) قال: ذلك مقدار المسير قوله: ( كألف سنة مما تعدّون ) قال: خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكلّ يوم من هذه كألف سنة مما تعدّون انتم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) يعني: هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ السموات والأرض وما بينهما.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض بالملائكة، تم تعرج إليه الملائكة، في يَوْمٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة إليه في يوم كان مقداره ألف سنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة ( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارهُ ألْفَ سَنَةٍ ) قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة مما تعدّون من أيام الآخرة .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: ( يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك التدبير الذي دبره.

ذكر من قال ذلك:

ذُكر عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، أنه قال: يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى تمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفا، ثم كذلك أبدا، قال: ( يوم كان مقداره ) قال: اليوم أن يقال لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: كن فيكون، ولكن سماه يومًا، سَمَّاهُ كما بيَّنا كل ذلك عن مجاهد، قال: وقوله: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال: هو هو سواء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إلى الله في يوم كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدّون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال بعض أهل العلم: مقدار ما بين الأرض حين يعرج إليه إلى أن يبلغ عروجه ألف سنة، هذا مقدار ذلك المعراج في ذلك اليوم حين يعرج فيه.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه، ونـزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم، خمسمائة في النـزول، وخمسمائة في الصعود؛ لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنـزيل.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 8 )

يقول تعالى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات، هو ( عَالِمُ الْغَيْبِ ) ، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، ( وَالشَّهَادَةِ ) يعني: ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود ( الْعَزِيزُ ) يقول: الشديد في انتقامه ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وكذّب رسله ( الرَّحِيمُ ) بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة.

وقوله: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة ( أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) بسكون اللام. وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين ( أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بفتح اللام.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) قال: أما إن است القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) قال: أتقن كلّ شيء خلقه.

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) : أحصى كلّ شيء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خلق كل شيء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) حسن على نحو ما خلق.

وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: هو مثل أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قال: فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ( أَحْسَنَ ) إنما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد ( أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) قال: أعطى كلّ شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار وعلى هذا القول الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ( الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: ( الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر:

وَظَعْنِـي إلَيْـكَ للَّيْـل حِضْيَنْـةِ أنَّنِـي لِتِلْــكَ إذَا هــابَ الهِــدَانُ فَعُـولُ

يعني: وظعني حضني الليل إليك؛ ونظير قول الآخر:

كــأنَّ هِنْــدًا ثناياهــا وَبهْجَتَهَـا يَــوْمَ الْتَقَيْنـا عَـلى أدْحـالِ دَبَّـاب

أي: كأن ثنايا هند وبهجتها.

وقوله: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ) يعني: ذريته ( من سلالة ) ، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر:

فجـاءتْ بِـه عَضْـبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا سُـلالَةَ فَـرْجٍ كـانَ غـيرَ حَـصِينِ

وقوله: ( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) يقول: من نطفة ضعيفة رقيقة.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) وهو خلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة هي: الماء المهين الضعيف.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس في قوله: ( مِنْ سُلالَةٍ ) قال: صفو الماء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ( 9 )

يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقه من طين خلقا سويا معتدلا ( وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) فصار حيا ناطقا ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ) يقول: وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة، تعقلون بها الخير من السوء، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك. وقوله: ( قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ) يقول: وأنتم تشكرون قليلا من الشكر ربكم على ما أنعم عليكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( 10 )

يقول تعالى ذكره: وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: ( أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض ) أي: صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان: ضَلَلْنَا، وَضَلِلنا. بفتح اللام وكسرها، والقراءة على فتحها وهي الجوداء، وبها نقرأ. وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ: ( أئِذَا صَلَلْنا ) بالصاد، بمعنى: أنتنا، من قولنا: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن. وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم: ( أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ ) أي: إذا هلكت أجسادنا في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب: قد ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه، ومنه قول الأخطل لجرير:

كُـنْتَ القَـذَى فـي مَـوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ قَــذَفَ الأتِـيُّ بِـه فَضَـلَّ ضَـلالا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ( أئِذا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ ) يقول: أئذا هلكنا.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض ) هلكنا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد: قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ ) يقول: أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا؟ يكفرون بالبعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، ( وَقالُوا أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ ) قال: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا .

وقوله: ( بَلْ هُمْ بَلقاء رَبِّهِمْ كافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون؛ حذرا لعقابه، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 )

يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: ( يتوفاكم ملك الموت ) ، يقول: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم، ومنه قول الراجز:

إنَّ بَنــي الأدْرَمِ لَيْسُــوا مِـنْ أحَـدْ وَلا تَوَفَّــاهُمْ قُــرَيْشٌ فِـي العَـدَدْ

حثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) قال: ملك الموت يتوفاكم، ومعه أعوان من الملائكة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ ) قال: حويت له الأرض فجُعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، بنحوه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذ هم ناكسوا رءوسهم عند ربهم حياء من ربهم. للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا ( رَبَّنَا أبْصَرْنا ) ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك ( وَسَمِعْنَا ) منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا ( فارجعنا ) يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح ( إنَّا مُوقَنُونَ ) يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء.

وبنحو ما قلنا في قوله: ( نَاكِسُوا رُءُوسِهمْ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: ( وَلَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدِ رَبَّهِمْ ) قال: قد حزنوا واستحيوا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 )

يقول تعالى ذكره: ( وَلَوْ شِئْنَا ) يا محمد ( لآتَيْنَا ) هؤلاء المشركين بالله من قومك وغيرهم من أهل الكفر بالله ( هُدَاهَا ) يعني: رشدها وتوفيقها للإيمان بالله ( وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مني ) يقول: وجب العذاب مني لهم، وقوله: ( لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّة والنَّاسِ أجمَعِينَ ) يعني: من أهل المعاصي والكفر بالله منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء الله لأنـزل عليهم من السماء آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين، ( وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ) حقّ القول عليهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 )

يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء المشركين بالله إذا هم دخلوا النار: ذوقوا عذاب الله بما نسيتم لقاء يومكم هذا في الدنيا، ( إنَّا نَسِيناكُمْ ) يقول: إنا تركناكم اليوم في النار.

وقوله: ( وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ ) يقول: يقال لهم أيضا: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى غير نهاية ( بِما كُنْتُمْ ) في الدنيا ( تَعْمَلُونَ ) من معاصي الله.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) قال: نسوا من كلّ خير، وأما الشرّ فلم ينسوا منه.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ( إنَّا نَسِيناكُمْ ) يقول: تركناكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 )

يقول تعالى ذكره: ما يصدق بحججنا وآيات كتابنا إلا القوم الذين إذا ذكروا بها ووعظوا ( خَرّوا ) لله ( سجدا ) لوجوههم، تذلُّلا له، واستكانة لعظمته، وإقرارا له بالعبوديَّة ( وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ ربِّهِمْ ) يقول: وسبحوا الله في سجودهم بحمده، فيبرئونه مما يصفه أهل الكفر به، ويضيفون إليه من الصاحبة والأولاد والشركاء والأنداد ( وهم لا يستكبرون ) يقول: يفعلون ذلك، وهم لا يستكبرون عن السجود له والتسبيح، لا يستنكفون عن التذلُّل له والاستكانة. وقيل: إن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوما من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة، ذُكر ذلك عن حجاج، عن ابن جُرَيج.

 

القول في تأويل قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) يقول تعالى ذكره

وَصَــاحِبي ذَاتُ هِبــاب دَمْشَــقُ وَابــنُ مِــلاطٍ مُتجــاف أرْفَـقُ

يعني: أن كرمها سجية عن ابن ملاط، وإنما وصفهم تعالى ذكره بتجافي جنوبهم عن المضاجع؛ لتركهم الاضطجاع للنوم شغلا بالصلاة.

واختلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جلّ ثناؤه، أن جنوبهم تتجافى لها عن المضطجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال: نـزلت هذه الآية في قوم كانوا يصلون في ذلك الوقت.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي عروبة، قال: قال قتادة، قال أنس في قوله: كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ قال: كانوا يتنفَّلون فيما بين المغرب والعشاء، وكذلك ( تتجافى جنوبهم ) قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قَتادة، عن أنس في قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: يصلون ما بين هاتين الصلاتين.

حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا حفص بن غياث، عن سعيد، عن قَتادة، عن أنس ( تَتَجَافَى جُنُوبهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: ما بين المغرب والعشاء.

حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا يزيد بن حيان، قال: ثنا الحارث بن وجيه الراسبي، قال: ثنا مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية نـزلت في رجال من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، عن أنس ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: كانوا يتطوعون فيما بين المغرب والعشاء.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن أنس ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: ما بين المغرب والعشاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: كانوا يتنفَّلون ما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء.

وقال آخرون: عنى بها صلاة المغرب .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن طلحة، عن عطاء ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: عن العتمة.

وذُكر عن حجاج، عن ابن جريج، قال: قال يحيى بن صَيفي، عن أبي سلمة، قال: العتمة.

وقال آخرون: لانتظار صلاة العتمة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد إلى الأويسي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) نـزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة.

وقال آخرون: عنى بها قيام الليل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: قيام الليل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: هؤلاء المتهجدون لصلاة الليل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) يقومون يصلون من الليل.

وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: اخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُم خَوْفا وَطَمَعا ) : وهم قوم لا يزالون يذكرون الله، إما في صلاة، وإما قياما، وإما قعودا، وإما إذا استيقظوا من منامهم، هم قوم لا يزالون يذكرون الله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ... ) إلى آخر الآية، يقول: تتجافى لذكر الله، كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفا وطمعا، وذلك نبوّ جنوبهم عن المضاجع ليلا؛ لأن المعروف من وصف الواصف رجلا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصفته بذلك، يدلّ على ذلك قول عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه في صفة نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:

يَبِيـتُ يُجـافِي جَنْبَـهُ عَـنْ فِراشِـهِ إذا اسْـتَثْقَلَت بالمُشْـرِكِينَ المَضَـاجِعُ

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره لم يخصص في وصفه هؤلاء القوم بالذي وصفهم به من جفاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال الليل وأوقاته حالا ووقتا دون حال ووقت، كان واجبا أن يكون ذلك على كلّ آناء الليل وأوقاته. وإذا كان كذلك كان من صلى ما بين المغرب والعشاء، أو انتظر العشاء الآخرة، أو قام الليل أو بعضه، أو ذكر الله في ساعات الليل، أو صلى العتمة ممن دخل في ظاهر قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) لأن جنبه قد جفا عن مضجعه في الحال التي قام فيها للصلاة قائما صلى أو ذكر الله، أو قاعدا بعد أن لا يكون مضطجعا، وهو على القيام أو القعود قادر، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن توجيه الكلام إلى أنه معني به قيام الليل أعجب إليّ؛ لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذلك ما حدثنا به ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدّث عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « ألا أدلُّكَ عَلى أبْواب الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيامُ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ » وتلا هذه الآية ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) « . »

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو أسامة، عن سليمان، عن حبيب بن أبي ثابت والحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عُتيبة، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بأبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ « ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) . »

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يزيد بن حيان، عن حماد بن سلمة، قال: ثنا عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) قال: « قِيامُ العَبْدِ مِن اللَّيْل » .

حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، قال: ثني أبي، قال: ثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القتّ، عن مجاهد، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل، ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه، فقال: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ) .

وأما قوله: ( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا... ) الآية، فإن بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) قال: خوفا من عذاب الله، وطمعا في رحمة الله، ومما رزقناهم ينفقون فى طاعة الله، وفي سبيله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 )

يقول تعالى ذكره: فلا تعلم نفسٌ ذي نفس ما أخفي الله لهؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هاتين الآيتين، مما تقرّ به أعينهم في جنانه يوم القيامة ( جَزَاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: ثوابا لهم على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: إن في التوراة مكتوبا: لقد أعدّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وما لم يسمعه ملك مقرّب. قال: ونحن نقرؤها: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسُ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ ) .

حدثنا خلاد، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عُبيدة بن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: مكتوب في التوراة على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في القرآن ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ منْ قُرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: خبئ لهم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال سفيان: فيما علمت على غير وجه الشكّ.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبيدة، قال: قال عبد الله، قال - يعني- الله: « أعددت لعبادي الصالحين ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب ناظر ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بما كانُوا يعْلَمونَ ) » .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن صلت، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة الحارثي، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن في التوراة للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من الكرامة، ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وإنه لفي القرآن ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن ابن أبجر، قال: سمعت الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر: إن موسى صلى الله عليه وسلم سأل عن أبخس أهل الجنة فيها حظا، فقيل له: رجل يُؤتى به وقد دخل أهل الجنة الجنة، قال: فيقال له: ادخل، فيقول: أين وقد أخذ الناس أخذاتهم؟ فيقال: اعدد أربعة ملوك من ملوك الدنيا، فيكون لك مثل الذي كان لهم، ولك أخرى شهوة نفسك، فيقول: أشتهي كذا وكذا، واشتهي كذا، وقال: لك أخرى، لك لذّة عينك، فيقول: ألذّ كذا وكذا، فيقال: لك عشرة أضعاف مثل ذلك، وسأله عن أعظم أهل الجنة فيها حظا، فقال: ذاك شيء ختمت عليه يوم خلقت السموات والأرض. قال الشعبي: فإنه في القرآن: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

حدثني أحمد بن محمد الطَّوسي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا ابن عُيينة، وحدثني به القرقساني، عن ابن عيينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الجَنَّةِ أدْنى مَنـزلةً؟ قال: رَجُلٌ يَجيءُ بَعْدَما دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: ادْخُلْ. فَيَقُولَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَقَدْ نـزلُوا منازِلَهُمْ؟ فَيقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لكَ مِثْلَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: بَخ أيْ رب قَدْ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةُ أمثالِهِ مَعَهُ، فَيقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ ربّ، وأيُّ أهْل الجَنَّة أرْفَعُ مَنـزلَةً، قَالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثكَ عَنْهُمْ غَرسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِي بِيَدي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلا عَيْنٌ رأت، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ: وَمِصْدَاقُ ذلِكَ فِي كِتاب اللهِ ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن جِزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) . »

حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قَيْس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس في قوله: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وكان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقها بلؤلؤة واحدة، قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ قال: وهي التي لا تعلم نفس، أو قال: هما التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها أو ما فيهما يأتيهم كل يوم منها أو منهما تحفة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، بنحوه.

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني أو غيره، قال: الجنة مئة درجة، أوّلها درجة فضة، أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك. وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي وعبد الرحيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ، قَالَ اللهُ: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) » .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعْدَدْتُ لِعبَادي الصَّالِحِينَ، مَا لا عَيْنٌ رَأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ » قال أبو هريرة: ومِن بَلْهَ ما أطلعكم عليه، اقرَءُوا إن شئتم: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) قال أبو هريرة: نقرؤها: ( قُرَّاتِ أعْيُنٍ ) .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، عن الروح الأمين، قال: « يُؤْتَي بِحَسَناتِ العَبْدِ وَسَيِّئاتِهِ، فَيَنْقُصُ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، فإنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَّعَ اللهُ لَهُ فِي الجَنَّة » ، قال: فدخلت على يزداد، فحدّث بمثل هذا؛ قال: قلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ، قلت: قوله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ ) قال: العبد يعمل سرّا أسرّه إلى الله لم يعلم به الناس، فأسرّ الله له يوم القيامة قرّة عين.

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يروي عن ربه، قال: « أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ » .

حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: « فيهَا ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ » ثم قرأ هذه الآية تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ... إلى قوله: ( جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعَبادِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ » .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي ذلك عن ربه، « قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشِرٍ » .

حدثني ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ ) قال: أخفوا عملا في الدنيا، فأثابهم الله بأعمالهم.

حدثني القاسم بن بشر، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال حماد: أحسبه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ يَنْعَمْ وَلا يَبْؤُسْ، لا تَبْلَى ثِيابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبابُهُ، في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ » .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ ) فقرأ ذلك بعض المدنيين والبصريين، وبعض الكوفيين: ( أُخْفِيَ ) بضم الألف وفتح الياء بمعنى فُعِل. وقرأ بعض الكوفيين: ( أُخْفِي لَهُمْ ) بضم الألف وإرسال الياء، بمعنى أفعل، أخفي لهم أنا.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، لأن الله إذا أخفاه فهو مخفي، وإذا أخفي فليس له مخف غيره، و « ما » في قوله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ) فإنها إذا جعلت بمعنى الذي كانت نصبا بوقوع تعلم عليها كيف قرأ القارئ أخفي، وإذا وجهت إلى معنى أيّ كانت رفعا إذا قرئ أخفى بنصب الياء وضم الألف، لأنه لم يسمّ فاعله، وإذا قرئ أُخفِي بإرسال الياء كانت نصبا بوقوع أخفي عليها.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 )

يقول تعالى ذكره: أفهذا الكافر المكذّب بوعد الله ووعيده، المخالف أمر الله ونهيه، كهذا المؤمن بالله، والمصدّق بوعده ووعيد، المطيع له في أمره ونهيه، كلا لا يستوون عند الله يقول: لا يعتدل الكفَّار بالله، والمؤمنون به عنده، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة. وقال: ( لا يَسْتَوُونَ ) فجمع، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين: مؤمنا وفاسقا؛ لأنه لم يرد بالمؤمن: مؤمنا واحدا، وبالفاسق: فاسقا واحدا، وإنما أريد به جميع الفسَّاق، وجميع المؤمنين بالله. فإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذهبت لهما العرب مذهب الجمع.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت في عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، والوليد بن عُقبة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت بالمدينة، في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط كان بين الوليد وبين عليّ كلام، فقال الوليد بن عقبة: أنا أبسط منك لسانا، وأحدّ منك سنانا، وأرد منك للكتيبة، فقال عليّ: اسكت، فإنك فاسق، فأنـزل الله فيهما: ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) إلى قوله: ( بِهِ تُكَذّبُونَ ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) قال: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة.

وقوله: ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى ) يقول تعالى ذكره: أما الذين صدّقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله، فلهم جنات المأوى: يعني بساتين المساكن التي يسكنونها في الآخرة ويأوون إليها. وقوله: ( نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: نـزلا بما أنـزلهموها جزاء منه لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته. وقوله: ( وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ) يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته ( فَمأْوَاهُمُ النَّارُ ) يقول: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ ) في الدنيا ( تُكَذّبُونَ ) أن الله أعدّها لأهل الشرك به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ) أشركوا ( وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) والقوم مكذّبون كما ترون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 )

اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة، فقال بعضهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفس والأموال.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَاب الأدنى ) يقول: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا، قيل: هي المصائب.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى ) قال: المصيبات في الدنيا قال: والدخان قد مضى، والبطشة واللزام.

قال أبو موسى: ترك يحيى بن سعيد، يحيى بن الجزار، نقصان رجل.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا ثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، أنه قال: في هذه الآية ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: مصيبات الدنيا، واللزوم والبطشة، أو الدخان: شكّ شعبة في البطشة أو الدخان.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات واللزوم والبطشة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، قال: المصيبات يصابون بها في الدنيا: البطشة، والدخان، واللزوم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى ) قال: المصائب في الدنيا.

قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جُوَيبر، عن الضحاك ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: المصيبات في دنياهم وأموالهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، حدثه، عن الحسن قوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَىَ ) : أي مصيبات الدنيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى ) قال: أشياء يُصابون بها في الدنيا.

وقال آخرون: عنى بها الحدود.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: الحدود.

وقال آخرون: عنى بها القتل بالسيف، قال: وقتلوا يوم بدر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى ) قال: يوم بدر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن الحسن بن عليّ، أنه قال: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: القتل بالسيف صبرا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: القتل بالسيف، كلّ شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مجاهد يحدّث عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقول: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) يوم بدر.

وقال آخرون: عنى بذلك سنون أصابتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: سنون أصابتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

وقال آخرون: عنى بذلك: عذاب القبر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: الأدنى في القبور وعذاب الدنيا.

وقال آخرون: ذلك عذاب الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى ) قال: العذاب الأدنى: عذاب الدنيا.

وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذّبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذّبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم.

وقوله: ( دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ) يقول: قيل العذاب الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ( دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ) قال: يوم القيامة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ) يوم القيامة في الآخرة.

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد ( دونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) يوم القيامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) يوم القيامة حدّث به قَتادة، عن الحسن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ ) قال: العذاب الأكبر: عذاب الآخرة.

وقوله: ( لَعَلَّهمْ يَرْجِعُونَ ) يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) قال: يتوبون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية ( لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ ) قال: يتوبون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ ) : أي يتوبون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 )

يقول تعالى ذكره: وأيّ الناس أظلم لنفسه ممن وعظه الله بحججه، وآي كتابه، ورسله، ثم أعرض عن ذلك كله، فلم يتعظ بمواعظه، ولكنه استكبر عنها.

وقوله: ( إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمونَ ) يقول: إنا من الذين اكتسبوا الآثام، واجترحوا السيئات منتقمون.

وكان بعضهم يقول: عنى بالمجرمين في هذا الموضع: أهل القدر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن مروان بن سفيح، عن يزيد بن رفيع، قال: إن قول الله في القرآن ( إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) هم أصحاب القدر، ثم قرأ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... إلى قوله: خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ .

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن ابن سفيح، عن يزيد بن رفيع بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: ثم قرأ وائل بن داود هؤلاء الآيات إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... إلى آخر الآيات.

وقال آخرون في ذلك بما حدثني به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا محمد بن المبارك، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبي أُميَّة، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِوَاءً فِي غيرِ حَقّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أو مَشَى مَعَ ظالمٍ يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ. يَقُولُ اللهُ ( إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ( 24 )

يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناك الفرقان يا محمد ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) يقول: فلا تكن في شكّ من لقائه، فكان قتادة يقول: معنى ذلك: فلا تكن في شكّ من أنك لقيته، أو تلقاه ليلة أُسري بك، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن أبي العالية الرياحي، قال: حدثنا ابن عمّ نبيكم - يعني: ابن عباس- قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: « أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بنَ عِمْرَانَ رَجُلا آدَمَ طِوَالا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَةَ، ورأيْتُ عِيسَى رَجُلا مَربُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياضِ، سَبْطَ الرأسِ ورأيْتُ مالِكا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ » فِي آياتٍ أرَاهنَّ اللهُ إيَّاهُ، ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أُسري به.

