الجزء السادس

 

القول في تأويل قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ( 148 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار بضم « الظاء » .

وقرأه بعضهم: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، بفتح « الظاء » .

ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضم « الظاء » في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحب الله تعالى ذكره أن يجْهر أحدُنا بالدعاء على أحد، وذلك عندهم هو « الجهر بالسوء إلا من ظلم » ، يقول: إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص له في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول » ، يقول: لا يحب الله أن يدعوَ أحدٌ على أحد، إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخَص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: « إلا من ظلم » ، وإن صبر فهو خير له.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم » ، فإنه يحب الجهر بالسوء من القول.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعًا عليمًا » ، عذر الله المظلوم كما تسمعون: أن يدْعو.

حدثني الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْعُ عليه، ولكن ليقل: « اللهم أعنِّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حُلْ بينه وبين ما يريد » ، ونحوه من الدعاء.

فـ « مَنْ » ، على قول ابن عباس هذا، في موضع رفع. لأنه وجَّهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء، واستثنى المظلوم منه. فكان معنى الكلام على قوله: لا يحب الله أن يُجْهر بالسوء من القول، إلا المظلوم، فلا حرج عليه في الجهر به.

وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية. وذلك أن « مَن » لا يجوز أن يكون رفعًا عندهم بـ « الجهر » ، لأنها في صلة « أنْ » ولم ينله الجحد، فلا يجوز العطف عليه. من خطأٍ عندهم أن يقال: « لا يعجبني أن يقوم إلا زيد » .

وقد يحتمل أن تكون « من » نصبًا، على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول » ، كلامًا تامًّا، ثم قيل: « إلا من ظلم فلا حرج عليه » ، فيكون من استثناء من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال جل ثناؤه: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ، [ سورة الغاشية: 22- 23 ] ، وكقولهم: « إني لأكره الخصومة والمِراء، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك » ، ولم يذكر قبله شيء من الأسماء.

و « مَن » ، على قول الحسن هذا، نصبٌ، على أنه مستثنى من معنى الكلام، لا من الاسم، كما ذكرنا قبل في تأويل قول ابن عباس، إذا وُجِّه « مَن » ، إلى النصب، وكقول القائل: « كان من الأمر كذا وكذا، اللهم إلا أن فلانًا جزاه الله خيرًا فَعَل كذا وكذا » .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحب الله الجهرَ بالسوء من القول، إلا من ظُلم فيخبر بما نِيلَ منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هو الرجل ينـزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: أساءَ ضيافتي ولم يُحسن!

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: « إلا من ظلم » ، قال: إلا من أثَر ما قيل له.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم » ، قال: هو الضيف المحوَّل رحلُه، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.

وقال آخرون: عنى بذلك، الرجلَ ينـزل بالرجل فلا يقريه، فينالُ من الذي لم يقرِه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « إلا من ظلم » ، قال: إلا من ظلم فانتصر، يجهر بالسوء.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد وعن حميد الأعرج، عن مجاهد: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم » ، قال: هو الرجل ينـزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد رخص الله له أن يقول فيه .

وحدثني أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد، « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم » ، قال: هو في الضيافة، يأتي الرجل القوم، فينـزل عليهم، فلا يضيفونه. رخَّص الله له أن يقول فيهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول » الآية، قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤدِّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: « ضفتُ فلانًا فلم يؤدّ حق ضيافتي » ! فذلك جهرٌ بالسوء إلا من ظلم، حين لم يؤدِّ إليه ضيافته.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: إلا من ظلم فانتصر، يجهر بسوء. قال مجاهد: نـزلت في رجل ضاف رجلا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنـزلت: « إلا من ظلم » ، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، فإن الله قد أذن له في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم » ، يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحدٍ من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظُلم، فليس عليه جناح.

فـ « مَن » ، على هذه الأقوال التي ذكرناها، سوى قول ابن عباس، في موضع نصب على انقطاعه من الأول. والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد « إلا » في الاستثناء المنقطع.

فكان معنى الكلام على هذه الأقوال، سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نٍيل منه، أو ينتصر ممن ظلمه.

وقرأ ذلك آخرون بفتح « الظاء » : ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، وتأولوه: لا يحب الله الجهرَ بالسوء من القول، إلا من ظلم فلا بأس أن يُجْهر له بالسوء من القول.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان أبي يقرأ: ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق، فيُجهر له بالسوء حتى ينـزع. قال: وهذه مثل: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ ، أن تسميه بالفسق بَعْدَ الإِيمَانِ ، بعد إذ كان مؤمنًا وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ، من ذلك العمل الذي قيل له فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، [ سورة الحجرات: 11 ] ، قال: هو شرٌّ ممن قال ذلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظَلم » ، فقرأ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ حتى بلغ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا . ثم قال بعد ما قال: هم في الدرك الأسفل من النار مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ، ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، قال: لا يحب الله أن يقول لهذا: « ألست نافقت؟ ألست المنافق الذي ظلمتَ وفعلت وفعلت؟ » ، من بعد ما تاب « إلا من ظلم » ، إلا من أقام على النفاق. قال: وكأن أبي يقول ذلك له، ويقرأها: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) .

فـ « مَنْ » على هذا التأويل نَصْبٌ لتعلقه بـ « الجهر » .

وتأويل الكلام، على قول قائل هذا القول: لا يحب الله أن يجهر أحد لأحد من المنافقين بالسوء من القول، إلا من ظلم منهم فأقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) بضم « الظاء » ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بالفتح.

فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصواب، فالصواب في تأويل ذلك: لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول « إلا من ظلم » ، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه.

وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُقْرَ، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله غيرَه من سائر الناس. وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم: أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلامًا منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له.

وإذْ كان ذلك كذلك، فـ « مَن » في موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ [ سورة الغاشية: 22- 23 ] .

وأما قوله: « وكان الله سميعًا عليمًا » ، فإنه يعني: « وكان الله سميعًا » ، لما تجهرون به من سوء القول لمن تجهرون له به، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم « عليمًا » ، بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن تخفون له به فلا تجهرون له به، محص كل ذلك عليكم، حتى يجازيكم على ذلك كله جزاءَكم، المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه.

 

القول في تأويل قوله : إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ( 149 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه « إن تبدوا » أيها الناس « خيرًا » ، يقول: إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم ، « أو تخفوه » ، يقول: أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه « أو تعفوا عن سوء » ، يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به « فإن الله كان عفوًّا » ، يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره « قديرًا » ، يقول: ذا قدرة على الانتقام منهم.

وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه.

يقول: فاعفوا، أنتم أيضًا، أيها الناس، عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول، وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره.

وفي قوله جل ثناؤه: « إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا » ، الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويل قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، بخلاف التأويل الذي تأوله زيد بن أسلم، في زعمه أن معناه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق، إلا من أقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول. وذلك أنه جل ثناؤه قال عَقِيب ذلك: « إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء » ، ومعقولٌ أن الله جل ثناؤه لم يأمر المؤمنين بالعفو عن المنافقين على نفاقهم، ولا نهاهم أن يسمُّوا من كان منهم معلنَ النفاق « منافقًا » . بل العفو عن ذلك، مما لا وجه له معقول. لأن « العفو » المفهوم، إنما هو صفح المرء عما له قبل غيره من حق. وتسمية المنافق باسمه ليس بحق لأحد قِبَله، فيؤمر بعفوه عنه، وإنما هو اسم له. وغير مفهوم الأمرُ بالعفو عن تسمية الشيء بما هو اسمه.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ( 150 ) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( 151 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « إن الذين يكفرون بالله ورسله » ، من اليهود والنصارى « ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله » ، بأن يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه بوحيه، ويزعموا أنهم افتروا على ربهم. وذلك هو معنى إرادتهم التفريقَ بين الله ورسله، بنِحْلتهم إياهم الكذب والفريةَ على الله، وادِّعائهم عليهم الأباطيل « ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض » ، يعني أنهم يقولون: « نصدِّق بهذا ونكذِّب بهذا » ، كما فعلت اليهود من تكذيبهم عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم. وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم « ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا » ، يقول: ويريد المفرِّقون بين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتخذوا بين أضعاف قولهم: « نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض » « سبيلا » ، يعني: طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون أهل الجهل من الناس إليه.

فقال جل ثناؤه لعباده، منبهًا لهم على ضلالتهم وكفرهم: « أولئك هم الكافرون حقًّا » ، يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ. وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن. فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب. فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم، فإنا قد أعتدنا لهم عذابًا مهينًا.

وأما قوله: « وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا » ، فإنه يعني: « وأعتدنا » لمن جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار « عذابًا » ، في الآخرة « مهينًا » ، يعني: يهين من عُذِّب به بخلوده فيه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا » ، أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم. فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رُسله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله » ، يقولون: محمد ليس برسولٍ لله! وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرَّقوا بين الله وبين رسله « ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض » ، فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: « إن الذين يكفرون بالله ورسله » إلى قوله: « بين ذلك سبيلا » ، قال: اليهود والنصارى. آمنت اليهود بعُزَير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزَير. وكانوا يؤمنون بالنبيّ ويكفرون بالآخر « ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا » ، قال: دينًا يدينون به الله.

 

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 152 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقرّوا بنبوة رسله أجمعين، وصدّقوهم فيما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه « ولم يفرقوا بين أحد منهم » ، يقول: ولم يكذّبوا بعضهم ويصدقوا بعضهم، ولكنهم أقرُّوا أن كل ما جاءوا به من عند ربهم حق « أولئك » ، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من المؤمنين بالله ورسله « سوف يؤتيهم » ، يقول: سوف يعطيهم « أجورهم » ، يعني: جزاءهم وثوابهم على تصديقهم الرسل في توحيد الله وشرائع دينه، وما جاءت به من عند الله « وكان الله غفورًا » ، يقول: ويغفر لمن فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه، فيستر عليه بعفوه له عنه، وتركه العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه غفورًا « رحيمًا » ، يعني ولم يزل بهم رحيمًا، بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق، وتوفيقه إياهم لما فيه خلاص رِقابهم من النار.

 

القول في تأويل قوله : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ( 153 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: « يسألك » يا محمد « أهل الكتاب » ، يعني بذلك: أهل التوراة من اليهود « أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء » .

واختلف أهل التأويل في « الكتاب » الذي سألَ اليهودُ محمدًا صلى الله عليه وسلم أن ينـزل عليهم من السماء.

فقال بعضهم: سألوه أن ينـزل عليهم كتابًا من السماء مكتوبًا، كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة مكتوبةً من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء » ، قالت اليهود: إن كنت صادقًا أنك رسول الله، فآتنا كتابًا مكتوبًا من السماء، كما جاء به موسى.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاء بالألواحِ من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدّقك! فأنـزل الله: « يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ » ، إلى قوله: وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا .

وقال آخرون: بل سألوه أن ينـزل عليهم كتابًا، خاصَّة لهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ » ، أي كتابًا، خاصةً « فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة » .

وقال آخرون: بل سألوه أن ينـزل على رجال منهم بأعيانهم كتبًا بالأمر بتصديقه واتّباعه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: « يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء » ، وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: « لن نتابعك على ما تدعونا إليه، حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله » ! قال الله جل ثناؤه: « يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة » .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينـزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق، آمرة لهم باتباعه.

وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينـزل عليهم من السماء إلى جماعتهم وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنـزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، لذكر الله تعالى في خبره عنهم « الكتاب » بلفظ الواحد بقوله: « يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء » ، ولم يقل « كتبًا » .

وأما قوله: « فقد سألوا موسى أكبر من ذلك » ، فإنه توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينـزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنـزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنـزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم.

ثم قصّ الله من قصتهم وقصة موسى ما قصَّ، يقول الله: « فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك » ، يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام، أعظم مما سألوك من تنـزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: « أرنا الله جهرة » ، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه.

وقد أتينا على معنى « الجهرة » ، بما في ذلك من الرواية والشواهد على صحة ما قلنا في معناه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في ذلك، بما:-

حدثني به الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا حجاج، عن هارون بن موسى، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس في هذه الآية قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرةً: « أرنا الله » . قال: هو مقدّم ومؤخر.

وكان ابن عباس يتأول ذلك: أن سؤالهم موسى كان جهرة.

وأما قوله: « فأخذتهم الصاعقة » ، فإنه يقول: « فصُعقوا » « بظلمهم » أنفسهم. وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته.

وقد بينا معنى: « الصاعقة » ، فيما مضى باختلاف المختلفين في تأويلها، والدليل على أولى ما قيل فيها بالصواب.

وأما قوله: « ثم اتخذوا العجل » ، فإنه يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام إلهًا يعبدونه من دون الله.

وقد أتينا على ذكر السبب الذي من أجله اتخذوا العجل، وكيف كان أمرهم وأمره، فيما مضى بما فيه الكفاية.

وقوله: « من بعد ما جاءتهم البينات » ، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا.

وإنما عنى بـ « البينات » : أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة. وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك.

يقول الله، مقبِّحًا إليهم فعلهم ذلك، وموضحًا لعباده جهلهم ونقصَ عقولهم وأحلامهم: ثم أقرُّوا للعجل بأنه لهم إله، وهم يرونه عيانًا، وينظرون إليه جِهَارًا، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم: أنهم لا يرون ربهم جهرة وعِيانًا في حياتهم الدنيا، فعكفوا على عبادته مصدِّقين بألوهته!!

وقوله: « فعفونا عن ذلك » ، يقول: فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه، وللمصدقين منهم بأنه إلههم بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم عن تصديقهم بذلك، بالتوبة التي تابوها إلى ربّهم بقتلهم أنفسهم، وصبرهم في ذلك على أمر ربهم « وآتينا موسى سلطانًا مبينًا » ، يقول: وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه، وحقيقة نبوّته، وتلك الحجة هي: الآيات البينات التي آتاه الله إياها.

 

القول في تأويل قوله : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 154 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ورفعنا فوقهم الطور » ، يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها « بميثاقهم » ، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة « وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدًا » ، يعني « باب حِطّة » ، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم « وقلنا لهم لا تعدوا في السبت » ، يعني بقوله: « لا تعدوا في السبت » ، لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم، كما:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدًا » ، قال: كنا نحدّث أنه باب من أبواب بيت المقدس.

« وقلنا لهم لا تعدوا في السبت » ، أمر القوم أن لا يأكلوا الحِيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحل لهم ما وراء ذلك.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أمصار الإسلام: ( لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ) ، بتخفيف « العين » من قول القائل: « عدوت في الأمر » ، إذا تجاوزت الحق فيه، « أعدُ وعَدْوًا وعُدُوًّا وعدوانًا وعَدَاءً » .

وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: ( وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُّوا ) بتسكين « العين » وتشديد « الدال » ، والجمع بين ساكنين، بمعنى: تعتدوا، ثم تدغم « التاء » في « الدال » فتصير « دالا » مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ ( أَمَّنْ لا يَهْدي ) [ سورة يونس: 35 ] ، بتسكين « الهاء » .

وقوله: « وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا » ، يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه، مما ذكر في هذه الآية، ومما في التوراة.

وقد بينا فيما مضى، السببَ الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدًا، وما كان من أمرهم في ذلك وخبرهم وقصتهم وقصة السبت، وما كان اعتداؤهم فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ( 155 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من أهل الكتاب « ميثاقهم » ، يعني: عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة « وكفرهم بآيات الله » ، يقول: وجحودهم « بآيات الله » ، يعني: بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله وحقيقة ما جاءوهم به من عنده « وقتلهم الأنبياء بغير حق » ، يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوّتهم « بغير حق » ، يعني: بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها، ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها « وقولهم قلوبنا غلف » ، يعني: وبقولهم « قلوبنا غلف » ، يعني: يقولون: عليها غِشاوة وأغطِية عما تدعونا إليه، فلا نفقَه ما تقول ولا نعقله.

وقد بينا معنى: « الغلف » ، وذكرنا ما في ذلك من الرواية فيما مضى قبل.

« بل طبع الله عليها بكفرهم » ، يقول جل ثناؤه: كذبوا في قولهم: « قلوبنا غلف » ، ما هي بغلف، ولا عليها أغطية، ولكن الله جل ثناؤه جعل عليها طابعًا بكفرهم بالله.

وقد بينا صفة « الطبع على القلب » ، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

« فلا يؤمنون إلا قليلا » ، يقول: فلا يؤمن - هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، لطبعه على قلوبهم، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله- إلا إيمانًا قليلا يعني: تصديقًا قليلا وإنما صار « قليلا » ، لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به، ولكن صدَّقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب، وكذبوا ببعض. فكان تصديقهم بما صدَّقوا به قليلا لأنهم وإن صدقوا به من وجه، فهم به مكذبون من وجه آخر، وذلك من وجه تكذيبهم من كذَّبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب الله، ورسلُ الله يصدِّق بعضهم بعضًا. وبذلك أمر كل نبي أمته. وكذلك كتب الله يصدق بعضها بعضًا، ويحقق بعض بعضًا. فالمكذب ببعضها مكذب بجميعها، من جهة جحوده ما صدقه الكتاب الذي يقرّ بصحته. فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: « فبما نقضهم ميثاقهم » ، يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم « وقولهم قلوبنا غلف » ، أي لا نفقه ، « بل طبع الله عليها بكفرهم » ، ولعنهم حين فعلوا ذلك.

واختلف في معنى قوله: « فبما نقضهم » ، الآية، هل هو مواصلٌ لما قبله من الكلام، أو هو منفصل منه.

فقال بعضهم: هو منفصل مما قبله، ومعناه: فبنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فلا يؤمنون إلا قليلا » ، لما ترك القوم أمرَ الله، وقتلوا رسله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.

وقال آخرون: بل هو مواصل لما قبله. قالوا: ومعنى الكلام: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فبنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وبقتلهم الأنبياء بغير حق، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة. قالوا: فتبع الكلام بعضه بعضًا، ومعناه: مردود إلى أوله. وتفسير « ظلمهم » ، الذي أخذتهم الصاعقة من أجله، بما فسر به تعالى ذكره، من نقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وسائر ما بيَّن من أمرهم الذي ظلموا فيه أنفسهم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن قوله: « فبما نقضهم ميثاقهم » وما بعده، منفصل معناه من معنى ما قبله، وأن معنى الكلام: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا، لعناهم وغضبنا عليهم فترك ذكر « لعناهم » ، لدلالة قوله: « بل طبع الله عليها بكفرهم » ، على معنى ذلك. إذ كان من طبع على قلبه، فقد لُعِن وسُخِط عليه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الذين أخذتهم الصاعقة، إنما كانوا على عهد موسى والذين قتلوا الأنبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا: قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ، كانوا بعد موسى بدهر طويل. ولم يدرك الذين رموا مريم بالبهتان العظيم زمان موسى، ولا من صُعق من قومه.

وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنّ الذين أخذتهم الصاعقة، لم تأخذهم عقوبةً لرميهم مريم بالبهتان العظيم، ولا لقولهم: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ . وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن القوم الذين قالوا هذه المقالة، غير الذين عوقبوا بالصاعقة. وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا انفصال معنى قوله: « فبما نقضهم ميثاقهم » ، من معنى قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ .

 

القول في تأويل قوله : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ( 156 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم « وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا » ، يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا، وهو « البهتان العظيم » ، لأنهم رموها بذلك، وهي مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان بريئة، فبهتوها بالباطل من القول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا » ، يعني: أنهم رموها بالزنا.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا » ، حين قذفوها بالزنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى بن عُبَيد، عن جويبر في قوله: « وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا » ، قال: قالوا: « زنت » .

 

القول في تأويل قوله : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. ثم كذبهم الله في قيلهم، فقال: « وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم » ، يعني: وما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن شبه لهم.

واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى.

فقال بعضهم: لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أُتِي عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا! لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا! فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا! فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.

وقد روي عن وهب بن منبه غير هذا القول، وهو ما:-

حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى ابن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشَّاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضِّئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا مَن ردَّ علي شيئًا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه! فأقرُّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمَّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء: أن يؤخِّر أجلي. فلما نَصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَى به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليكفرنَّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنِّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه! فجحد وقال: ما أنا بصاحبه! فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه. وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجّي نفسك من هذا الحبل؟! ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبِّه لهم، فمكث سبعًا.

ثم إنّ أمَّه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك! فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقَد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تابَ لتابَ الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يُحَنَّى فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدِّث بلغة قوم، فلينذِرْهم وَلْيدعهم.

وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شَبهه، فانتدب لذلك رجل، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى ابن مريم عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ » إلى قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ، أولئك أعداء الله اليهود ائتمروا بقتل عيسى ابن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذكر لنا أن نبي الله عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيكم يُقْذف عليه شبهي، فإنه مقتول؟ فقال رجل من أصحابه: أنا، يا نبي الله! فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم » ، قال: ألقي شبهه على رجل من الحواريين فقتل. وكان عيسى ابن مريم عرض ذلك عليهم، فقال: أيكم ألقي شبهي عليه، وله الجنة؟ فقال رجل: عليَّ.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء. فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صُعِد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدَة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشكّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه. فذلك قول الله تبارك وتعالى: « وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ » ، إلى قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزة: أن عيسى ابن مريم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فقال رجل من أصحابه: أنا، يا رسول الله! فألقي عليه شبهه فقتلوه. فذلك قوله: « وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله، رجلا منهم يقال له داود. فلما أجمعوا لذلك منه، لم يَفْظَعْ عبدٌ من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظَعَه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءَه، حتى إنه ليقول، فيما يزعمون: « اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني! » ، وحتى إن جلده من كَرْب ذلك ليتفصَّد دمًا. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى. فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين وكانوا اثني عشر رجلا فطرس، ويعقوب بن زبدي، ويحنس أخو يعقوب، وأندراييس، وفيلبس، وأبرثلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس، وقنانيا، ويودس زكريا يوطا.

قال ابن حميد، قال سلمة، قال ابن إسحاق: وكان فيهم، فيما ذكر لي، رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى، جحدتْه النصارى، وذلك أنه هو الذي شبِّه لليهود مكان عيسى. قال: فلا أدري ما هو؟ من هؤلاء الاثني عشر، أم كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقرُّوا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: أن عيسى حين جاءَه من الله: « إني رافعك إليَّ » قال: يا معشر الحواريين، أيُّكم يحبّ أن يكون رفيقي في الجنة، على أن يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله! قال: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفع عيسى صلوات الله عليه. فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبِّه لهم به. وكانت عِدّتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم وأحصوا عدّتهم. فلما دخلوا عليه ليأخذوه، وجدوا عيسى فيما يُرَوْن وأصحابه، وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلَّهم عليه ويعرِّفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فإني سأقبله، وهو الذي أقبِّل، فخذوه. فلما دخلوا عليه وقد رُفع عيسى، رأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكِّك أنه هو عيسى، فأكبَّ عليه فقبَّله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه. وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه. وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: « إني لست بصاحبكم! أنا الذي دللتكم عليه » ! والله أعلم أيُّ ذلك كان.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: بلغنا أن عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيُّكم ينتدب فيُلقَى عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل من أصحابه: أنا، يا نبي الله. فألقي عليه شبهه فقتل، ورفع الله نبيّه إليه.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « شبه لهم » ، قال: صلبوا رجلا غير عيسى، يحسبونه إيّاه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولكن شبه لهم » ، فذكر نحوه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: صلبوا رجلا شبَّهوه بعيسى، يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى حيًّا.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، أحدُ القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه: من أن شَبَه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك. ولكن ليخزي الله بذلك اليهود، وينقذ به نبيه عليه السلام من مكروهِ ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قِيله في عيسى، وصدق الخبر عن أمره. أو: القول الذي رواه عبد الصمد عنه.

وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريين، لو كانوا في حال ما رُفع عيسى وأُلقي شبهه على من ألقي عليه شَبَهه، كانوا قد عاينوا وهو يرفع من بينهم، وأثبتوا الذي ألقي عليه شبهه، وعاينوه متحوِّلا في صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بمحضَرٍ منهم، لم يخفَ ذلك من أمر عيسى وأمر من ألقي عليه شبهه عليهم، مع معاينتهم ذلك كله، ولم يلتبس ولم يشكل عليهم، وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتول والمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بينهم حيًّا.

وكيف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك عليهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: « من يلقى عليه شبهي، ويكون رفيقي في الجنة » ، إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مُجيبه منهم: « أنا » ، وعاينوا تحوُّل المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه؟ ولكن ذلك كان إن شاء الله على نحو ما وصف وهب بن منبه: إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت الذي رفع منه من حواريه، حوَّلهم الله جميعًا في صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلم يثبتوا عيسى معرفةً بعينه من غيره لتشابه صور جميعهم، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يُرَونه بصورة عيسى، ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك. وظنّ الذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الذي ظنت اليهود، لأنهم لم يميِّزوا شخصَ عيسى من شخص غيره، لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه في البيت. فاتفقوا جميعهم يعني: اليهود والنصارى من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى، ولم يكن به، ولكنه شُبِّه لهم، كما قال الله جل ثناؤه: « وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم » .

أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه: أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت، تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غيرَ عيسى، وغيرَ الذي ألقي عليه شَبهه. ورفع عيسى، فقتل الذي تحوّل في صورة عيسى من أصحابه، وظن أصحابُه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى، لما رأوا من شبهه به، وخفاء أمر عيسى عليهم. لأن رفعه وتحوّل المقتول في صورته، كان بعد تفرق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعَى نفسه، ويحزن لما قد ظنَّ أنه نازل به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقًّا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا. فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حواريّيه أن يكونوا كذبة، إذ حكوا ما كان حقًّا عندهم في الظاهر، وإن كان الأمر كان عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا.

 

القول في تأويل قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ( 157 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وإنّ الذين اختلفوا فيه » ، اليهودَ الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله. وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت قبل دخولهم، فيما ذكر. فلما دخلوا عليهم، فقدوا واحدًا منهم، فالتبس أمرُ عيسى عليهم بفقدهم واحدًا من العدَّة التي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في أمر عيسى.

وهذا التأويل على قول من قال: لم يفارق الحواريون عيسى حتى رفع ودخل عليهم اليهود.

وأما تأويله على قول من قال: تفرَّقوا عنه من الليل، فإنه: « وإن الذين اختلفوا » ، في عيسى، هل هو الذي بقي في البيت منهم بعد خروج من خرج منهم من العدَّة التي كانت فيه، أم لا؟ « لفي شك منه » ، يعني: من قتله، لأنهم كانوا أحصوا من العدّة حين دخلوا البيت أكثر ممن خرج منه ومن وجد فيه، فشكوا في الذي قتلوه: هل هو عيسى أم لا؟ من أجل فقدهم من فقدوا من العدد الذي كانوا أحصوه، ولكنهم قالوا: « قتلنا عيسى » ، لمشابهة المقتول عيسى في الصورة. يقول الله جل ثناؤه: « ما لهم به من علم » ، يعني: أنهم قتلوا من قتلوه على شك منهم فيه واختلافٍ، هل هو عيسى أم هو غيره؟ من غير أن يكون لهم بمن قتلوه علم، من هو؟ هو عيسى أم هو غيره؟ « إلا اتباع الظن » ، يعني جل ثناؤه: ما كان لهم بمن قتلوه من علم، ولكنهم اتبعوا ظنهم فقتلوه، ظنًّا منهم أنه عيسى، وأنه الذي يريدون قتله، ولم يكن به « وما قتلوه يقينًا » ، يقول: وما قتلوا - هذا الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى- يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه على ظنّ وشبهةٍ.

وهذا كقول الرجل للرجل: « ما قتلت هذا الأمر علمًا، وما قتلته يقينًا » ، إذا تكلَّم فيه بالظن على غير يقين علم. فـ « الهاء » في قوله: « وما قتلوه » ، عائدة على « الظن » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وما قتلوه يقينًا » ، قال: يعني لم يقتلوا ظنَّهم يقينًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى بن عبيد، عن جويبر في قوله: « وما قتلوه يقينًا » ، قال: ما قتلوا ظنهم يقينًا.

وقال السدي في ذلك ما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وما قتلوه يقينًا » ، وما قتلوا أمره يقينًا أن الرجل هو عيسى، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ .

 

القول في تأويل قوله : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 158 )

قال أبو جعفر: أما قوله جل ثناؤه: « بل رفعه الله إليه » ، فإنه يعني: بل رفع الله المسيح إليه. يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره من الذين كفروا.

وقد بيّنا كيف كان رفع الله إياه إليه فيما مضى، وذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، والصحيحَ من القول فيه بالأدلة الشاهدة على صحته، بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: « وكان الله عزيزًا حكيمًا » ، فإنه يعني: ولم يزل الله منتقمًا من أعدائه، كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ « حكيمًا » ، يقول: ذا حكمة في تدبيره وتصريفه خلقَه في قضائه. يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدًا أن ينـزل عليكم كتابًا من السماء، من حلول عقوبتي بكم، كما حل بأوائلكم الذين فعلوا فعلكم، في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي، وقد:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن إسحاق بن أبي سارة الرُّؤَاسيّ، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: « وكان الله عزيزًا حكيمًا » ، قال: معنى ذلك: أنه كذلك.

 

القول في تأويل قوله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به » ، يعني: بعيسى « قبل موته » ، يعني: قبل موت عيسى يوجِّه ذلك إلى أنّ جميعهم يصدِّقون به إذا نـزل لقتل الدجّال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفيّة، دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قبل موت عيسى ابن مريم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قبل موت عيسى.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: « إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: ذلك عند نـزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال، قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن قال: « قبل موته » ، قال: قبل أن يموت عيسى ابن مريم.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قبل موت عيسى. والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نـزل آمنوا به أجمعون.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، يقول: قبل موت عيسى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قبل موت عيسى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قبل موت عيسى، إذا نـزل آمنت به الأديان كلها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن الحسن قال: قبل موت عيسى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن: « إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال عيسى، ولم يمت بعدُ.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك قال: لا يبقى أحدٌ منهم عند نـزول عيسى إلا آمن به.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك قال: قبل موت عيسى.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: إذا نـزل عيسى ابن مريم فقتل الدجال، لم يبق يهوديٌّ في الأرض إلا آمن به. قال: فذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، يعني: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في هذه الآية: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » قال أبو جعفر: أظنه إنما قال: إذا خرج عيسى آمنت به اليهود.

وقال آخرون: يعني بذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، قبل موت الكتابي. يوجِّه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل، لأن كل من نـزل به الموت لم تخرج نفسُه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.

[ ذكر من قال ذلك ] :

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى، وإن غرق، أو تردَّى من حائط، أو أيّ ميتة كانت.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « إلا ليؤمنن به قبل موته » ، كل صاحب كتاب ليؤمنن به، بعيسى، قبل موته، موتِ صاحب الكتاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ليؤمنن به » ، كل صاحب كتاب، يؤمن بعيسى « قبل موته » ، قبل موت صاحب الكتاب قال ابن عباس: لو ضُربت عنقه، لم تخرج نفسُه حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أنّ عيسى عبد الله ورسوله، ولو عُجِّل عليه بالسِّلاح.

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: هي في قراءة أبيّ: ( قبل موتهم ) ، ليس يهودي يموت أبدًا حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهُوِيِّ. فقيل: أرأيت إن ضربَ عنق أحد منهم؟ قال: يُلجلج بها لسانُهُ.

حدثني المثنى قال، حدثني أبو نعيم الفضل بن دكين قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. قال: وإن ضُرب بالسيف، يتكلم به. قال: وإن هوى، يتكلم به وهو يَهْوِي.

وحدثني ابن المثنى قال، حدثني محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لو أن يهوديًّا وقع من فوق هذا البيت، لم يمت حتى يؤمن به يعني: بعيسى.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة، عن مولى لقريش قال: سمعت عكرمة يقول: لو وقع يهوديٌّ من فوق القَصر، لم يبلغ إلى الأرض حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم الرماني، عن مجاهد: « ليؤمنن به قبل موته » ، قال: وإن وقع من فوق البيت، لا يموت حتى يؤمن به.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » . قال: لا يموت رجل من أهل الكتاب حتى يؤمن به، وإن غرق، أو تردَّى، أو مات بشيء.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا تخرج نفسه حتى يؤمن به.

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت أحدهم حتى يؤمن به يعني: بعيسى وإن خَرَّ من فوق بيت، يؤمن به وهو يهوِي.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال: ليس أحدٌ من اليهود يخرج من الدنيا حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت [ يعني: اليهود والنصارى ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن فرات، عن الحسن في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت أحدٌ منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا الحكم بن عطية، عن محمد بن سيرين: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: موتِ الرجل من أهل الكتاب.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: قال ابن عباس: ليس من يهودي [ يموت ] حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. فقال له رجل من أصحابه: كيف، والرجل يغرق، أو يحترق، أو يسقط عليه الجدار، أو يأكله السَّبُع؟ فقال: لا تخرج روحه من جسده حتى يقذف فيه الإيمان بعيسى.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، قال: لا يموت أحد من اليهود حتى يشهد أن عيسى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى، عن جويبر في قوله: « ليؤمنن به قبل موته » ، قال: في قراءة أبيّ: ( قبل موتهم ) .

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم، قبل موت الكتابي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد قال، قال عكرمة: لا يموت النصراني واليهوديُّ حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة والصواب، قول من قال: تأويل ذلك: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى » .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره. لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا.

فإن ظن ظانٌّ أنّ معنى إيمان اليهودي بعيسى الذي ذكره الله في قوله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، إنما هو إقراره بأنه لله نبيٌّ مبعوث، دون تصديقه بجميع ما أتى به من عند الله فقد ظن خطأ.

وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبًا إلى الإقرار بنبوّة نبي، من كان له مكذبًا في بعض ما جاء به من وحْي الله وتنـزيله. بل غير جائز أن يكون منسوبًا إلا الإقرار بنبوة أحد من أنبياء الله، لأن الأنبياء جاءت الأمم بتصديق جميع أنبياء الله ورسله. فالمكذب بعض أنبياء الله فيما أتى به أمّته من عند الله، مكذِّب جميع أنبياء الله فيما دعوا إليه من دين الله عبادَ الله. وإذْ كان ذلك كذلك وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن كلَّ كتابي مات قبل إقراره بمحمد صلوات الله عليه وما جاء به من عند الله، محكوم له بحكم الملّة التي كان عليها أيام حياته، غيرُ منقولٍ شيء من أحكامه في نفسه وماله وولده صغارهم وكبارهم بموته، عما كان عليه في حياته دلَّ الدليل على أن معنى قول الله: « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته » ، إنما معناه: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وأن ذلك في خاصٍ من أهل الكتاب، ومعنيٌّ به أهل زمان منهم دون أهل كل الأزمنة التي كانت بعد عيسى، وأن ذلك كائن عند نـزوله، كالذي:-

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثني يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء إخوة لعَلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ. وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ. وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربُوع الخَلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْط الشعر، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلل، بين ممصَّرتين، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنـزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلَّها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضلالة الكذابَ الدجال، وتقع الأمَنَة في الأرض في زمانه، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغِلمان أو: الصبيان بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله وربما قال: أربعين سنة ثم يتوفَّى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

وأما الذي قال: عنى بقوله: « ليؤمنن به قبل موته » ، ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبلَ موت الكتابي - فمما لا وجه له مفهوم، لأنه مع فساده من الوجه الذي دَللنا على فساد قول من قال: « عنى به: ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي » يزيده فسادًا أنه لم يجر لمحمد عليه السلام في الآيات التي قبلَ ذلك ذكر، فيجوز صرف « الهاء » التي في قوله: « ليؤمنن به » ، إلى أنها من ذكره. وإنما قوله: « ليؤمنن به » ، في سياق ذكر عيسى وأمه واليهود. فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنـزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حُجَّة. فأما الدَّعاوى، فلا تتعذر على أحد.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذْ كان الأمر على ما وصفنا : وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن بعيسى، قبل موت عيسى وحذف « مَن » بعد « إلا » ، لدلالة الكلام عليه، فاستغنى بدلالته عن إظهاره، كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها.

 

القول في تأويل قوله : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ( 159 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويوم القيامة يكون عيسى على أهل الكتاب « شهيدًا » ، يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذَّبه منهم، وتصديق من صدقه منهم، فيما أتاهم به من عند الله، وبإبلاغه رسالة ربه، كالذي:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: « ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا » ، أنه قد أبلغهم ما أُرسل به إليهم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا » ، يقول: يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة على أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقرّ بالعبوديّة على نفسه.

 

القول في تأويل قوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( 161 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فحرَّمنا على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه طيباتٍ من المآكل وغيرها، كانت لهم حلالا عقوبة لهم بظلمهم، الذي أخبر الله عنهم في كتابه، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم » الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم.

وقوله: « وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا » ، يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا. وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه. وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس.

وبنحو ذلك كان مجاهد يقول:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا » ، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وقوله: « وأخذهم الربا » ، وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم، لفضل تأخير في الأجل بعد مَحِلِّها، وقد بينت معنى « الربا » فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

« وقد نهوا عنه » يعني: عن أخذ الربا.

وقوله: « وأكلهم أموالَ الناس بالباطل » ، يعني ما كانوا يأخذون من الرُّشَى على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ سورة المائدة: 62 ] . وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة. فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرَّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك.

وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل، لأنهم أكلوه بغير استحقاق، وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب.

وقوله: « وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا » ، يعني: وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من هؤلاء اليهود، العذاب الأليم وهو الموجع من عذاب جهنم عنده، يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم، فيعاقبهم بها.

 

القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ( 162 )

قال أبو جعفر: هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت، من قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ .

ثم قال جل ثناؤه لعباده، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم، « لكن الراسخون في العلم منهم » ، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.

وقد بينا معنى « الرسوخ في العلم » ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

« والمؤمنون » يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنـزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنـزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنـزل إليك من الكتاب، وبما أنـزل من قبلك من سائر الكتب، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » ، استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنـزل عليهم، وما أنـزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم.

ثم اختلف في « المقيمين الصلاة » ، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم؟.

فقال بعضهم: هم هم.

ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب « الراسخون في العلم » وهما من صفة نوع من الناس.

فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: « لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك والمقيمين الصلاة » ؟ قال: إن الكاتب لما كتب: « لكن الراسخون في العلم منهم » ، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: « والمقيمين الصلاة » ، فكتب ما قيلَ له.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: « والمقيمين الصلاة » ، وعن قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ [ سورة المائدة: 69 ] ، وعن قوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [ سورة طه: 63 ] ، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، أخطئوا في الكتاب.

وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: ( والمقيمون الصلاة ) .

وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: « والمقيمون الصلاة » ، من صفة « الراسخين في العلم » ، ولكن الكلام لما تطاول، واعترض بين « الراسخين في العلم » ، « والمقيمين الصلاة » ما اعترض من الكلام فطال، نصب « المقيمين » على وجه المدح. قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله. وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه. وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرتها في قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [ سورة البقرة: 177 ] .

وقال آخرون: بل « المقيمون الصلاة » من صفة غير « الراسخين في العلم » في هذا الموضع، وإن كان « الراسخون في العلم » من « المقيمين الصلاة » .

وقال قائلو هذه المقالة جميعًا: موضع « المقيمين » في الإعراب، خفض.

فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على « ما » التي في قوله: « يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » ، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.

ثم اختلف متأوّلو ذلك هذا التأويل في معنى الكلام.

فقال بعضهم: معنى ذلك: « والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » ، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: « والمؤتون الزكاة » ، عطفًا على ما في « يؤمنون » من ذكر « المؤمنين » ، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، هم والمؤتون الزكاة.

وقال آخرون: بل « المقيمون الصلاة » ، الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة، تسبيحهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: « والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » ، وبالملائكة.

وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: « والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » ، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [ سورة التوبة: 61 ] .

وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون: « المقيمين » منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصب العربُ على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره. قالوا: وخبر « الراسخين في العلم » قوله: « أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا » . قال: فغير جائز نصب « المقيمين » على المدح، وهو في وسط الكلام، ولمّا يتمَّ خبر الابتداء.

وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع « المقيمين » ، خفض.

وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة.

قال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله، منكرٌ عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف بظاهر على مكنيٍّ في حال الخفض، وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون « المقيمين » في موضع خفض، نسَقًا على « ما » ، التي في قوله: « بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك » وأن يوجه معنى « المقيمين الصلاة » ، إلى الملائكة.

فيكون تأويل الكلام: « والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنـزل إليك » ، يا محمد، من الكتاب « وبما أنـزل من قبلك » ، من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة. ثم يرجع إلى صفة « الراسخين في العلم » ، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر.

وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) ، وكذلك هو في مصحفه، فيما ذكروا. فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب.

وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً، على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب.

وأما من وجَّه ذلك إلى النصب على وجه المدح لـ « الراسخين في العلم » ، وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعدٍ من كلام العرب، لما قد ذكرت قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدِل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نَعْته إلا بعد تمام خبره. وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو [ أولى ] به من الفصاحة.

وأما توجيه من وجّه ذلك إلى العطف به على « الهاء » و « الميم » في قوله: « لكن الراسخون في العلم منهم » أو: إلى العطف به على « الكاف » من قوله: « بما أنـزل إليك » أو: إلى « الكاف » من قوله: « وما أنـزل من قبلك » ، فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح، لما قد ذكرت قبل من قُبْح ردِّ الظاهر على المكنيّ في الخفض.

وأما توجيه من وجه « المقيمين » إلى « الإقامة » ، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنـزيل، ولا خبر تثبت حجته. وغير جائز نقل ظاهر التنـزيل إلى باطن بغير برهان.

وأما قوله: « والمؤتون الزكاة » ، فإنه معطوف به على قوله: « والمؤمنون يؤمنون » ، وهو من صفتهم.

وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم مَن جعلها الله له وصرفها إليه « والمؤمنون بالله واليوم الآخر » ، يعني: والمصدّقون بوحدانية الله وألوهته، والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب « أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا » ، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم « سنؤتيهم » ، يقول: سنعطيهم « أجرًا عظيمًا » ، يعني: جزاءً على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، وثوابًا عظيمًا، وذلك الجنة.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ( 163 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح » ، إنا أرسلنا إليك، يا محمد، بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح، وإلى سائر الأنبياء الذين سَمَّيتهم لك من بعده، والذين لم أسمِّهم لك، كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن منذرٍ الثوري، عن الربيع بن خُثَيم في قوله: « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده » ، قال: أوحى إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله.

وذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن بعض اليهود لما فضحهم الله بالآيات التي أنـزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك من قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فتلا ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: « ما أنـزل الله على بشر من شيء بعد موسى » ! فأنـزل الله هذه الآيات، تكذْيبًا لهم، وأخبر نبيَّه والمؤمنين به أنه قد أنـزل عليه بعد موسى وعلى من سماهم في هذه الآية، وعلى آخرين لم يسمِّهم، كما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال، قال سُكَين وعدي بن زيد: يا محمد، ما نعلم الله أنـزل على بشر من شيء بعد موسى! فأنـزل الله في ذلك من قولهما: « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده » إلى آخر الآيات.

وقال آخرون: بل قالوا لما أنـزل الله الآيات التي قبل هذه في ذكرهم: « ما أنـزل الله على بشر من شيء، ولا على موسى، ولا على عيسى » ! فأنـزل الله جل ثناؤه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، [ سورة الأنعام: 91 ] ، ولا على موسى ولا على عيسى.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: أنـزل الله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ إلى قوله: وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ، فلما تلاها عليهم يعني: على اليهود وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنـزل الله، وقالوا: « ما أنـزل الله على بشر من شيء، ولا على موسى ولا على عيسى!! وما أنـزل الله على نبي من شيء » ! قال: فحلَّ حُبْوَته وقال: ولا على أحد!! فأنـزل الله جل ثناؤه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ سورة الأنعام: 91 ]

وأما قوله: « وآتينا داود زبورًا » ، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قرأة أمصار الإسلام، غير نفر من قرأة الكوفة: ( وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ) ، بفتح « الزاي » على التوحيد، بمعنى: وآتينا داود الكتاب المسمى « زبورًا » .

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين: ( وَآتَيْنَا دَاوُدَ زُبُورًا ) ، بضم « الزاي » جمع « زَبْرٍ » .

كأنهم وجهوا تأويله: وآتينا داود كتبًا وصحفًا مَزْبورة.

من قولهم: « زَبَرت الكتاب أزْبُره زَبْرًا » و « ذَبُرته أذْبُره ذَبْرًا » ، إذا كتبته.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ: ( وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ) ، بفتح « الزاي » ، على أنه اسم الكتاب الذي أوتيه داود، كما سمى الكتاب الذي أوتيه موسى « التوراة » ، والذي أوتيه عيسى « الإنجيل » ، والذي أوتيه محمد « الفرقان » ، لأن ذلك هو الاسم المعروف به ما أوتي داود. وإنما تقول العرب: « زَبُور داود » ، بذلك تعرف كتابَه سائرُ الأمم.

 

القول في تأويل قوله : وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ( 164 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل قد قصصناهم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك.

فلعل قائلا يقول: فإذ كان ذلك معناه، فما بال قوله: « ورسلا » منصوبًا غير مخفوض؟ قيل: نصب ذلك إذ لم تعد عليه « إلى » التي خفضت الأسماء قبله، وكانت الأسماء قبلها، وإن كانت مخفوضة، فإنها في معنى النصب. لأن معنى الكلام: إنا أرسلناك رسولا كما أرسلنا نوحًا والنبيين من بعده، فعُطفت « الرسل » على معنى الأسماء قبلها في الإعراب، لانقطاعها عنها دون ألفاظها، إذ لم يعد عليها ما خفضها، كما قال الشاعر.

لَــوْ جِــئْتَ بِـالْخُبْزِ لَـهُ مُنَشَّـرَا وَالْبَيْــضَ مَطْبُوخًـا مَعًـا والسُّـكَّرَا

لَمْ يُرْضِهِ ذلِكَ حَتَّى يَسْكَرَا

وقد يحتمل أن يكون نصب « الرسل » ، لتعلق « الواو » بالفعل، بمعنى: وقصصنا رسلا عليك من قبل، كما قال جل ثناؤه: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ سورة الإنسان: 31 ] .

وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ ( ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم عليك ) ، فرفعُ ذلك، إذ قرئ كذلك، بعائد الذكر في قوله: « قصصناهم عليك » .

وأما قوله: « وكلم الله موسى تكليمًا » ، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطابًا، وقد:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا نوح بن أبي مريم، وسئل: كيف كلم الله موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهة.

وقد:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن مبارك، عن معمر ويونس، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، أخبرني جزى بن جابر الخثعمي قال: سمعت كعبًا يقول: إن الله جل ثناؤه لما كلم موسى، كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه يعني: كلام موسى فجعل يقول: يا رب، لا أفهم! حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا ولو سمعت كلامي أي: على وجهه لم تك شيئًا!

قال ابن وكيع: قال أبو أسامة ( !! ) : وزادني أبو بكر الصغاني في هذا الحديث أن موسى قال: يا رب، هل في خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا وأقرب خلقي شبهًا بكلامي، أشدُّ ما تسمع الناسُ من الصواعق.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر قال، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: سئل موسى: ما شبهت كلام ربك مما خلق؟ فقال موسى: الرعد الساكب.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن: أنه أخبره عن جزء بن جابر الخثعمي قال: لما كلّم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق يقول: والله يا رب، ما أفقه هذا!! حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته، فقال موسى: يا ربِّ هذا كلامك؟ قال: لا. قال: هل في خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا وأقرب خلقي شبهًا بكلامي، أشد ما يسمع الناس من الصواعق.

حدثني أبو يونس المكي قال، حدثنا ابن أبي أويس قال، أخبرني أخي، عن سليمان، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه أخبره جزء بن جابر الخثعمي: أنه سمع [ كعب ] الأحبار يقول: لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: أي رب، والله ما أفقه هذا!! حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته، فقال موسى: أي رب، أهكذا كلامك؟ فقال: لو كلمتك بكلامي لم تكن شيئًا! قال: أي رب، هل في خلقك شيء يشبه كلامك؟ فقال: لا وأقرب خلقي شبهًا بكلامي، أشدّ ما يسمع من الصواعق.

حدثنا ابن عبد الرحيم قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا زهير، عن يحيى، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن جزء بن جابر: أنه سمع كعبًا يقول: لما كلم الله موسى بالألسنة قبل لسانه، طفق موسى يقول: أي رب، إني لا أفقه هذا!! حتى كلمه الله آخر الألسنة بمثل لسانه، فقال موسى: أي رب، هذا كلامك؟ قال الله: لو كلمتك بكلامي لم تكن شيئًا! قال، يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا وأقرب خلقي شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يسمع من الصواعق.

 

القول في تأويل قوله : رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 165 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، ومن ذكر من الرسل « رسلا » ، فنصب « الرسل » على القطع من أسماء الأنبياء الذين ذكر أسماءهم « مبشرين » ، يقول: أرسلتهم رسلا إلى خلقي وعبادي، مبشرين بثوابي من أطاعني واتبع أمري وصدَّق رسلي، ومنذرين عقابي من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي « لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل » ، يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين، لئلا يحتجّ من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضل عن سبيلي بأن يقول إن أردتُ عقابه: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [ سورة طه: 134 ] . فقطع حجة كلّ مبطل ألحدَ في توحيده وخالف أمره، بجميع معاني الحجج القاطعة عذرَه، إعذارًا منه بذلك إليهم، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل » ، فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا.

« وكان الله عزيزًا حكيمًا » ، يقول: ولم يزل الله ذا عِزة في انتقامه ممن انتقم [ منه ] من خلقه، على كفره به، ومعصيته إياه، بعد تثبيته حجَّتَه عليه برسله وأدلَّتَه « حكيمًا » ، في تدبيره فيهم ما دبّره.

 

القول في تأويل قوله : لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( 166 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن يكفر بالذي أوحينا إليك، يا محمد، اليهود الذين سألوك أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنـزيله إليك ما أنـزل من كتابه ووحيه، أنـزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصفِيُّه من عباده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك « وكفى بالله شهيدًا » ، يقول: وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك.

وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباعه، وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقة نبوّته، فجحدوا نبوَّته وأنكروا معرفته.

ذكر الخبر بذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم: إني والله أعلم إنكم لتعلمون أنيّ رسول الله! فقالوا: ما نعلم ذلك! فأنـزل الله: « لكن الله يشهد بما أنـزل إليك أنـزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عِصابة من اليهود، ثم ذكر نحوه.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « لكن الله يشهد بما أنـزل إليك أنـزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا » ، شهودٌ والله غير مُتَّهمة.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ( 167 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه « وصدوا عن سبيل الله » ، يعني: عن الدين الذي بعثَك الله به إلى خلقه، وهو الإسلام. وكان صدهم عنه، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: « ما نجد صفة محمد في كتابنا! » ، وادعاءهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبِّطون الناس بها عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبما جاء به من عند الله.

وقوله: « قد ضلُّوا ضلالا بعيدًا » ، يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورًا شديدًا، وزالوا عن المحجّة.

وإنما يعني جل ثناؤه بجورهم عن المحجة وضلالهم عنها، إخطاءَهم دين الله الذي ارتضاه لعباده، وابتعث به رسله. يقول: من جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدَّ عما بُعث به من الملة من قَبِل منه، فقد ضلّ فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبياءه، ضلالا بعيدًا.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ( 168 ) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 169 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا بالله بجحود ذلك، وظلموا بمُقامهم على الكفر على علم منهم، بظلمهم عبادَ الله، وحسدًا للعرب، وبغيًا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم « لم يكن الله ليغفر لهم » ، يعني: لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها « ولا ليهديهم طريقًا » ، يقول: ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا، الذين وصفنا صفتهم، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثوابَ الله، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة، ولكنه يخذلهم عن ذلك، حتى يسلكوا طريق جهنم. وإنما كنى بذكر « الطريق » عن الدين. وإنما معنى الكلام: لم يكن الله ليوفقهم للإسلام، ولكنه يخذلهم عنه إلى « طريق جهنم » ، وهو الكفر، يعني: حتى يكفروا بالله ورسله، فيدخلوا جهنم « خالدين فيها أبدًا » ، يقول: مقيمين فيها أبدًا « وكان ذلك على الله يسيرًا » ، يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 170 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « يا أيها الناس » ، مشركي العرب، وسائرَ أصناف الكفر « قد جاءكم الرسول » ، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم « بالحق من ربكم » ، يقول: بالإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينًا، يقول: « من ربكم » ، يعني: من عند ربكم « فآمنوا خيرًا لكم » ، يقول: فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به « وإن تكفروا » ، يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا « وكان الله عليمًا حكيمًا » ، يقول: « وكان الله عليمًا » ، بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيته في ذلك، على علم منه بذلك منكم، أمركم ونهاكم « حكيمًا » يعني: حكيمًا في أمره إياكم بما أمركم به، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه.

واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله: « خيرًا لكم » .

فقال بعض نحويي الكوفة: نصب « خيرًا » على الخروج مما قبله من الكلام، لأن ما قبله من الكلام قد تمَّ، وذلك قوله: « فآمنوا » . وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تامًّا، ثم اتصل به كلام بعد تمامه، على نحو اتصال « خير » بما قبله. فتقول: « لتقومن خيرًا لك » و « لو فعلت ذلك خيرًا لك » ، و « اتق الله خيرًا لك » . قال: وأما إذا كان الكلام ناقصًا، فلا يكون إلا بالرفع، كقولك: « إن تتق الله خير لك » ، و وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ سورة النساء: 25 ] .

وقال آخر منهم: جاء النصب في « خير » ، لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خيرٌ لكم، فلما سقط « هو » ، الذي [ هو كناية ] ومصدرٌ، اتّصل الكلام بما قبله، والذي قبله معرفة، و « خير » نكرة، فانتصب لاتصاله بالمعرفة لأن الإضمار من الفعل « قم فالقيام خير لك » ، و « لا تقم فترك القيام خير لك » . فلما سقط اتصل بالأول. وقال: ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر، فتقول للرجل: « اتق الله هو خير لك » ، أي: الاتقاء خير لك. وقال: ليس نصبه على إضمار « يكن » ، لأن ذلك يأتي بقياس يُبْطل هذا. ألا ترى أنك تقول: « اتق الله تكن محسنًا » ، ولا يجوز أن تقول: « اتق الله محسنًا » ، وأنت تضمر « كان » ، ولا يصلح أن تقول: « انصرنا أخانا » ، وأنت تريد: « تكن أخانا » ؟ وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا في « أفعل » خاصة، فتقول: « افعل هذا خيرًا لك » ، و « لا تفعل هذا خيرًا لك » ، و « أفضل لك » .، ولا تقول: « صلاحًا لك » . وزعم أنه إنما قيل مع « أفعل » ، لأن « أفعل » يدل على أن هذا أصلح من ذلك.

وقال بعض نحويي البصرة: نصب « خيرًا » ، لأنه حين قال لهم: « آمنوا » ، أمرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعملوا خيرًا لكم، وكذلك: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [ سورة النساء: 171 ] . قال: وهذا إنما يكون في الأمر والنهي خاصة، ولا يكون في الخبر لا تقول: « أن أنتهي خيرًا لي » ؟ ولكن يرفع على كلامين، لأن الأمر والنهي يضمر فيهما فكأنك أخرجته من شيء إلى شيء، لأنك حين قلت له: « انته » ، كأنك قلت له: « اخرج من ذا، وادخل في آخر » ، واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة:

فَوَاعِدِيـــهِ سَـــرْحَتَيْ مَـــالِكٍ أوِ الـــرُّبَى بَيْنَهُمَـــا أَسْـــهَلا

كما تقول: « واعديه خيرًا لك » . قال: وقد سمعت نصبَ هذا في الخبر، تقول العرب: « آتي البيت خيرًا لي، وأتركه خيرًا لي » ، وهو على ما فسرت لك في الأمر والنهي.

وقال آخر منهم: نصب « خيرًا » ، بفعل مضمر، واكتفى من ذلك المضمر بقوله: « لا تفعل هذا » أو « افعل الخير » ، وأجازه في غير « أفعل » ، فقال: « لا تفعل ذاك صلاحًا لك » .

وقال آخر منهم: نصب « خيرًا » على ضمير جواب « يكن خيرًا لكم » . وقال: كذلك كل أمر ونهي.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يا أهل الكتاب » ، يا أهل الإنجيل من النصارى « لا تغلوا في دينكم » ، يقول: لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحق، فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله، قول منكم على الله غير الحق. لأن الله لم يتخذ ولدًا فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابنًا « ولا تقولوا على الله إلا الحق » .

وأصل « الغلو » ، في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حدّه. يقال منه في الدين: « قد غلا فهو يغلو غلوًّا » ، و « غَلا بالجارية عظمها ولحمها » ، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِدَاتها « يغلو بها غُلُوًّا، وغَلاءً » ، ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي:

خُمْصَانَـــةٌ قَلِـــقٌ مُوَشَّـــحُها رُؤْدُ الشَّــبَابِ غَــلا بِهَــا عَظْـمُ

وقد:-

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: صاروا فريقين: فريق غلَوا في الدين، فكان غلوهم فيه الشك فيه والرغبة عنه، وفريق منهم قصَّروا عنه، ففسقوا عن أمر ربهم.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ

قال أبو جعفر: يعني ثناؤه بقوله: « إنما المسيح عيسى ابن مريم » ، ما المسيح، أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب، بابن الله، كما تزعمون، ولكنه عيسى ابن مريم، دون غيرها من الخلق، لا نسب له غير ذلك. ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته ووصفه بصفته فقال: هو رسول الله أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه.

وأصل « المسيح » ، « الممسوح » ، صرف من « مفعول » إلى « فعيل » . وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب. وقيل: مُسِح من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين، كما يمسح الشيء من الأذى الذي يكون فيه، فيطهر منه. ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله: « المسيح » ، الصدّيق.

