الجزء الرابع والعشرون
القول
في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ( 32 )
وقوله: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) يقول تعالى ذكره: فمن من خلق
الله أعظم فرية ممن كذب على الله, فادّعى أن له ولد وصاحبة, أو أنه حرَّم ما لم
يحرمه من المطاعم (
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) يقول: وكذّب بكتاب الله إذ أنـزله على محمد, وابتعثه الله
به رسولا وأنكر قول لا إله إلا الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) : أي بالقرآن.
وقوله: ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ) يقول
تبارك وتعالى: أليس في النار مأوى ومسكن لمن كفر بالله, وامتنع من تصديق محمد
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , واتباعه على ما يدعوه إليه مما أتاه به من عند
الله من التوحيد, وحكم القرآن؟.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ
رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 )
اختلف
أهل التأويل في الذي جاء بالصدق وصدّق به, وما ذلك, فقال بعضهم: الذي جاء بالصدق
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا
الله, والذي صدق به أيضا, هو رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
) يقول:
من جاء بلا إله إلا الله (
وَصَدَّقَ بِهِ ) يعني:
رسوله.
وقال
آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , والذي صدّق
به: أبو بكر رضي الله عنه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
أحمد بن منصور, قال: ثنا أحمد بن مصعد المروزي, قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد,
عن عبد الملك بن عمير, عن أسيد بن صفوان, عن عليّ رضي الله عنه , في قوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
) قال:
محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وصدّق به, قال: أبو بكر رضي الله عنه.
وقال
آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , والصدق:
القرآن, والمصدّقون به: المؤمنون
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) قال: هذا رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاء بالقرآن, وصدّق به المؤمنون.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
) رسول
الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وصدّق به المسلمون.
وقال
آخرون: الذي جاء بالصدق جبريل, والصدق: القرآن الذي جاء به من عند الله, وصدّق به
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ ) محمد
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقال
آخرون: الذي جاء بالصدق: المؤمنون, والصدق: القرآن, وهم المصدِّقون به.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ ) قال:
الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة, فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا فاتبعنا ما فيه.
قال: ثنا
حكام, عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) قال: هم أهل القرآن يجيئون به
يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا, فاتبعنا ما فيه.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ ) كلّ من
دعا إلى توحيد الله, وتصديق رسله, والعمل بما ابتعث به رسوله من بين رسل الله
وأتباعه والمؤمنين به, وأن يقال: الصدق هو القرآن, وشهادة أن لا إله إلا الله,
والمصدّق به: المؤمنون بالقرآن, من جميع خلق الله كائنا من كان من نبيّ الله
وأتباعه.
وإنما
قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن قوله تعالى ذكره: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) عَقيب قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ وذلك ذم من الله
للمفترين عليه, المكذبين بتنـزيله ووحيه, الجاحدين وحدانيته, فالواجب أن يكون
عَقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين, وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله,
ووصفه بالصفة التي هو بها, وتصديقهم بتنـزيل الله ووحيه, والذي كانوا يوم نـزلت
هذه الآية, رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه ومن بعدهم, القائمون
في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله, وحكم كتابه, لأن الله تعالى ذكره لم يخص
وصفه بهذه لصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم, ولا على أهل زمان دون
غيرهم, وإنما وصفهم بصفة, ثم مدحهم بها, وهي المجيء بالصدق والتصديق به, فكل من
كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم.
ومن
الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود. « وَالَّذِينَ جَاءُوا
بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ » فقد بين
ذلك من قراءته أن الذي من قوله (
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) لم يعن
بها واحد بعينه, وأنه مراد بها جِمَاع ذلك صفتهم, ولكنها أخرجت بلفظ الواحد, إذ لم
تكن موقتة. وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين, أن « الذي » في هذا الموضع جُعل في معنى
جماعة بمنـزلة « مَن » . ومما يؤيد ما قلنا أيضا
قوله: (
أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) فجعل
الخبر عن « الذي » جماعا, لأنها في معنى جماع.
وأما الذين قالوا: عني بقوله: (
وَصَدَّقَ بِهِ ) : غير
الذي جاء بالصدق, فقول بعيد من المفهوم, لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنـزيل:
والذي جاء بالصدق, والذي صدق به أولئك هم المتقون ، فكانت تكون « الذي » مكررة مع التصديق, ليكون
المصدق غير المصدق، فأما إذا لم يكرّر, فإن المفهوم من الكلام, أن التصديق من صفة
الذي جاء بالصدق، لا وجه للكلام غير ذلك. وإذا كان ذلك كذلك, وكانت « الذي » في معنى الجماع بما قد بيَّنا,
كان الصواب من القول في تأويله ما بيَّنا.
وقوله: ( أُولَئِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ ) يقول
جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم. هم الذين اتقوا الله بتوحيده والبراءة من
الأوثان والأنداد, وأداء فرائضه, واجتناب معاصيه, فخافوا عقابه.
كما حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( أُولَئِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ ) يقول:
اتقوا الشرك.
وقوله: ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ
عِنْدَ رَبِّهِمْ ) يقول
تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة, ما تشتهيه أنفسهم, وتلذّه أعينهم ( ذَلِكَ جَزَاءُ
الْمُحْسِنِينَ ) يقول
تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم, جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها,
وائتمر لأمره, وانتهى عما نهاه فيها عنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 35 )
يقول
تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم, كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في
الدنيا من الأعمال, فيما بينهم وبين ربهم, بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما
اجترحوا من السيئات فيها (
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ ) يقول:
ويثيبهم ثوابهم (
بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا ) في
الدنيا (
يَعْمَلُونَ ) مما
يرضى الله عنهم دون أسوئها.
كما
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ : أي ولهم ذنوب, أي رب نعم لَهُمْ
فيها مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ *
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ , وقرأ: إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... إلى أن
بلغ وَمَغْفِرَةٌ لئلا ييأس من لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [ الأنفال: 4 ] , وقرأ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَاتِ ... إلى آخر الآية.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ
أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ( 37 )
اختلفت
القرّاء في قراءة: (
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء أهل الكوفة: « أليس الله بكاف عباده » على الجماع, بمعنى: أليس الله
بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوّفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك
عامة قرّاء المدينة والبصرة, وبعض قرّاء الكوفة: ( بِكَافٍ عَبْدَهُ ) على التوحيد, بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار. فبأيتهما قرأ القارئ
فمصيب لصحة مَعْنَيَيْهَا واستفاضة القراءة بهما في قَرَأَةِ الأمصار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) يقول: محمد صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَهُ ) قال:
بلى, والله ليكفينه الله ويعزّه وينصره كما وعده.
وقوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ
بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا
محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء, ببراءتك منها, وعيبك
لها, والله كافيك ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) الآلهة, قال: « بعث رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم خالد بن الوليد إلى شعب بسُقام ليكسر العزّى, فقال سادنها, وهو
قيمها: يا خالد أنا أحذّركها, إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء, فمشى إليها خالد
بالفأس فهشّم أنفها » .
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول: بآلهتهم التي كانوا
يعبدون.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ
بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) قال:
يخوّفونك بآلهتهم التي من دونه.
وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يقول
تعالى ذكره: ومن يخذله الله فيضلَّه عن طريق الحق وسبيل الرشد, فما له سواه من
مرشد ومسدّد إلى طريق الحقّ, ومُوفِّق للإيمان بالله, وتصديق رسوله, والعمل بطاعته
(
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ) يقول: ومن يوفِّقه الله للإيمان به, والعمل بكتابه, فما له
من مضلّ, يقول: فما له من مزيغ يزيغه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفر
(
أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) يقول جل ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه من كفرة
خلقه, ذي انتقام من أعدائه الجاحدين وحدانيته.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ
كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ
قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء
المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض ؟ ليقولن:
الذي خلقه الله ، فإذا قالوا ذلك, فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون
الله من الأصنام والآلهة ( إِنْ
أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ ) يقول:
بشدة في معيشتي, هل هن كاشفات عني ما يصيبني به ربي من الضر؟ ( أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ ) يقول: إن أرادني برحمة أن
يصيبني سعة في معيشتي, وكثرة مالي, ورخاء وعافية في بدني, هل هن ممسكات عني ما
أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك, ودلالة
ما ظهر من الكلام عليه. والمعنى: فإنهم سيقولون لا فقل: حسبي الله مما سواه من
الأشياء كلها, إياه أعبد, وإليه أفزع في أموري دون كلّ شيء سواه, فإنه الكافي, وبيده
الضر والنفع, لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع, ( عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَكِّلُونَ ) يقول:
على الله يتوكل من هو متوكل, وبه فليثق لا بغيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل
التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
بشر,
قال: ثنا.يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) حتى
بلغ (
كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ) يعني:
الأصنام ( أَوْ
أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه )
واختلفت
القرّاء في قراءة (
كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ) و ( مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ) , فقرأه بعضهم بالإضافة وخفض
الضر والرحمة, وقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء البصرة بالتنوين, ونصب الضر
والرحمة.
والصواب
من القول في ذلك عندنا, أنهما قراءتان مشهورتان, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ
القارئ فمصيب, وهو نظير قوله: كَيْدِ الْكَافِرِينَ فى حال الإضافة والتنوين.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ
عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 40 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قومك,
الذي اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون الله اعملوا أيها القوم على
تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم.
كما
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( عَلَى مَكَانَتِكُمْ ) قال: على ناحيتكم ( إِنِّي عَامِلٌ ) كذلك على تؤدة على عمل من سلف
من أنبياء الله قبلي (
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) إذا
جاءكم بأس الله, من المحقّ منا من المبطل, والرشيد من الغويّ.
وقوله: ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ ) يقول تعالى ذكره: من يأتيه
عذاب يخزيه, ما أتاه من ذلك العذاب, يعني: يذله ويهينه ( وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ
مُقِيمٌ ) يقول:
وينـزل عليه عذاب دائم لا يفارقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنا أنـزلنا عليك يا محمد
الكتاب تبيانا للناس بالحقّ (
فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ) يقول:
فمن عمل بما في الكتاب الذي أنـزلناه إليه واتبعه فلنفسه, يقول: فإنما عمل بذلك
لنفسه, وإياها بغى الخير لا غيرها, لأنه أكسبها رضا الله والفوز بالجنة, والنجاة
من النار. (
وَمَنْ ضَلَّ ) يقول:
ومن جار عن الكتاب الذي أنـزلناه إليك, والبيان الذي بيَّناه لك, فضل عن قصد
المحجة, وزال عن سواء السبيل, فإنما يجور على نفسه, وإليها يسوق العطب والهلاك,
لأنه يكسبها سخط الله, وأليم عقابه, والخزي الدائم. ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِوَكِيلٍ ) يقول
تعالى ذكره: وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليه من الناس برقيب ترقب أعمالهم,
وتحفظ عليهم أفعالهم, إنما أنت رسول , وإنما عليك البلاغ, وعلينا الحساب.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِوَكِيلٍ ) أي
بحفيظ.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِوَكِيلٍ ) قال:
بحفيظ.
القول
في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ
الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهة لله الواحد القهار خالصة دون كلّ ما سواه,
أنه يميت ويحيي, ويفعل ما يشاء, ولا يقدر على ذلك شيء سواه، فجعل ذلك خبرا نبههم
به على عظيم قُدرته, فقال: (
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) فيقبضها عند فناء أجلها, وانقضاء مدة حياتها, ويتوفى أيضا
التي لم تمت في منامها, كما التي ماتت عند مماتها ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) ذكر أن
أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام, فيتعارف ما شاء الله منها, فإذا أراد
جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها, وأرسل أرواح
الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جُبَير, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ...
الآية. قال: يجمع بين أرواح الأحياء, وأرواح الأموات, فيتعارف منها ما شاء الله أن
يتعارف, فيمسك التي قضى عليها الموت, ويُرسل الأخرى إلى أجسادها.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط , عن السديّ, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) قال:
تقبض الأرواح عند نيام النائم, فتقبض روحه في منامه, فتلقى الأرواح بعضها بعضا:
أرواح الموتى وأرواح النيام, فتلتقي فتساءل, قال: فيخلي عن أرواح الأحياء, فترجع
إلى أجسادها, وتريد الأخرى أن ترجع, فيحبس التي قضى عليها الموت, ويرسل الأخرى إلى
أجل مسمى, قال: إلى بقية آجالها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) قال: فالنوم وفاة ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى ) التي لم يقبضها ( إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) .
وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول
تعالى ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعدُ نَفس هذا ترجع إلى
جسمها, وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبر, وبيانا له أن الله يحيي
من يشاء من خلقه إذا شاء, ويميت من شاء إذا شاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ
( 43 ) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 )
يقول
تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع
لهم عند الله في حاجاتهم. وقوله: ( قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا
يَعْقِلُونَ ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لهم: أتتخذون
هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا, ولا يعقلون
شيئا, قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك, وتشفع لكم عند الله, فأخلصوا عبادتكم لله,
وأفردوه بالألوهة, فإن الشفاعة جميعا له, لا يشفع عنده إلا من أذن له, ورضي له
قولا وأنتم متى أخلصتم له العبادة, فدعوتموه, وشفعكم ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) , يقول:
له سلطان السموات والأرض ومُلكها , وما تعبدون أيها المشركون من دونه له، يقول:
فاعبدوا الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئا. ( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يقول: ثم إلى الله مصيركم,
وهو معاقبكم على إشراككم به, إن متم على شرككم.
ومعنى
الكلام: لله الشفاعة جميعا, له مُلك السموات والأرض, فاعبدوا المالك الذي له مُلك
السموات والأرض, الذي يقدر على نفعكم في الدنيا, وعلى ضركم فيها, وعند مرجعكم إليه
بعد مماتكم, فإنكم إليه ترجعون.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ) الآلهة ( قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا )
الشفاعة.
حدثني
محمد بن عمرو, قال. ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ
جَمِيعًا ) قال:
لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا
ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 )
يقول
تعالى ذكره: وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر, فدعي وحده, وقيل لا إله إلا الله,
اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات. وعنى بقوله: ( اشْمَأَزَّتْ ) : نفرت من توحيد الله. ( وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِنْ دُونِهِ ) يقول:
وإذا ذُكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله, فقيل: تلك الغرانيق العلى,
وإن شفاعتها لترتجى, إذ الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) : أي نفرت قلوبهم واستكبرت ( وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِنْ دُونِهِ ) الآلهة
( إِذَا
هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) .
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اشْمَأَزَّتْ ) قال: انقبضت, قال: وذلك يوم
قرأ عليهم « النجم
» عند باب
الكعبة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ قوله: ( اشْمَأَزَّتْ ) قال: نفرت ( وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِنْ دُونِهِ )
أوثانهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ
بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد, الله خالق
السموات والأرض (
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) الذي لا تراه الأبصار, ولا تحسه العيون والشهادة الذي تشهده
أبصار خلقه, وتراه أعينهم (
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ ) فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم ( فِيمَا كَانُوا فِيهِ ) في الدنيا ( يَخْتَلِفُونَ ) من القول فيك, وفي عظمتك
وسلطانك, وغير ذلك من اختلافهم بينهم, فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين
الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزّت قلوبهم, إذا ذكر مَنْ دونك استبشروا بالحقّ.
وبنحو
ذلك قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) فاطر:
قال خالق. وفي قوله (
عَالِمُ الْغَيْبِ ) قال:
ما غاب عن العباد فهو يعلمه, (
وَالشَّهَادَةِ ) : ما
عرف العباد وشهدوا, فهو يعلمه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ
ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ
سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ
يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 )
يقول
تعالى ذكره: ولو أن لهؤلاء المشركين بالله يوم القيامة, وهم الذين ظلموا أنفسهم ( مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) في الدنيا من أموالها وزينتها
(
وَمِثْلَهُ مَعَهُ )
مضاعفا, فقبل ذلك منهم عوضا من أنفسهم, لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضا منها, لينجو من
سوء عذاب الله, الذي هو معذّبهم به يومئذ ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ) يقول: وظهر لهم يومئذ من أمر
الله وعذابه, الذي كان أعدّه لهم, ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعدّه لهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 48 )
يقول
تعالى ذكره: وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة ( سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) من الأعمال في الدنيا, إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا
بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ووجب
عليهم حينئذ, فلزمهم عذاب الله الذي كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم , فكانوا به يسخرون, إنكارا أن يصيبهم ذلك, أو
ينالهم تكذيبا منهم به, وأحاط ذلك بهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ
ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدّة دعانا مستغيثا بنا من جهة ما أصابه من
الضرّ, ( ثُمَّ
إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) يقول: ثم إذا أعطيناه فرجا مما كان فيه من الضرّ, بأن
أبدلناه بالضرّ رخاء وسعة, وبالسقم صحة وعافية, فقال: إنما أعطيت الذي أعطيت من
الرخاء والسعة في المعيشة, والصحة في البدن والعافية, على علم عندي يعني على علم
من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي ( عندي ) يعني:
فيما عندي, كما يقال: أنت محسن في هذا الأمر عندي: أي فيما أظنّ وأحسب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ
نِعْمَةً مِنَّا ) حتى
بلغ ( عَلَى
عِلْمٍ ) عندي
أي على خير عندي.
حدّثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً
مِنَّا ) قال:
أعطيناه.
وقوله: ( أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) : أي على شرف أعطانيه.
وقوله: ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: بل عطيتنا
إياهم تلك النعمة من بعد الضرّ الذي كانوا فيه فتنة لهم ، يعني بلاء ابتليناهم به,
واختبارا اختبرناهم به (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ )
لجهلهم, وسوء رأيهم ( لا
يَعْلَمُونَ ) لأي
سبب أعطوا ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) : أي بلاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصَابَهُمْ
سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ
سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 )
يقول
تعالى ذكره: قد قال هذه المقالة يعني قولهم: لنعمة الله التي خولهم وهم مشركون:
أوتيناه على علم عندنا (
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يعني:
الذي من قبل مشركي قريش من الأمم الخالية لرسلها, تكذيبا منهم لهم, واستهزاء بهم.
وقوله. ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) يقول: فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله على تكذيبهم رسل
الله واستهزائهم بهم ما كانوا يكسبون من الأعمال, وذلك عبادتهم الأوثان. يقول: لم
تنفعهم خدمتهم إياها, ولم تشفع آلهتهم لهم عند الله حينئذ, ولكنها أسلمتهم وتبرأت
منهم. وقوله: (
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) يقول: فأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية وبال
سيئات ما كسبوا من الأعمال, فعوجلوا بالخزي في دار الدنيا, وذلك كقارون الذي قال
حين وعظ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي فخسف الله به وبداره الأرض
فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنْتَصِرِينَ يقول الله عز وجل ثناؤه: ( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ ) يقول لنبيه محمد صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم: والذين كفروا بالله يا محمد من قومك, وظلموا أنفسهم وقالوا هذه
المقالة سيصيبهم أيضا وبال (
سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) كما
أصاب الذين من قبلهم بقيلهموها ( وَمَا
هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) يقول:
وما يفوتون ربهم ولا يسبقونه هربا في الأرض من عذابه إذا نـزل بهم, ولكنه يصيبهم
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ
اللَّهِ تَبْدِيلا ففعل ذلك بهم, فأحلّ بهم خزيه في عاجل الدنيا فقتلهم بالسيف يوم
بدر.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ ) الأمم
الماضية (
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا ) من
هؤلاء, قال: من أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 )
يقول
تعالى ذكره: أولم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم, فقالوا: إنما أوتيناه
على علم منا, أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله, دون كل من سواه ,
يبسط الرزق لمن يشاء, فيوسعه عليه, ويقدر ذلك على من يشاء من عباده, فيضيقه, وأن
ذلك من حجج الله على عباده, ليعتبروا به ويتذكروا, ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة
دون الآلهة والأنداد. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) يقول:
إن في بسط الله الرزق لمن يشاء, وتقتيره على من أراد لآيات, يعني: دلالات وعلامات
(
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يعني:
يصدقون بالحقّ, فيقرّون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون
كل ما سواه.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )
اختلف
أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية, فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك,
قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا, وقتلنا النفس التي
حرّم الله, والله يعد فاعل ذلك النار, فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان,
فنـزلت هذه الآية.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم
محمد أنه من عبد الأوثان, ودعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله لم
يغفر له, فكيف نهاجر ونسلم, وقد عبدنا الآلهة, وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن
أهل الشرك؟ فأنـزل الله: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ ) يقول:
لا تيأسوا من رحمتي, إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل
الإيمان, فإياهم عاتب, وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه, أن لا يقنط من رحمة
الله, وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف, والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله
في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة, فقالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا فينبغي أن
يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف, فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ ) قال:
قتل النفس في الجاهلية.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن يسار,
قال: نـزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ وأصحابه ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) إلى
قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا
تَشْعُرُونَ .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, قال: قال زيد بن أسلم, في قوله:
( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ ) قال:
إنما هي للمشركين.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) حتى
بلغ (
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) قال:
ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية, فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا
يتاب عليهم, فدعاهم الله بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) .
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) قال:
هؤلاء المشركون من أهل مكة, قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى, أو قتل, أو
أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار؟ فكلّ هذه الأعمال قد عملناها، فأنـزلت فيهم
هذه الآية: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) ... الآية قال: كان قوم
مسخوطين في أهل الجاهلية, فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمدا صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم فآمنا به واتبعناه، فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله فى
دينه؟ فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا؟ فلما
بعثوا, نـزل القرآن: ( قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ ) فقرأ
حتى بلغ: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن الشعبي, قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق
فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك, وإما أن أحدّث فتصدّقني
فقال مسروق: لا بل حدث فأصدّقك, فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرجا في
القرآن ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ ) فقال
مسروق: صدقت.
وقال
آخرون: بل عني بذلك أهل الإسلام, وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعا
لمن يشاء, قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله, وقالوا: إنما نـزلت هذه الآية في قوم
صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم, فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
إبراهيم بن سعيد الجوهري, قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي , عن ابن إسحاق, عن نافع,
عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة، وكانوا يقولون: ما
الله بقابل منا شيئا, تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته, فلما قدم رسول الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المدينة أنـزل الله فيهم: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) ... الآية, قال عمر: فكتبتها
بيدي, ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص , قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا
أفهمها, فوقع في نفسي أنها أنـزلت فينا لما كنا نقول, فجلست على بعيري, ثم لحقت
بالمدينة.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال: إنما
أنـزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة, والوليد بن الوليد, ونفر من المسلمين,
كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا, فافتنوا، كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا
ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه, فنـزلت هؤلاء الآيات,
وكان عمر بن الخطاب كاتبا، قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيَّاش بن أبي ربيعة,
والوليد بن الوليد, إلى أولئك النفر, فأسلموا وهاجروا.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا يونس, عن ابن سيرين, قال: قال عليّ رضي الله
عنه : أي آية في القرآن أوسع ؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: وَمَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
غَفُورًا رَحِيمًا . ونحوها, فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ...
إلى آخر الآية.
حدثنا
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود,
قال: دخل عبد الله المسجد, فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال, قال: فجاء حتى قام على
رأسه, فقال ما يذكر أتقنط الناس ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ... الآية.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن القرظي أنه قال في هذه الآية:
( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ ) قال:
هي للناس أجمعين.
حدثني
زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا ابن لهيعة, عن أبي قنبل,
قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: ثني أبو عبد الرحمن الجلائي, أنه سمع ثوبان
مولى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: سمعت رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: « ما
أُحِبُّ أنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيها بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) » ... الآية, فقال رجل: يا رسول
الله, ومن أشرك ؟ فسكت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ثم قال: « ألا وَمَنْ أشْرَكَ, ألا
ومَنْ أشْرَكَ, ثلاث مرات » .
وقال
آخرون: نـزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار, فأعلمهم الله بذلك
أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
ابن البرقي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, قال: ثنا أبو معاذ الخراساني, عن مقاتل بن
حيان, عن نافع, عن ابن عمر, قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة, حتى نـزلت هذه
الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فلما
نـزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش, قال:
فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك, حتى نـزلت هذه الآية إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ فلما نـزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك, فكنا إذا رأينا أحدا أصاب
منها شيئا خفنا عليه, إن لم يصب منها شيئا رجونا له.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من
أهل الإيمان والشرك, لأن الله عم بقوله ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) جميع المسرفين, فلم يخصص به
مسرفا دون مسرف.
فإن قال
قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عنى بقوله ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) لمن
يشاء, كما قد ذكرنا قبل, أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك
إذا لم يتب منه صاحبه, فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ , فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد
توبة بقوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا . فأما ما عداه فإن صاحبه
في مشيئة ربه, إن شاء تفضل عليه, فعفا له عنه, وإن شاء عدل عليه فجازاه به.
وأما
قوله: ( لا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله. كذلك حدثني محمد بن سعد
قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس.
وقد
ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبيَّنا معناه.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) يقول:
إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها
(
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) بهم, أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ
أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 )
يقول
تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة, وارجعوا إليه بالطاعة له,
واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده, وإفراد الألوهة له, وإخلاص العبادة له.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
) : أي
أقبلوا إلى ربكم.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَنِيبُوا ) قال: أجيبوا.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
) قال:
الإنابة: الرجوع إلى الطاعة, والنـزوع عما كانوا عليه, ألا تراه يقول: مُنِيبِينَ
إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ .
وقوله: ( وَأَسْلِمُوا لَهُ ) يقول: واخضعوا له بالطاعة
والإقرار بالدين الحنيفي ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) من عنده على كفركم به.
( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) يقول: ثم لا ينصركم ناصر,
فينقذكم من عذابه النازل بكم.
وقوله: ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا
أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في
تنـزيله, واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه, وذلك هو أحسن ما أنـزل إلينا من ربنا.
فإن قال
قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن, وليس معنى ذلك ما
توهمت, وإنما معناه: واتبعوا مما أنـزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر,
والمثل, والقصص, والجدل, والوعد, والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره, وتنتهوا عما نهى
عنه, لأن النهي مما أنـزل في الكتاب, فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه,
فذلك وجهه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ
رَبِّكُمْ ) يقول:
ما أمرتم به في الكتاب ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) قوله: ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ) يقول: من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة ( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) يقول: وأنتم لا تعلمون به حتى
يغشاكم فجأة.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم, وأسلموا له ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) بمعنى لئلا تقول نفس ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) , وهو نظير قوله: وَأَلْقَى
فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى: أن لا تميد بكم, فأن, إذ كان
ذلك معناه, في موضع نصب.
وقوله ( يَا حَسْرَتَا ) يعني أن تقول: يا ندما.
كما
حدثني محمد بن الحسين, قال: ثني أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في
قوله: ( يَا
حَسْرَتَا ) قال:
الندامة, والألف في قوله ( يَا
حَسْرَتَا ) هي
كناية المتكلم, وإنما أريد: يا حسرتي ، ولكن العرب تحوّل الياء فى كناية اسم
المتكلم في الاستغاثة ألفا, فتقول: يا ويلتا, ويا ندما, فيخرجون ذلك على لفظ
الدعاء, وربما قيل: يا حسرة على العباد, كما قيل: يا لهف, ويا لهفا عليه, وذكر
الفراء أن أبا ثَرْوان أنشده:
تَزُورُونَهَـــا
وَلا أزُورُ نِسَـــاءَكُمْ ألْهــفَ لأوْلادِ الإمــاء الحَـوَاطِبِ
خفضا كما
يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه, وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف,
فيخفضونها أحيانا, ويرفعونها أحيانا، وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد:
يَــا
رَبّ يــا رَبَّــاهُ إيَّـاكَ أسَـلْ عَفْـرَاءَ يـا رَبَّـاهُ مِـنْ قَبْـلِ
الأجَلْ
خفضا,
قال: والخفض أكثر في كلامهم, إلا في قولهم: يا هَناه, ويا هَنْتاه, فإن الرفع فيها
أكثر من الخفض, لأنه كثير في الكلام, حتى صار كأنه حرف واحد.
وقوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي
جَنْبِ اللَّهِ ) يقول
على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به, وقصرت في الدنيا في طاعة الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال. ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي
بزّة, عن مجاهد في قوله ( يَا
حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) يقول: في أمر الله.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال. ثنا ورقاء جميعا، عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي
جَنْبِ اللَّهِ ) قال:
في أمر الله.
حدثنا
محمد, قال. ثنا أحمد قال ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي
جَنْبِ اللَّهِ ) قال:
تركت من أمر الله.
وقوله: ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ ) يقول:
وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.
وبنحو
الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده في قوله: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة
الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله, قال: هذا قول صنف منهم.
حدثنا
محمد, قال. ثنا أحمد, قال ثنا أسباط, عن السديّ ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) يقول: من المستهزئين بالنبيّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبالكتاب, وبما جاء به.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى
الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
يقول
تعالى ذكره: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ أيها الناس, وَأَسْلِمُوا لَهُ , أن لا
تقول نفس يوم القيامة: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ فى
أمر الله, وأن لا يقول نفس أخرى: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي للحق, فوفقني للرشاد
لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه, أو أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه
( لَوْ
أَنَّ لِي كَرَّةً ) تقول
لو أن لي رجعة إلى الدنيا (
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) الذين
أحسنوا في طاعة ربهم, والعمل بما أمرتهم به الرسل.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ
فِي جَنْبِ اللَّهِ ... الآية, قال: هذا قول صنف منهم ( أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَانِي ) ...