وقوله: ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) يقول تعالى ذكره: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، يعنى: رشادا لهم يرشدون باتباعه، ويصيبون الحقّ بالاقتداء به، والائتمام بقوله.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.

وقوله: ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً ) يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً يَهدُونَ بأمْرِنا ) قال: رؤساء في الخير. وقوله: ( يَهْدُونَ بأمْرِنا ) يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه.

وقوله: ( لَمَّا صَبرُوا ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة ( لَمَّا صَبرُوا ) بفتح اللام وتشديد الميم، بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( لِمَا ) بكسر اللام وتخفيف الميم بمعنى: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا، وذُكر أن ذلك فى قراءة ابن مسعود ( بِمَا صَبَرُوا ) وما إذا كسرت اللام من ( لِمَا ) في موضع خفض، وإذا فتحت اللام وشدّدت الميم، فلا موضع لها، لأنها حينئذ أداة.

والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام إذا قُرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم، وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم، وتقويتنا إياهم على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا أنفسهم عن لذّات الدنيا وشهواتها. وإذا قرئ بكسر اللام على ما قد وصفنا.

وقد حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي، سمعنا في ( وَجَعَلْنا مْنِهُمْ أئمَّةً يهدون بأمْرِنا لَمَّا صَبروا ) قال: عن الدنيا.

وقوله: ( وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُونَ ) يقول: وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحقّ، وإيمان برسلنا، وآيات كتابنا وتنـزيلنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 )

يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ( 26 )

كما: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) يقول: أولم يبين لهم، وعلى القراءة بالياء في ذلك قرّاء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القرّاء، بمعنى: أولم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينـزجروا. وقوله: ( كَمْ ) إذا قُرئ ( يهْدِ ) بالياء، في موضع رفع بيهد. وأما إذا قرئ ذلك بالنون ( أوَلَمْ نَهْدِ ) فإن موضع ( كم ) وما بعدها نصب. وقوله: ( يَمْشونَ فِي مَساكِنهمْ ) يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهن كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود.

كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أولَمْ يهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهمْ مِنَ القُرُونِ ) عاد وثمود، وأنهم إليهم لا يُرجعون.

وقوله: ( إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) يقول تعالى ذكره: إن في خلاء مساكن القرون الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذّبين بآيات الله من قريش من أهلها الذين كانوا سكانها وعمَّارها بإهلاكنا إياهم لما كذّبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا، وعبدوا من دون الله آلهة غيره التي يمرّون بها فيعاينونها، لآيات لهم وعظات يتعظون بها، لو كانوا أولي حجا وعقول، يقول الله: ( أفلا يَسْمَعُونَ ) عظات الله وتذكيره إياهم آياته، وتعريفهم مواضع حججه؟.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ( 27 )

يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، والنشر بعد الفناء، أنا بقُدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقة جرز: إذا كانت تأكل كلّ شيء، وكذلك الأرض الجروز: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته، نظير أكل الناقة الجراز كلّ ما وجدته، ومنه قولهم للأنسان الأكول: جَرُوز، كما قال الراجز:

خَبّ جَرُوزٌ وَإذَا ....

ومنه قيل للسيف إذا كان لا يبقي شيئا إلا قطعه سيف جراز، فيه لغات أربع: أرض جُرُز، وجَرْز، وجِرز وجُرْز، والفتح لبني تميم فيما بلغني.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ( الأرْضِ الجُرُزِ ) أرض باليمن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نسُوق الماء إلى الأرْضِ الجُرُزِ ) قال: أبين ونحوها.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: ( إلى الأرْضِ الجُرُزِ ) قال: الجرز: التي لا تمْطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جُوَيبر، عن الضحاك ( إلى الأرْضِ الجُرُزِ ) ليس فيها نبت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ) المغبرة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ) قال: الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات، وفي قوله: صَعِيدًا جُرُزًا قال: ليس عليها شيء، وليس فيها نبات ولا شيء ( فنخرجُ به زرعًا تأكلُ منهُ أنعامهُمْ وَأنْفُسُهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلك الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعا خضرا، تأكل منه مواشيهم، وتغذّى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون به ( أفَلا يُبْصرُونَ ) يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلك لا يتعذّر عليّ أن أحيي بها الأموات، وأنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 )

يقول تعالى ذكره: ( وَيَقُولُونَ ) هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ( مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال: قال أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه. فقال المشركون: ( مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .

وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة.

والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب، يدلّ على أن ذلك معناه قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) ولا شكَّ أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ( مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شكّ أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. وقوله: ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يعنى: إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعبادتنا الآلهة والأوثان.

وقوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم يوم الحكم، ومجيء العذاب: لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت.

كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ ) قال: يوم الفتح إذا جاء العذاب

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يَوْمَ الْفَتْحِ ) يوم القيامة، ونصب اليوم في قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) ردّا على متى، وذلك أن ( متى ) في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنى حينُ هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ ثم قيل: يوم كذا، وبه قرأ القرّاء.

وقوله: ( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة. وقوله: ( فأعْرِض عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة.

كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) يعني يوم القيامة.

آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.

 

تفسير سورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 1 ) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( 2 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) بطاعته، وأداء فرائضه، وواجب حقوقه عليك، والانتهاء عن محارمه، وانتهاك حدوده ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ) الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك ( وَالْمُنَافِقِينَ ) الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالا فلا تقبل منهم رأيا، ولا تستشرهم مستنصحا بهم، فإنهم لك أعداء ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) يقول: إن الله ذو علم بما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدون في إظهارهم لك النصيحة، مع الذي ينطوون لك عليه، حكيم في تدبير أمرك وأمر أصحابك ودينك، وغير ذلك من تدبير جميع خلقه ( وَاتَّبعْ ما يُوحَى إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) يقول: واعمل بما ينـزل الله عليك من وحيه، وآي كتابه ( إنَّ اللَّهَ كانَ بما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) يقول: إن الله بما تعمل به أنت وأصحابك من هذا القرآن، وغير ذلك من أموركم وأمور عباده خبيرا أي: ذا خبرة، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على ذلك بما وعدكم من الجزاء.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ( وَاتَّبعْ ما يُوحَى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ) قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَاتَّبعْ ما يُوحَى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ) أي هذا القرآن ( إنَّ اللَّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرًا ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 3 )

يقول تعالى ذكره: وفوّض إلى الله أمرك يا محمد، وثق به ( وكَفَى بالَّلهِ وَكيلا ) يقول: وحسبك بالله فيما يأمرك وكيلا وحفيظا بك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 )

اختلف أهل التأويل في المراد من قول الله ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوفِهِ ) فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق، وصفوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين، فنفى الله ذلك عن نبيه وكذّبهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حفص بن نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه، قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول الله: ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فصلى، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم، فأنـزل الله ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .

وقال آخرون: بل عنى بذلك: رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين من دهيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه ذا القلبين، فأنـزل الله هذا في شأنه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْن فِي جَوْفِهِ ) قال: إن رجلا من بني فهر، قال: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكذب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسمى ذا القلبين، فأنـزل الله فيه ما تسمعون.

قال قتادة: وكان الحسن يقول: كان رجل يقول لي: نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنـزل الله فيه ما تسمعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: كان رجل يسمى ذا القلبين، فنـزلت ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .

وقال آخرون: بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبناه، فضرب الله بذلك مثلا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلا يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما، على النحو الذي رُوي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن يكون تكذيبا لمن سمى القرشيّ الذي ذُكر أنه سمي ذا القلبين من دهيه، وأيّ الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة.

وقوله: ( وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولم يجعل الله أيها الرجال نساءكم اللائي تقولون لهنّ: أنتنّ علينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قبلكم كذبا، وألزمكم عقوبة لكم كفَّارة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ) : أي ما جعلها أمك؛ فإذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفَّارة.

وقوله: ( وَما جَعَلَ أدعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ ) يقول: ولم يجعل الله من ادّعيت أنه ابنك، وهو ابن غيرك ابنك بدعواك.

وذُكر أن ذلك نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تبنيه زيد بن حارثة.

* ذكر الرواية بذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ ) قال: نـزلت هذه الآية في زيد بن حارثة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ ) قال: كان زيد بن حارثة حين منّ الله ورسوله عليه، يقال له: زيد بن محمد، كان تبنَّاه، فقال الله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ قال: وهو يذكر الأزواج والأخت، فأخبره أن الأزواج لم تكن بالأمهات أمهاتكم، ولا أدعياءكم أبناءكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءكُمْ ) وما جعل دعيَّك ابنك، يقول: إذا ادّعى رجل رجلا وليس بابنه ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ ... ) الآية، وذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: « من ادّعى إلى غَير أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ » .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر، قال: ليس في الأدعياء زيد وقوله: ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ ) يقول تعالى ذكره هذا القول وهو قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه، إنما هو قولكم بأفواهكم لا حقيقة له، لا يثبت بهذه الدعوى نسب الذي ادعيت بنوته، ولا تصير الزوجة أمَّا بقول الرجل لها: أنت عليّ كظهر أمي ( واللَّهُ يقُولُ الحَقَّ ) يقول: والله هو الصادق الذي يقول الحقّ، وبقوله يثبت نسب من أثبت نسبه، وبه تكون المرأة للمولود، أمَّا إذا حكم بذلك ( وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) يقول تعالى ذكره: والله يبين لعباده سبيل الحقّ، ويرشدهم لطريق الرشاد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 5 ) يقول الله تعالى ذكره

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( ادْعُوهُمْ لآبائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدِ اللَّهِ ) : أي أعدل عند الله، وقوله: ( فإنْ لَمْ تَعْلمُوا آباءَهُمْ فَإخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) يقول تعالى ذكره: فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم، فتلحقوهم بهم، ( فإخوانكم في الدين ) يقول: فهم إخوانكم في الدين، إن كانوا من أهل ملَّتكم، ومواليكم إن كانوا محرّريكم وليسوا ببنيكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( ادْعُوهُم لآبائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) : أي أعدل عند الله ( فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عُيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال أبو بكرة: قال الله: ( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) فأنا ممن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين، قال: قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمَّارًا لانتمى إليه.

وقوله: ( وَلَيْسَ عَليْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ ) يقول: ولا حرج عليكم ولا وزر في خطأ يكون منكم في نسبة بعض من تنسبونه إلى أبيه، وأنتم ترونه ابن من ينسبونه إليه، وهو ابن لغيره ( وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) يقول: ولكن الإثم والحرج عليكم في نسبتكموه إلى غير أبيه، وأنتم تعلمونه ابن غير من تنسبونه إليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ ) يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك ( وَلَكِنْ ما تَعمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) يقول الله: لا تدعه لغير أبيه متعمدا. أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) قال: فالعمد ما أتى بعد البيان والنهي في هذا وغيره، و « ما » التي في قوله: ( وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) خفض ردّا على « ما » التي في قوله: ( فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ ) وذلك أن معنى الكلام: ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن فيما تعمدت قلوبكم.