وقد زعم بعض الناس أنّ أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية « مشيحا » ، فعربت فقيل: « المسيح » ، كما عرب سائر أسماء الأنبياء التي في القرآن مثل: « إسماعيل » و « إسحاق » و « موسى » و « عيسى » .

قال أبو جعفر: وليس ما مثَل به من ذلك لـ « المسيح » بنظير. وذلك أن « إسماعيل » و « إسحاق » وما أشبه ذلك، أسماء لا صفات، و « المسيح » صفة. وغير جائز أن تخاطب العرب، وغيرها من أجناس الخلق، في صفة شيء إلا بمثل ما تفهم عمَّن خاطبها. ولو كان « المسيح » من غير كلام العرب، ولم تكن العرب تعقل معناه، ما خوطبت به. وقد أتينا من البيان عن نظائر ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته.

وأما « المسيح الدجال » ، فإنه أيضًا بمعنى: الممسوح العين، صرف من « مفعول » إلى « فعيل » . فمعنى: « المسيح » في عيسى صلى الله عليه وسلم: الممسوح البدن من الأدناس والآثام ومعنى: « المسيح » في الدجال: الممسوح العين اليمنى أو اليسرى، كالذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وأما قوله: « وكلمته ألقاها إلى مريم » ، فإنه يعني: بـ « الكلمة » ، الرسالة التي أمرَ الله ملائكته أن تأتي مريم بها، بشارةً من الله لها، التي ذكر الله جل ثناؤه في قوله: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ سورة آل عمران: 45 ] ، يعني: برسالة منه، وبشارة من عنده.

وقد قال قتادة في ذلك ما:-

حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « وكلمته ألقاها إلى مريم » ، قال: هو قوله: « كن » ، فكان.

وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الإسلام في ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: « ألقاها إلى مريم » ، يعني: أعلمها بها وأخبرها، كما يقال: « ألقيت إليك كلمة حسنة » ، بمعنى: أخبرتك بها وكلّمتك بها.

وأما قوله: « وروح منه » ، فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معنى قوله: « وروح منه » ، ونفخة منه، لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام في دِرْع مريم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه « روح من الله » ، لأنه بأمره كان. قال: وإنما سمي النفخ « روحًا » ، لأنها ريح تخرج من الرُّوح، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها:

فَلَمَّــا بَـدَتْ كَفَّنْتُهـا, وَهْـيَ طِفْلَـةٌ بِطَلْسَـاءَ لَـمْ تَكْمُـلْ ذِرَاعًـا وَلا شِبْرَا

وَقُلْـتُ لَـهُ ارْفَعْهَـا إِلَيْـكَ, وَأَحْيِهَـا بِرُوحِـكَ, وَاقْتَتْـهُ لَهَـا قِيتَـةً قَـدْرَا

وَظَـاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِس الشَّخْتِ, وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَـا الصَّبَـا, وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا

[ وَلَمَّا تَنَمَّـتْ تَـأْكُلُ الـرِّمَّ لَـمْ تَـدَعْ ذَوَابِـلَ مِمَّـا يَجْـمَعُونَ ولا خُـضْرَا ]

فَلَمَّـا جَـرَتْ فـي الْجَـزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَـنَا الـبَرْقِ, أَحْدَثْنَـا لِخَالِقِهَـا شُكْرَا

وقالوا: يعني بقوله: « أحيها بروحك » ، أي: أحيها بنفخك.

وقال بعضهم يعني بقوله: « وروح منه » إنه كان إنسانًا بإحياء الله له بقوله: « كن » . قالوا: وإنما معنى قوله: « وروح منه » ، وحياة منه، بمعنى إحياءِ الله إياه بتكوينه.

وقال آخرون: معنى قوله: « وروح منه » ، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ سورة المجادلة: 22 ] . قالوا: ومعناه في هذا الموضع: ورحمة منه. قالوا: فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدّقه، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد.

وقال آخرون: معنى ذلك: وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها، فصيَّرها الله تعالى روحَ عيسى عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد قال، أخبرني أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، [ سورة الأعراف: 172 ] ، قال: أخذهم فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخِذ عليها العهد والميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها، فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى عليه السلام.

وقال آخرون: معنى « الروح » ههنا، جبريل عليه السلام. قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضًا إليها روح من الله. قالوا: فـ « الروح » معطوف به على ما في قوله: « ألقاها » من ذكر الله، بمعنى: أنّ إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله، ثم من جبريل عليه السلام.

قال أبو جعفر: ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيدٍ من الصواب.

 

القول في تأويل قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « فآمنوا بالله ورسله » ، فصدِّقوا، يا أهل الكتاب، بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له، وصدِّقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، لا ولد له « ولا تقولوا ثلاثة » ، يعني: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثة.

ورفعت « الثلاثة » ، بمحذوف دلّ عليه الظاهر، وهو « هم » . ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة. وإنما جاز ذلك، لأن « القول » حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، ومنه قول الله: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، [ سورة الكهف: 22 ] . وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد « القول » لا رافع معه، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم.

ثم قال لهم جل ثناؤه: متوعدًا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله: « انتهوا » ، أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، عما تقولون من الزور والشرك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قِيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قِيلكم ذلك، إن أقمتم عليه، ولم تُنيبوا إلى الحق الذي أمرتكم بالإنابة إليه والآجلِ في معادكم.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 171 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « إنما الله إله واحد » ، ما الله، أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، كما تقولون، لأن من كان له ولد، فليس بإله. وكذلك من كان له صاحبة، فغير جائز أن يكون إلهًا معبودًا. ولكن الله الذي له الألوهة والعبادة، إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك.

ثم نـزه جل ثناؤه نفسه وعظَّمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكَفرة به فقال: « سبحانه أن يكون له ولد » ، يقول: علا الله وجل وعز وتعظمَّ وتنـزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة.

ثم أخبر جل ثناؤه عباده: أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض، عبيدُه وإماؤه وخلقه، وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا، لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: « له ما في السموات وما في الأرض » ، يعني: لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟

وقوله: « وكفى بالله وكيلا » ، يقول: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قَيِّمًا ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره.

 

القول في تأويل قوله : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ

يعني جل ثناؤه بقوله: « لن يستنكف المسيح » ، لن يأنف ولن يستكبر المسيح « أن يكون عبدًا لله » ، يعني: من أن يكون عبدًا لله، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون » ، لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله ولا الملائكة.

وأما قوله: « ولا الملائكة المقربون » ، فإنه يعني: ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودية والإذعان له بذلك، رسلُه « المقربون » ، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.

وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك، ما:-

حدثني به جعفر بن محمد البزوري قال، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الأجلح قال: قلت للضحاك: ما « المقربون » ؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية.

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ( 172 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك « فسيحشرهم إليه جميعًا » ، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده.

 

القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 173 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون المقرّون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذلِّلون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك: أن يَرِدُوا على ربهم قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه « فيوفِّيهم أجورهم » ، يقول: فيؤتيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة وافيًا تامًّا « ويزيدهم من فضله » ، يعني جل ثناؤه: ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها، من الفضل والزيادة ما لم يعرّفهم مبلغه، ولم يحدّ لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشرَ أمثالها من الثواب والجزاء. فذلك هو أجر كلِّ عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضُّل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده. غيرَ أن الذي وعد عبادَه المؤمنين أن يُوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حَدُّ مبلغه من العَشْر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حدّ لقَدْره يوقف عليه.

وقد قال بعضهم: الزيادة إلى سبعمائة ضعف.

وقال آخرون: إلى ألفين.

وقد ذكرت اختلاف المختلفين في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وقوله: « وأما الذين استنكفوا واستكبروا » ، فإنه يعني: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلّل لألوهته وعبادته، وتسليم الربوبيّة والوحدانية له « فيعذبهم عذابًا أليمًا » ، يعني: عذابًا موجعًا « ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا » ، يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها، إذا عذبهم الله الأليم من عذابه، سوى الله لأنفسهم وليًّا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه « ولا نصيرًا » ، يعني: ولا ناصرًا ينصرهم فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوّته ما أحلَّ بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء، من نصرتهم والمدافعة عنهم .

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ( 174 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم » ، يا أيها الناس من جميع أصناف الملل، يهودِها ونصاراها ومشركيها، الذين قص الله جل ثناؤه قَصَصهم في هذه السورة « قد جاءكم برهان من ربكم » ، يقول: قد جاءتكم حجة من الله تبرهن لكم بُطُولَ ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم ومللكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله عليكم حجة قطع بها عذركم، وأبلغ إليكم في المعذرة بإرساله إليكم، مع تعريفه إياكم صحة نبوته، وتحقيق رسالته « وأنـزلنا إليكم نورًا مبينًا » ، يقول: وأنـزلنا إليكم معه « نورًا مبينًا » ، يعني: يبين لكم المحجَّة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله وأليم عقابه، إن سلكتموها واستنرتم بضوئه.

وذلك « النور المبين » ، هو القرآن الذي أنـزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « برهان من ربكم » ، قال: حجة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم » ، أي: بينة من ربكم « وأنـزلنا إليكم نورًا مبينًا » ، وهو هذا القرآن.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « قد جاءكم برهان من ربكم » ، يقول: حجة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « برهان » ، قال: بينة « وأنـزلنا إليكم نورًا مبينًا » ، قال: القرآن.

 

القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( 175 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فأما الذين صدَّقوا الله وأقرّوا بوحدانيته، وما بعث به محمدًا صلى الله عليه وسلم من أهل الملل « واعتصموا به » ، يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذي أنـزله إلى نبيه، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « واعتصموا به » ، قال: بالقرآن.

« فسيدخلهم في رحمة منه وفضل » ، يقول: فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحَقهم من فضله ما لَحِق أهل الإيمان به والتصديق برسله « ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا » ، يقول: ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم. وذلك هو « الصراط المستقيم » ، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام .

ونصب « الصراط المستقيم » على القطع من « الهاء » التي في قوله: « إليه » .

 

القول في تأويل قوله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ

يعني تعالى ذكره بقوله: « يستفتونك » ، يسألونك، يا محمد، أن تفتيهم في الكلالة.

وقد بينا معنى: « الكلالة » فيما مضى بالشواهد الدالة على صحته، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته، وبيّنا أن « الكلالة » عندنا: ما عدا الولد والوالد.

« إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك » ، يعني بقوله: « إن امرؤ هلك » ، إن إنسان من الناس مات، كما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إن امرؤ هلك » ، يقول: مات.

« ليس له ولد » ذكر ولا أنثى « وله أخت » ، يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه « فلها نصف ما ترك » ، يقول: فلأخته التي تركها بعده بالصفة التي وَصَفنا، نصف تركته ميراثًا عنه، دون سائر عصبته. وما بقي فلعصبته.

وذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هَّمهم شأن الكلالة، فأنـزل الله تبارك وتعالى فيها هذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » ، فسألوا عنها نبيَّ الله، فأنـزل الله في ذلك القرآن: « إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ » ، فقرأ حتى بلغ: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . قال: وذكر لنا أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا إنّ الآية التي أنـزل الله في أول « سورة النساء » في شأن الفرائض، أنـزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية أنـزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم. والآية التي ختم بها « سورة النساء » ، أنـزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم. والآية التي ختم بها « سورة الأنفال » ، أنـزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرَّت الرحِم من العَصَبة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن الله ذلك؟ قال: فنـزلت: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

حدثنا مؤمل بن هشام أبو هشام قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: اشتكيت وعندي تسع أخوات لي أو: سبْع، أنا أشكّ فدخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فنفخ في وجهي، فأفقت وقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: أحسن! قلت: الشطر؟ قال: أحسن! ثم خرج وتركني، ثم رجع إليّ فقال: يا جابر، إنِّي لا أُرَاك ميتًا من وجعك هذا، وإن الله قد أنـزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين. قال: فكان جابر يقول: أنـزلت هذه الآية فيّ: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام يعني الدستوائي عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: مرضت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودُني هو وأبو بكر وهما ماشيان، فوجدوني قد أغمي عليّ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صبَّ عليّ من وَضوئه، فأفقت فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي أو: كيف أصنع في مالي؟ وكان له تسع أخوات، ولم يكن له والد ولا ولد.

قال: فلم يجبني شيئًا حتى نـزلت آية الميراث: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » إلى آخر السورة قال ابن المنكدر: قال جابر: إنما أنـزلت هذه الآية فيّ.

وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذه الآية هي آخر آية نـزلت من القرآن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: سمعته يقول: إن آخر آية نـزلت من القرآن: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: آخر آية نـزلت من القرآن: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

حدثنا محمد بن خلف قال، حدثنا عبد الصمد بن النعمان قال، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي السفر، عن البراء قال: آخر آية نـزلت من القرآن: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: آخر سورة نـزلت كاملة « براءة » ، وآخر آية، نـزلت خاتمة « سورة النساء » : « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » .

واختلف في المكان الذي نـزلت فيه الآية.

فقال جابر بن عبد الله: نـزلت في المدينة. وقد ذكرت الرواية بذلك عنه فيما مضى، بعضها في أول السورة عند فاتحة آية المواريث، وبعضها في مبتدإ الأخبار عن السبب الذي نـزلت فيه هذه الآية.

وقال آخرون: بل أنـزلت في مسيرٍ كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: نـزلت: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » ، والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم حُذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه. فلما استُخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدِّثك فيها بما لم أحدِّثك يومئذ! فقال عمر: لم أرِد هذا، رحمك الله!

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين بنحوه إلا أنه قال في حديثه: فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق إن ظننتَ.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: كانوا في مسير، ورأسُ راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس راحلة عمر عند رِدْف راحلة حذيفة. قال: ونـزلت: « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » ، فلقَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقّاها حذيفة عمر. فلما كان بعد ذلك، سأل عمرُ عنها حذيفةَ فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا! قال: وكان عمر يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، فإنها لم تُبَيَّن لي.

واختلف عن عمر في الكلالة، فروي عنه أنه قال فيها عند وفاته: « هو من لا ولد له ولا والد » . وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في أول هذه السورة في آية الميراث.

وروي عنه أنه قال قبل وفاته: هو ما خلا الأب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال، قال عمر بن الخطاب: ما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو: ما نازعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صَدري وقال: يكفيك منها آية الصيف التي أنـزلت في آخر « سورة النساء » : « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة » ، وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ، هو ما خلا الأب كذا أحسب قال ابن عرفة قال شبابة: الشك من شعبة.

وروي عنه أنه قال: « إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر » ، وكان أبو بكر يقول: « هو ما خلا الولد والوالد » . وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه فيما مضى في أول السورة

وروي عنه أنه قال عند وفاته: « قد كنت كتبت في الكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، وقد رأيت أن أترككم على ما كنتم عليه » ، وأنه كان يتمنى في حياته أن يكون له بها علم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب كتب في الجدّ والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: « اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه » ، حتى إذا طُعِن، دعا بكتاب فَمُحي، فلم يدر أحدٌ ما كتب فيه، فقال: « إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال، حدثنا عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني قال، قال عمر: ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهن لنا، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب الربا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش قال: سمعتهم يذكرون، ولا أرى إبراهيم إلا فيهم، عن عمر قال: لأن أكون أعلم الكلالة، أحبُّ إليّ من أن يكون لي مثل جزية قصور الروم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتِفًا وجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاءً تحدَّثُ به النساء في خدورهن! فخرجت حينئذ حيَّة من البيت، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمَّه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو حيان قال، حدثني الشعبي، عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب على منبر المدينة، فقال: أيها الناس، ثلاثٌ ودِدت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب قال: ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألت عن الكلالة، حتى طَعَن بإصبعه في صدري وقال: تكفيك آية الصيف التي في آخر « سورة النساء » .

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان، عن عمر قال: لن أدع شيئًا أهمَّ عندي من أمر الكلالة، فما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في صدري أو قال: في جنبي فقال: تكفيك الآية التي أنـزلت في آخر « النساء » .

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: إنيّ والله ما أدع بعدي شيئًا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: « تكفيك آية الصيف التي أنـزلت في آخر سورة النساء » ، وإن أعِش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحدٌ قرأ القرآن.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا هشام، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمر بن الخطاب بنحوه.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي يقول، أخبرنا أبو حمزة، عن جابر، عن الحسن بن مسروق، عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي وَرِث كلالة، فقال: الكلالة، الكلالة، الكلالة!! وأخذ بلحيته، ثم قال: والله لأن أعلمَها أحبَّ إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمع الآية التي أنـزلت في الصيف؟ فأعادها ثلاث مرات.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: ألم تسمع الآية التي أنـزلت في الصيف: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إلى آخر الآية؟

حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا إسحاق بن عيسى قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير: أن رجلا سأل عُقبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون من هذا؟ يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة!

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله جل ثناؤه: « إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك » ، ولقد علمت اتفاق جميع أهل القبلة ما خلا ابن عباس وابن الزبير رحمة الله عليهما على أن الميت لو ترك ابنةً وأختًا، أن لابنته النصف، وما بقي فلأختِه، إذا كانت أخته لأبيه وأمه، أو لأبيه؟ وأين ذلك من قوله: « إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك » ، وقد ورَّثوها النصف مع الولد؟

قيل: إنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه. إنما جعل الله جل ثناؤه بقوله: « إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك » ، إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى، وكان موروثًا كلالة، النصفَ من تركته فريضةً لها مسمَّاة. فأما إذا كان للميت ولد أنثى، فهي معها عصبة، يصير لها ما كان يصير للعصبة غيرها، لو لم تكن. وذلك غير محدود بحدٍّ، ولا مفروض لها فرضَ سهام أهل الميراث بميراثهم عن ميِّتهم. ولم يقل الله في كتابه: « فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه » ، فيكون لما روي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجهٌ يوجَّه إليه. وإنما بيَّن جل ثناؤه، مبلغ حقِّها إذا وُرث الميت كلالةً، وترك بيان ما لها من حق إذا لم يورث كلالةً في كتابه، وبيَّنه بوحيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت. وذلك معنًى غير معنى وراثتها الميت، إذا كان موروثًا كلالةً.

 

القول في تأويل قوله : وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله، إذا وُرِثت كلالة، ولم يكن لها ولد ولا والد.

 

القول في تأويل قوله : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فإن كانتا اثنتين » ، فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه « اثنتين » فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت، إذا لم يكن له ولد، وورث كلالة « وإن كانوا إخوة » ، يعني: وإن كان المتروكون من إخوته « رجالا ونساء فللذكر » منهم بميراثهم عنه من تركته « مثل حظ الأنثيين » ، يعني: مثل نصيب اثنتين من أخواته. وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه.

 

القول في تأويل قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم « أن تضلوا » ، بمعنى: لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها، أي: لئلا تجوروا عن الحق في ذلك وتخطئوا الحكم فيه، فتضلّوا عن قصد السبيل، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: « يبين الله لكم أن تضلوا » ، قال: في شأن المواريث.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قالا جميعًا، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان عمر إذا قرأ: « يبين الله لكم أن تضلوا » قال: اللهم مَنْ بَيَّنت له الكلالة، فلم تُبَيَّن لي.

قال أبو جعفر: وموضع « أن » في قوله: « يبين الله لكم أن تضلوا » ، نصبٌ، في قول بعض أهل العربية، لاتصالها بالفعل.

وفي قول بعضهم: خفضٌ، بمعنى: يبين الله لكم بأن لا تضلوا، ولئلا تضلوا وأسقطت « لا » من اللفظ وهي مطلوبة في المعنى، لدلالة الكلام عليها. والعرب تفعل ذلك، تقول: « جئتك أن تلومني » ، بمعنى: جئتك أن لا تلومني، كما قال القطامي في صفة ناقة:

رَأَيْنَــا مَـا يَـرَى البُصَـراءُ فِيهَـا فَآلَيْنَــــا عَلَيْهـــا أَنْ تُبَاعَـــا

بمعنى: أن لا تباع.

 

القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 176 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: « والله بكل شيء » من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء « عليم » ، يقول: هو بذلك كله ذو علم.

( آخر تفسير سورة النساء )

والحمد الله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله وسلم

 

تفسير سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

القول في تأويل قوله عز ذكره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا » ، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية, وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه « أوفوا بالعقود » ، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه, وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا, فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها, ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم, ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها .

واختلف أهل التأويل في « العقود » التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية, بعد إجماع جميعهم على أن معنى « العقود » ، العهود.

فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا, وذلك هو معنى « الحلف » الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.

ذكر من قال: معنى « العقود » ، العهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: « أوفوا بالعقود » ، يعني: بالعهود.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم, فقال: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: « أوفوا بالعقود » ، بالعهود.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: « أوفوا بالعقود » ، قال: بالعهود.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول: « أوفوا بالعقود » ، قال: بالعهود.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

قال أبو جعفر: و « العقود » جمع « عَقْدٍ » ، وأصل « العقد » ، عقد الشيء بغيره, وهو وصله به, كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: « عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده » , ومنه قول الحطيئة:

قَــوْمٌ إذَا عَقَــدُوا عَقْـدًا لِجَـارِهِمُ شَـدُّوا العِنَـاجَ وَشَـدُّوا فَوْقَـهُ الْكَرَبَا

وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه, من أمان وذِمَّة, أو نصرة, أو نكاح, أو بيع, أو شركة, أو غير ذلك من العقود.

ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله: « أوفوا بالعقود » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، أي: بعقد الجاهلية. ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية, ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام. وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟ فقال: نعم، يا نبي الله! قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: « أوفوا بالعقود » ، قال: عقود الجاهلية: الحلف.

وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « أوفوا بالعقود » ، يعني: ما أحل وما حرّم, وما فرض, وما حدَّ في القرآن كله, فلا تغدِروا ولا تنكُثوا. ثم شدَّد ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله: سُوءُ الدَّارِ [ سورة الرعد: 25 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أوفوا بالعقود » ، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرَّم عليهم.

وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان, وعُقدة النكاح, وعقدة العَهد, وعقدة البيع, وعقدة الحِلْف.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة, نحوه.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف, وعقد الشركة, وعقد النكاح. قال: هذه العقود، خمس.

حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: العقود خمس: عقدة النكاح, وعقدة الشركة, وعقد اليمين, وعقدة العهد, وعقدة الحلف .

وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم, فيه: « هذا بيان من الله ورسوله » : « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، فكتب الآيات منها حتى بلغ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس, وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم, وألزمكم فرضه, وبيَّن لكم حدوده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال, لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: « أوفوا بالعقود » ، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك, ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه, مع أن قوله: « أوفوا بالعقود » ، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه, فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا, فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.

وأما قوله: « أوفوا » فإن للعرب فيه لغتين:

إحداهما: « أوفوا » ، من قول القائل: « أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به » .

والأخرى من قولهم: « وفيت له بعهده أفي » .

و « الإيفاء بالعهد » ، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.

 

القول في تأويل قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « بهيمة الأنعام » التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.

فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن عوف, عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « بهيمة الأنعام » ، هي الأنعام.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها - إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري, عن عطية العوفي, عن ابن عمر في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » . قال: ما في بطونها. قال قلت: إن خرج ميتًا آكله؟ قال: نعم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن إدريس الأودي, عن عطية, عن ابن عمر نحوه وزاد فيه قال: نعم, هو بمنـزلة رئتها وكبدها.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر وسفيان, عن قابوس عن أبيه, عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين, فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان, عن قابوس, عن أبيه قال: ذبحنا بقرة, فإذا في بطنها جنين, فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى بقوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها . لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك « بهيمة وبهائم » , ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء. فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها.

وأما « النعم » فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة, كما قال جل ثناؤه: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، [ سورة النحل: 5 ] ، ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [ سورة النحل: 8 ] ، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان .

وأما « بهائمها » ، فإنها أولادها. وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم « بهيمة » ، كما يلزم الصغار, لأن معنى قول القائل: « بهيمة الأنعام » , نظير قوله: « ولد الأنعام » . فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر, فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.

وقد قال قوم: « بهيمة الأنعام » ، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر .

 

القول في تأويل قوله : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله: « إلا ما يتلى عليكم » . فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم, إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، الآية [ سورة المائدة: 3 ] .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، إلا الميتة وما ذكر معها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « إلا ما يتلى عليكم » ، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إلا ما يتلى عليكم » ، الميتة والدم ولحم الخنـزير.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، الميتة ولحم الخنـزير.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، هي الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أُهِلَّ لغير الله به.

وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: « إلا ما يتلى عليكم » ، الخنـزير.

ذكر من قال ذلك.

حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « إلا ما يتلى عليكم » ، قال: الخنـزير.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « إلا ما يتلى عليكم » ، يعني: الخنـزير.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من قال: عنى بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، الآية. لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ [ سورة المائدة: 3 ] . وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.

 

القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم. فـ « غير » منصوب على قول قائلي هذه المقالة على الحال مما في قوله: « أوفوا » من ذكر « الذين آمنوا » .

وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه, لا محلّين الصيد وأنتم حرم.

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر « غير محلي الصيد » ، غير مستحلِّي اصطيادها, وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم « . فـ » غير « ، على قول هؤلاء، منصوب على الحال من » الكاف والميم « اللتين في قوله: لَكُمْ ، بتأويل: أحلت لكم، أيها الذين آمنوا، بهيمة الأنعام, لا مستحلِّي اصطيادها في حال إحرامكم . »

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. فكأن من قال ذلك, وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إلا ما يبين لكم من وحشيها, غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم. فتكون « غير » منصوبة، على قولهم، على الحال من « الكاف والميم » في قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل, فحدّثهم فقال: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » صيدًا « غير محلي الصيد وأنتم حرم » , فهو عليكم حرام. يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم » ، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد, فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها, وعلى دلالة ظاهر التنـزيل قولُ من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم, فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم, إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم، وما أهل لغير الله به.

وذلك أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، لو كان معناه: « إلا الصيد » , لقيل: « إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه » . وفي ترك الله وَصْلَ قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بما ذكرت, وإظهار ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » ، أوضحُ الدليل على أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، خَبَرٌ متناهية قصته, وأن معنى قوله: « غير محلي الصيد » ، منفصل منه.

وكذلك لو كان قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مقصودًا به قصد الوحش, لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل, ولقيل: « أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم » . وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » ، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.

فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر, وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نـزل كلامه بلغته، أولى ما وُجد إلى ذلك سبيل من صرفه إلى غير ذلك.

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ, لا محلين الصيد في حرمكم, ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ( 1 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله, وتحريم ما أراد تحريمه, وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم, وغير ذلك من أحكامه وقضاياه فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم, وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها. كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إن الله يحكم ما يريد » ، إن الله يحكم ما أراد في خلقه, وبيّن لعباده, وفرض فرائضه, وحدَّ حدوده, وأمر بطاعته, ونهى عن معصيته.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله: « لا تحلوا شعائر الله » .

فقال بعضهم معناه: لا تحلوا حُرُمات الله, ولا تتعدَّوا حدوده كأنهم وجهوا « الشعائر » إلى المعالم, وتأولوا « لا تحلوا شعائر الله » ، معالم حدود الله, وأمرَه ونهيَه وفرائضَه.

[ ذكر من قال ذلك ] :

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا حبيب المعلم, عن عطاء: أنه سئل عن « شعائر الله » فقال: حُرُمات الله، اجتناب سَخَطِ الله, واتباع طاعته, فذلك « شعائر الله » .

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا حَرَم الله فكأنهم وجهوا معنى قوله: « شعائر الله » ، أي: معالم حرم الله من البلاد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله » ، قال: أما « شعائر الله » ، فحرَم الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلّوا مناسك الحج فتضيعوها وكأنهم وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حدَّها لكم في حجِّكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال ابن عباس قوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قال: مناسك الحج.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله » ، قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام, ويهدُون الهدايا, ويعظِّمون حرمة المشاعر, ويتَّجرون في حجهم, فأراد المسلمون أن يُغَيِّروا عليهم, فقال الله عز وجل: « لا تحلوا شعائر الله » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « شعائر الله » ، الصفا والمروة, والهَدْي, والبُدْن, كل هذا من « شعائر الله » .

حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا ما حرَّم الله عليكم في حال إحرامكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قال: « شعائر الله » ، ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرِم.

وكأن الذين قالوا هذه المقالة, وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حرّمها عليكم في إحرامكم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بقوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه.

لأن « الشعائر » جمع « شعيرة » , « والشعيرة » « فعيلة » من قول القائل: « قد شعر فلان بهذا الأمر » ، إذا علم به. فـ « الشعائر » ، المعالم، من ذلك .

وإذا كان ذلك كذلك, كان معنى الكلام: لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج: من تحريم ما حرَّم الله إصابته فيها على المحرم, وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها, وفيما حرَّم من استحلال حُرمات حَرَمه, وغير ذلك من حدوده وفرائضه، وحلاله وحرامه, لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أماراتٍ بين الحق والباطل, يُعْلَم بها حلالُه وحرامه، وأمره ونهيه.

وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى: « لا تحلوا شعائر الله » ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها نهيًا عامًّا، من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء, فلم يَجُز لأحد أن يوجِّه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها, ولا حجة بذلك كذلك.

 

القول في تأويل قوله : وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ولا الشهر الحرام » ، ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم فيه أعداءَكم من المشركين وهو كقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ سورة البقرة: 217 ] .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « ولا الشهر الحرام » ، يعني: لا تستحلوا قتالا فيه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت, فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت.

وأما « الشهر الحرام » الذي عناه الله بقوله: « ولا الشهر الحرام » ، فرجب مُضَر, وهو شهر كانت مضر تحرِّم فيه القتال.

وقد قيل: هو في هذا الموضع « ذو القعدة » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قال: هو ذو القعدة.

وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى, وذلك في تأويل قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ .

 

القول في تأويل قوله : وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ

قال أبو جعفر: « أما الهدي » ، فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة أو غير ذلك، إلى بيت الله, تقرُّبا به إلى الله، وطلبَ ثوابه .

يقول الله عز وجل: فلا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله غَلَبةً ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلُغوا به المحِلَّ الذي جعله الله جل وعزّ مَحِلَّه من كعبته.

وقد روي عن ابن عباس أن « الهدي » إنما يكون هديًا ما لم يُقَلَّد.

حدثني بذلك محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولا الهدي » ، قال: الهدي ما لم يقلَّد, وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلِّده.

وأما قوله: « ولا القلائد » ، فإنه يعني: ولا تحلوا أيضًا القلائد.

ثم اختلف أهل التأويل في « القلائد » التي نهى الله عز وجل عن إحلالها.

فقال بعضهم: عنى بـ « القلائد » ، قلائدَ الهدي. وقالوا: إنما أراد الله جل وعز بقوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، ولا تحلوا الهدايا المقلَّدات منها وغير المقلَّدات. فقوله: « ولا الهدي » ، ما لم يقلّد من الهدايا « ولا القلائد » ، المقلّد منها. قالوا: ودلّ بقوله: « ولا القلائد » ، على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلّدة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولا القلائد » ، القلائد، مقلَّدات الهدي. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم. فإن فعل ذلك وعليه قميصه، فليخلَعْه.

وقال آخرون: يعني بذلك: القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة، من لِحَاء السَّمُر وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها, من الشَّعَر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، قال: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلَّد من السَّمُر، فلم يعرض له أحد. فإذا رجع تقلَّد قِلادة شَعَر، فلم يعرض له أحد.

وقال آخرون: بل كان الرجل منهم يتقلّد إذا أراد الخروج من الحرم، أو خرج من لحاء شجر الحرم، فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مالك بن مغول, عن عطاء: « ولا القلائد » ، قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم, يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم, فنـزلت: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، الآية, « ولا الهدي ولا القلائد » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ولا القلائد » ، قال: « القلائد » ، اللحاء في رقاب الناس والبهائم، أمْنٌ لهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، قال: إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة, فيقيم الرجل بمكانه, حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، فأراد أن يرجع إلى أهله، قلَّد نفسه وناقته من لحاء الشجر, فيأمن حتى يأتي أهله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا القلائد » ، قال: « القلائد » ، كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم، فيتقلدها, ثم يذهب حيث شاء, فيأمن بذلك. فذلك « القلائد » .

وقال آخرون: إنما نهى الله المؤمنين بقوله: « ولا القلائد » ، أن ينـزعوا شيئًا من شجر الحرم فيتقلّدوه، كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء في قوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لحاء السَّمُر, فيتقلدونها, فيأمنون بها من الناس. فنهى الله أن ينـزع شجرها فَيُتَقَلَّد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مُطرِّف بن الشخير, وعنده رجل فحدّثهم في قوله: « ولا القلائد » ، قال: كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لِحاء السمر، فيتقلدون, فيأمنون بها في الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنـزع شجرها فيتقلَّد.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل قوله: « ولا القلائد » إذ كانت معطوفة على أول الكلام, ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله, ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تُحِلّوا القلائد.

فإذا كان ذلك بتأويله أولى, فمعلوم أنه نَهْيٌ من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلَّد، هديًا كان ذلك أو إنسانًا, دون حرمة القلادة. وإن الله عز ذكره، إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلَّد, فاجتزأ بذكره « القلائد » من ذكر « المقلد » , إذ كان مفهومًا عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به.

فمعنى الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله, ولا الشهر الحرام, ولا الهدي, ولا المقلِّد نفسَه بقلائد الحرم.

وقد ذكر بعض الشعراء في شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل « القلائد » أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه, فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك:

أَلَــمْ تَقْتُـلا الْحِرْجَـيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَـا يُمِــرَّانِ بِـالأيْدِي اللِّحَـاءَ الْمُضَفَّـرَا

و « الحرجان » ، المقتولان كذلك. ومعنى قوله: « أعوراكما » ، أمكناكما من عورتهما.

 

القول في تأويل قوله : وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا

قال أبو جعفر: يعني بقوله عز ذكره: « ولا آمين البيت الحرام » ، ولا تحلُّوا قاصدي البيت الحرام العامدية .

تقول منه: « أممت كذا » ، إذا قصدته وعمدته, وبعضهم يقول: « يَمَمْته » كما قال الشاعر:

إنِّــي كَـذَاكَ إذَا مَـا سَـاءَنِي بَلَـدٌ يَمَمْـتُ صَـدْرَ بَعِـيرِي غَـيْرَهُ بَلَـدَا

« والبيت الحرام » ، بيت الله الذي بمكة، وقد بينت فيما مضى لم قيل له « الحرام » .

« يبتغون فضلا من ربهم » ، يعني: يلتمسون أرباحًا في تجاراتهم من الله « ورضوانًا » ، يقول: وأن يرضى الله عنهم بنسكهم.

وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت في رجل من بني ربيعة يقال له: « الحُطَمُ » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أقبل الحُطم بن هند البكري, ثم أحد بني قيس بن ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده, وخَلَّف خيله خارجة من المدينة. فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة, يتكلم بلسان شيطان! فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: انظر، ولعلّي أسلم ولي من أشاوره. فخرج من عنده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد دخل بوجه كافر, وخرج بعَقِب غادرٍ! فمرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه, فانطلق به وهو يرتجز

قَــدْ لَفَّهـَا اللَّيْــلُ بِسَوَّاقٍ حـُـطَمْ لَيْــسَ بِرَاعِــي إبِلٍ وَلا غَـنـَـم

وَلا بِجَـــزَّارٍ علــى ظَهْرِ الوَضَـمْ بَــاتُوا نِيَـامًا وَابْنُ هِنْــدٍ لَمْ يَنَـمْ

بَــاتَ يـُقَاسِيهَا غـُلامٌ كَـالــزَّلَـمْ خَــدَلَّجُ السَّاقَــيْنِ مَمْسُوحُ القَـدَمْ

ثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى, فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه, فنـزلت هذه الآية, حتى بلغ: « ولا آمين البيت الحرام » . قال له ناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه, فإنه صاحبنا! قال: إنه قد قلَّد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية! فأبى عليهم, فنـزلت هذه الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قال: قدم الحُطَم، أخو بني ضُبيعة بن ثعلبة البكري، المدينةَ في عِير له يحمل طعامًا, فباعه. ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأسلم. فلما ولى خارجًا، نظر إليه فقال لمن عنده: لقد دخل عليّ بوجهٍ فاجرٍ، وولّى بقفا غادرٍ! فلما قدم اليمامة ارتدَّ عن الإسلام, وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة. فلما سمع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, تهيَّأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عِيره, فأنـزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، الآية, فانتهى القوم.

قال ابن جريج قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: ينهى عن الحجاج أن تُقطع سبلهم. قال: وذلك أن الحطم قدِم على النبي صلى الله عليه وسلم ليرتاد وينظر, فقال: إني داعية قوم فاعرض عليّ ما تقول. قال له: أدعوك إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم شهر رمضان, وتحج البيت. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة, أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت, فإن قبلوه أقبلتُ معهم, وإن أدبروا كنت معهم. قال له: ارجع. فلما خرج قال: لقد دخل عليّ بوجه كافرٍ، وخرج من عندي بعَقِبَى غادر, وما الرجل بمسلم! فمرَّ على سَرْح لأهل المدينة فانطلق به، فطلبه أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتهم، وقدم اليمامة, وحضر الحج, فجهّز خارجًا, وكان عظيم التجارة, فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخذوا ما معه, فأنـزل الله عز وجل: « لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا آمين البيت الحرام » الآية, قال: هذا يوم الفتح، جاء ناسٌ يؤمُّون البيت من المشركين يُهِلُّون بعمرة, فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون كمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم. فنـزل القرآن: « ولا آمين البيت الحرام » .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « ولا آمين البيت الحرام » ، يقول: من توجَّه حاجًّا.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، يعني: الحاج.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخّير وعنده رجل, فحدثهم فقال: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: الذين يريدون البيت.

ثم اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا.

فقال بعضهم: نسخ جميعها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن بيان, عن عامر, قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن سفيان بن حسين, عن الحكم, عن مجاهد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، نسختها، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [ سورة التوبة: 5 ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن بيان, عن الشعبي قال، لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ الآية, قال: منسوخ. قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت, فأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرم، ولا عند البيت, فنسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن الضحاك: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ إلى قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: نسختها « براءة » : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن الضحاك, مثله.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن حبيب بن أبي ثابت: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ ، قال: هذا شيء نهي عنه, فترك كما هو .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، قال: هذا كله منسوخ, نسخ هذا أمرُه بجهادهم كافة .

وقال آخرون: الذي نسخ من هذه الآية قوله: « وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: نسخ من « المائدة » : « آمين البيت الحرام » ، نسختها « براءة » قال الله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , وقال: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [ سورة التوبة: 17 ] ، وقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [ سورة التوبة: 28 ] ، وهو العام الذي حج فيه أبو بكر, فنادى فيه بالأذان.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ الآية, قال: فنسخ منها: « آمين البيت الحرام » ، نسختها « براءة » , فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , فذكر نحو حديث عبدة.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: نـزل في شأن الحُطم: « وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، ثم نسخه الله فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ سورة البقرة: 191 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ إلى قوله: « ولا آمين البيت » ، [ فكان المؤمنون والمشركون يحجون إلى البيت ] جميعًا, فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا أن يحجّ البيت أو يعرضوا له، من مؤمن أو كافر, ثم أنـزل الله بعد هذا: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا , وقال: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ , وقال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [ سورة التوبة: 18 ] ، فنفى المشركين من المسجد الحرام.

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، الآية, قال: منسوخ, كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج, تقلَّد من السَّمُر فلم يعرض له أحد. وإذا رجع، تقلَّد قلادة شَعَرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت. وأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرُم، ولا عند البيت, فنسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء، إلا القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلَّدونها من لِحَاء الشجر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، الآية, قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هذا كله من عمل الجاهلية فِعله وإقامته, فحرَّم الله ذلك كله بالإسلام, إلا لحاء القلائد, فترك ذلك « ولا آمين البيت الحرام » ، فحرم الله على كل أحد إخافتهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة, قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: « وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، لإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان وقد بينا فيما مضى معنى « القلائد » في غير هذا الموضع .

وأما قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، فإنه محتمل ظاهره: ولا تحلوا حُرْمة آمِّين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام, لعموم جميع من أمَّ البيت. وإذا احتمل ذلك, فكان أهل الشرك داخلين في جملتهم, فلا شك أن قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، ناسخٌ له. لأنه غير جائز اجتماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد. وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلُهم, أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس، في أشهر الحرم وغيرها ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ. ومحتمل أيضًا: ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك.

وأكثر أهل التأويل على ذلك.

وإن كان عُني بذلك المشركون من أهل الحرب, فهو أيضًا لا شك منسوخ.

وإذْ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر, وكان ما كان مستفيضًا فيهم ظاهرًا حجةً فالواجب، وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا, التسليمُ لما استفاض بصحته نقلهم.

 

القول في تأويل قوله : يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « يبتغون » ، يطلبون ويلتمسون و « الفضل » الأرباح في التجارة و « الرضوان » ، رضَى الله عنهم, فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحلَّ بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم، بحجّهم بيتَه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، والفضل والرضوان اللذان يبتغون: أن يصلح معايشهم في الدنيا, وأن لا يعجَّل لهم العقوبة فيها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن ابن عباس: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، يعني: أنهم يترضَّون الله بحجهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشِّخِّير, وعنده رجل فحدثهم في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: التجارة في الحج, والرضوان في الحج.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي أميمة قال، قال ابن عمر في الرجل يحج ويحمل معه متاعًا, قال: لا بأس به وتلا هذه الآية: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: يبتغون الأجر والتجارة.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تُحِلُّوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، واصطادوا إن شئتم حينئذ, لأن المعنى الذي من أجله كنت حرَّمته عليكم في حال إحرامكم قد زال.

وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حصين, عن مجاهد أنه قال: هي رخصة يعني قوله: « وإذا حللتم فاصطادوا » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن حجاج, عن القاسم, عن مجاهد قال: خمس في كتاب الله رخصة, وليست بعَزْمة, فذكر: « وإذا حللتم فاصطادوا » ، قال: من شاء فعل, ومن شاء لم يفعل.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن حجاج, عن عطاء, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حصين, عن مجاهد: « وإذا حللتم فاصطادوا » ، قال: إذا حلّ, فإن شاء صاد, وإن شاء لم يصطد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن ابن جريج, عن رجل, عن مجاهد: أنه كان لا يرى الأكل من هَدْي المتعة واجبًا, وكان يتأول هذه الآية: « وإذا حللتم فاصطادوا » فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [ سورة الجمعة: 10 ] .

 

القول في تأويل قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ولا يجرمنكم » ، ولا يحملنكم، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، يقول: لا يحملنكم شنآن قوم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، أي: لا يحملنكم.

وأما أهل المعرفة باللغة فإنهم اختلفوا في تأويلها.

فقال بعض البصريين: معنى قوله: « ولا يجرمنكم » ، لا يُحِقَّنَّ لكم، لأن قوله: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [ سورة النحل: 62 ] ، هو: حقٌّ أن لهم النار.

وقال بعض الكوفيين: معناه: لا يحملنَّكم. وقال: يقال: « جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا » ، أي: حملني عليه.

واحتج جميعهم ببيت الشاعر:

وَلَقَــدْ طَعَنْـتَ أَبَـا عُيَيْنَـةَ طَعْنَـةً جَـرَمَتْ فَـزَارَةُ بَعْدَهَـا أَنْ يَغْضَبُـوا

فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن. فقال الذين قالوا: « لا يجرمنكم » ، لا يُحِقَّن لكم معنى قول الشاعر: « جرمت فزارة » ، أحقَّت الطعنةُ لفزارة الغضبَ.

وقال الذين قالوا: معناه: لا يحملنكم معناه في البيت: « جرمت فزارة أن يغضبوا » ، حملت فزارة على أن يغضبوا.

وقال آخر من الكوفيين: معنى قوله: « لا يجرمنكم » ، لا يكسبنكم شنآن قوم.

وتأويل قائل هذا القول قولَ الشاعر في البيت: « جرمت فزارة » ، كسبت فزارة أن يغضبوا. قال: وسمعت العرب تقول: « فلان جريمة أهله » , بمعنى: كاسبهم « وخرج يجرمهم » ، يكسبهم.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، متقاربة المعنى. وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل، فقد أكسبه بغضه. ومن أكسبه بغضه، فقد أحقَّه له.

فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف, ما قاله ابن عباس وقتادة, وذلك توجيههما معنى قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، ولا يحملنكم شنآن قومٍ على العدوان.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) بفتح « الياء » من: « جَرَمْتُه أجْرِمُه » .

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين وهو يحيى بين وثّاب، والأعمش: ما:-

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن الأعمش أنه قرأ: ( وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ ) مرتفعة « الياء » ، من: « أجرمته أجرمه، وهو يُجْرِمني » .

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القراءتين, قراءة من قرأ ذلك: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) بفتح « الياء » , لاستفاضة القراءة بذلك في قرأة الأمصار، وشذوذ ما خالفها, وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب, وإن كان مسموعًا من بعضها: « أجرم يُجْرم » على شذوذه. وقراءة القرآن بأفصح اللغات، أولى وأحق منها بغير ذلك. ومن لغة من قال « جَرَمْتُ » ، قول الشاعر:

يَـا أَيُّهَـا المُشْـتَكِي عُكْلا وَمَا جَرَمَتْ إلــى القَبَـائِلِ مِـنْ قَتْـلٍ, وإبْـآسُ

 

القول في تأويل قوله : شَنَآنُ قَوْمٍ

اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( شَنَآنُ ) بتحريك « الشين والنون » إلى الفتح, بمعنى: بغض قوم، توجيهًا منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على « فَعَلان » ، نظير « الطيران » و « النَّسَلان » و « العَسَلان » و « الرَّمَلان » .

وقرأ ذلك آخرون: ( شَنْآنُ قَوْمٍ ) بتسكين « النون » وفتح « الشين » بمعنى: الاسم، توجيهًا منهم معناه إلى: لا يحملنكم بَغِيض قوم فيخرج « شَنْآن » على تقدير « فَعْلان » , لأن « فَعَل » منه على « فَعِلَ » كما يقال: « سكران » من « سكر » , و « عطشان » من « عطش » , وما أشبه ذلك من الأسماء.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب, قراءة من قرأ: ( شَنَآنُ قَومٍ ) بفتح « النون » محركة, لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه: بغض قوم وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم.

وإذْ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدر, فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على « الفَعلان » بفتح « الفاء » ، تحريك ثانيه دون تسكينه, كما وصفت من قولهم: « الدَّرَجَان » و « الرَّمَلان » ، من « درج » و « رمل » , فكذلك « الشنآن » من « شنئته أشنَؤُه شنآنًا » ، ومن العرب من يقول: « شَنَانٌ » على تقدير « فعال » , ولا أعلم قارئًا قرأ ذلك كذلك, ومن ذلك قول الشاعر:

وَمَــا العَيْشُ إلا مَـا تَلَـذُّ وتَشْـتَهِي وَإنْ لامَ فِيــهِ ذُو الشَّــنَانِ وَفَنَّــدَا

وهذا في لغة من ترك الهمز من « الشنآن » , فصار على تقدير « فعال » وهو في الأصل « فَعَلان » .

ذكر من قال من أهل التأويل: « شنآن قوم » ، بغض قوم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، لا يحملنكم بغض قوم.

وحدثني به المثنى مرة أخرى بإسناده, عن ابن عباس فقال: لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، لا يجرمنكم بغض قوم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، قال: بغضاؤهم، أن تعتدوا.

 

القول في تأويل قوله : أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قرأة الكوفيين: ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) بفتح « الألف » من « أن » ، بمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدِّهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

وكان بعض قرأة الحجاز والبصرة يقرأ ذلك: ( ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم ) ، بكسر « الألف » من « إن » ، بمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن المسجد الحرام أن تعتدوا فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: ( إن يصدوكم ) ، فقرأوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءته.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي, أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأة الأمصار, صحيح معنى كل واحدة منهما.

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صُدَّ عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية, وأنـزلت عليه « سورة المائدة » بعد ذلك، فمن قرأ ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) بفتح « الألف » من « أن » ، فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم، أيها الناس، من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام, أن تعتدوا عليهم.

ومن قرأ: ( إن صدوكم ) بكسر « الألف » , فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله. لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة، قد حاولوا صَدَّهم عن المسجد الحرام. فتقدم الله إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسر « إن » بالنهي عن الاعتداء عليهم، إن هم صدوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصادِّين.

غير أن الأمر، وإن كان كما وصفت, فإن قراءة ذلك بفتح « الألف » ، أبينُ معنى. لأن هذه السورة لا تَدَافُعَ بين أهل العلم في أنها نـزلت بعد يوم الحديبية. وإذْ كان ذلك كذلك, فالصدُّ قد كان تقدم من المشركين, فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادِّين من أجل صدِّهم إياهم عن المسجد الحرام.

وأما قوله: « أن تعتدوا » ، فإنه يعني: أن تجاوزوا الحدَّ الذي حدَّه الله لكم في أمرهم.

فتأويل الآية إذًا: ولا يحملنكم بغض قوم، لأن صدوكم عن المسجد الحرام، أيها المؤمنون، أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه, ولكن الزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم.

وذكر أنها نـزلت في النهي عن الطلب بذُحول الجاهلية.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « أن تعتدوا » ، رجل مؤمن من حلفاء محمد, قتل حليفًا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة, لأنه كان يقتل حلفاء محمد, فقال محمد صلى الله عليه وسلم: لعن الله من قتل بذَحْل الجاهلية.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: هذا منسوخ

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا » ، قال: بغضاؤهم, حتى تأتوا ما لا يحل لكم. وقرأ: « أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا » , وقال: هذا كله قد نسخ, نسخه الجهاد.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول مجاهد أنه غير منسوخ، لاحتماله: أن تعتدوا الحقَّ فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك, لم يجز أن يقال: « هو منسوخ » , إلا بحجة يجب التسليم لها.

 

القول في تأويل قوله : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » ، وليعن بعضكم، أيها المؤمنون، بعضًا « على البر » , وهو العمل بما أمر الله بالعمل به « والتقوى » ، هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه.

وقوله: « ولا تعاونوا على الإثم والعدوان » ، يعني: ولا يعن بعضكم بعضًا « على الإثم » , يعني: على ترك ما أمركم الله بفعله « والعدوان » ، يقول: ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم, وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم.

وإنما معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا, ولكن ليعن بعضكم بعضًا بالأمر بالانتهاء إلى ما حدَّه الله لكم في القوم الذين صدُّوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم, والانتهاء عما نهاكم الله أن تَأتوا فيهم وفي غيرهم، وفي سائر ما نهاكم عنه, ولا يعن بعضكم بعضًا على خلاف ذلك.

وبما قلنا في « البر والتقوى » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » ، « البر » ما أمرت به, و « التقوى » ما نهيت عنه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » قال: « البر » ما أمرت به, و « التقوى » ما نهيت عنه.

 

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 2 )

قال أبو جعفر: وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهدُّدٌ لمن اعتدى حدّه وتجاوز أمره يقول عز ذكره: « واتقوا الله » ، يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيه فيما نهاكم عنه, فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه, لأنها نار لا يطفأ حَرُّها, ولا يخمد جمرها, ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها ومن عمل يقرِّبنا منها.

 

القول في تأويل قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: حرَّم الله عليكم، أيها المؤمنون، الميتة.

و « الميتة » : كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره, مما أباح الله أكلها, أهليَّها ووحشيَّها, فارقتها روحها بغير تذكية .

وقد قال بعضهم: « الميتة » ، هو كل ما فارقته الحياة من دوابِّ البر وطيره بغير تذكية، مما أحل الله أكله .

وقد بيّنا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك، في كتابنا ( كتاب لطيف القول في الأحكام ) .

وأما « الدم » ، فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح, لأن الله جل ثناؤه قال: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ [ سورة الأنعام: 145 ] ، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال, وما كان في اللحم غير منسفح, فإن ذلك غير حرام, لإجماع الجميع على ذلك.

وأما قوله: « ولحم الخنـزير » ، فإنه يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنـزير, أهليُّه وبَرِّيّه.

فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم, والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنـزير, فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره, حرام جميعه، لم يخصص منه شيء.

وأما قوله: « وما أهلَّ لغير الله به » ، فإنه يعني: وما ذكر عليه غير اسم الله.

وأصله من « استهلال الصبي » ، وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه. ومنه « إهلال المحرم بالحج » ، إذا لبّى به ومنه قول ابن أحمر:

يُهــــلُّ بـــالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَـــا كَمَــا يُهِــلُّ الــرَّاكِبُ المُعْتَمِــرْ

وإنما عنى بقوله: « وما أهل لغير الله به » ، وما ذبح للآلهة وللأوثان، يسمى عليه غير اسم الله .

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة « الانخناق » الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله: « والمنخنقة » .

فقال بعضهم بما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والمنخنقة » ، قال: التي تدخل رأسها بين شُعْبتين من شجرة, فتختنق فتموت.

11002م- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك في المنخنقة, قال: التي تختنق فتموت.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: « والمنخنقة » ، التي تموت في خِنَاقها.

وقال آخرون: هي التي توثق فيقتلها بالخناق وَثَاقها.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والمنخنقة » ، قال: الشاة توثق, فيقتلها خِنَاقها, فهي حرام.

وقال آخرون: بل هي البهيمة من النَّعم, كان المشركون يخنقونها حتى تموت, فحرَّم الله أكلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « والمنخنقة » التي تُخنق فتموت.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمنخنقة » ، كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة, حتى إذا ماتت أكلوها.

وأولى هذه الأقوال بالصواب, قول من قال: « هي التي تختنق, إما في وثاقها, وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت » .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره, لأن « المنخنقة » ، هي الموصوفة بالانخناق، دون خنق غيرها لها, ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها، لقيل: « والمخنوقة » , حتى يكون معنى الكلام ما قالوا.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمَوْقُوذَةُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « والموقوذة » ، والميتة وقيذًا.

يقال منه: « وقَذَهُ يَقِذُه وقْذًا » ، إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك, ومنه قول الفرزدق:

شَــغَّارَةٍ تَقِــذُ الفَصِيــلَ بِرِجْلِهَـا فَطَّــــارَةٍ لِقَـــوَادِمِ الأبْكَـــارِ

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « والموقوذة » ، قال: الموقوذة، التي تضرب بالخشب حتى توقَذَ بها فتموت.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والموقوذة » ، كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصيّ, حتى إذا ماتت أكلوها.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا شعبة, عن قتادة في قوله: « والموقوذة » ، قال: كانوا يضربونها حتى يقذوها, ثم يأكلونها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « والموقوذة » ، التي توقذ فتموت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك قال: « الموقوذة » ، التي تضرب حتى تموت.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والموقوذة » ، قال: هي التي تضرب فتموت.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والموقوذة » ، كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها.

حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني عقبة بن علقمة, حدثني إبراهيم بن أبي عبلة. قال، حدثني نعيم بن سلامة, عن أبي عبد الله الصنابحي قال: ليست « الموقوذة » إلا في مالك, وليس في الصيد وقيذ.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُتَرَدِّيَةُ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وحرمت عليكم الميتة تردِّيًا من جبل أو في بئر, أو غير ذلك.

و « تردِّيها » ، رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلى سُفْله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « والمتردية » ، قال: التي تتردَّى من الجبل.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمتردية » ، كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمتردية » ، قال: التي تردَّت في البئر.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: « والمتردية » ، قال: هي التي تَرَدَّى من الجبل، أو في البئر, فتموت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « والمتردية » ، التي تردَّى من الجبل فتموت.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والمتردية » ، قال: التي تَخِرُّ في ركيٍّ، أو من رأس جبل، فتموت.

 

القول في تأويل قوله : وَالنَّطِيحَةُ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « النطيحة » ، الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية. فحرم الله جل ثناؤه ذلك على المؤمنين، إن لم يدركوا ذكاته قبل موته.

وأصل « النطيحة » ، « المنطوحة » , صرفت من « مفعولة » إلى « فعيلة » .

فإن قال قائل: وكيف أثبتت « الهاء » هاء التأنيث فيها, وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت « الهاء » في نظائرها إذا صرفوها صرف « النطيحة » من « مفعول » إلى « فعيل » , إنما تقول: « لحية دهين » و « عين كحيل » و « كف خضيب » , ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: أثبتت فيها « الهاء » أعني في « النطيحة » لأنها جعلت كالاسم مثل: « الطويلة » و « الطريقة » .

فكأن قائل هذا القول، وجه « النطيحة » إلى معنى « الناطحة » .

فتأويل الكلام على مذهبه: وحرمت عليكم الميتة نطاحًا, كأنه عنى: وحرمت عليكم الناطحة التي تموت من نِطاحها.

وقال بعض نحويي الكوفة: إنما تحذف العرب « الهاء » من « الفعيلة » المصروفة عن « المفعول » ، إذا جعلتها صفة لاسم قد تقدَّمها, فتقول: « رأينا كفًّا خضيبًا، وعينًا كحيلا » ، فأما إذا حذفت « الكف » و « العين » والاسم الذي يكون « فعيل » نعتًا لها، واجتزأوا بـ « فعيل » منها, أثبتوا فيه هاء التأنيث, ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر, فتقول: « رأينا كحيلةً وخضيبة » و « أكيلة السبع » . قالوا: ولذلك أدخلت « الهاء » في « النطيحة » , لأنها صفة المؤنث, ولو أسقطت منها لم يُدْرَ أهي صفة مؤنث أو مذكر.

وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب، لشائع أقوال أهل التأويل بأن معنى: « النطيحة » ، المنطوحة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن أبي عباس قوله: « والنطيحة » ، قال: الشاة تنطح الشاة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن قيس, عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة قال: كان يقرأ: ( وَالمَنْطُوحَةُ ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « والنطيحة » ، الشاتان ينتطحان فيموتان.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والنطيحة » ، هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت. يقول: هذا حرام, لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والنطيحة » ، كان الكبشان ينتطحان, فيموت أحدهما, فيأكلونه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والنطيحة » ، الكبشان ينتطحان، فيقتل أحدهما الآخر, فيأكلونه.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله: « والنطيحة » ، قال: الشاة تنطح الشاة فتموت.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وما أكل السبع » ، وحرّم عليكم ما أكل السبع غير المعَلَّم من الصوائد.

وكذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « وما أكل السبع » ، يقول: ما أخذ السبع.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « وما أكل السبع » ، يقول: ما أخذ السبع.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وما أكل السبع » ، قال: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه, أكلوا ما بقي.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن قيس, عن عطاء بن السائب, عن أبي الربيع, عن ابن عباس أنه قرأ: ( وأكيل السبع ) .

 

القول في تأويل قوله : إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « إلا ما ذكَّيتم » ، إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا.

ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله: « إلا ما ذكيتم » .

فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « إلا ما ذكيتم » ، يقول: ما أدركتَ ذكاته من هذا كله, يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين, فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن الحسن: « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، قال الحسن: أيَّ هذا أدركتَ ذكاته فذكِّه وكُلْ. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرَفت بعينها، أو ضربت بذَنبها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إلا ما ذكيتم » ، قال: فكلُّ هذا الذي سماه الله عز وجل ههنا، ما خلا لحم الخنـزير، إذا أدركتَ منه عينًا تطرف، أو ذنبًا يتحرك، أو قائمة تركض فذكّيته, فقد أحلّ الله لك ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « إلا ما ذكيتم » ، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها, أو تحرك أذنها من هذا كله, فهي لك حلال.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج, عن حصين, عن الشعبي, عن الحارث, عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر, عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته, فكُل.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال، حدثنا جعفر بن محمد, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب قال: إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها, فقد أجزأ.

حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن طاوس, عن أبيه قال: إذ ذبحت فَمَصَعَت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك أو قال: فَحَسْبه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن قال: إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها, أو تركض برجلها, أو تمصَع بذنبها, فاذبح وكُل.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن قتادة, بمثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج, عن أبي الزبير, أنه سمع عبيد بن عمير يقول: إذا طرفت بعينها, أو مصعت بذنبها, أو تحركت, فقد حلَّت لك.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا, فحرَّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّي منه, فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرف، فذكِّي, فهو حلال.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ ، وقوله: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ، الآية « وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، قال: هذا كله محرّم, إلا ما ذكيّ من هذا.

فتأويل الآية على قول هؤلاء: حرمت الموقوذة والمتردِّية، إن ماتت من التردِّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع, إلا أن تدركوا ذكاتها, فتدركوها قبل موتها, فتكون حينئذ حلالا أكلُها.

وقال آخرون: هو استثناء من التحريم, وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، لأن الميتة لا ذكاة لها، ولا للخنـزير. قالوا: وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك, إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية, فإنه لكم حلال. وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة.

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك، وسئل عن الشاة التي يخرِق جوفها السبع حتى تخرجَ أمعاؤها, فقال مالك: لا أرى أن تذكَّى، ولا يؤكل أي شيء يذكَّى منها.

حدثني يونس, عن أشهب قال: سئل مالك عن السبع يَعْدُو على الكبش فيدقُّ ظهره, أترى أن يذكَّى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السَّحْر فلا أرى أن يؤكل. وإن كان إنما أصاب أطرافه, فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدقَّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل, هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل.

وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله: « إلا ما ذكيتم » ، استثناء منقطعًا.

فيكون تأويل الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكرنا, ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الأول, وهو أن قوله: « إلا ما ذكيتم » استثناء من قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، لأن كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موته فيقال لما قرَّب المشركون لآلهتهم فسموه لهم: « هو ما أهل لغير الله به » ، بمعنى سمى قربانًا لغير الله. وكذلك « المنخنقة » ، إذا انخنقت وإن لم تمت، فهي منخنقة. وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، إلا بالتذكية، فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته, فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة، دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفًا. فإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: وحرم عليكم ما أهل لغير الله به والمنخنقة وكذا وكذا وكذا, إلا ما ذكيتم من ذلك.

فـ « ما » إذ كان ذلك تأويله في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها. وقد يجوز فيه الرفع.

وإذ كان الأمر على ما وصفنا, فكل ما أدركت ذكاتُه من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه، ومفارقة روحه جسدَه, فحلال أكله، إذا كان مما أحلَّه الله لعباده.

فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك, فما وجه تكريره ما كرّر بقوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وسائر ما عدَّد تحريمه في هذه الآية, وقد افتتح الآية بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ؟ وقد علمت أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، شامل كل ميتة، كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه, أو كان موته من ضرب ضاربٍ إياه, أو انخناق منه، أو انتطاح، أو فَرْس سبع؟ وهلا كان قوله إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك، من أنه معنيٌّ بالتحريم في كل ذلك: الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك, دون أن يكون معنيًّا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع, فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، مغنيًا من تكرير ما كرر بقوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ، وسائر ما ذكر مع ذلك، وتَعْدادِه ما عدَّد؟

قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف, وقد تقدم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدُّون « الميتة » من الحيوان, إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردِّي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها, ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به كالذي:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: « وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، يقول: هذا حرام, لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدّونه ميتًا, إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم, إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « وما ذبح على النصب » ، وحرم عليكم أيضًا الذي ذبح على النُّصُب.

فـ « ما » في قوله: « وما ذبح » ، رفْعٌ، عطفًا على « ما » التي في قوله: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ .

و « النصب » ، الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض, فكان المشركون يقرِّبون لها, وليست بأصنام.

وكان ابن جريج يقول في صفته ما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: « النصب » ليست بأصنام, « الصنم » يصوَّر وينقش, وهذه حجارة تنصب، ثلثمئة وستون حجرًا منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله, كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم, فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك, فأنـزل الله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا [ سورة الحج: 37 ] .

ومما يحقق قول ابن جريج في أن « الأنصاب » غير « الأصنام » ، ما:-

حدثنا به ابن وكيع قال: حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وما ذبح على النصب » ، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « النصب » ، قال: حجارة حول الكعبة, يذبح عليها أهل الجاهلية, ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وما ذبح على النصب » ، و « النصب » : حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها, ويذبحون لها, فنهى الله عن ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وما ذبح على النصب » ، يعني: أنصابَ الجاهلية.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « وما ذبح على النصب » ، و « النصب » ، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قوله: « وما ذبح على النصب » ، قال: كان حول الكعبة حجارة كان يَذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحبّ إليهم منها.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: « الأنصاب » ، حجارة كانوا يهلّون لها, ويذبحون عليها.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وما ذبح على النُّصب » ، قال: « ما ذبح على النصب » و « ما أهل لغير الله به » , وهو واحد.

 

القول في تأويل قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، وأن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يقسم, بالأزلام.

وهو « استفعلت » من « القَسْم » قَسْم الرزق والحاجات. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك, أَجال القداح وهي « الأزلام » وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها: « نهاني ربّي » , وعلى بعضها: « أمرني ربّي » فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه: « أمرني ربي » ، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك. وإن خرج الذي عليه مكتوب: « نهاني ربي » , كفّ عن المضي لذلك وأمسك، فقيل: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمن لهم، ومنه قول الشاعر مفتخرًا بترك الاستقسام بها:

وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي القُسُومُ

وأما « الأزلام » , فإن واحدها « زَلَم » , ويقال: « زُلَم » , وهي القداح التي وصفنا أمرها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: القداح, كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا, وإن وقع الجلوس جلسوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: حصًى بيضٌ كانوا يضربون بها.

قال أبو جعفر: قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عباد بن راشد البزّار, عن الحسن في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا, يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب: « أؤمرني » , وعلى الآخر: « انهني » , ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها, فإن خرج الذي عليه « أؤمرني » مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه « انهني » كفُّوا, وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها « القِداح » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « بالأزلام » ، قال: القداح، يضربون لكل سفر وغزوٍ وتجارة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كِعابُ فارس التي يقمُرون بها, وسهام العرب.

حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زهير, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا, كتب في قدح: « هذا يأمرني بالمكث » و « هذا يأمرني بالخروج » , وجعل معهما منيحة. شيء لم يكتب فيه شيئًا, ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث, وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج, وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجًا, أخذ قدحًا فقال: « هذا يأمر بالخروج » , فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرًا، ويأخذ قِدحًا آخر فيقول: « هذا يأمر بالمكوث » , فليس يصيب في سفره خيرًا، و « المنيح » بينهما. فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كانوا يستقسمون بها في الأمور.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « الأزلام » ، قداح لهم. كان أحدهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد, فيضرب بها, فأي قدح خرج وإن كان أبغض تلك ارتكبه وعمل به.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل, قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: « الأزلام » ، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة, فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا, أتى الكاهن فأعطاه شيئًا, فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى, كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنّ أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظَّعْن والإقامة أو الشيء يريدونه, فيخرج سهم الظعن فيظعنون, والإقامة فيقيمون.

وقال ابن إسحاق في « الأزلام » ، ما:-

حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة, وكانت على بئر في جوف الكعبة, وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه: « العقل » إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، [ فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله ] وقدح فيه: « نعم » للأمر إذا أرادوه، يضرب به, فإن خرج قدح « نعم » عملوا به. وقدح فيه: « لا » , فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح, فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه: « منكم » . وقدح فيه: « مُلْصَق » . وقدح فيه: « من غيركم » . وقدح فيه: « المياه » , إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح, فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو أن ينكحوا مَنكحًا, أو أن يدفنوا ميتًا, أو شكوا في نسب واحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور, فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها, ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون, ثم قالوا: « يا إلهنا, هذا فلان بن فلان, قد أردنا به كذا وكذا, فأخرج الحق فيه » . ثم يقولون لصاحب القداح: « اضرب » , فيضرب, فإن - [ خرج عليه « منكم » كان وسيطًا. وإن ] خرج عليه: « من غيركم » , كان حليفًا وإن خرج « ملصق » كان على منـزلته منهم, لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به « نعم » ، عملوا به. وإن خرج « لا » , أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، يعني: القداح, كانوا يستقسمون بها في الأمور.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ فِسْقٌ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ذلكم » ، هذه الأمور التي ذكرها, وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، « فسق » ، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر, إلى معصيته. كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « ذلكم فسق » ، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها المؤمنون، « من دينكم » , يقول: من دينكم أن تتركوه فترتدُّوا عنه راجعين إلى الشرك، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، قال: أظنُّ، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم.

فإن قال قائل: وأيُّ يوم هذا اليوم الذي أخبرَ الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين؟

قيل: ذكر أن ذلك كان يوم عرفة, عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع, وذلك بعد دخول العرب في الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال مجاهد: « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، هذا حين فعلت. قال ابن جريج: وقال آخرون ذلك يوم عرفة، في يوم جمعة، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير إلا موحِّدًا، ولم ير مشركًا، حمد الله, فنـزل عليه جبريل عليه السلام: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، أن يعودوا كما كانوا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، قال: هذا يوم عرفة.

 

القول في تأويل قوله : فَلا تَخْشَوْهُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك: فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار, ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردُّوكم عن دينكم وَاخْشَوْنِ ، يقول: ولكن خافونِ، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدَّيتم حدودي, أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأنـزل بكم عذابي. كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ » ، فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: يعني جل ثناؤه بقوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، اليوم أكملت لكم، أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي, وأمري إياكم ونهيي, وحلالي وحرامي, وتنـزيلي من ذلك ما أنـزلت منه في كتابي, وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي, والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم, فأتممت لكم جميع ذلك, فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم. قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة, عام حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوَدَاع. وقالوا: لم ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه, وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نـزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا, وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا, وقد رضيه الله فلا يَسْخَطه أبدًا.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، هذا نـزل يوم عرفة, فلم ينـزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. فقالت أسماء بنت عُمَيس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة, فبينما نحن نسير، إذ تجلّى له جبريل صلى الله عليه وسلم على الرَّاحلة, فلم تطق الراحلة من ثِقْل ما عليها من القرآن, فبركت, فأتيته فسجَّيت عليه برداء كان علي.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نـزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة, قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » .

حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن فضيل, عن هارون بن عنترة, عن أبيه قال: لما نـزلت: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، وذلك يوم الحج الأكبر, بكى عمر, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير, عن هارون بن أبي وكيع, عن أبيه, فذكر نحو ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، حجكم, فأفردتم بالبلد الحرام تحُجُّونه، أنتم أيها المؤمنون، دون المشركين، لا يخالطكم في حَجِّكم مشرك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي غَنِيَّة, عن أبيه, عن الحكم: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: أكمل لهم دينهم: أن حجوا ولم يحجَّ معهم مشرك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: أخلص الله لهم دينهم, ونفى المشركين عن البيت.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا قيس, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: تمام الحج, ونفي المشركين عن البيت.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به, أنه أكمل لهم يوم أنـزل هذه الآية على نبيه دينَهم, بإفرادهم بالبلدَ الحرام وإجلائه عنه المشركين, حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون.

فأما الفرائض والأحكام, فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل.

وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نـزلت من القرآن: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ سورة النساء: 176 ] .

ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قُبِض, بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك وكان قوله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ آخرَها نـزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض كان معلومًا أن معنى قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، على خلاف الوجه الذي تأوَّله من تأوَّله أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض.

فإن قال قائل: فما جعل قولَ من قال: « قد نـزل بعد ذلك فرض » ، أولى من قول من قال: « لم ينـزل » ؟

قيل: لأن الذي قال: « لم ينـزل » , مخبر أنه لا يعلم نـزول فرض, والنفي لا يكون شهادة, والشهادة قول من قال: « نـزل » . وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا.

 

القول في تأويل قوله : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون، بإظهاركم على عدوِّي وعدوكم من المشركين, ونفيِي إياهم عن بلادكم, وقطعي طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجُّون جميعًا, فلما نـزلت « براءة » , فنفى المشركين عن البيت, وحجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين, فكان ذلك من تمام النعمة: « وأتممت عليكم نعمتي » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » الآية, ذكر لنا أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، يوم جمعة, حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام, وأخلص للمسلمين حجَّهم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا داود, عن الشعبي قال: نـزلت هذه الآية بعرفات, حيث هدم مَنار الجاهلية واضمحلَّ الشرك, ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر في هذه الآية: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » ، قال، نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات, وقد أطاف به الناس, وتهدَّمت مَنار الجاهلية ومناسكهم, واضمحلّ الشرك, ولم يَطُف حول البيت عُرْيان, فأنـزل الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي, بنحوه.

 

القول في تأويل قوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي, على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه « دينًا » ، يعني بذلك: طاعة منكم لي.

فإن قال قائل: أوَ ما كان الله راضيًا الإسلامَ لعباده إلا يوم أنـزل هذه الآية؟

قيل: لم يزل الله راضيًا لخلقه الإسلام دينًا, ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال, حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه, ثم قال حين أنـزل عليهم هذه الآية: « ورضيت لكم الإسلام » بالصفة التي هو بها اليوم والحال التي أنتم عليها اليوم منه « دينًا » فالزموه ولا تفارقوه.

وكان قتادة يقول في ذلك، ما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة, فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير، حتى يجيء الإسلام فيقول: « رب، أنت السلام وأنا الإسلام » ، فيقول: « إياك اليوم أقبل, وبك اليوم أجزي » .

وأحسب أن قتادة وجّه معنى « الإيمان » بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان, لأن ذلك معنى « الإيمان » عند العرب ووجَّه معنى « الإسلام » إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد, وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى, فلذلك قيل للإسلام: « إياك اليوم أقبل, وبك اليوم أجزي » .

ذكر من قال: نـزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال، قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو أنـزلت فينا لاتخذناها عيدًا! فقال عمر: إني لأعلم حين أنـزلت, وأين أنـزلت, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزلت: أنـزلت يوم عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة قال سفيان: وأشك, كان يوم الجمعة أم لا « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا »

حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال، قال يهودي لعمر: لو علمنا معشر اليهود حين نـزلت هذه الآية: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، لو نعلم ذلك اليوم، اتخذنا ذلك اليوم عيدًا! فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نـزلت فيه، والساعة, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نـزلت: نـزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات لفظ الحديث لأبي كريب, وحديث ابن وكيع نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون, عن أبي العميس, عن قيس بن مسلم, عن طارق, عن عمر, نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن حماد بن سلمة, عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وعنده رجل من أهل الكتاب فقال: لو علمنا أيَّ يوم نـزلت هذه الآية، لاتخذناه عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نـزلت يوم عرفة، يوم جمعة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار: أن ابن عباس قرأ: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، فقال يهودي: لو نـزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نـزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد, ويوم جمعة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس، نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا رجاء بن أبي سلمة قال، أخبرنا عبادة بن نسيّ قال، حدثنا أميرنا إسحاق قال أبو جعفر: إسحاق، هو ابن خَرَشة عن قبيصة قال، قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نـزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنـزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنـزلت فيه, والمكان الذي أنـزلت فيه: يوم جمعة, ويوم عرفة, وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن عيسى بن جارية الأنصاري قال: كنا جلوسًا في الديوان, فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد نـزلت عليكم آية لو نـزلت علينا، لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدًا ما بقي منا اثنان: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ! فلم يجبه أحد منا, فلقيت محمد بن كعب القرظي, فسألته عن ذلك فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب: أنـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة, فلا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن عامر قال: أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، عشيَّة عرفة، وهو في الموقف.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود قال: قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأيّ يوم؟ قال: يوم عرفة, أنـزل الله في يوم عرفة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: بلغنا أنها نـزلت يوم عرفة, ووافق يوم الجمعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن حبيب, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب قال: نـزلت « سورة المائدة » يوم عرفة, ووافق يوم الجمعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ليث, عن شهر بن حوشب قال: نـزلت « سورة المائدة » على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة على راحلته, فتنوَّخَتْ لأن يُدَقَّ ذراعها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد قالت: نـزلت « سورة المائدة » جميعًا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة.

حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني قال، حدثنا هشام بن عمار قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، حتى ختمها, فقال: نـزلت في يوم عرفة, في يوم جمعة.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية أعني قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يوم الاثنين. وقالوا: أنـزلت « سورة المائدة » بالمدينة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن خالد بن أبي عمران, عن حنش, عن ابن عباس: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين, وخرج من مكة يوم الاثنين, ودخل المدينة يوم الاثنين, وأنـزلت: « سورة المائدة » يوم الاثنين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، ورفع الذكر يوم الاثنين.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام, عن قتادة قال: « المائدة » مدنيّة.

وقال آخرون: نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في حجة الوداع.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: نـزلت « سورة المائدة » على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسير في حجة الوداع, وهو راكب راحلته, فبركت به راحلته من ثقلها.

وقال آخرون: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس, وإنما معناه: اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي, أكملت لكم دينكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يقول: ليس بيوم معلوم يعلمه الناس.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في وقت نـزول الآية, القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نـزلت يوم عرفة يوم جمعة, لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره.

 

القول في تأويل قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقول: « فمن اضطر » ، فمن أصابه ضُرٌّ « في مخمصة » , يعني: في مجاعة.

وهي « مفعلة » ، مثل « المجبنة » و « المبخلة » و « المنجبة » , من « خَمَصِ البطنِ » , وهو اضطماره, وأظنه هو في هذا الموضع معنيٌّ به: اضطماره من الجوع وشدة السَّغَب. وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسَّغب, ولكن من خلقة, كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخَمَص البطن:

وَالبَطـنُ ذُو عُكَــنٍ خَمِيـصٌ لَيِّـنٌ وَالنَّحْـرُ تَنْفُــجُهُ بثَدْيٍ مُقْــعَدِ

فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله: « خميص » بالهزال والضرّ من الجوع, ولكنه أراد وصفها بلطافة طيِّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها, لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك, قول أعشى بني ثعلبة:

تَبِيتُونَ فِــي المَشْتَـى مِلاءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُــمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَــائِصَا

يعني بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ. فمن هذا المعنى قوله: « في مخمصة » .

وكان بعض نحويي البصرة يقول: « المخمصة » ، المصدر من « خَمَصَه الجوع » .

وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر، وليست بمصدر، ولذلك تقع « المفعلة » اسمًا في المصادر للتأنيث والتذكير.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن عباس: « فمن اضطر في مخمصة » ، يعني: في مجاعة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اضطر في مخمصة » ، أي: في مجاعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اضطر في مخمصة » ، قال: ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار « في مخمصة » ، يقول: في مجاعة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: « فمن اضطر في مخمصة » ، قال، المخمصة، الجوع.

 

القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن اضطر في مخمصة إلى أكل ما حَرَّمتُ عليه منكم، أيها المؤمنون، من الميتة، والدم ولحم الخنـزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية « غير متجانف لإثم » ، يقول: لا متجانفًا لإثم.

فلذلك نصب « غير » لخروجها من الاسم الذي في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ وهي بمعنى: « لا » , فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبًا « المتجانف » ، لو جاء الكلام: « لا متجانفًا » .

وأما « المتجانف لإثم » ، فإنه المتمايل له, المنحرف إليه. وهو في هذا الموضع مراد به المتعمِّد له، القاصد إليه, من « جَنَف القوم عليّ » ، إذا مالوا. وكل أعوج فهو « أجنف » ، عند العرب.

وقد بينا معنى « الجنف » بشواهده في قوله: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا [ سورة البقرة: 182 ] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية، للإثم في حال أكله فهو: تعمده أكل ذلك لغير دفع الضرورة النازلة به ولكن لمعصية الله، وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ » ، يعني: إلى ما حُرِّم، مما سمَّى في صدر هذه الآية « غير متجانف لإثم » ، يقول: غير متعمد لإثم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « غير متجانف لإثم » ، غير متعمد لإثم. قال: إلى حِرْم الله، ما حَرّم رخّص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم، أن يأكله من جهد. فمن بَغَى، أو عدا، أو خرج في معصيةٍ لله, فإنه محرم عليه أن يأكله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « غير متجانف لإثم » ، أي: غير متعرِّض لمعصية.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « غير متجانف لإثم » ، غير متعمد لإثم, غير متعرِّض.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « غير متجانف لإثم » ، يقول: غير متعرض لإثم، أي: يبتغي فيه شهوة, أو يعتدي في أكله.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: « غير متجانف لإثم » ، لا يأكل ذلك ابتغاءَ الإثم, ولا جراءة عليه.

 

القول في تأويل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 3 )

قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، اكتفى بدلالة ما ذكر عليه منه. وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية, غير متجانف لإثم فأكله, فإن الله غفور رحيم فترك ذكر « فأكله » ، وذكر « له » لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما.

وأما قوله: « فإن الله غفور رحيم » ، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة, غير متجانف لإثم « غفور رحيم » , يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه, وصفحه عنه وعن عقوبته عليه « رحيم » ، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية, في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه.

فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرَّمات معها بهذه الآية، غفرانَهُ إذا أكل منها؟

قيل: ما:-

حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية, عن أبي واقد الليثي قال: قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة, فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا, أو تغتبقوا, أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم, عن الخصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن, أو تجيء مِيرَتُهم « . »

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا خصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر مثله إلا أنه قال: أو تُجْبَى ميرتهم .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير, عمن حدثه: أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تحل لك الطيبات, وتحرُم عليك الخبائث, إلا أن تفتقر إلى طعام [ لا يحل لك ] ، فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك, أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل. فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام. [ وأمّا ] مالُك فإنه ميسور كله, ليس فيه حرام. « »

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال،حدثنا ابن علية, عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة, فقرأته عليه, وكان فيه: ويُجْزي من الاضطرار غَبُوق أو صَبُوح.

حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا يحيى بن أبي زائدة, عن ابن عون قال: قرأت في كتاب سَمُرة بن جندب: يكفي من الاضطرار أو: من الضرورة غبوقٌ أو صبوح.

حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن إدريس, عن هشام بن حسان, عن الحسن قال: إذا اضطر الرجل إلى الميتة، أكل منها قوتَه يعني: مُسْكَتَه.

حدثنا هنّاد بن السري قال، حدثنا ابن مبارك, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا بأرض مَخْمصة, فما يحلّ لنا من الميتة؟ ومتى تحلّ لنا الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية, عن رجل قد سمي لنا: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نكون بأرض مخمصة, فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: إذا لم تغتبقوا، ولم تصطبحوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها.

قال أبو جعفر: يروى هذا على أربعة أوجه: « تحتفئوا » بالهمزة « وتحتفيوا » بتخفيف « الياء » و « الحاء » و « تحتفّوا » ، بتشديد الفاء و « تحتفوا » بالحاء، والتخفيف, ويحتمل الهمز .

 

القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ فقل لهم: أحِل لكم منها « الطيبات » , وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيدُ ما علّمتم من « الجوارح » , وهن الكَواسب من سباع البهائم.

والطير سميت « جوارح » ، لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد. يقال منه: « جرح فلان لأهله خيرًا » ، إذا أكسبهم خيرًا, و « فلان جارِحَة أهله » ، يعني بذلك: كاسبهم, و « لا جارحة لفلانة » ، إذا لم يكن لها كاسب ومنه قول أعشى بني ثعلبة.

ذاتَ حَـدٍّ مُنْضِــجٍ مِيسَمُهَــا تُذْكِــرَ الجَــارِحَ مَـا كَانَ اجْتَرَحْ

يعني: اكتسب.

وترك من قوله: « وما علمتم » ، « وصيد » ما علمتم من الجوارح، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما تُرِك ذكره.

وذلك أن القوم، فيما بلغنا، كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب، عما يحلّ لهم اتخاذه منها وصَيْده, فأنـزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية. فاستثنى مما كان حرّم اتخاذه منها, وأمر بقُنْيَة كلاب الصيد وكلاب الماشية، وكلاب الحرث, وأذن لهم باتخاذ ذلك.

ذكر الخبر بذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب العكلي قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، أخبرنا أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم, عن سلمى أم رافع, عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه, فأذن له فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله! قال: أجل, ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب! قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة, فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها, فتركته رحمة لها, ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته, فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته. فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنـزل الله: « يسألونك ماذا أحِل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب, فقتل حتى بلغ العَوالي فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة, فقالوا: ماذا أحلَّ لنا يا رسول الله؟ فنـزلت: « يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبين » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثونا عن محمد بن كعب القرظي قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب, قالوا: يا رسول الله, فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنـزلت: « يسألونك ماذا أحل لهم » ، الآية.

ثم اختلف أهل التأويل في « الجوارح » التي عنى الله بقوله: « وما علمتم من الجوارح » .

فقال بعضهم: هو كل ما عُلِّم الصيدَ فتعلّمه، من بهيمة أو طائر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن إسماعيل بن مسلم, عن الحسن في قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: كل ما عُلِّم فصادَ، من كلب أو صقر أو فهدٍ أو غيره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن إسماعيل بن مسلم, عن الحسن: « مكلبين » ، قال: كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في صيد الفهد قال: هو من الجوارح.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: الطير والكلاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن الحجاج, عن عطاء, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن حميد, عن مجاهد: « مكلِّبين » ، قال: من الكلاب والطير.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « من الجوارح مكلبين » ، قال: من الطير والكلاب.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شعبة , عن الهيثم, عن طلحة بن مصرف قال، قال خيثمة بن عبد الرحمن: هذا ما قد بيَّنت لك: أن الصقر والبازي من الجوارح.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت الهيثم يحدث، عن طلحة الإيامي, عن خيثمة قال: بيّنت لك: أن الصقر والباز والكلب من الجوارح.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عبد الله بن عمر, عن نافع, عن علي بن حسين قال: الباز والصقر من الجوارح.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن شريك, عن جابر, عن أبي جعفر قال: الباز والصقر من « الجوارح المكلِّبين » . .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، يعني بـ « الجوارح » ، الكلابَ الضواريَ والفهود والصقور وأشباهها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: من الكلاب، وغيرها من الصقور والبِيزان وأشباهِ ذلك مما يعلّم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، الجوارح: الكلاب والصقور المعلَّمة.

حدثني سعيد بن الربيع الرازيّ قال، حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار، سمع عبيد بن عمير يقول في قوله: « من الجوارح مكلبين » ، قال: الكلاب والطير.

وقال آخرون: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، الكلابَ دون غيرها من السِّباع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: هي الكلاب.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، يقول: أحل لكم صيد الكلاب التي علَّمتوهن.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج, عن نافع, عن ابن عمر, قال: أمَّا ما صاد من الطير والبُزاةُ من الطير فما أدركت فهو لك, وإلا فلا تطعمه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: « كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح, وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صادَ بعد التعليم » , لأن الله جل ثناؤه عم بقوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، كلَّ جارحة, ولم يخصص منها شيئًا. فكل « جارحة » ، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها.

وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحو ما قلنا في ذلك خبَرٌ, مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك, وهو ما:-

حدثنا به هناد قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن مجالد, عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فَكُل.

فأباح صلى الله عليه وسلم صيد البازي وجعله من الجوارح. ففي ذلك دِلالة بيِّنة على فساد قول من قال: « عنى الله بقوله: » وما علمتم من الجوارح « ، ما علمنا من الكلاب خاصة، دون غيرها من سائر الجوارح » .

فإن ظن ظانّ أن في قوله: « مكلبين » ، دلالةً على أن الجوارح التي ذكرت في قوله: « وما علمتم من الجوارح » ، هي الكلاب خاصة, فقد ظن غير الصواب.

وذلك أن معنى الآية: قل أحِلَّ لكم، أيها الناس، في حال مصيركم أصحابَ كلاب الطيباتُ، وصيدُ ما علمتوه الصيد من كواسب السباع والطير. فقوله: « مكلبين » ، صفة للقانص, وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه. وهو نظير قول القائل يخاطب قومًا: « أحلّ لكم الطيباتُ وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين » . فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك، إخبارَ القوم أنّ الله جل ذكره أحل لهم، في حال كونهم أهلَ إيمان، الطيبات وصيد الجوارح التي أعلَمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه به فكذلك قوله: « أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين » لذلك نظيره، في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب.

 

القول في تأويل قوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « تعلمونهن » ، تؤدِّبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم « مما علمكم الله » , يعني بذلك: من التأديب الذي أدَّبكم الله، والعلم الذي علمكم.

وقد قال بعض أهل التأويل: معنى قوله: « مما علمكم الله » ، كما علمكم الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « تعلمونهن مما علمكم الله » ، يقول: تعلمونهن من الطَّلب كما علمكم الله.

ولسنا نعرف في كلام العرب « من » بمعنى « الكاف » , لأن « من » تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض, و « الكاف » بمعنى التشبيه. وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره، إذا تقارب معنياهما. فأما إذا اختلفت معانيهما، فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عَقِيب الآخر. وكتاب الله وتنـزيله أحرَى الكلام أن يجنَّب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نـزل بلسانه ........... .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل بن صُبيح قال، حدثنا أبو هانئ عمر بن بشير قال، حدثنا عامر: أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب, فلم يدر ما يقول له, حتى نـزلت هذه الآية: « تعلمونهن مما علمكم الله » .

قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم : هو أن يَسْتَشْلِي لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه, ويستجيب له إذا دعاه, ولا يفرُّ منه إذا أراده. فإذا تتابع ذلك منه مرارًا كان « معلَّمًا » . وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلَّم ويُمسك ويصيد، فهو ميتة. ولا يكون قتله إياه ذكاة، حتى يعلَّم ويُمسك ويصيد. فإن كان ذلك ثم قتل، فهو ذكاته.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: إن المعلم من الكلاب: أن يمسك صيدَه فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه. فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته, فلا يأكل من صيده.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن طاوس, عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل, فإنما أمسك على نفسه.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا أبو المعلى, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: إذا أرسل الرجل الكلبَ فأكل من صيده فقد أفسده, وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله فزعم أنه إنما أمسك على نفسه والله يقول: « مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » ، فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه أنه ليس بمعلَّم, وأنه ينبغي أن يُضرب ويعلَّم حتى يترك ذلك الخُلُق.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معمر الرقي, عن حجاج, عن عطاء, عن ابن عباس قال: إذا أخذ الكلب فقَتل فأكل, فهو سَبُع.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر, عن ابن عباس قال: لا يأكل منه, فإنه لو كان معلَّمًا لم يأكل منه، ولم يتعلم ما علَّمتَه. إنما أمسك على نفسه، ولم يُمسك عليك.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود, عن الشعبي, عن ابن عباس, بنحوه.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن الشعبي, عن ابن عباس, بمثله.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: قلت لعامر الشعبي: الرجل يرسل كلبَه فيأكل منه, أنأكل منه؟ قال: لا لم يتعلَّم الذي علَّمته.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد, عن ابن عمر قال: إذا أكل الكلب من صيده فاضربه, فإنه ليس بمعلَّم.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن جريج, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: إذا أكل الكلب فهو ميتة, فلا تأكله.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير وسَيَّار, عن الشعبي ومغيرة, عن إبراهيم أنهم قالوا في الكلب إذا أكل من صيده: فلا تأكل, فإنما أمسك على نفسه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: إن وجدت الكلب قد أكل من الصيد, فما وجدتَه ميتًا فدعه, فإنه مما لم يمسك عليك صيدًا. إنما هو سبع أمسك على نفسه ولم يمسك عليك, وإن كان قد عُلِّم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي، بنحوه.

وقال آخرون نحو هذه المقالة, غير أنهم حَدُّوا لمعرفة الكلاب بأن كلبه قد قَبِل التعليم وصار من الجوارح الحلال صيدها أن يفعل ذلك كلبه مرات ثلاثًا. وهذا قول محكيٌّ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن.

وقال آخرون ممن قال هذه المقالة: لا حدَّ لعلم الكلاب بذلك من كلبه، أكثر من أن يفعل كلبه ما وصفنا أنه له تعليم. قالوا: فإذا فعل ذلك فقد صار معلَّمًا حلالا صيده. وهذا قول بعض المتأخرين.

وفرَّق بعض قائلي هذه المقالة بين تعليم البازي وسائر الطيور الجارحة وتعليم الكلب وضاري السبِّاع الجارحة, فقال: جائز أكل ما أكل منه البازي من الصيد. قالوا: وإنما تعليم البازي أن يطير إذا استُشْلِي, ويجيب إذا دُعِي, ولا ينفر من صاحبه إذا أراد أخذَه. قالوا: وليس من شروط تعليمه أن لا يأكل من الصيد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم وحجاج, عن عطاء قال: لا بأس بصيد البازي وإن أكل منه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني, عن حماد, عن إبراهيم, عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلتَه فقتل، فكُل. فإن الكلبَ إذا ضربته لم يَعُدْ. وإن تعليم الطير أن يرجع إلى صاحبه, وليس يضرب إذا أكل من الصيد ونتف من الريش.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو حمزة, عن جابر, عن الشعبي قال: ليس البازي والصقر كالكلب, فإذا أرسلتهما فأمسكا فأكلا فدعوتهما فأتياك, فكل منه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو زُبَيْد, عن مطرف, عن حماد, قال إبراهيم: كُلْ صيد البازي وإن أكل منه.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم وجابر، عن الشعبي, قالا كُلْ من صيد البازِ وإن أكل.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن حماد, عن إبراهيم: إذا أكل البازي والصقر من الصيد, فكُل, فإنه لا يعلَّم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حماد, عن إبراهيم قال: لا بأس بما أكل منه البازي.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن حماد: أنه قال في البازي إذا أكل منه، قال: كُلْ.

وقال آخرون منهم: سواء تعليم الطير والبهائم والسباع, لا يكون نوع من ذلك معلَّمًا إلا بما يكون به سائر الأنواع معلَّمًا. وقالوا: لا يحل أكل شيء من الصيد الذي صادته جارحة فأكلت منه كائنة ما كانت تلك الجارحة، بهيمةً، أو طائرًا. قالوا: لأن من شروط تعليمها الذي يحل به صيدها: أن تمسك ما صادت على صاحبها، فلا تأكل منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا محمد بن سالم, عن عامر قال: قال علي: إذا أكل البازي من صيده فلا تأكل.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن جعفر, عن شعبة, عن مجاهد بن سعيد, عن الشعبي قال: إذا أكل البازي منه فلا تأكل.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن سالم, عن سعيد بن جبير قال: إذا أكل البازي فلا تأكل.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عمر بن الوليد الشنيّ قال: سمعت عكرمة قال: إذا أكل البازي فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: الكلب والبازي كلُّه واحد, لا تأكل ما أكل منه من الصيد، إلا أن تدرك ذَكاته فتذكِّيه. قال: قلت لعطاء: البازي ينتف الريش؟ قال: فما أدركته ولم يأكل فكل. قال ذلك غير مرَّة.

وقال آخرون: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد. قالوا: وتعليمه الذي يحلُّ به صيده: أن يُشْلَى على الصيد فيَسْتَشلي ويأخذ الصيد ويدعوه صاحبه فيجيب, ولا يفرّ منه إذا أخذه. قالوا: فإذا فعل الجارح ذلك كان « معلمًا » داخلا في المعنى الذي قال الله: « وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » . قالوا: وليس من شرط تعليم ذلك أن لا يأكل من الصيد. قالوا: وكيف يجوز أن يكون ذلك من شرطه، وهو يؤدَّب بأكله؟

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد أو سعد , عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك على صيد, وذكرتَ اسم الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه, فكل ما بقي.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، حدثني القاسم بن ربيعة, عمن حدثه, عن سلمان وبكر بن عبد الله, عمن حدثه, عن سلمان : أن الكلب يأخذ الصيد فيأكل منه, قال: كل، وإن أكل ثلثيه، إذا أرسلته وذكرت اسم الله، وكان معلمًا.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: كل وإن أكل ثلثيه يعني: الصيدَ إذا أكل منه الكلب.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان, نحوه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد العزيز بن عبد الصمد, عن شعبة ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة جميعًا, عن سعيد, عن قتادة: عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسمَ الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل. .

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد, عن سلمان, نحوه.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد, عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم: أن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل, وإن أكل ثلثيه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود بن أبي الفرات, عن محمد بن زيد, عن سعيد بن المسيب قال: قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو بازَك, فسميَّت فأكل نصفه أو ثلثيه, فكل بقيَّته.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مخرمة بن بكير, عن أبيه, عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب, فقال: كل، وإن لم يبق منه إلا حِذْية - يعني: بَضْعة.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الصمد قال، حدثنا شعبة, عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج يحدّث، عن سعد قال: كُل، وإن أكل ثلثيه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا شعبة, عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج, عن سعيد بن المسيب قال شعبة: قلت: سمعته من سعيد؟ قال: لا قال: كل وإن أكل ثلثيه قال: ثم إن شعبة قال في حديثه: عن سعد. قال: كل، وإن أكل نصفه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر, عن أبي هريرة قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه, فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أبي هريرة, بنحوه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أبي هريرة, نحوه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني سالم بن نوح العطار, عن عمر يعني: ابن عامر عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم فأخذ فقتل, فكل، وإن أكل ثلثيه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عبيد الله ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن عبيد الله بن عمر عن نافع, عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك, أكل أو لم يأكل.

حدثنا ابن المثنى, قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر, بنحوه.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن أبي ذئب: أن نافعًا حدَّثهم: أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأكل الصيد بأسًا, إذا قتله الكلب أكل منه.

حدثني يونس به مرة أخرى فقال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمرو، ابن أبي ذئب، وغير واحد: أن نافعًا حدَّثهم، عن عبد الله بن عمر, فذكر نحوه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن أبي ذئب, عن نافع, عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسًا بما أكل الكلبُ الضاري.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن ابن أبي ذئب, عن بكير بن عبد الله بن الأشج, عن حميد بن عبد الله, عن سعد قال: قلت لنا: كلاب ضوارٍ يأكلن ويبقين؟ قال: كل، وإن لم يبق إلا بَضْعة.

حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن ابن أبي ذئب, عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج, عن حميد قال: سألت سعدًا, فذكر نحوه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا في تأويل قوله: « تعلمونهن مما علمكم الله » : أن « التعليم » الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح, إنما هو أن يعلِّم الرجل جارحَه الاستشلاء إذا أُشلي على الصيد وطلبه إياه إذا أغرى, أو إمساكه عليه، إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئًا, وألا يفرّ منه إذا أراده, وأن يجيبه إذا دعاه. فذلك، هو تعليم جميع الجوارح، طيرها وبهائمها. فإن أكل من الصيد جارحةُ صائد فجارحه حينئذ غير معلَّم. فإن أدرك صيده صاحبُه حيًّا فذكّاه، حلَّ له أكله. وإن أدركه ميتًا، لم يحلَّ له أكله، لأنه مما أكله السَّبُع الذي حرمه الله تعالى بقوله: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، ولم يدرك ذكاته.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, بما:-

حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن عاصم بن سليمان الأحول, عن الشعبي, عن عدي بن حاتم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: إذا أرسلتَ كلبك فاذكر اسم الله عليه, فإن أدركته وقد قتل وأكل منه فلا تأكل منه شيئًا, فإنما أمسكَ على نفسه « . »

حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا محمد بن فضيل, عن بيان بن بشر, عن عامر, عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيَّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابَك المعلَّمة وذكرت اسم الله عليها, فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن, إلا أن يأكل الكلبُ, فإن أكل فلا تأكل, فإني أخاف أن يكون إنما حَبَسه على نفسه. « »

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثك به:-

قال عمران بن بكّار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى قال، حدثنا محمد بن دينار, عن أبي إياس, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان الفارسي, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه, فليأكل ما بقي.

قيل: هذا خبر في إسناده نظر, فإن « سعيدًا » غير معلوم له سماع من « سلمان » , والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والحفَّاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفردٌ ليس له حفظهم, كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم.

قال أبو جعفر: وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرتُ: من أنه إذا أكل من الصيد فغيرُ معلَّم, فكذلك حكم كل جارحة: في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلَّم, لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته.

 

القول في تأويل قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، فكلوا، أيها الناس، مما أمسكت عليكم جوارحكم.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله، حلال أكل كلِّ ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلَّمة من الصيد الحلال أكله, أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه, أدركتْ ذكاته فذُكِّي أو لم تدرَك ذكاته حتى قتلته الجوارح بجرحها إياه أو بغير جَرْح.

وهذا قول الذين قالوا: « تعليم الجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّم الاستشلاء على الصيد، وطلبه إذا أشْليت عليه، وأخذه, وترك الهرب من صاحبها، دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته » . وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفًا.

وقال آخرون: بل ذلك على الخصوص دون العموم. قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضًا وأمسكت بعضًا, فالذي أمسكت منه غير جائز أكلُه وقد أكلت بعضه، لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه، على أنفسها لا علينا, والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كلَ ما أمسكته جوارحنا المعلمة علينا بقوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، دون ما أمسكته على أنفسها. وهذا قول من قال: « تعليم الجوارح الذي يحلُّ به صيدها: أن تَستشلى للصيد إذا أشليت، فتطلبه وتأخذه, فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئًا, ولا تفر من صاحبها » . وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة ونذكر منهم جماعة أخَر في هذا الموضع.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، يقول: كلوا مما قتلن قال علي: وكان ابن عباس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل, وإن أمسك فأدركته حيًّا فذكِّه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: إن أكل المعلَّم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته, فلا يأكل من صيده.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، إذا صادَ الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه, فهو حِلٌّ. فإن أكل منه, فيقال: إنما أمسك على نفسه. فلا تأكل منه شيئًا, إنه ليس بمعلَّم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ إلى قوله: « فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ » ، قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو طيرك أو سهمك, فذكرت اسم الله, فأخذ أو قتل, فكل.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: إذا أرسلت كلبك المعلّم فذكرت اسم الله حين ترسله، فأمسك أو قتل، فهو حلال. فإذا أكل منه فلا تأكله, فإنما أمسكه على نفسه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية, عن عاصم, عن الشعبي, عن عديّ قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، قال: قلت يا رسول الله، إن أرضي أرضُ صيد؟ قال: « إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل مما أمسك عليك كلبُك وإن قتل. فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه. »

وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبلُ, فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره.

فإن قال قائل: وما وجه دخول « من » ، في قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » , وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلالِ, و « من » إنما تدخل في الكلام مبعِّضَة لما دخلت فيه؟

قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية.

فقال بعض نحويي البصرة: دخلت « من » في هذا الموضع لغير معنًى, كما تدخله العرب في قولهم: « كان من مطر » و « كان من حديث » . قال: ومن ذلك قوله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [ سورة البقرة: 271 ] , وقوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ [ سورة النور: 43 ] ، قال: وهو فيما فسِّر: وينـزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: و « ينـزل من السماء من جبال فيها من برد » ، أي: من السماء من برد, بجعل « الجبال من برد » في السماء, وبجعل الإنـزال منها.

وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل « من » إلا لمعنى مفهوم، لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به. وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم « قد كان من مطر » و « كان من حديث » ؛ هل كان من مَطَرِ مَطَرَ عندكم؟ وهل من حديث حُدِّث عندكم؟ ويقول: معنى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ، أي: ويكفر عنكم من سيِّئاتكم ما يشاء ويريد وفي قوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ، فيجيز حذف « من » من « من برد » ولا يجيز حذفها من « الجبال » , ويتأول معنى ذلك: وينـزل من السماء أمثالَ جبالٍ بردٍ, ثم أدخلت « من » في « البرد » , لأن « البرد » مفسَّر عنده من « الأمثال » أعني: « أمثال الجبال » , وقد أقيمت « الجبال » مقام « الأمثال » , و « الجبال » وهي « جبال برد » فلا يجيز حذف « من » من « الجبال » , لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنـزل منه البرد، أمثالُ جبال بردٍ. وأجاز حذف « من » من « البرد » , لأن « البرد » مفسَّر عن « الأمثال » , كما تقول: « عندي رطلان زيتًا » و « عندي رطلان من زيت » , وليس عندك « الرطل » ، وإنما عندك المقدار. فـ « من » تدخل في المفسِّر وتخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء, من أمثال جبال, وليس بجبال. وقال: وإن كان: « أنـزل من جبال في السماء من برد جبالا » , ثم حذف « الجبال » الثانية، و « الجبال » الأول في السماء، جاز. تقول: « أكلت من الطعام » , تريد: أكلت من الطعام طعامًا, ثم تحذف « الطعام » ولا تسقط « من » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن « من » لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم, وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة، لدلالة ما يظهر من الكلام عليها. فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها, فذلك قد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صحّ من الكلام.

ومعنى دخولها في قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، للتبعيض، إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه، وحرَّم عليهم فَرْثه ودمَه, فقال جل ثناؤه: « فكلوا » مما أمسكتْ عليكم جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها، دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك، مما لم أطيبه لكم. فذلك معنى دخول « من » في ذلك.

وأما قوله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ، فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

وأما دخولها في قوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ ، فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله. .

 

القول في تأويل قوله : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( واذكروا اسم الله عليه ) على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد. كما:-

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « واذكروا اسم الله عليه » ، يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: « بسم الله » , وإن نسيت فلا حَرَج.

حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « واذكروا اسم الله عليه » ، قال: إذا أرسلته فسَمِّ عليه حين ترسله على الصيد.

 

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 4 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها الناس، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه, فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه, وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلَّمة، أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها, أو تطعَمُوا ما لم يسمَّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صادَه أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحِّد الله من خلقه, أو ذبحوه, فإن الله قد حرَّم ذلك عليكم فاجتنبوه.

ثم خوَّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره. فقال: اعلموا أن الله سريعٌ حسابه لمن حاسبه على نِعَمه عليه منكم وشكرِ الشاكر منكم ربَّه على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى, لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم، فيحيط به, لا يخفى عليه منه شيء, فيجازي المطيعَ منكم بطاعته، والعاصيَ بمعصيته, وقد بيَّن لكم جزاء الفريقين.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « اليوم أحل لكم الطيبات » ، اليوم أحل لكم، أيها المؤمنون، الحلالُ من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها.

وقوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم » ، وذبائحُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل وأنـزل عليهم, فدانُوا بهما أو بأحدهما « حل لكم » يقول: حلالٌ لكم، أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام. فإن من لم يكن منهم مِمَّن أقرَّ بتوحيد الله عزَّ ذكره ودان دين أهل الكتاب, فحرام عليكم ذبائحهم.

ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب » ، من أهل الكتاب.

فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنـزل عليه التوراة والإنجيل, أو ممن دخل في مِلَّتهم فدان دينهم، وحرَّم ما حرَّموا، وحلَّل ما حللوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا عكرمة قال، سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقرأ هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ إلى قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، الآية [ سورة المائدة: 51 ] .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان: عن عاصم الأحول, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن عثمة قال، حدثنا سعيد بن بشر, عن قتادة, عن الحسن وعكرمة: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وبتزوُّج نسائهم, ويتلوان: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن الحسن وسعيد بن المسيب: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن الشعبي: أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وقرأ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ، [ سورة مريم: 64 ] .

حدثني ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني ابن شهاب عن ذبيحة نصارى العرب, قال. تؤكل من أجل أنهم في الدين أهلُ كتاب, ويذكرون اسمَ الله.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: إنما يقرُّون بدين ذلك الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقالوا: لا بأس بها. قال: وقرأ الحكم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ ، [ سورة البقرة: 78 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب, وتزوَّجوا من نسائهم, فإن الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ سورة المائدة: 51 ] ، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية، لكانوا منهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال، حدثنا ابن علية, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة: أن الحسن كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وكان يقول: انتحلوا دينًا، فذاك دينهم.

وقال آخرون: إنما عنى بالذين أوتوا الكتاب في هذه الآية, الذين أنـزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم, فأما من كان دخيلا فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل, فلم يعن بهذه الآية، وليس هو ممن يحل أكل ذبائحه، لأنه ليس ممن أوتي الكتاب من قَبْل المسلمين. وهذا قول كان محمد بن إدريس الشافعي يقوله حدثنا بذلك عنه الربيع ويتأول في ذلك قول من كره ذبائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين.

ذكر من حرَّم ذبائح نصارى العرب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن محمد, عن عبيدة قال، قال علي رضوان الله عليه: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا هشام, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: سألت عليًّا عن ذبائح نصارى العرب, فقال: لا تؤكل ذبائحهم, فإنهم لم يتعلَّقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.

حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن عابس, عن عطاء بن السائب, عن أبي البختري قال: نهانا عليٌّ عن ذبائح نصارى العرب.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي حمزة القصاب قال: سمعت محمد بن علي يحدث، عن علي: أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال، لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، وذبائح نصارى أرْمينية.

قال أبو جعفر: وهذه الأخبار عن عليّ رضوان الله عليه, إنما تدل على أنه كان ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب، من أجل أنهم ليسوا على النصرانية, لتركهم تحليل ما تحلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم، غير الخمر. ومن كان منتحلا ملّة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها. فلذلك نهى عليٌّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب, لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل.

فإذ كان ذلك كذلك, وكان إجماعًا من الحجة أن لا بأس بذبيحة كل نصرانيّ ويهوديّ دان دين النصرانيّ أو اليهودي فأحل ما أحلُّوا, وحرَّم ما حرموا، من بني إسرائيل كان أو من غيرهم فبيِّنٌ خطأ ما قال الشافعي في ذلك، وتأويله الذي تأوّله في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم » ، أنه ذبائح الذين أوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ من بني إسرائيل وصوابُ ما خالف تأويله ذلك, وقولِ من قال: إن كل يهودي ونصراني فحلال ذبيحتُه، من أيِّ أجناس بني آدم كان.

وأمَّا « الطعام » الذي قال الله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب » ، فإنه الذبائح.

وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم » ، قال: الذبائح.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي, عن أبي سنان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبيحة أهل الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة, عن إبراهيم, بمثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم، مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا خالد, عن يونس, عن الحسن, مثله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، أي: ذبائحهم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، أما طعامهم، فهو الذبائح.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: أحل الله لنا طعامهم ونساءَهم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: أما قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، فإنه أحلَّ لنا طعامهم ونساءهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته يعني ابن زيد عما ذبح للكنائس وسُمِّي عليها، فقال: أحل الله لنا طعام أهل الكتاب, ولم يستثن منه شيئًا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية, عن أبي الزاهرية حدير بن كريب, عن أبي الأسود, عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها « جرجس » ، أهدوه لها, أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب, طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمره بأكله.

وأما قوله: « وطعامكم حل لهم » ، فإنه يعني: ذبائحكم، أيها المؤمنون، حِلٌّ لأهل الكتاب.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « والمحصنات من المؤمنات » ، أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات وهن الحرائر منهن أن تنكحوهن « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، يعني: والحرائر من الذين أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم، أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم من العرب وسائر الناس, أن تنكحوهن أيضًا « إذا آتيتموهن أجورهن » ، يعني: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتِكم ومحصناتهم « أجورهن » ، وهي مهورُهن.

واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » .

فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة, فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً. وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال لأن الله جل ثناؤه شرطَ من نكاح الإماء الإيمانَ بقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، [ سورة النساء: 25 ] .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب » ، قال: من الحرائر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: من الحرائر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا طلَّق امرأته وخُطِبَت إليه أخته, وكانت قد أحدثت, فأتى عمر فذكر ذلك له منها, فقال عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت منها إلا خيرًا! فقال: زوِّجها ولا تُخْبِر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، حدثنا عامر قال: زنت امرأة منَّا من همدان, قال: فجلدها مُصَدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدَّ ثم تابت. فأتوا عمر فقالوا: نـزوّجها، وبئسَ ما كان من أمرها! قال عمر: لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك، لأعاقبنكم عقوبةً شديدة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا أراد أن يزوِّج أخته, فقالت: إني أخشى أن أفضَح أبي, فقد بَغَيْتُ! فأتى عمر، فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى! قال: فزوّجها.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي: أن نُبَيْشة، امرأةً من همدان، بغتْ, فأرادت أن تذبح نفسها, قال: فأدركوها، فداووها فبرئت, فذكروا ذلك لعمر, فقال: انكحوها نكاحَ العفيفة المسلمة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عامر: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة, فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها, فَأُدْرِكت, فدُووِي جُرْحها حتى برئت. ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة, فقرأت القرآن ونَسَكت, حتى كانت من أنسك نسائهم. فخطبت إلى عمها, وكان يكره أن يدلِّسها, ويكره أن يفشي على ابنة أخيه, فأتى عمر فذكر ذلك له, فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر: أن جارية باليمن يقال لها: « نبيشة » , أصابت فاحشة, فذكر نحوه.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية, فاستخرجتها قبل أن تموت, فأدركت الإسلام, فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله, فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها, فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها, فداويتها حتى برئت, ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة, فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين, فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة.

حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا مروان, عن إسماعيل, عن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر، فذكر نحوه.

حدثنا مجاهد قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى بن سعيد, عن أبي الزبير: أن رجلا خطب من رجل أخته, فأخبره أنها قد أحدثتْ. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب, فضرب الرجل وقال: ما لك والخبر! أنكح واسكُت.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال, عن قتادة, عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة! فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين, الشرك أعظم من ذلك, وقد يقبل منه إذا تاب!

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، العفائفَ من الفريقين, إماءً كنَّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية, وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: العفائف.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مطرف, عن عامر: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجَها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن مطرف, عن رجل, عن الشعبي في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني, وأن تغتسل من الجنابة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مطرف, عن الشعبي في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصانها: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجها من الزنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد, قال، أخبرنا مطرف، عن عامر, بنحوه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: المحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) ، قال: العفائف.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: أما « المحصنات » ، فهنّ العفائف.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأوّلت كتابَ الله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، قال: فأتى بها عمر بن الخطاب, فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأوّلت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال فغَرَّب العبد وجزَّ رأسه. وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن إبراهيم أنه قال: في التي تزني قبل أن يُدْخل بها قال: ليس لها صداق، ويفرَّق بينهما.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن الشعبي، في البكر تفجُر قال: تضرب مئة سوط, وتنفى سنة, وترُدّ على زوجها ما أخذت منه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن أبي الزبير, عن جابر, مثل ذلك.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث عن الحسن, مثل ذلك.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فاستيقن، فإنه لا يمسكها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي ميسرة قال: مملوكات أهل الكتاب بمنـزلة حرائرهم.

ثم اختلف أهل التأويل في حكم قوله عز ذكره: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، أعام أم خاصٌّ؟

فقال بعضهم: هو عامٌّ في العفائف منهن, لأن « المحصنات » ، العفائف. وللمسلم أن يتزوج كل حرة وأمة كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.

واعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، وأن المعنيَّ بهن العفائف، كائنة من كانت منهن. وهذا قول من قال: عني بـ « المحصنات » في هذا الموضع: العفائف.

وقال آخرون: بل اللواتي عنى بقوله جل ثناؤه: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، الحرائرَ منهن, والآية عامة في جميعهن. فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز, حربيّات كنّ أو ذميات, من أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ. وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى, وقالا أحلَّه الله على علم.

وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله.

وقال آخرون: بل ذلك معنىٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمَّة وعهدٌ. فأما أهل الحرب، فإن نساءهم حرام على المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عقبة, قال، حدثنا الفزاري, عن سفيان بن حسين, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: من نساء أهل الكتاب من يحلُّ لنا, ومنهم من لا يحلُّ لنا, ثم قرأ: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، [ سورة التوبة: 29 ] . فمن أعطى الجزية حلَّ لنا نساؤه, ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: عنى بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب. لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم، إلا أن يكنَّ مؤمنات, فقال عز ذكره: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ سورة النساء: 25 ] ، فلم يبح منهن إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب » ، العفائفَ, لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة, وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات, وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [ سورة النور: 32 ] . وقد دللنا على فساد قول من قال: « لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين » ، في موضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين, كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة, ذميةً كانت أو حربيّةً, بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر, بظاهر قول الله جل وعز: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » .

فأما قول الذي قال: « عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة » فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى. وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته.

وأما قوله: « إذا آتيتموهن أجورهن » ، فإن « الأجر » : العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها, وهو المهر. كما:-

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: « آتيتموهن أجورهن » ، يعني: مهورهن.

 

القول في تأويل قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم, وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان.

ويعني بقوله جل ثناؤه: « محصنين » ، أعفَّاء « غير مسافحين » ، يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة، وهو الفجور « ولا متخذي أخدان » ، يقول: ولا منفردين ببغيّة واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها.

وقد بينا معنى « الإحصان » ووجوهه ومعنى « السفاح » و « الخدن » في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وهو كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « محصنين غير مسافحين » ، يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة غير مسافحين متعالنين بالزنا « ولا متخذي أخدان » ، يعني: يسرُّون بالزنا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة, ومحصنة من أهل الكتاب « ولا متخذي أخدان » : ذات الخدان، ذات الخليل الواحد.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سليمان بن المغيرة, عن الحسن قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته.

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 5 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ومن يكفر بالإيمان » ، ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وهو « الإيمان » ، الذي قال الله جل ثناؤه: « ومن يكفر بالإيمان فقد حَبِطَ عمله » يقول: فقد بَطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا, يرجو أن يدرك به منـزلة عند الله. « وهو في الآخرة من الخاسرين » ، يقول: وهو في الآخرة من الهالكين، الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد، وعملهم بغير طاعة الله.

وقد ذكر أن قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، عنى به أهل الكتاب، وأنه أنـزل على رسول الله صلى عليه وسلم من أجل قوم تحرَّجوا نكاح نساءِ أهل الكتاب لما قيل لهم: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال, حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم يعني: نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنـزل الله عز ذكره: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين » ، فأحل الله تزويجهن على علم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل « الإيمان » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: « الله » ، الإيمان.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن واصل, عن عطاء: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: « الإيمان » ، التوحيد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: بالله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: من يكفر بالله.

حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: من يكفر بالله.

حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: الكفر بالله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة. قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: أخبر الله سبحانه أن « الإيمان » هو العروة الوثقى, وأنه لا يقبل عملا إلا به, ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه.

فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل مَنْ وجَّه قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، إلى معنى: ومن يكفر بالله؟

قيل: وجه تأويله ذلك كذلك، أن « الإيمان » هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، و « الكفر » جحود ذلك. قالوا: فمعنى « الكفر بالإيمان » ، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها, وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.

فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟

قيل: تأويلها: ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه, فقد حبط عمله. وذلك أن « الكفر » هو الجحود في كلام العرب, و « الإيمان » التصديق والإقرار. ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به، فهو من الكافرين فذلك تأويل الكلام على وجهه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر الصلاة، فاغسلوا وجوهكم بالماء، وأيديكم إلى المرافق.

ثم اختلف أهل التأويل في قوله: « إذا قمتم إلى الصلاة » ، أمرادٌ به كلَّ حال قام إليها، أو بعضها؟ وأيّ أحوال القيام إليها؟

فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، من أنه معنيٌّ به بعضُ أحوال القيام إليها دون كل الأحوال، وأنّ الحال التي عُني بها، حالُ القيام إليها على غير طُهْر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا عبيد الله قال: سئل عكرمة عن قول الله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » ، فكلَّ ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: لا وضوء إلا من حَدَثٍ.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يُصلِّي الصلوات بوضوءٍ واحد.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يقول: صلّ بطهورك ما لم تحدث.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال: أخبرنا سليم بن أخضر قال، أخبرنا ابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة السلماني: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدَث.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد بن طريف أو: طريف بن يزيد: أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة، فتوضأوا فصلوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضأون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن طريف بن زياد أو: زياد بن طريف عن واقع بن سحبان: أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر، ثم جلسوا حِلَقًا على شاطئ دجلة، فنودي بالعصر، فقام رجال يتوضأون، فقال أبو موسى: لا وضوء إلا على من أحدث.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو: يزيد بن طريف قال: كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة، فذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو: يزيد بن طريف، عن أبي موسى، مثله.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا أبو خالد قال، توضأت عند أبي العالية الظهرَ أو العصر، فقلت: أصلي بوضوئي هذا، فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العَتَمة؟ قال أبو العالية: لا حرج. وعلّمنا: إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا ابن هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: الوضوء من غير حدث اعتداء.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود، قال حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد، مثله.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش قال: رأيت إبراهيم صلَّى بوضوء واحد، الظهرَ والعصرَ والمغربَ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش قال: كنت مع يحيى، فأصلّي الصلوات بوضوء واحد. قال: وإبراهيم مثل ذلك.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم قال: سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال: لا بأس به ما لم يُحْدث.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك، قال: يصلِّي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن عمارة قال: كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » يقول: قمتم وأنتم على غير طهر.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود: أنه كان له قَعبٌ قدرَ رِيِّ رجل ، فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.

حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي قال، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدثَ، توضأ ومسح بفضل طَهوره الخفين. فقلت: أبا عبد الله، أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.

وقال آخرون: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني من سمع مالك بن أنس، يحدث عن زيد بن أسلم، قوله: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » قال: يعني: إذا قمتم من النوم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب: أن مالك بن أنس أخبره عن زيد بن أسلم، بمثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » قال فقال، قمتم إلى الصلاة من النوم.

وقال آخرون: بل ذلك معنيٌّ به كل حال قيام المرء إلى صلاته، أن يجدِّد لها طُهرًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي قال، سألت عكرمة، قال قلت: يا أبا عبد الله، أتوضأ لصلاة الغداة، ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر، فأصلي؟ قال: كان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة يقول: كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » ... الآية.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضأون لكل صلاة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال، توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوٌّز خفيفًا، فقال، هذا وضوء من لم يحدث.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النـزال، قال، رأيت عليًّا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرَّحْبة، ثم أتِيَ بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مَسَح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدِث.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليًّا اكتالَ من حُبٍّ فتوضأ وضوءًا فيه تجوُّزٌ، فقال: هذا وضوء من لم يحدث.

وقال آخرون: بل كان هذا أمرًا من الله عز ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به: أن يتوضَّأوا لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك بالتخفيف.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال، حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني، مازن بني النجار فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة ، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة. فلما كان عام الفتح، صلَّى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله! قال، « عمدا فعلته. »

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة. فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.

حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال، حدثنا سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، فذكر نحوه.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال، « عمدا فعلته يا عمر. »

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما فتح مكة، صلى الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء بوضوء واحد.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا الحكم بن ظُهَير، عن مِسْعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: إن الله عنى بقوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا » جميعَ أحوال قيام القائم إلى الصلاة، غير أنه أمرُ فرضٍ بغسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان عليه السلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا.

فإن ظنّ ظانٌّ أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة دلالةً على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه السلام وأصحابه، وخُيِّل إليه أن ذلك كان على الوجوب فقد ظنّ غير الصواب.

وذلك أن قول القائل: « أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا » ، محتملٌ من وجوه لأمر الإيجاب، والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق. وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة، دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مدَّعيه. .

وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرضَ الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك، الدلالةُ الواضحةُ على صحة ما قلنا: من أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل من ذلك، كان على ما وصفنا، من إيثاره فعلَ ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندبَ إليه عباده المؤمنين بقوله: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » ... الآية، وأن تركه في ذلك الحال الذي تركه، كان ترخيصا لأمته، وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدَثٍ يوجب نقضَ الطهر.

وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار:

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقَعْبٍ صغير فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم! قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد. .

حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقّي، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن أبي غطيف، قال: صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره فجلس وجلست معه. فلما نُودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه. فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تَصنع؟ قال، لا وإن كان وَضوئي لصلاة الصبح كافيَّ للصلوات كلها ما لم أحدِث،

ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من توضأ على طهرٍ كتب له عشر حسنات » ،

، فأنا رغبت في ذلك.

حدثني أبو سعيد البغدادي، قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات.

وقد قال قوم: إن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إعلاما من الله له بها أن لا وضوء عليه، إلا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال كلها، وذلك أنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلِّها حتى يتوضأ، فأذن الله بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث عَدَا الصلاة توضأ أو لم يتوضأ، وأمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة قبل الدخول فيها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى يأتي منـزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة. فقلنا: يا رسول الله، نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا؟ قال: حتى نـزلت آية الرخصة: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » ، الآية.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في حدّ « الوجه » الذي أمر الله بغسله، القائمَ إلى الصلاة بقوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » .

فقال بعضهم: هو ما ظهر من بَشرة الإنسان من قُصَاص شعر رأسه، منحدرا إلى منقطع ذَقَنه طولا وما بين الأذنين عرضا. قالوا: فأما الأذن وما بطن من داخل الفم والأنف والعين، فليس من الوجه وغير واجب غسلُ ذلك ولا غسل شيء منه في الوضوء. قالوا: وأما ما غطاه الشعر منه كالذقن الذي غطاه شعر اللحية، والصدغين اللذين قد غطاهما عِذَار اللحية، فإن إمرار الماء على ما على ذلك من الشعر، مجزئ من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه،

لأن « الوجه » عندهم: هو ما عَنَّ لعين الناظر من ذلك فقابلها دون غيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال، يجزئ اللحية ما سال عليها من الماء.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا المغيرة، عن إبراهيم قال: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة في تخليل اللحية، قال: يجزيك ما مرَّ على لحيتك.

حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال، حدثنا مصعب بن المقدام، قال، حدثنا زائدة، عن منصور، قال: رأيت إبراهيم يتوضأ، فلم يخلِّل لحيته.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، عن سعيد الزبيدي، عن إبراهيم، قال: يجزيك ما سال عليها من أن تخللها.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يونس، قال: كان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، قال، حدثنا هشام، عن الحسن، أنه كان لا يخلِّل لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن الحسن أنه كان لا يخلل لحيته إذا توضأ.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن الحسن، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال، ليس غسلُ اللحية من السنة.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن: أنه كان إذا توضأ لم يبلِّغ الماء في أصول لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن أبي شيبة سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، قال: سألت إبراهيم: أخلِّل لحيتي عند الوضوء بالماء؟ فقال، لا إنما يكفيك ما مرَّت عليه يدك.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فقال: قال المغيرة، قال إبراهيم: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال، حدثنا حجاج بن رشدين قال، حدثنا عبد الجبار بن عمر: أن ابن شهاب وربيعة توضآ فأمرا الماء على لحاهما، ولم أر واحدا منهما خلّل لحيته.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت سعيد بن عبد العزيز، عن عَرْك العارضين في الوضوء، فقال: ليس ذلك بواجب، رأيت مكحولا يتوضأ فلا يفعل ذلك.

حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، قال، ليس عَرْك العارضين في الوضوء بواجب.

حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني إبراهيم بن محمد، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: يكفيه ما مرَّ من الماء على لحيته.

حدثنا أبو الوليد القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني ابن لهيعة، عن سليمان بن أبي زينب، قال، سألت القاسم بن محمد: كيف أصنع بلحيتي إذا توضأت؟ قال: لستُ من الذين يغسلون لحاهم.

حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: ليس عَرْك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطَن من الفم والأنف.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لولا التلمُّظ في الصلاة ما مضمضتُ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت عبد الملك يقول: سئل عطاء عن رجل صلى ولم يتمضمض، قال: ما لم يسَّم في الكتاب يجزئه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ليس المضمضة والاستنشاق من واجب الوضوء.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح، عن أبي سنان قال: كان الضحاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت هشامًا، عن الحسن قال: إذا نسى المضمضة والاستنشاق، قال: إن ذكر وقد دخل في الصلاة فليمض في صلاته. وإن كان لم يدخل تمضمض واستنشق.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن شعبة قال: سألت الحكم وقتادة عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، فقال: يمضي في صلاته.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة: من أن الأذنين ليستا من الوجه.

حدثني يزيد بن مخلد الواسطي قال، حدثنا هشيم، عن غيلان قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس.

حدثنا عبد الكريم بن أبي عمي، قال، حدثنا أبو مطرف [ .... ] قال، حدثنا غيلان مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس، فإذا مسحت الرأس فامسحهما.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرني غيلان بن عبد الله مولى قريش، قال: سمعت ابن عمر سأله سائل قال: إنه توضأ ونسي أن يمسح أذنيه، قال فقال ابن عمر: الأذنان من الرأس. ولم ير عليه بأسا.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن جميعا، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن سعيد بن مرجانة، عن ابن عمر، أنه قال: الأذنان من الرأس.

حدثني ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن رجل، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا الأذنان من الرأس.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة قال: الأذنان من الرأس عن الحسن وسعيد.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني أبو عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي النضر، عن ابن عمر، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن قال، الأذنان من الرأس.

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أو: عن أبي هريرة، شك ابن بزيع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معلى بن منصور، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: الأذنان من الرأس قال حماد: لا أدري هذا عن أبي أمامة أو: عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثني حماد بن زيد قال، حدثني سنان بن ربيعة أبو ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني ابن جريج وغيره، عن سليمان بن موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا الحسن بن شبيب، قال، حدثنا علي بن هاشم بن البريد قال، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأذنان من الرأس.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن يونس: أن الحسن قال: الأذنان من الرأس.

وقال آخرون: « الوجه » كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذَّقَن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بَطَن منه من منابت شعر اللحية النابت على الذَّقَن وعلى العارضين، وما كان منه داخل الفم والأنف، وما أقبل من الأذنين على الوجه. كل ذلك عندهم من « الوجه » الذي أمر الله بغسله بقوله: « فاغسلوا وجوهكم » . وقالوا: إن ترك شيئا من ذلك المتوضِّئ فلم يغسله لم تُجْزِه صلاته بوضوئه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني محمد بن بكر وأبو عاصم قالا أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يبُلّ أصول شعر لحيته، ويغلغِل بيده في أصول شعرها حتى يَكثر القَطَرانُ منها.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج قال، أخبرني نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان يغلغل يديه في لحيته حتى يَكثر منها القَطَران.

حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن سعيد قال، حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر: كان إذا توضأ خلَّل لحيته حتى يبلغ أصول الشعر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا معلى بن جابر اللقيطي قال، أخبرني الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر توضأ فخلَّل لحيته.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ليث، عن نافع: أن ابن عمر كان يخلّل لحيته بالماء حتى يبلغ أصول الشعر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير: أن أباه عبيد بن عمير كان إذا توضأ غَلغل أصابعه في أصول شعر الوجه يغلغلها بين الشعر في أصوله، يدلك بأصابعه البشرة فأشار لي عبد الله كما أخبره الرجل، كما وصف عنه.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ عرَك عَارضيه بعض العرك، وشبَّك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانًا.

حدثنا أبو الوليد وعلي بن سهل قالا حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو، وأخبرني عبدة، عن أبي موسى الأشعري، نحو ذلك.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مسلم قال: رأيت ابن أبي ليلى توضأ فغسل لحيته، وقال: من استطاع منكم أن يُبْلغ الماء أصولَ الشعر فليفعل.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عطاء قال: حقٌّ عليه أن يبل أصول الشعر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: كان مجاهد يخلِّل لحيته.

حدثنا حميد قال، حدثنا سفيان، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: أنه كان يخلِّل لحيته إذا توضأ.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير قال: ما بال اللحية تغسل قبل أن تنبت فإذا نبتت لم تغسَل؟

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن طاوس: أنه كان يخلِّل لحيته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن ابن سيرين: أنه كان يخلل لحيته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن ابن سيرين، مثله.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فذكر عن الحكم بن عتيبة: أن مجاهدا كان يخلل لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عمرو عن معروف، قال، رأيت ابن سيرين توضأ فخلل لحيته.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن الضحاك قال: رأيته يخلل لحيته.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن أبي الأشهب، عن موسى بن أبي عائشة، عن زيد الخدري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فخلَّل لحيته، فقلت: لم تفعل هذا يا نبي الله؟ قال: « أمرني بذلك ربيِّ » .

حدثنا تميم قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن سلام بن سَلْم، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة أو: يزيد الرقاشي عن أنس، قال: وضّأت النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخل أصابعه من تحت حَنَكه، فخلَّل لحيته، وقال: « بهذا أمرني ربي جل وعز » .

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال، حدثنا المحاربي، عن سلام بن سَلْم المديني، قال، حدثنا زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال حدثنا موسى بن ثروان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هكذا أمرني ربي » ! وأدخل أصابعه في لحيته، فخلَّلها

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام وعبيد الله بن موسى، عن خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فخلّل لحيته.

حدثنا علي بن الحسين بن الحر، قال، حدثنا محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وخلّل لحيته.

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عمر بن سليمان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: « أن النبي صلى الله عليه وسلم خلّل لحيته » .

حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني قال، حدثنا سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية: أن حسان بن بلال المزني رأى عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته، فقيل له: أتفعل هذا، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو قال، أخبرني عبد الواحد بن قيس، عن يزيد الرقاشي وقتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا توضأ عَرك عارضيه، وشبك لحيته بأصابعه.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي أبو عبد الله قال، حدثني واصل الرقاشي، عن أبي سودة هكذا قال الأحمسي عن أبي أيوب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطن من الأنف والفم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال، سمعت مجاهدا يقول: الاستنشاق شَطْر الوضوء.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن شعبة قال: سألت حمادا عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، قال حماد: ينصرف فيتمضمض ويستنشق.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح، عن أبي سنان قال: قدمت الكوفة فأتيت حمادا فسألته عن ذلك يعني: عمن ترك المضمضة والاستنشاق وصلى فقال: أرى عليه إعادة الصلاة.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة قال: كان قتادة يقول: إذا ترك المضمضة أو الاستنشاق أو أذنه أو طائفة من رجله حتى يدخل في صلاته، فإنه ينفتِلُ ويتوضأ، ويعيد صلاته.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي، قال: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني شعبة، عن الحكم وحماد، عن الشعبي في الأذنين: باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن الشعبي قال: مقدَّم الأذنين من الوجه، ومؤخَّرهما من الرأس.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم وحماد، عن الشعبي بمثله إلا أنه قال: باطن الأذنين.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن الشعبي بمثله، إلا أنه قال: باطن الأذنين.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن الشعبي، بمثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: باطن الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا أبو تميلة ح، وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قالا جميعا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: ألا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال قلنا: نعم! فتوضأ، فلما غسل وجهه، ألقَم إبهاميه ما أقبل من أذنيه. قال: ثم لما مسح برأسه مسح أذنيه من ظهورهما

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قولُ من قال: « الوجه » الذي أمر الله جل ذكره بغسله القائمَ إلى صلاته: كل ما انحدر عن منابت شَعَر الرأس إلى مُنقطع الذَّقَن طولا وما بين الأذنين عرضا مما هو ظاهر لعين الناظر، دون ما بطن من الفم والأنف والعين، ودون ما غطاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين، ودون الأذنين.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان « وجها » يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه، ثم هم - مع إجماعهم على ذلك- مجمعون على أن غسلَ ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ.

فإذْ كان ذلك منهم إجماعا بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على ذلك، فنظير ذلك كل ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خلقه ساتِرَه لا يصل الماء إليه إلا بكلفة ومؤنة وعلاج، قياسا لما ذكرنا من حكم العينين في ذلك.

فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن مثلَ العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشَعَر اللحية والصدغين والشاربين، لأن كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاجٍ لإيصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لإيصال الماء إليهما أو أشدّ.

وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن غسل مَنْ غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين، وما بطن من الأنف والفم، إنما كان إيثارًا منه لأشق الأمرين عليه: من غسل ذلك وترك غسله، كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبِّه الماء في ذلك لا على أنّ ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا. فأما من ظنّ أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض، فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجَهم وأغفل سبيلَ القياس، لأن القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك، بالأصل المجمع عليه من حكم العينين وأنْ لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه، وتارك المضمضة والاستنشاق إعادةَ صلاته إذا صلى بطهره ذلك. ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل.

فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« إذا توضأ أحدكم فليستنثر » .

دليلا على وجوب الاستنثار، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غيرُ فرض واجب، يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله، ما يغني عن إكثار القول فيه.

وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما، أو غسل ما أقبل منهما مع الوجه، غيُر مفسد صلاةَ من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شيء مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك ما ينبئ عن أنّ القول في ذلك ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم: إنهما ليسا من الوجه دون ما قاله الشعبي.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « المرافق » ، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب.

فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله: « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء؟ قال: الذي أمر به أن يُبْلغ « المرفقين » ، قال تبارك وتعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فذهب هذا يغسل خلفه!! فقيل له: فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما؟ فقال، لا أدري « ما لا يجاوزهما » أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا: إلى المرفقين والكعبين حدثنا يونس، عن أشهب عنه.

وقال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل، كأنه يذهب إلى أن معناها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تُغْسَل المرافق حدثنا بذلك عنه الربيع.

وقال آخرون: إنما أوجب الله بقوله: « وأيديكم إلى المرافق » غسلَ اليدين إلى المرفقين، فالمرفقان غايةٌ لما أوجب الله غسله من آخر اليد، والغاية غير داخلة في الحدِّ، كما غير داخل الليلُ فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [ سورة البقرة: 187 ] لأن الليل غاية لصوم الصائم، إذا بلغه فقد قضى ما عليه. قالوا: فكذلك المرافق في قوله: « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » غاية لما أوجب الله غسلَه من اليد. وهذا قول زُفَر بن الهذيل.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك، لم تجزه الصلاة مع تركه غسلَه. فأما المرفقان وما وراءهما، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندبَ إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله:

« أمتي الغرُّ المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل أمتي »

فلا تفسد صلاة تاركِ غسلِهما وغسل ما وراءهما، لما قد بينا قبلُ فيما مضى: من أن كل غاية حُدَّت بـ « إلى » فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحدّ وخروجها منه. وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه، إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بيَّن وحَكم، ولا حُكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة « المسح » الذي أمر الله به بقوله: « وامسحوا برءوسكم » .

فقال بعضهم: وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء، إذا قمتم إلى الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عيسى بن حفص قال: ذكر عند القاسم بن محمد مسحُ الرأس فقال: يا نافع كيف كان ابن عمر يمسح؟ فقال، مسحةً واحدة ووصف أنه مسح مقدَّم رأسه إلى وجهه فقال القاسم: ابن عمر أفقهُنا وأعلمُنا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان إذا توضأ ردَّ كفه اليمنى إلى الماء ووضعهما فيه، ثم مسح بيديه مقدَّم رأسه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكير، قال أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يضع بطن كفه اليمنى على الماء،

لا ينفضهما ثم يمسح بها ما بين قَرْنيه إلى الجبين واحدًة، ثم لا يزيد عليها في كل ذلك مسحةٌ واحدة، مقبلةً من الجبين إلى القرن.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا شريك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ مسح مقدَّم رأسه.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: يجزيك أن تمسح مقدَّم رأسك إذا كنت معتمرا. وكذلك تفعل المرأة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الله الأشجعي، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع قال: رأيت ابن عمر مسح بَيافوخه مسحة وقال سفيان: إن مسح شعرةً أجزأه يعني واحدةً.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا عبد السلام بن حرب قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: أيّ جوانب رأسك أمْسَسْتَ الماء أجزأك.

حدثنا أبو هشام قال، حدثنا علي بن ظبيان قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: أي جوانب رأسك أمسست الماء أجزأك.

حدثنا الرفاعي قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن الشعبي، مثله.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يمسح رأسه هكذا فوضع أيوب كفّه وسط رأسه، ثم أمرَّها على مقدَّم رأسه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان، قال: إن مسح رأسه بأصبع واحدة أجزأه.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لأبي عمرو: ما يجزئ من مسح الرأس؟ قال: أن تمسح مقدَّم رأسك إلى القفا أحبُّ إلّي.

حدثني العباس بن الوليد، عن أبيه، عنه، نحوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: فامسحوا بجميع رءوسكم. قالوا: إن لم يمسح بجميع رأسه بالماء، لم تجزِه الصلاة بوضوئه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا أشهب قال، قال مالك: من مسح بعضَ رأسه ولم يعمَّ أعاد الصلاة بمنـزلة من غسل بعضَ وجهه أو بعضَ ذراعه. قال، وسئل مالك عن مسح الرأس، قال: يبدأ من مقدَّم وجهه، فيدير يديه إلى قفاه، ثم يردُّهما إلى حيث بدأ منه.

وقال آخرون: لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائمَ إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولم يحدَّ ذلك بحدٍّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحقَّ بمسحه ذلك أن يقال: « مسح برأسه » ، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم « ماسحٍ برأسه » إذا قام إلى صلاته.

فإن قال لنا قائل: فإن الله قد قال في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [ سورة النساء: 43 ] أفيجزئ المسحُ ببعض الوجه واليدين في التيمم؟

قيل له: كلَّ ما مسح من ذلك بالتراب، فيما تنازعت فيه العلماء فقال بعضهم: « يجزيه ذلك من التيمم » وقال بعضهم: « لا يجزيه » فهو مجزئه، لدخوله في اسم « الماسحين به » .

وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه، فمسلَّم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيِّها صلى الله عليه وسلم. ولا حجة لأحد علينا في ذلك، إذ كان من قولنا: إن ما جاء في آي الكتاب عامًّا في معنىً، فالواجب الحكم أنه على عمومه،

حتى يخصه ما يجب التسليم له، فإذا خُصَّ منه شيء، كان ما خُصَّ منه خارجا من ظاهره، وحكم سائره على العموم.

وقد بيَّنا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

و « الرأس » الذي أمر الله جل وعز بالمسح به بقوله: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » هو منابت شعر الرأس، دون ما جاوز ذلك إلى القفا ممَّا استدبر، ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبلَ من قِبل وجه إلى الجبهة.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه جماعة من قرأة الحجاز والعراق: ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ، نصبًا، فتأويله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إلى المرافق وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم وإذا قرئ كذلك، كان من المؤخر الذي معناه التقديم، وتكون « الأرجل » منصوبة عطفا على « الأيدي » . وتأول قارئو ذلك كذلك، أن الله جل ثناؤه: إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها.

ذكر من قال: عنى الله بقوله: « وأرجلكم إلى الكعبين » الغسلَ.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظُفُر، فلما قضى صلاته، قال له عمر: أعدْ وضوءك وصلاتَك.

حدثنا حميد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا عبد الله بن حسن قال، حدثنا هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود قال: خلِّلوا الأصابع بالماء، لا تخلَّلها النارُ.

حدثنا عبد الله بن الصباح العطار قال، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، قال، حدثنا مُرجَّى يعني: ابن رجاء اليشكري قال، حدثنا أبو روح عمارة بن أبي حفصة، عن المغيرة بن حنين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه، فقال: بهذا أمرت.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، قال: سمعت مصعب بن سعد يقول: رأى عمر بن الخطاب قوما يتوضأون فقال: خلِّلوا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى قال، سمعت القاسم قال: كان ابن عمر يخلع خفَّيه، ثم يتوضأ فيغسل رجليه، ثم يخلِّل أصابعه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم قال: قلت للأسود: رأيتَ عمر يغسل قدميه غَسْلا؟ قال: نعم.

حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا إسحاق بن منصور، قال، حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمر بن عبد العزيز: أنه قال لابن أبي سويد: بلغنا عن ثلاثة كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يغسل قدميه غسلا أدناهم ابن عمك المغيرة.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا الصباح، عن محمد وهو ابن أبان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظُفُر، فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن شيبة بن نِصاح قال: صحبت القاسم بن محمد إلى مكة، فرأيته إذا توضأ للصلاة يُدخل أصابع رجليه يصب عليها الماء، قلت: يا أبا محمد، لم تصنع هذا؟ قال: رأيت ابن عمر يصنعه.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » قال: عاد الأمرُ إلى الغسل.

حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال، حدثنا أبي، عن حفص الغاضري، عن عامر بن كليب، عن أبي عبد الرحمن قال: قرأ عليَّ الحسن والحسين رضوان الله عليهما، فقرآ: ( وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فسمع علي رضى الله عنه ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: « وَأَرْجُلَكُمْ » ، هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب بن عبد الأعلى، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قرأها: ( فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قرأها: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) وقال: عاد الأمر إلى الغسل.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن المبارك، عن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: أنه كان يقرأ: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » ، فيقول: اغسلوا وجوهكم، واغسلوا أرجلكم، وامسحوا برءوسكم. فهذا من التقديم والتأخير.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن شيبان، قال، أثبت لي عن علي أنه قرأ: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) .

حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ( وأرجلكم ) رجع الأمر إلى الغسل.

حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خالد، عن عكرمة، مثله.

حدثني المثنى، قال، حدثنا الحماني، قال، حدثنا شريك، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) فيغسلون.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: اغسل القدمين إلى الكعبين.

حدثني عبد الله بن محمد الزهري قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ، فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك، ظننت أن بَطْنَ القدم أحقُّ من ظاهرها.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا عبد الملك، عن عطاء قال: لم أر أحدا يمسح على القدمين.

حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد أنه قرأ: ( وَأرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فنصبها، وقال: رجع إلى الغسل.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا جابر بن نوح قال، سمعت الأعمش يقرأ: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب.

حدثني يونس، قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » أهي: « أرجلَكم » أو « أرجلِكم » ؟ فقال: إنما هو الغسل وليس بالمسح، لا تُمْسح الأرجل، إنما تُغسل. قيل له: أفرأيت من مسح أيجزيه ذلك؟ قال: لا.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سلمة، عن الضحاك: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ » قال: اغسلوها غسلا.

وقرأ ذلك آخرون من قراء الحجاز والعراق: ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ) بخفض « الأرجل » . وتأول قارئو ذلك كذلك: أنّ الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها، وجعلوا « الأرجل » عطفا على « الرأس » ، فخفضوها لذلك.

ذكر من قال ذلك من أهل التأويل:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن قيس الخراساني، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غَسْلتان ومَسْحتان.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن حميد ح، وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا حميد قال، قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبَنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطَّهور فقال: « اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم، وإنه ليس شيء من ابن آدم أقرَب إلى خَبَثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورَهما وعَرَاقيبهما » . فقال أنس: صدق الله وكذبَ الحجاج، قال الله: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ » قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلَّهما.

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس قال: نـزل القرآن بالمسح، والسنة الغسلُ.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن موسى بن أنس قال: خطب الحجاج فقال: « اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلَكم، ظهورَهما وبطونَهما وعراقيبَهما، فإن ذلك أدنى إلى خبثكم » . قال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل، إنما نـزل فيهما المسح.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: امسح على رأسك وقدميك.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نـزل جبريل بالمسح. قال: ثم قال الشعبي: ألا ترى أن « التيمم » أن يمسح ما كان غسلا ويُلغِي ما كان مسحًا ؟

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال: أُمر بالتيمم فيما أُمر به بالغسل.

حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي أنه قال: إنما هو المسح على الرجلين، ألا ترى أنه ما كان عليه الغسل، جعل عليه المسح، وما كان عليه المسح أهمل؟

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر أنه قال: أمر أن يمسح في التيمم، ما أمر أن يغسل في الوضوء، وأبطل ما أمر أن يُمسح في الوضوء: الرأس والرجلان.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي قال: أمر أن يمسح بالصعيد في التيمم، ما أمر أن يغسل بالماء. وأهمِل ما أمر أن يمسح بالماء.

حدثنا ابن أبي زياد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا إسماعيل قال: قلت لعامر: إن ناسًا يقولون إن جبريل صلى الله عليه وسلم نـزل بغسل الرجلين! فقال: نـزل جبريل بالمسح.

حدثنا أبو بشر الواسطي إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن يونس قال، حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما يمسح عليهما، حتى خرج منها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » افترض الله غَسلتين ومسحتين.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن الأعمش، عن يحيى بن وثَاب، عن علقمة: أنه قرأ: « وَأَرْجُلِكُمْ » مخفوضة « اللام » .

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن الأعمش، مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو الحسين العكلي، عن عبد الوارث، عن حميد، عن مجاهد: أنه كان يقرأ: « وَأَرْجُلِكُمْ » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال، كان الشعبي يقرأ: « وَأَرْجُلِكُمْ » بالخفض.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الحسن بن صالح، عن غالب، عن أبي جعفر، أنه قرأ: « وَأَرْجُلِكُمْ » بالخفض.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: أنه قرأ « وَأَرْجُلِكُمْ » بالكسر.

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا في ذلك، أن الله عزّ ذكره أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم. وإذا فعل ذلك بهما المتوضئ، كان مستحقًّا اسم « ماسحٍ غاسلٍ » ، لأن « غسلهما » إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء. و « مسحهما » ، إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما. فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو « غاسل ماسح » .

ولذلك من احتمال « المسح » المعنيين اللذين وصفتُ من العموم والخصوص اللذين. أحدهما مسح ببعض والآخر مسح بالجميع اختلفت قراءة القرأة في قوله: « وأرجلكم » فنصبها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما الغسل وإنكارًا منه المسح عليهما، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم مسحهما بالماء. وخفضها بعضهم، توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما المسح.

ولما قلنا في تأويل ذلك إنه معنّي به عموم مسح الرجلين بالماء كره من كره للمتوضئ الاجتزاءَ بإدخال رجليه في الماء دون مسحهما بيده، أو بما قام مقام اليد، توجيها منه قوله: « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » إلى مسح جميعهما عامًّا باليد، أو بما قام مقام اليد، دون بعضهما مع غسلهما بالماء، كما:-

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا نافع، عن ابن عمر عن الأحول، عن طاوس، أنه سئل عن الرجل يتوضأ ويدخل رجليه في الماء. قال: ما أعدُّ ذلك طائلا.

وأجاز ذلك من أجاز، توجيهًا منه إلى أنه معنيٌّ به الغسل. كما:-

حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت هشاما يذكر، عن الحسن، في الرجل يتوضأ في السفينة، قال: لا بأس أن يغمس رجليه غمسًا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال: أخبرني أبو حرّة، عن الحسن في الرجل إذا توضأ على حرف السفينة، قال: يخضخِضُ قدميه في الماء.

فإذا كان « المسحَ » المعنيان اللذان وصفنا: من عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به وكان صحيحًا بالأدلّة الدالة التي سنذكرها بعدُ، أنّ مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى « الغسل » و « المسح » فبيِّنٌ صواب قرأة القراءتين جميعًا

أعني النصب في « الأرجل » والخفض. لأن في عموم الرجلين بمَسحهما بالماء غسلُهما، وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسحُهما.

فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبا لما في ذلك من معنى عمومها بإمرار الماء عليهما.

ووجهُ صواب قراءة من قرأه خفضا، لما في ذلك من إمرار اليد عليهما، أو ما قام مقام اليد، مسحا بهما.

غير أنّ ذلك وإن كان كذلك، وكانت القراءتان كلتاهما حسنًا صوابًا، فأعجب القراءتين إليّ أن أقرأها، قراءة من قرأ ذلك خفضًا، لما وصفت من جمع « المسح » المعنيين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فالعطف به على « الرءوس » مع قربه منه، أولى من العطف به على « الأيدي » ، وقد حيل بينه وبينها بقوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ .

فإن قال قائل: وما الدليل على أن المراد بالمسح في الرجلين العموم، دون أن يكون خصوصًا، نظيرَ قولك في المسح بالرأس؟

قيل: الدليل على ذلك، تظاهرُ الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ويل للأعقاب وبُطون الأقدام من النار » . ولو كان مسح بعض القدم مجزئا عن عمومها بذلك لما كان لها الويل بترك ما تُرك مسحه منها بالماء بعد أن يُمسح بعضها. لأن من أدَّى فرض الله عليه فيما لزمه غسلُه منها لم يستحق الويل، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل. وفي وجوب الويل لعَقِب تارك غسل عَقِبه في وضوئه، أوضحُ الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء، وصحةِ ما قلنا في ذلك، وفسادِ ما خالفه.

ذكر بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا:

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: كان أبو هريرة يمرُّ ونحن نتوضأ من المَطْهَرة، فيقول:

أسبغوا الوضوء، أسبغوا الوضوء، قال أبو القاسم: ويلٌ للعراقيبِ من النار.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه إلا أنه قال: ويل للأعقاب من النار.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن محمد بن زياد قال: كان أبو هريرة يمرّ بأناس يتوضأون يُسِيئون الطهور، فيقول: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ويلٌ للعَقِب من النار.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثني سليمان بن بلال قال، حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار يوم القيامة.

حدثني إسحاق بن شاهين وإسماعيل بن موسى قالا حدثنا خالد بن عبد الله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويلٌ للأعقاب من النار وقال إسماعيل في حديثه: ويلٌ للعراقيب من النار » .

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي قال: دخلت مع عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة، فدعا بوضوء، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للأعقاب من النار. .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عمر بن يونس الحنفي قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثنا يحيى بن أبي كثير قال، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال، حدثني أبو سالم مولى المَهْري هكذا قال عمر بن يونس قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص قال: فمررت أنا وعبد الرحمن على حُجرة عائشة أخت عبد الرحمن، فدعا عبد الرحمن بوضوء، فسمعت عائشة تناديه: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ويل للأعقاب من النار » .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم مولى دَوْس قال: سمعت عائشة تقول لأخيها عبد الرحمن: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ويل للأعقاب من النار » .

حدثني يعقوب وسوار بن عبد الله، قالا حدثنا يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة، أن عائشة رأت عبد الرحمن يتوضأ فقالت: أسبغ الوضوء، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للأعقاب من النار. .

حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا ابن عيية ويحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال، رأت عائشة عبد الرحمن يتوضأ، فقالت: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويلٌ للعراقيب من النار. .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال، أخبرنا أبو الأسود: أنّ أبا عبد الله مولى شدّاد بن الهاد حدّثه: أنه دخل على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعندها عبد الرحمن، فتوضأ عبد الرحمن، ثم قام فأدبر، فنادته عائشة فقالت: يا عبد الرحمن! فأقبل عليها، فقالت له: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويلٌ للأعقاب من النار. .

حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال، حدثني أبو إسحاق، عن سعيد أو: شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويل للعراقيب من النار » .

حدثنا خلاد بن أسلم قال، حدثنا النضر قال، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت ابن أبي كرب قال، سمعت جابر بن عبد الله قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ويل للعَقِب أو: العراقيب من النار » .

حدثني إسماعيل بن محمود الحجيري، قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت سعيدا يقول، سمعت جابرا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للأعقاب من النار. .

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا حدثنا عبد الرحمن، قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعراقيب من النار.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح بن محارب، عن محمد بن أبان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: سَمِع أذني من النبي صلى الله عليه وسلم: ويل للعراقيب من النار.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح بن محارب، عن محمد بن أبان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: سمع أذني من النبي صلى الله عليه وسلم: « ويلٌ للعراقيب من النار! أسبغوا الوضوء » .

حدثني الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا الوليد بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتوضأ، وبقي من عَقِبه شيء، فقال: ويلٌ للعراقيب من النار. .

حدثني علي بن مسلم قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى قوما يتوضأون لم يُصب أعقابَهم الماءُ، فقال: ويل للعراقيب من النار. .

حدثنا أبو سفيان الغنوي يزيد بن عمرو قال، حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثني أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعراقيب من النار.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتوضأون، فرأى أعقابهم تلوح، فقال: « ويلٌ للأعقاب من النار! أسبغوا الوضوء » .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتوضأون لم يتمُّوا الوضوء، فقال: أسبغوا الوضوء، ويلٌ للعراقيب أو: الأعقاب من النار!

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن رجل من أهل مكة، عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضأون، فلم يتمُّوا الوضوء، فقال: ويلٌ للأعقاب من النار. .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضأون وأعقابُهم تلوح، فقال: ويلٌ للأعقاب من النار! أسبغوا الوضوء.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن منصور، عن هلال، عن أبي يحيى مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، فسبقنا ناس فتوضأوا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أقدامهم بيضا من أثر الوضوء، فقال « ويلٌ للعراقيب من النار! أسبغوا الوضوء »

حدثني علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار! قال: فما بقي في المسجد شريفٌ ولا وضيع إلا نظرتُ إليه يقلِّب عُرْقوبيه ينظر إليهما.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث قال، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة أو: أخي أبى أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر أقواما يتوضأون، وفي عَقِب أحدهم أو كعب أحدهم مثلُ موضع الدرهم أو: موضع الظفُر لم يمسَّه الماء، فقال: ويلٌ للأعقاب من النار! فقال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء أعادَ وضوءه. .

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدّثكم به:-

محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه، ثم قام فصلى.

وما حدثك به:_

عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال، حدثني أبي قال، حدثنا جرير بن حازم قال، سمعت الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سُبَاطة قوم فبال عليها قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه.

وما حدثك به:-

الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سُبَاطة قوم، فتوضأ ومسح على قدميه »

وما أشبه ذلك من الأخبار الدالة على أن المسح ببعض الرجلين في الوضوء مجزئ؟ قيل له: أما حديث أوس بن أبى أوس فإنه لا دلالة فيه على صحة ذلك، إذ لم يكن في الخبر الذي روي عنه ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بعد حدَثٍ يوجب عليه الوضوء لصلاته، فمسح على نعليه، أو على قدميه. وجائز أن يكون مسحه على قدميه الذي ذكره أوس كان في وضوء توضأه من غير حدث كان منه وجب عليه من أجله تجديد وضوئه، لأن الرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ لغير حدث، كذلك يفعل، يدل على ذلك ما:-

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو مالك الجنبي، عن مسلم، عن حبة العرني قال: رأيت عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه شرب في الرحبة قائما، ثم توضأ ومسح على نعليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.

فقد أنبأ هذا الخبر عن صحة ما قلنا في معنى حديث أوس.

فإن قال: فإن حديث أوس، وإن كان محتملا من المعنى ما قلت، فإنه محتمل أيضا ما قاله من قال أنه معنيٌّ به المسح على النعلين أو القدمين في وضوء توضأه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حدثٍ؟

قيل: أحسن حالات الخبر ما حُمِّل ما قلتَ، إن سلم له ما ادَّعى من احتماله ما ذكر من المسح على القدم أو النعل بعد الحدث، وإن كان ذلك غير محتمله عندنا، إذ كان غير جائز أن تكون فرائضُ الله وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم متنافيًة متعارضًة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمرُ بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء، بالنقل المستفيض القاطع عذرَ من انتهى إليه وبلَغه. وإذْ كان ذلك عنه صحيحا، فغير جائز أن يكون صحيحا عنه إباحةُ ترك غسل بعض ما قد أوجبَ فرضًا غَسْلَه في حال واحدة ووقت واحد، لأن ذلك إيجاب فرض وإبطاله في حال واحدة. وذلك عن أحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم منتفٍ.

غير أنا إذا سلَّمنا لمن ادَّعى في حديث أوس ما ادعى من احتماله مسح النبيّ صلى الله عليه وسلم على قدمه في حال وضوء من حدَث، ثقًة منا بالفَلَج عليه، بأنه لا حجة له في ذلك قلنا: فإذا كان محتملا ما ادَّعيت، أفمحتمل هو ما قلناه إنّ ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم في حال وضوئه لا من حدث؟

فإن قال: « لا » ثبتت مكابرته لأنه لا بيان في خبر أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في وضوء من حدث.

وإن قال: « بل هو محتمل ما قلتَ ومحتمل ما قلنا » .

قيل له: فما البرهان على أن تأويلك الذي ادَّعيتَ فيه أولى به من تأويلنا؟ فلن يدّعي برهانا على صحة دعواه في ذلك، إلا عُورض بمثله في خلاف دعواه.

وأما حديث حذيفة فإن الثِّقات الحفَّاظ من أصحاب الأعمش حدثوا به، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة: « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سُبَاطة قوم فبال قائما، ثم توضأ ومسح على خفيه » .

حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الضبي قال، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة.

ح، حدثني المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن حذيفة.

ح، حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة.

ح، حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة.

ح، حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة.

ح، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة. .

وكل هؤلاء يحدّث ذلك عن الأعمش، بالإسناد الذي ذكرنا عن حذيفة: « أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه » ، وهم أصحاب الأعمش. ولم ينقل هذا الحديث عن الأعمش غير جرير بن حازم. ولو لم يخالفه في ذلك مخالف، لوجب التثبت فيه لشذوذه، فكيف والثِّقات من أصحاب الأعمش يخالفونه في روايته ما روى من ذلك!! ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كان جائزا أن يكون مسح على نعليه وهما ملبوستان فوق الجوربين، وإذا جاز ذلك لم يكن لأحد صرفُ الخبر إلى أحد المعاني المحتمِلِها الخَبرُ إلا بحجة يجب التسليم لها.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِلَى الْكَعْبَيْنِ

قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في « الكعب » .

فقال بعضهم بما:-

حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا القاسم بن الفضل الحدّاني، قال، قال أبو جعفر: أين « الكعبين » ؟ فقال القوم: هاهنا. فقال: هذا رأس الساق! ولكن « الكعبين » هما عند المفصل

حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال، قال مالك: « الكعب » الذي يجب الوضوء إليه، هو الكعب الملتصق بالساق المحاذِي العقب، وليس بالظاهر في ظاهر القدم.

وقال آخرون بما:-

حدثنا الربيع قال، قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن « الكعبين » اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء، هما الناتئان وهما مجمع مَفْصِل الساق والقدم

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن « الكعبين » هما العظمان اللذان في مفصل الساق والقدم، تسمِّيهما العرب « المِنْجَمين » . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: هما عظما الساق في طرفها

واختلف أهل العلم في وجوب غسلهما في الوضوء وفي الحدّ الذي ينبغي أن يبلغ بالغسل إليه من الرجلين نحو اختلافهم في وجوب غسل المرفقين، وفي الحد الذي ينبغي أن يبلغ بالغسل إليه من اليدين. وقد ذكرنا ذلك ودللنا على الصحيح من القول فيه بعلله فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « وإن كنتم جنبا » وإن كنتم أصابتكم جنابة قبل أن تقوموا إلى صلاتكم فقمتم إليها « فاطَّهَّروا » ، يقول: فتطهّروا بالاغتسال منها قبل دخولكم في صلاتكم التي قمتم إليها.

ووحَّد « الجُنب » وهو خبر عن الجميع، لأنه اسم خرج مخرج الفعل كما قيل: « رجل عَدْل وقوم عدل » ، و « رجل زَوْرٌ وقوم زَوْرٌ » ، وما أشبه ذلك لفظ الواحد والجميع والاثنين والذكر والأنثى فيه واحد.

يقال منه: « أجنَب الرجل » و « جَنُب » و « اجتَنَب » والفعل « الجنابة » ، و « الاجناب » . وقد سمع في جمعه « أجناب » ، وليس ذلك بالمستفيض الفاشي في كلام العرب، بل الفصيح من كلامهم ما جاء به القرآن .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين وأنتم جنب

وقد بيَّنا أن ذلك كذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

وأما قوله: « أو على سفر » فإنه يقول: وإن كنتم مسافرين وأنتم جنب « أو جاء أحد منكم من الغائط » يقول: أو جاء أحدكم وقد قضى حاجته فيه وهو مسافر. وإنما عنى بذكر مجيئه منه قضاء حاجته فيه .

« أو لامستم النساء » يقول أو جامعتم النساء وأنتم مسافرون. وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في « اللمس » وبينا أولى الأقوال في ذلك بالصواب فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

فإن قال قائل: وما وجه تكرير قوله: « أو لامستم النساء » إن كان معنى « اللمس » الجماع، وقد مضى ذكر الواجب عليه بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ؟

قيل: وجه تكرير ذلك أن المعنى الذي ألزمه تعالى ذكره من فرضه بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا غيُر المعنى الذي ألزمه بقوله: « أو لامستم النساء » وذلك أنه بيَّن حكمه في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا إذا كان له السبيل إلى الماء الذي يطهّره، ففرض عليه الاغتسال به ثم بيَّن حكمه إذا أعوزه الماء فلم يجد إليه السبيلَ وهو مسافر غير مريض مقيم، فأعلمه أن التيمم بالصعيد له حينئذ الطهور.

 

القول في تأويل قوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا » فإن لم تجدوا أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مرضى مقيمون، أو على سفر أصحَّاء، أو قد جاء أحد منكم من قضاء حاجته، أو جامع أهلَه في سفره « ماء فتيمموا صعيدا طيبا » ، يقول: فتعمَّدوا واقصدوا وجه الأرض « طيبا » ، يعني: طاهرا نظيفا غير قذر ولا نجس، جائزا لكم حلالا « فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه » يقول: فاضربوا بأيديكم الصعيد الذي تيممتموه وتعمدتموه بأيديكم، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مما عَلِق بأيديكم « منه » ، يعني: من الصعيد الذي ضربتموه بأيديكم من تُرابه وغباره.

وقد بينا فيما مضى كيفية « المسح بالوجوه والأيدي منه » واختلاف المختلفين في ذلك والقول في معنى « الصعيد » و « التيمم » ، ودللنا على الصحيح من القول في كل ذلك بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج » ما يريد الله بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى صلاتكم، والغُسل من جنابتكم والتيمم صعيدا طيبا عند عدمكم الماء « ليجعل عليكم من حرج » ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا ليعنتكم فيه.

وبما قلنا في معنى « الحرج » قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن خالد بن دينار، عن أبي العالية وعن أبي مكين، عن عكرمة في قوله: « من حرج » قالا من ضيق.

حدثنا محمد بن عمرو، قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « من حرج » من ضيق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 6 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ولكن يريد ليطهركم » ولكن الله يريد أن يطهِّركم بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث والغسلِ من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهّروا بذلك أجسامكم من الذنوب . كما:-

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الوضوء يكفّر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة. قال قلت: أنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، غيرَ مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس .

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صديّ بن عجلان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه .

حدثنا أبو كريب، ومحمد بن المثنى ويحيى بن داود الواسطي، قالوا، حدثنا إبراهيم بن يزيد مردانبه القرشي قال، أخبرنا رقبة بن مصقلة العبدي، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي إمامة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه »

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو: ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه » .

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا حاتم، عن محمد بن عجلان، عن أبى عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عمرو بن عبسة: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا غسل المؤمن كفّيه انتثرت الخطايا من كفَّيه، وإذا تمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه ومنخريه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه، فإذا مسح رأسه وأذنيه خرجت من رأسه وأذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت حتى تخرج من أظفار قدميه، فإذا انتهى إلى ذلك من وضوئه كان ذلك حظّه منه، فإذ قام فصلى ركعتين مقبلا فيهما بوجهه وقلبه على ربه، كان من خطاياه كيوم ولدته أمّه »

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال، « إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، أو نحو هذا. وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشت بها يداه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب » .

حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، قال، حدثنا علي بن عياش، قال، حدثنا أبو غسان، قال، حدثنا زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان قال، أتيت عثمان بن عفان بوضوء وهو قاعد، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ كوضوئي هذا. ثم قال: من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكانت خُطاه إلى المساجد نافلة.

وقوله: « وليتم نعمته عليكم » فإنه يقول: ويريد ربكم مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم إياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم إلى الصلاة بالماء إن وجدتموه، وتيممكم إذا لم تجدوه أن يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر نِعَمه التي أنعم بها عليكم أيها المؤمنون « لعلكم تشكرون » يقول: لكي تشكروا الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 7 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: واذكروا نعمة الله عليكم أيها المؤمنون، بالعقود التي عقدتموها لله على أنفسكم، واذكروا نعمته عليكم في ذلك بأن هداكم من العقود لما فيه الرضا، ووفقكم لما فيه نجاتكم من الضلالة والرَّدَى في نِعم غيرها جَمّة. كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « واذكروا نعمة الله عليكم » قال، النعم: آلاءُ الله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وأما قوله: « وميثاقه الذي واثقكم به » فإنه يعني: واذكروا أيضا أيها المؤمنون، في نعم الله التي أنعم عليكم « ميثاقه الذي واثقكم به » ، وهو عهده الذي عاهدكم به.

واختلف أهل التأويل في « الميثاق » الذي ذكر الله في هذه الآية، أيَّ مواثيقه عَنى؟

فقال بعضهم: عنى به ميثاقَ الله الذي واثقَ به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بايعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له فيما أحبّو وكرهوا، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: « واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا » الآية، يعني: حيث بعث الله النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأنـزل عليه الكتاب، فقالوا: « آمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب، وأقررنا بما في التوراة » ، فذكّرهم الله ميثاقَه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا » ، فإنه أخذ ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان والإقرار به وبرسوله.

وقال آخرون: بل عنى به جلّ ثناؤه: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صُلب آدم صلى الله عليه وسلم، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وميثاقه الذي واثقكم به » قال: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

ثال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قولُ ابن عباس، وهو أن معناه: « واذكروا » أيها المؤمنون « نعمة الله عليكم » التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام « وميثاقه الذي واثقكم به » ، يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر « إذ قلتم سمعنا » ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له: « سمعنا وأطعنا » ، يقول: ففُوا لله، أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمن لكم الوفاءَ به إذا أنتم وفيتم له بميثاقه، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال: « عنى به الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم صلوات الله عليه » ، لأن الله جل ثناؤه ذكرَ بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنـزل كتابه على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم فيها، فقال: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، الآيات بعدها [ سورة المائدة: 12 ] مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه ومعرِّفَهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم.

فكان إذْ كان الذي ذكرهم فوعظهم به ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثلَه، ميثاقَ قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إليهم وإنـزال الكتاب عليهم واجبًا أن يكون الحال التي أخذ فيها الميثاق والموعوظين نظيرَ حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحة ما قلنا في ذلك وفسادُ خلافه.

وأما قوله: « واتقوا الله إنّ الله عليم بذات الصدور » ، فإنه وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين كانوا برسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه وتهدُّدًا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسوله وعهدهم الذي عاهدوه فيه بأن يضمروا له خِلاف ما أبدوا له بألسنتهم. .

يقول لهم جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدِّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم: « سمعنا وأطعنا » ، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيُحّل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلَّ بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النّقم، وتصيروا في معادِكم إلى سخط الله وأليم عقابه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري.

وأما قوله: « ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا » فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.

وقد ذَكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [ سورة النساء: 135 ] وفي قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [ سورة المائدة: 2 ] واختلاف المختلفين في قراءة ذلك، والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة بالأدلة الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت اليهود بقتله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى » ، نـزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله: « ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا » ... الآية.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 8 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « اعدلوا » أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه.

وأما قوله: « هو أقرب للتقوى » فإنه يعني بقوله: « هو » العدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئا من معاصيه.

وإنما وصف جل ثناؤه « العَدْل » بما وصفه به من أنه « أقرب للتقوى » من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه.

وإنما كنى بقوله: « هو أقرب » عن الفعل والعرب تكني عن الأفعال إذا كَنَتْ عنها بـ « هو » وبـ « ذلك » ، كما قال جل ثناؤه: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ سورة البقرة: 271 ] و ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [ سورة البقرة: 232 ] . ولو لم يكن في الكلام « هو » لكان « أقرب » نصبا، ولقيل: « اعدلوا أقربَ للتقوى » ، كما قيل: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [ سورة النساء: 171 ] .

وأما قوله: « واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون » ، فإنه يعني: واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله « إن الله خبير بما تعملون » ، يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات » ، وعد الله أيها الناس الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا بما واثقهم الله به، وأوفوا بالعقود التي عاقدَهم عليها بقولهم: « لنسمعن ولنطيعنَّ الله ورسوله » فسمعوا أمر الله ونهيه وأطاعوه، فعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه.

ويعني بقوله: « لهم مغفرة » لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم « مغفرة » وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها « وأجر عظيم » يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها « أجر عظيم » ، و « العظيم » من خيره غير محدود مبلغه، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره.

فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟

قيل: بلى إنه قد أخبَر عن الموعود، والموعود هو قوله: « لهم مغفرة وأجر عظيم » .

فإن قال: فإن قوله: « لهم مغفرة وأجر عظيم » خبرٌ مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل: « وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا » ، ولم يدخل في ذلك « لهم » ، وفي دخول ذلك فيه، دلالة على ابتداء الكلام، وانقضاء الخبر عن الوعد!

قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه من ذكر بعضٍ قد ترك ذكره فيه، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ويأجرهم أجرًا عظيما لأن من شأن العرب أن يُصْحِبوا « الوعد » « أن » ويعملوه فيها، فتركت « أن » إذ كان « الوعد » قولا. ومن شأن « القول » أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ، وذكر بعده جملة الخبر اجتزاءً بدلالة ظاهر الكلام على معناه، وصرفا للوعد الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا إلى معناه، فكأنه قيل: « قال الله: للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم » .

وكان بعض نحويي البصرة يقول، إنما قيل: « وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم » ، في الوعد الذي وُعِدوا فكأن معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات، لهم مغفرة وأجر عظيم، [ فيما وعدهم به ] .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 10 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « والذين كفروا » والذين جحدوا وحدانية الله، ونقضوا ميثاقه وعقودَه التي عاقدوها إياه « وكذبوا بآياتنا » يقول: وكذبوا بأدلّة الله وحججه الدالة على وحدانيته التي جاءت بها الرسل وغيرها « أولئك أصحاب الجحيم » يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم أهل « الجحيم » ، يعني: أهل النار الذين يخلُدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « يا أيها الذين آمنوا » يا أيها الذين أقرُّوا بتوحيد الله ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم « اذكروا نعمة الله عليكم » ، اذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليكم، فاشكروه عليها بالوفاء له بميثاقه الذي واثقكم به، والعقود التي عاقدتم نبيكم صلى الله عليه وسلم عليها. ثم وصف نعمته التي أمرهم جل ثناؤه بالشكر عليها مع سائر نعمه، فقال، هي كفُّه عنكم أيدي القوم الذين همُّوا بالبطش بكم، فصرفهم عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذه النعمة التي ذكّر الله جل ثناؤه أصحابَ نبيه صلى الله عليه وسلم بها، وأمرهم بالشكر له عليها.