الآية, قال. هذا قول صنف آخر: ( أَوْ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ ) الآية,
يعني بقوله ( لَوْ
أَنَّ لِي كَرَّةً ) رجعة
إلى الدنيا, قال: هذا صنف آخر.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: أَنْ
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال: أخبر
الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه, وعملهم قبل أن يعملوه, قال: وَلا
يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا
فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( أَوْ
تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي ) ... إلى قوله: ( فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) يقول: من المهتدين, فأخبر
الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى, وقال وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا
لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وقال: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَارَهُمْ كما لم يؤمنوا به أول مرة, قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم
وبين الهدى, كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.
وفي نصب
قوله (
فَأَكُونَ ) وجهان،
أحدهما: أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني: على الرد على موضع الكرة, وتوجيه
الكرة في المعنى إلى: لو أن لي أن أكر, كما قال الشاعر:
فَمَـا
لَـكَ مِنْهَـا غـيرُ ذِكْرَى وَحَسْرَةٍ وَتَسْـألَ عَـنْ رُكْبانهـا أيْـنَ
يَمَّمُـوا?
فنصب
تسأل عطفا بها على موضع الذكرى, لأن معنى الكلام: فما لك بيرسل على موضع الوحي في
قوله: إِلا وَحْيًا .
القول
في تأويل قوله تعالى : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي
فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 59 )
يقول
تعالى ذكره مكذبا للقائل: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ , وللقائل: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ :
ما القول كما تقولون ( بَلَى
قَدْ جَاءَتْكَ ) أيها
المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين ( آيَاتِي ) يقول: قد جاءتك حججي من بين
رسول أرسلته إليك, وكتاب أنـزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير ( فَكَذَبَتْ ) بآياتي ( وَاسْتَكْبَرْتَ ) عن قبولها واتباعها ( وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
) يقول:
وكنت ممن يعمل عمل الكافرين, ويستن بسنتهم, ويتبع منهاجهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: يقول الله ردًا لقولهم, وتكذيبا
لهم, يعني لقول القائلين: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي , والصنف الآخر: ( بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ
آيَاتِي ) ...
الآية.
وبفتح
الكاف والتاء من قوله ( قَدْ
جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ ) على
وجه المخاطبة للذكور, قرأه القرّاء في جميع أمصار الإسلام. وقد روي عن رسول الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس, كأنه
قال: أن تقول نفس: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ بلى قد
جاءتك أيتها النفس آياتي, فكذّبت بها, أجرى الكلام كله على النفس, إذ كان ابتداء
الكلام بها جرى, والقراءة التي لا أستجيز خلافها, ما جاءت به قرّاء الأمصار مجمعة
عليه, نقلا عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وهو الفتح في جميع ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى ) يا
محمد هؤلاء (
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ) من قومك فزعموا أن له ولدا, وأن له شريكا, وعبدوا آلهة من
دونه (
وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) ،
والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة, فإن فيها معنى نصب, لأنها مع خبرها تمام ترى, ولو
تقدم قوله مسودة قبل الوجوه, كان نصبا, ولو نصب الوجوه المسودة ناصب في الكلام لا
في القرآن, إذا كانت المسودة مؤخرة كان جائزا, كما قال الشاعر:
ذَرِينــي
إنَّ أمْــرَكِ لَــنْ يُطاعَـا وَمَــا ألْفَيْتِنِــي حِــلْمِي مُضَاعَـا
فنصب
الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني, وكذلك تفعل العرب في كلّ ما احتاج إلى اسم وخبر,
مثل ظنّ وأخواتها ، وفي « مسودّة
» للعرب
لغتان: مسودّة, ومسوادّة, وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم: قد اسوادّ
وجهه, واحمارّ, واشهابّ. وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال: لا يكون افعالّ
إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب, قال: ولا يكون في نحو الأحمر, لأن الأشهب لون
يحدث, والأحمر لا يحدث.
وقوله: ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) يقول:
أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله, فامتنع من توحيده, والانتهاء إلى
طاعته فيما أمره ونهاه عنه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ
اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 )
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 )
يقول
تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها, الذين اتقوه بأداء فرائضه, واجتناب
معاصيه في الدنيا, بمفازتهم: يعني بفوزهم, وهي مفعلة منه.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل, وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي
قلناها في ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ
الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) قال: بفضائلهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ
الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) قال: بأعمالهم, قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة
وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا
يَزِرُونَ .
واختلفت
القرّاء في ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة, وبعض قرّاء مكة والبصرة: ( بِمَفَازَتِهِمْ ) على التوحيد. وقرأته عامة
قرّاء الكوفة: «
بمفازاتهم » على
الجماع.
والصواب
عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من
القرّاء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, لاتفاق معنييهما، والعرب توحد مثل ذلك أحيانا
وتجمع بمعنى واحد, فيقول أحدهم: سمعت صوت القوم, وسمعت أصواتهم, كما قال جل ثناؤه:
إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ , ولم يقل: أصوات الحمير, ولو جاء
ذلك كذلك كان صوابا.
وقوله: ( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) يقول
تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء, وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن
يمسهم, ولا هم يحزنون، يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا, إذ صاروا
إلى كرامة الله ونعيم الجنان.
وقوله: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا
تصلح العبادة إلا له, خالق كل شيء, لا ما لا يقدر على خلق شيء, وهو على كل شيء
وكيل ، يقول: وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة.
القول
في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: له مفاتيح خزائن السموات والأرض, يفتح منها على من يشاء, ويمسكها عمن
أحب من خلقه، واحدها: مقليد. وأما الإقليد: فواحد الأقاليد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )
مفاتيحها.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي
مفاتيح السموات والأرض.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال:
خزائن السموات والأرض.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال:
المقاليد: المفاتيح, قال: له مفاتيح خزائن السموات والأرض.
وقوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بحجج الله فكذبوا بها
وأنكروها, أولئك هم المغبونون حظوظهم من خير السموات التي بيده مفاتيحها, لأنهم
حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار, وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان بالله
عزّ وجلّ.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ
وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك, الداعين إلى عبادة الأوثان: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ ) أيها الجاهلون بالله ( تَأْمُرُونِّي ) أن ( أَعْبُدُ ) ولا تصلح العبادة لشيء سواه.
واختلف أهل العربية في العامل, في قوله ( أَفَغَيْرَ ) النصب, فقال بعض نحويي البصرة: قل أفغير الله تأمروني,
يقول: أفغير الله أعبد تأمروني, كأنه أراد الإلغاء, والله أعلم, كما تقول: ذهب
فلان يدري, حمله على معنى. فما يدري. وقال بعض نحويي الكوفة: « غير » منتصبة بأعبد, وأن تحذف وتدخل,
لأنها علم للاستقبال, كما تقول: أريد أن أضرب, وأريد أضرب, وعسى أن أضرب, وعسى
أضرب, فكانت في طلبها الاستقبال, كقولك: زيدا سوف أضرب, فلذلك حُذفت وعمل ما بعدها
فيما قبلها, ولا حاجة بنا إلى اللغو.
وقوله: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ
وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) يقول
تعالى ذكره: ولقد أوحى إليك يا محمد ربك, وإلى الذين من قبلك من الرسل ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) يقول:
لئن أشركت بالله شيئا يا محمد, ليبطلنّ عملك, ولا تنال به ثوابا, ولا تدرك جزاء
إلا جزاء من أشرك بالله, وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم.. ومعنى الكلام: ولقد
أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك, ولتكوننّ من الخاسرين, وإلى الذين من قبلك,
بمعنى: وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك, مثل الذي أوحي إليك منه, فاحذر أن
تشرك بالله شيئا فتهلك.
ومعنى
قوله: (
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئا.
القول
في تأويل قوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لا تعبد ما أمرك به هؤلاء
المشركون من قومك يا محمد بعبادته, بل الله فاعبد دون كلّ ما سواه من الآلهة
والأوثان والأنداد (
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لله
على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته, والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان.
ونصب اسم الله بقوله (
فَاعْبُدِ ) وهو
بعده, لأنه رد الكلام, ولو نصب بمضمر قبله, إذا كانت العرب تقول: زيد فليقم. وزيدا
فليقم. رفعا ونصبا, الرفع على فلينظر زيد, فليقم, والنصب على انظروا زيدا فليقم.
كان صحيحا جائزا.
وقوله: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ ) يقول
تعالى ذكره: وما عظَّم الله حقّ عظمته, هؤلاء المشركون بالله, الذين يدعونك إلى
عبادة الأوثان.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
عليّ,
قال. ثنا أبو صالح, قال. ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ ) قال:
هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم, فمن آمن أن الله على كل شيء قدير,
فقد قدر الله حقّ قدره, ومن لم يؤمن بذلك, فلم يقدر الله حقّ قدره.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد. قال. ثنا أسباط, عن السديّ ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) : ما عظموا الله حقّ عظمته.
وقوله: ( وَالأرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول
تعالى ذكره: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة ( وَالسَّمَاوَاتُ ) كلها (
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه ) فالخبر
عن الأرض مُتَنَاهٍ عند قوله: يوم القيامة, والأرض مرفوعة بقوله ( قَبْضَتُهُ ) , ثم استأنف الخبر عن
السموات, فقال: (
وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) وهي مرفوعة بمطويات.
ورُوي عن
ابن عباس وجماعة غيره أنهم كانوا يقولون: الأرض والسموات جميعا في يمينه يوم
القيامة.
* ذكر
الرواية بذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس.
قوله: (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول: قد قبض الأرضين
والسموات جميعا بيمينه. ألم تسمع أنه قال: ( مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه ) يعنى: الأرض والسموات بيمينه جميعا, قال ابن عباس: وإنما
يستعين بشماله المشغولة يمينه.
حدثنا
ابن بشار, قال. ثنا معاذ بن هشام. قال: ثني أبي عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء,
عن ابن عباس, قال: ما السموات السبع, والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد
أحدكم. قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثني أبي, عن قتادة, قال: ثنا النضر بن أنس, عن
ربيعة الجُرْسي, قال: (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ ) قال:
ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء.
حدثني
عليّ بن الحسن الأزديّ, قال ثنا يحيى بن يمان, عن عمار بن عمرو, عن الحسن, في
قوله: (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال: كأنها جوزة بقضها
وقضيضها.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالأرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول:
السموات والأرض مطويات بيمينه جميعا.
وكان ابن
عباس يقول: إنما يستعين بشماله المشغولة يمينه, وإنما الأرض والسموات كلها بيمينه,
وليس في شماله شيء.
حدثنا
الربيع, قال: ثنا ابن وهب, قال: أخبرني أُسامة بن زيد, عن أبي حازم, عن عبد الله
بن عمر, أنه رأى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , على المنبر يخطب
الناس, فمر بهذه الآية: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ) فقال
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « يَأْخُذُ السَّمَاوَاتِ وَالأرَضَينَ السَّبْعَ
فَيَجْعَلُهَا في كَفِّهِ, ثُمَّ يَقُولُ بِهِما كمَا يَقُولُ الغُلامُ بالكُرَةِ:
أنا اللهُ الوَاحِدُ, أنا اللهُ العَزِيزُ » حتى لقد رأينا المنبر وإنه ليكاد أن يسقط به.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, قال: ثني منصور وسليمان, عن إبراهيم, عن عبيدة
السَّلْماني, عن عيد الله, قال: جاء يهوديّ إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع, والأرضين على أصبع,
والجبال على أصبع, والخلائق على أصبع, ثم يقول: أنا الملك ، قال: فضحك النبي
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى بدت نواجذه وقال: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ ) .
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن إبراهيم, عن عبيدة
عن عبد الله, قال: فضحك النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تعجبا وتصديقا.
محمد بن
الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, عن منصور, عن خيثمة
بن عبد الرحمن, عن علقمة, عن عبد الله بن مسعود, قال: كنا عند رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , حين جاءه حبر من أحبار اليهود, فجلس إليه, فقال له
النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « حَدِّثْنا, قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة,
جعل السموات على أصبع, والأرضين على أصبع, والجبال على أصبع, والماء والشجر على
أصبع, وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهنّ ثم يقول: أنا الملك, قال: فضحك رسول الله
حتى بدت نواجذه تصديقا لما قال, ثم قرأ هذه الآية: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ ) ...
الآية » .
محمد,
قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, نحو ذلك.
حدثني
سليمان بن عبد الجبار, وعباس بن أبي طالب, قالا ثنا محمد بن الصلت, قال: ثنا أبو
كدينة عن عطاء بن السائب, عن أبي الضحى, عن ابن عباس, قال: مر يهوديّ بالنبيّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو جالس, فقال: « يا يَهُودِيُّ حَدّثْنا » , فقال: كيف تقول يا أبا ألقاسم يوم يجعل الله السماء على
ذه, والأرض على ذه, والجبال على ذه, وسائر الخلق على ذه, فأنـزل الله ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ ) ...
الآية « . »
حدثني
أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله,
قال: « أتى
النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجل من أهل الكتاب, فقال: يا أبا القاسم
أبلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع, والسموات على أصبع, والأرضين على أصبع,
والشجر على أصبع, والثرى على أصبع؟ قال فضحك النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
حتى بدت نواجذه, فأنـزل الله ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ) ... إلى آخر الآية. »
وقال
آخرون: بل السموات في يمينه, والأرضون في شماله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ بن داود, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا ابن أبي حازم, قال: ثني أبو
حازم, عن عبيد الله بن مقْسَمٍ, أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: رأيت رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو على المنبر يقول: « يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِه وأرْضَهُ بِيَدَيْه » وقبض رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم يديه, وجعل يقبضهما ويبسطهما, قال: ثمَّ يَقُولُ: « أنا الرَّحْمَنُ أنا المَلِك,
أيْنَ الجَبَّارُونَ, أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ » وتمايل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن يمينه,
وعن شماله, حتى نظرت إلى المنبر يتحرّك من أسفل شيء منه, حتى إني لأقول: أساقط هو
برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم « ؟. »
حدثني
أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد, قال: ثني عبد الله بن نافع, عن عبد العزيز بن
أبي حازم, عن أبيه, عن عبيد بن عمير, عن عبد الله بن عمر, أنه قال: سمعت رسول الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: « يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وَأرْضَهُ بِيَديْهِ » , وقبض يده فجعل يقبضها
ويبسطها, ثُمَّ يَقُولُ: « أنا الجَبَّارُ,
أنا المَلِكُ, أيْنَ الجَبَّارُونَ, أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ » قال: ويميل رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن يمينه وعن شماله, حتى نظرت إلى المنبر يتحرّك من أسفل
شيء منه, حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ « . »
حدثني
الحسن بن عليّ بن عياش الحمصي, قال: ثنا بشر بن شعيب, قال: أخبرني أبي, قال: ثنا
محمد بن مسلم بن شهاب, قال: أخبرني سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة أنه كان يقول:
قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « يَقْبِضُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ
وَيَطْوِي السموات بيَمينهِ, ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟
» .
حُدثت عن
حرملة بن يحيى, قال: ثنا إدريس بن يحيى القائد, قال: أخبرنا حيوة, عن عقيل, عن ابن
شهاب, قال: أخبرني نافع مولى ابن عمر, عن عبد الله بن عمر, أن رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: « إنَّ
اللهَ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِيَدِهِ, وَيَطْوِي السَّماءَ
بِيَمينهِ وَيَقُولُ: أنا المَلِكُ » .
حدثني
محمد بن عون, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: ثنا سعيد بن
ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري, قال: أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم حبر من اليهود, قال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: ( وَالأرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) فأين الخلق عند ذلك؟ قال: « هُمْ فِيها كرَقْمِ الكِتابِ
» .
حدثنا
إبراهيم بن سعيد الجوهري, قال: ثنا أبو أسامة, قال: ثنا عمرو بن حمزة, قال: ثني
سالم, عن أبيه, أنه أخبره أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: « يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ
فَيَأخُذُهُنَّ بِيَمِينِهِ ويَطْوِي الأرْضَ فَيأْخُذُها بشِمالِهِ, ثُمَّ
يَقُولُ: أنا المَلِك أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أينَ المُتَكَبِّرُونَ » .
وقيل: إن
هذه الآية نـزلت من أجل يهودي سأل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن صفة
الرب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن محمد, عن سعيد, قال: « أتى رهط من اليهود نبي الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقالوا: يا محمد, هذا الله خلق الخلق, فمن خلقه؟
فغضب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى انتقع لونه, ثم ساورهم غضبا لربه،
فجاءه جبريل فسكنه, وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد, وجاءه من الله جواب ما سألوه
عنه, قال: يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ
* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فلما تلاها
عليهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قالوا: صف لنا ربك، كيف خلقه, وكيف
عضده, وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أشد من غضبه الأول,
ثم ساورهم, فأتاه جبريل فقال مثل مقالته, وأتاه بجواب ما سألوه عنه ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . »
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: تكلمت اليهود في صفة الرب,
فقالوا ما لم يعلموا ولم يروا, فأنـزل الله على نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ثم بين
للناس عظمته فقال: (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون ) , فجعل صفتهم التي وصفوا الله
بها شركا « . »
وقال بعض
أهل العربية من أهل البصرة (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ ) يقول
في قدرته نحو قوله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس
الملك لليمين دون سائر الجسد, قال: وقوله ( قَبْضَتُهُ ) نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك. والأخبار التي
ذكرناها عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعن أصحابه وغيرهم, تشهد على
بطول هذا القول.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا هارون بن المغيرة, عن عنبسة, عن حبيب بن أبي عمرة, عن مجاهد,
عن ابن عباس, عن عائشة قالت: سألت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , عن
قوله (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فأين الناس يومئذ؟ قال: « عَلى الصِّراطِ » .
وقوله ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول
تعالى ذكره تنـزيها وتبرئة لله, وعلوا وارتفاعا عما يشرك به هؤلاء المشركون من
قومك يا محمد, القائلون لك: اعبد الأوثان من دون الله, واسجد لآلهتنا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )
يقول
تعالى ذكره: ونفخ إسرافيل في القرن, وقد بيَّنا معنى الصور فيما مضى بشواهده,
وذكرنا اختلاف أهل العلم فيه, والصواب من القول فيه بشواهده, فأغنى ذلك عن إعادته
في هذا الموضع.
وقوله ( فَصَعِقَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) يقول: مات, وذلك في النفخة الأولى.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَصَعِقَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) قال: مات.
وقوله: ( إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) اختلف أهل التأويل في الذي
عنى الله بالاستثناء في هذه الآية, فقال بعضهم عنى به جبريل وميكائيل وإسرافيل
وملك الموت.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
حدثني
هارون بن إدريس الأصم, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, قال: ثنا محمد بن
إسحاق, قال: ثنا الفضل بن عيسى, عن عمه يزيد الرقاشي, عن أنس بن مالك قال: قرأ
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) فقيل: من هؤلاء الذين استثنى الله يا رسول الله؟ قال: « جبرائيلَ وميكائيلَ, ومَلكَ
المَوْتِ, فإذَا قَبَضَ أرْوَاحَ الخَلائِقِ قالَ: يَا مَلَكَ المَوْتِ مَنْ
بَقِيَ؟ وَهُوَ أعْلَمُ، قال: يَقُولُ: سُبْحانَكَ تَبارَكْتَ رَبِّي ذَا الجَلالِ
وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكائيل وَمَلَكُ المَوْتِ ، قال: يَقُولُ يَا
مَلَكَ المَوْتِ خُذْ نَفْسَ مِيكائيلَ، قالَ: فَيَقَعُ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ,
قال: ثُمَّ يَقُولُ: يَا مَلَكَ المَوْتِ مَنْ بَقِيَ؟ فيَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي
يا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمَلَكُ المَوْتِ, قَالَ:
فَيَقُولُ: يا مَلَكَ المَوْتِ مُتْ, قالَ: فَيَمُوتُ، قالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يا
جِبْرِيلُ مَنْ بَقِيَ؟ قالَ: فيَقُولُ جِبْرِيلُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي يَا ذَا
الجَلالِ وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ, وَهُوَ مِنَ اللهِ بالمَكانِ الَّذي
هُوَ بِهِ، قالَ: فَيَقُولُ يَا جِبْرِيلُ لا بُدَّ مِنْ مَوْتَةٍ، قالَ: فَيَقَعُ
سَاجِدًا يَخْفِقُ بِجناحَيْه يَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي تَبَارَكَتْ
وَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, أنْتَ البَاقِي وجِبْرِيلُ
المَيِّتُ الفَانِي: قال: ويأْخُذُ رُوحَهُ في الحلْقَةِ التي خُلِقَ مِنْها,
قالَ: فَيَقَعُ على مِيكائِيلَ أنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ على خَلْقِ مِيكَائيل كفَضْلِ
الطَّوْدِ العَظِيمِ عَلى الظَّرْبِ مِنَ الظِّرابِ » .
وقال
آخرون: عنى بذلك الشهداء.
حدثني
محمد بن المثنى, قال: ثني وهب بن جرير, قال: ثنا شعبة عن عمارة, عن ذي حجر
اليحمدي, عن سعيد بن جُبَير, في قوله: ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا
مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال:
الشهداء ثنية الله حول العرش, متقلدين السيوف.
وقال
آخرون: عنى بالاستثناء في الفزع: الشهداء, وفي الصعق: جبريل, وملك الموت, وحملة
العرش.
ذكر
من قال ذلك, والخبر
الذي جاء فيه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد, عن إسماعيل بن رافع المدني, عن
يزيد, عن رجل من الأنصار, عن محمد بن كعب القرظي, عن رجل من الأنصار, عن أبي هريرة
أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ثَلاثَ
نَفَخَاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ, والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ,
والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى،
يَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى, فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ
الفَزَعِ, فتَفْزَعُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ » ، قالَ أبو هريرة: يا رسول
الله, فمن استثنى حين يقول: ( فَفَزِعَ
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: « أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ,
وإنَّما يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ, أُولَئِكَ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ, وَقاهُمْ الله فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وأمَّنَهُمْ, ثُمَّ يأْمُرُ
اللهُ إسْرَافِيلَ بِنَفْخَةِ الصَّعْقِ, فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ,
فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ فإذا هُمْ
خَامِدُونَ, ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ المَوْتِ إلى الجَبَّارِ تبَارَكَ وَتَعَالَى
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إلا مَنْ شِئْتَ,
فَيَقُولُ لَهُ وَهُوَ أعْلَمُ. فمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ الحَيَّ
الَّذِي لا يَمُوتُ, وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشُكَ, وَبَقِيَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ
، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اسْكُتْ إنِّي كَتَبْتُ المَوْتَ عَلَى مَنْ كَانَ تَحْتَ
عَرْشِي، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ المَوْتِ فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ
ومِيكائِيلُ، فيَقُولُ اللهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ بَقِيتَ
أنْتَ الحَيّ الَّذِي لا يَمُوتُ, وبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ, وَبَقِيتُ أنا,
فَيَقُولُ اللهُ: فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ العَرْشِ, فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللهُ
تعالى العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ. فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ
عَرْشِكَ ، فَيَقُولُ: مَنْ بَقِيَ؟ وَهُوَ أعْلَمُ, فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ
الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ وبَقِيتُ أنا, قال: فَيَقُولُ اللهُ: أنْتَ مِنْ
خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ, فَمُتْ لا تَحْيَى, فَيَمُوتُ » .
وهذا
القول الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أولى بالصحة,
لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت. والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر
الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك.
وإنما
عنى جل ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع, الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق,
لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل ، وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد
بذلك من قد هلك, وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق, وجب أن يكون المراد بذلك من قد
هلك, فذاق الموت من قبل ذلك, لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدد
له موت آخر في تلك الحال.
وقال
آخرون في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( فَصَعِقَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال الحسن: يستثني الله وما
يدع أحدا من أهل السموات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت؟ قال قتادة: قد استثنى
الله, والله أعلم إلى ما صارت ثنيته, قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله قال: « أتاني مَلَكٌ فَقَالَ: يا
مُحَمَّدُ اخْتَرْ نَبِيًّا مَلِكًا, أوْ نَبِيًّا عَبْدًا، فأَوْمَأ إليَّ أنْ
تَوَاضَعْ, قَالَ: نَبِيًّا عَبْدًا, قال فأُعْطِيتُ خَصْلَتَيْنِ: أنْ جُعِلْتُ
أوَّلَ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ, وأوَّلُ شَافِعٌ, فَأَرْفَعُ رَأْسِي
فَأَجِدُ مُوسَى آخِذًا بالعَرْشِ, فاللهُ أعْلَمُ أصَعِقَ بَعْدَ الصَّعْقَةِ
الأولَى أمْ لا؟ » .
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا عبدة بن سليمان, قال: ثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو سلمة,
عن أبي هريرة, قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر, قال:
فرفع رجل من الأنصار يده, فصكّ بها وجهه, فقال: تقول هذا وفينا رسول الله صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ , فَأَكُونُ أنَا
أوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ, فإذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ
العَرْشِ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَه قَبْلِي, أوْ كَانَ مِمَّنْ استثنى الله » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, عن الحسن, قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم: « كأنَّي
أنْفُضُ رأسِي مِنَ التُّرَابِ أوَّلَ خَارِجٍ, فَأَلْتَفِتُ فَلا أَرَى أحَدًا
إلا مُوسَى مُتَعَلِّقًا بالعَرْشِ, فَلا أدْرِي أمِمَّنْ اسْتَثْنَى اللهُ أنْ لا
تُصِيبُه النَّفْخَةُ أوْ بُعِثَ قَبْلِي » .
وقوله: ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) يقول تعالى ذكره: ثم نفخ في الصور نفخة أخرى، والهاء التي
في « فيه » من ذكر الصور.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ) قال: في الصور, وهى نفخة
البعث.
وذُكر أن
بين النخفتين أربعين سنة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال
رسول الله: « ما
بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ » قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبَيْتُ، قالوا:
أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، « ثُمَّ يُنـزلُ اللهُ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَتَنْبِتُونَ كَمَا يَنْبِتُ البَقْلُ, وَلَيْسَ مِنَ الإنْسانِ
شَيْءٌ إلا يَبْلَى, إلا عَظْمًا وَاحِدًا, وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ, وَمِنْهُ
يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ » .
حدثنا
يحيى بن واضح, قال: ثنا البلخي بن إياس, قال: سمعت عكرمة يقول في قوله ( فَصَعِقَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) ... الآية, قال: الأولى من الدنيا, والأخيرة من الآخرة.
حدثنا
بشر قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ ) قال
نبي الله: « بين
النفختين أربعون » قال
أصحابه: فما سألناه عن ذلك, ولا زادنا على ذلك, غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها
أربعون سنة.
وذُكر
لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة, حتى تطيب الأرض وتهتزّ,
وتنبت أجساد الناس نباتَ البقل, ثم ينفخ فيه الثانية ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ ) قال:
ذُكر لنا أن معاذ بن جبل, سأل نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: كيف يبعث
المؤمنون يوم القيامة؟ قال: «
يُبْعَثُونَ جُرْدًا مُرْدا مُكَحَّلِينَ بني ثَلاثِين سَنَةً » .
وقوله: ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ ) يقول:
فإذا من صعق عند النفخة التي قبلها وغيرهم من جميع خلق الله الذين كانوا أمواتا
قبل ذلك قيام من قبورهم وأماكنهم من الأرض أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر
الله فيهم.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ ) قال:
حين يبعثون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ
بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 )
يقول
تعالى ذكره: فأضاءت الأرض بنور ربها, يقال: أشرقت الشمس. إذا صفت وأضاءت, وأشرقت:
إذا طلعت, وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا بشر.
قال. ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) قال: فما يتضارون في نوره إلا
كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه.
حدثنا
محمد, قال ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) قال: أضاءت.
وقوله ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) يعني. كتاب أعمالهم لمحاسبتهم
ومجازاتهم.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال ثنا سعيد, عن قتادة ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قال: كتب أعمالهم.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قال: الحساب.
وقوله: ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاءِ ) يقول:
وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم, وردت عليهم في الدنيا, حين
أتتهم رسالة الله، والشهداء, يعني بالشهداء: أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم , ويستشهدهم ربهم على الرسل, فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي
أرسلهم بها ربهم إلى أممها, إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله,
والشهداء: جمع شهيد, وهذا نظير قول الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا . وقيل: عنى بقوله: (
الشُّهَدَاءِ ) :
الذين قتلوا في سبيل الله، وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى, لأن
عقيب قوله: (
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) , وفي ذلك دليل واضح على صحة
ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها, وأن
الشهداء إنما هي جمع شهيد, الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاءِ ) فإنهم
ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة, وبتكذيب الأمم إياهم.
* ذكر من
قال ما حكينا قوله من القول الآخر:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاءِ ) :
الذين استشهدوا في طاعة الله.
وقوله: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
بِالْحَقِّ ) يقول
تعالى ذكره: وقضي بين النبيين وأممها بالحقّ, وقضاؤه بينهم بالحقّ, أن لا يحمل على
أحد ذنب غيره, ولا يعاقب نفسا إلا بما كسبت.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا
عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 70 ) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ
رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 71 )
يقول
تعالى ذكره: ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشرّ, وهو أعلم بما يفعلون
في الدنيا من طاعة أو معصية, ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك, وهو مجازيهم عليه يوم
القيامة, فمثيب المحسن بإحسانه, والمسيء بما أساء.