وقوله: ( وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيما ) يقول الله تعالى ذكره: وكان الله ذا ستر على ذنب من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول، وذمّ من ادّعى ولد غيره ابنا له، إذا تابا وراجعا أمر الله، وانتهيا عن قيل الباطل بعد أن نهاهما ربهما عنه، ذا رحمة بهما أن يعاقبهما على ذلك بعد توبتهما من خطيئتهما.

 

القول في تأويل قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( 6 )

يقول تعالى ذكره: ( النَّبيُّ ) محمد ( أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ ) يقول: أحق بالمؤمنين به ( مِنْ أنْفُسِهِمْ ) ، أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم، فيجوز ذلك عليهم.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ( النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسهِمْ ) كما أنت أولى بعبدك ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قال: هو أب لهم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وأنا أوْلَى النَّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ( النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسهِمْ ) وأيُّمَا مُؤمِنٍ تَرَكَ مالا فَلِوَرَثَتِهِ وَعَصَبَتِهِ مَنْ كانُوا، وَإن تَرَكَ دَيْنا أوْ ضياعا فَلْيأْتِني وأنا مَوْلاهُ » .

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسن بن عليّ، عن أبي موسى إسرائيل بن موسى، قال: قرأ الحسن هذه الآية ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) قال: قال الحسن: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « أنا أوْلى بكُلّ مُؤمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ » قال الحسن: وفي القراءة الأولى ( أوْلَى بالمُؤْمنين مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال في بعض القراءة ( النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ ) وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: « أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ » .

وقوله: ( وأزْوَاجُهُ أمَّهاتُهُمْ ) يقول: وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم عليهم، في أنهن يحرم عليهن نكاحهن من بعد وفاته، كما يحرم عليهم نكاح أمهاتهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) يعظِّم بذلك حقهنّ، وفي بعض القراءة: ( وَهُوَ أبٌ لَهُمْ ) .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وأزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) محرّمات عليهم.

وقوله: ( وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ ) يقول تعالى ذكره: وأولوا الأرحام الذين ورّثت بعضهم من بعض، هم أولى بميراث بعض من المؤمنين والمهاجرين أن يرث بعضهم بعضا، بالهجرة والإيمان دون الرحم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى ببَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ) لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابيّ المسلم لا يرث من المهاجرين شيئا، فأنـزل الله هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد آخَى بين المهاجرين والأنصار أوّل ما كانت الهجرة، وكانوا يتوارثون على ذلك، وقال الله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال: إذا لم يأت رحم لهذا يحول دونهم، قال: فكان هذا أوّلا فقال الله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) يقول: إلا أن توصوا لهم ( كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا ) أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يتوارثون إن كانوا أولي رحم، حتى يهاجروا إلى المدينة، وقرأ قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ... إلى قوله: وَفَسَادٌ كَبِيرٌ فكانوا لا يتوارثون، حتى إذا كان عام الفتح، انقطعت الهجرة، وكثر الإسلام، وكان لا يقبل من أحد أن يكون على الذي كان عليه النبيّ ومن معه إلا أن يهاجر؛ قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن بعث: « اغْدُوا عَلى اسْمِ اللهِ لا تَغْلُوا وَلا تُوَلُّوا، ادْعُوهُمْ إلى الإسْلامِ، فإنْ أجابُوكُمْ فاقْبَلُوا وَادْعُوهُمْ إلى الهِجْرَةِ، فإنْ هاجَرُوا مَعَكُمْ، فَلَهُمْ ما لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فإنْ أبَوْا وَلَمْ يُهاجِرُوا وَاخْتارُوا دَارَهُمْ فأقِرُّوهُمْ فِيها، فَهُمْ كالأعْرابِ تجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكام الإسْلام، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذَا الفَيْءِ نَصِيبٌ » . قال: فلما جاء الفتح، وانقطعت الهجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ » وكثر الإسلام، وتوارث الناس على الأرحام حيث كانوا، ونسخ ذلك الذي كان بين المؤمنين والمهاجرين، وكان لهم في الفيء نصيب، وإن أقاموا وأبوا، وكان حقهم في الإسلام واحدًا، المهاجر وغير المهاجر والبدوي وكلّ أحد، حين جاء الفتح.

فمعنى الكلام على هذا التأويل: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين ببعضهم أن يرثوهم بالهجرة، وقد يحتمل ظاهر هذا الكلام أن يكون من صلة الأرحام من المؤمنين والمهاجرين، أولى بالميراث، ممن لم يؤمن، ولم يهاجر.

وقوله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا أن توصوا لذوي قرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجَّاج، عن سالم، عن ابن الحنفية ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قالوا: يوصي لقرابته من أهل الشرك.

قال: ثنا عبدة، قال: قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قال: للقرابة من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قال: إلى أوليائكم من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري ويحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة ( إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قال: وصية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما قوله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) فقال: العطاء، فقلت له: المؤمن للكافر بينهما قرابة؟ قال: نعم عطاؤه إياه حباء ووصية له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تمسكوا بالمعروف بينكم بحقّ الإيمان والهجرة والحلف، فتؤتونهم حقهم من النصرة والعقل عنهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) قال: حلفاؤكم الذين والى بينهم النبيّ صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، إمساك بالمعروف والعقل والنصر بينهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن توصوا إلى أوليائكم من المهاجرين وصية.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا ) يقول: إلا أن توصوا لهم.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: معنى ذلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار، معروفا من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كلّ ذلك من المعروف الذي قد حثّ الله عليه عباده.

وإنما اخترت هذا القول، وقلت: هو أولى بالصواب من قيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك، لأن القريب من المشرك، وإن كان ذا نسب فليس بالمولى، وذلك أن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليا بقوله: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء، ثم يصفهم جلّ ثناؤه بأنهم لهم أولياء. وموضع « أن » من قوله: ( إلا أنْ تَفْعَلُوا ) نصب على الاستثناء ومعنى الكلام: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين ليسوا بأولي أرحام منكم معروفا.

وقوله: ( كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا ) يقول: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، أي في اللوح المحفوظ مسطورا أي مكتوبا، كما قال الراجز:

في الصُّحُفِ الأولى التي كانَ سَطَرْ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا ) : أي أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: كان ذلك في الكتاب مسطورا: لا يرث المشرك المؤمن.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 7 )

يقول تعالى ذكره: كان ذلك في الكتاب مسطورا، إذ كتبنا كلّ ما هو كائن في الكتاب ( وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) كان ذلك أيضا في الكتاب مسطورا، ويعني بالميثاق: العهد، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبل ( وَمِنْكَ ) يا محمد ( وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) يقول: وأخذنا من جميعهم عهدا مؤكدا أن يصدّق بعضهم بعضا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ فِي الخَلْقِ، وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ » ، ( وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) ميثاق أخذه الله على النبيين، خصوصا أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن يتبع بعضهم بعضا.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: كان قتادة إذا تلا هذه الآية ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في أوّل النبيين في الخلق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: في ظهر آدم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) قال: الميثاق الغليظ: العهد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ( 8 )

يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، وما فعل قومهم فيما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة.

وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) قال: المبلغين المؤدّين من الرسل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) قال: المبلغين المؤدّين من الرسل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أُسامة، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقينَ عَنْ صدْقِهِمْ ) قال: الرسل المؤدّين المبلغين.

وقوله: ( وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ) يقول: وأعدّ للكافرين بالله من الأمم عذابا موجعا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( 9 )

يقول تعالى ذكره: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) التي أنعمها على جماعتكم وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق ( إْذ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ) : جنود الأحزاب: قريش، وغَطفان، ويهود بني النضير ( فأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا ) وهي فيما ذكر: ريح الصَّبا.

كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الشمال: إن الحرّة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أُرسلت عليهم الصبا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثني الزبير - يعني: ابن عبد الله- قال: ثني ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء تقوله؟ قال: « نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا » ، فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بالرِّيحِ، فهَزَمَهُم اللهُ بالرّيحِ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن عبد الله، قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح، إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لي وقال: « مَنْ لَقِيتَ مِنْ أصحَابِي فَمُرْهُمْ يَرْجِعُوا » . قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه؛ قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأنفذها إلى الأرض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة: قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال فتى من أهل الكوفة لحُذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا. قال حُذَيفة: يا بن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: « من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة » ، فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: « مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، يَشْتَرطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الرَّجْعَةَ، أسألُ الله أنْ يكُونَ رَفِيقي فِي الجَنَّةِ » فما قام رجل من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد؛ فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال: « يا حُذيْفَةُ اذْهَبْ فادْخُلْ فِي القَوْمِ فانْظُرْ، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئا حتى تَأْتينَا » . قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه، فقال حُذَيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخفّ، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا تُحدث شيئا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم؛ قال حُذَيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه؛ فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليّ طَرف المِرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ) قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة.

وقوله: ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا ) قال: ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونـزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. وقوله: ( وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ) قال: الملائكة ولم تقاتل يومئذ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) قال: يعني الملائكة، قال: نـزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس، حتى نـزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عُيينة بن حصن، أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نـزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه، فقال حيث يقول الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذكر لنا أنهم كانوا كلما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ، حتى إذا اجتمعوا عنده فقال: النجاء النجاء، أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... ) الآية، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، في قول الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) والجنود: قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة.

وقوله: ( وكانَ اللَّهُ بِمَا تَعْملُونَ بَصِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم يومئذ، وذلك صبرهم على ما كانوا فيه من الجهد والشدّة، وثباتهم لعدوّهم، وغير ذلك من أعمالهم، بصيرا لا يخفى عليه من ذلك شيء، يحصيه عليهم، ليجزيهم عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ( 11 ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ( 12 )

يقول تعالى ذكره: وكان الله بما تعملون بصيرا، إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم، ومن أسفل منكم. وقيل: إن الذين أتوهم من أسفل منهم، أبو سفيان في قريش ومن معه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال عيينة بن بدر في أهل نجد ( ومن أسفل منكم ) قال أبو سفيان، قال: وواجهتهم قريظة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ذكرت يوم الخندق وقرأت ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) قالت: هو يوم الخندق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، وعمن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا أنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحُييّ بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرجوا حتى قدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه قال: فهم الذين أنـزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ... إلى قوله: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا فلما قالوا ذلك لقريش، سرّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرّة، ومسعر بن رخيلة بن نُوَيرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع؛ فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نـزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نـزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذّراري والنساء، فرفعوا في الآطام، وخرج عدوّ الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظيّ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحييّ بن أخطب، أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: يا كعب افتح لي، قال: ويحك يا حييّ، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا؛ قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا تخوّفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب جئتك بعزّ الدهر، وببحر طمّ، جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنـزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطَفان على قاداتها وساداتها حتى أنـزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء؛ فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه، فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أحد بني الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن ديلم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحرث بن الخزرج، وخوات بن جُبَير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: « انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس » فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة: أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظنّ المسلمون كلّ ظنّ، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدوّ، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان قوله: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) فالذين جاءوهم من فوقهم: قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريش وغطفان.