فقال بعضهم: هو استنقاذ الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابَه مما كانت اليهود من بني النضير همُّوا به يوم أتوهم يستحملونهم دية العامريَّين اللذين قَتلهما عمرو بن أمية الضمري.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينَهم على دية العامريَّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمري. فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فَمَن رجلٌ يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا. فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ، وانصرف عنهم، فأنـزل الله عز ذكره فيهم وفيما أرادَ هو وقومه: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذْ همَّ قومٌ أن يبسطوا إليكم أيديهم » ... الآية.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم » ، قال: اليهود دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم، وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغَرِم ديةٍ غَرِمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القَهقَرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تَتَامُّوا إليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « اذكروا نعمة الله عليكم إذ هَمَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم » يهودُ حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم، وأصحابه من وراء جدار لهم، فاستعانهم في مغرم، في الدية التي غرمها ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي معترضا ينظرُ إليهم خِيفتَهم ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه. قال الله جل وعز: « فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » .

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني أبو معشر، عن يزيد بن أبي زياد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عَقْلٍ أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلي فقال: أعينوني في عَقْلٍ أصابني. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة! اجلس حتى نطعمَك ونعطَيك الذي تسألنا! فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ينتظرونه، وجاء حُييّ بن أخطب وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقربَ منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقْتُلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا ! فجاءوا إلى رحًى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فأقامه من ثَمَّ، فأنـزل الله جل وعز: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » ، فأخبر الله عزَّ ذكره نبيّه صلى الله عليه وسلم ما أرادوا به.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم » الآية، قال، يهودُ، دخلَ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا، فاستعانهم في مَغْرَمٍ غرمه، فائتمروا بينهم بقتله، فقام من عندهم فخرج معترِضًا ينظر إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الأنصاري أحدَ بني النجار وهو أحد النُّقباء ليلة العقبة فبعثه في ثلاثين راكبًا من المهاجرين والأنصار، فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقُتل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثة نَفَرٍ كانوا في طلب ضَالة لهم، فلم يرعهم إلا والطيرُ تحُوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها عَلَقُ الدم. فقال أحد النفر: قُتِل أصحابنا والرحمنِ! ثم تولّى يشتدُّ حتى لقي رجلا فاختلفا ضربتين، فلما خالطته الضربة، رفع رأسه إلى السماء ففتح عينيه ثم قال: الله أكبر، الجنةُ وربّ العالمين!! فكان يُدْعى « أعنقَ لِيَمُوت » ، ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما مُوَادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر، فقتلاهما. وقدِم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليُّ وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا إلى كعب بن الأشرف ويهود النضير، فاستعانهم في عَقْلهما. قال، فاجتمعت اليهودُ لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتَلُّوا بصنيعة الطعام، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بالذي أجمعت عليه يهودُ من الغَدر، فخرج ثم دعا عليًّا، فقال، لا تبرح مَقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنِّي فقل: « وجّه إلى المدينة فأدركوه » . قال: فجعلوا يمرُّون على عليّ، فيأمرهم بالذي أمرَه حتى أتى عليه آخرُهم، ثم تبعهم، فذلك قوله: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [ سورة المائدة: 13 ] .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك في قوله: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفّ أيديهم عنكم » قال: نـزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدِروا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل النعمة التي ذكرها الله في هذه الآية، فأمر المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم بالشُّكر له عليها: أنَّ اليهود كانت هَمَّت بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم في طعامٍ دعوه إليه، فأعلم الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم ما همُّوا به، فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم » إلى قوله: « فكف أيديهم عنكم » وذلك أن قوما من اليهود صَنَعوا لرسول الله وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأتِ الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه.

وقال آخرون: عنى الله جل ثناؤه بذلك: النعمةَ التي أنعمها على المؤمنين باطلاع نبيّه صلى الله عليه وسلم على ما همَّ به عدوّه وعدوُّهم من المشركين يوم بَطْن نَخْلٍ من اغترارهم إياهم، والإيقاع بهم، إذا هُم اشتغلوا عنهم بصلاتهم، فسجدوا فيها وتعريفِه نبيَّه صلى الله عليه وسلم الِحذَار من عدوّه في صَلاته بتعليمه إيَّاه صلاة الخوف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم » ... الآية، ذكر لنا أنها نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببَطْنِ نخل في الغَزْوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتِكوا به، فأطلعه الله على ذلك. ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم وسيفُه موضوع، فقال: آخذه، يا نبي الله؟ قال: خذه! قال: أستلُّه؟ قال: نعم! فسلَّه، فقال، من يمنعك منِّي؟ قال: « الله يمنعُني منك » !. فهدّده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له القول، فشامَ السَّيف وأمر نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالرحيل، فأنـزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نـزل منـزلا وتفرَّق الناس في العِضاه يستظِلُّون تحتها، فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحَه بشجرةٍ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسلَّه، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: « الله » ، فشامَ الأعْرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبرَ الأعرابيّ، وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا، وذكر أنَّ قومًا من العرب أرادُوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابي. وتأوّل: « اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم » ، الآية.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا صلى الله عليه وسلم مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها. ثم أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله: « إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم » وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم. لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالفه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واحذرُوا الله، أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم، وأن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقابَ الذي لا قبل لكم به « وعلى الله فليتوكل المؤمنون » يقول: وإلى الله فليُلْقِ أزمَّة أمورهم، ويستسلم لقضائه، ويثقْ بنصرته وعونه المقروّن بوحدانيّة الله ورسالة رسوله، العاملون بأمره ونهيه، فإن ذلك من كمال دينهم وتمامِ إيمانهم وأنّهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء، كما حفظكم ودافع عنكم، أيها المؤمنون اليهودَ الذين همُّوا بما همُّوا به من بسط أيديهم إليكم، كلاءَةً منه لكم، إذ كنتم من أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره، فإن غيره لا يطيق دَفْع سوءٍ أراد بكم ربُّكم ولا اجتلابَ نفعٍ لكم لم يقضه لكم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا

قال أبو جعفر: وهذه الآية أنـزلتْ إعلامًا من الله جلّ ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليهم من اليهود. كالذي:-

حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن في قوله: « ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل » قال: اليهود من أهل الكتاب.

وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقِهم وأخلاقِ أسلافهم قديما واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود، بإطلاعه إيَّاه على ما كان علمه عندَهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم وتوبيخا لليهود في تمادِيهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر، مع علمهم بخطأ ما هم عليه مقيمون.

يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمرَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما همُّوا به لكم، ولا أمرَ الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسْلافهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على منهاج أوَّلهم وطريق سَلَفِهم. ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعضِ غَدَراتهم وخياناتهم وجراءَتهم على ربهم ونقضهم ميثاقَهم الذي واثقَهم عليه بَارِئُهم، مع نعمه التي خصَّهم بها، وكراماته التي طوّقهم شكرها، فقال، ولقد أخذ الله ميثاق سَلَف من همّ ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل، يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: « ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل » قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدُوا غيره.

« وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا » يعني بذلك: وبعثنا منهم اثني عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه.

و « النقيب » في كلام العرب، كالعَرِيف على القوم، غير أنه فوق « العريف » . يقال منه: « نَقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نَقْبًا فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا » ، قيل: « قد نَقُبَ فهو ينقُب نَقَابة » ومن « العريف » : « عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافَةً » . فأما « المناكب » فإنهم كالأعوان يكونون مع العُرفاء، واحدهم « مَنْكِب » .

وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم.

فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله.

فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا » ، من كل سِبْط رجل شاهد على قومه.

وقال آخرون: « النقيب » ، الأمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: « النقباء » الأمناء.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

وإنما كان الله عز ذكره أمر موسى نبيّه صلى الله عليه وسلم ببعثة النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشأم، ليتحسَّسوا لموسى أخبارَهم إذْ أراد هلاكهم، وأن يورِّث أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث مُوسى الذين أمَره الله ببعثهم إليها من النقباء، كما:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أرْيَحَا، وهى أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل. فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبَّارين يقال له « عاج » ، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حُجْزَته وعلى رأسه حَمْلَةُ حطب. فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرَحَهم بين يديها، فقال، ألا أطْحَنُهم برجلي! فقالت امرأته: بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومَهم بما رأوا. ففعل ذلك. فلما خرج القومُ، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبرَ القوم، ارتدُّوا عن نبيِّ الله عليه السلام، ولكن اكتموه وأخبروا نَبِيَّ الله، فيكونان هما يَرَيان رأيهما! فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهدَ، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من [ أمر ] « عاج » وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الخبرَ، فذلك حين يقول الله « ولقد أخذ الله ميثاقَ بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « اثني عشر نقيبا » من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم يُلقونهم إلقاءً ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نـزع حبُّها خمسة أنفس أو أربع. فرجع النقباء كلٌّ منهم يَنْهى سِبْطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكلاب بن يافنة، يأمران الأسباط بقتال الجبابرة وبجهادهم، فعصوا هذين وأطاعُوا الآخرين.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه إلا أنه قال: من بني إسرائيل رجالٌ وقال أيضا: يلقونهما.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدّسة، وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنـزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدوّ، فإني ناصركم عليهم، وخُذ من قومك اثني عشر نقيبًا من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول لكم: إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ... إلى قوله: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبا اختارهم من الأسباط كفلاء على قومهم بما هم فيه، على الوفاء بعهده وميثاقه. وأخذ من كل سبط منهم خيرَهم وأوفاهم رجلا. يقول الله عز وجل: « ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا » فسار بهم موسى إلى الأرض المقدّسة بأمر الله، حتى إذا نـزل التيه بين مصر والشام وهي بلاد ليس فيها خَمَرٌ ولا ظلّ دعا موسى ربه حين آذاهم الحرّ، فظلَّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنـزل الله عليهم المنَّ والسلوى. وأمر الله موسى فقال: أَرْسل رجالا يتحسسّون إلى أرض كنعان التي وهبت لبني إسرائيل من كل سبط رجلا. فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، [ فبعث الله جل وعزّ من برّية فاران بكلام الله، وهم روءس بني إسرائيل ] . وهذه أسماء الرَّهط الذين بعث الله جل ثناؤه من بني إسرائيل إلى أرض الشام، فيما يذكر أهل التوراة ليجوسوها لبني إسرائيل من سبط روبيل: « شامون بن زكوّن » ومن سبط شمعون: « شافاط بن حُرّي » ومن سبط يهوذا: « كالب بن يوفنّا ومن سبط أتين: » يجائل بن يوسف « ومن سبط يوسف: وهو سبط أفرائيم: » يوشع بن نون « ومن سبط بنيامين » فلط بن رفون « ومن سبط زبالون: » جدي بن سودي ومن سبط منشا بن يوسف: « جدي بن سوسا ومن سبط دان: » حملائل بن جمل « ومن سبط أشر: ساتور بن ملكيل » ومن سبط نفتالي: « نحى بن وفسي » ومن سبط جاد: « جولايل بن ميكي » .

فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسّسون له الأرض ويومئذ سمى « هوشع بن نون » : « يوشع بن نون » فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قِبَل الشمس، فارقوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشعب الذي يسكنون، أقوياء هم أم ضعفاء، أقليل هم أم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون: أسمينة هي [ أم هزيلة ] ؟ أذات شجر أم لا؟ اجتازوا، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض. وكان ذلك في أول ما أشجن بكر ثمرة العنب.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا » فهم من بني إسرائيل، بعَثهم موسى لينظُروا له إلى المدينة. فانطلقوا فنظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبّة من فاكهتهم وِقْرَ رجلٍ، فقالوا: اقدُروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك فُتِنوا فقالوا: لا نستطيع القتال، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ سورة المائدة: 24 ] .

حدثت عن الحسين بن الفرج المروزي قال: سمعت أبا مُعاذ الفضلَ بن خالد يقول في قوله: « وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا » أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها ! فأبوا وجَبُنوا، وبعثُوا اثني عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة من فاكهتهم بوِقْرِ الرجل، فقالوا: اقدورا قوة قوم وبأسهم، هذه فاكهتهم!! فعند ذلك قالوا لموسى: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ ) .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الله لبني إسرائيل: « إني معكم » ، يقول: إني ناصركم على عدوّكم وعدوِّي الذين أمرتكم بقتالهم، إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم.

وفي الكلام محذوف، استغنى بما ظهر من الكلام عما حذف منه. وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لَهُم إني معكم فترك ذكر « لهم » ، استغناء بقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إذ كان مُتقدّم الخبر عن قوم مسمَّين بأعيانهم، فكان معلومًا أن ما في سياق الكلام من الخبر عنهم، إذ لم يكن الكلام مصروفًا عنهم إلى غيرهم.

ثم ابتدأ ربُّنا جل ثناؤه القسمَ فقال: قسمًا لئن أقمتم، معشر بني إسرائيل، الصلاة « وآتيتم الزكاة » ، أي: أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها « وآمنتم برسلي » يقول: وصدّقتم بما آتاكم به رسلي من شرائع ديني.

وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: أنّ موسى صلى الله عليه وسلم قال للنقباء الاثني عشر: سيروا إليهم يعني: إلى الجبارين فحدثوني حديثهم، وما أمْرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنًا.

قال أبو جعفر: وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غيرَ أن من قضاءِ الله في جميع خلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، ووليّ من اتّبع أمره وتجنّب معصيتَه وتحامَى ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به. لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم. فكان ذلك بأن يكون ندبًا للقوم جميعا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه، أحق وأولى من أن يكون ندبًا لبعضٍ وحضًّا لخاصّ دون عامّ.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « وعزرتموهم » .

فقال بعضهم: تأويل ذلك: ونصرتموهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وعزرتموهم » قال: نصرتموهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « وعزرتموهم » قال: نصرتموهم بالسيف.

وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول في قوله: « وعزرتموهم » قال: « التعزيز » و « التوقير » ، الطاعة والنصرة.

واختلف أهل العربية في تأويله.

فذكر عن يونس [ الحرمري ] أنه كان يقول تأويل ذلك: أثنيتم عليهم.

حدثت بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عنه .

وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقّرتموهم وعظمتوهم وأيَّدتموهم، وأنشد في ذلك:

وَكَــمْ مِــنْ مَــاجِدٍ لَهُـمُ كَـرِيمٍ وَمِــنْ لَيْــثٍ يُعَـزَّرُ فـي النَّـدِيِّ

وكان الفراء يقول: « العَزْر » الردُّ « عَزَرته » ، رددته: إذا رأيته يظلم فقلت: « اتق الله » أو نهيته، فذلك « العزر » .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب، قول من قال: « معنى ذلك: نصرتموهم » . وذلك أن الله جل ثناؤه قال في « سورة الفتح » : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ سورة الفتح: 8، 9 ] فـ « التوقير » هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه.

وأما قوله: « وأقرضتم الله قرضا حسنًا » فإنه يقول: وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم « قرضا حسنًا » يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره.

فإن قال لنا قائل: وكيف قال: « وأقرضتم الله قرضا حسنا » ولم يقل: « إقراضا حسنًا » ، وقد علمت أن مصدر « أقرضت » « الإقراض » ؟

قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله: « قرضًا حسنًا » أخرج مصدرًا من معناه لا من لفظه. وذلك أن في قوله: « أقرض » معنى « قرض » ، كما في معنى « أعطى » « أخذ » . فكان معنى الكلام: وقَرَضْتم الله قرضًا حسنًا، ونظير ذلك: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [ سورة نوح: 17 ] إذ كان في « أنبتكم » معنى: « فنبتم » ، وكما قال امرؤالقيس:

وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إِذْلالِ

إذ كان في « رضت » معنى « أذللت » ، فخرج « الإذلال » مصدرا من معناه لا من لفظه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جل ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة، أيها القوم الذين أعطوني ميثاقَهم بالوفاء بطاعتي واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائرَ ما وعدتكم عليه جنّتي « لأكفرن عنكم سيئاتكم » ، يقول: لأغطين بعفوي عنكم- وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم - على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم

« ولأدخلنكم » مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة « جنات تجري من تحتها الأنهار » .

فـ « الجنات » البساتين.

وإنما قلت معنى قوله: « لأكفرّن » لأغطين، لأن « الكفر » معناه الجحود، والتغطية، والستر، كما قال لبيد:

فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا

يعني: « غطاها » ، فـ « التكفير » « التفعيل » من « الكَفْر » .

واختلف أهل العربية في معنى « اللام » التي في قوله: « لأكفرن » .

فقال بعض نحويي البصرة: « اللام » الأولى على معنى القسم يعني « اللام » التي في قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ قال: والثانية معنى قسمٍ آخر.

وقال بعض نحويي الكوفة: بل « اللام » الأولى وقعت موقع اليمين، فاكتفى بها عن اليمين يعني بـ « اللام الأولى » : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ . قال، و « اللام » الثانية يعني قوله: « لأكفرنّ عنكم سيئاتكم » جواب لها، يعني « اللام » التي في قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ واعتلّ لقيله ذلك بأن قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ غير تام ولا مستغنٍ عن قوله: « لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ » . وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله: « لأكفرنّ عنكم سيئاتكم » قسما مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابًا لليمين إذْ كانت غير مستغنية عنه.

وقوله: ( تجري من تحتها الأنهار ) يقول: تجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 12 )

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي « فقد ضلَّ سواء السبيل » يقول: فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد.

« والضلال » ، الركوب على غير هدى، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

وقوله « سواء » يعني به: وسط: و « السبيل » ، الطريق.

وقد بيَّنا تأويل ذلك كله في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ

قال أبو جفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهدَ الذي بينك وبينهم، غدرًا منهم بك وبأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سَلَفهم، ومن ذلك أنَّي أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى الله عليه وسلم على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبًا وقد تُخُيِّرُوا من جميعهم ليتحسَّسُوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصرَ عليهم، وأن أورثهم أرضَهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العِبَر والآيات- بإهلاك فرعون وقومِه في البحر، وفلق البحر لهم، وسائر العبر- ما أريتهم، فنقضوا مِيثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. فإذْ كان ذلك من فعل خيارهم مع أياديَّ عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل أرَاذلهم.

وفى الكلام محذوف اكتُفِي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ - فنقضوا الميثاق، فلعنتهم « فبما نقضْهم ميثاقهم لعناهم » فاكتفى بقوله: « فبما نقضهم ميثاقهم » من ذكر « فنقضوا » .

ويعني بقوله جل ثناؤه: « فبما نقضهم ميثاقهم » ، فبنقضهم ميثاقهم، كما قال قتادة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم » يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: « فبما نقضهم ميثاقهم » قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه.

وقد ذكرنا معنى « اللعن » في غير هذا الموضع.

و « الهاء والميم » من قوله: « فبما نقضهم » عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهلِ المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: ( قَاسِيَةً ) بالألف

على تقدير « فاعلة » من « قسوة القلب » ، من قول القائل: « قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ » ، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا كما قال الراجز:

وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي

فتأويل الكلام على هذه القراءة: فلعنَّا الذين نقضوا عهدي ولم يفُوا بميثاقي من بني إسرائيل، بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني « وجعلنا قلوبهم قاسية » ، غليظة يابسةً عن الإيمان بي، والتوفيق لطاعتي، منـزوعةً منها الرأفةُ والرحمة.

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) .

ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك معنى « القسوة » ، لأن « فعيلة » في الذم أبلغ من « فاعلة » ، فاخترنا قراءتها « قسية » على « قاسية » لذلك.

وقال آخرون منهم: بل معنى « قسِيَّة » غير معنى « القسوة » ، وإنما « القسية » في هذا الموضع: القلوبُ التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كُفْر، كالدراهم « القَسِيَّة » ، وهي التي يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير ذلك، كما قال أبو زُبَيْد الطائي:

لَهَـا صَـوَاهِلُ فِـي صُـمِّ السِّلامِ كَمَا صَـاحَ القَسِـيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ

يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي « السِّلام » .

قال أبو جعفر: وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) على « فعيلة » ، لأنها أبلغ في ذم القوم من « قاسية » . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: « فعيلة » من « القسوة » ، كما قيل: « نفس زكيّة » و « زاكية » ، و « امرأة شاهدة » و « شهيدة » ، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودَنا من بني إسرائيل قَسِيَّة، منـزوعا منها الخير، مرفوعًا منها التوفيق، فلا يؤمنون ولا يهتدون، فهم لنـزعِ الله عز وجل التوفيقَ من قلوبهم والإيمانَ، يحرّفون كلام ربِّهم الذي أنـزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة، فيبدّلونه، ويكتبون بأيديهم غير الذي أنـزله الله جل وعز على نبيهم، ثم يقولون لجهال الناس: « هذا هو كلام الله الذي أنـزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أوحاها إليه » . وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود، ممن أدرك بعضُهم عصرَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عزّ ذكره أدخلهم في عِدَاد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرَك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله، والفرية عليه، ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « يحرّفون الكلم عن مواضعه » يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ

يعني تعالى ذكره بقوله: « ونسوا حظًّا » وتركوا نصيبا، وهو كقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ سورة التوبة: 67 ] أي: تركوا أمر الله فتركهم الله.

وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ونسوا حظًّا مما ذكروا به » يقول: تركوا نصيبًا.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: « ونسوا حظًّا مما ذكروا به » قال: تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقْبل الأعمال إلا بها.

.................................................

................................................

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ

قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا محمد تَطَّلع من اليهود الذين أنبأتك نبأهم، من نقضهم ميثاقي، ونكثهم عهدي، مع أياديَّ عندهم، ونعمتي عليهم على مثل ذلك من الغدر والخيانة « إلا قليلا منهم » ، إلا قليلا منهم [ لم يخونوا ] .

و « الخائنة » في هذا الموضع: الخيانة، وُضع وهو اسمٌ- موضع المصدر، كما قيل: « خاطئة » ، للخطيئة و « قائلة » للقيلولة.

وقوله: « إلا قليلا منهم » ، استثناء من « الهاء والميم » اللتين في قوله: « على خائنة منهم » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « ولا تزال تطلع على خائنة منهم » قال: على خيانة وكذب وفجور.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعزّ: « ولا تزال تطلع على خائنة منهم » قال: هم يهودُ مِثْلُ الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل حائطهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة قوله: « ولا تزال تطلع على خائنة منهم » من يهود مثلُ الذي همُّوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم.

وقال بعض القائلين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، قال: والعرب تزيد « الهاء » في آخر المذكر كقولهم: « هو راوية للشعر » ، و « رجل علامة » ، وأنشد:

حَـدَّثْتَ نَفْسَـكَ بِالوَفَـاءِ ولَـمْ تَكُـنْ لِلغَــدْرِ خَائِنَــةً مُغِــلَّ الإصْبَـعِ

فقال: « خائنة » ، وهو يخاطب رجلا.

قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في ذلك، القولُ الذي رويناه عن أهل التأويل. لأنّ الله عنى بهذه الآية، القوم من يهود بني النضير الذين همُّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامريّين، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد همُّوا به. ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفِه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأنَّ آخرهم على منهاج أوّلهم في الغدر والخيانة، لئلا يكبُر فعلُهم ذلك على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال جل ثناؤه: ولا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة وغدرٍ ونقضِ عهد ولم يرد أنّه لا يزال يطلع على رجل منهم خائنٍ. وذلك أن الخبر ابتُدِئ به عن جماعتهم فقيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، ثم قيل: « وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ » ، فإذ كان الابتداء عن الجماعة، فالختْمُ بالجماعة أولى.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 )

قال أبو جعفر: وهذ أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه.

وكان قتادة يقول: هذه منسوخة. ويقول: نسختها آية « براءة » : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الآية [ سورة التوبة: 29 ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « فاعف عنهم واصفح » ، قال: نسختها: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة: « فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين » ، ولم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح. ثم نسخ ذلك في « براءة » فقال: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ سورة التوبة: 29 ] ، وهم أهل الكتاب، فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يقرُّوا بالجزية.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة، نحوه.

قال أبو جعفر: والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافهِ الذي كان قبله، فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس في قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دلالةٌ على الأمر بنفي معاني الصَّفح والعفو عن اليهود.

وإذ كان ذلك كذلك وكان جائزًا مع إقرارهم بالصَّغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمرُ بالعفو عنهم في غَدْرة همُّوا بها، أو نكثةٍ عزموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا حربًا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمَتِهم لم يكن واجبا أن يحكم لقوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الآية، بأنه ناسخ قوله: « فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين » .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتي وأداء فرائضي، واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذتُه عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينَهم، ونقضوه نقضَهم، وتركوا حظّهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي، وضيَّعوا أمري، كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًّا مما ذكروا به » ، نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي عهده إليهم، وأمرَ الله الذي أمرهم به.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًّا مما ذكروا به.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فأغرينا بينهم » حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء.

يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى، الذين أخذتُ ميثاقهم بالوفاء بعهدي، حظَّهم مما عهدتُ إليهم من أمري ونهيي، أغريتُ بينهم العداوة والبغضاء.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة « إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء » .

فقال بعضهم: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي في قوله: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء » ، قال: هذه الأهواء المختلفة والتباغُض، فهو الإغراء.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب قال: سمعت النخعي يقول: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء » ، قال: أغرى بعضهم ببعض بخصُومات بالجدال في الدين.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي والتّيمي، قوله: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء » ، قال: ما أرى « الإغراء » في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تُحْبِط الأعمال.

وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة » الآية، إنّ القوم لما تركوا كتابَ الله، وعصَوْا رسله، وضَيّعوا فرائضه، وعطّلوا حدُوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعْمالهم أعمالِ السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمرَه، ما افترقوا ولا تباغَضُوا.

قال أبو جعفر: وأولى التأولين في ذلك عندنا بالحق، تأويلُ من قال: « أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم » ، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله.

واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بـ « الهاء والميم » اللتين في قوله: « فأغرينا بينهم » .

فقال بعضهم: عني بذلك اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وقال في النصارى أيضا: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، فلما فعلوا ذلك، أغرى الله عز وجل بينَهم وبين اليهود العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة » ، قال: هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تُغْري بين اثنين من البهائم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء » ، قال: اليهود والنصارى.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك النصارَى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت « الهاء والميم » في « بينهم » ، دون اليهود.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن الله عز ذكره تقدَّم إلى بني إسرائيل: أن لا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرًا، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذُوا الرّشوة في الحكم، وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ سورة المائدة: 64 ] ، وقال في النصارى: « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » .

قال أبو جعفر: وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة وأنّ « الهاء والميم » عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر « الإغراء » في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا.

فإن قال قائل: وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك؟ قيل: ذلك عداوة النسطوريةِ واليعقوبيةِ، الملكيةَ والملكيةِ النسطوريةَ واليعقوبيةَ. وليس الذي قاله من قال: « معنيٌّ بذلك: إغراء الله بين اليهود والنصارى » ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي، وأشبهُ بتأويل الآية، لما ذكرنا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أهل الكتاب » من اليهود والنصارى « قد جاءكم رسولنا » ، يعني محمّدا صلى الله عليه وسلم، كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا » ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: « يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب » ، يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين.

وقيل: إن هذه الآية نـزلت في تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك للناس، من إخفائهم ذلك من كتابهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: « يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب » ، فكان الرجمُ مما أخفوا. .

حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَّويه، أخبرنا علي بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله. .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: « يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم » ، إلى قوله: صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، قال: إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال، سل عما شئت، قال، « أنت أعلمهم؟ » قال: إنهم ليزعمون ذلك! قال: فناشده بالذي أنـزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب أحسبه قال: الإبل قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنـزل الله فيهم: « يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيين لكم » ، الآية وهذه الآية: وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [ سورة البقرة: 76 ] .

وقوله: « ويعفو عن كثير » يعني بقوله: « ويعفو » ، ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنـزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به. .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ( 15 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: « قد جاءكم » ، يا أهل التوراة والإنجيل « من الله نور » ، يعني بالنور، محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.

وقوله: « وكتاب مبين » ، يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ، « وكتاب مبين » ، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنـزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ

قال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله ويعني بقوله: « يهدي به الله » ، يرشد به الله ويسدِّد به، و « الهاء » في قوله: « به » عائدة على « الكتاب » « من اتبع رضوانه » ، يقول: من اتبع رِضَى الله.

واختلف في معنى « الرضى » من الله جل وعز.

فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء « ، القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل. »

وقال آخرون: معنى « الرضى » من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني: « الرضى » الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي. قالوا: فالرضا معنًى، و « الثناء » و « المدح » معنًى ليس به.

ويعني بقوله: « سُبُل السلام » ، طرق السلام و « السلام » ، هو الله عزَّ ذكره.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « من اتبع رضوانه سبل السلام » ، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه « ويخرجهم » ، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه و « الهاء والميم » في: « ويخرجهم » إلى من ذُكر « من الظلمات إلى النور » ، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه « بإذنه » ، يعني: بإذن الله جل وعز. و « إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. »

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 )

قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله: « ويهديهم » ، ويرشدهم ويسددهم « إلى صراط مستقيم » ، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ

قال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.

يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم و « كفرهم » في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه.

وقد بينا معنى: « المسيح » فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم: « من يملك من الله شيئًا » ، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.

من قول القائل: « ملكت على فلان أمره » ، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به.

وقوله: « إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا » ، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا.

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون أنّه هو الله، وليس كذلك لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نـزل ذلك. ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ

قال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما يعني: وما بين السماء والأرض يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.

يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نـزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.

فقال جل ثناؤه: « وما بينهما » ، وقد ذكر « السموات » بلفظ الجمع، ولم يقل: « وما بينهن » ، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي:

طَرَقَــا, فَتِلْـكَ هَمَـاهِمِي, أَقْرِيهِمَـا قُلُصًــا لَــوَاقِحَ كَالقِسِـيِّ وَحُـولا

فقال: « طرقا » ، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: « فتلك هَمَاهمي » ، فرجع إلى معنى الكلام.

وقوله: « يخلق ما يشاء » ، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 )

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نـزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.

وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بن أضَاء وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!! كقول النصارى، فأنـزل الله جل وعز فيهم: « وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه » ، إلى آخر الآية.

وكان السدي يقول في ذلك بما:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه » ، أما « أبناء الله » ، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [ سورة آل عمران: 24 ] . وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله.

والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: « نحن الأجواد الكرام » ، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير:

نَدَسْــنَا أَبَـا مَنْدُوسَـةَ القَيْـنَ بِالقَنَـا وَمَــارَ دَمٌ مِـنْ جَـارِ بَيْبَـةَ نَـاقعُ

فقال: « نَدَسْنَا » ، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.

وقوله: « وأحباؤه » ، وهو جمع « حبيب » .

يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم « فلم يعذبكم » ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه « بل أنتم بشر ممن خلق » ، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.

وقد بينا معنى « المغفرة » ، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. .

« ويعذب من يشاء » يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.

وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، واصطبارهم على ما نابهم فيه. يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانـزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.

وكان السدي يقول في ذلك بما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء » ، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )

قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يا أهل الكتاب » ، اليهودَ الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نـزلت هذه الآية. وذلك أنهم أو: بعضهم، فيما ذكر لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعثَ الله من نبيّ بعد موسى، ولا أنـزل بعد التوراة كتابًا!

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله! لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته! فقال رافع بن حُرَيملة ووهب بن يهودا ما قلنا هذا لكم، وما أنـزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده! فأنـزل الله عز وجل في [ ذلك من ] قولهما « يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ والله على كل شيء قدير » .

ويعني بقوله جل ثناؤه: « قد جاءكم رسولنا » ، قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم رسولنا « يبين لكم » ، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل » ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالفرقان الذي فرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به.

« على فترة من الرسل » ، يقول: على انقطاع من الرسل و « الفترة » في هذا الموضع الانقطاع يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل.

و « الفترة » « الفعلة » من قول القائل: « فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا » ، وذلك إذا هدأ وسكن. وكذلك « الفترة » في هذا الموضع، معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها.

ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه ما:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « على فترة من الرسل » قال: كان بين عيسى ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون سنة.

وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه قوله: « قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل » ، قال: كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما خمسمائة سنة وأربعون سنة قال معمر، قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة.

وقال آخرون بما:-

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: « على فترة من الرسل » ، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، أربعمائة سنة وبضعًا وثلاثين سنة.

ويعني بقوله: « أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير » أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ سورة النساء: 176 ] ، بمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا.

فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، كي لا تقولوا ما جاءَنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عز ذكره أنه قد قطَع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغ إليهم في الحجة.

ويعني بـ « البشير » ، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه من عند الله، بعظيم ثوابه في آخرته وبـ « النذير » ، المنذر من عصاه وكذّب رسولَه صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده، وشديد عذابه في قِيامته.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم، وأرسلناه إليكم ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا: « لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة » ، فقد جاءكم من عندي رسول يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أرادَه، ولا يفوته شيء طلبه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا أيضا من الله تعريفٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قديمَ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدِهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم مسلِّيًا بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من علاجهم، وينـزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن الله، والبعد من الحق، وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم واذْكُر إذ قال موسى لهم: « يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم » ، يقول: اذكروا أيادِي الله عندكم، وآلاءه قبلكم، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة: « اذكروا نعمة الله عليكم » ، قال: أيادي الله عندكم وأيَّامه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « اذكروا نعمة الله عليكم » يقول: عافية الله عز وجل.

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت « العافية » أحد معاني « النعم » .

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنَّ موسى ذكَّر قومه من بني إسرائيل بأيَّام الله عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم، بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه، ويخبرونكم بأنباء الغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا.

فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم موسى إذ صار إلى الجبل، وهم السبعون الذين ذكرهم الله فقال: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا [ سورة الأعراف: 155 ] .

« وجعلكم ملوكًا » سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.

وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحدٌ سواهم يخدُمه أحد من بني آدم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكًا » ، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا.

وقال آخرون: كل من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو « ملك » ، كائنًا من كان من الناس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا أبو هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك.

حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: « وجعلكم ملوكًا » فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: « وجعلكم ملوكًا » ، فقال: وهل المُلْك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟

فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواج.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور قال: أراه عن الحكم: « وجعلكم ملوكًا » ، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم، عُدَّ ملكًا.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان عن منصور، عن الحكم: « وجعلكم ملوكًا » قال: الدار والمرأة، والخادم قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: « وجعلكم ملوكًا » قال: البيت والخادم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: « وجعلكم ملوكًا » قال: الزوجة والخادم والبيت.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وجعلكم ملوكًا » قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله: « وجعلكم ملوكًا » قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمَّى مَلِكًا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « وجعلكم ملوكًا » قال: مُلْكُهم الخدم قال قتادة: كانوا أوَّل من مَلك الخدم.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: « وجعلكم ملوكًا » قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

وقال آخرون: إنما عنى بقوله: « وجعلكم ملوكًا » أنهم يملكون أنفُسَهم وأهلِيهم وأموالهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وجعلكم ملوكًا » يملك الرجل منكم نفسَه وأهلَه ومالَه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ( 20 )

قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب.

فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » ، قالا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عُنِي به قوم موسى صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، هم قوم موسى.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » ، قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ.

ثم اختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين.

فقال بعضهم: هو المنّ والسلوى والحجر والغمام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين » ، يعني: أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.

وقال آخرون: هو الدَّار والخادِم والزوجة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: « وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين » ، المنّ والسلوى والحجر والغمام.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » ، في سياق قوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ومعطوفٌ عليه.

ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم.

فإن ظن ظان أن قوله: « وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين » ، لا يجوز أن يكون لهم خطابًا، إذ كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها عليه السلام محمّدٍ، ما لم يُؤتَ أحدٌ غيرهم، وهم من العالمين فقد ظنَّ غير الصواب. وذلك أن قَوله: « وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين » ، خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه صلى الله عليه وسلم، أحد من العالمين. فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك، لا على جميع [ عالم ] كلِّ زمان.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل، وأمرِه إياهم عن أمر الله إياه بأمرهم بدخول الأرض المقدسة.

ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بـ « الأرض المقدَّسة » .

فقال بعضهم: عنى بذلك الطورَ وما حوله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « الأرض المقدسة » الطور وما حوله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: « ادخلوا الأرض المقدسة » ، قال: الطور وما حوله.

وقال آخرون: هو الشأم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « الأرض المقدسة » قال: هي الشأم.

وقال آخرون: هي أرض أريحا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم » قال: أريحا.

حدثني يوسف بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هي أريحا.

حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي أريحا.

وقيل: إن « الأرض المقدسة » دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ.

وعنى بقوله: « المقدسة » المطهرة المباركة، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « الأرض المقدسة » ، قال: المباركة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك.

ويعني بقوله: « التي كتب الله لكم » التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها.

فإن قال قائل: فكيف قال: « التي كتب الله لكم » ، وقد علمت أنَّهم لم يدخلوها بقوله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؟ فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرمًا عليهم سكناها؟

قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارًا ومساكن، وقد سكنوها ونـزلوها وصارت لهم، كما قال الله جل وعز. وإنما قال لهم موسى: « ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم » ، يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل، وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم.

ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم ولخاص منهم فأخرج الكلام على العموم، والمراد منه الخاص، إذ كان يُوشع وكالب قد دخلا وكانا ممن خوطب بهذا القول كان أيضًا وجهًا صحيحًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، « التي كتب الله لكم » ، التي وهب الله لكم.

وكان السدي يقول: معنى « كتب » في هذا الموضع، بمعنى: أمر.

حدثنا بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم » ، التي أمركم الله بها.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( 21 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة « ولا ترتدوا » يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين « على أدباركم » يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا.

ويعني بقوله: « فتنقلبوا خاسرين » ، أي: تنصرفوا خائبين هُلَّكًا.

وقد بينا معنى « الخسارة » في غير هذا الموضع، بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع.

فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه، إذْ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: « لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين » ، أوَ يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضًا جعلت له؟

قيل: إن الله عز ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم إذًا فرض الله عليهم من وجهين: أحدُهما: تضييع فرض الجهاد الذي كان الله عز ذكره فرضه عليهم والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ : « إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون » .

وكان قتادة يقول في ذلك بما:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا، إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها، قومًا جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم. وسموهم « جبّارين » ، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم.

وأصل « الجبار » ، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه « جبار » ، وإنما هو « فعّال » من قولهم: « جبر فلان هذا الكسر » ، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز:

قَــدْ جَــبَرَ الــدِّينَ الإلـهُ فَجَـبَرْ وَعَـوَّرَ الرَّحـمنُ مَـنْ وَلَّـى العَـوَرْ

يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره « الجبار » ، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته.

ومما ذكرته من عظم خلقهم ما:-

حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قصة ذكرها من أمر مُوسى وبني إسرائيل، قال، ثم أمرهم بالسير إلى أريحا وهي أرض بيت المقدس فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له: « عاج » ، فأخذ الاثنى عشر فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حَمْلة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته فقال، انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يُخْبروا قومهم بما رأوا! ففعل ذلك.

حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نـزل قريبًا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: « إن فيها قومًا جبَّارين » ، ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: « إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم » وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: « سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا » وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: « فإنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم » !! وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّثوه العجب.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدُوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاءً، ولا يحمل عنقود عِنبهم إلا خمسة أنفُسٍ بينهم في خشبة، ويدخُل في شطر الرمانة إذا نـزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثني محمد بن الوزير بن قيس، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك: « إن فيها قومًا جبارين » قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ( 22 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قولِ قوم موسى لموسى، جوابًا لقوله لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، فقالوا: « إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها » ، يعنون: [ حتى يخرج ] من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يَدَان.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى: « يوشع بن نون » و « كالب بن يافنا » ، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه، كما:-

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ح، وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي، عن سفيان ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان عن منصور، عن مجاهد: « قال: رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، قال: كلاب بن يافنا، ويوشع بن نون.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد قال: « رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، قال: يوشع بن نون، وكلاب بن يافنا، وهما من النقباء.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قصة ذكرها، قال: فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما.

حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدي إلا أنّ ابن حميد قال في حديثه: هما من الاثنى عشر نقيبًا.

حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: فرجعوا يعني النقباء الاثنى عشر إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة. قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة فإنهما كتما ولم يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله عز وجل: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، إلى قوله: وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى.

حدثنا سفيان قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ذكر لنا أن الرجلين: يوشع بن نون وكالب.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ: « لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم » وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب- فقالا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ إلى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: « قال رجلان من الذين يخافون » .

قرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشام: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) بفتح « الياء » من « يخافون » ، على التأويل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفًا، أنهما يوشع بن نون وكالب، من قوم موسى، ممن يخاف الله، وأنعمَ عليهما بالتوفيق.

وكان قتادة يقول: في بعض القراءة: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ح، وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، في بعض الحروف: ( يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) .

وهذا أيضا مما يدل على صحة تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال: يوشع، وكالب.

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يُخَافُونَ ) بضم الياء ( أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) .

حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب ولا نعلمه أنه سمع منه عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرؤها بضم الياء من: ( يُخافُونَ ) .

وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، وإن كانوا لهم في الدين مخالفين.

وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ، قال: هي مدينةُ الجبارين. لما نـزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى: « اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون » ! « قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا » ، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

قال أبو جعفر: فعلى هذه القراءة وهذا التأويل، لم يكتم من الاثنى عشر نقيبًا أحدٌ، ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة، وشدة بطشهم، وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنما القائل للقوم ولموسى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخولَ عليهم من الجبابرة، كان أسلما وتبعا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندنا، قراءةُ من قرأ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) لإجماع قرأة الأمصار عليها وأنَّ ما استفاضت به القراءة عنهم، فحجة لا يجوز خلافها، وما انفرد به الواحد، فجائز فيه الخطأ والسهو. ثم في إجماع الحجةِ في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح « الياء » في ذلك، وفسادِ غيره. وهو التأويل الصحيحُ عندنا، لما ذكرنا من إجماعها عليه.

وأما قوله: « أنعم الله عليهما » ، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانـزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء.

وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن تميم قال، حدثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل بن علي قوله: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، قال: أنعم الله عليهما بالخوف.

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحاك يقول، وجماعة غيره.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما » ، بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل، إذ جبُنوا وخافوا من الدخول على الجبارين، لمَّا سمعوا خبرهم، وأخبرهم النقباء الذين أفشَوْا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ، فقالا لهم: ادخلوا عليهم، أيها القوم بابَ مدينتهم، فإن الله معكم، وهو ناصركم، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: « إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها.. تفيض لبنًا وعسلا ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، إن كبرياءهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة. »

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثنى عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبَّنُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغَّبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « عليهم الباب » ، قرية الجبَّارين.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 )

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبر من الله جل وعزّ عن قول الرجلين اللذين يخافان الله، أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغِّبانهم في المضيّ لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم توكلوا أيها القوم، على الله في دخولكم عليهم، فيقولان لهم: ثقوا بالله، فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوِّكم. وعنيا بقولهما: « إن كنتم مؤمنين » إن كنتم مصدِّقي نبيكم صلى الله عليه وسلم فيما أنبأكم عن ربَّكم من النصرة والظفر عليهم، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه ومؤمنين بأن ربَّكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوِّه وعدوِّكم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا ( 24 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهاد عدوِّهم، ووعِدوا نصر الله إيَّاهم إن هم ناهضوهم ودخلوا عليهم باب مدينتهم، أنهم قالوا له: « إنا لن ندخلها أبدًا » يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبدًا.

و « الهاء والألف » في قوله: « إنا لن ندخلها » ، من ذكر « المدينة » .

ويعنون بقولهم: « أبدًا » ، أيام حياتنا « ما داموا فيها » ، يعنون: ما كان الجبارُون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأُمِروا بدخولها « فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون » ، لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم.

وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت، وليذهب معك ربك فقاتلا ولكن معناه: اذهب أنت، يا موسى، وليعنك ربُّك. وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب.

وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له، لو كان الخبر عن قوم مؤمنين. فأمّا قومٌ أهلُ خلافٍ على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه، إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.

وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: « اذهب أنت ورَبك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون » ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: « إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت! فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا لنبيهم: » اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا هاهنا قاعدون « ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك. »

وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام، حين تبيَّن لهم أمر الجبارين وشدّةُ بطشهم.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى عليه السلام، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: « ادخلوها » ، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى: « اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون » .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، نحوه.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( 25 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا، من قولهم: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ أنه قال عندَ ذلك، وغضب من قيلهم له، داعيا: يا رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي يعني بذلك، لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي.

من قول القائل: « ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا » ، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره.

ويعني بقوله: « فافرق بيننَا وبين القوم الفاسقين » ، افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا.

من قول القائل: « فَرَقت بين هذين الشيئين » ، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز:

يَــا رَبِّ فــافْرُقْ بَيْنَــهُ وَبَيْنِـي أَشَــدَّ مَــا فَــرَّقْتَ بَيْـنَ اثْنَيْـنَ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين » ، يقول: اقض بيني وبينهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين » ، يقول: اقض بيننا وبينهم.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: « اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون » ، فدعا عليهم فقال: « رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين » ، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين » ، يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم كلّ هذا يقول الرجل: « اقض بيننا »

فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم « فاسقين » .

وعنى بقوله: « الفاسقين » الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.

وقد دللنا على أن معنى « الفسق » ، الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الناصب لِـ « الأربعين » .

فقال بعضهم: الناصب له قوله: « محرّمة » ، وإنما حرم الله جل وعزّ على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين دخولَ مدينتهم أربعين سنة، ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: « إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين » ، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم « فاسقين » بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونـزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نـزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ وإنما قولهم: حِطَّةٌ ، أن يحطَّ عنهم خطاياهم فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: « حنطة » ، فقال الله جل ثناؤه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ سورة البقرة: 59 ] .

وقال آخرون: بل الناصب لِـ « الأربعين » ، « يتيهون في الأرض » . قالوا: ومعنى الكلام: قال، فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين أحد ممن قال: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله فلم يدخلها منهم أحدٌ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله جل وعزّ: « إنها محرمة عليهم » ، قال: أبدًا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: « يتيهون في الأرض » ، قال: أربعين سنة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثني الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: « فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض » ، قال: التحريم، التيهاءُ.

حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي الآية، فقال الله جل وعز: « فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض » . فلما ضُرِب عليهم التيه، ندم موسى. وأتاه قومه الذين كانوا [ معه ] يطيعونه، فقال له: ما صنعت بنا يا موسى! فمكثوا في التيه. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول. والتقى موسى وعاج، فنـزا موسى في السماء عشرة أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع فأصاب كعب عاج فقتله. ولم يبق [ أحد ] ممن أبى أن يدخل قرية الجبَارين مع موسى، إلا مات ولم يشهد الفتح. ثم إن الله جل وعز لما انقضت الأربعون سنة، بعث يوشع بن النون نبيًا، فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها.

حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله جل وعز: لما دعا موسى « فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض » . قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه.

قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله جل وعزّ: « إنها محرّمة عليهم أربعين سنة » ، حرمت عليهم [ القُرَى ] ، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: « إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية » ، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ [ ذنب ] الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.

وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، فلا تدخلوا الأرض التي رفعت [ يدي ] إليها، ولا ينـزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون.

فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.

فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: « لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم » . فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة يعني من الخيمة حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيّههم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان - فيما يزعمون- على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن « الأربعين » منصوبة بـ « التحريم » وإنّ قوله: « محرمة عليهم أربعين سنة » ، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم. فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.

وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة.

ومعنى: « يتيهون في الأرض » ، يحارون فيها ويضلُّون ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: « تائه » . وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.

حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.

 

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( 26 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فلا تأس » ، فلا تحزن.

يقال منه: « أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى » ، و « قد أسيت من كذا » ، أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس:

وُقُوفًـا بِهَـا صَحْـبي عَـلَيَّ مَطِيَّهُـمْ يَقُولُــونَ: لا تَهْلِـكْ أَسًـى وتَجَـمَّل

يعني: لا تهلك حزنًا.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فلا تأس » يقول: فلا تحزن.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي: « فلا تأس على القوم الفاسقين » ، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه: « فلا تأس على القوم الفاسقين » ، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم « فاسقين » ، فلم يحزن.

 

القول في تأويل قوله عز وجل : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده. فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، وهمَّهم بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده عزاءً جميلا.

واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟

فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله، وكان المقرِّبان ابني آدم لصلبه، أحدهما: هابيل، والآخرُ: قابيل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسماعيل بن رافع قال: بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [ الكوزن ] والزُّوان، غير طيبةٍ بها نفسه وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه.

وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرِهما عن أمرِ الله إياهما به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا « لو قربنا قربانًا » ! وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته. وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار. فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر بعضَ زرعه. فجاءت النار فنـزلت يينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟ فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني!! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « إذ قربا قربانًا » ، قال: ابنا آدم، هابيل وقابيل، لصلب آدم. فقرّب أحدهما شاةً، وقرب الآخر بَقْلا فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قرّبا قربانًا » قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقًا من أحسن غَنَمه، وقرب قابيل زرعًا من زرعه. قال: فأكلت النار العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا » قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم، قربا قربانًا، قرب أحدهما شاة من غنمه، وقرب الآخر بَقْلا فتُقُبِّل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك! فقتله. فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه حَظِيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر » ، قال: قرّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبَرًا من طعام، فتقبل من أحدهما، قال: تُقُبل من صاحب الشاة، ولم يتقبل من الآخر.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر » ، كان رجلان من بني آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق » ، قال: كان أحدهما اسمه قابيل، والآخر هابيل، أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلا وقرّب هذا من أرذَلِ زرعه، قال: فنـزلت النار فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك!

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي! ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه وبعضهم يقول: قرب بقرة فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: « احفظي ولدي بالأمانة » ، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنـزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق » ، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمَد إلى خير ماشيته فتقرّب بها، فنـزلت عليه نار فأكلته وكان القربان إذا تُقُبل منهم، نـزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه فتقرب به، فلم تنـزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق » ، قال: هما هابيل وقابيل، قال: كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك!

حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: « إذ قرّبا قربانًا » ، قال: قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق.

وقال آخرون: اللذان قرّبا قربانًا، وقصَّ الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية: رجلان من بني إسرائيل، لا من ولد آدم لصلبه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: « واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق » ، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بـِ « ابني آدم » اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ « ابني آدم » ، [ ابني آدم لصلبه ] ، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا.

وقد ذكرنا كثيًرا ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرًا ممن لم يذكر إن شاء الله.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك! فقال: « بياك » ، أضحكك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال، قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال:

تَغَــيَّرَتِ الْبِــلادُ وَمَــنْ عَلَيْهَــا فَلَـــوْنُ الأَرْضِ مُغْــــبَرٌّ قَبِيــحُ

تَغَــيَّرَ كُــلُّ ذِي لَــوْنٍ وَطَعْــمٍ وَقَــلَّ بَشَاشَــةُ الْوَجْــهِ الْمَلِيــحِ

فأجيب آدم عليه السلام:

أَبَــا هَــابِيلَ قَــدْ قُتِـلا جَمِيعًـا وَصَــارَ الْحَــيُّ كَـالْمَيْتِ الـذَّبِيـحِ

وَجَــاءَ بِشِــرَّةٍ قَــدْ كَـانَ مِنْهَـا عَــلَى خَـوْفٍ, فَجَـاءَ بِهَـا يَصِيـحُ

قال أبو جعفر: وأما القول في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيّ ذلك كان، فلم يقرّبا ذلك إلا طلب قرْبةٍ إلى الله إن شاء الله.

وأما تأويل قوله: « قال لأقتلنك » ، فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: « لأقتلنك » ، فترك ذكر: « المتقبل قربانه » و « المردود عليه قربانه » ، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته. وكذلك ترك ذكر « المتقبل قربانه » مع قوله، « قال إنما يتقبل الله من المتقين » .

وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « قال لأقتلنك » ، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « إنما يتقبل الله من المتقين » ، قال يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني!

ويعني بقوله: « من المتقين » ، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته.

وقد قال جماعة من أهل التأويل: « المتقون » في هذا الموضع، الذين اتقوا الشرك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: « إنما يتقبل الله من المتقين » ، الذين يتقون الشرك.

وقد بينا معنى « القربان » فيما مضى وأنه « الفعلان » من قول القائل: « قرَّب » ، كما « الفُرْقان » « الفعلان » من « فرق » ، و « العُدْوان » من « عدا » .

وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا، كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل فيما ذكر بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النار ما لم يُتقبّل منها. و « القربان » في أمّتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداءِ الزكاة المفروضة. ولا سبيل لها إلى العلم في عاجلٍ بالمتقبَّل منها والمردود.

وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بَكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقد كنتَ وكنتَ! فقال: يبكيني أنّي أسمع الله يقول: « إنما يتقبل الله من المتقين » .

حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي قال، حدثني سعيد بن عامر، عن همّام، عمن ذكره، عن عامر.

وقد قال بعضهم: قربان المتقين، الصلاة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليمان، عن عدي بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 28 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك: والله « لئن بسطت إليَّ يدك » ، يقول: مددت إليَّ يدك « لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك » ، يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك « لأقتلك » .

وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه، ولم يمانعه ما فَعَل به. فقال بعضهم: قال ذلك، إعلامًا منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك » ، ما أنا بمنتصر، ولأمسكنَّ يدي عنك.

وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه: [ إلا ] أن الله عزّ ذكره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول في قوله: « لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك » ، قال مجاهد: كان كُتب عليهم، إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه: « ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك » ، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ. فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه.

وأما تأويل قوله: « إنّي أخاف الله رب العالمين » فإنه: إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك « رب العالمين » ، يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي، وإثمك في معصيتك الله، وغير ذلك من معاصيك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون، قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في حديثه، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، يقول: إثم قتلي، إلى إثمك الذي في عنقك « فتكون من أصحاب النار » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، قال: بإثم قتلي وإثمك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعًا.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، يقول: إني أريد أن تبوء بقتلك إياي « وإثمك » ، قال: بما كان منك قبل ذلك.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، قال: أما « إثمك » ، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس يعني أخاه وأما « إثمه » ، فقتلُه أخاه.

وكأن قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل قوله: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، إلى: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي فحذف « القتل » واكتفى بذكر « الإثم » ، إذ كان مفهومًا معناه عند المخاطبين به.

وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمِك في قتلك إيّاي. وهذا قول وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبلُ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك » ، يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله: « إني أريد أن تبوء بإثمي » وأما معنى: « وإثمك » ، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه.

وإنما قلنا ذلك هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه.

فإن قال قائل: أو ليس قتلُ المقتول من بني آدم كان معصيةً لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظِمْ بها معصية!

فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصيًة، فكيف جاز أن يُريد ذلك منه المقتول، ويقول: « إني أريد أن تبوء بإثمي » ، وقد ذكرتَ أن تأويل ذلك، إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ [ قيل ] معناه: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني، لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني، فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باءَ به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبةٍ له الدخولَ في الخطأ.

ويعني بقوله: « فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين » ، يقول: فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها « وذلك جزاء الظالمين » ، يقول: والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم.

وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمرَ ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد. ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل: « فتكون من أصحاب النار » بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: عُلّقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.

حدثنا بذلك القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال مجاهد ذلك قال: وقال عبد الله بن عمرو: وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو، خبٌر.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير وحدثنا سفيان قال، حدثنا جرير وأبو معاوية ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن جميعا، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل.

قال أبو جعفر: وهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مبينٌ عن أنّ القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين ذكرهما الله في هذا الموضع أنهما ليسا بابني آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل وأن القول الذي حكي عنه أنّ أول من مات آدم، وأن القربان الذي كانت النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل خطأ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قَتَل أخاه: أنه أول من سَنَّ القتل. وقد كان، لا شك، القتلُ قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته! فخطأ من القول أن يقال: أول من سن القتل رجلٌ من بني إسرائيل.

وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: « هو ابن آدم لصلبه » ، لأنه أولُ من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما رَوَينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 30 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « فطوّعت » فآتتهُ وساعدته عليه.

وهو « فعَّلت » من « الطوع » ، من قول القائل: « طاعني هذا الأمر » ، إذا انقاد له.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويله.

فقال بعضهم، معناه: فشجَّعت له نفسه قتل أخيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد قالا حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: « فطوعت له نفسه » ، قال: شجعت.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فطوعت له نفسه » قال: فشجعته.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فطوعت له نفسه قتل أخيه » ، قال: شجعته على قتل أخيه.

وقال آخرون: معنى ذلك: زيَّنَت له.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فطوعت له نفسه » ، قال: زينت له نفسه قتلَ أخيه فقَتله.

ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله.

فقال بعضهم: وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبى مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن عبد الله وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فطوعت له نفسه قتل أخيه » فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال. وأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة فشدَخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعَرَاء.

وقال بعضهم ما:-

حدثني محمد بن عمر بن علي قال، سمعتَ أشعث السجستاني يقول: سمعت ابن جريج قال: ابنُ آدم الذي قتل صاحبَه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قتله حيث يرعَى الغنم، فأتاه فجعل لا يدري كيف يقتله، فلَوَى برقبته وأخذ برأسه، فنـزل إبليس وأخذ دابَّةً أو طيرًا، فوضع رأسه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه، وابنُ آدم القاتلُ ينظر. فأخذ أخاه فوضع رأسه على حجَر، وأخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول، فذكر نحوه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربانَ ابن آدم الذي تُقُبِّل قربانه، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقُبِّل منك، ورُدَّ عليَّ؟ والله لا تنتظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني! فقال: لأَقْتُلَنَّكَ ، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . فخوّفه بالنار، فلم ينته ولم ينـزجر « فطوعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين » .

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنـزل سَمُرَةَ الصوّاف، وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منـزل سمرة الصواف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه.

وأما قوله: « فأصْبَحَ من الخاسرين » ، فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 )

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أحدُ الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو، عن الحسن، لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية، لو كانا من بني إسرائيل، لم يجهل القاتلُ دفنَ أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه، ولم يكن القاتلُ منهما أخاه عَلِم سنّة الله في عبادِهِ الموتى، ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول. فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينًا حتى أراحت جيفته، فأحب الله تعريفَه السنة في موتى خلقه، فقيَّض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه.

ذكر الأخبار عن أهل التأويل بالذي كان من فعل القاتل من ابني آدم بأخيه المقتول، بعد قتله إياه.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي روق الهمداني، عن أبيه، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: « أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب » ؟ فدفن أخاه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه » ، بعث الله جل وعز غرابًا حيًّا، إلى غراب ميت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » الآية.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن عبد الله وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه قال: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي » ، فهو قول الله: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « يبحث » ، قال: بعث الله غرابًا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه ثم بحث عليه حتى غيَّبه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « غرابًا يبحث في الأرض » ، حتى حفر لآخر ميت إلى جنبه، فغيّبه، وابن آدم القاتل ينظر إليه، حيث يبحثُ عليه حتى غيبه، فقال: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » ، الآية.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قوله: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض » ، قال: بعث الله غرابًا إلى غراب، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فجعل يَحْثِي عليه التراب، فقال: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين » .

حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض » ، قال: جاء غراب إلى غراب ميّت، فحثَى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » ، الآية.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه » ، أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعني ابن آدم ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » الآية، إلى قوله: « من النادمين » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: أما قوله: « فبعث الله غرابًا » ، قال: قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قوله: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه » ، قال: وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ، فقال: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين » .

حدثني المثنى قال، حدثنا معلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قول الله: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » ، قال: بعث الله عزّ وجل غرابًا، فجعل يَبْحَثُ على غراب ميت الترابَ. قال: فقال عند ذلك: « أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين » .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض » ، بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » ، الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت [ قال ] : « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي » الآية [ إلى قوله: ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ، قال ] : ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله عز وجل من شرقي عدن الجنة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعدُ.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول « غرابًا يبحث في الأرض » ، يقول: يحفر في الأرض، فيثير ترابها « ليريه كيف يواري سوأة أخيه » ، يقول: ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه.

وقد يحتمل أن يكون عُنِيَ بـ « السوأة » ، الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، بذلك جاء تأويل أهل التأويل.

قال أبو جعفر: وفي ذلك محذوفٌ ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: « فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميتٍ فواراه فيها » ، فقال القاتل أخاه حينئذ: « يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب » ، الذي وارى الغرابَ الآخر الميتَ « فأواري سوأة أخي » ، فواراه حينئذ « فأصبح من النادمين » ، على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه.

وكل ما ذكر الله عز وجلّ في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم من بني النضير، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم. وضرب مثلهم في غَدْرهم، ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات. ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح. وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال، قلت لبكر بن عبد الله، أما بلغك أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا خيرَهما ودعوا شرَّهما » ؟ قال: بلى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا الشر.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « من أجل ذلك » ، من جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته. يقول: من جرِّ القاتل أخاه من ابني آدم اللذين اقتصصنا قصتهما الجريرةَ التي جرَّها، وجنايتِه التي جناها « كتبنا على بني إسرائيل » .

يقال منه: « أجَلْت هذا الأمر » ، أي: جررته إليه وكسبته، « آجله له أجْلا » ، كقولك: « أخَذْته أخذًا » ، ومن ذلك قول الشاعر:

وَأَهْــلِ خِبَــاءٍ صَـالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهـمْ قَـدِ احْـتَرَبُوا فِـي عَـاجِلٍ أَنَـا آجِلُه

يعني بقوله: « أنا آجله » ، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي.

فمعنى الكلام: من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا، حكمنا على بني إسرائيل أنه من قتل منهم نفسًا ظلمًا، بغير نفس قتلت، فقتل بها قصاصًا « أو فساد في الأرض » ، يقول: أو قتل منهم نفسًا بغير فسادٍ كان منها في الأرض، فاستحقت بذلك قتلها. و « فسادها في الأرض » ، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل » ، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله جل ثناؤه: « من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » .

فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدَّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: « من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من شدّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » ، يقول: من قتل نفسًا واحدًة حرَّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا « ومن أحياها » ، يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مَخَافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا يعني بذلك الأنبياء.

وقال آخرون: « من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » ، عند المقتول في الإثم « ومن أحياها » ، فاستنقذها من هلكةٍ « فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، عند المستنقذ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة الهمداني، عن عبد الله وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: « من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتَلَ الناس جميعًا » ، عند المقتول، يقول: في الإثم « ومن أحياها » ، فاستنقذها من هلكة « فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، عند المستنقَذ.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن قاتل النفس المحرم قتلُها، يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا « ومن أحياها » ، من سلم من قتلها، فقد سلم من قتل الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: « من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها « ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا » ، قال: ومن أوبقها.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: من أوبق نفسًا فكما لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها وسلم من ظُلمها فلم يقتلها، فقد سلم من قتل الناس جميعًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد: « فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، لم يقتلها، وقد سلم منه الناس جميعًا، لم يقتل أحدًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي قال، أخبرنا عبدة بن أبي لبابة قال: سألت مجاهدًا أو: سمعته يُسْأل عن قوله: « من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » ، قال: لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِب الله عليه ولَعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: « فكأنما قتل الناس جميعًا » ، قال: الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا، جعل الله جزاءه جهَنّم، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا. يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك من العذاب قال ابن جريج، قال مجاهد: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » قال: من لم يقتل أحدًا، فقد استراح الناسُ منه.

حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: أوبق نفسه.

حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: في الإثم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: « من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » ، وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [ سورة النساء: 93 ] قال: يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » قال: هو كما قال وقال: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، فإحياؤها: لا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحقٍّ، حَيِي الناس منه جميعًا.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد: « ومن أحياها » ، قال: ومن حرَّمها فلم يقتلها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن العلاء قال: سمعت مجاهدًا يقول: « من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: « فكأنما قتل الناس جميعًا » قال: هي كالتي في « النساء » : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [ سورة النساء: 93 ] ، في جزائه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « فكأنما قتل الناس جميعًا » كالتي في « سورة النساء » ، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في جزائه « ومن أحياها » ، ولم يقتل أحدًا، فقد حيِيَ الناس منه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: التفت إلى جلسائه فقال: هو هذا وهذا.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، لأنه يجب عليه من القِصاص به والقوَد بقتله، مثلُ الذي يجب عليه من القَوَد والقصاص لو قتل الناس جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا » ، قال: يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا. قال: كان أبي يقول ذلك.

وقال آخرون معنى قوله: « ومن أحياها » : من عفا عمن وجب له القِصَاص منه فلم يقتله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، يقول: من أحياها، أعطاه الله جل وعزّ من الأجر مثلُ لو أنه أحيا الناس جميعًا « أحياها » فلم يقتلها وعفا عنها. قال: وذلك وليّ القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت. قال: كان أبي يقول ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن في قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من عفا.

حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن. « ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا » ، قال: العفو بعد القدرة.

وقال آخرون: معنى قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، ومن أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » قال: من أنجاها من غَرَق أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، قال: من غرَق أو حَرَق أو هَدَمٍ.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل عن خصيف، عن مجاهد: « ومن أحياها » ، قال: أنجاها.

وقال الضحاك بما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك قال: « من قتل نفسًا بغير نفس » ، قال: من تورَّع أو لم يتورَّع.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، يقول: لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرَّمًا.

وقال قتادة والحسن في ذلك بما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: « من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض » ، قال: عَظُم ذلك.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس » الآية، من قتلها على غير نفس ولا فسادٍ أفسدته « فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » عظُم والله أجرُها، وعظُم وزرها! فأحيها يا ابن آدم بما لك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوة إلا بالله. وإنا لا نعلمُه يحل دم رجل مسلمٍ من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفرَ بعد إسلامه، فعليه القتل أو زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم أو قتل متعمدًا، فعليه القَوَد.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال: تلا قتادة: « من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » قال: عظم والله أجرُها، وعظم والله وِزْرها!

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سلاّم بن مسكين قال، حدثني سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن: « من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس » الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إِي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل! وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا؟

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سمعت خالدًا أبا الفضل قال: سمعت الحسن تلا هذه الآية: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ إلى قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » ، ثم قال: عظَّم والله في الوزر كما تسمعون، ورغَّب والله في الأجر كما تسمعون! إذا ظننت يا ابن آدم، أنك لو قتلت الناس جميعًا، فإن لك من عملك ما تفوز به من النار‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، كذَبَتْك والله نفسك، وكذَبَك الشيطان.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن الحسن في قوله: « فكأنما قتل الناس جميعًا » قال: وِزْرًا « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » قال: أجرًا.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [ سورة النساء: 93 ] .

وأما قوله: « ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا » فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ سورة البقرة: 258 ] . فكان معنى الكافر في قيله: أَنَا أُحْيِي ، أنا أترك من قَدَرت على قتله- وفي قوله: وَأُمِيتُ ، قتله من قتله. فكذلك معنى « الإحياء » في قوله: « ومن أحياها » ، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم « فكأنما أحيا الناس جميعًا » .

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى « الإحياء » : سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس- وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ( 32 )

قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلى هذا الموضع « بالبينات » ، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم.

يقول الله عز ذكره: « ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون » ، يعني: أن كثيرًا من بني إسرائيل.

و « الهاء والميم » في قوله: « ثم إن كثيرًا منهم » ، من ذكر بني إسرائيل، وكذلك ذلك في قوله: « ولقد جاءتهم » .

« بعد ذلك » ، يعني: بعد مجيء رسل الله بالبينات .

« في الأرض لمسرفون » ، يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم. وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا

قال أبو جعفر: وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم « الفساد في الأرض » ، الذي ذكره في قوله: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ أعلم عباده: ما الذي يستحق المفسدُ في الأرض من العقوبة والنكال، فقال تبارك وتعالى: لا جزاء له في الدنيا إلا القتلُ، والصلب، وقطعُ اليد والرِّجل من خلافٍ، أو النفي من الأرضِ، خزيًا لهم. وأما في الآخرة إن لم يتبْ في الدنيا، فعذاب عظيم.

ثم اختلف أهل التأويل فيمن نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في قوم مِن أهل الكتاب كانوا أهل مودَاعةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرَّف الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم الحكمَ فيهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا » ، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهدٌ وميثاق، فنقضوا العهدَ وأفسدوا في الأرض، فخيَّرَ الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله جل وعز نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صَلَب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.

وقال آخرون: نـزلت في قوم من المشركين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » إلى أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، نـزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدِروا عليه لم يكن عليه سبيل. وليست تُحْرِزُ هذه الآية الرجلَ المسلم من الحدِّ. إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدَر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدُّ الذي أصاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » ، قال: نـزلت في أهل الشرك.

وقال آخرون: بل نـزلت في قوم من عُرَيْنه وعُكْل، ارتدُّوا عن الإسلام، وحارَبوا الله ورسوله.

[ ذكر من قال ذلك ] :

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريفٍ، وإنا استوخمنا المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بِذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتيَ بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم، وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا فذُكر لنا أن هذه الآية نـزلت فيهم: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا روح قال، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثل هذه القصة.

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبى يقول: أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على الإسلام! فبايعوه وهم كَذَبة، وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « هذه اللَّقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها. قال: فبينا هم كذلك، إذ جاء الصريخُ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النَّعَم! فأمر نبي الله فنودي في الناس: أنْ » يا خيل الله اركبي « ! قال: فركبوا، لا ينتظر فارسٌ فارسًا. قال: فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنَهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: » إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله « الآية. قال: فكان نفيُهم: أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنَهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين. وقتل نبي الله منهم، وصلب وقَطَع، وَسَمل الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهَى عن المُثْلة، وقال: لا تمثِّلوا بشيء. قال: فكان أنس بن مالك يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. »

قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة، وناس من بَجيلة

[ ذكر من قال ذلك ] :

حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة، حفاةً مضرورين، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما صَحُّوا واشتدُّوا، قتلوا رِعاءَ اللقاح، ثم خرجوا باللِّقاح عامدين بها إلى أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرَفُوا على بلاد قومهم، فقدِمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلَهم من خلاف، وسملَ أعينهم، وجعلوا يقولون: « الماء » ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « النار » ! حتى هلكوا « . قال: وكره الله عز وجلَ سَمْل الأعين، فأنـزل هذه الآية: » إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله « إلى آخر الآية. »

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير ح، وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، وسعيد بن عبد الرحمن وابن سمعان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أغار ناس من عرينة على لِقَاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقوها وقتلوا غلامًا له فيها، فبعث في آثارهم، فأخِذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وَسَمل أعينهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر أو: عمرو، شك يونس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ونـزلت فيهم آية المحاربة.

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم ثمانية نفَرٍ من عُكْلٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، ثم اجتووا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها. ففعلوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم قَافَة، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم فلم يحسِمْهُم حتى ماتوا.

حدثنا علي قال، حدثنا الوليد قال، حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفرٍ من عرينة، وثلاثةً من عكل. فلما أتي بهم، قطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتلقَّمون الحجارة بالحرَّة، فأنـزل الله جل وعز في ذلك: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » ، الآية.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نـزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا » ، قال: أنـزلت في سُودان عرينة. قال: أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم الماءُ الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقة، فقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها! فشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صَحُّوا وبرءوا، قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنـزل الله هذه الآية على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، معرِّفَه حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيِّين ما فعل.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القِصَص التي قصّها الله جل وعزّ قبلَ هذه الآية وبعدَها، من قَصَص بنى إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسِّطًا، من تعريف الحكم فيهم وفي نظرائهم، أولى وأحقّ.

وقلنا: كان نـزول ذلك بعد الذي كان من فعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيِّين ما فعل، لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا، فتأويلها: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، أنه من قتل نفسًا بغير نفس، أو سعى بفسادٍ في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ولقد جاءتهم رُسُلنا بالبينات ثُمَّ إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون- يقول: لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلوا النفوس بغير نفس، وغير سعي في الأرض بالفسادِ حربًا لله ولرسوله فمن فعل ذلك منهم، يا محمد، فإنما جزاؤه: أن يقتَّلوا، أو يصلَّبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.

فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نـزلت في الحال التي ذكرتَ: من حال نقض كافرٍ من بني إسرائيل عهدَه ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام، دون أهل الحرب من المشركين؟

قيل: جازَ أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا من أهل ذمَّتنا وملَّتنا واحد. والذين عنوا بالآية، كانوا أهل عهد وذِمَّة، وإن كان داخلا في حكمها كل ذمِّي وملِّي، وليس يَبْطُل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس، أن يكون صحيحًا نـزولها فيمن نـزلت فيه.

وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين.

فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخَه نهيُه عن المثلة بهذه الآية أعني بقوله: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا » الآية. وقالوا: أنـزلت هذه الآية عِتابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعُرَنيين.

وقال بعضهم: بل فِعْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، حكمٌ ثابت في نظرائهم أبدًا، لم ينسخ ولم يبدّل. وقوله: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » الآية، حكمٌ من الله فيمن حارب وسَعى في الأرض فسادًا بالحِرَابة.

قالوا: والعرنيون ارتدُّوا، وقتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام أو الذمة.

وقال آخرون: لم يسمُل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيِّين، ولكنه كان أراد أن يسمُل، فأنـزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه، يعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم.

ذكر القائلين ما وصفنا:

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت اللَّيث بن سعد ما كان من سَمْل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعيُنهم، وتركه حَسْمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبةً في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم: من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدَهم غيرَهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو، فأنكر أن تكون نـزلت معاتبة، وقال: بَلَى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نـزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي بهم يعني العرنيين فأراد أن يسمُل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود، كما أنـزلها الله عليه.

واختلف أهل العلم في المستحق اسم « المحارب لله ورسوله » ، الذى يلزمه حكمُ هذه. فقال بعضهم: هو اللص الذي يقطَع الطريق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا » الآية، قالا هذا، اللص الذي يقطع الطريق، فهو محارب.

وقال آخرون: هو اللص المجاهر بلصوصيته، المكابرُ في المصر وغيره.

وممن قال ذلك الأوزاعي.

حدثنا بذلك العباس، عن أبيه عنه.

وعنه، وعن مالك، والليث بن سعد، وابن لهيعة.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: تكونُ محاربةٌ في المصر؟ قال: نعم، والمحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خلاء، فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم ولا ذَحْل ولا عداوة، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم، قتله الإمام كقِتْلة المحارب، ليس لوليّ المقتول فيه عَفْوٌ ولا قَوَد.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: وسألت عن ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة، قلت تكون المحاربة في دُور المصر والمدائن والقُرى؟ فقالا نعم، إذا هم دخَلوا عليهم بالسيوف عَلانيةً، أو ليلا بالنيران. قلت: فقتلوا أو أخذُوا المال ولم يقتلوا؟ فقال: نعم هم المحاربون، فإن قَتَلوا قُتِلوا، وإن لم يَقْتُلوا وأخذوا المال، قُطِعوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدّار، ليس من حارب المسلمين في الخَلاء والسبيل، بأعظم محاربةً مِمَن حاربهم في حَرِيمهم ودورهم!

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: وتكون المحاربة في المصر، شَهَر على أهله بسلاحه ليلا أو نهارًا قال علي، قال الوليد: وأخبرني مالك: أن قتل الغِيلة عنده بمنـزلة المحاربة. قلت: وما قتل الغِيلَة؟ قال: هو الرجل يخدَع الرَّجل والصبيَّ، فيدخِلُه بيتًا أو يخلُو به، فيقتله، ويأخذ ماله. فالإمام وليّ قتل هذا، وليس لولي الدم والجرح قَوَد ولا قصاص.

وهو قول الشافعي.

حدثنا بذلك عنه الربيع.

وقال آخرون: « المحارب » ، هو قاطع الطريق. فأما « المكابر في الأمصار » ، فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبي هند، قال: تذاكرنا المحاربَ ونحن عند ابن هبيرة، في أناس من أهل البصرة، فاجتمع رأيهم: أن المحارب ما كان خارجًا من المصر.

وقال مجاهد بما:-

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا » قال: الزنا، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاك الحرث والنسل.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: « ويسعون في الأرض فسادًا » قال: « الفساد » ، القتل، والزنا، والسرقة.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: « المحارب لله ورسوله » ، من حارب في سابلة المسلمين وذِمَّتهم، والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حِرَابة.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محارب، ولا خلاف فيه. فالذي وصفنا صفته، لا شك فيه أنه لهم نَاصبٌ حربًا ظلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الحربَ لهم في مصرهم وقُراهم، أو في سُبلهم وطرقهم: في أنه لله ولرسوله محارب، بحربه من نَهَاه الله ورسوله عن حربه.

وأما قوله: « ويسعون في الأرض فسادًا » ، فإنه يعني: ويعملون في أرض الله بالمعاصي: من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سُبُل ذمتهم، وقطعِ طرقهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتوثُّب على حرمهم فجورًا وفُسُوقًا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما للذي حاربَ الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم- إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه.

ثم اختلف أهل التأويل في هذه الخلال، أتلزم المحاربَ باستحقاقه اسم « المحاربة » ، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جُرْمه، مختلفًا باختلاف أجرامه؟

[ فقال بعضهم: تجب على المحارب العقوبة على قدر استحقاقه، ويلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جُرْمه، مختلفًا باختلاف أجرامه ] .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: إذا حارب فقتَل، فعليه القتل إذا ظُهِر عليه قبْلَ توبته. وإذا حارب وأخذ المال وقتل، فعليه الصَّلب إن ظُهِر عليه قبل توبته. وإذا حارب وأخذ ولم يقتل، فعليه قطعُ اليدِ والرجل من خلافٍ إن ظُهِر عليه قبل توبته. وإذا حارب وأخاف السبيل، فإنما عليه النّفي.

حدثنا ابن وكيع وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال: إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال، قُطعت يده ورجله من خِلافٍ. وإذا أخاف السبيلَ، ولم يأخذ المال وقتل، صُلب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم - فيما أرى - في الرجل يخرج محاربًا، قال: إن قطع الطريق وأخذ المال، قطعت يدُه ورجله. وإن أخذ المال وقَتل، قُتل، وإن أخذ المال وقَتَل ومثَّل، صُلب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية، قال: إذا قتل وأخذ المال وأخاف السبيل، صُلب. وإذا قتل لم يعدُ ذلك، قُتل. إذا أخذ المالَ لم يعدُ ذلك، قُطِع. وإذا كان يُفْسد نُفي.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن الحسن: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله: « أو ينفوا من الأرض » قال: إذا أخافَ الطريق ولم يَقتُل ولم يأخذ المال، نُفي.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن حصين قال: كان يقال: من حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتُل، قطِعت يده ورجله من خلاف. وإذا أخذ المال وقَتَل، صُلب.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أنه كان يقول في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، حدودٌ أربعة أنـزلها الله. فأما من أصاب الدم والمال جميعًا، صلب. وأما من أصاب الدم وكفّ عن المال، قُتل. ومن أصاب المال وكفَّ عن الدم، قُطع. ومن لم يصب شيئًا من هذا، نفي.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: نهى الله نبيَّه عليه السلام عن أن يسمل أعينَ العرنيين الذين أغاروا على لِقَاحه، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنـزلها الله عليه. فنظر إلى من أخذ المال ولم يقتل، فقطَع يدَه ورجلَه من خلاف، يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى. ونظر إلى من قتل ولم يأخذ مالا فقَتَله. ونظر إلى من أخذ المال وقتل، فصلبه. وكذلك ينبغي لكل من أخاف طريقَ المسلمين وقَطَع، أن يصنع به إن أخِذ وقد أخَذ مالا قطعت يده بأخذِه المال، ورجلُه بإخافة الطريق. وإن قَتَل ولم يأخذ مالا قُتِل، وإن قتل وأخذ المال، صُلِب.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا فضيل بن مرزوق قال: سمعت السدي يسأل عطيّة العوفيّ، عن رجل محاربٍ، خرج فأخذ ولم يصبْ مالا ولم يهرق دمًا. قال: النفي بالسيف، وإن أخذ مالا فيده بالمال، ورجلُه بما أخاف المسلمين. وإن هو قتل ولم يأخذ مالا قتل. وإن هو قتل وأخذ المال، صُلب وأكبر ظني أنه قال: تقطع يده ورجله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية، قال: هذا، اللصُّ الذي يقطع الطريقَ، فهو محارب. فإن قتل وأخذ مالا صُلب. وإن قتل ولم يأخذ مالا قُتِل. وإن أخذ مالا ولم يقتل، قطعت يده ورجله. وإن أخِذ قبل أن يفعل شيئا، من ذلك، نفي.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير قال: من خرج في الإسلام محاربًا لله ورسوله فقتل وأصاب مالا فإنه يقتل ويُصْلَب. ومن قتل ولم يصب مالا فإنه يقتل كما قَتَل. ومن أصاب مالا ولم يقتل، فإنه يُقْطَع من خلاف. وإن أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول الله جل وعز: « أو ينفَوا من الأرض » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قال: كان ناس يسعون في الأرض فسادًا، وقَتَلوا وقَطَعوا السبيل، فصُلِب أولئك. وكان آخرون حاربُوا واستحلُّوا المال ولم يعدُوا ذلك، فقطعت أيديهم وأرجلهم. وآخرون حارَبوا واعتزَلوا ولم يعدوا ذلك، فأولئك أخْرجوا من الأرض.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي هلال. قال، حدثنا قتادة، عن مورِّق العجلي في المحارب قال: إن كان خرج فقتَل وأخذ المال، صُلب. وإن كان قتل ولم يأخذ المالَ، قُتل. وإن كان أخذ المال ولم يقتل، قُطع. وإن كان خرج مُشَاقًا للمسلمين: نُفي.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال: إذا خرج المحاربُ وأخاف الطريق وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف. فإن هو خرج فقَتَل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خِلافٍ ثم صُلب. وإن خرج فقَتَل ولم يأخذ المال، قُتِل. وإن أخاف السبيل ولم يقْتُل ولم يأخذ المال، نفي.

حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي وعن أبي معاوية، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا قالا إن أخاف المسلمين فقَطَع المال ولم يسفك، قُطِع. وإذا سفك دمًا: قتل وصُلب. وإن جمعهما فاقتطع مالا وسفك دمًا، قُطع ثُمّ قتل ثم صلب، كأن الصلب مُثْلَةٌ، وكأن القطع: « السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما » ، وكأن القتل: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . وإن امتنع، فإن من الحقّ على الإمام وعلى المسلمين أن يطلُبوه حتى يأخذوه، فيقيموا عليه حكم كتاب الله: « أو ينفوا من الأرض » ، من أرض الإسلام إلى أرضِ الكفر.

قال أبو جعفر: واعتلَّ قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله أوجبَ على القاتل القوَد، وعلى السارق القَطع. وقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يحل دَمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خِلال: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد إحصان فرُجم، ورجل كفر بعد إسلامه » . قالوا: فحظر النبيُ صلى الله عليه وسلم قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث. فأما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا فذلك تقدُّمٌ على الله ورسوله بالخلافِ عليهما في الحكم. قالوا: ومعنى قول من قال: « الإمام فيه بالخيار، إذا قَتَل وأخاف السبيل وأخذ المال » ، فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل، أو القتل والصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف. وأما صلبه باسم المحاربة، من غير أن يفعل شيئًا من قتل أو أخذ مال، فذلك ما لم يقله عالم.

وقال آخرون: الإمام فيه بالخيار: أن يفعل أيَّ هذه الأشياء التي ذكرَها الله في كتابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن عطاء وعن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في المحارب: أن الإمام مخير فيه، أيَّ ذلك شاءَ فعل.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عبيدة، عن إبراهيم: الإمام مخير في المحارب، أيَّ ذلك شاء فعل. إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، وإن شاء صلب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إلى قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: يأخذ الإمام بأيِّها أحب.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن الحسن: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال: الإمام مخيَّرٌ فيها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد قال، قال عطاء: يصنع الإمام في ذلك ما شاء. إن شاء قتل، أو قطع، أو نَفَى، لقول الله: « أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض » ، فذلك إلى الإمام الحاكم، يصنع فيه ما شاء.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية، قال: من شَهَر السلاح في قُبّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجلَه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة قال، أخبرنا أبو هلال قال، أخبرنا قتادة، عن سعيد بن المسيب: أنه قال في المحارب: ذلك إلى الإمام، إذا أخذه يصنع به ما شاء.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي هلال قال، حدثنا هارون، عن الحسن في المحارب قال: ذاك إلى الإمام، يصنع به ما شاء.

حدثنا هناد قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن الحسن: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قال: ذلك إلى الإمام.

قال أبو جعفر: واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن قالوا: وجدنا العطوف التي بـ « أو » في القرآن بمعنى التخيير، في كل ما أوجب الله به فرضًا منها، وذلك كقوله في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ سورة المائدة: 89 ] ، وكقوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ سورة البقرة: 196 ] ، وكقوله: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [ سورة المائدة: 95 ] . قالوا: فإذا كانت العُطوفُ التي بـ « أو » في القرآن، في كل ما أوجب الله به فرضًا منها في سائر القرآن، بمعنى التخيير، فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قَدَر عليه قبل التوبة.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، تأويلُ من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه، وجعل الحكم على المحاربين مختلِفًا باختلاف أفعالهم. فأوجب على مُخيف السبيل منهم إذا قُدِر عليه قبل التوبة، وقبل أخذ مالٍ أو قتل النفيَ من الأرض. و إذا قُدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلُها الصلب، لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة.

فأما ما اعتلّ به القائلون: إنّ الإمام فيه بالخيار، من أن « أو » في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقولٌ لا معنى له، لأن « أو » في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني، لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، وقد بينت كثيرًا من معانيها فيما مضى، وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله.

فأما في هذا الموضع، فإن معناها التعقيب، وذلك نظير قول القائل: « إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة، أو يرفع منازلهم في علِّيين، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين » ، فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله، فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب، ومنـزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه، بل المعقول عنه أن معناه: أن جزاء المؤمن لن يخلُو عند الله عز ذكره من بعض هذه المنازل. فالمقتصد منـزلته دون منـزلة السابق بالخيرات، والسابق بالخيرات أعلى منه منـزلة، والظالم لنفسه دونهما،

وكلٌّ في الجنة كما قال جل ثناؤه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [ سورة فاطر: 33 ] . فكذلك معنى العطوف بـ « أو » في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الآية، إنما هو التعقيب.

فتأويله: إن الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا، لن يخلو من أن يستحق الجزاءَ بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره لا أن الإمام محكم فيه ومخيَّرٌ في أمره كائنةً ما كانت حالته، عظمت جريرته أو خفَّتْ، لأن ذلك لو كان كذلك، لكان للإمام قتل من شَهر السلاح مخيفًا السبيلَ وصلْبُه، وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدًا، وكان له نفيُ من قَتَل وأخذَ المال وأخافَ السبيل. وذلك قولٌ إن قاله قائل، خلافُ ما صحّت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: « لا يحل دَمُ امرئ ٍمسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل قتل رجلا فقتل به، أو زنى بعد إحصان فرجم، أو ارتَدّ عن دينه » وخلاف قوله: « القطعُ في رُبْع دينارٍ فصاعدًا » ، وغيرُ المعروف من أحكامه.

فإن قال قائل: فإن هذه الأحكام التي ذكرتَ، كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به.

قيل له: فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه؟

فإن ادَّعى عنه صلى الله عليه وسلم حكمًا خلاف الذي ذكرنا، أكذبه جميعُ أهل العلم، لأن ذلك غير موجود بنقلِ واحدٍ ولا جماعة.

وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب، قيل له: فإن أحسن حالاتك إن سُلِّم لك، أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت وما قاله من خالفك فما برهانك على أنّ تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله؟

وبعد، فإذ كان الإمام مخيَّرًا في الحكم على المحارب، من أجل أنّ « أو » بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك، أفله أن يصلبه حيًّا، ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله.

فإن قال: « ذلك له » ، خالف في ذلك الأمة.

وإن زعم أنَّ ذلك ليس له، وإنما له قتله ثم صلبه، أو صلبه ثم قتله ترك علّته من أنّ الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن « أو » تأتي بمعنى التخيير.

وقيل له: فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع، ولم يكن له الخيار في الصلب وحده، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى؟

وقيل له: هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت، وأبى ذلك حيث جعلته له فرقٌ من أصلٍ أو قياس؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم الآخر مثله.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك، بما في إسناده نظر، وذلك ما « - »

حدثنا به علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نـزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابُوا الفرجَ الحرام. قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سَرَق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجلَه بإخافته. ومن قتل فاقتله. ومن قتل وأخاف السبيل واستحلَّ الفرج الحرام، فاصلبه.

وأما قوله: « أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف » ، فإنه يعني به جل ثناؤه: أنه تقطع أيديهم مخالِفًا في قطعها قَطْع أرجلهم. وذلك أن تقطع أيْمُن أيديهم، وأشمُلُ أرجلهم. فذلك « الخلاف » بينهما في القطع.

ولو كان مكان « من » في هذا الموضع « على » أو « الباء » ، فقيل: « أو تقطع أيديهم وأرجلهم على خلاف أو: بخلاف » ، لأدَّيا عما أدّت عنه « من » من المعنى.

واختلف أهل التأويل في معنى « النفي » الذي ذكر الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، أو يهرب من دار الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: يطلبهم الإمام بالخيل والرّجال حتى يأخذهم فيقيم فيهم الحكم، أو ينفوا من أرض المسلمين.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال، نفيُه: أن يطلب.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « أو ينفوا من الأرض » ، يقول: أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان: أنه كتب إليه: « ونفيه، أن يطلبه الإمام حتى يأخذه، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل » .

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال: فذكرت ذلك لليث بن سعد فقال: نفيُه، طلبُه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ، أو يخرجه طلبُه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب، إذا كان محاربًا مرتدًّا عن الإسلام قال الوليد: وسألت مالك بن أنس، فقال مثله.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد: وكذلك يطلب المحاربُ المقيم على إسلامه، يضطرّه بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين أو أقصى حَوْزِ المسلمين، فإن هم طلبوه دخل دار الشرك؟ قالا لا يُضْطَرّ مسلم إلى ذلك.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: « أو ينفوا من الأرض » قال: أن يطلبوه حتى يعجزوا.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن الحسن: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: ينفى حتى لا يُقْدَر عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: أخرجوا من الأرض. أينما أدركوا أخْرجوا حتى يلحقوا بأرض العدّو.

حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن الزهري في قوله: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: نفيه: أن يُطلب فلا يُقْدر عليه، كلَّما سُمع به في أرض طُلِب.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني سعيد، عن قتادة: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: إذا لم يَقْتُل ولم يأخذ مالا طُلب حتى يُعْجِز.

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرني نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي وعن أبي معاوية، عن سعيد بن جبير: « أو ينفوا من الأرض » ، من أرض الإسلام إلى أرض الكفر.

وقال آخرون: معنى « النفي » في هذا الموضع: أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدةٍ أخرى غيرها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير: « أو ينفوا من الأرض » ، قال: من أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول الله جل وعز: « أو ينفوا من الأرض » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يزيد بن أبي حبيب وغيره، عن حيَّان بن سُرَيج: أنه كتب إلى عمر بن عبدْ العزيز في اللصوص، ووصف له لصوصيتهم، وحبَسهم في السجون، قال: قال الله في كتابه: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف » ، وترك: « أو ينفوا من الأرض » . فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: « أما بعد، فإنك كتبت إليّ تذكر قول الله جل وعزّ: » إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصِلَّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ « ، وتركت قول الله: « أو ينفوا من الأرض » ، فنبيٌّ أنت، يا حيّان!! لا تحرّك الأشياء عن مواضِعها، أتجرَّدت للقتل والصَّلب كأنك عبدُ بني عقيل، من غير ما أُشبِّهك به؟ إذا أتاك كتابي هذا، فانفهم إلى شَغْبٍ » .

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني الليث، عن يزيدَ وغيره، بنحو هذا الحديث غير أن يونس قال في حديثه: « كأنك عبد بني أبي عقال، من غير أن أشبهك به » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن الصَّلت، كاتب حيَّان بن سُرَيج، أخبرهم: أن حيّان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: « أن ناسًا من القبط قامت عليهم البيَّنة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا، وأن الله يقول: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا فقرأ حتى بلغ، » وأرجلهم من خلاف « ، وسكت عن النفي. وكتب إليه: » فإن رأى أمير المؤمنين أن يُمْضي قضاءَ الله فيهم، فليكتب بذلك « . فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه قال: لقد اجتزأ حيان! ثم كتب إليه: » إنه قد بلغني كتابك وفهمته، ولقد اجتزأتَ، كأنما كتبتَ بكتاب يزيد بن أبي مسلم، أو عِلْج صاحبِ العراق، من غير أن أشبهك بهما، فكتبت بأول الآية، ثم سكتَّ عن آخرها، وإن الله يقول: « أو ينفوا من الأرض » ، فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبتَ به، فاعقد في أعناقهم حديدًا، ثم غيّبهم إلى شَغْبٍ وبَدَا. « »

قال أبو جعفر: « شَغْبٌ و » بَدَا « ، موضعان. »

وقال آخرون: معنى « النفي من الأرض » ، في هذا الموضع: الحبس.

ذكر من روى ذلك عنه:

وهو قول أبى حنيفة وأصحابه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معنى « النفي من الأرض » ، في هذا الموضع، هو نفيه من بلد إلى بلد غيره، وحبْسُه في السجن في البلد الذي نفي إليه، حتى تظهر توبته من فسوقه، ونـزوعه عن معصيته ربَّه.

وإنما قلتُ ذلك أولى الأقوال بالصحة، لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت. وإذْ كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب: القتلَ أو الصلبَ أو قطعَ اليد والرجل من خلافٍ، بعد القدرة عليه، لا في حال امتناعه كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القُدرة عليه، لا قبلها. ولو كان هَرَبه من الطلب نفيًا له من الأرض، كان قطع يده ورجله من خلافٍ في حال امتناعه وحربه على وجه القتال، بمعنى إقامة الحدِّ عليه بعد القدرة عليه. وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدًّا له بعد القدرة عليه، [ بطل أن يكون نفيُه من الأرض، هربَهُ من الطلب ] .

وإذْ كان كذلك، فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها، أو السَّجْن. فإذْ كان كذلك، فلا شك أنه إذا نُفي من بلدةٍ إلى أخرى غيرها، فلم ينف من الأرض، بل إنما نفي من أرض دون أرض. وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض كان معلومًا أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بُقْعة منها عن سائرها، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه.

وأما معنى « النفي » ، في كلام العرب، فهو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر:

يُنْفَــوْنَ عَـنْ طْـرُقِ الكِـرَامِ كَمَـا تَنْفِــي المَطَـارِقُ مَـا بَـلِي القَـرَدُ

ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء: « النُّفَاية » . وأما المصدر من « نفيت » ، فإنه « النفي » « والنَّفَاية » ، ويقال: « الدلو ينفي الماء » ، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو: « النّفِيُّ » ، ومنه قول الراجز:

كـــأَنَّ مَتْنَيِـــه مِــنَ النَّفِــيِّ مَــوَاقِعُ الطَّــيْرِ عَــلَى الصُّفِـيِّ

ومنه قيل: « نَفىَ شَعَرُه » ، إذا سقط، يقال: « حَال لونُك، ونَفىَ شعرُك » .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 33 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ذلك » ، هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسولَه، وسعوا في الأرض فسادًا في الدنيا، من قتلٍ أو صلبٍ أو قطع يد ورجل من خلاف « لهم » ، يعني: لهؤلاء المحاربين « خزي في الدنيا » ، يقول: هو لهم شرٌّ وعار وذلةٌ، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة.

يقال منه: « أخزيتُ فلانًا، فَخَزِي هو خِزْيًا » .

وقوله: « ولهم في الآخرة عذاب عظيم » ، يقول عز ذكره: لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسولَه وسعوا في الأرض فسادًا، فلم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة، مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها « عذاب عظيم » ، يعني: عذاب جهنم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا من شركهم ومناصَبتهم الحربَ لله ولرسوله والسَّعيِ في الأرض بالفساد، بالإسلام والدخولِ في إلإيمان، من قبل قُدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلَها الله جزاء لِمَنْ حارَبه ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا، من قتلٍ، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض فلا تِباعَةَ قِبَله لأحدٍ فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين، في مالٍ ولا دم ولا حرمةٍ. قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ إلى قوله: « فاعلموا أنّ الله غفور رحيم » ، نـزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يُقدر عليه، لم يكن عليه سبيل. وليس تُحْرِز هذه الآية الرجلَ المسلم من الحدِّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدر عليه. ذلك يقام عليه الحدّ الذي أصاب.

حدثنا بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم » ، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا في شركهم، فإن الله غفور رحيمٌ، إذا تابوا وأسْلموا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الزنا، والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيرَّ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيهم: فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه، قُبِلَ ذلك منه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الآية فذكر نحو قول الضحاك، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخل في الإسلام، قُبل منه، ولم يؤاخذ بما سلَف.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا من هذا في شركهم، ثم تابوا وأسلموا، فإن الله غفور رحيم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة: أما قوله: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، فهذه لأهل الشرك. فمن أصاب من المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حَرْب، فأخذ مالا وأصاب دمًا، ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهْدِر عنه ما مَضَى.

وقال آخرون: بل هذه الآية معنيٌّ بالحكم بها، المحاربون اللهَ ورسوله: الحُرَّابُ من أهل الإسلام، من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه، ثم استأمن فأُومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب ومَن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن. قالوا: فإذا أمَّنه الإمام على جناياته التي سلفت، لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبل توبته، وقبلَ أمان الإمام إيَّاه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو أسامة، عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبي: أن حارثة بن بَدْرٍ خرج محاربًا، فأخاف السبيل، وسفَك الدمَ، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدرَ عليه، فقبل علي بن أبي طالب عليه السلام توبته، وجعل له أمانًا منشورًا على ما كان أصاب من دٍم أو مال.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: أن حارثة بن بدرٍ حاربَ في عهد علي بن أبي طالب، فأتى الحسن بن علي رضوان الله عليهما، فطلبَ إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى. ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأمَّنه، وضمّه إليه. وقال له: استأمِنْ لِي أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب. قال: فلما صلى عليٌّ الغداة، أتاه سَعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحارِبون الله ورسوله؟ قال: أن يقتَّلوا، أو يصلبوا، أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. قال: ثم قال: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » . قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر! قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبًا، فهو آمن؟ قال: نعم! قال: فجاء به فبايعه، وقبل ذلك منه، وكتب له أمانًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب، ثم تاب. وكُلِّم له عليّ فلم يُؤْمنه. فأتى سعيدَ بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيدُ بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله؟ فقرأ الآية كلها فقال: أرأيت من تابَ من قبل أن تقدِر عليه؟ قال: أقول كما قال الله. قال: فإنه حارثة بن بدر! قال: فأمَّنه علي، فقال حارثة:

أَلا أَبْلِغَــا هَمْــدَانَ إِمَّــا لَقِيتَهــا عَـلَى النَّـأيِ لا يَسْـلَمْ عَـدُوٌّ يَعِيبُهَـا

لَعَمْــرُ أَبِيهَــا إنَّ هَمَــدَانَ تَتَّقِـي الإلــهَ وَيَقْضِـي بِالْكِتَـابِ خَطِيبُهَـا

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، وتوبته من قبل أن يُقْدر عليه: أن يكتُب إلى الإمام يَستأمنه على ما قَتل وأفسدَ في الأرض: « فإن لم يؤمني على ذلك، ازددت فسادًا وقتلا وأخذًا للأموال أكثر مما فعلت ذلك قبل » . فعلى الإمام من الحقّ أن يؤمنه على ذلك. فإذا أمّنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام، فليس لأحد من الناس أن يتّبِعه، ولا يأخذه بدَم سفكه، ولا مال أخذه. وكل مالٍ كان له فهو له، لكيلا يقتل المؤمنين أيضًا ويفسد. فإذا رجع إلى الله جل وعزّ فهو وليُّه، يأخذه بما صنع، وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس. فإذا أخذه الإمام، وقد تابَ فيما يزعُم إلى الله جل ثناؤه قبل أن يُؤمنه الإمام، فليقم عليه الحدّ.

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أخبرني مكحول، أنه قال: إذا أعطاه الإمام أمانًا، فهو آمن، ولا يقام عليه حدُّ ما كان أصاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ من جاء تائبًا من الحُرَّاب قبل القُدْرة عليه، استأمن الإمام فأمَّنه أو لم يستأمنه، بعدَ أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن عامر قال: جاء رجل من مُرادٍ إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمرة عثمان، بعد ما صلَّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مَقَام العائذِ بك، أنا فلان بن فلان المرادِيّ، كنت حاربتُ الله ورسوله، وسعيتَ في الأرض، وإني تبتُ من قبل أن تَقْدر عليّ! فقام أبو موسى فقال: هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حاربَ الله ورسوله، وسعَى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقْدَر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير. فأقام الرجل ما شاءَ الله، ثم إنه خرج فأدركه الله جل وعزّ بذُنوبه فقَتَله.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل السدي، عن الشعبي قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فذكر نحوه.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك: أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيل، وأصابَ الدم والمال، فلحق بدار الحرْب، أو تمنَّع في بلاد الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه؟ قال: تقبل توبته. قال قلت: فلا يُتَّبع بشيء من أحداثه؟ قال: لا إلا أن يوجد معه مالٌ بعينه فيردّ إلى صاحبه، أو يطلبه وليُّ من قَتل بدم في حَرْبه يثبت ببيّنَةٍ أو اعترافٍ فيقاد به. وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها، فلا يتَّبعه الإمام بشيء قال علي، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: تقبل توبته إذا كان محاربًا للعامة والأئمة، قد آذاهم بحَرْبه، فشهر سلاحه، وأصاب الدماء والأموال، فكانت له مَنْعة أو فِئة يلجأ إليهم، أو لحق بدار الحرب فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقدرَ عليه، قُبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء منه.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: سمعت ابن شهاب الزهريّ يقول ذلك.

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال: فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة، فقال: إذا أعلن بالمحاربة العامة والأئمة، وأصابَ الدماء والأموال، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه، أو لحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا من قبل أن يقدر عليه، قبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء من أحْدَاثه في حربه من دم خاصةٍ ولا عامة، وإن طلبه وليه.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال الليث وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدنيّ، وهو الأمير عندنا: أن عليًّا الأسديّ حاربَ وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ سورة الزمر: 53 ] . الآية، فوقف عليه فقال: يا عبد الله، أعد قراءَتها. فأعادها عليه، فغَمَد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غِمار أصحابه. فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ، جئت تائبًا من قبلِ أن تَقْدروا عليَّ! فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بنَ الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ، جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال، فترك من ذلك كله. قال: وخرج عليَّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقُوا الروم، فقرَّبوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الرُّوم في سفينتهم، فهُزِموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا.

حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مطرف بن معقل قال، سمعت عطاء قال في رجل سرق سرقة فجاء بها تائبًا من غير أن يُؤخَذ، فهل عليه حدٌّ؟ قال: لا! ثم قال: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدِروا عليهم » ، الآية.

حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخرٍ، عن محمد بن كعب القرظي وعن أبي معاوية عن سعيد بن جبير قالا إن جاء تائبًا لم يقتطع مالا ولم يسفك دمًا، تُرك. فذلك الذي قال الله: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، يعني بذلك أنه لم يسفك دمًا ولم يقتطع مالا.

وقال آخرون: بل عنى بالاستثناء في ذلك، التائبَ من حربه اللهَ ورسولَه والسعيِ في الأرض فسادًا بعد لحاقه في حربه بدار الكفر. فأما إذا كانت حِرَابته وحربُه وهو مقيم في دار الإسلام، وداخلٌ في غمار الأمة، فليست توبته واضعة عنه شيئًا من حدود الله جل وعز، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني إسماعيل، عن هشام بن عروة: أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصّص في الإسلام فأصاب حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال: لا تقبل توبته، لو قبل ذلك منهم اجترءوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا. ولكن لو فرّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أر عليه عقوبة.

وقد روي عن عروة خلاف هذا القول، وهو ما:-

حدثني به علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني من سمع هشام بن عروة، عن عروة قال، يقام عليه حدُّ ما فر منه، ولا يجوز لأحدٍ فيه أمان يعني، الذي يصيب حدًّا، ثم يفرُّ فيلحق الكفار، ثم يجيء تائبًا.

وقال آخرون: إن كانت حِرَابته وحربه في دار الإسلام، وهو في غير مَنْعة من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من حقوق الناس. وإن كانت حِرَابته وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أنه في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحْداثه في أيام حِرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا أو أمَرَ الرُّفقة بما فيه عقوبة، أو غُرْم لمسلم أو معاهد، وهو غير ملتجئ إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبتُه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: إذا قطع الطريق لصٌّ أو جماعة من اللصوص، فأصابوا ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يكن لهم فئة يلجأون إليها ولا مَنْعة، ولا يأمنون إلا بالدخول في غِمَار أمتهم وسوادِ عامّتهم، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، لم تُقبل توبته، وأقيم عليه حدهّ ما كان.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: ذكرت لأبي عمرو قول عُروة: « يقام عليه حدّ ما فرّ منه، ولا يجوز لأحد فيه أمان » ، فقال أبو عمرو: إن فرّ من حَدَثه في دار الإسلام، فأعطاه إمامٌ أمانًا، لم يجزْ أمانُه. وإن هو لحق بدار الحرب، ثم سأل إمامًا أمانًا على أحداثه، لم ينبغ للإمام أن يعطيه أمانًا. وإن أعطاه الإمام أمانًا وهو غير عالم بأحداثه، فهو آمن. وإن جاء أحدٌ يطلبه بدم أو مال رُدّ إلى مأمنه، فإن أبى أن يَرجع فهو آمن ولا يُتَعَرَّض له. قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثه وهو يعرفها، فالإمام ضامنٌ واجب عليه عَقْلُ ما كان أصاب من دم أو مال، وكان فيما عطّل من تلك الحدود والدماء آثمًا، وأمره إلى الله جل وعز. قال: وقال أبو عمرو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له مَنْعة أو فئة يلجأ إليها، أو لحق بدار الحرب فارتدّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، قُبِلت توبته، ولم يُتَّبع بشيء من أحداثه التي أصابها في حربه، إلا أن يوجد معه شيءٌ قائم بعينه فيردّ إلى صاحبه.

حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن ربيعة قال: تقبل توبتُه، ولا يتَّبع بشيء من أحداثِه في حربه، إلا أن يطلبه أحد بدم كان أصابه في سِلْمه قبل حربه، فإنه يقاد به.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معمر الرقي قال، حدثنا الحجاج، عن الحكم بن عتيبة قال: قاتل الله الحجاج! إن كان ليفقَهُ! أمَّن رجلا من محاربته، فقال، انظروا هل أصاب شيئا قبل خروجه؟

وقال آخرون: تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم.

وممن قال ذلك الشافعي.

حدثنا بذلك عنه الربيع.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته، من حدود الله، وغُرْم لازم، وقَوَدٍ وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيردّ على أهله لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام. فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.

فأمَّا المستخفي بسرقته، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه، والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه تاب أو لم يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حربًا، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره، ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه.

وفي قوله: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم » ، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين، يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين ودون ذمتهم، لوجب أن لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين. وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: « عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب » .

وأما قوله: « فاعلموا أن الله غفور رحيم » ، فإن معناه: فاعلموا أيها المؤمنون، أن الله غير مؤاخذٍ من تاب من أهل الحرب لله ولرسوله، الساعين في الأرض فسادًا، وغيرهم بذنوبه، ولكنه يعفو عنه فيسترها عليه، ولا يفضحه بها بالعقوبة في الدنيا والآخرة رحيم به في عفوه عنه، وتركه عقوبته عليها.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب « اتقوا الله » يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم « وابتغوا إليه الوسيلة » ، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.

و « الوسيلة » : هي « الفعيلة » من قول القائل: « توسلت إلى فلان بكذا » ، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة:

إنَّ الرِّجَــالَ لَهُــمْ إِلَيْــكِ وَسِـيلَةٌ إِنْ يَــأْخُذُوكِ, تكَحَّــلِي وتَخَـضَّبي

يعني بـ « الوسيلة » ، القُرْبة، ومنه قول الآخر:

إِذَا غَفَــلَ الوَاشُـونَ عُدْنَـا لِوَصْلِنَـا وَعَــادَ التَّصَـافِي بَيْنَنَـا وَالوَسَـائِلُ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان عن منصور، عن أبي وائل: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: القربة في الأعمال.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي عن طلحة، عن عطاء: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: القربة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: فهي المسألة والقربة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، القربة إلى الله جل وعزّ.

حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، خبرنا معمر، عن الحسن في قوله: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: القربة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: القربة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وابتغوا إليه الوسيلة » ، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [ سورة الإسراء: 57 ] .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهدوا، أيها المؤمنون، أعدائي وأعداءَكم في سبيلي، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام. يقول: أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة، « لعلكم تفلحون » ، يقول: كيما تنجحوا، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته.

وقد دللنا على معنى « الفلاح » فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 36 )

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: إن الذين جحدوا ربوبية ربّهم وعبدوا غيرَه، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا على ذلك قبل التوبة لو أن لهم مِلك ما في الأرض كلِّها وضعفَه معه، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمرَه، وعبادتهم غيره يوم القيامة، فافتدوا بذلك كله، ما تقبَّل الله منهم ذلك فداءً وعِوضًا من عذابهم وعقابهم، بل هو معذّبهم في حَمِيم يوم القيامة عذابًا موجعًا لهم.

وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه لليهود الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم وغيرهم من سائر المشركين به، سواءٌ عنده فيما لهم من العذاب الأليم والعقاب العظيم. وذلك أنهم كانوا يقولون: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، اغترارًا بالله جل وعزّ وكذبًا عليه. فكذبهم تعالى ذكره بهذه الآية وبالتي بعدها، وحَسَم طمعهم، فقال لهم ولجميع الكفرة به وبرسوله: « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، يقول لهم جل ثناؤه: فلا تطمعوا أيُّها الكفرة في قَبُول الفدية منكم، ولا في خروجكم من النار بوسَائل آبائكم عندي بعد دخولكموها، إن أنتم مُتّم على كفركم الذي أنتم عليه، ولكن توبوا إلى الله توبةً نَصُوحًا. »

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 37 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يريدون أن يخرجوا من النار » ، يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها، وما هم بخارجين منها « ولهم عذاب مقيم » ، يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر:

فَــإنَّ لَكُــمْ بِيَـوْمِ الشِّـعْبِ مِنِّـي عَذَابًـــا دَائِمًـــا لَكُــمُ مُقِيمَــا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: « وما هم بخارجين منها » ؟ فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفّار.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن سرقَ من رجل أو امرأة، فاقطعوا، أيها الناس، يَدَه ولذلك رفع « السارق والسارقة » ، لأنهما غير معيّنين. ولو أريد بذلك سارقٌ وسارقة بأعيانهما، لكان وجه الكلام النّصب.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: ( والسارقون والسارقات ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: في قراءتنا قال: وربما قال: في قراءة عبد الله ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم: في قراءتنا: ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ) .

وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن « السارق والسارقة » مرفوعان بفعلهما على ما وصفت، للعلل التي وصفت.

وقال تعالى ذكره: « فاقطعوا أيديهما » ، والمعنى: أيديهما اليمنى، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فاقطعوا أيديهما » اليمنى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: في قراءة عبد الله: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ) .

ثم اختلفوا في « السارق » الذي عناه الله عز ذكره.

فقال بعضهم: عنى بذلك سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ:-

رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم.

وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس:

أن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم.

وقال آخرون: بل عني بذلك سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها. وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: « والسارق والسارقة » ، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: « الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمته » ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « القطعُ في ربع دينار فصاعدًا » . وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلّوا بها لأقوالهم، والبيانَ عن أولاها بالصواب، بشواهده، في كتابنا « كتاب السرقة » ، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع.

وقوله: « جزاء بما كسبا نكالا من الله » ، يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله « نكالا من الله » يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما.

وكان قتادة يقول في ذلك ما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم » ، لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد.

وكان عمر بن الخطاب يقول: « اشتدُّوا على السُّرَّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلا رجلا » .

وقوله: « والله عزيز حكيم » يقول جل ثناؤه: « والله عزيزٌ » في انتقامه من هذا السارق والسارقةِ وغيرهما من أهل معاصيه « حكيم » ، في حكمه فيهم وقضائه عليهم.

يقول: فلا تفرِّطوا أيها المؤمنون، في إقامة حكمي على السرَّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: « فمن تاب » ، من هؤلاء السراق، يقول: من رجع منهم عمَّا يكرهه الله من معصيته إيَّاه، إلى ما يرضاه من طاعته « من بعد ظلمه » ، و « ظلمه » ، هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس « وأصلح » ، يقول: وأصلح نفسه بحملها على مكروهها في طاعة الله، والتوبة إليه ممَّا كان عليه من معصيته.

وكان مجاهد - فيما ذكر لنا- يقول: توبته في هذا الموضع، الحدُّ الذي يقام عليه.

......................................

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح » ، فتاب عليه، يقول: الحدُّ.

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا ابن لهيعة، عن حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حُليًّا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتِ اليومَ من خطيئتك كيوم ولدتك أمك! قال: فأنـزل الله جل وعز: « فمن تاب من بعد ظُلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه » .

وقوله: « فإن الله يتوب عليه » ، يقول: فإن الله جل وعز يُرْجعه إلى ما يحبّ ويرضى، عما يكرَه ويسخط من معصيته.

وقوله: « إن الله غفور رحيم » يقول: إن الله عز ذكره ساترٌ على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبَه، بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة، وتركه فضيحتَه بها على رءوس الأشهاد « رحيم » به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم يعلم هؤلاء [ يعني القائلين ] : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبِّر ما في السموات وما في الأرض، ومصرفه وخالقه، لا يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه، لأن كل ذلك ملكه، وإليه أمره، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما، فيحابيه بسبب قرابته منه، فينجيه من عذابه، وهو به كافر، ولأمره ونهيه مخالف أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه، ولكنه يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته، فينقذه من الهلكة، وينجيه من العقوبة « والله على كل شيء قدير » ، يقول: والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الأمور كلها قادرٌ، لأن الخلق خلقُه، والملك ملكه، والعباد عباده.

وخرج قوله: « ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض » ، خطابًا له صلى الله عليه وسلم، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حَوَاليها. وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنما هو الذَّبح، فلا تنـزلوا على حكم سعد » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم » ، قال: نـزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار، ما الأمر؟ وعلام ننـزل؟ فأشار إليهم أنه الذَّبح.

وقال آخرون: بل نـزلت في رجل من اليهود سأل رجلا من المسلمين يسألُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حُكمه في قتِيلٍ قتله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر: « لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر » ، قال: كان رجل من اليهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين: سلوا ليِ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن بُعِثَ بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن زكريا، عن عامر، نحوه.