وقوله: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَى جَهَنَّمَ ) يقول:
وحشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدّها لهم يوم القيامة جماعات, جماعة
جماعة, وحزبا حزبا.
كما حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة في قوله: ( زُمَرًا ) قال: جماعات.
وقوله: ( إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ
أَبْوَابُهَا ) السبعة
(
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا )
قوامها: (
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ) يعني: كتاب الله المنـزل على
رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم ( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) يقول: وينذرونكم ما تلقون في
يومكم هذا ، وقد يحتمل أن يكون معناه: وينذرونكم مصيركم إلى هذا اليوم. قالوا:
بلى: يقول: قال الذين كفروا مجيبين لخزنة جهنم: بلى قد أتتنا الرسل منا, فأنذرتنا
لقاءنا هذا اليوم (
وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) يقول: قالوا: ولكن وجبت كلمة
الله أن عذابه لأهل الكفر به علينا بكفرنا به.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ
الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )
بأعمالهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 )
يقول
تعالى ذكره: فتقول خزنة جهنم للذين كفروا حينئذ: ( ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ) السبعة على قدر منازلكم فيها
(
خَالِدِينَ فِيهَا ) يقول:
ماكثين فيها لا يُنقلون عنها إلى غيرها. ( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) يقول: فبئس مسكن المتكبرين
على الله في الدنيا, أن يوحدوه ويفردوا له الألوهة, جهنم يوم القيامة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ( 73 ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا
وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 74 )
يقول
تعالى ذكره: وحُشر الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه في الدنيا,
وأخلصوا له فيها الألوهة, وأفردوا له العبادة, فلم يشركوا في عبادتهم إياه شيئا ( إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) يعني جماعات, فكان سوق هؤلاء
إلى منازلهم من الجنة وفدا على ما قد بيَّنا قبل فى سورة مريم على نجائب من نجائب
الجنة, وسوق الآخرين إلى النار دعًّا ووردا, كما قال الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد ذكر ذلك في أماكنه من هذا الكتاب.
وقد
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَسِيقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا , وفي قوله: ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ
زُمَرًا ) قال:
كان سوق أولئك عنفا وتعبا ودفعا, وقرأ: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ
دَعًّا قال: يدفعون دفعا, وقرأ: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . قال:
يدفعه, وقرأ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا - و نَحْشُرُ
الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا . ثم قال: فهؤلاء وفد الله.
حدثنا
مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا شريك بن عبد الله, عن أبي إسحاق, عن
عاصم بن ضمرة, عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) حتى إذا انتهوا إلى بابها, إذا هم بشجرة يخرج من أصلها
عينان, فعمدوا إلى إحداهما, فشربوا منها كأنما أمروا بها, فخرج ما في بطونهم من
قذر أو أذى أو قذى, ثم عمدوا إلى الأخرى, فتوضئوا منها كأنما أمروا به, فجرت عليهم
نضرة النعيم, فلن تشعث رءوسهم بعدها أبدا ولن تبلى ثيابهم بعدها, ثم دخلوا الجنة,
فتلقتهم الولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون, فيقولون: أبشر, أعد الله لك كذا, وأعد لك
كذا وكذا, ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه جندل اللؤلؤ الأحمر والأصفر والأخضر, يتلألأ
كأنه البرق, فلولا أن الله قضى أن لا يذهب بصره لذهب, ثم يأتي بعضهم إلى بعض
أزواجه, فيقول: أبشري قد قدم فلان بن فلان, فيسميه باسمه واسم أبيه, فتقول: أنت
رأيته, أنت رأيته! فيستخفها الفرح حتى تقوم, فتجلس على أسكفة بابها, فيدخل فيتكئ
على سريره, ويقرأ هذه الآية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا
كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ... الآية.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: ذكر أبو إسحاق عن الحارث,
عن عليّ رضي الله عنه قال: يساقون إلى الجنة, فينتهون إليها, فيجدون عند بابها
شجرة في أصل ساقها عينان تجريان, فيعمدون إلى إحداهما, فيغتسلون منها, فتجري عليهم
نضرة النعيم, فلن تشعث رءوسهم بعدها أبدا, ولن تغبر جلودهم بعدها أبدا, كأنما
دهنوا بالدهان ، ويعمدون إلى الأخرى, فيشربون منها, فيذهب ما في بطونهم من قذى أو
أذى, ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون, فيفتح لهم, فتتلقاهم خزنة الجنة فيقولون
سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال: وتتلقاهم
الولدان المخلدون, يطيفون بهم كما تطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من
الغيبة, يقولون: أبشر أعد الله لك كذا, وأعد لك كذا, فينطلق أحدهم إلى زوجته,
فيبشرها به, فيقول: قدم فلان باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا, وقال: فيستخفها
الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها, وتقول: أنت رأيته, أنت رأيته ؟ قال: فيقول: نعم,
قال: فيجيء حتى يأتي منـزله, فإذا أصوله من جندل اللؤلؤ من بين أصفر وأحمر وأخضر,
قال: فيدخل فإذا الأكواب موضوعة, والنمارق مصفوفة, والزرابيّ مبثوثة قال: ثم يدخل
إلى زوجته من الحور العين, فلولا أن الله أعدها له لالتمع بصره من نورها وحسنها،
قال: فاتكأ عند ذلك ويقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا
كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ قال: فتناديهم الملائكة: أَنْ
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, قال: ذكر السديّ نحوه أيضا, غير أنه قال:
لهو أهدى إلى منـزله في الجنة منه إلى منـزله في الدنيا, ثم قرأ السديّ:
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ .
واختلف
أهل العربية في موضع جواب « إذا » التي في قوله ( حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ) فقال بعض نحويي البصرة: يقال
إن قوله (
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ) في
معنى: قال لهم, كأنه يلغي الواو, وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة,
كما قال الشاعر:
فــإذَا
وَذلـكَ يـا كُبَيْشَـةُ لَـمْ يَكُـنْ إلا تَــــوَهُّمَ حَـــاِلمٍ بِخَيـــالٍ
فيشبه أن
يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن. قال: وقال بعضهم: فأضمر الخبر, وإضمار الخبر أيضا
أحسن في الآية, وإضمار الخبر في الكلام كثير. وقال آخر منهم: هو مكفوف عن خبره,
قال: والعرب تفعل مثل هذا ، قال عبد مَناف بن ربع في آخر قصيدة:
حــتى
إذَا أسْــلَكُوهُمْ فِـي قُتـائِدَةٍ شَـلا كمـا تَطْـرُدُ الجَمَّالَـةُ
الشُّـرُدا
وقال
الأخطل في آخر القصيدة:
خَـلا
أنَّ حيَّـا مـن قُـرَيْشٍ تَفَصَّلُـوا عـلى النَّـاسِ أوْ أنَّ الأكـارِمَ
نَهْشَـلا
وقال بعض
نحويِّي الكوفة: أدخلت في حتى إذا وفي فلما الواو في جوابها وأخرجت, فأما من
أخرجها فلا شيء فيه, ومن أدخلها شبه الأوائل بالتعجب, فجعل الثاني نسقا على
الأوّل, وإن كان الثاني جوابا كأنه قال: أتعجب لهذا وهذا.
وأولى
الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الجواب متروك, وإن كان القول الآخر غير
مدفوع, وذلك أن قوله: (
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) يدلّ على أن في الكلام
متروكا, إذ كان عقيبه (
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ) ، وإذا كان ذلك كذلك, فمعنى
الكلام: حتى إذا جاءوا وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها
خالدين, دخلوها وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده. وعنى بقوله ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) : أمنة من الله لكم أن ينالكم
بعدُ مكروه أو أذى. وقوله (
طِبْتُمْ ) يقول:
طابت أعمالكم في الدنيا, فطاب اليوم مثواكم.
وكان
مجاهد يقول في ذلك ما حدثنا محمد بن عمر, قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى،
وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد
يقول في (
طِبْتُمْ ) قال:
كنتم طيبين في طاعة الله.
وقوله: ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ) يقول
وقال الذين سيقوا زمرا ودخلوها: الشكر خالص لله الذي صدقنا وعده, الذي كان وعَدناه
في الدنيا على طاعته, فحققه بإنجازه لنا اليوم, ( وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) يقول: وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا
الله في الدنيا, فدخلوها, ميراثا لنا عنهم.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) قال: أرض الجنة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) أرض الجنة.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) قال: أرض الجنة, وقرأ: أَنَّ
الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ .
وقوله: ( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
حَيْثُ نَشَاءُ ) يقول:
نتخذ من الجنة بيتا, ونسكن منها حيث نحب ونشتهي.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
حَيْثُ نَشَاءُ ) ننـزل
منها حيث نشاء.
وقوله: ( فَنِعْمَ أَجْرُ
الْعَامِلِينَ ) يقول:
فنعم ثواب المطيعين لله, العاملين له في الدنيا الجنة لمن أعطاه الله إياها في
الآخرة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 75 )
يقول
تعالى ذكره: وترى يا محمد الملائكة محدقين من حول عرش الرحمن, ويعني بالعرش:
السرير.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ )
محدقين.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) قال: محدقين حول العرش, قال:
العرش: السرير.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول « مِنْ » في قوله: ( حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ
الْعَرْشِ )
والمعنى: حافِّين حول العرش.
وفي
قوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت « مِنْ » في هذين الموضعين توكيدا,
والله أعلم , كقولك: ما جاءني من أحد، وقال غيره: قبل وحول وما أشبههما ظروف تدخل
فيها « مِنْ » وتخرج, نحو: أتيتك قبل زيد,
ومن قبل زيد, وطفنا حولك ومن حولك, وليس ذلك من نوع: ما جاءني من أحد, لأن موضع « مِنْ » في قولهم: ما جاءني من أحد
رفع, وهو اسم.
والصواب
من القول في ذلك عندي أن « من » في هذه الأماكن, أعني في قوله
( مِنْ
حَوْلِ الْعَرْشِ ) ومن
قبلك, وما أشبه ذلك, وإن كانت دخلت على الظروف فإنها بمعنى التوكيد.
وقوله: ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ ) يقول:
يصلون حول عرش الله شكرا له، والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح, وتحذفها
أحيانا, فتقول: سبح بحمد الله, وسبح حَمْدَ الله, كما قال جل ثناؤه: سَبِّحِ اسْمَ
رَبِّكَ الأَعْلَى , وقال في موضع آخر: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ .
وقوله: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
بِالْحَقِّ ) يقول:
وقضى الله بين النبيين الذين جيء بهم, والشهداء وأممها بالعدل, فأسكن أهل الإيمان
بالله, وبما جاءت به رسله الجنة. وأهل الكفر به, ومما جاءت به رسله النار ( وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول:
وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية, وملك جميع ما
في السموات والأرض من الخلق من ملك وجن وإنس, وغير ذلك من أصناف الخلق.
وكان
قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ ) ...
الآية, كلها قال: فتح أول الخلق بالحمد لله, فقال: الحمد لله الذي خلق السموات
والأرض, وختم بالحمد فقال: (
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
آخر
تفسير سورة الزمر
تفسير سورة غافر
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : حم ( 1 ) تَنْزِيلُ
الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ
التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ
الْمَصِيرُ ( 3 )
اختلف
أهل التأويل فى معنى قوله ( حم ) فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من
اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم, وهو الحاء والميم منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عبد لله بن أحمد بن شبُّويه المَروزي, قال: ثنا عليّ بن الحسن, قال: ثني أبي, عن
يزيد, عن عكرمة, عن ابن عباس: الر, وحم, ون, حروف الرحمن مقطعة.
وقال
آخرون: هو قسم أقسمه الله, وهو اسم من أسماء الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: ( حم ) : قسم أقسمه الله, وهو اسم من
أسماء الله.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( حم ) : من حروف أسماء الله.
وقال
آخرون: يل هو اسم من أسماء القرآن.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( حم ) قال:
اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء.
وقال
آخرون: بل هو اسم, واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي:
يُذَكِّــرُنِي
حَـامِيمَ وَالـرُّمْحُ شَـاجِرٌ فَهَــلا تَــلا حــم قَبْــلَ التَّقَـدُّمِ
ويقول
الكُمَيت:
وَجَدْنَــا
لَكُـمْ فِـي آلِ حـامِيمَ آيَـةً تَأوَّلَهَــا مِنَّــا تَقِــيٌّ وَمُعْــرِبُ
وحُدثت
عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس, يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر
عليه, لأن السورة ( حم ) ساكنة الحروف, فخرجت مخرج
التهجي, وهذه أسماء سور خرجت متحركات, وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة
دخله الإعراب.
والقول
في ذلك عندي نظير القول في أخواتها, وقد بيَّنا ذلك, في قوله: الم , ففي ذلك كفاية
عن إعادته في هذا الموضع, إذ كان القول في حم, وجميع ما جاء في القرآن على هذا
الوجه, أعني حروف التهجي قولا واحدا.
وقوله: ( تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ
اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) يقول
الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه, العليم يما يعملون من
الأعمال وغيرها تنـزيل هذا الكتاب; فالتنـزيل مرفوع بقوله: ( مِنَ اللَّهِ ) .
وفي
قوله: (
غَافِرِ الذَّنْبِ ) وجهان
; أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد, وإذا أريد هذا المعنى, كان خفض غافر
وقابل من وجهين, أحدهما من نية تكرير « من » , فيكون
معنى الكلام حينئذ: تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم, من غافر الذنب, وقابل
التوب, لأن غافر الذنب نكرة, وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة, وهو نكرة, والآخر
أن يكون أجرى في إعرابه, وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له, لوقوعه بينه وبين
قوله: ( ذِي
الطَّوْلِ ) وهو
معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول, إذ كان مدحا, وكان
المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا, ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع
كما قال الشاعر:
لا
يَبْعَــدَنْ قَــوْمي الَّــذِينَ هــمُ سُـــمُّ العُــدَاةِ وآفَــةُ
الجُــزُرِ
النَّــــازِلينَ
بِكُـــلّ مُعْـــتَركٍ والطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأزُر
وكما قال
جلّ ثناؤه وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ
لِمَا يُرِيدُ فرفع فعال وهو نكرة محضة, وأتبع إعراب الغفور الودود; والآخر: أن
يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى, إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نـزول
هذه الآية وفي حال نـزولها, ومن بعد ذلك, فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على
الصحة. وقال: (
غَافِرِ الذَّنْبِ ) ولم
يقل الذنوب, لأنه أريد به الفعل, وأما قوله: ( وَقَابِلِ التَّوْبِ ) فإن التوب قد يكون جمع توبة, كما يجمع الدَّومة دَوما
والعَومة عَوما من عومة السفينة, كما قال الشاعر:
عَوْمَ
السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ
وقد يكون
مصدر تاب يتوب توبا.
وقد
حدثني محمد بن عبيد المحاربي, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, قال: جاء
رجل إلى عمر, فقال: إني قتلت, فهل لي من توبة؟ قال: نعم, اعمل ولا تيأس, ثم قرأ: ( حم تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ
اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ) .
وقوله: ( شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: شديد عقابه
لمن عاقبه من أهل العصيان له, فلا تتكلوا على سعة رحمته, ولكن كونوا منه على حذر,
باجتناب معاصيه, وأداء فرائضه, فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه,
وقبول توبة من تاب منهم من جرمه, كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما
استحلوا من محارمه, وركبوا من معاصيه.
وقوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي الفضل والنعم
المبسوطة على من شاء من خلقه; يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه, إذا كان ذا
فضل عليهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي السعة والغنى .
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله ( ذِي الطَّوْلِ ) الغنى.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ذِي الطَّوْلِ ) : أي ذي النعم.
وقال
بعضهم: الطول: القدرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( ذِي الطَّوْلِ ) قال: الطول القدرة, ذاك
الطول.
وقوله: ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول:
لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم, الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه,
فلا تعبدوا شيئا سواه (
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول
تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس, فإياه فاعبدوا, فإنه لا ينفعكم
شيء عبدتموه عند ذلك سواه.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ
اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4
) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ
كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا
بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: ما يخاصم في حجج الله وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها, إلا الذين
جحدوا توحيده.
وقوله: ( فَلا يَغْرُرْكَ
تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) يقول
جلّ ثناؤه: فلا يخدعك يا محمد تصرفهم في البلاد وبقاؤهم ومكثهم فيها, مع كفرهم
بربهم, فتحسب أنهم إنما أمهلوا وتقلبوا, فتصرّفوا في البلاد مع كفرهم بالله, ولم
يعاجلوا بالنقمة والعذاب على كفرهم لأنهم على شيء من الحق فإنا لم نمهلهم لذلك, ولكن
ليبلغ الكتاب أجله, ولتحقّ عليهم كلمة العذاب, عذاب ربك.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَلا يَغْرُرْكَ
تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ )
أسفارهم فيها, ومجيئهم وذهابهم.
ثم قصّ
على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قصص الأمم المكذّبة رسلها, وأخبره
أنهم كانوا من جدالهم لرسله على مثل الذي عليه قومه الذين أرسل إليهم, وإنه أحلّ
بهم من نقمته عند بلوغهم أمدهم بعد إعذار رسله إليهم, وإنذارهم بأسه ما قد ذكر في
كتابه إعلاما منه بذلك نبيه, أن سنته في قومه الذين سلكوا سبيل أولئك في تكذيبه وجداله
سنته من إحلال نقمته بهم, وسطوته بهم, فقال تعالى ذكره: كذبت قبل قومك المكذبين
لرسالتك إليهم رسولا المجادليك بالباطل قوم نوح والأحزاب من بعدهم, وهم الأمم
الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم بالتكذيب لها, كعاد وثمود, وقوم لوط, وأصحاب
مَدْيَن وأشباههم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: الكفار.
وقوله: ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) يقول
تعالى ذكره: وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذّبة رسلها, المتحزّبة على أنبيائها,
برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) : أي
ليقتلوه, وقيل برسولهم; وقد قيل: كل أمة, فوجَّهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ
الأمة, وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله « برسولها » , يعني
برسول الأمة.
وقوله: ( وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ
لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) يقول:
وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي
جاءهم به من عند الله, من الدخول في طاعته, والإقرار بتوحيده, والبراءة من عبادة
ما سواه, كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل.
وقوله: ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ
كَانَ عِقَابِ ) يقول
تعالى ذكره: فأخذت الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب من عندي, فكيف كان عقابي
إياهم, الم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة, ولمن بعدهم عظة؟ وأجعل ديارهم ومساكنهم
منهم خلاء, وللوحوش ثواء.
وقد
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ
كَانَ عِقَابِ ) قال:
شديد والله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ( 6 )
يقول
تعالى ذكره: وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها التي قصصت عليك يا محمد قصصها
عذابي, وحل بها عقابي بتكذيبهم رسلهم, وجدالهم إياهم بالباطل, ليدحضوا به الحق,
كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك, الذين يجادلون في آيات الله.
وقوله: ( أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
النَّارِ ) اختلف
أهل العربية في موضع قوله (
أنَّهُمْ ) , فقال
بعض نحويّي البصرة: معنى ذلك: حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار: أي
لأنهم, أو بأنهم, وليس أنهم في موضع مفعول ليس مثل قولك: أحققت أنهم لو كان كذلك
كان أيضا أحققت, لأنهم. وكان غيره يقول: « أنهم » بدل من
الكلمة, كأنه أحقت الكلمة حقا أنهم أصحاب النار.
والصواب
من القول في ذلك, أن قوله « أنهم » ترجمة عن الكلمة, بمعنى: وكذلك
حقّ عليهم عذاب النار, الذي وعد الله أهل الكفر به.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ
الْجَحِيمِ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: الذين يحملون عرش الله من ملائكته, ومن حول عرشه, ممن يحفّ به من
الملائكة (
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) يقول:
يصلون لربهم بحمده وشكره ( وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ ) يقول:
ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه, ويشهدون بذلك, لا يستكبرون عن عبادته ( وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يقول:
ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقرّوا بمثل إقرارهم من توحيد الله, والبراءة من كلّ
معبود سواه ذنوبهم, فيعفوها عنهم.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا ) لأهل
لا اله إلا الله.
وقوله: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) , وفي
هذا الكلام محذوف, وهو يقولون; ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون: يا
ربنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلما. ويعني بقوله: ( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من
خلقك, فعلمت كل شيء, فلم يخف عليك شيء, ورحمت خلقك, ووسعتهم برحمتك.
وقد
اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم, فقال بعض نحويّي البصرة: انتصاب ذلك
كانتصاب لك مثله عبدا, لأنك قد جعلت وسعت كلّ شيء, وهو مفعول له, والفاعل التاء,
وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا, وقد شغلت عنهما الفعل كما شغلت المثل بالهاء, فلذلك
نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل; وقال غيره: هو من المنقول, وهو مفسر, وسعت رحمته
وعلمه, ووسع هو كلّ شيء رحمة, كما تقول: طابت به نفسي, طبت به نفسا, . قال: أما لك
مثله عبدا, فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا, والمثل غير معلوم,
ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة, فلذلك نصب العبد, وله أن يرفع, واستشهد لقيله
ذلك بقول الشاعر:
مــا
فــي مَعَــدّ والقبـائِلِ كُلِّهـا قَحْطَــانَ مِثْلُــكَ وَاحِــدٌ مَعْـدُودُ
وقال:
ردّ « الواحد
» على « مثل » لأنه نكرة, قال: ولو قلت: ما
مثلك رجل, ومثلك رجل, ومثلك رجلا جاز, لأن مثل يكون نكرة, وإن كان لفظها معرفة.
وقوله: ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ
تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) يقول:
فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك, فرجع إلى توحيدك, واتبع أمرك ونهيك.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ
تَابُوا ) من
الشرك.
وقوله: ( وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) يقول: وسلكوا الطريق الذي
أمرتهم أن يسلكوه, ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه, وذلك الدخول في الإسلام.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) : أي طاعتك وقوله: ( وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) يقول: واصرف عن الذين تابوا
من الشرك, واتبعوا سبيلك عذاب النار يوم القيامة.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن دعاء ملائكته لأهل الإيمان به من عباده, تقول: يا ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ ) يعني:
بساتين إقامة (
الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) يعني
التي وعدت أهل الإنابة إلى طاعتك أن تدخلهموها ( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) يقول:
وأدخل مع هؤلاء الذين تابوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ جنات عدن من صلح من آبائهم
وأزواجهم وذرياتهم, فعمل بما يرضيك عنه من الأعمال الصالحة في الدنيا, وذكر أنه
يدخل مع الرجل أبواه وولده وزوجته الجنة, وإن لم يكونوا عملوا عمله بفضل رحمة الله
إياه.
كما
حدثنا أبو هشام, قال: ثنا يحيى بن يمان العجلي, قال: ثنا شريك, عن سعيد, قال: يدخل
الرجل الجنة, فيقول: أين أبي, أين أمي, أين ولدي, أين زوجتي, فيقال: لم يعملوا مثل
عملك, فيقول: كنت أعمل لي ولهم, فيقال: أدخلوهم الجنة; ثم قرأ ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي
وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) .
فمن إذن,
إذ كان ذلك معناه, في موضع نصب عطفا على الهاء والميم في قوله ( وَأَدْخِلْهُمْ ) وجائز أن يكون نصبا على العطف
على الهاء والميم في وعدتهم (
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يقول: أنك أنت يا ربنا العزيز في انتقامه من أعدائه, الحكيم
في تدبيره خلقه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ( 9 )
يعني
تعالى ذكره بقوله مخبرا عن قيل ملائكته: وقِهِم: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم التي
كانوا أتوها قبل توبتهم وإنابتهم, يقولون: لا تؤاخذهم بذلك, فتعذبهم به ( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ
يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) يقول:
ومن تصرف عنه سوء عاقبة سيئاته بذلك يوم القيامة, فقد رحمته, فنجيته من عذابك ( وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ) لأنه
من نجا من النار وأدخل الجنة فقد فاز, وذلك لا شك هو الفوز العظيم.
وبنحو
الذي قلنا في معنى السيئات قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ) : أي العذاب .
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا معمر بن بشير, قال: ثنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة وعن
مطرف قال: وجدنا أنصح العباد للعباد ملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين, وتلا
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
... الآية.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال مطرف: وجدنا أغشّ عباد
الله لعباد الله الشياطين, ووجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ
تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا
اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ينادون في النار يوم القيامة إذا دخلوها, فمقتوا
بدخولهموها أنفسهم حين عاينوا ما أعدّ الله لهم فيها من أنواع العذاب, فيقال لهم:
لمقت الله إياكم أيها القوم في الدنيا, إذ تدعون فيها للإيمان بالله فتكفرون, أكبر
من مقتكم اليوم أنفسكم لما حل بكم من سخط الله عليكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) قال: مقتوا أنفسهم حين رأوا
أعمالهم, ومقت الله إياهم في الدنيا, إذ يدعون إلى الإيمان, فيكفرون أكبر.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ
تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في
الدنيا, فتركوه, وأبوا أن يقبلوا, أكبر مما مقتوا أنفسهم, حين عاينوا عذاب الله
يوم القيامة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) في النار ( إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى
الإيمَانِ ) في
الدنيا (
فَتَكْفُرُونَ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ
اللَّهِ ) ...
الآية, قال: لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم في معاصي الله التي ركبوها, فنودوا: إن
مقت الله إياكم حين دعاكم إلى الإسلام أشد من مقتكم أنفسكم اليوم حين دخلتم النار.
واختلف
أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: ( لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) فقال بعض أهل العربية من أهل
البصرة: هي لام الابتداء, كان ينادون يقال لهم, لأن في النداء قول. قال: ومثله في
الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو. وقال بعض نحويِّي الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن
مقت الله إياكم, ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أنّ زيدا قائم, قال:
ومثله قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ
حَتَّى حِينٍ اللام بمنـزلة « إن » في كل كلام ضارع القول مثل
ينادون ويخبرون, وأشباه ذلك.
وقال آخر
غيره منهم: هذه لام اليمين, تدخل مع الحكاية, وما ضارع الحكاية لتدلّ على أن ما
بعدها ائتناف. قال: ولا يجوز في جوابات الأيمان أن تقوم مقام اليمين, لأن اللام
كانت معها النون أو لم تكن, فاكتفي بها من اليمين, لأنها لا تقع إلا معها.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام
اليمين.
وقوله: ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا
اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قد أتينا عليه في سورة البقرة, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا
الموضع, ولكنا نذكر بعض ما قال بعضهم فيه.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال:
كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم, فأحياهم الله في الدنيا, ثم أماتهم الموتة التي لا
بد منها, ثم أحياهم للبعث يوم القيامة, فهما حياتان وموتتان.
وحُدثت
عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله:
(
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) هو قول الله كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: هو كقوله: كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ... الآية.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن
عبد الله, في قوله: (
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: هي كالتي في البقرة
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
حدثني
أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: ثنا عبثر, قال: ثنا حصين, عن أبي مالك في
هذه الآية (
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: خلقتنا ولم نكن شيئا ثم
أمتنا, ثم أحييتنا.
حدثني
يعقوب, قال: ثنا هشيم, عن حصين, عن أبي مالك, في قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قالوا:
كانوا أمواتا فأحياهم الله, ثم أماتهم, ثم أحياهم.
وقال
آخرون فيه ما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال:
أميتوا في الدنيا, ثم أحيوا في قبورهم, فسئلوا أو خوطبوا, ثم أميتوا في قبورهم, ثم
أحيوا في الآخرة.
وقال
آخرون في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا
اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق, وقرأ: وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقرأ حتى بلغ
الْمُبْطِلُونَ قال: فنساهم الفعل, وأخذ عليهم الميثاق, قال: وانتزع ضلعا من أضلاع
آدم القصرى, فخلق منه حواء, ذكره عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال:
وذلك قول الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا
وَنِسَاءً قال: بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا, وقرأ: يَخْلُقُكُمْ فِي
بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قال: خلقا بعد ذلك, قال: فلما
أخذ عليهم الميثاق, أماتهم ثم خلقهم في الأرحام, ثم أماتهم, ثم أحياهم يوم
القيامة, فذلك قول الله: (
رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا
بِذُنُوبِنَا ) , وقرأ
قول الله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا قال: يومئذ, وقرأ قول الله:
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ
إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا .
وقوله: ( فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا
) يقول:
فأقررنا بما عملنا من الذنوب في الدنيا ( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) يقول: فهل إلى خروج من النار
لنا سبيل, لنرجع إلى الدنيا, فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ
سَبِيلٍ ) : فهل
إلى كرّة إلى الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا
دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ
لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 )
وفي هذا
الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه; وهو: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك
هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ( بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) , فأنكرتم أن تكون الألوهة له
خالصة, وقلتم أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا .
( وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ
تُؤْمِنُوا ) يقول:
وإن يجعل لله شريك تصدّقوا من جعل ذلك له ( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) يقول: فالقضاء لله العلي على
كل شيء, الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم.
القول
في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ
آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ
يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ ( 14 )
يقول
تعالى ذكره: الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته ( وَيُنـزلُ لَكُمْ مِنَ
السَّمَاءِ رِزْقًا ) يقول
ينـزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض,
وغذاء أنعامكم عليكم ( وَمَا
يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ ) يقول:
وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته, فيعتبر بها ويتعظ, ويعلم حقيقة
ما تدل عليه, إلا من ينيب, يقول: إلا من يرجع إلى توحيده, ويقبل على طاعته.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِلا مَنْ يُنِيبُ ) قال: من يقبل إلى طاعة الله.