وقوله: ( وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ ) يقول: وحين عدلت الأبصار عن مقرّها، وشخصت طامحة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ ) : شخصت.

وقوله: ( وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ) يقول: نبت القلوب عن أماكنها من الرعب والخوف، فبلغت إلى الحناجر.

كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرِمة: ( وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ) قال: من الفزع.

وقوله: ( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) يقول: وتظنون بالله الظنونَ الكاذبة، وذلك كظنّ من ظنّ منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغلب، وأن ما وعده الله من النصر أن لا يكون، ونحو ذلك من ظنونهم الكاذبة التي ظنها من ظنّ ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره.

حدثنا بشر، قال: ثنا هوذة بن خليفة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ( وَتَظُنُّونَ باللَّه الظُّنُونا ) قال: ظنونا مختلفة: ظنّ المنافقون أن محمدا وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حقّ، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَتَظُنُّونَ بالله الظُّنُونا ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيين: ( الظُّنُونا ) بإثبات الألف، وكذلك وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا في الوصل والوقف وكان اعتلال المعتلّ في ذلك لهم، أن ذلك في كل مصاحف المسلمين بإثبات الألف في هذه الأحرف كلها وكان بعض قرّاء الكوفة يثبت الألف فيهنّ في الوقف، ويحذفها في الوصل اعتلالا بأن العرب تفعل ذلك في قوافي الشعر ومصاريعها، فتلحق الألف في موضع الفتح للوقوف، ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فإن هذه الأحرف، حسُن فيها إثبات الألفات، لأنهنّ رءوس الآي تمثيلا لها بالقوافي. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه في الوقف والوصل، اعتلالا بأن ذلك غير موجود في كلام العرب إلا في قوافي الشعر دون غيرها من كلامهم، وأنها إنما تفعل ذلك في القوافي طلبا لإتمام وزن الشعر، إذ لو لم تفعل ذلك فيها لم يصحّ الشعر، وليس ذلك كذلك في القرآن، لأنه لا شيء يضطرّهم إلى ذلك في القرآن، وقالوا: هنّ مع ذلك في مصحف عبد الله بغير ألف.

وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، مع شهرة القراءة بذلك في قرّاء المصرين: الكوفة، والبصرة، ثم القراءة بإثبات الألف فيهنّ في حالة الوقف والوصل؛ لأن علة من أثبت ذلك في حال الوقف أنه كذلك في خطوط مصاحف المسلمين. وإذا كانت العلة في إثبات الألف في بعض الأحوال كونه مثبتا في مصاحف المسلمين، فالواجب أن تكون القراءة في كل الأحوال ثابتة؛ لأنه مثبت في مصاحفهم. وغير جائز أن تكون العلة التي توجب قراءة ذلك على وجه من الوجوه في بعض الأحوال موجودة في حال أخرى، والقراءة مختلفة، وليس ذلك لقوافي الشعر بنظير؛ لأن قوافي الشعر إنما تلحق فيها الألفات في مواضع الفتح، والياء في مواضع الكسر، والواو في مواضع الضمّ طلبا لتتمة الوزن، وأن ذلك لو لم يفعل كذلك بطل أن يكون شعرا لاستحالته عن وزنه، ولا شيء يضطرّ تالي القرآن إلى فعل ذلك في القرآن.

وقوله: ( هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ) يقول: عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين، ومُحِّصَ القوم وعرف المؤمن من المنافق.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ) قال: محصوا.

وقوله: ( وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ) يقول: وحرّكوا بالفتنة تحريكا شديدا، وابتلوا وفتنوا.

وقوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) شكّ في الإيمان وضعف في اعتقادهم إياه: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وذلك فيما ذكر قول معتب بن قشير.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) يقول: معتب بن قشير، إذ قال ما قال يوم الخندق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال: تكلمهم بالنفاق يومئذ وتكلم المؤمنون بالحقّ والإيمان قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) قال: قال ذلك أُناس من المنافقين، قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما في سَبِيلِ اللهِ » فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ( ما وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورا ) ؟ فقال له: كذبت، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره، فدعاه فقال: « ما قلت؟ » فقال: كذب عليّ يا رسول الله، ما قلت شيئًا، ما خرج هذا من فمي قطّ، قال الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ... حتى بلغ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قال: فهذا قول الله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: ثني أبي، عن أبيه، قال: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام ذكرت الأحزاب، من أحمر الشيخين طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد، ثم جعل أربعين ذراعا بين كلّ عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال الأنصار: سلمان منا، وقال المهاجرون: سلمان منا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « سَلْمانُ منَّا أهْلَ البَيْت » . قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى، أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحبّ أن نجاوز خطه. فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة، فكسرت حديدنا، وشقَّت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعني لابتي المدينة- حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها وسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، ثم أخذ بيد سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قطّ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: « هَلْ رأيْتُمْ ما يقُولُ سَلْمانُ؟ » قَالُوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا، وقد رأيناك تضرب، فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: « صَدَقْتُمْ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأولى، فَبَرقَ الَّذِي رأيتم أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحِيرَة وَمَدَائِنُ كِسْرَى، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، فأخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتي الثَّانيَةَ، فَبَرقَ الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحُمْر مِنْ أرْضِ الرُّومِ، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّالِثَةَ، وَبَرَقَ مِنْها الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَتْ لِي مِنْها قُصُورُ صَنْعاءَ، كأنَّها أنْيابُ الكلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْه السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فأبْشِرُوا » يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، « وأبْشرُوا » يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، « وأبْشِرُوا » يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر؛ فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطبقت الأحزاب، فقال المسلمون هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية، وقال المنافقون: ألا تعجبون يحدّثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا وأنـزل القرآن ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ( 14 )

يعني تعالى ذكره بقوله: ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ ) وإذ قال بعضهم: يا أهل يثرب، ويثرب: اسم أرض، فيقال: إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب. وقوله: ( لا مُقامَ لَكُمْ فارْجِعُوا ) بفتح الميم من مقام. يقول: لا مكان لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعر:

فــأيِّي مــا وأَيُّــكَ كـانَ شَـرّا فَقيــدَ إلــى المَقامَــةِ لا يَرَاهــا

قوله: ( فارْجِعُوا ) يقول: فارجعوا إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن ذلك من قيل أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَإذْ قَالتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أهل يَثْرِب ... ) إلى ( فِرَارًا ) يقول: أوس بن قيظي ومن كان على ذلك من رأيه من قومه، والقراءة على فتح الميم من قوله: ( لا مَقَامَ لَكُمْ ) بمعنى: لا موضع قيام لكم، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وذُكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك ( لا مُقامَ لَكُمْ ) بضم الميم؛ يعني: لا إقامة لكم.

وقوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منـزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَيَسْتأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ... ) إلى قوله: ( إلا فِرَارًا ) قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) قال: نخشى عليها السرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) وإنها مما يلي العدوّ، وإنا نخاف عليها السرّاق، فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا يجد بها عدوّا، قال الله: ( إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا ) يقول: إنما كان قولهم ذلك ( إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) إنما كان يريدون بذلك الفرار.

حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن حمران، قال: ثنا عبد السلام بن شدّاد أبو طالوت عن أبيه في هذه الآية ( إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِي بِعَوْرَةٍ ) قال: ضائعة.

وقوله: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِها ) يقول: ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين ( إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) من أقطارها، يعني: من جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، وفيها لغة أخرى: قُتر، وأقتار، ومنه قول الراجز:

إنْ شِـــئْتَ أنْ تــدهن أو تمــرا فَــــوَلِّهِنَّ قُـــتْرَكَ الأشَـــرَّا

وقوله: ( ثُمَّ سُئِلوا الفِتْنَةَ ) يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيمان إلى الشرك ( لآتَوْها ) يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا. وقوله: ( وَما تَلَبَّثُوا بها إلا يَسِيرًا ) يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلى الشرك إلا يسيرا قليلا ولأسرعوا إلى ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ) أي: لو دخل عليهم من نواحي المدينة ( ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ ) : أي: الشرك ( لآتَوْها ) يقول: لأعطوها. ( وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا ) يقول: إلا أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ) يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها ( ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتوْهَا ) سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم، ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله: ( الفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ) أي: الكفر. يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق على أن يكفروا به.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( لآتَوْها ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض قرّاء مكة: ( لأتَوْها ) بقصر الألف، بمعنى جاءوها. وقرأه بعض المكيين وعامة قرّاء الكوفة والبصرة: ( لآتَوْها ) بمدّ الألف، بمعنى: لأعطوها، لقوله: ( ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ ) . وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء. والمدّ أعجب القراءتين إليّ لما ذكرت، وإن كانت الأخرى جائزة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ( 15 )

يقول تعالى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانصراف عنه، ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ، عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوّهم الأدبار، إن لقولهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم ( وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ) يقول: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه.

وذُكر أن ذلك نـزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ) . وهم بنو حارثة، وهم الذين همّوا أن يفشلوا يوم أُحد مع بني سلمة حين همّا بالفشل يوم أُحد، ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ) قال: كان ناس غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ( 16 ) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 17 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا محمد، لهؤلاء الذين يستأذنوك في الانصراف عنك ويقولون: إن بيوتنا عورة ( لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ) يقول: لأن ذلك، أو ما كتب الله منهما واصل إليكم بكل حال، كرهتم أو أحببتم ( وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ) يقول: وإذا فررتم من الموت أو القتل لم يزد فراركم ذلك في أعماركم وآجالكم، بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، ثم يأتيكم ما كتب لكم وعليكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ) وإنما الدنيا كلها قليل.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن ربيع بن خيثم ( وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ) قال: إلى آجالهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن ربيع بن خيثم ( وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ) قال: ما بينهم وبين الأجل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم، مثله إلا أنه قال: ما بينهم وبين آجالهم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي رزين، أنه قال في هذه الآية: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا قال: ليضحكوا في الدنيا قليلا وليبكوا في النار كثيرا. وقال في هذه الآية: ( وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ) قال: إلى آجالهم. أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خيثم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم ( وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ) قال: الأجل. ورفع قوله: ( تُمَتَّعُونَ ) ولم ينصب بـ « إذًا » للواو التي معها؛ وذلك أنه إذا كان قبلها واو، كان معنى « إذًا » التأخير بعد الفعل، كأنه قيل: ولو فرّوا لا يمتَّعون إلا قليلا إذًا، وقد يُنصب بها أحيانا، وإن كان معها واو؛ لأن الفعل متروك، فكأنها لأوّل الكلام.

قوله: ( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) . يقول تعالى ذكره: قل يا محمد، لهؤلاء الذين يستأذنونك ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ هربا من القتل: من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءا في أنفسكم، من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو عافية وسلامة؟ وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوء أو رحمة إلا من قِبَله؟.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) أي أنه ليس الأمر إلا ما قضيت.