وقال آخرون: بل نـزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتدّ بعد إسلامه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، حدثني الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث، عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة حدّثهم: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنَى رجل منهم بعد إحصانه، بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا، انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فاسألوه كيف الحكم فيهما، وولُّوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه وهو الجلد بحبل من ليف مطليٍّ بقار، ثم تُسوَّد وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتحوَّل وجوههما من قبل دُبُر الحمار فاتبعوه، فإنما هو ملكٌ. وإن هو حكم فيهما بالرجم، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما. فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم إلى بيت المدراس، فقال: « يا معشر اليهود، أخرجوا إليّ أعلمكم! » فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور وقد روى بعض بني قريظة، أنهم أخرجوا إليه يومئذ مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا! فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصَّل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلامًا شابًّا من أحدثهم سنًّا، فألظَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألةَ، يقول: يا ابن صوريا، أنشُدك الله واذكِّرك أياديه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ الله حكم فيمن زنىَ بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال: اللهم نعم! أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبيٌّ مرسلٌ، ولكنهم يحسدونك! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، في بني غنم بن مالك بن النجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنـزل الله جل وعز: « يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديٍّ محمَّم مجلود، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من علمائهم فقال: أهكذا تجِدُون حدَّ الزاني فيكم؟ قال: نعم! قال: فأنشدك بالذي أنـزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزنى فيكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدِّثك، ولكن الرجم، ولكن كثرُ الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: « تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرجم، فيكون على الشريف والوضيع » ، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنـزل الله: « لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر » الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب، وعند سعيد رجل يوقِّره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شَهِد الحديبية، وكان من أصحاب أبي هريرة قال: قال أبو هريرة: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

ح، وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني رجل من مزينة ممن يَتَّبع العلمَ ويعيه، حدَّث عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من اليهود، وكانوا قد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض: إن هذا النبي قد بعث، وقد علمتم أنْ قد فُرِض عليكم الرجْم في التوراة فكتمتموه، واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه، فانطلقوا نسأل هذا النبي، فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم، تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التوراة، فهي أحق أن تُطَاع وتصدَّق! فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلم يَرْجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام وقمنا معه، فانطلق يؤمُّ مِدْراس اليهود، حتى أتاهم فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدراس، فقال لهم: يا معشر اليهود، أنشُدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، ماذا تجدون في التوراة من العُقوبة على من زنى وقد أحصن؟ قالوا: إنا نجده يحمَّم ويُجْلَد! وسكت حَبْرهم في جانب البيت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صَمته، ألظَّ يَنْشُدُه، فقال حبرهم: اللهم إذْ نَشَدتنا فإنا نجد عليهم الرجم! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فماذا كان أوّلُ ما ترخَّصتم به أمرَ الله « ؟ قال: زنى ابن عم ملك فلم يرجمه، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومُه فقالوا: والله لا ترجمه حتى ترجُم فلانًا ابن عم الملك! فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم وتركوا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أقضي بما في التوراة! فأنـزل الله في ذلك: » يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر « إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . »

وقال آخرون: بل عُني بذلك المنافقون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: « يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم » ، قال: هم المنافقون.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « آمنا بأفواههم » قال يقول: هم المنافقون سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ، قال: هم أيضًا سماعون لليهود.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: عني بقوله: « لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم » ، قومٌ من المنافقين. وجائزٌ أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا وجائز أن يكون أبو لبابة وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك، ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عُنِي به عبد الله بن صوريَا.

وإذا صحّ ذلك، كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك، والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: « صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا » .

وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: أن ابن صُوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنك نبى مُرسَل، ولكنهم يحسدونك » . فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانًا برسول الله صلى الله عليه وسلم بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه. فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبه بأنك لله رسول مرسل.

 

القول في تأويل قوله عز وجلّ : وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسولُ لا يحزنك تسرُّع من تسرَّع من هؤلاء المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقَك، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك، ولا تسرُّعُ اليهود إلى جحود نبوّتك. ثم وصف جل وعزّ صفتهم،

ونعتهم له بنعوتهم الذَّميمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره مُعزّيًا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه، أنَّهم أهلُ استحلال الحرامِ والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرُّشَى والسُّحْت، وأنهم أهل إفكٍ وكذبٍ على الله، وتحريف لكتابه. ثم أعلمه أنه مُحِلٌّ بهم خزيَه في عاجل الدنيا، وعقابه في آجل الآخرة. فقال: هم « سماعون للكذب » ، يعني هؤلاء المنافقين من اليهود، يقول: هم يسمعون الكذب، و « سمعهم الكذب » ، سمعُهم قول أحبارهم: أنّ حكم الزاني المحصن في التوراة، التحميمُ والجلد « سماعون لقوم آخرين لم يأتوك » ، يقول: يسمعون لأهل الزاني الذين أرادوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القوم الآخرون الذين لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا مصرِّين على أن يأتوه، كما قال مجاهد:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، قال مجاهد: « سماعون لقوم آخرين لم يأتوك » ، مع من أتوك.

واختلف أهل التأويل في « السماعين للكذب السماعين لقوم آخرين » .

فقال بعضهم: « سماعون لقوم آخرين » ، يهود فَدَك. و « القوم الآخرون » الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهوُد المدينة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر في قوله: « ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين » ، قال: يهود المدينة « لم يأتوك يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه » ، قال: يهود فدك، يقولون ليهود المدينة: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ .

وقال آخرون: المعنيّ بذلك قوم من اليهود، كان أهل المرأة التي بَغَتْ، بعثوا بهم يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها. والباعثون بهم هم « القوم الآخرون » ، وهم أهل المرأة الفاجرة، لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « ومن الذين هادوا سمَّاعون للكذب سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون » ، فإنّ بني إسرائيل أنـزل الله عليهم: « إذا زنى منكم أحد فارجموه » ، فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم، فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه، قام الخيار والأشراف فمنعوه. ثم زنى رجل من الضعفاء، فاجتمعوا ليرجموه، فاجتمعت الضعفاء فقالوا: لا ترجموه حتى تأتُوا بصاحبكم فترجمونهما جميعًا! فقالت بنو إسرائيل: إن هذا الأمر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه! فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جَلْدة بحبل مقيَّر، ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه، ويسوِّدون وجهه، ويطوفون به. فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود يقال لها: « بسرة » ، فبعث أبوها ناسًا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه عن الزنا وما نـزل إليه فيه، فإنا نخاف أن يفضحنا ويُخْبرنا بما صنعنا، فإن أعطاكم الجلد فخذُوه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه! فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال: الرجم! فأنـزل الله عز وجل: « ومن الذين هادوا سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه » ، حين حرَّفوا الرجم فجعلوه جلدًا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن « السماعين للكذب » ، هم « السماعون لقوم آخرين » .

وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة، والمسموعُ لهم من يَهُود فدك ويجوز أن يكون كانوا من غيرهم. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوٍم من يهود، سَمِعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قَبْل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها. وإنما سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم، ليُعْلموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم. فإن لم يكن من حكمه الرجم رَضُوا به حَكَمًا فيهم. وإن كان من حكمه الرّجم، حذِروه وتركوا الرضَى به وبحكمه.

وبنحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين » ، قال: لقوم آخرين لم يأتوه من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه، يقولون لهم الكذب: « محمد كاذبٌ، وليس هذا في التوراة، فلا تؤمنوا به » .

 

القول في تأويل قوله عزّ وجلّ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحرف هؤلاء السمَّاعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعدُ من اليهود « الكلم » . وكان تحريفُهم ذلك، تغييرَهم حكم الله تعالى ذكره الذي أنـزله في التوراة في المحصَنات والمحصَنين من الزناة بالرجم إلى الجلد والتحميم. فقال تعالى ذكره: « يحرّفون الكلم » ، يعني: هؤلاء اليهود، والمعنيُّ حكم الكَلِم، فاكتفى بذكر الخبر من « تحريف الكلم » عن ذكر « الحكم » ، لمعرفة السامعين لمعناه. وكذلك قوله: « من بعد مواضعه » ، والمعنى: من بعد وضْع الله ذلك مواضعه، فاكتفى بالخبر من ذكر « مواضعه » ، عن ذكر « وضع ذلك » ، كما قال تعالى ذكره: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [ سورة البقرة: 177 ] ، والمعنى: ولكن البِرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر.

وقد يحتمل أن يكون معناه: يحرفون الكلم عن مواضعه فتكون « بعد » وضعت موضع « عن » ، كما يقال: « جئتك عن فراغي من الشغل » ، يريد: بعد فراغي من الشُّغل.

ويعني بقوله: « إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » ، يقول هؤلاء الباغُون السمَّاعون للكذب: إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا « فخذوه » ، يقول: فاقبلوه منه، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم، فاحذروا.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، حدثني الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدِّث سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة حدثهم في قصة ذكرها وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ، قال: [ أي الذين بعثوا منهم مَنْ ] بعثوا وتخلفوا، وأمروهم بما أمرُوهم به من تحريف الكلم عن مواضعه، فقال: « يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه » ، للتجبيه « وإن لم تؤتوه فاحذروا » ، أي الرجم.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « إن أوتيتم هذا » ، إن وافقكم هذا فخذوه. يهودُ تقولُه للمنافقين.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، « إن أوتيتم هذا فخذوه » ، إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لم يوافقكم فاحذروه. يهود تقوله للمنافقين.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يحرفون الكلم من بعد مواضعه » ، حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدًا « يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر: « يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه » ، يهود فدك، يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرَّجم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » ، هم اليهودُ، زنت منهم امرأة، وكان الله قد حكم في التوراة في الزّنا بالرجم، فنَفِسوا أن يرجموها، وقالوا: انطلقوا إلى محمد، فعسى أن يكون عنده رُخْصة، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها! فأتَوْه، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّ امرأة منّا زنت، فما تقول فيها؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: كيف حُكم الله في التوراة في الزاني؟ فقالوا: دعنا من التوراة، ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال: ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنـزلت على موسى! فقال لهم: بالذي نجاكم من آل فرعون، وبالذي فَلَق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون، إلا أخبرتموني ما حُكْم الله في التوراة في الزاني؟! قالوا: حكمه الرَّجْم! فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » ، ذكر لنا أن هذا كان في قتيلٍ من بني قريظة، قتلته النضير. فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يُقِيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم. وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقَوَد لفضلهم عليهم في أنفسهم تعزُّزًا. فقدم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة على تَفِئَةِ قتيلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عَمْدٍ، متى ما ترفعونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخشى عليكم القَوَد، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ!

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يحرفون الكلم من بعد مواضعه » ، يقول: يحرّف هؤلاء الذين لم يأتوك الكلم عن مواضعه، لا يضعونه على ما أنـزله الله. قال: وهؤلاء كلهم يهود، بعضهم من بعضٍ.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية وعبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب: « يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » ، يقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

 

القول في تأويل قوله جل وعز : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا

قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم من حزنه على مسارعة الذين قصَّ قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية. يقول له تعالى ذكره: لا يحزنك تسرُّعهم إلى جحود نبوَّتك، فإني قد حَتَمْتُ عليهم أنهم لا يتوبون من ضلالتهم، ولا يرجعون عن كفرهم، للسابق من غضبي عليهم. وغير نافعهم حزنك على ما ترى من تسرُّعهم إلى ما جعلته سببًا لهلاكهم واستحقاقِهم وعيدي.

ومعنى « الفتنة » في هذا الموضع: الضلالة عن قصد السبيل.

يقول تعالى ذكره: ومن يرد الله، يا محمد، مَرْجعه بضلالته عن سبيل الهدى، فلن تملك له من الله استنقاذًا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة. فلا تشعر نفسك الحزنَ على ما فاتك من اهتدائه للحق، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: « ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا » .

.............................................

 

القول في تأويل قوله جل وعز : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 41 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزُنك الذين يسارعون في الكفر من اليهودِ الذين وصفت لك صفتهم. وإن مسارعتهم إلى ذلك، أنّ الله قد أراد فتنتهم، وطَبَع على قلوبهم، ولا يهتدون أبدًا « أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم » ، يقول: هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهِّر من دنس الكفر ووَسخ الشرك قُلوبَهم، بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان، فيتوبوا، بل أراد بهم الخزي في الدنيا وذلك الذلّ والهوان وفي الآخرة عذابُ جهنم خالدين فيها أبدًا.

وبنحو الذي قلنا في معنى « الخزي » ، روي القول عن عكرمة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر وغيره، عن عكرمة، « أولئك الذين لم يرد الله أن يطهِّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي » ، قال: مدينة في الروم تُفْتح فَيُسْبَوْن.

 

القول في تأويل قوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء اليهود الذين وصفتُ لك، يا محمد، صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: « محمد كاذب، ليس بنبي » ، وقيل بعضهم: « إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم » ، وغير ذلك من الأباطيل والإفك ويقبلون الرُّشَى فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، سمعت الحسن يقول في قوله: « سماعون للكذب أكَّالون للسحت » ، قال: تلك الحكام، سمعوا كِذْبَةً وأكلوا رِشْوَةً.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « سماعون للكذب أكالون للسحت » ، قال: كان هذا في حكّام اليهودِ بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرُّشَى.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « أكالون للسحت » ، قال: الرشوة في الحكم، وهم يهود.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي وإسحاق الأزرق وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: « أكالون للسحت » ، قال: « السُّحت » ، الرشوةُ.

حدثنا سفيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلى قالا حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لعبد الله: ما السحت؟ قال: الرشوة. قالوا: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.

حدثنا سفيان قال، حدثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله قال: « السحت » ، الرشوة.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن حريث، عن عامر، عن مسروق قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نرى « السحت » إلا الرشوة في الحكم! قال عبد الله: ذاك الكُفْر.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله قال: « السحت » ، الرُّشَى؟ قال: نعم.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت عبد الله عن « السحت » ، فقال: الرجل يطلب الحاجةَ للرجل فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلُها.

حدثنا سوّار قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن منصور وسليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله أنه قال: « السحت » ، الرشى.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: « السحت » ، قال: الرشوة في الدِّين.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة قال، قال عمر: [ ما كان ] من « السحت » ، الرشى ومهر الزانية.

حدثني سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: « السحت » ، الرشوة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « أكالون للسحت » ، قال: الرشى.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي عن طلحة، عن أبي هريرة قال: مهر البغي سُحْت، وعَسْبُ الفحل سحت، وكسْبُ الحجَّام سحت، وثمن الكلب سُحْت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال: « السحت » ، الرشوة في الحكم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن « السحت » ، قال: الرشى. فقلت: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « أكالون للسحت » ، يقول: للرشى.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن مسروق، وعلقمة: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هي السحت. قالا في الحكم؟ قال: ذاك الكفر! تم تلا هذه الآية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ سورة المائدة: 44 ] .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المسعودي، عن بكير بن أبي بكير، عن مسلم بن صبيح قال: شفع مسروق لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلَّمت في حاجتك، ولا أكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: « من شفع شفاعة ليردّ بها حقًّا، أو يرفع بها ظلمًا، فأهدِيَ له فقبل، فهو سحت » ، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم! قال: الأخذُ على الحكم كفر.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « سماعون للكذب أكالون للسحت » ، وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم، وقضوا بالكذب.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة، عن عمار، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن « السحت » ، أهو الرشى في الحكم؟ فقال: لا من لم يحكم بما أنـزل الله فهو فاسق. ولكن « السحت » ، يستعينك الرجل على المظلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهدية فتقبلُها.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن هبيرة السَّبائي قال: من السحت ثلاثة: مهرُ البغي، والرشوة في الحكم، وما كان يُعطى الكُهان في الجاهلية.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن مطيع، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن ضمرة، عن علي بن أبي طالب: أنه قال في كسب الحجام، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستجْعَال في القضية، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، والرشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة: من السحت.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « أكالون للسحت » ، قال: الرشوة في الحكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموال، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الجبار بن عمر، عن الحكم بن عبد الله قال: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرشوة، فإنها سحت وكان أبوه على شُرَط المدينة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن مسروق، عن عبد الله قال: الرشوة سُحت. قال مسروق: فقلنا لعبد الله: أفي الحكم؟ قال: لا ثم قرأ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ سورة المائدة: 44 ] ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ سورة المائدة: 45 ] ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ سورة المائدة: 47 ] .

وأصل « السحت » : كَلَبُ الجوع، يقال منه: « فلان مسحُوت المَعِدَة » ، إذا كان أكولا لا يُلْفَى أبدًا إلا جائعًا، وإنما قيل للرشوة: « السحت » ، تشبيهًا بذلك، كأن بالمسترشي من الشَّره إلى أخذ ما يُعطاه من ذلك، مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشَّرَه إلى الطعام. يقالُ منه: « سحته وأسحته » ، لغتان محكيتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالب:

وَعَـضُّ زَمَـانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع مِــنَ الْمَـالِ إلا مُسْـحَتًا أَوْ مُجَـلَّفُ

يعني بِ « المسحت » ، الذي قد استأصله هلاكًا بأكله إياه وإفساده، ومنه قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [ سورة طه: 61 ] . وتقول العرب للحالق: « اسحت الشعر » ، أي: استأصله.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرضْ عنهم » ، إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد وهم قومُ المرأة البغيّة محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحقِّ الذي جعله الله حُكمًا له فيمن فعل فِعْل المرأة البغيَّة منهم أو أعرض عنهم فدع الحكم بينهم إن شئت، والخيار إليك في ذلك.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « أو أعرض عنهم » ، يهودُ، زنى رجل منهم له نسبٌ حقير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمَّمُوه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم. قال: فأفتاهم فيه بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله: أتجدونه في التوراة؟ فكتموه، إلا رجلا من أصغرهم أعْوَرَ، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه لفي التوراة!

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث، عن ابن شهاب: أنّ الآية التي في « سورة المائدة » ، « فإن جاءوك فاحكم بينهم » ، كانت في شأن الرجم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إنهم أتوه يعني اليهود في امرأة منهم زنت، يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة؟ فقالوا: نؤمر برجم الزانية! فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت، وقد قال الله تبارك وتعالى: « وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، قال: كانوا يحدُّون في الزنا، إلى أن زنى شاب منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض: لا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثِّلوا به! فجلدوه وحملوه على حمارِ إكافٍ، وجعلوا وجهه مستقبِلَ ذنب الحمار إلى أن زنى آخر وضيع ليس له شرف، فقالوا: ارجموه! ثم قالوا: فكيف لم ترجموا الذى قبله؟ ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا! فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: سلوه، لعلكم تجدون عنده رخصة! فنـزلت: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » إلى قوله: « إنّ الله يحب المقسطين » .

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في قتيل قُتل في يهودَ منهم، قتله بعضهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن الآيات في « المائدة » ، قوله: « فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، إلى قوله: « المقسطين » ، إنما نـزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف، تؤدِّي الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقّ في ذلك، فجعل الدية في ذاك سواءً والله أعلم أيُّ ذلك كان.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير، قُتِل به. وإذا قتل رجلٌ من النضير رجلا من قريظة، أدَّى مئة وَسْقِ تمرٍ. فلما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَتَل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا! فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فنـزلت « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب: للنّضِيريِّ ديتان، والقرظيّ دية لأنه كان من النضير. قال: وأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما في التوراة، قال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ سورة المائدة: 45 ] ، إلى آخر الآية. قال: فلما رأت ذلك قريظة، لم يرضوا بحكم ابن أخطب، فقالوا: نتحاكم إلى محمد! فقال الله تبارك وتعالى: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، فخيرّه وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ، الآية كلها. وكان الشريف إذا زنى بالدنيئة رجموها هي، وحمَّموا وجهَ الشريف، وحملوه على البعير، وجَعلوا وجهه من قِبَل ذنب البعير. وإذا زنى الدنيء بالشريفة رجموه، وفعلوا بها هي ذلك. فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرجمها. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: من أعلمكم بالتوراة؟ قالوا: فلان الأعور! فأرسل إليه فأتاه، فقال: أنت أعلمهم بالتوراة؟ قال: كذاك تزعم يهودُ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طُور سَيْنَاء، ما تجد في التوراة في الزانيين؟ فقال: يا أبا القاسم، يرجمون الدنيئة، ويحملون الشريف على بعير، ويحمِّمون وجهه، ويجعلون وجهه من قبل ذنَبِ البعير، ويرجمون الدنيء إذا زنى بالشريفة، ويفعلون بها هي ذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « أنشدك بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طُور سَيْناء، ما تجد في التوراة؟ فجعل يروغ، والنبي صلى الله عليه وسلم يَنْشُده بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طور سيناء، حتى قال: يا أبا القاسم،الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو ذاك، اذهبوا بهما فارجموهما. قال عبد الله: فكنت فيمن رجمهما فما زال يُجْنِئُ عليها، ويقيها الحجارة بنفسه حتّى مات.

ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابت اليوم؟ وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثلُ الذي جعَل لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟

فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحكام من الخيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: إنْ رفع إليك أحد من المشركين في قَضَاءٍ، فإن شئت فاحكم بينهم بما أنـزل الله، وإن شئت أعرضت عنهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي وإبراهيم قالا إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن حكمت فاحكم بحكم المسلمين، ولا تعدُهُ إلى غيره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن محمد بن سالم، عن الشعبي قال: إذا أتاك أهل الكتاب بينهم أمر، فاحكم بينهم بحكم المسلمين، أو خَلِّ عنهم وأهلَ دينهم يحكمون فيهم، إلا في سرقة أو قتل.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال، قال لي عطاء، نحن مخيَّرون، إن شئنا حكمنا بين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلم نحكم بينهم. وإن حكمنا بينهم حكمنا بحكمنا بيننا، أو نتركهم وحكمهم بينهم قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب. وذلك قوله: « فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » .

حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة وحدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة عن إبراهيم والشعبي في قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، قالا إذا جاءوا إلى حاكم المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. وإن حكم بينهم، حكم بينهم بما في كتاب الله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم » ، يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنـزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له في ذلك رُخْصة، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.

حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينهم، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولا تعدُه إلى غيره، أو أعرض عنهم وخلِّهم وأهلَ دينهم.

وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكُم بينهم بالحق، وليس له ترك النظر بينهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، نسخت بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ . [ سورة المائدة: 49 ] .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن السدي قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

حدثنا ابن وكيع ومحمد بن بشار قالا حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد: لم ينسخ من « المائدة » إلا هاتان الآيتان: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [ سورة المائدة: 49 ] ، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [ سورة المائدة: 2 ] ، نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ سورة التوبة: 5 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد قال: نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن منهال قال، حدثنا همام، عن قتادة قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، يعني اليهود، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم، ورخَّص له أن يُعْرض عنهم إن شاء، ثم أنـزل الله تعالى ذكره الآية التي بعدها: وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ إلى قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [ سورة المائدة: 48 ] . فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنـزل الله بعد ما رخَّص له، إن شاء، أن يُعْرض عنهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزريّ: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عديّ بن عديّ: « إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن السدي، عن عكرمة قال: نسخت بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [ سورة المائدة: 48 ] .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، قال: مضت السنة أن يُرَدُّوا قي حقوقهم ومواريثهم إلى أهلِ دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حدٍّ، يحكم بينهم فيه بكتاب الله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نـزلت: « فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، كان النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخها فقال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ، وكان مجبورًا على أن يحكم بينهم.

حدثنا محمد بن عمار قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا عباد بن العوّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد قال: آيتان نسختا من هذه السورة يعني « المائدة » ، آية القلائد، وقوله: « فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » ، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخيَّرًا، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى احتكامهم، أن يحكم بينهم بما في كتابنا.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية.

وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [ سورة المائدة: 49 ] وقد دللنا في كتابنا: « كتاب البيان عن أصول الأحكام » : أن النسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وإذْ كان ذلك كذلك وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنـزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، أنه ناسخٌ قوله: « فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » ، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ عليه قوله: « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » .

وإذْ لم يكن في ظاهر التنـزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبٌر يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ صحَّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر.

وأما قوله: « وإن تُعْرِض عنهم فلن يضروك شيئًا » ، فإن معناه: وإن تعرض يا محمد، عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب، فتدَع النظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك، فلا تحكم فيه بينهم « فلن يضروك شيئًا » ، يقول: فلن يقدِرُوا لك على ضُرَّ في دين ولا دنيا، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم.

وأما قوله: « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » ، فإن معناه: وإن اخترت الحكم والنَظَر، يا محمد، بين أهل العهدِ إذا أتوك « فاحكم بينهم بالقسط » ، وهو العدل، وذلك هو الحكم بما جعله الله حكمًا في مثله على جميع خلقِه من أمة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » ، قالا إن حكم بينهم، حكم بما في كتاب الله.

حدثنا سفيان قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حوشب، عن إبراهيم: « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » ، قال: أمر أن يحكم فيهم بالرجم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن إبراهيم التيمي في قوله: « وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط » ، قال: بالرجم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « بالقسط » بالعدل.

حدثنا هناد قال، حدثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي في قوله: « فاحكم بينهم بالقسط » ، قال: أمر أن يحكم بينهم بالرجم.

وأما قوله: « إن الله يحب المقسطين » ، فمعناه: إن الله يحب العادلين في حكمهم بين الناس، القاضين بينهم بحكم الله الذي أنـزله في كتابه وأمْرِه أنبياءَه صلوات الله عليهم.

يقال منه: « أقسط الحاكم في حكمه » ، إذا عدل وقضى بالحق، « يُقْسِط إقساطًا » وأما « قسط » ، فمعناه: الجور، ومنه قول الله تعالى ذكره: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [ سورة الجن: 15 ] ، يعني بذلك: الجائرين عن الحق.

 

القول في تأويل قوله : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود، يا محمد، بينهم، فيرضون بك حكمًا بينهم « وعندهم التوراة » التي أنـزلتها على موسى، التي يقرُّون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنـزلته إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك « يتولون » ، يقول: يتركون الحكم به، بعد العلم بحكمي فيه، جراءة عليّ وعصيانًا لي.

وهذا، وإن كان من الله تعالى ذكره خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه تقريعٌ منه لليهود الذين نـزلت فيهم هذه الآية. يقول لهم تعالى ذكره: كيف تقرّون، أيها اليهود، بحكم نبيّي محمد صلى الله عليه وسلم، مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ، جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذْ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوّته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيِّي محمد أنه حكمي- أحْرَى، مع جحودكم نبوَّته.

ثم قال تعالى ذكره مخبرًا عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده، وحال نظرائهم من الجائرين عن حكمه، الزائلين عن محجّة الحق « وما أولئك بالمؤمنين » ، يقول: ليس من فعل هذا الفعل- أي: من تولّى عن حكم الله، الذي حكم به في كتابه الذي أنـزله على نبيه، في خلقه بالذي صدَّق الله ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك ليس من فِعل أهل الإيمان.

وأصل « التولي عن الشيء » ، الانصرافُ عنه، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: « ثم يتولون من بعد ذلك » ، قال: « توليهم » ، ما تركوا من كتاب الله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله » ، يعني: حدود الله، فأخبر الله بحكمه في التوراة.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وعندهم التوراة فيها حكم الله » ، أي: بيان الله ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم « ثم يتولون من بعد ذلك » ، الآية.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، قال يعني الرب تعالى ذكره يعيِّرهم: « وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله » ، يقول: الرجم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنـزلنا التوراة فيها بيانُ ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين

« ونور » ، يقول: فيها جلاء ما أظلم عليهم، وضياءُ ما التبس من الحكم « يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، يقول: يحكم بحكم التوراة في ذلك، أي: فيما احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه من أمر الزانيين « النبيون الذين أسلموا » ، وهم الذين أذعنوا لحكم الله وأقرُّوا به.

وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك نبيّنا محمدا صلى الله عليه وسلم، في حكمه على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم، وفي تسويته بين دم قتلى النّضير وقريظة في القِصاص والدِّية، ومَنْ قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنـزلت هذه الآية: نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال، حدثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بُعِث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: « فُتْيَا نبي من أنبيائك » !! قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة، حتى أتى بيت مِدْراسهم، فقام على الباب فقال: أنشدُكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمّم ويجبَّه ويجلد « والتجبيه » ، أن يحمل الزانيان على حمار، تُقَابل أقفيتهما، ويطاف بهما وسكت شابٌّ [ منهم ] ، فلما رآه سكت، ألظَّ به النِّشْدَةَ، فقال: اللهم إذ نشدتَنا، فإنا نجد في التوراة الرجْمَ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما أوّل ما ارْتَخَصْتم أمر الله؟ قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخَّر عنه الرجم. ثم زنى رجل في أسْرة من الناس، فأراد رَجْمَه، فحال قومه دونه وقالوا: لا ترجمْ صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه! فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة! فأمر بهما فرجما قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نـزلت فيهم: « إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، فكان النبيُّ منهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: « يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ قبله من الأنبياء، يحكمون بما فيها من الحق.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: « يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم « للذين هادوا » ، يعني اليهود، فاحكم بينهم ولا تخشهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنـزل الله فيها في كل زمان - على ما أمر بالحكم به فيها- مع النبيين الذين أسلموا « الربانيون والأحبار » .

و « الربانيون » جمع « رَبَّانيّ » ، وهم العُلماء الحكماء البُصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم و « الأحبار » ، هم العلماء.

وقد بينا معنى « الربانيين » فيما مضى بشواهده، وأقوالَ أهل التأويل فيه.

وأما « الأحبار » ، فإنهم جمع « حَبْر » ، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعْب: « كعب الأحبار » .

وكان الفراء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد « الأحبار » ، « حِبْر » بكسر « الحاء » .

وكان بعض أهل التأويل يقول: عُنِي بـ « الربانيين والأحبار » في هذا الموضع: ابنا صوريا اللذان أقرَّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى ذكره في التوراة على الزانيين المحصنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان رجلان من اليهود أخوان، يقال لهما ابنا صُوريا، وقد اتبعا النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسلما، وأعطياه عهدًا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به. وكان أحدُهما رِبِّيًّا، والآخر حَبْرًا. وإنما اتَّبعا النبى صلى الله عليه وسلم يتعلمان منه. فدعاهما، فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زَنَى الشريف وزنى المسكين، وكيف غيَّروه، فأنـزل الله: إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم « والربانيون والأحبار » ، هما ابنا صوريا، للذين هادوا. ثم ذكر ابني صوريا فقال: « والربانيون والأحبار بما استُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود، والربانيون من خلقه والأحبار. وقد يجوز أن يكون عُني بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخل في ظاهر التتزيل مسلمو الأنبياء وكل رَبَّاني وحبر. ولا دلالة في ظاهر التنـزيل على أنه معنيٌّ به خاص من الربانيين والأحبار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها. فكل رباني وحبر داخلٌ في الآية بظاهر التنـزيل.

وبمثل الذي قلنا في تأويل « الأحبار » ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: « الربانيون » و « الأحبار » ، قُرّاؤهم وفقهاؤهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن: « الربانيون والأحبار » ، الفقهاء والعلماء.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « الربانيون » ، العلماء الفقهاء، وهم فوق « الأحبار » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « الربانيون » ، فقهاء اليهود « والأحبار » ، علماؤهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا سنيد بن داود قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: « والربانيون والأحبار » ، كلهم يحكم بما فيها من الحق.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد « الربانيون » ، الولاة، « والأحبار » ، العلماء.

وأما قوله: « بما استحفظوا من كتاب الله » ، فإن معناه: يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة، والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استُودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة.

و « الباء » في قوله: « بما استحفظوا » ، من صلة « الأحبار » .

وأما قوله: « وكانوا عليه شهداء » ، فإنه يعني: أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله، يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين أسلموا للذين هادوا، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنـزله على نبيه موسى وقضائه عليهم، كما:-

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: « وكانوا عليه شهداء » ، يعني الربانيين والأحبار، هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال، أنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد، أتته اليهود. فقضى بينهم بالحق.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي، وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجمَ الذي جعلته حُكمًا في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كل أحدٍ من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استُحفِظتم من كتابي. كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فلا تخشوا الناس واخشون » ، يقول: لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنـزلت.

وأما قوله: « ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا » يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنـزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسِيسًا وذلك هو « الثمن القليل » .

وإنما أراد تعالى ذكره، نهيَهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى، كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا » ، قال: لا تأكلوا السحت على كتابي وقال مرة أخرى، قال قال ابن زيد في قوله: « ولا تشتروا بآياتي ثمنًا » قال: لا تأخذوا به رشوة.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا » ، ولا تأخذوا طَمَعًا قليلا على أن تكتموا ما أنـزلت.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( 44 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن كتم حُكم الله الذي أنـزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة « فأولئك هم الكافرون » ، يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنـزل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحقَّ الذي أنـزله في كتابه « هم الكافرون » ، يقول: هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل « الكفر » في هذا الموضع.

فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى به اليهود الذين حَرَّفوا كتاب الله وبدَّلوا حكمه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ سورة المائدة: 45 ] ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ سورة المائدة: 47 ] ، في الكافرين كلها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن القاسم قال، حدثنا أبو حيان، عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في « المائدة » ، « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفار.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي حيان، عن الضحاك: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، و الظَّالِمُونَ و الْفَاسِقُونَ ، قال: نـزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عمران بن حدير قال، أتى أبا مجلز ناسٌ من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، أحق هو؟ قال: نعم! قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، أحق هو؟ قال: نعم! قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، أحق هو؟ قال: نعم! قال فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنـزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدْعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا! فقالوا: لا والله، ولكنك تَفْرَقُ! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرَّجُون، ولكنها أنـزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوًا من هذا.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير قال: قعد إلى أبي مجلز نفرٌ من الإبَاضيَّة، قال فقالوا له: يقول الله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ! قال أبو مجلز: إنهم يعملون بما يعلمون يعني الأمراء ويعلمون أنه ذنب! قال: وإنما أنـزلت هذه الآية في اليهود! والنصارى قالوا: أما والله إنك لتعلم مثل ما نعلم، ولكنك تخشاهم! قال: أنتم أحق بذلك منّا! أمّا نحن فلا نعرف ما تعرفون! [ قالوا ] : ولكنكم تعرفونه، ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم!

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة في قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لكم كل حُلْوة، ولهم كل مُرَّة!! ولتسلُكُنَّ طريقَهم قِدَى الشِّراك.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي حيان، عن الضحاك: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، و الظَّالِمُونَ و الْفَاسِقُونَ ، قال: نـزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، ثم ذكر نحو حديث ابن بشار، عن عبد الرحمن.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال فقيل: ذلك في بني إسرائيل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرَّة، ولكم كل حلوة! كلا والله، لتسلكن طريقَهم قِدَى الشراك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة قال: هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنـزلت في قتيل اليهود الذي كان منهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، و الظَّالِمُونَ ، و الْفَاسِقُونَ ، لأهل الكتاب كلّهم، لما تركوا من كتاب الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديّ محمَّم مجلود، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حدَّ من زنى؟ قالوا: نعم! فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك الله الذي أنـزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا ولولا أنك أنشَدتني بهذا لم أخبرك، نجد حدَّه في كتابنا الرجم، ولكنه كثُر في أشرافنا، فكُنا إذا أخذنا الشّريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا فلنجتمع جميعًا على التحميم والجلد مكانَ الرجْم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنّي أول من أحيَى أمرك إذْ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، يعني اليهود: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، يعني اليهود: فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، للكفار كلها.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: من حكم بكتابه الذي كتب بيده، وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله، فقد كفر.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث القاسم، عن الحسن غير أن هنادًا قال في حديثه: فقلنا: تعالوا فلنجتمع في شيء نقيمه على الشريف والضعيف، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم- وسائر الحديث نحو حديث القاسم.

حدثنا الربيع قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذكر رجل عنده: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، فقال عبيد الله: أمَا والله إن كثيرًا من الناس يتأوَّلون هؤلاء الآيات على ما لم ينـزلنَ عليه، وما أُنـزلن إلا في حيين من يهود. ثم قال: هم قريظة والنضير، وذلك أنّ إحدى الطائفتين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزةُ من الذليلة، فديته خمسون وَسْقًا، وكل قتيل قتلته الذَّليلة من العزيزة، فدِيَته مئة وَسْق. فأعطوهم فَرَقًا وضيمًا. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقدَم النبي صلى الله عليه وسلم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يظهر عليهما. فبيْنا هما على ذلك، أصابت الذليلة من العزيزة قتيلا فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسق! فقالت الذليلة: وهل كان هذا قط في حَيَّين دينهما واحد، وبلدهما واحد، ديةُ بعضهم ضعفُ دية بعض! إنما أعطيناكم هذا فَرَقًا منكم وضيمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا صلى الله عليه وسلم. فتراضيا على أن يجعلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بينهم. ثم إن العزيزة تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يعطيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أصحابها ضعف ما تعطِي أصحابها منها، فدسُّوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: اخبرُوا لنا رأيَ محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعطانا ما نريد حكَّمناه، وإن لم يعطنا حذرناه ولم نحكمه! فذهب المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعلم الله تعالى ذكره النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما أرادوا من ذلك الأمر كله قال عبيد الله: فأنـزل الله تعالى ذكره فيهم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، هؤلاء الآيات كلهن، حتى بلغ: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فِيهِ إلى الْفَاسِقُونَ قرأ عبيد الله ذلك آيةً آيةً، وفسَّرها على ما أُنـزل، حتى فرَغ [ من ] تفسير ذلك لهم في الآيات. ثم قال: إنما عنى بذلك يهود، وفيهم أنـزلت هذه الصفة.

وقال بعضهم: عنى بـ « الكافرين » ، أهل الإسلام، وب « الظالمين » اليهود، وب « الفاسقين » النصارى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا، عن عامر قال: نـزلت « الكافرون » في المسلمين، و الظَّالِمُونَ في اليهود، و الْفَاسِقُونَ في النصارى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي، قال: « الكافرون » ، في المسلمين، و الظَّالِمُونَ في اليهود، و الْفَاسِقُونَ ، في النصارى.

حدثنا ابن وكيع وأبو السائب وواصل بن عبد الأعلى قالوا، حدثنا ابن فضيل، عن ابن شبرمة، عن الشعبي قال: آيةٌ فينا، وآيتان في أهل الكتاب: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، فينا، وفيهم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، و الْفَاسِقُونَ في أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، مثل حديث زكريَّا عنه.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: هذا في المسلمين وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: النصارى.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي قال، في هؤلاء الآيات التي في « المائدة » : « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: فينا أهلَ الإسلام وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، قال: في اليهود وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: في النصارى.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي في قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: نـزلت الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن زكريا، عن الشعبي، بنحوه.

حدثنا هناد قال، حدثنا يعلى، عن زكريا، عن عامر، بنحوه.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: كفرٌ دون كفر، وظلمٍ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عطاء، مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، بنحوه.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان، عن معمر بن راشد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله.

حدثني الحسن قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله » ، فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وبكذا وكذا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال هي به كفر قال: ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكُتُبه ورسله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن طاوس: « فأولئك هم الكافرون » ، قال: كفر لا ينقل عن الملة قال وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهى مرادٌ بها جميعُ الناس، مسلموهم وكفارهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نـزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورَضي لهذه الأمّة بها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: نـزلت في بني إسرائيل، ورضى لكم بها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في هذه الآية: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: نـزلت في بني إسرائيل، ثم رضى بها لهؤلاء.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: نـزلت في اليهود، وهي علينا واجبةٌ.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. قال فقالا أفي الحكم؟ قال: ذاك الكُفْر! ثم تلا هذه الآية: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله » ، يقول: ومن لم يحكم بما أنـزلتُ، فتركه عمدًا وجار وهو يعلم، فهو من الكافرين.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنـزل الله جاحدًا به. فأما « الظلم » و « الفسق » ، فهو للمقرِّ به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون » ، قال: من جحد ما أنـزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نـزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نـزلت، وهم المعنيُّون بها. وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.

فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنـزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟

قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنـزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنـزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك، يا محمد، وعندهم التوراة فيها حكم الله.

ويعني بقوله: « وكتبنا » ، وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق « بالنفس » ، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة، « والعين بالعين » ، يقول: وفرضنا عليهم فيها أن يفقأوا العين التي فقأ صاحبها مثلَها من نفس أخرَى بالعين المفقوءة ويجدع الأنف بالأنف وتقطع الأذن بالأذن وتقلع السنّ بالسنّ ويُقْتَصَّ من الجارِح غيره ظلمًا للمجروح.

وهذا إخبار من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن اليهود وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوته، وإدباره عنه بعد إقباله وتعريفٌ منه له جراءتهم قديمًا وحديثًا على ربِّهم وعلى رسل ربِّهم، وتقدُّمهم على كتاب الله بالتحريف والتبديل.

يقول تعالى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء اليهود، يا محمد، بحكمك، إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التي يقرُّون بها أنها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلى الله عليه وسلم، فيها حكمي بالرجم على الزناة المحصنين، وقضائي بينهم أن من قتَل نفسًا ظلمًا فهو بها قَوَدٌ، ومن فقأ عينًا بغير حق فعينه بها مفقوءة قِصَاصًا، ومن جدع أنفًا فأنفه به مجدوع، ومن قلع سنًّا فسنّه بها مقلوعة، ومن جرح غيره جرحًا فهو مقتصٌّ منه مثل الجرح الذي جرحه؟ ثم هم مع الحكم الذي عندهم في التوراة من أحكامي، يتولون عنه ويتركون العمل به، يقول: فهم بترك حكمك، وبسخط قضائك بينهم، أحرَى وأولَى.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: لما رأت قريظة النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد حكم بالرجم، وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة فقالوا: يا محمد، اقضِ بيننا وبين إخواننا بني النضير وكان بينهم دمٌ قبلَ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير يتعزَّزون على بني قريظة، ودياتهم على أنصاف ديات النضير، وكانت الدِّية من وُسُوق التمر: أربعين ومئة وسق لبني النضير، وسبعين وسقًا لبني قريظة فقال: دمُ القرظيّ وفاءٌ من دم النضيريّ! فغضب بنو النضير وقالوا: لا نطيعك في الرَّجم، ولكن نأخذ بحدودنا التي كنَّا عليها! فنـزلت: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ سورة المائدة: 50 ] ونـزل: « وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص » ، قال: فما بالهم يخالفون، يقتلون النفسين بالنفس، ويفقأون العينين بالعين؟

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خلاد الكوفي قال، حدثنا الثوري، عن السدي، عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتالٌ، فكان بينهم قتلى، وكان لأحد الحيين على الآخر طَوْلٌ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يجعَلُ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبد، والمرأة بالمرأة، فنـزلت: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [ سورة البقرة: 178 ] قال سفيان: وبلغني عن ابن عباس أنه قال: نسختها: « النفس بالنفس » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس » فيها في التوراة- « والعين بالعين » حتى: « والجروح قصاص » ، قال مجاهد عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل القصاصُ في القتلى، ليس بينهم دية في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: « وكتبنا عليهم فيها » في التوراة، فخفف الله عن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل عليهم الدية في النَّفس والجِراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسن والجروح قصاص » ، قال: إن بني إسرائيل لم تُجعل لهم ديةٌ فيما كتب الله لموسى في التوراة من نفس قتلت، أو جرح، أو سنّ، أو عين، أو أنف. إنما هو القصاصُ، أو العفو.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وكتبنا عليهم فيها » ، أي في التوراة « أن النفس بالنفس » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وكتبنا عليهم فيها » ، أي في التوراة، بأن النفس بالنفس.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس » حتى بلغ « والجروح قصاص » ، بعضها ببعض.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « أن النفس بالنفس » ، قال يقول: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنـزع السنّ بالسن، وتقتصّ الجراح بالجراح.

قال أبو جعفر: فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم، إذا كان في النفس وما دون النفس ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم، إذا كان عمدًا في النفس وما دون النفس.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ به: « فمن تصدق به فهو كفارة له » .

فقال بعضهم: عنى بذلك المجروحَ ووليَّ القتيل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: يُهْدَم عنه يعني المجروح مثلُ ذلك من ذنوبه.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، بنحوه.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود أبي العُرْيان قال: رأيت معاوية قاعدًا على السرير، وإلى جنبه رجلٌ أحمر كأنه مَوْلىً وهو عبد الله بن عمرو فقال في هذه الآية: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: يُهْدَم عنه من ذنوبه مثل ما تصدّق به.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: للمجروح.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي عقبة، عن جابر بن زيد: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قا ل: للمجروح.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني حَرِميّ بن عمارة قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني عمارة، عن رجل قال حرميّ: نسيت اسمه عن جابر بن زيد، بمثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: للمجروح.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجلٌ من قريش رجلا من الأنصار فاندقَّتْ ثنيَّتُه، فرفعه الأنصاري إلى معاوية. فلما ألحَّ عليه الرجل قال معاوية: شأنَكَ وصاحبَك! قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يُصَاب بشيء من جسده فيَهبُه، إلا رفعه الله به درجةً وحطّ عنه به خطيئة. فقال له الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته أذناي ووَعاه قلبي! فخلَّى سبيلَ القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بمالٍ.

حدثنا محمود بن خداش قال، حدثنا هشيم بن بشير قال، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي قال، قال ابن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جُرِح في جسده جراحةً فتصدَّق بها، كُفّر عنه ذنوبه بمثل ما تصدّق به.

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحسن في قوله: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: كفارة للمجروح.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا قال: سمعت عامرًا يقول: كفارة لمن تصدَّق به.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، يقول: لوليّ القتيل الذي عفا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني شبيب بن سعيد، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم، عن الهيثم أبي العريان قال: كنت بالشأم، وإذا برجل مع معاوية قاعدٍ على السرير كأنه مولًى، قال: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: فمن تصدق به هدَم الله عنه مثلَه من ذنوبه فإذا هو عبد الله بن عمرو.

وقال آخرون: عنى بذلك الجارحَ. وقالوا: معنى الآية: فمن تصدق بما وجب له من قَود أو قصاصٍ على من وجب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفوه ذلك عن الجاني كفّارة لذنب الجاني المجرم، كما القِصاص منه كفَّارة له. قالوا: فأما أجْر العافِي المتصدِّق، فعلى الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: كفارة للجارح، وأجر الذي أُصِيب على الله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، قال سمعت مجاهدًا يقول لأبي إسحاق: « فمن تصدّق به فهو كفارة له » ، يا أبا إسحاق، [ لمن ] ؟ قال أبو إسحاق: للمتصدق فقال مجاهد: للمذنب الجارح.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، قال مغيرة، قال مجاهد: للجارح.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، مثله.

حدثنا هناد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قالا للذي تُصُدِّق عليه، وأجرُ الذي أصيب على الله قال هناد في حديثه، قالا كفارة للذي تُصُدِّق به عليه.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبد بن حميد، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر قال: كفارة لمن تُصُدِّق به عليه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم قالا كفارة للجارح، وأجر الذي أصيب على الله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: إن عفا عنه، أو اقتص منه، أو قبل منه الدية، فهو كفّارة له.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: كفارة للجارح، وأجرٌ للعافي، لقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ سورة الشورى: 40 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « فمن تصدّق به فهو كفارة له » ، قال: كفارة للمتصدَّقِ عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، حدثنا حصين، عن ابن عباس: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: هي كفارة للجارح.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، قال: فالكفارة للجارح، وأجر المتصدِّق على الله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد أنه كان يقول: « فمن تصدق به فهو كفارة له » ، يقول: للقاتل، وأجرٌ للعافي.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عمران بن ظبيان، عن عديّ بن ثابت قال، هُتِم رجل على عهد معاوية، فأعطي دية فلم يقبل، ثم أعطي ديتين فلم يقبل، ثم أعطي ثلاثًا فلم يقبل. فحدَّث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فمن تصدّق بدمٍ فما دونه، كان كفّارة له من يوم تَصدَّق إلى يوم وُلد » . قال: فتصدَّق الرجل.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له » ، يقول: من جرح فتصدَّق بالذي جُرِح به على الجارح، فليس على الجارح سبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرَج عليه، من أجل أنه تصدق عليه الذي جُرِح، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظَلَم.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: عني به: « فمن تصدّق به فهو كفارة له » ، المجروحَ فلأن تكون « الهاء » في قوله: « له » عائدةً على « مَنْ » ، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات.

فإن ظنّ ظانّ أن القِصاصَ إذْ كان يكفّر ذنب صاحبه المقتصّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذ أخذ البيعة على أصحابه « أن لا تقتلوا ولا تزنُوا ولا تسرقوا » ثم قال: « فمن فَعَل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حدُّه فهو كفارته » فالواجب أن يكونَ عفوُ العافي المجنيِّ عليه، أو ولي المقتول عنه نظيرَه، في أن ذلك له كفارة. فإن ذلك لو وجب أن يكون كذلك، لوجب أن يكون عفوُ المقذوفِ عن قاذفه بالزنا، وتركِه أخذه بالواجب له من الحدِّ، وقد قذفه قاذِفُه وهو عفيفٌ مسلم مُحْصَن، كفَّارةً للقاذف من ذنبه الذى ركبه، ومعصيته التي أتاها. وذلك ما لا نعلم قائلا من أهل العلم يقوله.

فإذْ كان غير جائز أن يكون تركُ المقذوف الذي وصفنا أمره أخذَ قاذفه بالواجب له من الحدّ كفارةً للقاذف من ذنبه الذي ركبه، كان كذلك غير جائز أن يكون ترك المجروح أخذَ الجارح بحقِّه من القصاص، كفَّارةً للجارح من ذنبه الذي ركبه.

فإن قال قائل: أو ليس للمجروح عندك أخْذُ جارحه بدية جرحه مكانَ القِصاص؟

قيل له: بلى!

فإن قال: أفرأيت لو اختار الدّية ثم عفا عنها، أكانت له قِبَله في الآخرة تَبِعةٌ؟

قيل له: هذا كلام عندنا محالٌ. وذلك أنه لا يكون عندنا مختارًا لديةٍ إلا وهو لها آخذٌ. فأما العفو فإنما هو عفو عن الدم وقد دللنا على صحة ذلك في موضع غيرِ هذا، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع إلا أن يكون مرادًا بذلك هِبتُها لمن أخذت منه بعد الأخذ. مع أن عفوه عن الدية بعد اختياره إياها لو صَحَّ، لم يكن في صحة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوُّ له عنها بريئًا من عقوبة ذنبه عند الله; لأن الله تعالى ذكره أوعد قاتلَ المؤمن بما أوعده به إن لم يتُبْ من ذنبه، والدية مأخوذة منه، أحبَّ أم سخط. والتوبة من التَائب إنما تكون توبةً إذا اختارها وأرادَها وآثرها على الإصرار.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفارةً، كما كان القصاص له كفارة، فإنَّا إنما جعلنا القِصاص له كفارة مع ندمه وبَذْله نفسَه لأخذ الحق منها تنصُّلا من ذنبه، بخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فأما الدية إذا اختارها المجروحُ ثم عفا عنها، فلم يُقْض عليه بحدّ ذنبه، فيكون ممن دخل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: « فمن أقيم عليه الحد فهو كفارته » . ثم مما يؤكد صحة ما قلنا في ذلك، الأخبارُ التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: « فمن تصدّق بدمٍ » ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد ذكرناها قبل.

وقد يجوز أن يكون القائلون إنه عنى بذلك الجارحَ، أرادوا المعنى الذي ذُكر عن عروة بن الزبير الذي:-

حدثني به الحارث بن محمد قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: إذا أصاب رجل رجلا ولا يعلم المُصاب من أصابه، فاعترف له المصيب، فهو كفارة للمُصيب. قال: وكان مجاهد يقول عند هذا: أصاب عروة ابن الزبير عينَ إنسان عند الركن فيما يستلمون، فقال له: يا هذا، أنا عروة بن الزبير، فإن كان بعينك بأس فأنَا بها!

وإذا كان الأمر من الجارح على نحو ما كان من عروة من خطأ فعلٍ على غير عمدٍ، ثم اعترف للذي أصابه بما أصابه، فعفا له المصاب بذلك عن حقِّه قبله، فلا تبعة له حينئذٍ قَبِل المُصيب في الدنيا ولا في الآخرة. لأن الذى كان وجب له قبله مالٌ لا قِصاص، وقد أبرأه منه: فإبراؤه منه، كفَّارة للمبرَّأ من حقه الذي كان له أخذه به، فلا طَلِبة له بسبب ذلك قِبَله في الدنيا ولا في الآخرة، ولا عقوبة تلزمه بها بما كان منه إلى من أصابه، لأنه لم يتعمد إصابته بما أصابه به، فيكون بفعله آثمًا يستحق به العقوبة من ربه، لأن الله عز وجل قد وضع الجُناح عن عباده فيما أخطأوا فيه ولم يتعمّدوه من أفعالهم، فقال في كتابه: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ . [ سورة الأحزاب: 5 ]

و « التصدق » ، في هذا الموضع، بالدم، العفو عنه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن لم يحكم بما أنـزل الله في التوارة من قَوَدِ النفس القاتلة قِصاصًا بالنفس المقتولة ظلمًا. ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوء ظلمًا، قِصاصًا ممن أمره الله به بذلك في كتابه، ولكن أقاد من بعضٍ ولم يُقِدْ من بعض، أو قتل في بعض اثنين بواحد، فإنّ من يفعل ذلك من « الظالمين » يعني: ممن جارَ عن حكم الله، ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الذي جعله الله له موضعًا.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وقفينا على آثارهم » ، أتبعنا. يقول: أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك، يا محمد، فبعثناه نبيًّا مصدّقا لكتابنا الذي أنـزلناه إلى موسى من قبله أنّه حق، وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرضٌ واجب « وآتيناه الإنجيل » ، يقول: وأنـزلنا إليه كتابنا الذي اسمه « الإنجيل » « فيه هدى ونور » يقول: في الإنجيل « هدًى » ، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه « ونور » ، يقول: وضياء من عَمَى الجهالة « ومصدقًا لما بين يديه » ، يقول: أوحينا إليه ذلك وأنـزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنـزلها على كل أمة أُنـزل إلى نبيِّها كتاب للعمل بما أنـزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب، من تحليل ما حلّل، وتحريم ما حرّم

« وهدى وموعظة » ، يقول: أنـزلنا الإنحيل إلى عيسى مصدِّقا للكتب التي قبله، وبيانًا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتَّقين في زمان عيسى، « وموعظة » ، لهم يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبُّه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه.

و « المتقون » ، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم، وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله. وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل، فأغنى ذلك عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله عزّ ذكره : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 47 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: « وليحكم أهل الإنجيل » .

فقرأته قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: « وَلْيَحْكُمْ » بتسكين « اللام » ، على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل: أن يحكموا بما أنـزل الله فيه من أحكامه. وكأنّ من قرأ ذلك كذلك، أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهْلَه أن يحكموا بما أنـزل الله فيه فيكون في الكلام محذوف، ترك استغناءً بما ذكر عما حُذِف.

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ ) بكسر « اللام » ، من « ليحكم » ، بمعنى: كي يحكم أهل الإنجيل. وكأنّ معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، كي يحكم أهله بما فيه من حكم الله.

والذي نقول به في ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ.

وذلك أن الله تعالى لم ينـزل كتابًا على نبيٍّ من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينـزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنـزله، وأمر‌ًا بالعمل بما فيه أنـزله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنـزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنـزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهلَه أنـزله عليه. فسواءٌ قرئ على وجه الأمر بتسكين « اللام » ، أو قرئ على وجه الخبر بكسرها، لاتفاق معنييهما.

وأما ما ذكر عن أبيّ بن كعب من قراءته ذلك ( وأن ليحكم ) على وجه الأمر، فذلك مما لم يَصِحّ به النقل عنه. ولو صحّ أيضا، لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورةً، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المتقدّمون من أئمة القرأة قد قرءوا بها.

وإذ كان الأمر في ذلك على ما بيَّنَّا، فتأويل الكلام، إذا قرئ بكسر « اللام » من « ليحكم » : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدًى وموعظة للمتقين، وكيْ يحكم أهلُ الإنجيل بما أنـزلنا فيه، فبدّلوا حكمه وخالفوه، فضلُّوا بخلافهم إياه إذ لم يحكموا بما أنـزل الله فيه وخالفوه « فأولئك هم الفاسقون » ، يعني: الخارجين عن أمر الله فيه، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه.

فأما إذا قرئ بتسكين « اللام » ، فتأويله: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل، فيه هدى ونورٌ ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكُموا بما أنـزلنا فيه، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه، ولكنهم خالفوا أمرنا، فالذين خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه، هم الفاسقون.

وكان ابن زيد يقول: « الفاسقون » ، في هذا الموضع وفي غيره، هم الكاذبون.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وليحكم أهل الإنجيل بما أنـزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الفاسقون » ، قال: ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضًا بذلك « فأولئك هم الفاسقون » ، قال: الكاذبون. بهذا قال. وقال ابن زيد: كل شيء في القرآن إلا قليلا « فاسق » فهو كاذب. وقرأ قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [ سورة الحجرات: 6 ] قال: « الفاسق » ، ههنا، كاذب.

وقد بينا معنى « الفسق » بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ

قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: أنـزلنا إليك، يا محمد، « الكتاب » ، وهو القرآن الذى أنـزله عليه ويعني بقوله: « بالحق » ، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله « مصدقًا لما بين يديه من الكتاب » ، يقول: أنـزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التى أنـزلها إلى أنبيائه

« ومهيمنًا عليه » ، يقول: أنـزلنا الكتاب الذي أنـزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها.

وأصل « الهيمنة » ، الحفظ والارتقاب. يقال، إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده: « قد هيمن فلان عليه، فهو يُهَيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه.

فقال بعضهم: معناه: شهيدًا.

ذكر من قال ذلك:

12103م - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ومهيمنًا عليه » ، يقول: شهيدًا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ومهيمنًا عليه » ، قال: شهيدًا عليه.

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب » ، يقول: الكتب التي خلت قبله « ومهيمنًا عليه » ، أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: « ومهيمنًا عليه » ، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا وقال ابن جريج: وقال: آخرون القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمرٍ، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.

وقال بعضهم: معناه: أمينٌ عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع جميعًا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: « ومهيمنًا عليه » ، قال: مؤتمنًا عليه.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: « ومهيمنًا عليه » ، قال: مؤتمنًا عليه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، بإسناده، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « ومهيمنًا عليه » ، قال: والمهيمن الأمين: قال: القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب » ، وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما « ومهيمنًا عليه » ، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: « ومهيمنًا عليه » ، قال: مؤتمنًا عليه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس: « ومهيمنًا عليه » ، قال: مؤتمنًا عليه.