وقوله: ( فَادْعُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وللمؤمنين به, فاعبدوا الله
أيها المؤمنون له, مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه ( وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
) يقول:
ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان
والأنداد.
القول
في تأويل قوله تعالى : رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو
الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى
اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ
الْقَهَّارِ ( 16 )
يقول
تعالى ذكره: هو رفيع الدرجات; ورفع قوله: ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ) على الابتداء; ولو جاء نصبا على الرد على قوله: فادعوا
الله, كان صوابا. ( ذُو
الْعَرْشِ ) يقول:
ذو السرير المحيط بما دونه.
وقوله: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) يقول: ينـزل الوحي من أمره على من يشاء من عباده.
وقد
اختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع, فقال بعضهم: عني به الوحي.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده, قوله: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ ) قال:
الوحي من أمره.
وقال
آخرون: عني به القرآن والكتاب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
هارون بن إدريس الأصمّ, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ, عن جُوَيبر, عن
الضحاك في قوله: (
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) قال: يعني بالروح: الكتاب
ينـزله على من يشاء.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) , وقرأ: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ
أَمْرِنَا قال: هذا القرآن هو الروح, أوحاه الله إلى جبريل, وجبريل روح نـزل به
على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وقرأ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ
قال. فالكتب التي أنـزلها الله على أنبيائه هي الروح, لينذر بها ما قال الله يوم
التلاق, يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا قال: الروح: القرآن, كان
أبي يقوله, قال ابن زيد: يقومون له صفا بين السماء والأرض حين ينـزل جل جلاله.
وقال
آخرون: عني به النبوّة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قول الله: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) قال: النبوّة على من يشاء.
وهذه
الأقوال متقاربات المعاني, وإن اختلفت ألفاظ أصحابها بها.
وقوله: ( لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
) يقول:
لينذر من يلقي الروح عليه من عباده من أمر الله بإنذاره من خلقه عذاب يوم تلتقي
فيه أهل السماء وأهل الأرض, وهو يوم التلاق, وذلك يوم القيامة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس,
قوله: (
يَوْمَ التَّلاقِ ) من
أسماء يوم القيامة, عظمه الله, وحذّره عباده.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَوْمَ التَّلاقِ ) : يوم تلتقي فيه أهل السماء
وأهل الأرض, والخالق والخلق.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( يَوْمَ التَّلاقِ ) تلقي أهل السماء وأهل الأرض.
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( يَوْمَ التَّلاقِ ) قال: يوم القيامة. قال: يوم تتلاقى العباد.
وقوله: ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا
يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) يعني بقوله ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) يعني المنذرين الذين أرسل الله إليهم رسله لينذروهم وهم
ظاهرون يعني للناظرين لا يحول بينهم وبينهم جبل ولا شجر, ولا يستر بعضهم عن بعض
ساتر, ولكنهم بقاع صفصف لا أمت فيه ولا عوج . و « هم » من
قوله: (
يَوْمَ هُمْ ) في
موضع رفع بما بعده, كقول القائل: فعلت ذلك يوم الحجاج أمير.
واختلف
أهل العربية في العلة التي من أجلها لم تخفض هم بيوم وقد أضيف إليه؟ فقال بعض
نحويي البصرة: أضاف يوم إلى هم في المعنى, فلذلك لا ينوّن اليوم, كما قال: يَوْمَ
هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ وقال: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ومعناه: هذا
يوم فتنتهم, ولكن لما ابتدأ بالاسم, وبنى عليه لم يقدر على جرّه, وكانت الإضافة في
المعنى إلى الفتنة, وهذا إنما يكون إذا كان اليوم في معنى إذ, وإلا فهو قبيح; ألا
ترى أنك تقول: ليتك زمن زيد أمير: أي إذ زيد أمير, ولو قلت: ألقاك زمن زيدٌ أمير,
لم يحسن. وقال غيره: معنى ذلك: أن الأوقات جعلت بمعنى إذ وإذا, فلذلك بقيت عل
نصبها في الرفع والخفض والنصب, فقال: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فنصبوا, والموضع
خفض, وذلك دليل على أنه جعل موضعَ الأداة, ويجوز أن يعرب بوجوه الإعراب, لأنه ظهر
ظهور الأسماء; ألا ترى أنه لا يعود عليه العائد كما يعود على الأسماء, فإن عاد
العائد نوّن وأعرب ولم يضف, فقيل: أعجبني يوم فيه تقول, لما أن خرج من معنى
الأداة, وعاد عليه الذكر صار اسما صحيحا. وقال: وجائز فى إذ أن تقول: أتيتك إذ
تقوم, كما تقول: أتيتك يوم يجلس القاضي, فيكون زمنا معلوما, فأما أتيتك يوم تقوم
فلا مؤنة فيه وهو جائز عند جميعهم, وقال: وهذه التي تسمى إضافة غير محضة.
والصواب
من القول عندي في ذلك, أن نصب يوم وسائر الأزمنة في مثل هذا الموضع نظير نصب
الأدوات لوقوعها مواقعها, وإذا أعربت بوجوه الإعراب, فلأنها ظهرت ظهور الأسماء,
فعوملت معاملتها.
وقوله: ( لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ
مِنْهُمْ ) أي ولا
من أعمالهم التي عملوها في الدنيا ( شَيْءٌ ) .
وكان
قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا
يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) ولكنهم برزوا له يوم القيامة, فلا يستترون بجبل ولا مدر.
وقوله: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) يعني بذلك: يقول الربّ: لمن
الملك اليوم; وترك ذكر « يقول » استغناء بدلالة الكلام عليه.
وقوله: (
لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) وقد
ذكرنا الرواية الواردة بذلك فيما مضى قبل. ومعنى الكلام: يقول الربّ: لمن السلطان
اليوم؟ وذلك يوم القيامة, فيحيب نفسه فيقول: ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ ) الذي لا مثل له ولا شبيه ( القَهَّارِ ) لكلّ شيء سواه بقدرته, الغالب بعزّته.
القول
في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 17
)
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب: ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) يقول:
اليوم يثاب كلّ عامل بعمله, فيوفى أجر عمله, فعامل الخير يجزى الخير, وعامل الشر
يجزى جزاءه.
وقوله: ( لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) يقول: لا بخس على أحد فيما
استوجبه من أجر عمله في الدنيا, فينقص منه إن كان محسنا, ولا حُمِل على مسيء إثم
ذنب لم يعمله فيعاقب عليه ( إِنَّ
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يقول:
إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا; ذُكر
أن ذلك اليوم لا يَنْتَصِف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة , وأهل النار في النار,
وقد فرغ من حسابهم, والقضاء بينهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي
الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ
دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة, يعنى يوم القيامة, أن
يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة, فيستحقوا من الله عقابه الأليم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( يَوْمَ الآزِفَةِ ) قال: يوم القيامة.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) يوم القيامة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) قال: يوم القيامة.
حدثنا
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
الآزِفَةِ ) قال:
يوم القيامة, وقرأ: أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ
كَاشِفَةٌ .
وقوله: ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى
الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) يقول
تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم,
فتعلقت بحلوقهم كاظميها, يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع, ولا هي
تخرج من أبدانهم فيموتوا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ) قال: قد وقعت القلوب في
الحناجر من المخافة, فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) قال: شخصت أفئدتهم عن
أمكنتها, فنشبت في حلوقهم, فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا, ولم ترجع إلى أمكنتها
فتستقرّ.
واختلف
أهل العربية في وجه النصب (
كَاظِمِينَ ) فقال
بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال, كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه
الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة, كأنه قال: إذا
قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي
يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر, المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال:
فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله ( وَأَنْذِرْهُمْ ) قال: والأول أجود في العربية, وقد تقدّم بيان وجه ذلك.
وقوله: ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ ) يقول
جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم لهم, فيدفع عنهم عظيم ما نـزل بهم
من عذاب الله, ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع, ويُجاب فيما سأل.
وبنحو
الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ ) قال: من يعنيه أمرهم, ولا
شفيع لهم. وقوله: ( يطاع ) صلة للشفيع. ومعنى الكلام: ما
للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع, فأجيب وقبلت شفاعته له.
وقوله: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأعْيُنِ ) يقول
جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده, وما أخفته صدورهم,
يعني: وما أضمرته قلوبهم; يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه,
ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره, وما ينوي ذلك بقلبه ( وَاللَّهُ يَقْضِي
بِالْحَقِّ ) يقول:
والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها, وأخفته الصدور عند نظر العيون
بالحق, فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم, وصرفوها عن محارمه حذارَ الموقف بين يديه, ومسألته
عنه بالحُسنى, والذين ردّدوا النظر, وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدّرت,
جزاءها.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عبد الله بن أحمد المَرْوَزِيّ, قال: ثنا عليّ بن حسين بن واقد قال: ثني أبي, قال:
ثنا الأعمش, قال: ثنا سعيد بن جبير, عن ابن عباس ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ ) إذا نظرت إليها تريد الخيانة
أم لا ( وَمَا
تُخْفِي الصُّدُورُ ) إذا
قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ قال: ثم سكت, ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت
نعم, قال: (
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) قادر
على أن يجزي بالحسنة الحسنة, وبالسيئة السيئة ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) قال الحسن: فقلت للأعمش:
حدثني الكلبيّ, إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة, وبالحسنة
عشرا. وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبيّ عندي, ما خرج مني إلا بحقير.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأعْيُنِ ) قال:
نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( خَائِنَةَ الأعْيُنِ ) : أي يعلم همزه بعينه,
وإغماضه فيما لا يحبّ الله ولا يرضاه.
وقوله: ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ
دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) يقول:
والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون
بشيء, لأنها لا تعلم شيئا, ولا تقدر على شيء, يقول جلّ ثناؤه لهم: فاعبدوا الذي
يقدر على كل شيء, ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم, فيجزي محسنكم بالإحسان, والمسيء
بالإساءة, لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا, فيعرف المحسن من المسيء, فيثيب
المحسن, ويعاقب المسيء.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) يقول:
إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس, البصير بما تفعلون من الأفعال,
محيط بكل ذلك محصيه عليكم, ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة: « وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ
دُونِهِ » بالتاء
على وجه الخطاب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء على وجه الخبر.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ
فمصيب.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ
كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ
اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ( 21 )
يقول
تعالى ذكره: أو لم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله, المكذبون رسوله من قريش,
في البلاد, (
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول: فيروا ما الذي كان
خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم, في الكفر بالله,
وتكذيب رسله (
كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) يقول: كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا,
وأبقى في الأرض آثارا, فلم تنفعهم شدة قواهم, وعظم أجسامهم, إذ جاءهم أمر الله,
وأخذهم بما أجرموا من معاصيه, واكتسبوا من الآثام, ولكنه أباد جمعهم, وصارت
مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا ( وَمَا
كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) يقول: وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم, من واق يقيهم,
فيدفعه عنهم.
كالذي
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ
اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) يقيهم,
ولا ينفعهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ
تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ
قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 22 )
يقول
تعالى ذكره: هذا الذي فعلت بهؤلاء الأمم الذين من قبل مشركي قريش من إهلاكنا لهم
بذنوبهم فعلنا بهم بأنهم كانت تأتيهم رسل الله إليهم بالبيّنات, يعني بالآيات
الدالات على حقيقة ما تدعوهم إليه من توحيد الله, والانتهاء إلى طاعته ( فَكَفَرُوا ) يقول: فانكروا رسالتها,
وجحدوا توحيد الله, وأبوا أن يطيعوا الله ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ) يقول: فأخذهم الله بعذابه فأهلكهم ( إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ) يقول:
إن الله ذو قوّة لا يقهره شيء, ولا يغلبه, ولا يعجزه شيء أراده, شديد عقابه من
عاقب من خلقه، وهذا وعيد من الله مشركي قريش, المكذّبين رسوله محمدا صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول لهم جلّ ثناؤه: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في
تكذيب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وجحود توحيد الله, ومخالفة أمره ونهيه
فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلَكَهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ
فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره مُسَلِّيا نبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, عما كان يلقى من
مشركي قومه من قريش, بإعلامه ما لقي موسى ممن أرسل إليه من التكذيب, ومخيره أنه
معليه عليهم, وجاعل دائرة السَّوْء على من حادّه وشاقَّه, كسنته في موسى صلوات
الله عليه, إذ أعلاه, وأهلك عدوه فرعون ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ) : يعني بأدلته. ( وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : كما حدثنا بشر, قال: ثنا
يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, ( وَسُلْطَانٍ
مُبِينٍ ) : أي
عذر مبين, يقول: وحججه المبينة لمن يراها أنها حجة محققة ما يدعو إليه موسى ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) يقول: فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى: هو ساحر
يسحر العصا, فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى.
( كَذَّابٌ ) يقول: يكذب على الله, ويزعم
أنه أرسله إلى الناس رسولا.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ
بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ( 25 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاء موسى هؤلاء الذين أرسله الله إليهم بالحق من عندنا, وذلك
مجيئه إياهم بتوحيد الله, والعمل بطاعته, مع إقامة الحجة عليهم, بأن الله ابتعثه
إليهم بالدعاء إلى ذلك (
قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله (
مَعَهُ ) من بني
إسرائيل (
وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) يقول:
واستبقوا نساءهم للخدمة.
فإن قال
قائل: وكيف قيل (
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ
الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) , وإنما كان قتل فرعون
الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه, وهلاك
قومه, وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيًّا؟ قيل: إن هذا الأمر بقتل
أبناء الذين آمنوا مع موسى, واستحياء نسائهم, كان أمرا من فرعون وملئه من بعد
الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ
بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) قال:
هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان.
وقوله: ( وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ
إِلا فِي ضَلالٍ ) يقول:
وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله إلا في جوز عن سبيل الحقّ, وصدّ عن قصد
المحجة, وأخذ على غير هدى.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي
أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ
أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ( 26 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ) لملئه:
(
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) يقول:
إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: ( أَوْ
أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والشأم والبصرة: « وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ
الفَسَادَ » بغير
ألف, وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة, وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( أوْ أن ) بالألف, وكذلك ذلك في مصاحفهم
«
يَظْهَرَ فِي الأرْضِ » بفتح
الياء ورفع الفساد.
والصواب
من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى,
وذلك أن الفساد إذا أظهره مظهرا كان ظاهرا, وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر, ففي
القراءة بإحدى القراءتين فى ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى. وأما القراءة في:
( أَوْ
أَنْ يُظْهِرَ ) بالألف
وبحذفها, فإنهما أيضا متقاربتا المعنى, وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن
خلافه المبدل إليه الأوّل هو الظاهر دون المبدل, فسواء عطف على خبره عن خوفه من
موسى أن يبدّل دينهم بالواو أو بأو, لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد, وظهور
الفساد كان عنده هو تبديل الدين.
فتأويل
الكلام إن: إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه, أو أن يظهر في أرضكم
أرض مصر, عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته, وذلك كان عنده هو الفساد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) : أي أمركم الذي أنتم عليه ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي
الأرْضِ الْفَسَادَ )
والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ
بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (
27 ) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ
يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 )
يقول
تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم, من كلّ
متكبر عليه, تكبر عن توحيده, والإقرار بألوهيته وطاعته, لا يؤمن بيوم يحاسب الله
فيه خلقه, فيجازي المحسن بإحسانه, والمسيء بما أساء; وإنما خص موسى صلوات الله
وسلامه عليه, الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب, لأن من لم يؤمن بيوم
الحساب مصدقا, لم يكن للثواب على الإحسان راجيا, ولا للعقاب على الإساءة, وقبيح ما
يأتي من الأفعال خائفا, ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة.
وقوله: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن, فقال بعضهم: كان من
قوم فرعون, غير أنه كان قد آمن بموسى, وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفا على
نفسه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) قال: هو ابن عم فرعون.
ويقال:
هو الذي نجا مع موسى, فمن قال هذا القول, وتأوّل هذا التأويل, كان صوابا الوقف إذا
أراد القارئ الوقف على قوله: ( مِنْ
آلِ فِرْعَوْنَ ) , لأن
ذلك خبر متناه قد تمّ.
وقال
آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا, ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.
والصواب
على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) لأن قوله: ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) صلة لقوله: ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) فتمامه قوله: يكتم إيمانه,
وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل, كذلك حدثنا ابن حميد, قال:
ثنا سلمة, عن ابن إسحاق.
وأولى
القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السديّ من أن الرجل المؤمن كان من آل
فرعون, قد أصغى لكلامه, واستمع منه ما قاله, وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله.
وقيله ما قاله. وقال له: ما أريكم إلا ما أرى, وما أهديكم إلا سبيل الرشاد, ولو
كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له, ولملئه ما قال بالعقوبة على
قوله, لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل, لاعتداده إياهم أعداء له, فكيف بقوله عن
قتل موسى لو وجد إليه سبيلا؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه, استمع قوله, وكفّ عما كان
همّ به في موسى.
وقوله: ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) يقول:
أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟ فإن في موضع نصب لما وصفت. ( وَقَدْ جَاءَكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ ) يقول:
وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك. وتلك البيّنات من الآيات
يده وعصاه.
كما
حدثنا ابن حميد, قال. ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) بعصاه وبيده.
وقوله: ( وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا
فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) يقول:
وإن يك موسى كاذبا في قيله: إن الله أرسله إليك يأمركم بعبادته, وترك دينكم الذي
أنتم عليه, فإنما إثم كذبه عليه دونكم ( وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي
يَعِدُكُمْ ) يقول:
وإن يك صادقا في قيله ذلك, أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين
الذي أنتم عليه مقيمون, فلا حاجة بكم إلى قتله, فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم
بكفركم سخطا ( إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) يقول: إن الله لا يوفّق للحقّ من هو متعد إلى فعل ما ليس له
فعله, كذّاب عليه يكذب, ويقول عليه الباطل وغير الحقّ.
وقد
اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع, فقال بعضهم:
عني به الشرك, وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال. ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) : مشرك أسرف على نفسه بالشرك.
وقال
آخرون: عنى به من هو قتَّال سفَّاك للدماء بغير حق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) قال: المسرف: هو صاحب الدم,
ويقال: هم المشركون.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) والشرك
من الإسراف, وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف, وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران
كلاهما, فالحقّ أن يعم ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله, أنه عم القول بذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ
جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا
سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 29 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ ) يعني: أرض مصر, يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم
على بنى إسرائيل في أرض مصر (
فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ ) يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا, وعقوبته أن
جاءتنا, قال فرعون ( مَا
أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى ) يقول:
قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما أريكم أيها الناس من الرأي
والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا, وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول:
وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله, فإنكم إن لم تقتلوه بدل
دينكم, وأظهر في أرضكم الفساد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا
قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ
قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ
يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ( 31 )
يقول
تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملثه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم
موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل الله نوح وهود وصالح,
فأهلكهم الله بتجرّئهم عليه, فيهلككم كما أهلكهم.
وقوله: ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم
مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم. وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى
بشواهده, المغنية عن إعادته, مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه.
وقد
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) يقول: مثل حال.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) قال: مثل ما أصابهم.
وقوله: ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
) يعني
قوم إبراهيم, وقوم لوط, وهم أيضا من الأحزاب.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
) قال:
هم الأحزاب.
وقوله: ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ
ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ) يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه
الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه, لأنه لا يريد
ظلم عباده, ولا يشاؤه, ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به, وخلافهم أمره.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ
مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لفرعون وقومه: ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ ) بقتلكم
موسى إن قتلتموه عقاب الله (
يَوْمَ التَّنَادِ ) .
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
يَوْمَ التَّنَادِ ) فقرأ
ذلك عامة قرّاء الأمصار: (
يَوْمَ التَّنَادِ ) بتخفيف
الدال, وترك إثبات الياء, بمعنى التفاعل, من تنادى القوم تناديا, كما قال جلّ
ثناؤه: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا
وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا
نَعَمْ وقال: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا
عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ فلذلك تأوله قارئو ذلك كذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ, قال: ثنا سعيد, عن قتادة أنه
قال في هذه الآية (
يَوْمَ التَّنَادِ ) قال:
يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ) يوم
ينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا
فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا وينادي أهل النار أهل الجنة أَنْ
أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَوْمَ التَّنَادِ ) قال: يوم القيامة ينادي أهل
الجنة أهل النار.
وقد روي
عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في معنى ذلك على هذه القراءة تأويل
آخر على غير هذا الوجه.
وهو ما
حدثنا به أبو كريب, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن إسماعيل بن رافع
المدني, عن يزيد بن زياد, عن محمد بن كعب القرظيّ, عن رجل من الأنصار, عن أبي
هريرة, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: « يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ
بالنَّفْخَةِ الأولَى, فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَفَزِعَ أهْلُ
السَّمَاوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ الله, وَيَأْمُرُهُ الله أنْ
يُدِيمَهَا وَيُطَوِّلَهَا فَلا يَفْتَرُ, وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ: وَمَا
يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيِّرُ
اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونَ سَرَابًا, فَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا, وَهِيَ
التي يَقُولُ اللهُ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ *
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ كالسَّفِينَة المُرْتَعَةِ فِي البَحْرِ
تَضرِبُها الأمْوَاجُ تَكْفَأُ بأهْلِهَا, أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بالعَرْشِ
تَرُجُّهُ الأرْوَاحُ, فَتَمِيدُ النَّاسَ عَلى ظَهْرِها, فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ,
وَتَضَعُ الحَوَامِلُ, وَتَشِيبُ الوِلْدَانُ, وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً
حتى تأتي الأقْطارَ, فَتَلَقَّاها المَلائِكَةُ, فَتَضْرِبُ وُجُوهَها, فَتَرْجِعَ
وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ, يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا, وَهُوَ الَّذِي
يَقُولُ الله: (
يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ
عَاصِمٍ ) » .
فعلى هذا
التأويل معنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا من فزع
نفخة الفزع.
وقرأ ذلك
آخرون: « يَوْمَ
التَّنَادِّ » بتشديد
الدال, بمعنى: التفاعل من النَّدّ, وذلك إذا هربوا فنَدُّوا في الأرض, كما تَنِدّ
الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها.
ذكر
من قال ذلك, وذكر
المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك.
حدثني
موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأجلح, قال: سمعت الضحاك
بن مزاحم, قال: إذا كان يوم القيامة, أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها,
ونـزل من فيها من الملائكة, فأحاطوا بالأرض ومن عليها, ثم الثانية, ثم الثالثة, ثم
الرابعة, ثم الخامسة, ثم السادسة, ثم السابعة, فصفوا صفا دون صف, ثم ينـزل الملك
الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم, فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قطرا من أقطار
الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة, فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه,
فذلك قول الله: (
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ) وذلك قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ وقوله: يَا مَعْشَرَ
الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ وذلك قوله:
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَائِهَا .
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( يَوْمَ التَّنَادِ ) قال: تَنِدون ورُوِي عن الحسن
البصري أنه قرأ ذلك: « يَوْمَ
التَّنَادِي » بإثبات
الياء وتخفيف الدال.
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار, وهو تخفيف الدال وبغير إثبات
الياء, وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار, وغير
جائز خلافها فيما جاءت به نقلا. فإذا كان ذلك هو الصواب, فمعنى الكلام: ويا قوم
إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا, إما من هول ما قد عاينوا من عظيم
سلطان الله, وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم, وإما لتذكير بعضُهم بعضا إنجاز
إلله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا, واستغاثة من بعضهم ببعض, مما لقي من عظيم
البلاء فيه.
وقوله: ( يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ )
فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم: « يَوْمَ
يُوَلُّونَ هارِبينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللهِ وَعِقابِهِ عِنْدَ
مُعَايَنَتِهم جَهَنَّمَ » .
وتأويله
على التأويل الذي قاله قَتادة في معنى ( يَوْمَ التَّنَادِ ) : يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم.
وبنحو
ذلك روي الخبر عنه, وعمن قال نحو مقالته في معنى ( يَوْمَ التَّنَادِ ) .
ذكر
من قال ذلك.
حدثنا
بشر, قال. ثنا يزيد, قال. ثنا سعيد, عن قتادة ( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ) : أي منطَلقا بكم إلى النار.
وأولى
القولين في ذلك بالصواب, القول الذي رُوي عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم, وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ, وبه قال جماعه من
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال. ثنا أبو عاصم, قال. ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ ) قال:
فارّين غير معجزين.
وقوله: ( مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ
مِنْ عَاصِمٍ ) يقول:
ما لكم من الله مانع يمنعكم, وناصر ينصركم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال. ثنا سعيد, عن قتادة ( مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) : أي من ناصر.
وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يقول:
ومن يخذله الله فلم يوفّقه لرشده, فما له من موفّق يوفّقه له.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ
مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ
حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ( 34 )
يقول
تعالى ذكره: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب يا قوم من قبل موسى بالواضحات من حجج الله.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ
مِنْ قَبْلُ ) قال:
قبل موسى.
وقوله: ( فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ
مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ) يقول:
فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم غير موقني القلوب بحقيقته ( حَتَّى إِذَا هَلَكَ ) يقول: حتى إذا مات يوسف قلتم
أيها القوم: لن يبعث الله من بعد يوسف إليكم رسولا بالدعاء إلى الحقّ ( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) يقول:
هكذا يصد الله عن إصابة الحقّ وقصد السبيل من هو كافر به مرتاب, شاكّ فى حقيقة
أخبار رسله.
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي
آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ
وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ
مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون: ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) فقوله « الذين » مردود على « من » في قوله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ .
وتأويل الكلام: كذلك يضلّ الله أهل الإسراف والغلوّ في ضلالهم بكفرهم بالله,
واجترائهم على معاصيه, المرتابين في أخبار رسله, الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم
بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحُجَج ( بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) يقول: بغير حجة أتتهم من عند
ربهم يدفعون بها حقيقة الحُجَج التي أتتهم بها الرسل; و « الذين » إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا
في موضع نصب ردًّا على « مَن » .
وقوله: ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ
اللَّهِ ) يقول:
كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله, ( وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله; وإنما نصب قوله: ( مَقْتا ) لما في قوله ( كَبُرَ ) من ضمير الجدال, وهو نظير
قوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فنصب كلمة من نصبها, لأنه
جعل في قوله: (
كَبُرَتْ ) ضمير
قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة.
وقوله: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في
آيات الله بغير سلطان أتاهم, كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده,
ويصدّق رسله. جبار: يعني متعظم عن اتباع الحقّ.
واختلفت
القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار, خلا أبي عمرو بن العلاء, على: ( كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) بإضافة القلب إلى المتكبر,
بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها; ومن كان ذلك قراءته, كان
قوله « جبار » . من نعت « متكبر » . وقد روي عن ابن مسعود أنه
كان يقرأ ذلك «
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ » .
حدثني
بذلك ابن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثني حجاج, عن هارون أنه كذلك في حرف ابن
مسعود, وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب
إلى المتكبر, لأن تقديم « كل » قبل القلب وتأخيرها بعده لا
يغير المعنى, بل معنى ذلك في الحالتين واحد. وقد حُكي عن بعض العرب سماعا: هو
يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة, يعني: كلّ يوم جمعة. وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين
القلب وترك إضافته إلى متكبر, وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب.
وأولى
القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر, لأن
التكبر فعل الفاعل بقلبه, كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده, فإن
الفعل مضاف إليه, وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر. وإن كان بها التكبر, فإن
الفعل إلى فاعله مضاف, نظير الذي قلنا في القتل, وذلك وإن كان كما قلنا, فإن
الأخرى غير مدفوعة, لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان, ورأت عيناه كذا,
وفهم قلبه, فتضيف الأفعال إلى الجوارح, وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا
هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ( 36 ) أَسْبَابَ
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا
كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ( 37 )
يقول
تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى
نبيّ الله وحذره من بأس الله على قيله أقتله ما حذره لوزيره وزير السوء هامان: ( يَا هَامَانُ ابْنِ لِي
صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ ) يعني بناء. وقد بيَّنا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما
أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
( لَعَلِّي أَبْلُغُ
الأسْبَابَ ) اختلف
أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع, فقال بعضهم: أسباب السماوات: طرقها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أحمد بن هشام, قال: ثنا عبد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن السديّ, عن أبي صالح ( أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) قال: طرق السموات.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( أَبْلُغُ الأسْبَابَ
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) قال:
طُرُق السموات.
وقال
آخرون: عني بأسباب السموات: أبواب السموات.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ) وكان أول من بنى بهذا الآجر
وطبخه (
لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) : أي أبواب السموات.
وقال
آخرون: بل عُنِي به مَنـزل السماء.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) قال: مَنـزل السماء.
وقد
بيَّنا فيما مضى قبل, أن السبب: هو كل ما تسبب به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل
وسلم وطريق وغير ذلك.
فأولى
الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسبابا أتسبب
بها إلى رؤية إله موسى, طرقا كانت تلك الأسباب منها, أو أبوابا, أو منازل, أو غير
ذلك.
وقوله: ( فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى ) اختلف
القرّاء في قراءة قوله: (
فَأَطَّلِعَ ) فقرأت
ذلك عامة قرّاء الأمصار: «
فَأَطَّلِعُ » بضم
العين: ردًا على قوله: (
أَبْلُغُ الأسْبَابَ ) وعطفا
به عليه. وذكر عن حميد الأعرج أنه قرأ ( فَأَطَّلِعَ ) نصبا جوابا للعلي, وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده:
عَــلَّ
صُـرُوفَ الدَّهْـرِ أوْ دُولاتِهـا يُدِلْنَنـــا اللَّمَّــةَ مِــنْ
لَمَّاتِهــا
فَتَسْتَرِيحَ
النَّفْسُ مِنْ زَفَرَاتِهَا
فنصب
فتستريح على أنها جواب للعلّ.