وقوله: ( وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) يقول تعالى ذكره: ولا يجد هؤلاء المنافقون إن أراد الله بهم سوءًا في أنفسهم وأموالهم ( مِن دُونِ الله وليًّا ) يليهم بالكفاية ( وَلا نَصِيرًا ) ينصرهم من الله فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا ( 18 ) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 19 )

يقول تعالى ذكره: قد يعلم الله الذين يعوّقون الناس منكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصدّونهم عنه، وعن شهود الحرب معه، نفاقا منهم، وتخذيلا عن الإسلام وأهله ( والقائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ) : أي تعالوا إلينا، ودعوا محمدا، فلا تشهدوا معه مشهده، فإنا نخاف عليكم الهلاك بهلاكه ( وَلا يَأْتُونَ البأْسَ إلا قَلِيلا ) يقول: ولا يشهدون الحرب والقتال إن شهدوا إلا تعذيرا، ودفعا عن أنفسهم المؤمنين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ ) قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك.

وقوله: ( وَلا يأْتُونَ البأْسَ إلا قَلِيلا ) : أي لا يشهدون القتال، يغيبون عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنا يزيد بن رومان ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ) : أي أهل النفاق ( وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا ) : أي إلا دفعا وتعذيرا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ ... ) إلى آخر الآية، قال: هذا يوم الأحزاب، انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا في الشواء والرغيف والنبيذ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلمّ إلى هذا، فقد بلغ بك وبصاحبك، والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا، فقال: كذبت والذي يحلف به؛ قال - وكان أخاه من أبيه وأمِّه- : أما والله لأخبرنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمرك؛ قال: وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره؛ قال: فوجده قد نـزل جبرائيل عليه السلام بخبره ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا ) .

وقوله: ( أشحَّةً عَلَيْكُمْ ) اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به هؤلاء المنافقين في هذا الموضع من الشح، فقال بعضهم: وصفهم بالشحّ عليهم في الغنيمة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) في الغنيمة.

وقال آخرون: بل وصفهم بالشحّ عليهم بالخير.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) قال: بالخير المنافقون، وقال غيره: معناه: أشحة عليكم بالنفقة على ضعفاء المؤمنين منكم.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشحّ، ولم يخصص وصفهم من معاني الشحّ، بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به: أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين. ونصب قوله: ( أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) على الحال من ذكر الاسم الذي في قوله: ( وَلا يَأْتُونَ البأْسَ ) كأنه قيل: هم جبناء عند البأس، أشحاء عند قسم الغنيمة بالغنيمة. وقد يحتمل أن يكون قطعا من قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ) فيكون تأويله: قد يعلم الله الذين يعوّقون الناس على القتال، ويشحون عند الفتح بالغنيمة، ويجوز أن يكون أيضا قطعا من قوله: هلم إلينا أشحة، وهم هكذا أشحة. ووصفهم جلّ ثناؤه بما وصفهم من الشحّ على المؤمنين لما في أنفسهم لهم من العداوة والضغن.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) أي للضغن الذي في أنفسهم.

وقوله: ( فإذَا جاءَ الخَوْفُ ... ) إلى قوله: ( مِنَ المَوْتِ ) يقول تعالى ذكره: فإذا حضر البأس، وجاء القتال خافوا الهلاك والقتل، رأيتهم يا محمد ينظرون إليك لواذا بك، تدور أعينهم خوفا من القتل، وفرارا منه ( كالَّذي يُغْشَى علَيْهِ مِنَ المَوْتِ ) يقول: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به ( فإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ ) يقول: فإذا انقطعت الحرب واطمأنوا ( سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ) مِنَ الخَوْفِ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) أي إعظامًا وفَرقا منه وأما قوله: ( سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ ) فإنه يقول: عضوكم بألسنة ذربة. ويقال للرجل الخطيب الذرب اللسان: خطيب مسلق ومصلق، وخطيب سَلاق وصَلاق.

وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف تعالى ذكره هؤلاء المنافقين أنهم يسلقون المؤمنين به، فقال بعضهم: ذلك سلقهم إياهم عند الغنيمة بمسألتهم القسم لهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) أما عند الغنيمة، فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، أعطونا أعطونا فإنا قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحقّ.

وقال آخرون: بل ذلك سلقهم إياهم بالأذَى.

* ذكر ذلك عن ابن عباس:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ ) قال: استقبلوكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ ) قال: كلموكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يسلقونهم من القول بما تحبون نفاقا منهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) في القول بما تحبون لأنهم لا يرجون آخرة، ولا تحملهم حسبة، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده.

وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل قول من قال: ( سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) فأخبر أن سلقهم المسلمين شحا منهم على الغنيمة والخير، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلب الغنيمة. وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنيمة دخل في ذلك قول من قال: معنى ذلك: سلقوكم بالأذى، لأن فعلهم ذلك كذلك لا شكّ أنه للمؤمنين أذى.

وقوله: ( أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ) يقول: أشحة على الغنيمة إذا ظفر المؤمنون.

وقوله: ( لَمْ يُؤْمِنُوا فأحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم في هذه الآيات لم يصدّقوا الله ورسوله. ولكنهم أهل كفر ونفاق، ( فَأَحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ ) يقول: فأذهب الله أجور أعمالهم وأبطلها. وذُكر أن الذي وصف بهذه الصفة كان بدريا، فأحبط الله عمله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) قال: فحدثني أبي أنه كان بدريا، وأن قوله: ( فأَحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ ) أحبط الله عمله يوم بدر.

وقوله: ( وكانَ ذلكَ على اللهِ يَسِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكان إحباط عملهم الذي كانوا عملوا قبل ارتدادهم ونفاقهم على الله يسيرا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا ( 20 )

يقول تعالى ذكره: يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفان.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ) : قريش وغطفان.

وقوله: ( لَمْ يَذْهَبُوا ) يقول: لم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنا وهَلعا منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ) قال: يحسبونهم قريبا.

وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ قَدْ ذَهَبُوا فإذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا وَدُّوا لَوْ أنَّهُمْ بادُونَ فِي الأعْرَابِ ) .

وقوله: ( وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ ) يقول تعالى ذكره: وإن يأت المؤمنين الأحزاب وهم الجماعة: واحدهم حزب ( يَوَدُّوا ) يقول: يتمنوا من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفا من القتل. وذلك أن قوله: ( لَوْ أنَّهُمْ بادُونَ فِي الأعْرَابِ ) تقول: قد بدا فلان إذا صار في البدو فهو يبدو، وهو باد؛ وأما الأعراب: فإنهم جمع أعرابيّ، وواحد العرب عربيّ، وإنما قيل: أعرابيّ لأهل البدو، فرقا بين أهل البوادي والأمصار، فجعل الأعراب لأهل البادية، والعرب لأهل المصر.

وقوله: ( يَسألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ) يقول: يستخبر هؤلاء المنافقون أيها المؤمنون الناس عن أنبائكم، يعني: عن أخباركم بالبادية، هل هلك محمد وأصحابه؟ نقول: يتمنون أن يسمعوا أخباركم بهلاككم، ألا يشهدوا معكم مشاهدكم ( وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ولو كانوا أيضا فيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا المشركين إلا قليلا يقول: إلا تعذيرا، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( يَسألونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ) قال: أخباركم، وقرأت قرّاء الأمصار جميعا سوى عاصم الجحدري ( يَسألونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ) بمعنى: يسألون من قدم عليهم من الناس عن أنباء عسكركم وأخباركم، وذكر عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ذلك ( يَسّاءَلونَ ) بتشديد السين، بمعنى: يتساءلون: أي يسأل بعضهم بعضا عن ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( 21 ) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ( 22 )

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( أُسْوَةٌ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: ( إِسْوَةٌ ) بكسر الألف، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بالضمّ ( أُسوة ) ، وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بالكسر، ويقرأ قوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ بالضم وهما لغتان.

وذُكر أن الكسر في أهل الحجاز، والضمّ في قيس، يقولون: أُسوة، وأُخوة، وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسكره بالمدينة، من المؤمنين به، يقول لهم جلّ ثناؤه: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) : أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلَّفوا عنه ( لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ ) يقول: فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قال: ثم أقبل على المؤمنين، فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) ألا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكان هو به ( وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) يقول: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدّة والرخاء.

وقوله: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ ) يقول: ولمَّا عاين المؤمنون بالله ورسوله جماعات الكفار قالوا - تسليما منهم لأمر الله، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم، الذي وعدهم بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ... إلى قوله: قَرِيبٌ - ( هذا ما وعدنا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) فأحسن الله عليهم بذلك من يقينهم، وتسليمهم لأمره الثناء، فقال: وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانا بالله وتسليما لقضائه وأمره، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَلمَّا رأى المُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ ... ) الآية قال: ذلك أن الله قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ... إلى قوله: إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ قال: فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأوّل المؤمنون ذلك، ولم يزدهم ذلك إلا إيمانًا وتسليما.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قال: ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعدهم الله من البلاء يختبرهم به ( قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) : أي صبرا على البلاء، وتسليما للقضاء، وتصديقا بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) وكان الله قد وعدهم في سورة البقرة فقال: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) خيرهم وأصبرهم وأعلمهم بالله مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ هذا والله البلاء والنقص الشديد، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا ما أصابهم من الشدّة والبلاء ( قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) وتصديقا بما وعدهم الله، وتسليما لقضاء الله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 24 )

يقول تعالى ذكره ( مِنَ المُؤْمِنِينَ ) بالله ورسوله ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضرّاء، وحين البأس ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أُحد، وبعض في غير ذلك من المواطن ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر على عدوّه. والنحب: النذر في كلام العرب. وللنحب أيضا في كلامهم وجوه غير ذلك، منها الموت، كما قال الشاعر:

قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ

يعني: منيته ونفسه؛ ومنها الخطر العظيم، كما قال جرير:

بِطَخْفَــةَ جالَدْنــا المُلُـوكَ وَخَيْلُنَـا عَشِـيَّةَ بِسْـطامٍ جَـرَيْنَ عَـلى نَحْـبِ

أي على خطر عظيم؛ ومنها النحيب، يقال: نحب في سيره يومه أجمع: إذا مدّ فلم ينـزل يومه وليلته؛ ومنها التنحيب، وهو الخطار، كما قال الشاعر:

وإذْ نَحَّـبَتْ كَـلْبٌ عـلى النَّـاس أيُّهُمْ أحَــقُّ بِتــاجِ المَــاجِدِ المُتَكَـوِّم?

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) : أي: وفوا الله بما عاهدوه عليه ( فمنهم من قَضَى نَحْبَهُ ) أي فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أُحد ( ومنهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) ما وعد الله من نصره والشهادة على ما مضى عليه أصحابه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: عهده فقتل أو عاش ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) يوما فيه جهاد، فيقضي ( نحبه ) عهده، فيقتل أو يصدق في لقائه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: عهده ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قال: يوما فيه قتال، فيصدق في اللقاء.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مجاهد ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: مات على العهد.

قال: ثنا أبو أُسامة، عن عبد الله بن فلان - قد سماه، ذهب عني اسمه- عن أبيه ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: نذره.