والقراءة
التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك, لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
وقوله: ( وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا
) يقول:
وإني لأظنّ موسى كاذبا فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء ربا أرسله إلينا.
وقوله: ( وَكَذَلِكَ زُيِّنَ
لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ ) يقول
الله تعالى ذكره: وهكذا زين الله لفرعون حين عتا عليه وتمرّد, قبيحَ عمله, حتى
سوّلت له نفسه بلوغ أسباب السموات, ليطلع إلى إله موسى.
وقوله: ( وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك,
فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة: ( وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) بضم الصاد, على وجه ما لم يُسَمّ فاعله.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) قال: فُعِل ذلك به, زين له
سوء عمله, وصُدَّ عن السبيل.
وقرأ ذلك
حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة « وَصَدَّ » بفتح
الصاد, بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعث بها موسى استكبارا.
والصواب
من القول فى ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار, فبأيتهما قرأ
القارئ فمصيب.
وقوله: ( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ
إِلا فِي تَبَابٍ ) يقول
تعالى ذكره: وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى, إلا في خسار وذهاب
مال وغبن, لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلا ولم ينل بما أنفق شيئا مما
أراده, فذلك هو الخسار والتباب.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ
إِلا فِي تَبَابٍ ) يقول:
في خُسران.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا,, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فِي تَبَابٍ ) قال: خسار.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ) : أي في ضلال وخسار.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ
إِلا فِي تَبَابٍ ) قال:
التَّباب والضَّلال واحد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا
قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 38 ) يَا قَوْمِ إِنَّمَا
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (
39 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن المؤمن بالله من آل فرعون ( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ ) من قوم فرعون لقومه: ( يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) يقول: إن اتبعتموني فقبلتم
مني ما أقول لكم, بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك
هو دين الله الذي ابتعث به موسى. يقول: ( إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) يقول لقومه: ما هذه الحياة
الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم
بالغوه, ثم تموتون وتزول عنكم (
وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) يقول: وإن الدار الآخرة, وهي دار القرار التي تستقرّون فيها
فلا تموتون ولا تزول عنكم, يقول: فلها فاعملوا, وإياها فاطلبوا.
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله: (
وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) استقرت الجنة بأهلها,
واستقرّت النار بأهلها.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا
يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
( 40 )
يقول: من
عمل بمعصية الله في هذه الحياة الدنيا, فلا يجزيه الله في الآخرة إلا سيئة مثلها,
وذلك أن يعاقبه بها; (
وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ) يقول: ومن عمل بطاعة الله فى الدنيا, وائتمر لأمره, وانتهى
فيها عما نهاه عنه من رجل أو امرأة, وهو مؤمن بالله ( فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ ) يقول:
فالذين يعملون ذلك من عباد الله يدخلون في الآخرة الجنة.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا ) أي شركا, « السيئة عند قتادة شرك » ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا ) , أي خيرا ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) .
وقوله: ( يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ
حِسَابٍ ) يقول:
يرزقهم الله في الجنة من ثمارها, وما فيها من نعيمها ولذاتها بغير حساب.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ
حِسَابٍ ) قال:
لا والله ما هناكم مكيال ولا ميزان.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَا قَوْمِ مَا لِي
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي
لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا
أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى
النَّجَاةِ ) من
عذاب الله وعقوبته بالإيمان به, واتباع رسوله موسى, وتصديقه فيما جاءكم به من عند
ربه (
وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) يقول:
وتدعونني إلى عمل أهل النار.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى
النَّجَاةِ ) قال:
الإيمان بالله.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى
النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) قال هذا مومن آل فرعون, قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة
معهم.
وقوله: ( تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) يقول: وأشرك بالله في عبادته
أوثانا, لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها فى عبادة الله, لأن الله لم يأذن
لي في ذلك بخبر ولا عقل.
وقوله: ( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) يقول:
وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به, الذي لا يمنعه إذا انتقم من
عدوّ له شيء, الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته إياه, لعفوه عنه, فلا يضرّه شيء مع
عفوه عنه, يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا, لا ما لا ضرّ عنده ولا نفع.
القول
في تأويل قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّمَا
تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
( 43 )
يقول:
حقا أن الذي تدعونني إليه من الأوثان, ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة, لأنه
جماد لا ينطق, ولا يفهم شيئا.
و بنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي
الدُّنْيَا ) قال:
الوثن ليس بشيء.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي
الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) : أي
لا ينفع ولا يضرّ.
حدثنا محمد,
قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي
الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) .
وقوله: ( وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى
اللَّهِ ) يقول:
وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) يقول: وإن المشركين بالله
المتعدّين حدوده, القتلة النفوس التي حرم الله قتلها, هم أصحاب نار جهنم عند
مرجعنا إلى الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا
الموضع, فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة,
عن مجاهد, في قوله: (
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: هم السفَّاكون الدماء بغير حقها.
حدثنا
عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قول الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ) قال:
هم السفاكون الدماء بغير حقها.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) قال: السفاكون الدماء بغير
حقها, هم أصحاب النار.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ) قال:
سماهم الله مسرفين, فرعون ومن معه.
وقال
آخرون: هم المشركون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) : أي المشركون. وقد بيَّنا
معنى الإسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.
وإنما
اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا, لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه,
إنما قصد فرعون به لكفره, وما كان همّ به من قتل موسى, وكان فرعون عاليا عاتيا في
كفر. سفاكا للدماء التي كان محرّما عليه سفكها, وكلّ ذلك من الإسراف, فلذلك اخترنا
ما اخترنا من التأويل في ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ
لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (
44 ) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ ( 45 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم
إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم, ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول, وحقيقة ما أخبركم
به من أن المسرفين هم أصحاب النار.
كما
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ
لَكُمْ ) , فقلت
له: أو ذلك في الأخرة؟ قال: نعم.
وقوله: ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى
اللَّهِ ) يقول:
وأسلم أمري إلى الله, وأجعله إليه وأتوكل عليه, فإنه الكافي من توكل عليه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) قال: أجعل أمري إلى الله.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ) يقول:
إن الله عالم بأمور عباده, ومن المطيع منهم, والعاصي له, والمستحق جميل الثواب,
والمستوجب سيئ العقاب.
وقوله: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) يقول
تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى,
مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء, فنجاه منه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) قال: وكان قبطيا من قوم
فرعون, فنجا مع موسى, قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت
يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك, فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى:
لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ, ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟
فيقول: أمامك, فيقول: وهل أمامي إلا البحر, فيقول: لا والله ما كذبت, ولا كذبت,
حتى أتى على البحر فضربه بعصاه, فانفلق اثني عشر طريقا, لكل سبط طريق.
وقوله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ
سُوءُ الْعَذَابِ ) يقول:
وحل بآل فرعون ووجب عليهم; وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من
قومه.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قول الله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ
سُوءُ الْعَذَابِ ) قال:
قوم فرعون.
وعني
بقوله: ( سُوءَ
الْعَذَابِ ) : مأ
ساءهم من عذاب الله, وذلك نار جهنم .
القول
في تأويل قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( 46 )
يقول
تعالى ذكره مبيِّنا عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي
حاق بهم من سوء عذاب الله (
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) إنهم
لما هلكوا وغرقهم الله, جعلت أرواحهم في أجواف طير سود, فهي تعرض على النار كلّ
يوم مرتين (
غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) إلى أن
تقوم الساعة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي قيس, عن الهذيل بن
شرحبيل, قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار, وذلك عرضها.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: بلغني أن أرواح قوم فرعون
في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيًّا, حتى تقوم الساعة.
حدثنا
عبد الكريم بن أبي عمير, قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي, قال: سمعت
الأوزاعيّ وسأله رجل فقال: رحمك الله, رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب
بيضا, فوجا فوجا, لا يعلم عددها إلا الله, فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُودا, قال:
وفطنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم, قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون
يُعرضون على النار غدوّا وعشيًّا, فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها, وصارت
سوداء, فتنبت عليها من الليل رياش بيض, وتتناثر السود, ثم تغدو, ويُعرضون على
النار غدوّا وعشيا, ثم ترجع إلى وكورها, فذلك دَأبُها في الدنيا; فإذا كان يوم
القيامة, قال الله (
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستّ مئة ألف مقاتل.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني حرملة, عن سليمان بن حميد, قال: سمعت محمد بن
كعب القرظي يقول: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار, وإنما هو بُكرة وعشيّ, وذلك في
القرآن في آل فرعون (
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) وكذلك قال لأهل الجنة وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً
وَعَشِيًّا .
وقيل:
عنى بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوّا وعشيّا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) قال: يعرضون عليها صباحا
ومساء, يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم, توبيخا ونقمة وصغارا لهم.
حدثنا
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) قال: ما كانت الدنيا.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّا
وعشيّا. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال
مثل قوله, وأن يكون كما قال قتادة, ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به, فلا في
ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن, وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا, وأصل
الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا.
وكان بعض
نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر, كما تقول: أتيته ظلاما; جعله ظرفا وهو
مصدر. قال: ولو قلت: موعدك غدوة, أو موعدك ظلام, فرفعته, كما تقول: موعدك يوم
الجمعة, لم يحسن, لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا; قال:
والظرف كله ليس بمتمكن; وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات, وإن كانت
مصادر, إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح, كما قال جلّ ثناؤه: غُدُوُّهَا
شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فرفع, وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان شهران قالوا:
ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحيانا, وقالوا:
إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين, فلما كان تأويله الإضافة
نصب.
وقوله: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز
والعراق سوى عاصم وأبي عمرو (
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ) بفتح الألف من أدخلوا في
الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرئ ذلك كذلك, كان الآل نصبا
بوقوع أدخلوا عليه, وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخُلُوا » بوصل الألف وسقوطها في الوصل
من اللفظ, وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة, ومن قرأ ذلك كذلك, كان الآل على
قراءته نصبا بالنداء, لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ
العذاب.
والصواب
من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل
واحدة منهما جماعة من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم
تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب, فهذا على قراءة من
وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع, ومعناه على القراءة الأخرى, ويوم تقوم الساعة يقول
الله لملائكته (
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي
النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ( 47 ) قَالَ
الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ
الْعِبَادِ ( 48 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ , ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي
النَّارِ ) يقول:
وإذ يتخاصمون في النار. وعنى بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم بإنذارهم من مشركي قومه في النار, فيقول الضعفاء منهم وهم
المتبعون على الشرك بالله (
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ) تقول
لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله
(
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ ) اليوم
(
عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ) يعنون
حظا فتخففوه عنا, فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا, ومن قبلكم أتينا, لولا أنتم
لكنا في الدنيا مؤمنين, فلم يصبنا اليوم هذا البلاء; والتبع يكون واحدا وجماعة في
قول بعض نحويي البصرة, وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له, لأنه كالمصدر.
قال: وإن شئت كان واحده تابع, فيكون مثل خائل وخول, وغائب وغيب.
والصواب
من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده. تابع, وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه
أتباع. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم; قال الذين استكبروا, وهم الرؤساء
المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون,
لا خلاص لنا منها ( إِنَّ
اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) بفصل قضائه, فأسكن أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, فلا
نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون, ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون، ورفع قوله ( كُلّ ) بقوله ( فِيهَا ) ولم ينصب على النعت.
وقد
اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف « كلّ » لم يجز الاتباع. وكان بعض
نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف, لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي
بها منها. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ فِي
النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ
الْعَذَابِ ( 49 )
يقول
تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوّامها, استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من
البلاء, ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا ( ادْعُوا رَبَّكُمْ ) لنا (
يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا ) واحدا,
يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا ( مِنَ الْعَذَابِ ) الذي نحن فيه. وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام
الدنيا, لأن الآخرة يوم لا ليل فيه, فيقال: خفف عنهم يوما واحدا.
القول
في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ( 50 )
وقوله: ( قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أو لم تك تأتيكم في الدنيا
رسلكم بالبيّنات من الحجج على توحيد الله, فتوحدوه وتؤمنوا به, وتتبرّءوا مما دونه
من الآلهة؟ قالوا: بلى, قد أتتنا رسلنا بذلك.
وقوله: ( قَالُوا فَادْعُوا ) يقول جلّ ثناؤه: قالت الخزنة
لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به.
وقوله: ( وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ
إِلا فِي ضَلالٍ ) يقول:
قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال, لأنه دعاء لا ينفعهم, ولا يستجاب لهم, بل يقال
لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ .
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ( 51
) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ
سُوءُ الدَّارِ ( 52 )
يقول
القائل: وما معنى: (
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وقد علمنا أن منهم من قتله
أعداؤه, ومثَّلوا به, كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما. ومنهم من همّ بقتله قومه,
فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه, كإبراهيم الذي هاجر إلى
الشام من أرضه مفارقا لقومه, وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله, فأين
النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله, و المؤمنين به في الحياة الدنيا, وهؤلاء
أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت, وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل:
إن لقوله: (
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وجهين كلاهما صحيح معناه.
أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما
بإعلائناهم على من كذّبنا وإظفارنا بهم, حتى يقهروهم غلبة, ويذلوهم بالظفر ذلة,
كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان, فأعطاهما من المُلْك والسلطان ما قهرا به كل
كافر, وكالذي فعل بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإظهاره على من كذّبه من
قومه, وإما بانتقامنا ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذّبهم
وعاداهم, كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه, من تغريق قومه وإنجائه منهم, وكالذي
فعل بموسى وفرعون وقومه, إذ أهلكهم غرقا, ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل
وغيرهم ونحو ذلك, أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة رسولنا من
بعد مهلكهم, كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه, بتسليطنا على قتله من سلطنا
حتى انتصرنا بهم من قتلته, وكفعلنا بقتلة يحيى, من تسليطنا بختنصر عليهم حتى
انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم,
فهذا أحد وجهيه. وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن الفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ قول الله: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون,
وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما
فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم. والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه
الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين, والمراد واحد, فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا
لننصر رسولنا محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والذين آمنوا به في الحياة
الدنيا, ويوم يقوم الأشهاد, كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع,
والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة
والكوفة (
وَيَوْمَ يَقُومُ )
بالياء. وينفع أيضا بالياء, وقرأ ذلك بعض أهل مكة وبعض قرّاء البصرة: « تَقُومُ » بالتاء, و « تَنْفَعُ » بالتاء.
والصواب
من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد
بيَّنا فيما مضى أن العرب تذكر فعل الرجل وتؤنث إذا تقدّم بما أغنى عن إعادته.
وعني بقوله:
(
وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) يوم
يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة
بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم, وأن الأمم كذّبتهم. والأشهاد: جمع شهيد, كما
الأشراف: جمع شريف.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاد. ( وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) من ملائكة الله وأنبيائه,
والمؤمنين به.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) يوم القيامة.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن مجاهد, في قول الله: ( وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ
) قال
الملائكة.
وقوله: ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) يقول
تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا
بباطل, وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا, وتابع عليهم الحجج فيها فلا حجة لهم
في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا
مُشْرِكِينَ .
وقوله: ( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ) يقول: وللظالمين اللعنة, وهي
البعد من رحمة الله (
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) يقول:
ولهم مع اللعنة من الله شرّ ما في الدار الآخرة, وهو العذاب الأليم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ( 53 ) هُدًى وَذِكْرَى
لأُولِي الأَلْبَابِ ( 54 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( 55 )
يقول
تعالى ذكره (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ) البيان
للحقّ الذي بعثناه به كما آتينا ذلك محمدا فكذّب به فرعون وقومه, كما كذّبت قريش
محمدا ( وَأَوْرَثْنَا
بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) يقول:
وأورثنا بني إسرائيل التوراة, فعلَّمناهموها, وأنـزلنا إليهم ( هُدًى ) يعني بيانا لأمر دينهم, وما
ألزمناهم من فرائضها, (
وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) يقول:
وتذكيرا منا لأهل الحجا والعقول منهم بها.
وقوله: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ ) يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فاصبر يا محمد لأمر ربك,
وانفذ لما أرسلك به من الرسالة, وبلِّغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنـزل إليك,
وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك, ونصرة من صدّقك وآمن بك, على من كذّبك,
وأنكر ما جئته به من عند ربك, وإن وعد الله حقّ لا خلف له وهو منجز له ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) يقول: وسله غفران ذنوبك وعفوه
لك عنه (
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) يقول:
وصلّ بالشكر منك لربك (
بِالْعَشِيِّ ) وذلك
من زوال الشمس إلى الليل ( وَالإبْكَارِ
) وذلك
من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس
إلى ارتفاع الضحى, وخروج وقت الضحى, والمعروف عند العرب القول الأوّل.
واختلف
أهل العربية في وجه عطف الإبكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشيّ, والباء
تحسن فيه, فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: وسبح بحمد ربك بالعشي وفي الإبكار.
وقال: قد يقال: بالدار زيد, يراد: فى الدار زيد, وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك,
لأن معنى الكلام: صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين, فإدخال الباء في واحد
فيهما.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ
فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا
كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ ( 56 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات ( بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
أَتَاهُمْ ) يقول:
بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ ) يقول: ما في صدورهم إلا كبر
يتكبرون من أجله عن اتباعك, وقبول الحق الذي أتيتهم به حسدا منهم على الفضل الذي
آتاك الله, والكرامة التي أكرمك بها من النبوّة ( مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ) يقول: الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بُمدركيه ولا نائليه, لأن
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, وليس بالأمر الذي يدرك بالأمانيّ; وقد قيل: إن معناه:
إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن الله مذلُّهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال. ثني أبو عاصم, قال. ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا
كِبْرٌ ) قال:
عظمة.
وبنحو
الذي قلنا في تأويل قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاد., قوله. ( إِنَّ الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) لم يأتهم بذاك سلطان.
وقوله: ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) يقول تعالى ذكره: فاستجر بالله يا محمد من شرّ هؤلاء الذين
يجادلون في آيات الله بغير سلطان, ومن الكبر أن يعرض فى قلبك منه شيء ( إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ ) يقول:
إن الله هو السميع لما يقول هؤلاء المجادلون في آيات الله وغيرهم من قول البصير
بما تمله جوارحهم, لا يخفى عليه شيء من ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ ( 57 )
يقول
تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم إن
كنتم مستعظمي خلق الناس, وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس, ولكن أكثر الناس لا
يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ
قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ( 58 )
وما
يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا, وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه,
فيتدبرها ويعتبر بها, فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء, ويؤمن به
ويصدّق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره, وذلك مثل للمؤمن الذي يرى
بعينيه حجج الله, فيتفكَّر فيها ويتعظ, ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه, وعظيم
سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء; يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ( وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول
جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله, المطيعون لربهم, ولا
المسيء, وهو الكافر بربه, العاصي له, المخالف أمره ( قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) يقول جل ثناؤه: قليلا ما
تتذكرون أيها الناس حجج الله, فتعتبرون وتتعظون; يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم,
لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه
من بعد الفناء, وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم, وعلمتم قبح شرككم من تشركون في
عبادة ربكم.
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله: (
تَتَذَكَّرُونَ ) فقرأت
ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: « يَتَذَكَّرُونَ » بالياء على وجه الخبر, وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ( تَتَذَكَّرُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب,
والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا
رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( 60 )
يقول
تعالى ذكره: إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها
الناس لا شكّ في مجيئها; يقول: فأيقنوا بمجيئها, وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم,
ومجازون بأعمالكم, فتوبوا إلى ربكم ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) يقول: ولكن أكثر قريش لا
يصدّقون بمجيئها.
وقوله: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول
تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة
دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو
عنكم وأرحمكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
) يقول:
وحَّدوني أغفر لكم.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا عبد الله بن داود, عن الأعمش, عن زرّ, عن يسيع الحضرمي, عن
النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ » وقرأ رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم: (
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِي ) .
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, والأعمش عن زرّ, عن
يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: سمعت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم يقول: «
الدُّعاءُ هُوَ العبادَةُ, (
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ... الآية. »
حدثنا
محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن زرّ, عن يسيع
قال أبو موسى: هكذا قال غندر, عن سعيد, عن منصور, عن زرّ, عن يسيع, عن النعمان بن
بشير قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « إنَّ الدُّعاءَ هُوَ
العِبَادَةُ » ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن زر, عن
يسيع عن النعمان بن بشير, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بمثله.
حدثنا
الحسن بن عرفة, قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي, عن الحسن بن أبي جعفر, عن محمد بن
جحادة, عن يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم: « إنَّ
عِبَادَتي دُعائي » ثُم تلا
هذه الآية: (
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِي ) قال: « عَنْ دُعائي » .
حدثنا
عليّ بن سهل, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا عمارة, عن ثابت, قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة
أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا بل هو العبادة كلها.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: أخبرنا منصور, عن زر, عن
يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم: «
الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ, ثم قرأ هذه الآية ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) » .
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هاشم بن القاسم, عن الأشجعي, قال: قيل لسفيان: ادع
الله, قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.
وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) يقول:
إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة, وإفراد الألوهة لي ( سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ ) بمعنى:
صاغرين. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.
وقد قيل:
إن معنى قوله ( إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) : إن الذين يستكبرون عن دعائي.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) قال:
عن دعائي.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( دَاخِرِينَ ) قال: صاغرين.
القول
في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 )
يقول
تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح الألوهة إلا له, ولا تنبغي العبادة لغيره, الذي
صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكنا لتسكنوا فيه, فتهدءوا من التصرّف
والاضطراب للمعاش, والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم ( وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ) يقول: وجعل النهار مبصرا من
اضطرب فيه لمعاشه, وطلب حاجاته, نعمة منه بذلك عليكم ( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ ) يقول:
إن إلله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَشْكُرُونَ ) يقول:
ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له, وإخلاص الألوهة والعبادة له, ولا يد تقدمت له
عنده استوجب بها منه الشكر عليها.
القول
في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذَلِكَ
يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 )
يقول
تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال, وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس, الله مالككم
ومصلح أموركم, وهو خالقكم وخالق كلّ شيء ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره, ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) يقول: فأي وجه تأخذون, وإلى
أين تذهبون عنه, فتعبدون سواه؟.
وقوله: ( كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ
كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) يقول: كذهابكم عنه أيها القوم, وانصرافكم عن الحقّ إلى
الباطل, والرشد إلى الضلال, ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله,
يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون; يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم,
وركبتم محجتهم في الضلال.
القول
في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 64 ) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا
هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
( 65 )
يقول
تعالى ذكره: ( اللهُ
) الذي
له الألوهة خالصة أيها الناس (
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ) التي
أنتم على ظهرها سكان (
قَرَارًا )
تستقرون عليها, وتسكنون فوقها, (
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) :
بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم, وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ ) يقول:
وخلقكم فأحسن خلقكم (
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) يقول:
ورزقكم من حلال الرزق, ولذيذات المطاعم والمشارب. وقوله: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ) يقول تعالى ذكره: فالذي فعل
هذه الأفعال, وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم, هو الله الذي لا تنبغي الألوهة
إلا له, وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره, لا الذي لا ينفع ولا يضر, ولا يخلق
ولا يرزق (
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم, وسائر
أجناس الخلق غيرهم ( هُوَ
الْحَيُّ ) يقول:
هو الحي الذي لا يموت, الدائم الحياة, وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول: لا معبود بحق تجوز
عبادته, وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته, فادعوه أيها الناس
مخلصين له الدين, مخلصين له الطاعة, مفردين له الألوهة, لا تشركوا في عبادته شيئا
سواه, من وثن وصنم, ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: الشكر لله الذي هو مالك
جميع أجناس الخلق, من ملك وجن وإنس وغيرهم, لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا,
ولا تقدر على ضرّ ولا نفع, بل هو مملوك, إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه
دفعًا.
وكان
جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله, أن يتبع ذلك: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) تأولا
منهم هذه الآية, بأنها أمر من الله بقيل ذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق, قال: سمعت أبي, قال: أخبرنا الحسين بن واقد, قال:
ثنا الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: من قال لا إله إلا الله, فليقل على
إثرها: الحمد لله ربّ العالمين, فذلك قوله: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
حدثنا
عبد الحميد بن بيان السكري قال: ثنا محمد بن يزيد, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير,
قال: « إذا
قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, فليقل: الحمد لله ربّ العالمين, ثم
قال: (
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) . »
حدثني
محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن بشر, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد
بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله, يتبعها الحمد لله, ثم قرأ هذه
الآية: ( هُوَ
الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
حدثني
محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن
عامر, عن سعيد بن جبير, قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده, فليقل بأثرها:
الحمد لله رب العالمين, ثم قرأ (
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ
مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 66 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قومك من
قريش (
إِنِّي نُهِيتُ ) أيها
القوم ( أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من الآلهة والأوثان ( لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي ) يقول: لما جاءني الآيات
الواضحات من عند ربي, وذلك آيات كتاب الله الذي أنـزله ( وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول:
وأمرني ربي أن أذلّ لربّ كلّ شيء, ومالك كلّ خلق بالخضوع, وأخضع له بالطاعة دون
غيره من الأشياء.
القول
في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 )
يقول
تعالى ذكره آمرًا نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بتنبيه مشركي قومه على
حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته
هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم ( مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ ) خلقكم ( مِنْ
نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) بعد أن
كنتم نطفا ( ثُمَّ
يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ) من
بطون أمهاتكم صغارا, ( ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) ,
فتتكامل قواكم, ويتناهى شبابكم, وتمام خلقكم شيوخا ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
مِنْ قَبْلُ ) أن
يبلغ الشيخوخة (
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى ) يقول:
ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم, وأجلا محدودا لا تجاوزونه, ولا تتقدمون قبله ( وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) يقول: وكي تعقلوا حجج الله
عليكما بذلك, وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك.
القول
في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُحْيِي
وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 )
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ
( 69 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهم يا محمد: ( هُوَ الَّذِي يُحْيِي
وَيُمِيتُ ) يقول
قل لهم: ومن صفته جلّ ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته, ويميت من يشاء من
الأحياء بعد حياته و ( إِذَا
قَضَى أَمْرًا ) يقول:
وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها ( فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ ) يعني للذي يريد تكوينه كن,
فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة, ولا كلفة مؤنة.
وقوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ) يقول لنبيه محمد صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك, الذين يخاصمونك في حجج
الله وآياته (
أَنَّى يُصْرَفُونَ ) يقول:
أيّ وجه يصرفون عن الحق, ويعدلون عن الرشد.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَنَّى يُصْرَفُونَ ) : أنى يكذبون ويعدلون.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَنَّى يُصْرَفُونَ ) قال: يُصْرَفون عن الحقّ.
واختلف
أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية, فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار ومحمد بن المثنى, قالا ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن داود بن أبي
هند. عن محمد بن سيرين, قال: إن لم تكن هذه الآية نـزلت في القدرية, فإني لا أدري
فيمن نـزلت: (
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ) إلى قوله: لَمْ نَكُنْ
نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ .
حدثني
عليّ بن سهل, قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن داود بن أبي هند, عن ابن
سيرين, قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي, عن أبي قبيل,
قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
قال: «
سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتَابِ, وأهْلُ اللِّينِ » فقال عقبة: يا رسول الله, وما
أهل الكتاب؟ قال: « قَوْمٌ
يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ الله يُجادلُونَ الَّذينَ آمَنُوا » , فقال عقبة: يا رسول الله,
وما أهل اللين؟ قال: « قَوْمٌ
يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ, ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ » . قال أبو قبيل: لا أحسب
المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا, وأما أهل اللين, فلا أحسبهم إلا
أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة, ولا يعرفون شهر رمضان.
وقال
آخرون: بل عنى به أهل الشرك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ) قال: هؤلاء المشركون.
والصواب
من القول في ذلك ما قاله ابن زيد; وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله: الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا .
القول
في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 )
إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي
الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 ) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا
كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ
نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ( 74
)
يقول
تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب
الله, وهو هذا القرآن; و « الذين
» الثانية
في موضع خفض ردّا لها على « الذين
» الأولى
على وجه النعت (
وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ) يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به
رسلنا من إخلاص العبادة لله, والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد, والإقرار
بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. وقوله: ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ
وَالسَّلاسِلُ ) , وهذا
تهديد من الله المشركين به; يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في
آيات الله, المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد, وصحة ما هم به اليوم
مكذّبون من هذا الكتاب, حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت
قراءة الأمصار: والسلاسل, برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت.
وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه «
والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ » بنصب
السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل
يسحبون, ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في
ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل يسحبون. حاز
الخفض في السلاسل على هذا المذهب, وقال: مثله, مما رد إلى المعنى. قول الشاعر:
قَــدْ
سَــالَم الحَيَّـاتُ مِنْـهُ القَدمَـا الأفْعُـــوَانَ والشُّــجاعَ الأرْقَمــا
فنصب
الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة, لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها,
فلما احتاج إلى نصب القافية, جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات.
والصواب
من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار, لإجماع الحجة عليه, وهو رفع
السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ( فِي أَعْنَاقِهِمْ ) من ذكر الأغلال.
وقوله: ( يُسْحَبُونَ ) يقول: يسحب هؤلاء الذين
كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم, وهو ما قد انتهى
حَرُّه, وبلغ غايته.
وقوله ( ثُمَّ فِي النَّارِ
يُسْجَرُونَ ) يقول:
ثم في نار جهنم يحرقون, يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( يُسْجَرُونَ ) قال: يوقد بهم النار.
حدثنا
محمد. قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) قال: يحرقون في النار.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال. قال ابن زيد, في قوله: ( ثُمَّ فِي النَّارِ
يُسْجَرُونَ ) قال:
يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها.
وقوله: ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ
مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون
الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب,
فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه; وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان
منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان, فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا:
ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا, فأخذوا غير طريقنا, وتركونا في هذا البلاء, بل ما ضلوا
عنا, ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا; يقول الله
تعالى ذكره: (
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ) يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون
في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم, كذلك يضل الله أهل
الكفر به عنه, وعن رحمته وعبادته, فلا يرحمهم فينجيهم من النار, ولا يغيثهم فيخفف
عنهم ما هم فيه من البلاء.
القول
في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 )
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 )
يعني
تعالى ذكره بقوله: (
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) هذا الذي فعلنا اليوم بكم
أيها القوم من تعذيبناكم العذاب الذي أنتم فيه, بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في
الدنيا, بغير ما أذن لكم به من الباطل والمعاصي, وبمرحكم فيها, والمرح: هو الأشر
والبطر .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( بِمَا
كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) إلى ( فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ) قال:
الفرح والمرح: الفخر والخُيَلاء, والعمل في الأرض بالخطيئة, وكان ذلك في الشرك,
وهو مثل قوله لقارون: إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وذلك في الشرك.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ
فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ) قال: تبطرون وتأشَرُون.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( تَمْرَحُونَ ) قال: تبطرون.
وقوله: ( ادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) يقول
تعالى ذكره لهم: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب منها جزء مقسوم منكم ( فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ) يقول:
فبئس منـزل المتكبرين في الدنيا على الله أن يوحدوه, ويؤمنوا برسله اليوم جهنم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ
نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( 77 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فاصبر يا محمد على ما
يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنـزلناها عليك, وعلى تكذيبهم إياك,
فإن الله منجِز لك فيهم ما وعدك من الظفر عليهم, والعلو عليهم, وإحلال العقاب بهم,
كسنتنا في موسى بن عمران ومن كذّبه ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: فإما نرينك
يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب والنقمة أن يحل بهم ( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم,
فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحقّ بتخليدناهم في النار, وإكرامناك بجوارنا في جنات
النعيم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْمُبْطِلُونَ ( 78 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ) يا محمد ( رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ ) إلى أممها ( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا
عَلَيْكَ ) يقول:
من أولئك الذين أرسلنا إلى أممهم من قصصنا عليك نبأهم ( وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) نبأهم.
وذُكر عن
أنس أنهم ثمانية آلاف.
* ذكر الرواية
بذلك:
حدثنا
عليّ بن شعيب السمسار, قال: ثنا معن بن عيسى, قال: ثنا إبراهيم بن المهاجر بن
مسمار, عن محمد بن المنكدر, عن يزيد بن أبان, عن أنس بن مالك, قال: بعث النبي
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء, منهم أربعة آلاف من
بني إسرائيل.
حدثنا
أبو كُرَيب قال: ثنا يونس, عن عتبة بن عتيبة البصريّ العبدي, عن أبي سهل عن وهب بن
عبد الله بن كعب بن سور الأزديّ, عن سلمان, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم قال: « بعث
الله أربعة آلاف نبيّ » .
حدثني
أحمد بن الحسين الترمذي, قال: ثنا آدم بن أبي إياس, قال: ثنا إسرائيل, عن جابر, عن
ابن عبد الله بن يحيى, عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, في قوله: ( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا
عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) قال: بعث الله عبدا حبشيا نبيا, فهو الذي لم نقصص عليك.
وقوله: ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ
يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّه ) يقول تعالى ذكره: وما جعلنا لرسول ممن أرسلناه من قبلك
الذين قصصناهم عليك, والذين لم نقصصهم عليك إلى أممها أن يأتي قومه بآية فاصلة
بينه وبينهم, إلا بإذن الله له بذلك, فيأتيهم بها; يقول جلّ ثناؤه لنبيه: فلذلك لم
يجعل لك أن تأتي قومك بما يسألونك من الآيات دون إذننا لك بذلك, كما لم نجعل لمن
قبلك من رسلنا إلا أن نأذن له به ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ ) يعني بالعدل, وهو أن ينجي
رسله والذين آمنوا معهم (
وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) يقول: وهلك هنالك الذين أبطلوا في قيلهم الكذب, وافترائهم
على الله وادعائهم له شريكا.
القول
في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 79 ) وَلَكُمْ
فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا
وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 ) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ
اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 )
يقول
تعالى ذكره: ( اللهُ
) الذي
لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الأنْعَامَ ) من
الإبل والبقر والغنم والخيل, وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب
أو لمطعم (
لِتَرْكَبُوا مِنْهَا ) يعني:
الخيل والحمير (
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) يعني
الإبل والبقر والغنم. وقال: (
لِتَرْكَبُوا مِنْهَا )
ومعناه: لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون, فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما
حذف.
وقوله: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ) وذلك أن جعل لكم من جلودها
بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم, ويوم إقامتكم, ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا
ومتاعا إلى حين.
وقوله: ( وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ) يقول:
ولتبلغوا بالحمولة على بعضها, وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا
هي, إلا بشق أنفسكم, كما قال جلّ ثناؤه: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ
لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ) يعني
الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ )
لحاجتكم ما كانت. وقوله: (
وَعَلَيْهَا ) يعني:
وعلى هذه الإبل, وما جانسها من الأنعام المركوبة ( وَعَلَى الْفُلْكِ ) يعني: وعلى السفن ( تُحْمَلُونَ ) يقول نحملكم على هذه في البر, وعلى هذه في البحر ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) يقول: ويريكم حججه, ( فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ
تُنْكِرُونَ ) يقول:
فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها, فتكذبون من
أجل فسادها بتوحيد الله, وتدعون من دونه إلها.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا
أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 )
يقول
تعالى ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في
البلاد, فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن, رحلتهم في الشتاء والصيف, فينظروا فيما
وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم, ويروا ما أحللنا بهم
من بأسنا بتكذيبهم رسلنا, وجحودهم آياتنا, كيف كان عقبى تكذيبهم ( كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ ) يقول: كان أولئك الذين من قبل
هؤلاء المكذبيك من قريش أكثر عددا من هؤلاء وأشد بطشا, وأقوى قوة, وأبقى في الأرض
آثارا, لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ويتخذون مصانع.
وكان
مجاهد يقول في ذلك ما حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي
نجيح, عن مجاهد (
وَآثَارًا فِي الأرْضِ ) المشي
بأرجلهم. ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) يقول: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا, . لم يغن عنهم ما كانوا
يعملون من البيوت في الجبال, ولم يدفع عنهم ذلك شيئا. ولكنهم بادوا جميعا فهلكوا.
وقد قيل: إن معنى قوله: ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ ) فأيّ
شيء أغني عنهم; وعلى هذا التأويل يجب أن يكون « ما » الأولى
في موضع نصب, والثانية في موضع رفع. يقول: فلهؤلاء المجادليك من قومك يا محمد في
أولئك معتبر إن اعتبروا, ومتعظ إن اتعظوا, وإن بأسنا إذا حلّ بالقوم المجرمين لم
يدفعه دافع, ولم يمنعه مانع, وهو بهم إن لم ينيبوا إلى تصديقك واقع.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ
بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 )
يقول
تعالى ذكره: فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذّبة رسلها رُسُلُهُمْ
الذين أرسلهم الله إليهم بالبيّنات, يعني: بالواضحات من حجج عزّ وجلّ ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ
مِنَ الْعِلْمِ ) يقول:
فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نُبْعَثَ, ولن يُعذّبنا الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ
مِنَ الْعِلْمِ ) قال:
قولهم: نحن أعلم منهم, لن نُعَذَّبَ, ولن نُبْعَثَ.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ
مِنَ الْعِلْمِ )
بجهالتهم .
وقوله: ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا
بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول:
وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا
بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ما
جاءتهم به رسلهم من الحقّ.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا
قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (
84 )
يقول
تعالى ذكره: فلما رأت هذه الأمم المكذّبة رسلها بأسنا, يعني عقاب الله الذي وعدتهم
به رسلُهم قد حلّ بهم.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) قال: النقمات التي نـزلت بهم
.
وقوله ( قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
وَحْدَهُ ) يقول:
قالوا: أقررنا بتوحيد الله, وصدقنا أنه لا آله غيره ( وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا
بِهِ مُشْرِكِينَ ) يقول:
وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه,
ونتخذها آلهة, فبرئنا منها.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ
إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي
عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 )
يقول
تعالى ذكره: فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد
نـزل, وعذابه قد حل, لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا, إذ كان قد مضى حكم
الله في السابق من علمه, أن من تاب بعد نـزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه
توبته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ
إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) : لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك.
وقوله: ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي
قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) يقول:
ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم, وقبول التوبة منهم, ومراجعتهم الإيمان بالله,
وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه, قد نـزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه, فلذلك لم
يقلهم ولم يقبل توبتهم في تلك الحال.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي
قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) يقول:
كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم
عند ذلك.
وقوله: ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ
) يقول:
وهلك عند مجيء بأس الله, فغبنت صفقته ووضُع في بيعه الآخرة بالدنيا, والمغفرة
بالعذاب, والإيمان بالكفر, الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم, المتخذون من
دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم
آخر
تفسير سورة حم المؤمن
تفسير سورة فصلت
بسم الله الرحمن الرحيم
القول
في تأويل قوله تعالى : حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ
لا يَسْمَعُونَ ( 4 )
قال أبو
جعفر: قد تقدم القول منا فيما مضى قبلُ في معنى ( حم ) والقول
في هذا الموضع كالقول في ذلك.
وقوله: ( تَنـزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ ) يقول
تعالى ذكره: هذا القرآن تنـزيل من عند الرحمن الرحيم نـزله على نبيه محمد صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) يقول:
كتاب بينت آياته.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قوله: ( فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) قال: بينت آياته.
وقوله: ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) يقول تعالى ذكره: فُصلت آياته
هكذا.
وقد
اختلف أهل العربية في وجه نصب القرآن, فقال بعض نحويّي البصرة قوله: ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ ) الكتاب خبر لمبتدأ أخبر أن
التنـزيل كتاب, ثم قال: (
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) شغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنـزلة الفاعل, فنصب القرآن,
وقال: (
بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) على
أنه صفة, وإن شئت جعلت نصبه على المدح كأنه حين ذكره أقبل في مدحته, فقال: ذكرنا
قرآنا عربيا بشيرا ونذيرا, وذكرناه قرآنا عربيا, وكان فيما مضى من ذكره دليل على
ما أضمر. وقال بعض نحويّي الكوفة: نصب قرآنا على الفعل: أي فصلت آياته كذلك. قال:
وقد يكون النصب فيه على القطع, لأن الكلام تامّ عند قوله « آيَاتُهُ » . قال: ولو كان رفعا على أنه
من نعت الكتاب كان صوابا, كما قال في موضع آخر: كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
مُبَارَكٌ وقال: وكذلك قوله: (
بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) فيه ما
في (
قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) .
وقوله: ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) يقول: فصلت آيات هذا الكتاب
قرآنا عربيا لقوم يعلمون اللسان العربي.
بشيرا
لهم يبشرهم إن هم آمنوا به, وعملوا بما أنـزل فيه من حدود الله وفرائضه بالجنة, ( وَنَذِيرًا ) يقول ومنذرا من كذب به ولم
يعمل بما فيه بأمر الله في عاجل الدنيا, وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة.
وقوله: ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فاستكبر عن
الإصغاء له وتدبر ما فيه من حجج الله, وأعرض عنه أكثر هؤلاء القوم الذين أنـزل هذا
القرآن بشيرا لهم ونذيرا, وهم قوم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. يقول:
فهم لا يصغون له فيسمعوه إعراضا عنه واستكبارا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي
أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا
وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 )
يقول
تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون المعرضون عن آيات الله من مشركي قريش إذ دعاهم
محمد نبيّ الله إلى الإقرار بتوحيد الله وتصديق ما في هذا القرآن من أمر الله
ونهيه, وسائر ما أنـزل فيه (
قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) يقول:
في أغطية (
مِمَّا تَدْعُونَا ) يا
محمد (
إِلَيْهِ ) من
توحيد الله, وتصديقك فيما جئتنا به, لا نفقه ما تقول ( وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ) وهو الثقل, لا نسمع ما تدعونا
إليه استثقالا لما يدعو إليه وكراهة له. وقد مضى البيان قبل عن معاني هذه الأحرف
بشواهده, وذكر ما قال أهل التأويل فيه, فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع.
وقد:
حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) قال: عليها أغطية كالجَعْبة
للنَّبْل.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي
أَكِنَّةٍ ) قال:
عليها أغطية ( وَفِي
آذَانِنَا وَقْرٌ ) قال:
صمم.
وقوله: ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ )
يقولون: ومن بيننا وبينك يا محمد ساتر لا نجتمع من أجله نحن وأنت, فيرى بعضنا
بعضا, وذلك الحجاب هو اختلافهم في الدين, لأن دينهم كان عبادة الأوثان, ودين محمد
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عبادة الله وحده لا شريك له, فذلك هو الحجاب الذي
زعموا أنه بينهم وبين نبيّ الله, وذلك هو خلاف بعضهم بعضا في الدين.
وأدخلت « من » في قوله ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ )
والمعنى: وبيننا وبينكَ حِجابٌ, توكيدا للكلام.
القول
في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا
إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 7 )
يقول
تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المعرضين عن آيات الله من قومك: أيها القوم, ما أنا
إلا بشر من بني آدم مثلكم في الجنس والصورة والهيئة لست بمَلك ( يُوحَى إِلَيَّ ) يوحي الله إلى أن لا معبود
لكم تصلح عبادته إلا معبود واحد. ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) يقول: فاستقيموا إليه بالطاعة, ووجهوا إليه وجوهكم بالرغبة
والعبادة دون الآلهة والأوثان.
يقول:
وسلوه العفو لكم عن ذنوبكم التي سلفت منكم بالتوبة من شرككم, يتب عليكم ويغفر لكم.
وقوله: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ *
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وصديد أهل
النار, وما يسيل منهم للمدعين لله شريكا العابدين الأوثان دونه الذين لا يؤتون
الزكاة.
اختلف
أهل التأويل في ذلك, فقال بعضهم: معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم,
وتزكي أبدانهم, ولا يوحدونه; وذلك قول يذكر عن ابن عباس.
* ذكر
الرواية بذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ *
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله.
حدثني
سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص, قال: ثنا الحكم بن أبان, عن عكرمة,
قوله: (
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) : الذين لا يقولون لا إله إلا
الله.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يقرّون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها, ولا
يعطونها أهلها. وقد ذكرنا أيضا قائلي ذلك قبلُ.
وقد
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ *
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) قال: لا يقرّون بها ولا يؤمنون بها. وكان يقال: إن الزكاة
قنطرة الإسلام, فمن قطعها نجا, ومن تخلف عنها هلك; وقد كان أهل الردّة بعد نبيّ
الله قالوا: أما الصلاة فنصلِّي, وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا; قال: فقال
أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه; والله لو منعوني عقالا مما فرض
الله ورسوله لقاتلناهم عليه.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ ) قال:
لو زَكَّوا وهم مشركون لم ينفعهم.
والصواب
من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم; وذلك أن ذلك
هو الأشهر من معنى الزكاة, وأن في قوله: ( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) دليلا على أن ذلك كذلك, لأن
الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله, فلو كان قوله:
(
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله:
( وَهُمْ
بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) معنى,
لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة, وفي اتباع الله
قوله: (
وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) قوله (
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنيّ بها زكاة الأموال.
وقوله: ( وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ
كَافِرُونَ ) يقول:
وهم بقيام الساعة, وبعث الله خلقه أحياء من قبورهم, من بعد بلائهم وفنائهم منكرون.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 ) قُلْ أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله, وعملوا بما أمرهم الله به ورسوله,
وانتهوا عما نهاهم عنه, وذلك هو الصالحات من الأعمال. ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ
مَمْنُونٍ ) يقول:
لمن فعل ذلك أجر غير منقوص عما وعدهم أن يأجرهم عليه.
وقد
اختلف في تأويل ذلك أهل التأويل, وقد بيَّناه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا
الموضع. وقد:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ
مَمْنُونٍ ) قال
بعضهم: غير منقوص. وقال بعضهم: غير ممنون عليهم.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) يقول: غير منقوص.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, قوله: ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) قال: محسوب.
وقوله: ( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) وذلك يوم الأحد ويوم الاثنين; وبذلك جاءت الأخبار عن رسول
الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقالته العلماء, وقد ذكرنا كثيرا من ذلك فيما
مضى قبل, ونذكر بعض ما لم نذكره قبل إن شاء الله.
* ذكر
بعض ما لم نذكره فيما مضى من الأخبار بذلك:
حدثنا
هناد بن السري, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي سعيد البقال, عن عكرمة, عن ابن
عباس, قال هناد: قرأت سائر الحديث على أبي بكر « أن اليهود أتت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فسألته
عن خلق السموات والأرض, قال: » خَلَقَ
اللهُ الأرْضَ يَوْمَ الأحَد وَالاثْنَيْنِ, وَخَلَقَ الجِبَالَ يَوْمَ
الثُّلاثَاءِ وَما فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِعَ, وَخَلَقَ يَوْمَ الأرْبَعاء الشَّجَرَ
وَالمَاءَ وَالمَدَائِنَ وَالعُمْرَانَ والخَرَابَ, فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ, ثُمَّ
قال: أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ,
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدَادًا, ذلك رَبُّ العَالَمِينَ, وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ
مِنْ فَوْقِها وَبَارَكَ فِيها, وَقَدَّرَ فِيها أقْوَاتَهَا في أرْبَعَةِ أيَّامٍ
سَوَاءً للسَّائِلِينَ لِمَنْ سأل. قالَ: وَخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّمَاءَ,
وَخَلَقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالمَلائِكَةَ إلَى
ثَلاثِ سَاعَاتٍ بَقِيَتْ مِنْهُ فَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ
الثَّلاثَةِ الآجَالِ حِينَ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ, وفِي الثَّانِيَةِ ألْقَى الآفَةَ
على كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ, وَفِي الثَّالِثَةِ آدَمَ
وَأَسْكَنَهُ الجَنَّةَ, وَأَمَرَ إبْلِيسَ بالسُّجُودِ لَهُ, وَأَخْرَجَهُ
مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ « قالت
اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: » ثُمَّ
اسْتَوَى على العَرْشِ « ,
قالوا: قد أصبت لو أتممت, قالوا: ثم استراح; فغضب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم غضبا شديدا, فنـزل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى
مَا يَقُولُونَ . »
حدثنا
تميم بن المنتصر, قال: أخبرنا إسحاق, عن شريك, عن غالب بن غلاب, عن عطاء بن أبي
رباح, عن ابن عباس, قال: إن الله خلق يوما واحدا فسماه الأحد, ثم خلق ثانيا فسماه
الإثنين, ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء, ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء, ثم خلق خامسا
فسماه الخميس; قال: فخلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين, وخلق الجبال يوم
الثلاثاء, فذلك قول الناس: هو يوم ثقيل, وخلق مواضع الأنهار والأشجار يوم
الأربعاء, وخلق الطير والوحوش والهوامّ والسباع يوم الخميس, وخلق الإنسان يوم
الجمعة, ففرغ من خلق كلّ شيء يوم الجمعة.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) في الأحد والإثنين.
وقد قيل
غير ذلك.
وذلك ما
حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي قالا ثنا حجاج, عن ابن جريج, قال
أخبرني إسماعيل بن أمية, عن أيوب بن خالد, عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة, عن
أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بيدي فقال: « خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ
يَوْمَ السَّبْتِ, وَخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ, وَخَلَقَ الشَّجَرَ
يَوْمَ الاثْنَيْنِ, وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ, وَخَلَقَ النُّورَ
يَوْمَ الأرْبَعَاءِ, وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابّ يوم الخَمِيسِ, وَخَلَقَ آدَمَ
بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ آخِرِ خَلْق في آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ ساعاتِ
الجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ » .
وقوله: ( وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ) يقول:
وتجعلون لمن خلق ذلك كذلك أندادا, وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي الله,
وقد بيَّنا معنى الندّ بشواهده فيما مضى قبل.
وقوله: ( ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) يقول: الذي فعل هذا الفعل,
وخلق الأرض في يومين, مالك جميع الجن والإنس, وسائر أجناس الخلق, وكل ما دونه
مملوك له, فكيف يجوز أن يكون له ندّ؟! هل يكون المملوك العاجز الذي لا يقدر على شيء
ندّا لمالكه القادر عليه؟.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ
مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ
أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ
دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا
أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 11 )
يقول
تعالى ذكره: وجعل في الأرض التي خلق في يومين جبالا رواسي, وهي الثوابت في الأرض
من فوقها, يعني: من فوق الأرض على ظهرها.
وقوله: ( وَبَارَكَ فِيهَا ) يقول: وبارك في الأرض فجعلها
دائمة الخير لأهلها.
وقد ذُكر
عن السديّ في ذلك ما حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَبَارَكَ فِيهَا ) قال: أنبت شجرها. ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا )
اختلف
أهل التأويل في ذلك, فقال بعضهم: وقدر فيها أقوات أهلها بمعنى أرزاقهم ومعايشهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
أرزاقها.
حدثني
موسى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
قدر فيها أرزاق العباد, ذلك الأقوات.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) يقول: أقواتها لأهلها.
وقال
آخرون: بل معناه: وقدر فيها ما يصلحها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
علي بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن خليد بن دعلج, عن قتادة, قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
صلاحها.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها جبالها وأنهارها وأشجارها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) : خلق فيها جبالها وأنهارها
وبحارها وشجرها, وساكنها من الدواب كلها.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها أقواتها من المطر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
من المطر.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وقدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش, بعضهم
من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
الحسين بن محمد الذارع, قال: ثنا أبو محصن, قال: ثنا حسين, عن عكرمة, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
اليمانيّ باليمن, والسابريّ بسابور.
حدثني
محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا أبو محصن, عن حصين, قال: قال عكرمة ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا )
اليمانية باليمن, والسابرية بسابور, وأشباه هذا.
حدثنا
أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت حصينا عن عكرمة في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها, اليماني باليمن, والسابري بسابور.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
البلد يكون فيه القوت أو الشيء لا يكون لغيره, ألا ترى أن السابري إنما يكون
بسابور, وأن العصب إنما يكون باليمن ونحو ذلك.
حدثني
إسماعيل بن سيف, قال: ثنا ابن عبد الواحد بن زياد, عن خصيف, عن مجاهد, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) قال:
السابريّ بسابور, والطيالسة من الريّ.
حدثني
إسماعيل, قال: ثنا أبو النضر صاحب البصري, قال: ثنا أبو عوانة, عن مطرف, عن الضحاك
في قوله: (
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال:
السابريّ بسابور, والطيالسة من الريّ.
فى قوله
(
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال:
السابريّ من سابور, والطيالسة من الريّ, والحِبَر من اليمن.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدّر في الأرض أقوات أهلها, وذلك
ما يقوتهم من الغذاء, ويصلحهم من المعاش, ولم يخصص جلّ ثناؤه بقوله ( وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا ) أنه
قَدّر فيها قوتا دون قوت, بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات, ومما يقوت
أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء, وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرّف في البلاد
لما خصّ به بعضا دون بعض, ومما أخرج من الجبال من الجواهر, ومن البحر من المآكل
والحليّ, ولا قول في ذلك أصح مما قال جلّ ثناؤه: قدّر في الأرض أقوات أهلها, لما
وصفنا من العلة.
وقال جلّ
ثناؤه: ( فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) لما
ذكرنا قبل من الخبر الذي روينا عن ابن عباس, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم أنه فرغ من خلق الأرض وجميع أسبابها ومنافعها من الأشجار والماء والمدائن
والعمران والخراب في أربعة أيام, أوّلهنّ يوم الأحد, وآخرهن يوم الأربعاء.
حدثني
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: خلق الجبال فيها وأقوات
أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين, في الثلاثاء والأربعاء.
وقال بعض
نحويي البصرة: قال. خلق الأرض في يومين, ثم قال في أربعة أيام, لأنه يعني أن هذا
مع الأول أربعة أيام, كما تقول: تزوّجت أمس امرأة, واليوم ثنتين, وإحداهما التي
تزوّجتها أمس.
وقوله: ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) اختلف أهل التأويل في تأويله,
فقال بعضهم: تأويله: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله فيه الأرض, وجعل
فيها الرواسي من فوقها والبركة, وقدّر فيها الأقوات بأهلها, وجَدَهُ كما أخبر الله
أربعه أيام لا يزدن على ذلك ولا ينقصن منه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) من سأل عن ذلك وجده, كما قال الله.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قال: من سأل فهو كما قال
الله.
حدثنا
موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) يقول:
من سأل فهكذا الأمر.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: سواء لمن سأل ربه شيئا مما به الحاجة إليه من الرزق, فإن الله
قد قدّر له من الأقوات في الأرض, على قدر مسألة كل سائل منهم لو سأله لما نفذ من
علمه فيهم قبل أن يخلقهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قال: قدّر ذلك على قدر
مسائلهم, يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون.
واختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي جعفر والحسن
البصري: (
سَوَاءً )
بالنصب. وقرأه أبو جعفر القارئ: «
سَوَاءٌ » بالرفع.
وقرأ الحسن: «
سَوَاءٍ » بالجر.
والصواب
من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار, وذلك قراءته بالنصب لإجماع الحجة من
القراء عليه, ولصحة معناه. وذلك أن معنى الكلام: قدر فيها أقواتها سواء لسائليها
على ما بهم إليه الحاجة, وعلى ما يصلحهم.
وقد ذُكر
عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «
وَقَسَّمَ فِيهَا أقْوَاتَهَا » .
وقد
اختلف أهل العربية في وجه نصب سواءً, فقال بعض نحويي البصرة: من نصبه جعله مصدرا,
كأنه قال: استواء. قال: وقد قرئ بالجر وجعل اسما للمستويات: أي في أربعة أيام
تامَّة. وقال بعض نحويي الكوفة: من خفض سواء, جعلها من نعت الأيام, وإن شئت من نعت
الأربعة, ومن نصبها جعلها متصلة بالأقوات. قال: وقد ترفع كأنه ابتداء, كأنه قال:
ذلك (
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) يقول:
لمن أراد علمه.
والصواب
من القول في ذلك أن يكون نصبه إذا نصب حالا من الأقوات, إذ كانت سواء قد شبهت
بالأسماء النكرة, فقيل: مررت بقوم سواء, فصارت تتبع النكرات, وإذا تبعت النكرات
انقطعت من المعارف فنصبت, فقيل: مررت بإخوتك سواء, وقد يجوز أن يكون إذا لم يدخلها
تثنية ولا جمع أن تشبه بالمصادر. وأما إذا رُفعت, فإنما ترفع ابتداء بضمير ذلك
ونحوه, وإذا جرت فعلى الاتباع للأيام أو للأربعة.
وقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ
كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) يعني تعالى ذكره: ثم استوى إلى السماء, ثم ارتفع إلى
السماء.
وقد
بيَّنا أقوال أهل العلم في ذلك فيما مضى قبل.
وقوله: ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ
اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) يقول
جلّ ثناؤه: فقال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما, أما أنت يا سماء فأطلعي
ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم, وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من
الأشجار والثمار والنبات, وتشقَّقِي عن الأنهار ( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) جئنا بما أحدثت فينا من خلقك,
مستجيبين لأمرك لا نعصي أمرك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو هشام, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج, عن سليمان بن موسى, عن
مجاهد, عن ابن عباس, (
فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا
طَائِعِينَ ) قال:
قال الله للسموات: أطلعي شمسي وقمري, وأطلعي نجومي, وقال للأرض: شققي أنهارك
وأخرجي ثمارك, فقالتا: أعطينا طائعين.
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ابن جريج, عن سليمان الأحول, عن طاوس, عن
ابن عباس, في قوله (
اِئْتِيَا ) :
أعطيا. وفي قوله: (
قَالَتَا أَتَيْنَا ) قالتا:
أعطينا.
وقيل:
أتينا طائعين, ولم يقل طائعتين, والسماء والأرض مؤنثتان, لأن النون والألف اللتين
هما كناية أسمائهما في قوله (
أَتَيْنَا ) نظيره
كناية أسماء المخبرين من الرجال عن أنفسهم, فأجرى قوله ( طَائِعِينَ ) على ما جرى به الخبر عن
الرجال كذلك. وقد كان بعض أهل العربية يقول: ذهب به إلى السموات والأرض ومن فيهنّ.
وقال
آخرون منهم: قيل ذلك كذلك لأنهما لما تكلمتا أشبهتا الذكور من بني آدم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا
السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ( 12 )
يقول
تعالى ذكره: ففرغ من خلقهنّ سبع سموات في يومين, وذلك يوم الخميس ويوم الجمعة.