حدثنا ابن إدريس، عن طلحة بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة: أن أعرابيا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله: من الذين قضوا نحبهم؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ودخل طلحة من باب المسجد وعليه ثوبان أخضران، فقال: « هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهُمْ » .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: موته على الصدق والوفاء. ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الموت على مثل ذلك، ومنهم من بدّل تبديلا .

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن مجاهد ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قال: النحب: العهد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) على الصدق والوفاء ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) من نفسه الصدق والوفاء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي بكير، قال شريك بن عبد الله، أخبرناه عن سالم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) قال: الموت على ما عاهد الله عليه ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الموت على ما عاهد الله عليه.

وقيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله أن يفوا قتالا للمشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أوفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل، ومنهم من أوفى ولم يقض نحبه، وكان منتظرا، على ما وصفهم الله به من صفاتهم في هذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن أنس بن النضر تغيب عن قتال بدر، فقال: تغيبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن رأيت قتالا ليرين الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أُحُد، وهُزم الناس، لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجدُ ريح الجنة، فتقدم فقاتل حتى قُتل، فنـزلت فيه هذه الآية: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن بكير، قال: ثنا حميد، قال: زعم أنس بن مالك قال: غاب أنس بن النضر، عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله قتالا ليرينّ الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أُحُد، انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، فمشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقال سعد: يا رسول الله، فما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى، به بضع وثمانون جراحة، بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، قال أنس: فكنا نتحدّث أن هذه الآية ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) نـزلت فيه، وفي أصحابه.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت حميدا يحدّث، عن أنس بن مالك، أن أنس بن النضر: غاب عن قتال بدر، ثم ذكر نحوه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى بن طلحة عن طلحة أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا لا يجرءون على مسألته، فقالوا للأعرابي: سله ( مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) من هو؟ فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم دخلت من باب المسجد وعليّ ثياب خُضر؛ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أيْنَ السَّائِل عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟ » قال الأعرابيّ: أنا يا رسول الله قال: « هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ » .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الحميد الحِمَّاني، عن إسحاق بن يحيى الطَّلْحِي، عن موسى بن طلحة، قال: قام معاوية بن أبي سفيان، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ » .

حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، قال: ثنا سليمان بن أيوب، قال: ثني أبي، عن إسحاق، عن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما قدمنا من أُحُد وصرنا بالمدينة، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم المنبر، فخطب الناس وعزّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: ( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... ) الآية، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ فالتفت وعليّ ثوبان أخضران، فقال: « أيُّها السَّائِلُ هَذَا مِنْهُمْ » .

وقوله: ( وَما بَدَّلًوا تَبْديلا ) : وما غيروا العهد الذي عاقدوا ربهم تغييرا، كما غيره المعوّقون القائلون لإخوانهم: هلمّ إلينا، والقائلون: إن بيوتنا عورة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَما بَدَّلُوا تَبْديلا ) يقول: ما شكُّوا وما تردّ‍دوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَما بَدَّلُوا تَبْديلا ) : لم يغيروا دينهم كما غير المنافقون.

وقوله: ( ليَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بصِدْقهِمْ ) يقول تعالى ذكره ( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ .... لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بصِدْقِهِمْ ) : يقول: ليثيب الله أهل الصدق بصدقهم الله بما عاهدوه عليه، ووفائهم له به ( وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ ) بكفرهم بالله ونفاقهم ( أوْ يَتُوبَ عَليهِمْ ) من نفاقهم، فيهديهم للإيمان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) يقول: إن شاء أخرجهم من النفاق إلى الإيمان.

إن قال قائل: ما وجه الشرط في قوله: ( وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ ) بقوله: ( إنْ شاءَ ) والمنافق كافر وهل يجوز أن لا يشاء تعذيب المنافق، فيقال: ويعذّبه إن شاء؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته. وإنما معنى ذلك: ويعذّب المنافقين بأن لا يوفقهم للتوبة من نفاقهم حتى يموتوا على كفرهم إن شاء، فيستوجبوا بذلك العذاب، فالاستثناء إنما هو من التوفيق لا من العذاب إن ماتوا على نفاقهم.

وقد بين ما قلنا في ذلك قوله: ( أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) فمعنى الكلام إذن: ويعذّب المنافقين إذ لم يهدهم للتوبة، فيوفقهم لها، أو يتوب عليهم فلا يعذّبهم.

وقوله: ( إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيما ) يقول: إن الله كان ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيما بالتائبين أن يعاقبهم بعد التوبة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ( 25 )

يقول تعالى ذكره ( ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفُروا ) به وبرسوله من قُرَيش وغطفان ( بغَيْظِهِمْ ) يقول: بكربهم وغمهم، بفوتهم ما أمَّلوا من الظفر، وخيبتهم مما كانوا طَمِعوا فيه من الغَلَبة ( لَمْ ينَالوا خَيْرًا ) يقول: لم يصيبوا من المسلمين مالا ولا إسارا ( وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ ) بجنود من الملائكة والريح التي بعثها عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ) الأحزاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ) وذلك يوم أبي سفيان والأحزاب، ردّ الله أبا سفيان وأصحابه بغيظهم لم ينالوا خيرا ( وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ ) بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ) : أي: قريش وغطفان.

حدثني الحسين بن عليّ الصُّدائي، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: حُبسنا يوم الخندق عن الصلاة، فلم نصلّ الظهر، ولا العصر، ولا المغرب، ولا العشاء، حتى كان بعد العشاء بهويّ كفينا، وأنـزل الله ( وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ وكان اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة، وصلى الظهر، فأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم صلى العصر كذلك، ثم صلى المغرب كذلك، ثم صلى العشاء كذلك، جعل لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن تنـزل صلاة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري قال: حُبسنا يوم الخندق، فذكر نحوه.

وقوله: ( وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) يقول: وكان الله قويا على فعل ما يشاء فعله بخلقه، فينصر من شاء منهم على من شاء أن يخذله، لا يغلبه غالب؛ ( عزيزا ) : يقول: هو شديد انتقامه ممن انتقم منه من أعدائه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وكانَ اللَّهُ قَويًّا عَزيزًا ) : قويا في أمره، عزيزا في نقمته.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( 27 )

يقول تعالى ذكره: وأنـزل الله الذين أعانوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك هو مظاهرتهم إياه، وعنى بذلك بني قريظة، وهم الذين ظاهروا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله: ( مِنْ أهْلِ الكتاب ) يعني: من أهل التوراة، وكانوا يهود: وقوله: ( منْ صيَاصِيهمْ ) يعني: من حصونهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَأَنـزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) قال: قريظة، يقول: أنـزلهم من صياصيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَأَنـزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) وهم: بنو قُرَيظة، ظاهروا أبا سفيان وراسلوه، فنكثوا العهد الذي بينهم وبين نبيّ الله، قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه، وقد غسلت شقه، إذ أتاه جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فقال: عفا الله عنك؛ ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة، فإني قد قطعت أوتارهم، وفتحت أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال؛ قال: فاستلأم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلك سكة بني غنم، فاتبعه الناس وقد عصب حاجبه بالتراب؛ قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصروهم وناداهم: « يا إخوان القردة » ، فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشا، فنـزلوا على حكم ابن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، وأومأ إليهم أبو لبابة إنه الذبح، فأنـزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقال قومه وعشيرته: آثرت المهاجرين بالعقار علينا قال: فإنكم كنتم ذوي عقار، وإن المهاجرين كانوا لا عقار لهم. وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر وقال: « قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللهِ » .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري: « معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج؛ فقال: أقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، ما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إلى بني قريظة » ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا، فأذّن في الناس: « إن من كان سامعا مطيعا فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة » ، وقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس، فسار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون، سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخباث، قال: « لِمَ؟ أَظُنُّكَ سَمِعْتَ لي مِنْهُمْ أذًى » قال: نعم يا رسول الله، قال: « لَوْ قَدْ رأونِي لَمْ يقُولُوا مِنْ ذلكَ شَيْئا » فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: « يا إخْوَانَ القِرَدَة هَلْ أخْزَاكُمُ اللهُ وأنـزلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟ » قالُوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا؛ ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: « هل مَرَّ بِكُمْ أحَدٌ؟ » فقالوا: يا رسول الله، قد مرّ بنا دِحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ذَاك جبْرَائيلُ بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبهِمْ » ؛ فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة، نـزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها: بئر أنا، فتلاحق به الناس، فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ » ، فصلوا العصر فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسوله.

والحديث عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب. وقد كان حُيَيّ بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه؛ فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم؛ قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، إنه قد نـزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها؛ قالوا: وما هنّ؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدّقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبيّ مرسل، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره؛ قال: فإذا أبيتم هذه عليّ، فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنتخذنّ النساء والأبناء، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم؛ قال: فإذا أبيتم هذه عليّ، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا، فانـزلوا لعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا؟ أما من قد علمت فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك؟ قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما، قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، - وكانوا من حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننـزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنه الذبح؛ قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خُنت الله ورسوله؛ ثم انطلق أبو لبابة على وجهه. ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عُمده وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليّ مما صنعت وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبدا ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه، قال: « أما إنَّهُ لَوْ كَانَ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، أمَّا إذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أنا بالَّذي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكانِه حتى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْه » ؛ ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بني هذيل ليسوا من بني قريظة، ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عمّ القوم، أسلموا تلك الليلة التي نـزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، فمرّ بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة؛ فلما رآه قال: مَنْ هَذَا؟ قال: عمرو بن سعدى؛ وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمد أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب، فلا يُدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا؛ فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: « ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللهُ بِوَفائِه » . قال: وبعض الناس كان يزعم أنه كان أُوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نـزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته مُلقاة، ولا يُدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، فالله أعلم.

فلما أصبحوا، نـزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنـزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، فوهبهم له؛ فلما كلَّمته الأوس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأوْسِ أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ » قالوا: بلى، قال: « فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ » ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده، كانت تداوي الجَرْحَى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق « اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حتى أعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ » فلما حكَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فاحتملوه على حمار، وقد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاك ذلك لتُحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ؛ من كلمته التي سمع منه؛ فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال: « قوموا إلى سيدكم » فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاك مواليَك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، إن الحكم فيهم كما حكمت؟ قال: نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إجلالا له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نَعَمْ » ، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَقَدْ حَكَمْتُ فِيهِمْ بحُكمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ » ، ثم استنـزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار ابنة الحارث امرأة من بني النَّجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدوّ الله حُيَيّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستّ مئة أو سبعمائة، والمكثر منهم يقول: كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يا كعب، ما ترى ما يُصنع بنا؟ فقال كعب: أفي كلّ موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينـزع، وإنه من يُذهب به منكم فما يرجع، هو والله، القتل، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُتي بحُييّ بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له فُقَّاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة؛ لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله، ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخْذَل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمة قد كُتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوّال الثعلبي:

لعَمـرُكَ مَـا لامَ ابـنُ أخْـطَبَ نَفْسه ولكنَّــهُ مَــنْ يَخْـذُل اللـه يُخْـذَلِ

لجَـاهَدَ حـتى أبْلـغَ النَّفْسَ عُذْرَهـا وقَلْقَــلَ يَبغـي العِـزَّ كـلَّ مُقَلْقَـلِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، قالت: والله إنها لعندي تحدّث معي وتضحك ظهرا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق، إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك ما لك؟ قالت: أقتل؟ قلت: ولِمَ؟ قالت: لحدث أحدثته، قال: فانطلق بها، فضُربت عنقها، فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبي منها، طيب نفس، وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تُقتل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني زيد بن رومان ( وَأَنـزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ) والصياصي: الحصون والآطام التي كانوا فيها ( وَقَذَفَ في قُلُوبَهَمُ الرُّعْبَ ) .