كما
حدثني موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: استوى إلى السماء وهي
دخان من تنفس الماء حين تنفس, فجعلها سماء واحدة, ففتقها, فجعلها سبع سموات في
يومين, في الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض.
وقوله: ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ
أَمْرَهَا ) يقول:
وألقى في كل سماء من السموات السبع ما أراد من الخلق.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ
أَمْرَهَا ) قال:
ما أمر الله به وأراده.
حدثنا
موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) قال: خلق في كلّ سماء خلقها
من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد, وما لا يعلم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) : خلق فيها شمسها وقمرها
ونجومها وصلاحها.
وقوله: ( وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ) يقول تعالى ذكره: وزيَّنا السماء الدنيا إليكم أيها الناس
بالكواكب وهي المصابيح.
كما
حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( زَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) قال:
ثم زين السماء بالكواكب, فجعلها زينة ( وَحِفْظًا ) من الشياطين.
واختلف
أهل العربية في وجه نصبه قوله: (
وَحِفْظًا ) فقال
بعض نحويي البصرة: نصب بمعنى: وحفظناها حفظا, كأنه قال: ونحفظها حفظا, لأنه حين
قال: «
زَيَّنَّاهَا بِمَصَابِيحَ » قد أخبر
أنه قد نظر في أمرها وتعهدها, فهذا يدلّ على الحفظ, كأنه قال: وحفظناها حفظا. وكان
بعض نحويي الكوفة يقول: نصب ذلك على معنى: وحفظا زيناها, لأن الواو لو سقطت لكان
إنا زينا السماء الدنيا حفظا; وهذا القول الثاني أقرب عندنا للصحة من الأوّل.
وقد
بيَّنا العلة في نظير ذلك في غير موضع من هذا الكتاب, فأغنى ذلك عن إعادته.
وقوله: ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ) يقول
تعالى ذكره: هذا الذي وصفت لكم من خلقي السماء والأرض وما فيهما, وتزييني السماء
الدنيا بزينة الكواكب, على ما بينت تقدير العزيز في نقمته من أعدائه, العليم
بسرائر عباده وعلانيتهم, وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ
أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ
جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا
إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( 14 )
يقول
تعالى ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بيَّنتها لهم يا محمد,
ونبهتهم عليها فلم يؤمنوا بها ولم يقروا أن فاعل ذلك هو الله الذي لا إله غيره,
فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد وثمود.
وقد بيَّنا
فيما مضى أن معنى الصاعقة: كلّ ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وقيل في هذا الموضع
عنى بها وقيعة من الله وعذاب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ
عَادٍ وَثَمُودَ ) قال:
يقول: أنذرتكم وقيعة عاد وثمود, قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود.
وقوله: ( إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) يقول: فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقه عاد وثمود التي
أهلكتهم, إذ جاءت عادا وثمود الرسل من بين أيديهم; فقوله « إذ » من صلة صاعقة. وعنى بقوله: ( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) الرسل التي أتت آباء الذين
هلكوا بالصاعقة من هاتين الأمتين.
وعنى
بقوله: (
وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) : من
خلف الرسل الذين بعثوا إلى آبائهم رسلا إليهم, وذلك أن الله بعث إلى عاد هودا,
فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمته إلى آبائهم أيضا, فكذبوهم, فأهلكوا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
فَإِنْ أَعْرَضُوا ) ...
إلى قوله: (
وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) قال:
الرسل التي كانت قبل هود, والرسل الذين كانوا بعده, بعث الله قبله رسلا وبعث من
بعده رسلا.
وقوله: ( أَلا تَعْبُدُوا إِلا
اللَّهَ ) يقول
تعالى ذكره: جاءتهم الرسل بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له.
قالوا: ( لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنـزلَ
مَلائِكَةً ) يقول
جل ثناؤه: فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد الله: لو شاء ربنا أن نوحده,
ولا نعبد من دونه شيئا غيره, لأنـزل إلينا ملائكة من السماء رسلا بما تدعوننا أنتم
إليه, ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا, ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد, فلذلك لم يرسل
إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة.
وقوله: ( فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ
بِهِ كَافِرُونَ ) يقول:
قال لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدّقين به.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 15 )
يقول
تعالى ذكره: (
فَأَمَّا عَادٌ ) قوم
هود (
فَاسْتَكْبَرُوا ) على
ربهم وتجبروا ( فِي
الأرْضِ ) تكبرا
وعتوّا بغير ما أذن الله لهم به (
وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي
خَلَقَهُمْ )
وأعطاهم ما أعطاهم من عظم الخلق, وشدة البطش ( هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) فيحذروا عقابه, ويتقوا سطوته
لكفرهم به, وتكذيبهم رسله. يقول: وكانوا بأدلتنا وحججنا عليهم يجحدون.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16
)
يقول
تعالى ذكره: فأرسلنا على عاد ريحا صرصرا.
واختلف
أهل التأويل في معنى الصرصر, فقال بعضهم: عني بذلك أنها ريح شديدة.
ذكر
من قال ذلك.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله
(
رِيحًا صَرْصَرًا ) قال:
شديدة.
حدثني
الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( رِيحًا صَرْصَرًا ) شديدة السَّموم عليهم.
وقال
آخرون: بل عنى بها أنها باردة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: الصرصر: الباردة.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: باردة.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: باردة ذات الصوت.
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت. الضحاك يقول, في قوله: ( رِيحًا صَرْصَرًا ) يقول: ريحا فيها برد شديد.
وأولى
القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد, وذلك أن قوله: ( صَرْصَرًا ) إنما هو صوت الريح إذا هبت
بشدة, فسمع لها كقول القائل: صرر, ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء, فقال
ثم أبدلت إحدى الراءات صادا لكثرة الراءات, كما قيل في ردده: ردرده, وفي نههه:
نهنهه, كما قال رؤبة:
فــــالْيَوْمَ
قَــــدْ تُنَهْنِهُنـــي وَأَوَّلُ حِــــلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَــــفَّهِ
وكما قيل
في كففه: كفكفه, كما قال النابغة?
أُكَفكِــفُ
عَــبْرَةً غَلَبَــتْ عُـدَاتِي إذَا نَهْنَهْتُهَـــا عـــادَت ذُباحــا
وقد قيل:
إن النهر الذي يسمى صرصرا, إنما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه, وإنه « فعلل » من صرر نظير الريح الصرصر.
وقوله: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) اختلف أهل التأويل في تأويل
النحسات, فقال بعضهم: عني بها المتتابعات.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( فِي
أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال:
أيام متتابعات أنـزل الله فيهن العذاب.
وقال
آخرون: عني بذلك المشائيم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: مشائيم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) أيام والله كانت مشئومات على القوم.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: النحسات: المشئومات
النكدات.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: أيام مشئومات عليهم.
وقال
آخرون: معنى ذلك: أيام ذات شر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد قوله: ( أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: النحس: الشر; أرسل عليهم
ريح شر ليس فيها من الخير شيء.
وقال
آخرون: النحسات: الشداد.
ذكر
من قال ذلك:
حُدثت عن
الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: شداد.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها: أيام مشائيم ذات نحوس, لأن ذلك هو
المعروف من معنى النحس في كلام العرب.
وقد
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قراء الأمصار غير نافع وأبي عمرو ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) بكسر الحاء, وقرأه نافع وأبو
عمرو: «
نَحْسَاتٍ » بسكون
الحاء. وكان أبو عمرو فيما ذكر لنا عنه يحتج لتسكينه الحاء بقوله: يَوْمِ نَحْسٍ
مُسْتَمِرٍّ وأن الحاء فيه ساكنة.
والصواب
من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان, قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء
علماء مع اتفاق معنييهما, وذلك أن تحريك الحاء وتسكينها في ذلك لغتان معروفتان,
يقال هذا يوم نحْس, ويوم نَحِس, بكسر الحاء وسكونها; قال الفرّاء: أنشدني بعض
العرب?
أبْلِــغْ
جُذَامــا وَلَخْمـا أنَّ إخْـوَتَهُمْ طَيَّـا وَبَهْـرَاءَ قَـوْمٌ نَصْـرُهُمْ
نَحِسُ
وأما من
السكون فقول الله يَوْمِ نَحْسٍ ; منه قول الراجز?
يَــوْمَيْنِ
غَيْمَيْــنِ وَيَوْمــا شَمْسـا نَجْــمَيْنِ بالسَّــعْدِ وَنَجْمــا نَحْسـا
فمن كان
في لغته: يَوْمِ نَحْسٍ قال: « في
أيَّامٍ نَحْساتٍ » , ومن
كان في لغته: (
يَوْمِ نَحِسٍ ) قال: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) , وقد قال بعضهم: النحْس
بسكون الحاء: هو الشؤم نفسه, وإن إضافة اليوم إلى النحس, إنما هو إضافة إلى الشوم,
وإن النحِس بكسر الحاء نعت لليوم بأنه مشئوم, ولذلك قيل: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) لأنها أيام مشائيم.
وقوله: ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول جل ثناؤه: ولعذابنا إياهم في الآخرة أخزى لهم وأشد
إهانة وإذلالا. يقول: وهم يعني عادا لا ينصرهم من الله يوم القيامة إذا عذبهم
ناصر, فينقذهم منه, أو ينتصر لهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ
الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )
يقول
تعالى ذكره: فبينا لهم سبيل الحق وطريق الرشد.
كما
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ ) : أي
بيَّنا لهم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) بينا لهم سبيل الخير والشرّ.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) بينا لهم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ ) قال:
أعلمناهم الهدى والضلالة, ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة, وأمرناهم أن يتبعوا الهدى.
وقد
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (
ثَمُودُ ) فقرأته
عامة القراء من الأمصار غير الأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق برفع ثمود, وترك
إجرائها على أنها اسم للأمة التي تعرف بذلك. وأما الأعمش فإنه ذكر عنه أنه كان يجري
ذلك في القرآن كله إلا في قوله: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فإنه
كان لا يجريه في هذا الموضع خاصة من أجل أنه في خطّ المصحف في هذا الموضع بغير
ألف, وكان يوجه ثمود إلى أنه اسم رجل بعينه معروف, أو اسم جيل معروف. وأما ابن
إسحاق فإنه كان يقرؤه نصبا. وأما ثمود بغير إجراء, وذلك وإن كان له في العربية وجه
معروف, فإن أفصحَ منه وأصحّ في الإعراب عند أهل العربية الرفع لطلب أما الأسماء
وأن الأفعال لا تليها, وإنما تعمل العرب الأفعال التي بعد الأسماء فيها إذا حسن
تقديمها قبلها والفعل في أما لا يحسن تقديمه قبل الاسم; ألا ترى أنه لا يقال: وأما
هدينا فثمود, كما يقال: (
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) .
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا الرفع وترك الإجراء; أما الرفع فلما وصفت, وأما ترك
الإجراء فلأنه اسم للأمة.
وقوله: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى ) يقول:
فاختاروا العمى على البيان الذي بينت لهم, والهدى الذي عرفتهم, بأخذهم طريق الضلال
على الهدى, يعني على البيان الذي بينه لهم, من توحيد الله.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط. عن السديّ ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) قال: اختاروا الضلالة والعمى
على الهدى.
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) قال: أرسل الله إليهم الرسل
بالهدى فاستحبوا العمى على الهدى.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى ) يقول: بينا لهم, فاستحبوا
العمى على الهدى.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى ) قال:
استحبوا الضلالة على الهدى, وقرأ: و كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ
عَمَلَهُمْ ... إلى آخر الآية, قال: فزين لثمود عملها القبيح, وقرأ: أَفَمَنْ
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ
يَشَاءُ ... إلى آخر الآية.
وقوله: ( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ
الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) يقول: فأهلكتهم من العذاب المذل المهين لهم مهلكة أذلتهم
وأخزتهم; والهون: هو الهوان.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( عَذَابَ الْهُونِ ) قال: الهوان.
وقوله: ( بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) من الآثام بكفرهم بالله قبل
ذلك, وخلافهم إياه, وتكذيبهم رسله.
وقوله: ( وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا ) يقول:
ونجينا الذين آمنوا من العذاب الذي أخذهم بكفرهم بالله, الذين وحدوا الله, وصدقوا
رسله.
يقول:
وكانوا يخافون الله أن يحل بهم من العقوبة على كفرهم لو كفروا ما حل بالذين هلكوا
منهم, فآمنوا اتقاء الله وخوف وعيده, وصدقوا رسله, وخلعوا الآلهة والأنداد.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ
اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 20 )
يقول
تعالى ذكره: ويوم يجمع هؤلاء المشركون أعداء الله إلى النار, إلى نار جهنم, فهم
يحبس أولهم على آخرهم.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: يحبس أوّلهم على آخرهم.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال: عليهم وزعة تردّ أولاهم على أُخراهم.
وقوله: ( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ ) يقول: حتى إذا ما جاءوا النار شهد عليهم سمعهم بما كانوا
يصغون به في الدنيا إليه, ويسمعون له, وأبصارهم بما كانوا ينظرون إليه في الدنيا ( وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) .
وقد قيل:
عني بالجلود في هذا الموضع: الفروج.
ذكر
من قال ذلك.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القمي, عن الحكم الثقفي, رجل من آل أبي عقيل رفع الحديث,
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا إنما عني فروجهم, ولكن كني
عنها.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثنا حرملة, أنه سمع عبيد الله بن أبي جعفر, يقول
(
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ
وَجُلُودُهُمْ ) قال:
جلودهم: الفروج.
وهذا
القول الذي ذكرناه عمن ذكرنا عنه في معنى الجلود, وإن كان معنى يحتمله التأويل,
فليس بالأغلب على معنى الجلود ولا بالأشهر, وغير جائز نقل معنى ذلك المعروف على
الشيء الأقرب إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا
جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا
تَعْمَلُونَ ( 22 )
يقول
تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين يحشرون إلى النار من أعداء الله سبحانه لجلودهم إذ
شهدت عليهم بما كانوا في الدنيا يعملون: لم شهدتم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟.
فأجابتهم
جلودهم: (
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) فنطقنا; وذكر أن هذه الجوارح
تشهد على أهلها عند استشهاد الله إياها عليهم إذا هم أنكروا الأفعال التي كانوا
فعلوها في الدنيا بما سخط الله, وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر الأخبار
التي رُويت عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
حدثنا
أحمد بن حازم الغفاريّ, قال: أخبرنا عليّ بن قادم الفزاري, قال: أخبرنا شريك, عن
عبيد المُكْتِب, عن الشعبيّ, عن أنس, قال: ضحك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم ذات يوم حتى بدت نواجذه, ثم قال: « ألا تَسْأَلُونِي ممَّ ضَحِكْتُ؟ » قالوا: ممّ ضحكتَ يا رسول
الله؟ قال: «
عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ! قال: يقُولُ: يا
رَبّ ألَيْسَ وَعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي؟ قالَ: فإنَّ لكَ ذلكَ, قال: فإنّي
لا أقْبَلُ عليَّ شاهدًا إلا مِنْ نَفْسِي, قالَ: أوَلَيْس كفَى بِي شَهِيدًا,
وَبالمَلائِكَةِ الكرَام الكاتبين؟ قالَ فَيُخْتمُ عَلى فِيه, وَتَتَكَلَّمُ
أرْكانُهُ بِمَا كانَ يَعْمَلُ, قالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ
وسُحْقا, عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجادِلُ » .
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن عبيد المكتب, عن فضيل بن عمرو, عن الشعبي,
عن أنس, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.
حدثني
عباس بن أبي طالب, قال: ثنا يحيى بن أبي بكر, عن شبل, قال: سمعت أبا قزعة يحدّث
عمرو بن دينار, عن حكيم بن معاوية, عن أبيه, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم أنه قال, وأشار بيده إلى الشأم, قال: « هاهُنا إلى هاهُنا تحْشَرُونَ رُكْبانا وَمُشاةً على
وُجُوهِكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ, على أفْوَاهِكُمْ الفِدامُ, تُوَقُّونَ سَبْعِينَ
أُمَّةً أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها على الله, وإن أوَّلَ ما يُعْرِبُ مِنْ
أحَدِكُمْ فَخِذُهُ » .
حدثنا
مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الحريري, عن حكيم بن معاوية, عن أبيه
عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: وتَجِيئُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ على
أفْوَاهِكُمْ الفِدامُ, وإنَّ أوَّلَ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيّ فَخِذُهُ
وكَفُّهُ « . »
حدثني
يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن بهز بن حكيم, عن أبيه, عن جده, قال: قال
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم « ما لي أُمْسكُ بحُجَزِكُمْ مِنَ النَّارِ؟ ألا إن رَبِّي
داعيَّ وإنَّهُ سائِلي هَلْ بَلَّغْت عِبادَهُ؟ وإنّي قائِلٌ: رَبّ قَدْ
بَلَّغْتُهُمْ, فَيُبَلِّغَ شاهدُكُمْ غائِبَكُمْ, ثُمَّ إنَّكُمْ مُدَّعُونَ
مُفَدَّمَةً أفْوَاهُكُمْ بالفِدامِ, ثُمَّ إنَّ أوَّل ما يُبِينُ عَنْ أَحْدِكَمْ
لفَخِذُهُ وكَفُّهُ » .
حدثني
محمد بن خلف, قال: ثنا الهيثم بن خارجة, عن إسماعيل بن عياش, عن ضمضم بن زُرْعة,
عن شريح بن عبيد, عن عقبة, سمع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: « إنَّ أوَّل عَظْمٍ تَكَلَّمَ
مِنَ الإنْسانِ يَوْمَ يخْتَمُ على الأفْوَاهِ فَخِذُه ُمِنَ الرِّجْل الشمال » .
وقوله: ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ ) يقول
تعالى ذكره: والله خلقكم الخلق الأول ولم تكونوا شيئا. يقول: وإليه مصيركم من بعد
مماتكم. ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) في
الدنيا ( أَنْ
يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ ) يوم
القيامة (
سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) .
واختلف
أهل التأويل في معنى قوله: ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) , فقال
بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا محمد
بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ ) : أي
تَسْتَخْفُونَ منها.
وقال
آخرون: معناه: وما كنتم تتقون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال:
ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ ) قال:
تتقون.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) يقول: وما كنتم تظنون ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) حتى
بلغ (
كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم ( تَعْمَلُونَ ) , والله إن عليك يا ابن آدم
لشهودا غير متهمة من بدنك, فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك, فإنه لا يخفي
عليه خافية, الظلمة عنده ضوء, والسر عنده علانية, فمن استطاع أن يموت وهو بالله
حسن الظنّ فليفعل, ولا قوّة إلا بالله.
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَستَخْفُون, فتتركوا ركوب
محارم الله في الدنيا حذرا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.
وإنما
قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.
فإن قال
قائل: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه مما يأتي؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو
الأماني, وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه.
وقوله: ( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ
اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم (
تَعْمَلُونَ ) يقول
جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي الله أن الله لا يعلم كثيرا
مما تعملون من أعمالكم الخبيثة, فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم
وجلودكم, فتتركوا ركوب ما حرّم الله عليكم.
وذُكر أن
هذه الآية نـزلت من أجل نفر تدارَءُوا بينهم في علم الله بما يقولونه ويتكلمون
سرًا.
* ذكر
الخبر بذلك.
حدثني
ابن يحيى القطعي, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا قيس, عن منصور, عن مجاهد, عن أبي
معمر الأزدي, عن عبد الله بن مسعود, قال: كنت مستترا بأستار الكعبة, فدخل ثلاثة
نفر, ثَقَفيان وقُرشيّ, أو قُرشيان وثَقَفي, كثير شحوم بطونهما, قليل فقه قلوبهما,
فتكلموا بكلام لم أفهمه, فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الرجلان:
إذا رفعنا أصواتنا سمع, وإذا لم نرفع لم يسمع, فأتيت رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت له ذلك, فنـزلت هذه الآية: ( وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) ... إلى آخر الآية.
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا سفيان, قال: ثني الأعمش, عن عمارة
بن عمير, عن وهب بن ربيعة, عن عبد الله بن مسعود, قال: إني لمستتر بأستار الكعبة,
إذ دخل ثلاثة نفر, ثقفي وختناه قرشيان, قليل فقه قلوبهما, كثير شحوم بطونهما,
فتحدثوا بينهم بحديث, فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إنه يسمع
إذا رفعنا, ولا يسمع إذا خفضنا. وقال الآخر: إذا كان يسمع منه شيئا فهو يسمعه كله,
قال: فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت ذلك له, فنـزلت هذه
الآية: ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) ... حتى بلغ وَإِنْ
يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ .
حدثنا ابن
بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, قال: ثني منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن
عبد الله بنحوه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي
ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )
يقول
تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما
تعملون من قبائح أعمالكم ومساويها, هو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم,
يعني أهلككم. يقال منه: أردى فلانا كذا وكذا: إذا أهلكه, وردي هو: إذا هلك, فهو
يردى ردى; ومنه قول الأعشى:
أفِـي
الطَّـوْفِ خِـفْتِ عَـليَّ الـرَّدَى وكَــمْ مِــنْ ردًى أهْلَـهُ لَـمْ يَـرِمْ
يعني:
وكم من هالك أهله لم يرم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) قال: أهلككم.
حدثنا ابن
عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: تلا الحسن: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ
الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم; فأما المؤمن
فأحسن بالله الظن, فأحسن العمل; وأما الكافر والمنافق, فأساءا الظن فأساءا العمل,
قال ربكم: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا
أَبْصَارُكُمْ ... حتى بلغ : (
الخاسرين ) . قال
معمر: وحدثني رجل: أنه يؤمر برجل إلى النار, فيلتفت فيقول: يا ربّ ما كان هذا ظني
بك, قال: وما كان ظنك بي؟ قال: كان ظني أن تغفر لي ولا تعذّبني, قال: فإني عند ظنك
بي « . »
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: الظنّ ظنان, فظنّ منج, وظنّ
مُرْدٍ قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قال إِنِّي
ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ , وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا, وقال ها هنا:
(
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) هذا ظنّ مُرْدٍ.
وقوله:
وقال الكافرون إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وذُكر لنا
أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول ويروي ذلك عن ربه: « عَبْدِي عِنْدَ ظنِّه بِي,
وأنا مَعَهُ إذَا دَعانِي » . وموضع
قوله: (
ذَلِكُمْ ) رفع
بقوله ظنكم. وإذا كان ذلك كذلك, كان قوله: ( أَرْدَاكُمْ ) في موضع نصب بمعنى: مرديا لكم. وقد يُحتمل أن يكون في موضع
رفع بالاستئناف, بمعنى: مردٍ لكم, كما قال: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ *
هُدًى وَرَحْمَةً في قراءة من قرأه بالرفع. فمعنى الكلام: هذا الظنّ الذي ظننتم
بربكم من أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم, لأنكم من أجل هذا الظنّ
اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها, وركبتم ما نهاكم الله عنه, فأهلككم ذلك
وأرداكم. يقول: فأصبحتم اليوم من الهالكين, قد غبنتم ببيعكم منازلكم من الجنة
بمنازل أهل الجنة من النار.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ
مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 )
يقول
تعالى ذكره: فإن يصبر هؤلاء الذين يحشرون إلى النار على النار, فالنار مسكن لهم
ومنـزل. يقول: وإن يسألوا العُتبى, وهي الرجعة لهم إلى الذي يحبون بتخفيف العذاب
عنهم. يقول: فليسوا بالقوم الذين يرجع بهم إلى الجنة, فيخفف عنهم ما هم فيه من
العذاب, وذلك كقوله جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا
شِقْوَتُنَا ... إلى قوله وَلا تُكَلِّمُونِ وكقولهم لخزنة جهنم: ادْعُوا
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ... إلى قوله: وَمَا دُعَاءُ
الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ
قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 25 )
يعنى
تعالى ذكره بقوله: (
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ ) وبعثنا
لهم نُظراء من الشياطين, فجعلناهم لهم قرناء قرنَّاهم بهم يزيِّنون لهم قبائح
أعمالهم, فزينوا لهم ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ ) قال: الشيطان.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ
قُرَنَاءَ ) قال:
شياطين.
وقوله: ( فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) يقول:
فزين لهؤلاء الكفار قرناؤُهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا. فحسنوا ذلك
لهم وحبَّبوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) يقول: وحسَّنوا لهم أيضا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى
التكذيب بالمعاد, وأن من هلك منهم, فلن يُبعث, وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدّقوهم
على ذلك, وسهل عليهم فعل كلّ ما يشتهونه, وركوب كلّ ما يلتذونه من الفواحش
باستحسانهم ذلك لأنفسهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر الدنيا ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) من أمر الآخرة.
وقوله: ( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ
الْقَوْلُ ) يقول
تعالى ذكره: ووجب لهم العذاب بركوبهم ما ركبوا مما زين لهم قرناؤهم وهم من
الشياطين.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ
الْقَوْلُ ) قال:
العذاب. ( فِي
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) , يقول تعالى ذكره: وحق على
هؤلاء الذين قيضنا لهم قُرَناء من الشياطين, فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم
العذاب في أمم قد مضت قبلهم من ضربائهم, حق عليهم من عذابنا مثل الذي حَقّ على
هؤلاء بعضهم من الجن وبعضهم من الإنس.
( إِنَّهُمْ كَانُوا
خَاسِرِينَ ) يقول:
إن تلك الأمم الذين حق عليهم عذابنا من الجنّ والإنس, كانوا مغبونين ببيعهم رضا
الله ورحمته بسخطه وعذابه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26
) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله
ورسوله من مشركي قريش: ( لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) يقول: قالوا للذين يطيعونهم من أوليائهم من المشركين: لا
تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه, ولا تصغوا له, ولا تتبعوا ما فيه فتعملوا به.
كما
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن
عباس قوله: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) قال:
هذا قول المشركين, قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه.
وقوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) يقول: الغطوا بالباطل من
القول إذا سمعتم قارئه يقرؤه كَيْما لا تسمعوه, ولا تفهموا ما فيه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي
بزّة, عن مجاهد, في قول الله: ( لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: المكاء والتصفير, وتخليط من القول على رسول الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا قرأ, قريش تفعله.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: بالمكاء والتصفير
والتخليط في المنطق على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا قرأ القرآن,
قريش تفعله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) : أي اجحدوا به وأنكروه
وعادوه, قال: هذا قول مشركي العرب.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: قال بعضهم في قوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: تحدثوا وصيحوا كيما لا
تسمعوه.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) يقول: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون
من أراد استماعه عن استماعه, فلا يسمعه, وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه,
فتغلبون بذلك من فعلكم محمدا.
قال الله
جل ثناؤه: (
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله من مشركي قريش الذين قالوا هذا القول عذابا شديدا في
الآخرة (
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: ولنثيبنهم على فعلهم
ذلك وغيره من أفعالهم بأقبح جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ
اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 28 )
يقول
تعالى ذكره: هذا الجزاء الذي يجزى به هؤلاء الذين كفروا من مشركي قريش جزاء أعداء
الله; ثم ابتدأ جلّ ثناؤه الخبر عن صفة ذلك الجزاء, وما هو فقال: هو النار, فالنار
بيان عن الجزاء, وترجمة عنه, وهي مرفوعة بالردّ عليه; ثم قال: ( لَهُمْ فِيهَا دَارُ
الْخُلْدِ ) يعني
لهؤلاء المشركين بالله في النار دار الخلد يعني دار المكث واللبث, إلى غير نهاية
ولا أمد; والدار التي أخبر جلّ ثناؤه أنها لهم في النار هي النار, وحسن ذلك
لاختلاف اللفظين, كما يقال: لك من بلدتك دار صالحة, ومن الكوفة دار كريمة, والدار:
هي الكوفة والبلدة, فيحسن ذلك لاختلاف الألفاظ, وقد ذكر لنا أنها في قراءة ابن
مسعود: « ذَلكَ
جَزَاءُ أعْدَاء اللهِ النَّارُ دَارُ الخُلْدِ » ففي ذلك تصحيح ما قلنا من التأويل في ذلك, وذلك أنه ترجم
بالدار عن النار.
وقوله: ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) يقول:
فعلنا هذا الذي فعلنا بهؤلاء من مجازاتنا إياهم النار على فعلهم جزاء منا بجحودهم
في الدنيا بآياتنا التي احتججنا بها عليهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا
تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ( 29 )
يقول
تعالى ذكره: وقال الذين كفروا بالله ورسوله يوم القيامة بعد ما أدخلوا جهنم: يا
ربنا أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جنهم وإنسهم. وقيل: إن الذي هو من الجنّ
إبليس, والذي هو من الإنس ابن آدم الذي قتل أخاه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ثابت الحداد, عن حبة العرنيّ
عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ( أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) قال: إبليس الأبالسة وابن آدم
الذي قتل أخاه.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن سلمة, عن مالك بن حصين, عن
أبيه عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ( رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ
وَالإنْسِ ) قال:
إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثني وهب بن جرير, قال: ثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن أبي مالك
وابن مالك, عن أبيه, عن علي رضي الله عنه ( رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ
) قال:
ابن آدم الذي قتل أخاه, وإبليس الأبالسة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه, في قوله: (
رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) ... الآية, فإنهما ابن آدم
القاتل, وإبليس الأبالسة. فأما ابن آدم فيدعو به كلّ صاحب كبيرة دخل النار من أجل
الدعوة. وأما إبليس فيدعو به كل صاحب شرك, يدعوانهما في النار.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, قال: ثنا معمر, عن قتادة ( رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ
أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) هو الشيطان, وابن آدم الذي قتل أخاه.
وقوله ( نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ
أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ ) يقول: نجعل هذين اللذين أضلانا تحت أقدامنا, لأن أبواب جهنم
بعضها أسفل من بعض, وكل ما سفل منها فهو أشد على أهله, وعذاب أهله أغلظ, ولذلك سأل
هؤلاء الكفار ربهم أن يريهم اللذين أضلاهم ليجعلوهما أسفل منهم ليكونا في أشد
العذاب في الدرك الأسفل من النار.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا
تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
( 30 )
يقول
تعالى ذكره: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) وحده لا شريك له, وبرئوا من الآلهة والأنداد, ( ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) على توحيد الله, ولم يخلطوا
توحيد الله بشرك غيره به, وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسوله الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقاله
أهل التأويل على اختلاف منهم, في معنى قوله: ( ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) ذُكر الخبر بذلك عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم.
حدثنا
عمرو بن عليّ, قال: ثنا سالم بن قتيبة أبو قتيبة, قال: ثنا سهيل بن أبي حزم
القطعي, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم قرأ: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: « قد قالها الناس, ثم كفر
أكثرهم, فمن مات عليها فهو ممن استقام » .
وقال
بعضهم: معناه: ولم يشركوا به شيئا. ولكن تموا على التوحيد.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار. قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن عامر بن سعد, عن
سعيد بن عمران, قال: قد قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئا.
حدثنا
ابن وكيع. قال: ثنا أبي, عن سفيان بإسناده, عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه, مثله.
قال ثنا
جرير بن عبد الحميد. وعبد الله بن إدريس عن الشيباني, عن أبي بكر بن أبي موسى, عن
الأسود بن هلال, عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها, قال: لقد حملتموها على
غير المحمل ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) الذين لم يعدلوها بشرك ولا
غيره.
حدثنا
أبو كريب وأبو السائب قالا ثنا إدريس, قال: أخبرنا الشيباني, عن أبي بكر بن أبي
موسى, عن الأسود بن هلال المحاربي, قال: قال أبو بكر: ما تقولون في هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: ربنا الله ثم استقاموا من ذنب, قال: فقال أبو بكر: لقد
حملتم على غير المحمل, قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره.
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال:
أي على: لا إله إلا الله.
قال: ثنا
حكام عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) قال:
أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به.
قال: ثنا
حكام عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) قال:
أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به.
قال: ثنا
حكام, قال: ثنا عمرو, عن منصور, عن جامع بن شداد, عن الأسود بن هلال مثل ذلك.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) قال:
تموا على ذلك.
حدثني
سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص بن عمر, قال: ثنا الحكم بن أبان, عن
عكرمة قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: استقاموا على شهادة أن
لا إله إلا الله.
وقال
آخرون: معنى ذلك: ثم استقاموا على طاعته.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أحمد بن منيع, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, قال: ثنا يونس بن يزيد عن الزهري,
قال: تلا عمر رضي الله عنه على المنبر: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) قال:
استقاموا والله بطاعته, ولم يروغوا روغان الثعلب.
حدثنا
ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال استقاموا على طاعة الله. وكان الحسن إذا تلاها قال: اللهمَّ
فأنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
حدثني
عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) يقول: على أداء فرائضه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال: على عبادة الله وعلى طاعته.
وقوله: ( تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ ) يقول:
تتهبط عليهم الملائكة عند نـزول الموت بهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي
بزّة, عن مجاهد, في قوله: (
تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ) قال: عند الموت.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) قال: عند الموت.
وقوله: ( أَلا تَخَافُوا وَلا
تَحْزَنُوا ) يقول:
تتنـزل عليهم الملائكة بأن لا تخافوا ولا تحزنوا; فإن في موضع نصب إذا كان ذلك
معناه.
وقد ذُكر
عن عبد الله أنه كان يقرأ ذلك «
تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا » بمعنى: تتنـزل عليهم قائلة: لا
تخافوا, ولا تحزنوا. وعنى بقوله: ( أَلا تَخَافُوا ) ما تقدمون عليه من بعد مماتكم ( وَلا تَحْزَنُوا ) على ما تخلفونه وراءكم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ) قال لا تخافوا ما أمامكم, ولا
تحزنوا على ما بعدكم.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد,
قوله: (
تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ) قال: لا تخافوا ما تقدمون
عليه من أمر الآخرة, ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد, فإنا نخلفكم
في ذلك كله.
وقيل: إن
ذلك في الآخرة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّة ) فذلك في الآخرة.
وقوله: ( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) يقول:
وسروا بأن لكم في الآخرة الجنة التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم بالله,
واستقامتكم على طاعته.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) في
الدنيا.
القول
في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 )
يقول
تعالى ذكره مخبرا عن قيل ملائكته التي تتنـزل على هؤلاء المؤمنين الذين استقاموا
على طاعته عند موتهم: (
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ) أيها
القوم ( فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) كنا
نتولاكم فيها; وذكر أنهم الحفظة الذين كانوا يكتبون أعمالهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) نحن الحفظة الذين كنا معكم في
الدنيا, ونحن أولياؤكم في الآخرة.
وقوله: ( وَفِي الآخِرَةِ ) يقول: وفي الآخرة أيضا نحن
أولياؤكم, كما كنا لكم في الدنيا أولياء, يقول: ولكم في الآخرة عند الله ما تشتهي
أنفسكم من اللّذات والشهوات.
وقوله: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَدَّعُونَ ) يقول:
ولكم في الآخرة ما تدّعون. وقوله: ( نـزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) يقول: أعطاكم ذلك ربكم نـزلا
لكم من ربّ غفور لذنوبكم, رحيم بكم أن يعاقبكم بعد توبتكم; ونصب نـزلا على المصدر
من معنى قوله: (
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) لأن في ذلك تأويل أنـزلكم
ربكم بما يشتهون من النعيم نـزلا.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
يقول
تعالى ذكره: ومن أحسن أيها الناس قولا ممن قال ربنا الله ثم استقام على الإيمان
به, والانتهاء إلى أمره ونهيه, ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: تلا الحسن: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) قال:
هذا حبيب الله, هذا وليّ الله, هذا صفوة الله, هذا خيرة الله, هذا أحبّ الخلق إلى
الله, أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته, وعمل صالحا
في إجابته, وقال: إنني من المسلمين, فهذا خليفة الله.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) ...
الآية, قال: هذا عبد صدّق قولَه عملُه, ومولَجه مخرجُه, وسرَّه علانيته, وشاهده
مغيبه, وإن المنافق عبد خالف قوله عمله, ومولجه مخرجه, وسرَّه علانيته, وشاهده
مغيبه.
واختلف
أهل العلم في الذي أريد بهذه الصفة من الناس, فقال بعضهم: عني بها نبيّ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) قال:
محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين دعا إلى الإسلام.
حدثني
يونس قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) قال:
هذا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. وقال آخرون: عُني به المؤذّن.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
داود بن سليمان بن يزيد المكتب البصري, قال: ثنا عمرو بن جرير البجلي, عن إسماعيل
بن أبي خالد, عن قيس بن أبي حازم, في قول الله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) قال: المؤذن ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) قال: الصلاة ما بين الأذان
إلى الإقامة.
وقوله: ( وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) يقول:
وقال: إنني ممن خضع لله بالطاعة, وذل له بالعبودة, وخشع له بالإيمان بوحدانيته.
وقوله: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ
وَلا السَّيِّئَةُ ) يقول
تعالى ذكره: ولا تستوي حسنة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا, فأحسنوا في قولهم,
وإجابتهم وبهم إلى ما دعاهم إليه من طاعته, ودعوا عباد الله إلى مثل الذي أجابوا
ربهم إليه, وسيئة الذين قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فكذلك لا تستوي عند الله أحوالهم ومنازلهم, ولكنها تختلف
كما وصف جلّ ثناؤه أنه خالف بينهما, وقال جلّ ثناؤه: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ
وَلا السَّيِّئَةُ ) فكرر
لا والمعنى: لا تستوي الحسنة ولا السيئة, لأن كلّ ما كان غير مساو شيئا, فالشيء
الذي هو له غير مساو غير مساويه, كما أن كل ما كان مساويا لشيء فالآخر الذي هو له
مساو, مساو له, فيقال: فلان مساو فلانا, وفلان له مساو, فكذلك فلان ليس مساويا
لفلان, لا فلان مساويا له, فلذلك كرّرت لا مع السيئة, ولو لم تكن مكرّرة معها كان
الكلام صحيحا. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: يجوز أن يقال: الثانية زائدة; يريد:
لا يستوي عبد الله وزيد, فزيدت لا توكيدا, كما قال لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ
الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ أي لأن يعلم, وكما قال: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ . وقد كان بعضهم ينكر
قوله هذا في: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ , وفي قوله: لا أُقْسِمُ فيقول:
لا الثانية في قوله: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أن لا يقدرون ردّت إلى
موضعها, لأن النفي إنما لحق يقدرون لا العلم, كما يقال: لا أظنّ زيدا لا يقوم,
بمعنى: أظن زيدا لا يقوم; قال: وربما استوثقوا فجاءوا به أوّلا وآخرا, وربما
اكتفوا بالأول من الثاني.
وحُكي
سماعا من العرب: ما كأني أعرفها: أي كأني لا أعرفها. قال: وأما « لا » في قوله لا أُقْسِمُ فإنما هو
جواب, والقسم بعدها مستأنف, ولا يكون حرف الجحد مبتدأ صلة.
وإنما
عنى يقوله. ( وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَة ) ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل
بمعصيته.
وقوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ) يقول
تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ادفع يا محمد بحلمك جهل من
جهل عليك, وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء, وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم,
ويلقاك من قِبلهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في تأويله.
ذكر من
قال ذلك.
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ) قال:
أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب, والحلم والعفو عند الإساءة, فإذا فعلوا ذلك
عصمهم الله من الشيطان, وخضع لهم عدوُّهم, كأنه وليّ حميم.
وقال
آخرون: معنى ذلك: ادفع بالسلام على من أساء إليك إساءته.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن طلحة بن عمرو, عن عطاء ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ) قال:
بالسلام.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم الجزري, عن
مجاهد (
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال:
السلام عليك إذا لقيته.
وقوله: ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: افعل هذا الذي أمرتك به يا محمد من دفع
سيئة المسيء إليك بإحسانك الذي أمرتك به إليه, فيصير المسيء إليك الذي بينك وبينه
عداوة, كأنه من ملاطفته إياك. وبرّه لك, وليّ لك من بني أعمامك, قريب النسب بك,
والحميم: هو القريب.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد. قال: ثنا سعيد, , عن قتادة ( كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) : أي كأنه وليّ قريب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) وَإِمَّا
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 )
يقول
تعالى ذكره: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا لله على المكاره,
والأمور الشاقة; وقال: ( وَمَا
يُلَقَّاهَا ) ولم
يقل: وما يلقاه, لأن معنى الكلام: وما يلقى هذه الفعلة من دفع السيئة بالتي هي
أحسن.
وقوله: ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو
حَظٍّ عَظِيمٍ ) .
يقول: وما يلقى هذه إلا ذو نصيب وجدّ له سابق في المبرات عظيم.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو
حَظٍّ عَظِيمٍ ) : ذو
جدّ.
وقيل: إن
ذلك الحظ الذي أخبر الله جلّ ثناؤه في هذه الآية أنه لهؤلاء القوم هو الجنة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا ) ... الآية. والحظّ العظيم:
الجنة. ذكر لنا أن أبا بكر رضي الله عنه شتمه رجل ونبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم شاهد, فعفا عنه ساعة, ثم إن أبا بكر جاش به الغضب, فردّ عليه, فقام
النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فاتبعه أبو بكر, فقال يا رسول الله شتمني
الرجل, فعفوت وصفحت وأنت قاعد, فلما أخذت أنتصر قمت يا نبيّ الله, فقال نبيّ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: « إنَّهُ
كانَ يَرُدُّ عَنْكَ مَلَكٌ من المَلائكَةِ, فَلَمَّا قَرُبْتَ تَنْتَصِرُ ذَهَبَ
المَلَكُ وَجاءَ الشَّيْطانُ, فَوَاللهِ ما كُنْتُ لأجالِسَ الشَّيْطانَ يا أبا
بَكْرٍ » .
حدثني
عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) يقول: الذين أعدّ الله لهم
الجنة.
وقوله: ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نـزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) ... الآية, يقول تعالى ذكره: وإما يلقين الشيطان يا محمد في
نفسك وسوسة من حديث النفس إرادة حملك على مجازاة المسيء بالإساءة, ودعائك إلى
مساءته, فاستجر بالله واعتصم من خطواته, إن الله هو السميع لاستعاذتك منه
واستجارتك به من نـزغاته, ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك, العليم بما ألقى في نفسك
من نـزغاته, وحدثتك به نفسك ومما يذهب ذلك من قبلك, وغير ذلك من أمورك وأمور خلقه.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نـزغٌ ) قال:
وسوسة وحديث النفس (
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) .
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ ) هذا الغضب.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ
وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37
)
يقول
تعالى ذكره: ومن حجج الله تعالى على خلقه ودلالته على وحدانيته, وعظيم سلطانه,
اختلاف الليل والنهار, ومعاقبة كلّ واحد منهما صاحبه, والشمس والقمر, لا الشمس
تدرك القمر وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فلك يسبحون لا تسجدوا
أيها الناس للشمس ولا للقمر, فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم, فإنما يجريان به
لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما, لا بأنهما يقدران
بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما, أو يستطيعان لكم نفعا أو
ضرّا, وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم, فله فاسجدوا, وإياه فاعبدوا
دونها, فإنه إن شاء طمس ضوءهما, فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلا ولا تبصرون
شيئا. وقيل: (
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ) فجمع بالهاء والنون, لأن المراد من الكلام: واسجدوا لله
الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر, وذلك جمع, وأنث كنايتهن, وإن كان من شأن
العرب إذا جمعوا الذكر إلى الأنثى أن يخرجوا كنايتهما بلفظ كناية المذكر فيقولوا:
أخواك وأختاك كلموني, ولا يقولوا: كلمنني, لأن من شأنهم أن يؤنثوا أخبار الذكور من
غير بني آدم في الجمع, فيقولوا: رأيت مع عمرو أثوابا فأخذتهن منه. وأعجبني خواتيم
لزيد قبضتهنّ منه.
وقوله: ( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ ) يقول:
إن كنتم تعبدون الله, وتذلون له بالطاعة; وإن من طاعته أن تخلصوا له العبادة, ولا
تشركوا في طاعتكم إياه وعبادتكموه شيئا سواه, فإن العبادة لا تصلح لغيره ولا تنبغي
لشيء سواه.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا
يَسْأَمُونَ ( 38 )
يقول
تعالى ذكره: فإن استكبر يا محمد هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم من مشركي قريش,
وتعظموا عن أن يسجدوا لله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر, فإن الملائكة الذين عند
ربك لا يستكبرون عن ذلك, ولا يتعظمون عنه, بل يسبحون له, ويصلون ليلا ونهارًا, ( وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) يقول وهم لا يفترون عن
عبادتهم, ولا يملون الصلاة له.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي. عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: (
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ ) قال:
يعني محمدا, يقول: عبادي, ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ( 39 )
يقول
تعالى ذكره: ومن حجج الله أيضا وأدلته على قدرته على نشر الموتى من بعد بلاها,
وإعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها أنك يا محمد ترى الأرض دارسة غبراء, لا
نبات بها ولا زرع.
كما
حدثنا بشر, قاله: ثنا يزيد, قاله: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً ) : أي
غبراء متهشمة.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً ) قال: يابسة متهمشة.
( فَإِذَا أَنـزلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ) يقول
تعالى ذكره: فإذا أنـزلنا من السماء غيثا على هذه الأرض الخاشعة اهتزت بالنبات.
يقول: تحرّكت به.
كما
حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا
الحسن, قال. ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اهْتَزَّتْ ) قال: بالنبات ( وَرَبَتْ ) يقول: انتفخت.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, ( وَرَبَتْ ) انتفخت.
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَإِذَا أَنـزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ ) يعرف
الغيث في سحتها وربوها.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَرَبَتْ ) للنبات, قال: ارتفعت قبل أن
تنبت.
وقوله: ( إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا
لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) يقول
تعالى ذكره: إن الذي أحيا هذه الأرض الدارسة فأخرج منها النبات, وجعلها تهتزّ
بالزرع من بعد يبسها ودثورها بالمطر الذي أنـزل عليها لقادر أن يحيي أموات بني آدم
من بعد مماتهم بالماء الذي ينـزل من السماء لإحيائهم.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: كما يحيي الأرض بالمطر,
كذلك يحيي الموتى بالماء يوم القيامة بين النفختين. يعني بذلك تأويل قوله: ( إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا
لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) .
وقوله: ( إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ) يقول
تعالى ذكره: إن ربك يا محمد على إحياء خلقه بعد مماتهم وعلى كل ما يشاء ذو قدرة لا
يعجزه شيء أراده, ولا يتعذّر عليه فعل شيء شاءه.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ
مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 )
يعني جلّ
ثناؤه بقوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) إن الذين يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا, ويعدلون عنها
تكذيبا بها وجحودا لها.
وقد
بيَّنت فيما مضى معنى اللحد بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.
وسنذكر
بعض اختلاف المختلفين في المراد به من معناه في هذا الموضع.
اختلف
أهل التأويل في المراد به من معنى الإلحاد في هذا الموضع, فقال بعضهم: أريد به
معارضة المشركين القرآن باللغط والصفير استهزاء به.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فِي آيَاتِنَا ) قال:
المُكَاء وما ذكر معه.
وقال
بعضهم: أريد به الخبر عن كذبهم في آيات الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) قال: يكذّبون في آياتنا.
وقال
آخرون: أريد به يعاندون.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) قال: يشاقُّون: يعاندون.
وقال
آخرون: أريد به الكفر والشرك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) قال: هؤلاء أهل الشرك وقال: الإلحاد: الكفر والشرك.
وقال
آخرون: أريد به الخبر عن تبديلهم معاني كتاب الله.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) قال: هو أن يوضع الكلام على
غير موضعه. وكل هذه الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك في قريبات المعاني, وذلك أن
اللحد والإلحاد: هو الميل, وقد يكون ميلا عن آيات الله, وعدولا عنها بالتكذيب بها,
ويكون بالاستهزاء مكاء وتصدية, ويكون مفارقة لها وعنادا, ويكون تحريفا لها وتغييرا
لمعانيها.
ولا قول
أولى بالصحة في ذلك مما قلنا, وأن يعم الخبر عنهم بأنهم ألحدوا في آيات الله, كما
عمّ ذلك ربنا تبارك وتعالى.
وقوله: ( لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) يقول تعالى ذكره: نحن بهم عالمون
لا يخفون علينا, ونحن لهم بالمرصاد إذا وردوا علينا, وذلك تهديد من الله جلّ ثناؤه
لهم بقوله: سيعلمون عند ورودهم علينا ماذا يلقون من أليم عذابنا. ثم أخبر جلّ
ثناؤه عما هو فاعل بهم عند ورودهم عليه, فقال: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي
آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . يقول
تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب
النار, ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خير, أم الذي يأتي يوم القيامة آمنا
من عذاب الله لإيمانه بالله جلّ جلاله؟ هذا الكافر, إنه إن آمن بآيات الله, واتبع
امر الله ونهيه, أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذ به
كافرا.
وقوله: ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) وهذا أيضا وعيد لهم من الله
خرج مخرج الأمر, وكذلك كان مجاهد يقول: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال:
ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) قال: هذا وعيد.
وقوله: ( إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ) يقول
جلّ ثناؤه: إن الله أيها الناس بأعمالكم التي تعملونها ذو خبرة وعلم لا يخفي عليه
منها, ولا من غيرها شيء.
القول
في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ ( 42 )
يقول
تعالى ذكره: إن الذين جحدوا هذا القرآن وكذّبوا به لما جاءهم, وعنى بالذكر القرآن.
كما
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ) كفروا
بالقرآن.
وقوله: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
) يقول
تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه, وحفظه من كل من أراد له
تبديلا أو تحريفا, أو تغييرا, من إنسي وجني وشيطان مارد.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
) يقول:
أعزه الله لأنه كلامه, وحفظه من الباطل.
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
) قال:
عزيز من الشيطان.
وقوله: ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم: معناه: لا يأتيه
النكير من بين يديه ولا من خلفه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) قال: النكير من بين يديه ولا من خلفه.
وقال
آخرون: معنى ذلك: لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقا, ولا يزيد فيه باطلا قالوا:
والباطل هو الشيطان.
وقوله: ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) من قبل الحق ( وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) من قبل الباطل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ
خَلْفِهِ )
الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا, ولا يزيد فيه باطلا.
وقال
آخرون: معناه: إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئا من الحروف ولا ينقص, منه شيئا
منها.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) قال: الباطل: هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفا ولا
ينقص.
وأولى
الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره
بكيده, وتبديل شيء من معانيه عما هو به, وذلك هو الإتيان من بين يديه, ولا إلحاق
ما ليس منه فيه, وذلك إتيانه من خلفه.
وقوله: ( تَنـزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ ) يقول
تعالى ذكره: هو تنـزيل من عند ذي حكمة بتدبير عباده, وصرفهم فيما فيه مصالحهم, ( حَمِيدٍ ) يقول: محمود على نعمه عليهم
بأياديه عندهم.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا
قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو
عِقَابٍ أَلِيمٍ ( 43 )
يقول
تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما يقول لك هؤلاء المشركون
المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا
من قبلك, يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم, كما صبر أولو العزم من الرسل,
وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ
قَبْلِكَ ) يعزي
نبيّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كما تسمعون, يقول: كَذَلِكَ مَا أَتَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا
قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) قال: ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك.
وقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو
مَغْفِرَةٍ ) يقول:
إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين إليه من ذنوبهم بالصفح عنهم ( وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) يقول: وهو ذو عقاب مؤلم لمن
أصرّ على كفره وذنوبه, فمات على الإصرار على ذلك قبل التوبة منه.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا
أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي
آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ
بَعِيدٍ ( 44 )
يقول
تعالى ذكره: ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنـزلناه يا محمد أعجميا لقال قومك من
قريش: (
لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) يعني:
هلا بينت أدلته وما فيه من آية, فنفقهه ونعلم ما هو وما فيه, أأعجميّ, يعني أنهم
كانوا يقولون إنكارا له: أأعجميّ هذا القرآن ولسان الذي أنـزل عليه عربي؟.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير
أنه قال في هذه الآية (
لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قال: لو كان هذا القران
أعجميا لقالوا: القرآن أعجميّ, ومحمد عربيّ.
حدثنا محمد
بن المثنى, قال: ثني محمد بن أبي عديّ, عن داود بن أبي هند, عن جعفر بن أبي وحشية
عن سعيد بن جبير في هذه الآية: (
لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قال: الرسول عربيّ, واللسان
أعجميّ.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثني عبد الأعلى, قال: ثنا أبو داود عن سعيد بن جبير في قوله: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا
أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قرآن أعجميّ ولسان عربيّ.
حدثنا
ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, عن عبد
الله بن مطيع بنحوه.
حدثني
محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن,
قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) فجعل عربيا, أعجميّ الكلام
وعربيّ الرجل.
حدثنا
محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا
أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) يقول: بُينت آياته, أأعجميّ
وعربيّ, نحن قوم عرب ما لنا وللعجمة.
وقد خالف
هذا القول الذي ذكرناه عن هؤلاء آخرون, فقالوا: معنى ذلك ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) بعضها عربيّ, وبعضها عجميّ.
وهذا التأويل على تأويل من قرأ (
أَعْجَمِيّ ) بترك
الاستفهام فيه, وحمله خبرا من الله تعالى عن قيل المشركين ذلك, يعني: هلا فصلت
آياته, منها عجميّ تعرفه العجم, ومنها عربيّ تفقهه العرب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: قالت قريش: لولا أنـزل هذا
القرآن أعجميا وعربيا, فأنـزل الله ( لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ
وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) فأنـزل الله بعد هذه الآية كل
لسان, فيه حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ قال: فارسية أعربت سنك وكل.
وقرأت
قراء الأمصار: (
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟ ) على
وجه الاستفهام, وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: أعجميّ بهمزة واحدة على غير
مذهب الاستفهام, على المعنى الذي ذكرناه عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير.
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قراء الأمصار لإجماع الحجة عليها على
مذهب الاستفهام.
وقوله: ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ
آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) يقول
تعالى ذكره: قل يا محمد لهم: هو, ويعني بقوله ( هُوَ ) القرآن
(
لِلَّذِينَ آمَنُوا ) بالله
ورسوله, وصدقوا بما جاءهم به من عند ربهم ( هُدًى ) يعني
بيان للحق (
وَشِفَاءٌ ) يعني
أنه شفاء من الجهل.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال. ثنا سعيد, عن قتادة ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) قال: جمله الله نورا وبركة
وشفاء للمؤمنين.
حدثنا
محمد, قال. ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) قال: القرآن.
وقوله: ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) يقول تعالى ذكره: والذين لا يؤمنون بالله ورسوله, وما جاءهم
به من عند الله في آذانهم ثقل عن استماع هذا القرآن, وصمم لا يستمعونه ولكنهم
يعرضون عنه, (
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) يقول:
وهذا القرآن على قلوب هؤلاء المكذّبين به عمى عنه, فلا يبصرون حججه عليهم, وما فيه
من مواعظه.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمًى ) عموا
وصموا عن القرآن, فلا ينتفعون به, ولا يرغبون فيه.
حدثنا
محمد, قال. ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) قال: صمم ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) قال: عميت قلوبهم عنه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) قال: العمى: الكفر.
وقرأت
قرّاء الأمصار: (
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) بفتح
الميم. وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ: « وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ » بكسر الميم على وجه النعت للقرآن.
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار.
وقوله: ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ ) اختلف
أهل التأويل في معناه, فقال بعضهم: معنى ذلك: تشبيه من الله جلّ ثناؤه, لعمى
قلوبهم عن فهم ما أنـزل في القرآن من حججه ومواعظه ببعيد, فهم كما مع صوت من بعيد
نودي, فلم يفهم ما نودي, كقول العرب للرجل القليل الفهم: إنك لتنادى من بعيد,
وكقولهم للفهم: إنك لتأخذ الأمور من قريب.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج, عن بعض أصحابه, عن
مجاهد (
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال: بعيد من قلوبهم.
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج عن مجاهد, بنحوه.
حدثني
يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال:
ضيعوا أن يقبلوا الأمر من قريب, يتوبون ويؤمنون, فيقبل منهم, فأبوا.
وقال
آخرون: بل معنى ذلك: إنهم ينادون يوم القيامة من مكان بعيد منهم بأشنع أسمائهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن أجلح, عن الضحاك بن مزاحم ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال:
ينادَى الرجل بأشنع اسمه.
واختلف
أهل العربية في موضع تمام قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا
جَاءَهُمْ فقال بعضهم: تمامه: (
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) وجعل قائلو هذا القول خبر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ - (
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) ; وقال بعض نحويي البصرة: يجوز ذلك ويجوز أن بكون على
الأخبار التي في القرآن يستغنى بها, كما استغنت أشياء عن الخبر إذا طال الكلام,
وعرف المعنى, نحو قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ
قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ . وما أشبه ذلك.
قال:
وحدثني شيخ من أهل العلم, قال: سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في
التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان.
وكان بعض
نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت جواب إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ ) وإن
شئت كان جوابه في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ , فيكون جوابه معلوما, فترك
فيكون أعرب الوجهين وأشبهه بما جاء في القرآن.
وقال
آخرون: بل ذلك مما انصرف عن الخبر عما ابتدئ به إلى الخبر عن الذي بعده من الذكر;
فعلى هذا القول ترك الخبر عن الذين كفروا بالذكر, وجعل الخبر عن الذكر فتمامه على
هذا القول; وإنه لكتاب عزيز; فكان معنى الكلام عند قائل هذا القول: إن الذكر الذي
كفر به هؤلاء المشركون لما جاءهم, وإنه لكتاب عزيز, وشبهه بقوله: وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ .
وأولى
الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: هو مما ترك خبره اكتفاء بمعرفة السامعين
بمعناه لما تطاول الكلام.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 )
يقول
تعالى ذكره: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) يا محمد, يعني التوراة, كما آتيناك الفرقان, ( فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) يقول: فاختلف في العمل بما
فيه الذين أوتوه من اليهود (
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) يقول: ولولا ما سبق من قضاء
الله وحكمه فيهم أنه أخر عذابهم إلى يوم القيامة.
كما
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
مِنْ رَبِّكَ ) قال:
أخروا إلى يوم القيامة.
وقوله: ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ
مِنْهُ مُرِيبٍ ) يقول:
وإن الفريق المبطل منهم لفي شكّ مما قالوا فيه ( مُريب ) يقول:
يريبهم قولهم فيه ما قالوا, لأنهم قالوا بغير ثبت, وإنما قالوه ظنًّا.
القول
في تأويل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ( 46
)
يقول
تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا, فائتمر لأمره, وانتهى عما نهاه عنه
(
فَلِنَفْسِهِ ) يقول:
فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل, لأنه يجازى عليه جزاءه, فيستوجب في المعاد من
الله الجنة, والنجاة من النار. (
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) يقول:
ومن عمل بمعاصي الله فيها, فعلى نفسه جنى, لأنه أكسبها بذلك سخط الله, والعقاب
الأليم. ( وَمَا
رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) يقول
تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه, بل لا يعاقب
أحدا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا, أو على سبب استحقه به منه, والله أعلم.