حدثنا عمرو بن مالك البكري، قال: ثنا وكيع بن الجرّاح، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة ( مِنْ صيَاصِيهِمْ ) قال: من حصونهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( مِنْ صيَاصِيهِمْ ) يقول: أنـزلهم من صياصيهم، قال: قصورهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( مِنْ صيَاصيهِمْ ) : أي من حصونهم وآطامهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنـزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ) قال: الصياصي: حصونهم التي ظنوا أنها مانعتهم من الله تبارك وتعالى، وأصل الصياصي: جمع صيصة، يقال: وعنى بها هاهنا: حصونهم، والعرب تقول لطرف الجبل: صيصة، ويقال لأصل الشيء: صيصة، يقال: جزّ الله صيصة فلان أي: أصله، ويقال لشوك الحاكة: صياصي، كما قال الشاعر:

كوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيجِ المُمَدَّدِ

وهي شوكتا الديك.

وقوله: ( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) يقول: وألقى في قلوبهم الخوف منكم ( فَريقا تَقْتُلُونَ ) يقول: تقتلون منهم جماعة، وهم الذين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حين ظهر عليهم ( وَتَأسِرُونَ فَرِيقًا ) يقول: وتأسرون منهم جماعة، وهم نساؤهم وذراريهم الذين سبوا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَرِيقا تَقْتُلُون ) الذين ضربت أعناقهم ( وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ) الذين سبوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ) أي قتل الرجال وسبي الذراري والنساء ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ) يقول: وملككم بعد مهلكهم أرضهم، يعني مزارعهم ومغارسهم وديارهم، يقول: ومساكنهم وأموالهم، يعني سائر الأموال غير الأرض والدور.

وقوله: ( وأرْضًا لَمْ تَطَئوها ) اختلف أهل التأويل فيها، أيّ أرض هي؟ فقال بعضهم: هي الروم وفارس ونحوها من البلاد التي فتحها الله بعد ذلك على المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوها ) قال: قال الحسن: هي الروم وفارس، وما فتح الله عليهم.

وقال آخرون: هي مكة.

وقال آخرون: بل هي خيبر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَأَرْضًا لَمْ تَطَئوها ) قال: خيبر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ ) قال: قُرَيظة والنضير أهل الكتاب ( وَأَرْضًا لَمْ تَطَئوها ) قال: خيبر.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه أورث المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض بني قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطئوها يومئذ ولم تكن مكة ولا خَيبر، ولا أرض فارس والروم ولا اليمن، مما كان وطئوه يومئذ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه الله، وذلك كله داخل في قوله ( وأرْضًا لَمْ تَطَئوها ) لأنه تعالى ذكره لم يخصص من ذلك بعضا دون بعض. ( وكانَ اللَّهُ على كُلّ شَيْء قَديرًا ) . يقول تعالى ذكره: وكان الله على أن أورث المؤمنين ذلك، وعلى نصره إياهم، وغير ذلك من الأمور ذا قدرة، لا يتعذّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء حاول فعله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( 29 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قُلْ ) يا محمد، ( لأزْواجِكَ إنْ كُنْتنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ) يقول: فإني أمتعكن ما أوجب الله على الرجال للنساء من المتعة عند فراقهم إياهنّ بالطلاق بقوله وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وقوله ( وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا ) يقول: وأطلقكنّ على ما أذن الله به، وأدّب به عباده بقوله إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( وَإنْ كُنْتُنَّ تُردْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) يقول: وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله وطاعتهما فأطعنهما. ( فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ ) وهن العاملات منهنّ بأمر الله وأمر رسوله ( أجْرًا عظِيما ) .

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة، أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا، فيما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهنّ بين الصبر عليه، والرضا بما قسم لهنّ، والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتِّعهنّ ويفارقهنّ إن لم يرضين بالذي يقسم لهن. وقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة غارتها.

ذكر الرواية بقول من قال: كان ذلك من أجل شيء من النفقة وغيرها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأعلمنّ لكم شأنه، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي أيّ شيء أكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، أو كلمة نحوها، فقلت: يا رسول الله، لو رأيت فلانة وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذلكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ. قال: فأتى حفصة، فقال: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثم تتبع نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يكلمهنّ، فقال لعائشة: أيغرّك أنك امرأة حسناء، وأن زوجك يحبك؟ لتنتهينَّ، أو لينـزلنّ فيك القرآن، قال: فقالت أمّ سلمة: يا ابن الخطَّاب، أوَ ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نسائه، ولن تسأل المرأة إلا لزوجها؟ قال: ونـزل القرآن ( يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إنْ كُنْتنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيا وَزِينَتَهَا ... ) إلى قوله ( أجْرًا عَظِيمًا ) قال: فبدأ بعائشة فخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: « لا » . قالت: فإني أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا تخبرهنّ بذلك. قال: ثم تتبعهنّ. فجعل يخيرهنّ ويقرأ عليهنّ القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة، فتتابعن على ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ... ) إلى قوله ( أجْرًا عَظيمًا ) قال: قال الحسن وقَتادة: خيرهنّ بين الدنيا والآخرة والجنة والنار، في شيء كنّ أردنه من الدنيا، وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قُرَيش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميَّة، وكانت تحته صفية ابنة حُييّ الخَيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجُوَيرية بنت الحارث من بني المصطلق، وبدأ بعائشة، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رُئي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن كلهنّ على ذلك، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة، في قول الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ) إلى قوله ( عَظِيمًا ) قالا أمره الله أن يخيرهنّ بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار. قال قتادة: وهي غيرة من عائشة في شيء أرادته من الدنيا، وكان تحته تسع نسوة: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميَّة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجُوَيرية بنت الحارث من بني المصطلق، وصفية بنت حُييّ بن أخطب، فبدأ بعائشة، وكانت أحبهنّ إليه، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رئي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن على ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة قال: لما اخترن الله ورسوله شكرهنّ الله على ذلك فقال لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ فقصره الله عليهنّ، وهنّ التسع اللاتي اخترن الله ورسوله.

ذكر من قال ذلك من أجل الغيرة:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... الآية، قال: كان أزواجه قد تغايرن على النبي صلى الله عليه وسلم، فهجرهنّ شهرا، نـزل التخيير من الله له فيهنّ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ) فقرأ حتى بلغ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فخيرهنّ بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرّحهنّ، وبين أن يقمن إن أردْن الله ورسوله على أنهنّ أمَّهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهنّ، لمن وهبت نفسها له؛ حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل، فلا جناح عليه، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ إذا علمن أنه من قضائي عليهن، إيثار بعضهن على بعض، ( أَدْنَى أَنْ يَرْضَيْنَ ) قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهنّ، بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهنّ، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك وقد شرط له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهنّ حتى لقي الله.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: لما نـزل الخيار، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنّي أُريدُ أنْ أذْكُرَ لَكِ أمْرًا فَلا تَقْضِي فِيهِ شَيْئا حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ » . قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: فردّه عليها. فقالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: فقرأ عليهنّ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ) إلى آخر الآية، قالت: قلت: بل نختار الله ورسوله، قالت: ففرح بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لما نـزلت آية التخيير، بدأ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعائشة، فقال: « يا عائشة، إنّي عارضٌ عَلَيْكِ أمْرًا، فَلا تَفْتَاتي فِيهِ بشَيء حتى تَعْرِضِيهِ على أبَوَيْكِ أبي بَكْرٍ وأُمّ رُومانَ » فقالت: يا رسول الله وما هو؟ قال: « قال الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ) إلى ( عَظِيمًا ) فقلت: إني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأمّ رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الحُجَرَ فقال: » إن عائشة قالت كذا « ، فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة . »

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، لما نـزل إلى نسائه أُمر أن يخيرهنّ، فدخل عليّ فقال: « سأذكر لَكِ أمْرًا وَلا تَعْجَلِي حَتى تَسْتَشِيرِي أباك » . فقلت: وما هو يا نبيّ الله؟ قال: « إنّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ » . وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين، قالت: قلت: وما الذي تقول؟ « لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ » ، فإني أختار الله ورسوله، فسُرَّ بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلهنّ، فاخترن الله ورسوله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني موسى بن عليّ، ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأني، فقال: « إنّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ ألا تَعْجلِي حتى تَسْتأْمِرِي أبَوَيْكِ » قالت: قد علم أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثمّ تلا هذه الآية ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَميلا ) قالت: فقلت: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك حين قاله لهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنه طلاقا؛ من أجل أنهنّ اخترنه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 30 )

يقول تعالى ذكره لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) يقول: من يزن منكنّ الزنا المعروف الذي أوجب الله عليه الحدّ، ( يُضَاعَفْ لهَا العَذَابُ ) على فجورها في الآخرة ( ضِعْفَيْنِ ) على فجور أزواج الناس غيرهم.

كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) قال: يعني عذاب الآخرة.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ) بالألف، غير أبي عمرو، فإنه قرأ ذلك ( يُضَعَّفْ ) بتشديد العين تأوّلا منه في قراءته ذلك أن يضعَّف، بمعنى: تضعيف الشيء مرّة واحدة، وذلك أن يجعل الشيء شيئين، فكأن معنى الكلام عنده: أن يجعل عذاب من يأتي من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بفاحشة مبينة في الدنيا والآخرة، مثلي عذاب سائر النساء غيرهنّ، ويقول: إنَّ ( يُضَاعَفْ ) بمعنى أنْ يجْعَل إلى الشيء مثلاه، حتى يكون ثلاثة أمثاله فكأن معنى من قرأ ( يُضَاعَفْ ) عنده كان أن عذابها ثلاثة أمثال عذاب غيرها من النساء من غير أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلذلك اختار ( يضعَّف ) على ( يضاعف ) ، وأنكر الآخرون الذين قرءوا ذلك ( يضاعف ) ما كان يقول ذلك، ويقولون: لا نعلم بين: ( يُضَاعَفْ ) و ( يُضَعَّفْ ) فرقا.

والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك ( يُضَاعَفْ ) . وأما التأويل الذي ذهب إليه أبو عمرو، فتأويل لا نعلم أحدا من أهل العلم ادّعاه غيره، وغير أبي عُبيدة معمر بن المثنى، ولا يجوز خلاف ما جاءت به الحجة مجمعة عليه بتأويل لا برهان له من الوجه الذي يجب التسليم له.

وقوله: ( وكانَ ذَلكَ على اللَّهِ يَسِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكانت مضاعفة العذاب على من فعل ذلك منهن ( عَلَى الله يَسِيرًا ) والله أعلم.