حدثني المثنى قال، حدثنا يحيى الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: « ومهيمنًا عليه » قال: مؤتمنًا على ما قبله من الكتب.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سألت الحسين عن قوله: « وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه » ، قال: مصدقًا لهذه الكتب، وأمينا عليها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع فقال: مؤتمنًا عليه.

وقال آخرون: معنى « المهيمن » ، المصدق.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ومهيمنًا عليه » ، قال: مصدِّقًا عليه. كل شيء أنـزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.

وقال آخرون: عنى بقوله: « مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه » ، نبي الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ومهيمنًا عليه » ، محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ومهيمنًا عليه » ، قال: محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنـزلنا الكتاب مصدقًا الكتبَ قبله إليك، مهيمنا عليه فيكون قوله: « مصدقًا » حالا من « الكتاب » وبعضًا منه، ويكون « التصديق » من صفة « الكتاب » ، و « المهيمن » حالا من « الكاف » التي في « إليك » ، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، و « الهاء » في قوله: « عليه » ، عائدة على الكتاب.

وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ. وذلك أنّ « المهيمن » عطفٌ على « المصدق » ، فلا يكون إلا من صفة ما كان « المصدِّق » صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: « وأنـزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه » لأنه لم يتقدم من صفة « الكاف » التي في « إليك » بعدَها شيءٌ يكون « مهيمنًا عليه » عطفًا عليه، وإنما عطف به على « المصدق » ، لأنه من صفة « الكتاب » الذي من صفته « المصدق » .

فإن ظن ظان أن « المصدق » على قول مجاهد وتأويلهِ هذا من صفة « الكاف » التي في « إليك » ، فإن قوله: « لما بين يديه من الكتاب » ، يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون « المصدق » من صفة « الكاف » التي في « إليك » . لأن « الهاء » في قوله: « بين يديه » ، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله « إليك » . ولو كان « المصدق » من صفة « الكاف » ، لكان الكلام: وأنـزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب، ومهيمنا عليه فيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ

قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنـزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين بما أُنـزل إليك من كتابي وأحكامي في كل ما احتمكوا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنـزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبلَه، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنـزله إليك. يقول له: اعمل بكتابي الذي أنـزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنـزلته إليك في كتابي، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « فاحكم بينهم بما أنـزل الله » ، يقول: بحدود الله « ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهوديَّ والنصراني بالله، ثم قرأ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [ سورة المائدة: 49 ] ، وأنـزل الله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [ سورة الأنعام: 151 ] .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعةً.

و « الشرعة » هي « الشريعة » بعينها، تجمع « الشرعة » « شِرَعًا » ، « والشريعة » « شرائع » . ولو جمعت « الشرعة » « شرائع » ، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى « الشريعة » واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها. وكل ما شرعت فيه من شيء فهو « شريعة » . ومن ذلك قيل: لشريعة الماء « شريعة » ، لأنه يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام « شرائع » ، لشروع أهله فيه. ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: « هم شَرَعٌ » ، سواءٌ.

وأما « المنهاج » ، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: « هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ » ، بيِّنٌ، كما قال الراجز:

مَــنْ يـكُ فِـي شَـكٍّ فَهـذَا فَلْـجُ مَـــاءٌ رَوَاءٌ وَطَـــرِيقٌ نَهْــجُ

ثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا.

فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: « لكل جعلنا منكم » .

فقال بعضهم: عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » ، قال: الدينُ واحد، والشريعةُ مختلفة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيع.

وقال آخرون: بل عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنـزلناه إلى نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أيها الناس، لكُلِّكم أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ شرعةً ومنهاجا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » قال: سنة، « ومنهاجًا » ، السبيل « لكلكم » ، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولو كان عنى بقوله: « لكل جعلنا منكم » ، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنـزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنـزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنـزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم- في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم.

وبنحو الذي قلنا في « الشرعة » و « المنهاج » من التأويل، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » قال: سنةً وسبيلا.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » ، قال: سنة وسبيلا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب قال: سألت ابن عباس عن قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » ، قال: سنة وسبيلا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: « شرعة ومنهاجًا » ، قال: سنة وسبيلا.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، بمثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » يعني: سبيلا وسنةً.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين قال: سمعت الحسن يقول: « الشرعة » ، السنة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد قال: سنة وسبيلا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « شرعة ومنهاجًا » ، قال: « الشرعة » ، السنة « ومنهاجًا » ، قال: السبيل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » ، يقول: سبيلا وسنة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحوضي قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس، بنحوه.

حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « شرعة ومنهاجًا » ، يقول: سبيلا وسنة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: السنَّة والسبيل.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا » ، يقول: سبيلا وسنة.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « شرعة ومنهاجًا » ، قال: سبيلا وسنةً.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربُّكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعةً ومنهاجًا غيرَ شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدةً لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم، ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين شرائعكم ليختبركم، فيعرف المطيع منكم من العاصي، والعاملَ بما أمره في الكتاب الذي أنـزله إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم من المخالف.

و « الابتلاء » : هو الاختيار، وقد أبنتُ ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.

وقوله: « في ما آتاكم » ، يعني: فيما أنـزل عليكم من الكتب، كما:-

حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، ثني حجاح، عن ابن جريج: ( ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ) قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال، ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب.

فإن قال قائل: وكيف قال: « ليبلوكم في ما آتاكم » ، ومن المخاطب بذلك؟ وقد ذكرت أنّ المعنيَّ بقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا نبيُّنا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممِهم، والذين قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حِدَةٍ؟

قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم. ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبر عنه، أن تغلِّب المخاطب، فيخرج الخبرُ عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 48 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس، إلى الصالحات من الأعمال، والقُرَب إلى ربكم، بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنـزله إلى نبيكم، فإنه إنما أنـزله امتحانًا لكم وابتلاءً، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءَه عند مصيركم إليه، فإن إليه مصيركم جميعًا، فيخبر كلَّ فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرقَ الأخرى، فيفْصَل بينهم بفصل القضاء، وتُبِينُ المحقَّ مجازاته إياه بجناته، من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانًا، المحقَّ منهم من المبطل.

فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربُّنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون؟

قيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانًا، فمصدق بذلك ومكذِّب. وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكُّون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم. فكذلك خبرُه تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنَّا فيه نختلف في الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعًا، فتعرفون المحقَّ حينئذ من المبطل منكم، كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان قال: سمعت الضحاك يقول: « فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا » ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، البرُّ والفاجر.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ( 49 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وأن احكم بينهم بما أنـزل الله » ، وأنـزلنا إليك، يا محمد، الكتابَ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، وأنِ احكم بينهم فـ « أن » في موضع نصب بـ « التنـزيل » .

ويعني بقوله: « بما أنـزل الله » ، بحكم الله الذي أنـزله إليك في كتابه.

وأما قوله: « ولا تتبع أهواءهم » ، فإنه نهيٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتّبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجِرَيْهم، وأمرٌ منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنـزله إليه.

وقوله: « واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنـزل الله إليك » ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واحذر، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك « أن يفتنوك » ، فيصدُّوك عن بعض ما أنـزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتّباع أهوائهم.

وقوله: « فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم » ، يقول تعالى ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم وقضيت فيهم « فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم » ، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضى بحكمك وقد قضيت بالحقّ، إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجّل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم « وإن كثيرًا من الناس لفاسقون » ، يقول: وإن كثيرًا من اليهود « لفاسقون » ، يقول: لتاركُو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الروايةُ عن أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله فيهم: « وأنِ احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنـزل الله إليك » ، إلى قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنـزل الله إليك » ، قال: أن يقولوا: « في التوراة كذا » ، وقد بينَّا لك ما في التوراة. وقرأ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ سورة المائدة: 45 ] ، بعضُها ببعضٍ.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: دخل المجوسُ مع أهل الكتاب في هذه الآية: « وأن احكم بينهم بما أنـزل الله » .

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك، فلم يرضوا بحكمك، إذ حكمت فيهم بالقسط « حكم الجاهلية » ، يعني: أحكام عبَدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوزُ خلافه.

ثم قال تعالى ذكره موبِّخا لهؤلاء الذين أبوا قَبُول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلَهم ذلك منهم: ومَنْ هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرُّ بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره: أيّ حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًّا، وكنتم أهل توحيدٍ وإقرار به؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « أفحكم الجاهلية يبغون » ، قال: يهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « أفحكم الجاهلية يبغون » ، يهود.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ، عن مجاهد: « أفحكم الجاهلية يبغون » ، قال: يهود.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بهذه الآية، وإن كان مأمورًا بذلك جميع المؤمنين.

فقال بعضهم: عنى بذلك عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، في براءة عُبَادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبي ابن سلول بحلف اليهود، بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسَّك بحلفهم: أنه منهم في براءته من الله ورسوله كَبرَاءتهم منهما.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرٌ عدَدُهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من وَلاية يهود، وأتولَّى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إنّي رجل أخاف الدَّوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن أبيّ: يا أبا الحباب، ما بخلتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه؟ قال: قد قبلتُ. فأنـزل الله: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضُهم أولياء بعض » إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .

حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال: لما انهزم أهلُ بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوٍم مثل يوم بدر! فقال مالك بن صيف: غرَّكم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنَا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا‍‍! فقال عبادة: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيًرا سلاحهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من وَلايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إنّي رجل لا بدَّ لي منهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا أبا حُباب، أرأيت الذي نَفِست به من ولاء يهود على عبادة، فهو لك دونه؟ قال: إذًا أقبلُ! فأنـزل الله تعالى ذكره: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعض أولياء بعض » إلى أن بلغ إلى قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .

حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبَّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد بني عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثلُ الذي لهم من عبد الله بن أبيّ فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكُفّار وَولايتهم! ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نـزلت الآيات في « المائدة » : « يا أيها الذين آمنوا لا تتْخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ » ، الآية.

وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المؤمنين كانوا هَمُّوا حين نالهم بأحُدٍ من أعدائهم من المشركين ما نالهم أن يأخذوا من اليهود عِصَمًا، فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أنّ من فعل ذلك منهم فهو منهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم » ، قال: لما كانت وقعة أحُدٍ، اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدَال عليهم الكفَّار، فقال رجل لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أمانًا وأتهَوّد معه، فإني أخاف أن تُدال علينا اليهود‍‍. وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصراني ببعض أرض الشأم، فآخذ منه أمانًا وأتنصَّر معه،‍ فأنـزل الله تعالى ذكره ينهاهما: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياءَ بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين » .

وقال آخرون: بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر، في إعلامه بني قريظة إذ رَضُوا بحكم سعدٍ: أنه الذَّبح.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم » ، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لُبابة بن عبد المنذر، من الأوس وهو من بني عمرو بن عوف فبعثه إلى قريظة حين نَقَضت العهد، فلما أطاعوا له بالنـزول، أشار إلى حلقه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نـزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود ويجوز أن تكون نـزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ويجوز أن تكون نـزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم ولم يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل.

فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنـزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نـزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ الآية.

وأما قوله: « بعضهم أولياء بعض » ، فإنه عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ومن يتولهم منكم فإنه منهم » ، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه، ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا.

وفي ذلك الدلالةُ الواضحة على صحة ما نقول، من أن كل من كان يدين بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده. إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردَّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القَتْل إلى الدين الحق وفسادِ ما خالفه من قول من زعم: أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًّا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نـزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نـزول الفُرْقان، ممن لم يكن منهم، ممن خالف نسبُه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالفٌ.

ذكر من قال بما قلنا من التأويل.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ: « ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم » ، أنها في الذبائح. من دخل في دين قوم فهو منهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله بقول في كتابه: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم » ، ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال: كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن إبراهيم قال: سئل ابن سيرين عن رجل يبيع دارَه من نصارَى يتخذونها بِيعَةً، قال: فتلا هذه الآية: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ .

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ.

وقد بينا معنى « الظلم » في غير هذا الموضع، وأنه وضع الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ

اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.

فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد: « فترى الذين في قلوبهم مرض » ، عبد الله بن أبي « يسارعون فيهم » ، في ولايتهم « يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة » ، إلى آخر الآية: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: « فترى الذين في قلوبهم مرض » ، يعني عبد الله بن أبي « يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة » ، لقوله: إني أخشى دائرةً تُصِيبني!

وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهود ويغشون المؤمنين، ويقولون: « نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين » !

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم » ، قال: المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم وقول الله تعالى ذكره: « نخشى أن تصيبنا دائرة » ، قال يقول: نخشى أن تكون الدَّائرة لليهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « فترى الذين في قلوبهم مرض » إلى قوله: نَادِمِينَ ، أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فترى الذين في قلوبهم مرض » ، قال: شك « يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة » ، و « الدائرة » ، ظهور المشركين عليهم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهودَ والنصارى ويغشُّون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنـزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيكون بنا إليهم حاجة.

وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.

فتأويل الكلام إذًا: فترى، يا محمد، الذين في قلوبهم شكٌّ، ومرضُ إيمانٍ بنبوّتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك « يسارعون فيهم » ، يعني في اليهود والنصارى ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في مُوالاتهم ومصانعتهم « يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة » ، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا.

ويعني بـ « الدائرة » ، الدولة، كما قال الراجز:

تَــرُدُّ عَنْــكَ القَــدَرَ المَقْــدُورَا وَدَائِـــرَاتِ الدَّهْـــرِ أَنْ تَــدُورَا

يعني: أن تدول للدهر دولة، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك. فقال الله تعالى ذكره لهم: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

 

القول في تأويل قوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ( 52 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده » ، فلعل الله أن يأتي بالفتح.

ثم اختلفوا في تأويل « الفتح » في هذا الموضع.

فقال بعضهم: عُنى به ههنا، القضاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فعسى الله أن يأتي بالفتح » ، قال: بالقضاء.

وقال آخرون: عني به فتح مكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فعسى الله أن يأتي بالفتح » ، قال: فتح مكة.

و « الفتح » في، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى ذكره: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [ سورة الأعراف: 89 ] .

وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: « فعسى الله أن يأتي بالفتح » فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين.

وأما قوله: « أو أمر من عنده » ، فإن السدي كان يقول في ذلك، ما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « أو أمر من عنده » قال: « الأمر » ، الجزية.

وقد يحتمل أن يكون « الأمر » الذي وعد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين.

وأما قوله: « فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين » ، فإنه يعني هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم، « نادمين » ، كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين » ، من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله.

 

القول في تأويل قوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ( 53 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: « ويقول الذين آمنوا » . فقرأتها قرأة أهل المدينة: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ) بغير « واو » .

وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون، إذا أتى الله بالفتح أو أمرٍ من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنون تعجُّبًا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسمُوا لنا بالله إنهم لمعنا، وهم كاذبون في أيمانهم لنا؟ وهذا المعنى قصَد مجاهد في تأويله ذلك، الذي:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ، حينئذ، « يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين » .

وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير « واو » .

وقرأ ذلك بعض البصريين: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ونصب « يقول » عطفًا به على فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ . وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول: إنما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا ومحالٌ غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: « وعسى الله أن يقول الذين آمنوا » ، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: « أكلت خبزًا ولبنًا » ، كقول الشاعر:

وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا

فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يُديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله كذبًا جهدَ أيمانهم إنهم لمعكم؟

وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا )

وقرأ ذلك قرأة الكوفيين ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ورفع « يقول » ، بالاستقبال والسلامة من الجوازم و النواصب.

وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا فيبتدئ « يقول » فيرفعها.

قال أبو جعفر: وقراءتنا التي نحن عليها « وَيَقُولُ » بإثبات « الواو » في « ويقول » ، لأنها كذلك هي في مصاحِفِنا مصاحف أهل المشرق، بالواو، وبرفع « يقول » على الابتداء.

فتأويل الكلام إذْ كانت القراءة عندنا على ما وصفنا : فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حَلَفوا لنا بالله جهد أيمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟

يقول لله تعالى ذكره، مخبرًا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم « حبطت أعمالهم » ، يقول: ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرضٌ واجب، ولا على صِحّة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرَها، إذ لم تكن له « فأصبحوا خاسرين » ، يقول: فأصبح هؤلاء المنافقون، عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر، قد وُكِسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم، وهَلَكوا.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: « يا أيها الذين آمنوا » ، أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم « من يرتد منكم عن دينه » ، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيء الله بدلا منهم، المؤمنين الذين لم يبدِّلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله.

وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة! قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » حتى بلغ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق.

ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل المؤمنين مكانَ من ارتدَّ منهم.

فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن في قوله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: أبو بكر وأصحابه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن أبي موسى قال: قرأ الحسن: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: هي والله لأبي بكر وأصحابه.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: نـزلت في أبي بكر وأصحابه.

حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم » ، قال: هو أبو بكر وأصحابه. لما ارتد من ارتدَّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردَّهم إلى الإسلام.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، إلى قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، أنـزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نـزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا! فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها أو: أدَّوها فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية. فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » ، قال: عَلِم الله المؤمنين، ووقع معنى السوء على الحَشْو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدُّوا، قال: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله » ، المرتدَّة في دورهم « بقوم يحبهم ويحبونه » ، بأبي بكر وأصحابه.

وقال آخرون: يعني بذلك قومًا من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نـزلت هذه الآية، « يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا!

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضًا يحدّث عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: يعني قوم أبي موسى.

حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس، عن شعبة قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو: « عن سماك بن حرب » ، وأنا لا أحفظ « سماكًا » عن عياض الأشعريّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قوم هذا يعني أبا موسى.

حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: هم قوم هذا في قوله: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » .

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضًا الأشعري يقول: لما نـزلت: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قومك يا أبا موسى! أو قال: هم قوم هذا يعني أبا موسى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سفيان الحميري، عن حصين، عن عياض أو: ابن عياض « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، قال: هم أهل اليمن.

حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنـزل الله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال:لا بل هذا وقومه! يعني أبا موسى الأشعري.

وقال آخرون منهم: بل هم أهل اليمن جميعًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « يحبهم ويحبونه » ، قال: أناسٌ من أهل اليمن.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هم قوم سَبَأ.

حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو داود قال، أخبرنا شعبة قال، أخبرني من سمع شهر بن حوشب قال: هم أهل اليمن.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: « يأتي الله بقوم » ، وهم أهل اليمن! قال عمر: يا ليتني منهم! قال: آمين!

وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، يزعم أنهم الأنصار.

وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه » ، أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الرِّدَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدَّ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم » ، قال يقول: فسوف يأتي الله المرتدَّةَ في دورهم « بقوم يحبهم ويحبونه » ، بأبي بكر وأصحابه.

وأما على قول من قال: عنى الله بذلك أهل اليمن، فإن تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا، بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأول ذلك كذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح،

عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » الآية، وعيدٌ من الله أنه من ارتدّ منكم، أنه سيستبدل خيًرا منهم.

وأما على قول من قال: عنى بذلك الأنصار، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوَّله أنه عُنِي به أبو بكر وأصحابه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: « هم أبو بكر وأصحابه » . وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنـزل الله من وحيه وآيِ كتابه.

فإن قال لنا قائل: فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم عند ارتداد من ارتد عن دينه، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة أعوانَ أبي بكر على قتالهم، فتستجيز أن توجِّه تأويل الآية إلى ما وجِّهت إليه؟ أم لم يكونوا أعوانًا له عليهم، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك، وقد علمت أنه لا خُلْفَ لوعد الله؟

قيل له: إن الله تعالى ذكره لم يعدِ المؤمنين أن يبدِّلهم بالمرتدِّين منهم يومئذ، خيرًا من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخيرٍ منهم بدلا منهم، فقد فعل ذلك بهم قريبًا غير بعيد، فجاء بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفعَ لهم ممن كان ارتدَّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طَغَام الأعراب وجُفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلا لا نفعًا؟

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » .

فقرأته قرأة أهل المدينة: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه ) ، بإظهار التضعيف، بدالين، مجزومة « الدال » الآخرة. وكذلك ذلك في مصاحفهم.

وأما قرأة أهل العراق، فإنهم قرأوا ذلك: ( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) بالإدغام، بدالٍ واحدة، وتحريكها إلى الفتح، بناء على التثنية، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد، إذا ثنيّ أدغم. ويقال للواحد: « اردُدْ يا فلان إلى فلان حقه » ، فإذا ثنى قيل: « ردّا إليه حقه » ، ولا يقال: « ارددا » ، وكذلك في الجمع: « ردّوا » ، ولا يقال: « ارددوا » ، فتبني العرب أحيانًا الواحد على الاثنين، وتظهر أحيانًا في الواحد التضعيفَ لسكون لام الفعل. وكلتا اللغتين فصيحةٌ مشهورة في العرب.

قال أبو جعفر: والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح « الدال » ، للعلة التي وصفت.

 

القول في تأويل قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « أذلة على المؤمنين » ، أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم.

من قول القائل: « ذلَّ فلان لفلان » . إذا خضع له واستكان.

ويعني بقوله: « أعزة على الكافرين » ، أشداء عليهم، غُلَظاء بهم.

من قول القائل: « قد عزّني فلان » ، إذا أظهر العزة من نفسه له، وأبدى له الجفوة والغِلْظة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: « أذلة على المؤمنين » ، أهل رقة على أهل دينهم « أعزة على الكافرين » ، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين » ، يعني بالأذلة: الرحماء.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: « أذلة على المؤمنين » ، قال: رحماء بينهم « أعزة على الكافرين » ، قال: أشداء عليهم.

حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، قال سفيان: سمعت الأعمش يقول في قوله: « أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين » ، ضعفاء عن المؤمنين.

 

القول في تأويل قوله : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « يجاهدون في سبيل الله » ، هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ، بدلا منهم، يجاهدون في قتال أعداء الله على النحو الذي أمر الله بقتالهم، والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوَّهم. فذلك مجاهدتهم في سبيل الله « ولا يخافون لومة لائم » ، يقول: ولا يخافون في ذات الله أحدًا، ولا يصدُّهم عن العمل بما أمرهم الله به من قتال عدوهم، لومةُ لائم لهم في ذلك.

وأما قوله: « ذلك فضل الله » ، فإنه يعني هذا النعتَ الذي نعتهم به تعالى ذكره من أنهم أذلة على المؤمني، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم فضلُ الله الذي تفضل به عليهم، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه مِنّةً عليه وتطوّلا « والله واسع » ، يقول: والله جواد بفضله على من جادَ به عليه، لا يخاف نَفاد خزائنه فتَتْلف في عطائه « عليم » ، بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه، ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة، لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضرّه.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( 55 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا » ، ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره. فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم، ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء لا نُصرَاء، بل بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا.

وقيل إن هذه الآية نـزلت في عبادة بن الصامت، في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد بني عوف بن الخزرج فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم! ففيه نـزلت: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » لقول عبادةَ: « أتولى الله ورسوله والذين آمنوا » ، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا » ، يعني: أنه من أسلم تولى الله ورسوله.

وأما قوله: « والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به.

فقال بعضهم: عُنِي به علي بن أبي طالب.

وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » ، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتَمَه.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » ، قلت: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: « إنما وليكم الله ورسوله » ، وذكر نحو حديث هنّاد، عن عبدة.

حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: « إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا » ، قال: علي بن أبي طالب.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: « إنما وليكم الله ورسوله » ، الآية، قال: نـزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع.

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ( 56 )

قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعًا الذين تبرأوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والذين تمسكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم أنّ مَن وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان، كما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم يعني الرب تعالى ذكره مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: « ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون » ، و « الحزب » ، هم الأنصار.

ويعني بقوله: « فإن حزب الله » ، فإن أنصار الله، ومنه قول الراجز:

وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي!

يعني بقوله: « أضوى » ، أستضْعَفُ وأضام من الشيء « الضاوي » . ويعني بقوله: « وبلال حزبي » ، يعني: ناصري.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: « يا أيها الذين آمنوا » ، أي: صدقوا الله ورسوله « لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هُزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، يعني اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنـزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن قبل نـزول كتابنا « أولياء » ، يقول: لا تتخذوهم، أيها المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة.

وكان اتخاذ هؤلاء اليهود الذين أخبر الله عنهم المؤمنين أنهم اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا بالدين على ما وصفهم به ربنا تعالى ذكره، أن أحدهم كان يظهر للمؤمنين الإيمان وهو على كفره مقيم، ثم يراجع الكفر بعد يسير من المدة بإظهار ذلك بلسانه قولا بعد أن كان يُبدي بلسانه الإيمان قولا وهو للكفر مستبطن تلعبًا بالدين واستهزاءً به، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم ذلك بقوله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ سورة البقرة: 14، 15 ] .

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن ابن عباس.

حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنـزل الله فيهما: « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء » إلى قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ .

فقد أبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا، من أنّ اتخاذ من اتخذ دين الله هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب الذين ذكرهم الله في هذه الآية، إنما كان بالنفاق منهم، وإظهارهم للمؤمنين الإيمان، واستبطانهم الكفر، وقيلهم لشياطينهم من اليهود إذا خلوا بهم: « إنا معكم » ، فنهى الله عن موادَّتهم ومُخَالّتهم، والتمسك بحلفهم، والاعتداد بهم أولياء وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالا وفي دينهم طعنًا، وعليه إزراء.

وأمّا « الكفار » الذين ذكرهم الله تعالى ذكره في قوله: « من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء » ، فإنهم المشركون من عبدة الأوثان. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من أهل الكتاب ومن عبدة الأوثان وسائر أهل الكفر، أولياءَ دون المؤمنين.

وكان ابن مسعود فيما:-

حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن ابن مسعود يقرأ: ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) .

ففي هذا بيان صحة التأويل الذي تأوَّلناه في ذلك.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من أهل الحجاز والبصرة والكوفة: ( وَالْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ ) بخفض « الكفار » ، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الكفارِ، أولياءَ.

وكذلك ذلك في قراءة أبيّ بن كعب فيما بلغنا: ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء ) .

وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ) بالنصب، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا والكفارَ عطفًا بـ « الكفار » على « الذين اتخذوا » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب. لأن النهيَ عن اتخاذ ولي من الكفار، نهيٌ عن اتخاذ جميعهم أولياء. والنهي عن اتخاذ جميعهم أولياء، نهيٌ عن اتخاذ بعضهم وليًّا. وذلك أنه غير مشكل على أحدٍ من أهل الإسلام أنّ الله تعالى ذكره إذا حرّم اتخاذ وليّ من المشركين على المؤمنين، أنه لم يبح لهم اتخاذ جميعهم أولياء ولا إذا حرَّم اتخاذ جميعهم أولياء، أنه لم يخصص إباحة اتخاذ بعضهم وليًّا، فيجب من أجل إشكال ذلك عليهم، طلبُ الدليل على أولى القراءتين في ذلك بالصواب. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارئ بالخفض أو بالنصب، لما ذكرنا من العلة.

وأما قوله: « واتقوا الله إن كنتم مؤمنين » ، فإنه يعني: وخافوا الله، أيها المؤمنون، في هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار، أن تتخذوهم أولياء ونصراء، وارهبوا عقوبته في فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقونه على وعيده على معصيته.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون بالصلاة، سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك « ذلك بأنهم قوم لا يعقلون » ، يعني تعالى ذكره بقوله: « ذلك » ، فعلهم الذي يفعلونه، وهو هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه.

وقد ذكر عن السدي في تأويله ما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا » ، كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: « أشهد أن محمدًا رسول الله » ، قال: « حُرِّق الكاذب » ! فدخلت خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ( 59 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا « إلا أن آمنا بالله » ، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنـزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنـزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا « وأن أكثركم فاسقون » ، يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته، تكذبون عليه.

والعرب تقول: « نقَمتُ عليك كذا أنقِم » وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم و « نقِمت أنقِم » ، لغتان ولا نعلم قارئًا قرأ بهما بمعنى وجدت وكرهت، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:

مَــا نَقَمُــوا مِـنْ بَنِـي أُمَيَّـةَ إِلا أَنَّهُـــمْ يَحْـــلُمُونَ إِنْ غَضِبُــوا

وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت بسبب قوم من اليهود.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال: أومن بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به! فأنـزل الله فيهم: « قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل من قبل وأن أكثركم فاسقون » .

عطفًا بها على « أن » التي في قوله: « إلا أن آمنا بالله » ، لأن معنى الكلام: هل تنقمون منا إلا إيمانَنا بالله وفسقكم.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار « هل أنبئكم » ، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنـزل إلينا من كتاب الله، وما أنـزل من قبلنا من كتبه؟

[ و « مثوبة » ، تقديرها « مفعولة » ] ، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت حركتها إلى « الفاء » ، وهي « الثاء » من « مثوبة » ، فخرجت مخرج « مَقُولة » ، و « مَحُورة » ، و « مَضُوفة » ،

كما قال الشاعر:

وَكــنْتُ إذَا جَـارِي دَعَـا لِمَضُوفـةٍ أُشَـمِّر حَـتَّى يَنْصُـفَ السَّاقُ مِئْزَرِي

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله » ، يقول: ثوابًا عند الله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله » قال: « المثوبة » ، الثواب، « مثوبة الخير » ، و « مثوبة الشر » ، وقرأ: خَيْرٌ ثَوَابًا [ سورة الكهف: 44 ] .

وأما « مَنْ » في قوله: « من لعنه الله » ، فإنه في موضع خفض، ردًّا على قوله: « بشرّ من ذلك » . فكأن تأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله، بمن لعنه الله.

ولو قيل: هو في موضع رفع، لكان صوابًا، على الاستئناف، بمعنى: ذلك من لعنه الله أو: وهو من لعنه الله.

ولو قيل: هو في موضع نصب، لم يكن فاسدًا، بمعنى: قل هل أنبئكم من لعنه الله فيجعل « أنبئكم » عاملا في « من » ، واقعًا عليه.

وأما معنى قوله: « من لعنه الله » ، فإنه يعني: من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته « وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير » ، يقول: وغضب عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضبًا منه عليهم وسخطًا، فعجَّل لهم الخزي والنكال في الدنيا.

وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا.

وأما سبب مسخ الله من مَسخ منهم خنازير، فإنه كان فيما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وجعل منهم القردة والخنازير » ، قال: مسخت من يهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه، سنذكره في موضعه إن شاء الله.

 

القول في تأويل قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 60 )

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: « عابد » ، فجعل « عبد » ، فعلا ماضيًا من صلة المضمر، ونصب « الطاغوتَ » ، بوقوع « عبَدَ » عليه.

وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتَ ) بفتح « العين » من « عبد » وضم بائها، وخفض « الطاغوت » بإضافة « عَبُد » إليه. وعنوا بذلك: وخدَمَ الطاغوت.

حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني حمزة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: ( وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ ) يقول: خدم قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.

حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن الأعمش: أنه كان يقرأها كذلك.

وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل « حَذِرٍ » و « حَذُر » ، و « عجِلٍ » ، و « وعَجُلٍ » ، فهو وجه، والله أعلم وإلا فإن أراد قول الشاعر:

أَبَنِــــي لُبَيْنَــــى إنَّ أُمَّكُـــمُ أَمَــــةٌ وَإنَّ أَبَــــاكُمُ عَبُـــدُ

فإن هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا.

وقرأ ذلك آخرون: ( وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ ) ذكر ذلك عن الأعمش.

وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من « العبد » ، كأنه جمع « العبد » « عبيدًا » ، ثم جمع « العبيد » « عُبُدًا » ، مثل: « ثِمَار وُثُمر » .

وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال: كان أبو جعفر النحويّ يقرأها: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) ، كما يقول: « ضُرِب عبدُ الله » .

قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة.

وذكر أن بُريدة الأسلمي كان يقرأه: ( وعابد الطاغوت ) .

حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شيخ بصري: أن بريدة كان يقرأه كذلك.

ولو قرئ ذلك: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها. ووجه جوازها في العربية، أن يكون مرادًا بها « وعَبَدَة الطاغوت » ، ثم حذفت « الهاء » للإضافة، كما قال الراجز:

قَامَ وُلاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا

يريد: قام وُلاتها، فحذف « التاء » من « ولاتها » للإضافة.

قال أبو جعفر: وأما قراءة القرأة، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، وهو: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بنصب « الطاغوت » وإعمال « عبد » فيه، وتوجيه « عبد » إلى أنه فعل ماض من « العبادة » .

والآخر: ( وعبد الطاغوت ) ، على مثال « فَعُلٍ » ، وخفض « الطاغوت » بإضافة « عَبُدٍ » إليه.

فإذ كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما، فأولاهما بالصواب من القراءة، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومَن عبد الطاغوت، وأن النصب بـ « الطاغوت » أولى، على ما وصفت في القراءة، لإعمال « عبد » فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها.

على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في « مَنْ » و « الذي » المضمرين مع « مِنْ » و « في » إذا كفت « مِنْ » أو « في » منهما ويستقبحونه، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيل ذلك يقرأه: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز.

وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح. فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة. وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و « جعل » في « مَنْ » ، وهي محذوفة مع « مِن » .

ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه، فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره. فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُوهما.

وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.

وقد بينا معنى « الطاغوت » فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

وأما قوله: « أولئك شر مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيل » ، فإنه يعني بقوله: « أولئك » ، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: « من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت » ، وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم « شر مكانًا » ، في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنـزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنـزل إلى من قبلهم من الأنبياء « وأضل عن سواء السبيل » ، يقول تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك، أيها اليهود، أشد أخذًا على غير الطريق القويم، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم.

قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام. وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطابًا منه لهم بذلك، تعريضًا بالجميل من الخطاب، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له: قل لهم، يا محمد، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ، أم من لعنه الله؟ وهو يعني المقولَ ذلك لهم.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا جاءكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: « آمنا » : أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم واتبعناه على دينه، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم « وقد خرجوا به » ، يقول: وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله، جهلا منهم بالله « والله أعلم بما كانوا يكتمون » ، يقول: والله أعلم بما كانوا- عند قولهم لكم بألسنتهم: « آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء به » - يكتمون منهم، بما يضمرونه من الكفر، بأنفسهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وإذا جاءوكم قالوا آمنا » الآية، أناسٌ من اليهود، كانوا يدخلون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر. وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به » ، قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفارًا، وخرجوا كفارًا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به » ، وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسرُّ قلوبهم الكفر، فقال: « دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به » .

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به » وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، [ سورة آل عمران: 72 ] . فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من يهود.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: « وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به » ، أي: إنه من عندهم.

 

القول في تأويل قوله : وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « وترى » يا محمد « كثيرًا » ، من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بني إسرائيل « يسارعون في الإثم والعدوان » ، يقول: يعجلون بمواقعة الإثم.

وقيل: إن « الإثم » في هذا الموضع، معنيّ به الكفر.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: « وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان » ، قال: « الإثم » ، الكفر.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان » ، وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يسارعون في الإثم والعدوان » ، قال: هؤلاء اليهود « لبئس ما كانوا يعملون » لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ ، إلى قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ، قال: « يَصْنَعُونَ » و « يعملون » واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا.

قال: وذلك الإدهان.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم.

وأما « العدوان » ، فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم.

وتأويل ذلك: أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره، ويتعدَّون حدودَه التي حدَّ لهم فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم، في أكلهم « السحت » وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم.

يقول الله تعالى ذكره: « لبئس ما كانوا يعملون » ، يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت.

 

القول في تأويل قوله : لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشى في الحكم، من اليهود من بني إسرائيل، ربانيوهم وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم « عن قولهم الإثم » يعني: عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله، ويكتبون كتبًا بأيديهم ثم يقولون: « هذا من حكم الله، وهذا من كتبه » . يقول الله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ سورة البقرة: 79 ] .

وأما قوله: « وأكلهم السحت » ، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به.

وقد بينا معنى « الربانيين » و « الأحبار » ومعنى « السحت » ، بشواهد ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

« لبئس ما كانوا يصنعون » ، وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار، في تركهم نهيَ الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت، عما كانوا يفعلون من ذلك.

وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوفَ عليهم منها.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: « لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم » قال: ما في القرآن آية، أخوف عندي منها: أَنَّا لا ننهى.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا من هذه الآية: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قال: كذا قرأ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: « لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت » [ قال: « الربانيون والأحبار » ، فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية! ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون » ، يعني: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.

 

القول في تأويل قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم واحتجاجًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم.

يقول تعالى ذكره: « وقالت اليهود » ، من بني إسرائيل « يد الله مغلولة » ، يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [ سورة الإسراء: 29 ] .

وإنما وصف تعالى ذكره « اليد » بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل:

يَــدَاكَ يَــدَا مَجْـدٍ, فَكَـفٌ مُفِيـدَةٌ وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِـالزَّادِ تُنْفِـقُ

فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى « اليد » . ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال: « وقالت اليهود يد الله مغلولة » ، يعني بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ الله!

فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم: « غلت أيديهم » ، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات « ولعنوا بما قالوا » ، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك

« بل يداه مبسوطتان » ، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين « ينفق كيف يشاء » ، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا » ، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « يد الله مغلولة » ، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله يا بني إسرائيل، حتى جعل الله يده إلى نحره! وكذبوا!

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « يد الله مغلولة » ، قال: اليهود تقوله: لقد تجهَّدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب، حتى إن يده إلى نحره « بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا » إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، أما قوله: « يد الله مغلولة » ، قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: « بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء » .

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء » ، قالوا: إن الله وضع يده على صدره، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.

وأما قوله: « ينفق كيف يشاء » ، يقول: يرزق كيف يشاء.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: « وقالت اليهود يد الله مغلولة » الآية، نـزلت في فنْحاص اليهوديّ.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله: « يد الله مغلولة » ، يقولون: إنه بخيل ليس بجواد! قال الله: « غلت أيديهم » ، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: « بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء » . وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [ سورة الإسراء: 29 ] ، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.

قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: « بل يداه مبسوطتان » . فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه. وقال: ذلك بمعنى: « يد الله على خلقه » ، وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول: « لك عندي يد » ، يعنون بذلك: نعمةٌ.

وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة. وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [ سورة ص: 45 ] .

وقال آخرون منهم: بل « يده » ، ملكه. وقال: معنى قوله: « وقالت اليهود يد الله مغلولة » ، ملكه وخزائنه.

قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: « هو ملك يمينه » ، و « فلان بيده عُقدة نكاح فلانة » ، أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [ سورة المجادلة: 12 ] .

وقال آخرون منهم: بل « يد الله » صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.

قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده.

قالوا: ولو كان [ معنى « اليد » ، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه ] آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك.

قالوا: وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق.

قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى « اليد » من الله، القوة والنعمة أو الملك، في هذا الموضع.

قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن: « يد الله » في قوله: « وقالت اليهود يد الله مغلولة » ، هي نعمته، لقيل: « بل يده مبسوطة » ، ولم يقل: « بل يداه » ، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة. وبذلك جاء التنـزيل، يقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [ سورة إبراهيم: 34\ وسورة النحل: 18 ]

قالوا: ولو كانت نعمتين، كانتا محصاتين.

قالوا: فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ سورة العصر: 1، 2 ] وكقوله ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ) ، [ سورة الحجر: 26 ] وقوله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [ سورة الفرقان: 55 ] ، قال: فلم يُرَدْ بـ « الإنسان » و « الكافر » في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه، كما تقول العرب: « ما أكثر الدرهم في أيدي الناس » ، وكذلك قوله: وَكَانَ الْكَافِرُ معناه: وكان الذين كفروا.

قالوا: فأما إذا ثنَّى الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما.

قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: « ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس » ، بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم.

قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثنِّي لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.

قالوا: وغيرُ محال: « ما أكثر الدرهم في أيدي الناس » ، و « ما أكثر الدراهم في أيديهم » ، لأن الواحد يؤدي عن الجميع.

قالوا: ففي قول الله تعالى: « بل يداه مبسوطتان » ، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى « اليد » ، في هذا الموضع، النعمة وصحةِ قول من قال: إن « يد الله » ، هي له صفة.

قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.

 

القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيِّ أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، احتجاجًا عليهم لصحة نبوتك، وقطعًا لعذر قائلٍ منهم أن يقول: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ : « ليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » . يعني بـ « الطغيان » : الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك « وكفرًا » ، يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك، جحودَهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتوّ وتمرُّدٍ على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه، يسلِّي بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله، وتكذيبهم إياه.

وقد بينت معنى « الطغيان » فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » ، حملهم حسدُ محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.

 

القول في تأويل قوله : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة » ، بين اليهود و النصارى، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة » ، اليهود والنصارى.

فإن قال قائل: وكيف قيل: « وألقينا بينهم العداوة والبغضاء » ، جعلت « الهاء والميم » في قوله: « بينهم » ، كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟

قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [ سورة المائدة: 51 ] ، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: « وألقينا بينهم العداوة والبغضاء » ، ثم قصد بقوله: « ألقينا بينهم » ، الخبرَ عن الفريقين.

 

القول في تأويل قوله : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم، كالذي:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [ سورة الإسراء: 4- 6 ] ، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني قال: و « الفساد » ، المعصية ثم قال، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [ سورة الإسراء: 7، 8 ] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وقالوا في عزير: « إن الله اتخذه ولدًا » ، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، فقال: « كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين » ، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم، وهم يقولون: « يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون » ! فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم واسمه « محمد » ، واسمه في الإنجيل « أحمد » فلما جاءهم وعرفوا، كفروا به، قال: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [ سورة البقرة: 89 ] ، وقال: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، بسورة البقرة: 90 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله » ، هم اليهود.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا » ، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله » ، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب.

وقال مجاهد بما:-

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله » ، قال: حربُ محمد صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد

« والله لا يحب المفسدين » ، يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه.

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: « ولو أن أهل الكتاب » ، وهم اليهود والنصارى « آمنوا » بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقوه واتبعوه وما أنـزل عليه « واتقوا » ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه « لكفرنا عنهم سيئاتهم » ، يقول: محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها

« ولأدخلناهم جنات النعيم » ، يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا » ، يقول: آمنوا بما أنـزل الله، واتقوا ما حرم الله، « لكفرنا عنهم سيئاتهم » .

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيلَ » ، ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل « وما أنـزل إليهم من ربهم » ، يقول: وعملوا بما أنـزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخِ بعضها بعضًا؟

قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفِقة في الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بما فيها، والعملُ بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به.

وأما معنى قوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، فإنه يعني: لأنـزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها.

وأما قوله: « ومن تحت أرجلهم » ، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم » ، يعني: لأرسل السماءَ عليهم مدرارًا « ومن تحت أرجلهم » ، تخرج الأرض برَكتها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: إذًا لأعطتهم السماء برَكتها والأَرْضُ نَباتها.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: لو عملوا بما أنـزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنـزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم » ، أمّا « إقامتهم التوراة » ، فالعمل بها وأما « ما أنـزل إليهم من ربهم » ، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل عليه. يقول: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، أما « من فوقهم » ، فأرسلت عليهم مطرًا، وأما « من تحت أرجلهم » ، يقول: لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقي ما يُغْنيهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، قال: بركات السماء والأرض قال ابن جريج: « لأكلوا من فوقهم » ، المطر « ومن تحت أرجلهم » ، من نبات الأرض.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينـزل من السماء « ومن تحت أرجلهم » ، يقول: من الأرض.

وكان بعضهم يقول إنما أريد بقوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، التَّوْسِعَة، كما يقول القائل: « هو في خير من قَرْنه إلى قدمه » .

وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده.

 

القول في تأويل قوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ( 66 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « منهم أمة » ، منهم جماعة « مقتصدة » ، يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة « وكثير منهم » ، يعني: من بني إسرائيل من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى « ساء ما يعملون » ، يقول: كثير منهم سيئ عملهم، وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما. فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: « ساء ما يعملون » ، في ذلك من فعلهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « منهم أمة مقتصدة » ، وهم مسلمة أهل الكتاب « وكثير منهم ساءَ ما يعملون » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقة: « عيسى هو ابن الله » ، وقالت فرقة: « هو الله » ، وقالت فرقة: « هو عبد الله وروحه » ، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: « منهم أمة مقتصدة » ، يقول: على كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: « وكثير منهم ساء ما يعملون » .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « منهم أمة مقتصدة » ، يقول: مؤمنة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون » قال: المقتصدة، أهلُ طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: « منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون » ، قال: فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا. قال: و « الغلو » ، الرغبة [ عنه ] ، و « الفسق » ، التقصير عنه.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 67 )

قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أنـزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنـزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قلّ ما لم يبلّغ منه فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنـزلته لو لم يبلِّغ من تنـزيله شيئًا.

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « يا أيها الرسول بلِّغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، يعني: إن كتمت آية مما أنـزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، الآية، أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نـزلت: « بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! فنـزلت: « وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، الآية.

حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس » ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني.

حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نـزلت: « والله يعصمك من الناس » ، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنـزل الله تعالى ذكره: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، إلى آخرها.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نـزلت هذه الآية: « والله يعصمك من الناس » ، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال:أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنـزل الله: « والله يعصمك من الناس » .

واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل منـزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال من يمنعك مني؟ قال: الله! فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنـزل الله: « والله يعصمك من الناس » .

وقال آخرون: بل نـزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا، فلما نـزلت: « والله يعصمك من الناس » ، استلقى ثم قال:من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثًا.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب! ثم قرأت: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك » ، الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله! قال الله تعالى ذكره: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » الآية.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية! والله يقول: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن مسروق بن الأجدع قال: دخلت على عائشة يومًا فسمعتها تقول: لقد أعظمَ الفرية من قال إنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي! والله يقول: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » .

ويعني بقوله: « والله يعصمك من الناس » ، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من « عِصَام القربة » ، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط،

ومنه قول الشاعر:

وَقُلْــتُ: عَلَيْكُــمْ مَالِكًـا, إنَّ مَالِكًـا سَـيَعْصِمُكُمُ, إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ

يعني: يمنعكم.

وأما قوله: « إن الله لا يهدي القوم الكافرين » ، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى « يا أهل الكتاب » ، التوراة والإنجيل « لستم على شيء » ، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى « حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم » ، مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّبوا بشيء منه، ولا تفرِّقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأنّ كتب الله يصدِّق بعضها بعضًا، فمن كذَّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.

حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلام بن مِشْكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخِذَ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم! قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك! فأنـزل الله تعالى ذكره: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم » ، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب « التوراة » ، لليهود، و « الإنجيل » ، للنصارى، « وما أنـزل إليكم من ربكم » ، وما أنـزل إلينا من ربنا أي: « لستم على شيء حتى تقيموا » ، حتى تعملوا بما فيه.

 

القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 68 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » ، وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنـزلته إليك، يا محمد « طغيانًا » ، يقول: تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نـزول الفرقان « وكفرًا » يقول: وجحودًا لنبوتك.

وقد أتينا على البيان عن معنى « الطغيان » ، فيما مضى قبل.

وأما قوله: « فلا تأس على القوم الكافرين » ، يعني بقوله: « فلا تأس » ، فلا تحزن.

يقال: « أسِيَ فلان على كذا » ، إذا حزن « يأسَى أسىً » ،، ومنه قول الراجز:

وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى

يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن، يا محمد، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » ، قال: الفرقان يقول: فلا تحزن.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « فلا تأس على القوم الكافرين » ، قال: لا تحزن.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام « والذين هادوا » ، وهم اليهود « والصابئون » ، وقد بينا أمرهم « والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر » ، فصدّق بالبعث بعد الممات « وعمل » ، من العمل « صالحًا » لمعاده « فلا خوف عليهم » ، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة « ولا هم يحزنون » ، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه.

وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ( 70 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديدَ من العقاب كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم، كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا.

 

القول في تأويل قوله : وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 71 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلا وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون

« فعموا وصموا » ، يقول: فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي، بحسبانهم ذلك وظنهم « وصموا » عنه ثم تبت عليهم. يقول: ثم هديتهم بلطف مني لهم حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليه من معاصيَّ وخلاف أمري والعمل بما أكرهه منهم، إلى العمل بما أحبه، والانتهاء إلى طاعتي وأمري ونهيي « ثم عموا وصموا كثير منهم » ، يقول: ثم عموا أيضًا عن الحق والوفاء بميثاقي الذي أخذته عليهم: من العمل بطاعتي، والانتهاء إلى أمري، واجتناب معاصيَّ « وصموا كثير منهم » ، يقول: عمى كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بني إسرائيل، باتباع رسلي والعمل بما أنـزلت إليهم من كتبي عن الحق وصموا، بعد توبتي عليهم، واستنقاذي إياهم من الهلكة « والله بصير بما يعملون » ، يقول « بصير » ، فيرى أعمالهم خيرَها وشرَّها، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وحسبوا ألا تكون فتنة » ، الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءٌ « فعموا وصموا » ، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا » ، يقول: حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصمُّوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك، عن الحسن: « وحسبوا ألا تكون فتنة » ، قال: بلاء.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: « وحسبوا ألا تكون فتنة » ، قال: الشرك.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا » ، قال: اليهود.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: « فعموا وصموا » ، قال: يهود قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: هذه الآية لبني إسرائيل. قال: و « الفتنة » ، البلاء والتَّمحيص.

 

القول في تأويل قوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( 72 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض ما فَتَن به الإسرائيلين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة. يقول تعالى ذكره: فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به، فنقضوا فيه ميثاقي، وغيَّروا عهدي الذي كنت أخذته عليهم بأن لا يعبدوا سواي، ولا يتخذوا ربًّا غيري، وأن يوحِّدوني، وينتهوا إلى طاعتي عبدي عيسى ابن مريم، فإني خلقته، وأجريت على يده نحوَ الذي أجريت على يد كثير من رسلي، فقالوا كفرًا منهم: « هو الله » .

وهذا قول اليعقوبيّة من النصارى عليهم غضب الله.

يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به، أشركوا بي، وقالوا لخلق من خلقي، وعبدٍ مثلهم من عبيدي، وبشر نحوهم معروفٍ نسبه وأصله، مولود من البشر، يدعوهم إلى توحيدي، ويأمرهم بعبادتي وطاعتي، ويقرّ لهم بأني ربه وربهم، وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئًا: « هو إلههم » ، جهلا منهم بالله وكفرًا به، ولا ينبغي لله أن يكون والدًا ولا مولودًا.

ويعني بقوله: « وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم » ، يقول: اجعلوا العبادة والتذلل للذي له يَذِلّ كل شيء، وله يخضع كل موجود « ربي وربكم » ، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم، الذي خلقني وإياكم « إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة » ، أن يسكنها في الآخرة « ومأواه النار » ، يقول: ومرجعه ومكانه- الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا في عبادته- نارُ جهنم « وما للظالمين » ، يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق « من أنصار » ، ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم.

 

القول في تأويل قوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 73 )

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُبتلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا: « الله ثالث ثلاثة » .

وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون: « الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما » .

يقول الله تعالى ذكره، مكذّبًا لهم فيما قالوا من ذلك: « وما من إله إلا إله واحد » ، يقول: ما لكم معبود، أيها الناس، إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولود « وإن لم ينتهوا عما يقولون » ، يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: « الله ثالث ثلاثة » « ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم » ، يقول: ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى: هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم، ولم يقل: « ليمسنَّهم عذابٌ أليم » ، لأن ذلك لو قيل كذلك، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: « الله ثالث ثلاثة » ، ولم يدخل فيهم القائلون: « المسيح هو الله » . فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كلَّ كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أنّ وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه.

فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت، فعلى مَنْ عادت « الهاء والميم » اللتان في قوله: « منهم » ؟

قيل: على بني إسرائيل.

فتأويل الكلام، إذْ كان الأمر على ما وصفنا: وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول، ليمسنَّ الذين يقولون منهم: « إن المسيح هو الله » ، والذين يقولون: « إن الله ثالث ثلاثة » ، وكل كافر سلك سبيلهم عذابٌ أليم، بكفرهم بالله.

وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا، في أنه عنى بهذه الآيات النصارى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لقد كفر الذين قالوا: إنّ الله ثالث ثلاثة » ، قال: قالت النصارى: « هو والمسيح وأمه » ، فذلك قول الله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سورة المائدة: 116 ] .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: « لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة » ، نحوه.

 

القول في تأويل قوله : أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران القائل أحدهما: « إن الله هو المسيح ابن مريم » ، والآخر القائل: « إن الله ثالث ثلاثة » عما قالا من ذلك، ويتوبان مما قالا ونطقا به من كفرهما، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا « والله غفور » ، لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم « رحيم » بهم، في قبوله توبتَهم ومراجعتهم إلى ما يحبّ مما يكره، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلَف من أجرامهم قبل ذلك.

 

القول في تأويل قوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ

قال أبو جعفر: وهذا [ خَبَرٌ ] من الله تعالى ذكره، احتجاجًا لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم على فِرَق النصارى في قولهم في المسيح.

يقول مكذِّبًا لليعقوبية في قِيلهم: « هو الله » والآخرين في قيلهم: « هو ابن الله » : ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادةَ الأمهات أبناءَهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسولٌ كسائر رسله الذين كانوا قبلَه فمضوا وخَلَوْا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعِبر، حجةً له على صدقه، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعِبر، حجةً لهم على حقيقةِ صدقهم في أنهم لله رسلٌ « وأمه صِدّيقة » ، يقول تعالى ذكره وأمّ المسيح صِدِّيقةٌ.

و « الصِدِّيقة » « الفِعِّيلة » ، من « الصدق » ، وكذلك قولهم: « فلان صِدِّيق » ، « فِعِّيل » من « الصدق » ، ومنه قوله تعالى ذكره: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ . [ سورة النساء: 69 ] .

وقد قيل إن « أبا بكر الصدّيق » رضي الله عنه إنما قيل له: « الصّدّيق » لصدقه.

وقد قيل: إنما سمي « صديقًا » ، لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدةٍ إلى بيت المقدس من مكة، وعودِه إليها.

وقوله: « كانا يأكلان الطعام » ، خبٌر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه: أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا.

 

القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى « الآيات » ، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينـزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: « ثم انظر » ، يا محمد « أنَّى يؤفكون » ، يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم آياتنا على بُطول قولهم، أيَّ وجه يُصرَفون عن بياننا الذي نبيِّنه لهم؟ وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلُّون؟

والعرب تقول لكل مصروف عن شيء: « هو مأفوك عنه » . يقال: « قد أفَكت فلانًا عن كذا » ، أي: صرفته عنه، « فأنا آفِكه أفْكًا، وهو مأفوك » . و « قد أُفِكت الأرض » ، إذا صرف عنها المطر.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 )

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قِيلهم فيه قبلُ.

يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء الكفرة من النصارى، الزاعمين أن المسيح ربهم، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو يحييكم ويميتكم شيئًا لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنٌ، لا يملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم. يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربًّا وإلهًا من كانت هذه صفته؟ بل الربُّ المعبودُ: الذي بيده كل شيء، والقادر على كل شيء. فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون.

وأما قوله: « والله هو السميع العليم » فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: « والله هو السميع » ، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه « العليم » ، بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 77 )

قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح « يا أهل الكتاب » ، يعني بـ « الكتاب » ، الإنجيل « لا تغلوا في دينكم » ، يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، فتقولوا فيه: « هو الله » ، أو: « هو ابنه » ، ولكن قولوا: « هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه » « ولا تتبعوا أهواءَ قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا » ، يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: « هو لغير رَشْدة » ، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة « وأضلوا كثيرًا » ، يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح

« وضلوا عن سواء السبيل » ، يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق.

وإنما يعني تعالى ذكره بذلك، كفرَهم بالله، وتكذيبَهم رسله: عيسى ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، وذهابَهم عن الإيمان وبعدَهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « وضلوا عن سواء السبيل » ، قال: يهود.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا » ، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم « وضلوا عن سواء السبيل » ، عن عَدْل السبيل.

 

القول في تأويل قوله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل لهؤلاء النصارى الذين وصفَ تعالى ذكره صفتهم: لا تغلوا فتقولوا في المسيح غير الحق، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهود الذين قد لعنهم الله على لسان أنبيائه ورسله، داود وعيسى ابن مريم.

وكان لعن الله إياهم على ألسنتهم، كالذي:-

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » قال: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » ، يقول: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى ابن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » ، قال: خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن حصين، عن مجاهد: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » ، قال: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، ولُعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازيرَ.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس، قوله: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل » ، بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن قال ابن جريج: وقال آخرون: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود » ، على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت فقال: من في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: « اللهم اجعلهم خنازير! » فكانوا خنازير. قال: ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: « اللهم العن من افترى عليّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين » !

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل » الآية، لعنهم الله على لسان داود في زمانه، فجعلهم قردة خاسئين وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير.

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حصين يعني: ابن عبد الرحمن، عن أبي مالك قال: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود » ، قال: مسخوا على لسان داود قردة، وعلى لسان عيسى خنازير.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغدِ لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشَرِيبَه. فلما رأى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم « ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » ، قال: والذي نفسي بيده، لتأمُرنَّ بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي المسيء، ولتُؤَطِّرُنَّه على الحقّ أطْرًا، أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم على بعض، وليلعنَّنكم كما لعنهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما فشا المنكر في بني إسرائيل، جعل الرجل يلقَى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله! ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنـزل فيهم كتابًا: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون » . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَّكئًا، فجلس وقال: كلا والذى نفسي بيده، حتى تأطِرُوا الظالم على الحق أطْرًا .

حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا المؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، أظنه عن مسروق، عن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما ظهر منهم المنكر، جعل الرجل يرى أخاه وجارَه وصاحبَه على المنكر، فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشَرِيبَه ونديمه، فضرب الله قلوبَ بعضهم على بعض، ولعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم « ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » ، إلى فَاسِقُونَ ، قال عبد الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا، فاستوى جالسًا، فغضب وقال: لا والله، حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطِرُوه على الحق أطرًا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقصُ، كان الرجل يرى أخاه على الرَّيْبِ فينهاه عنه، فإذا كان الغدُ، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ونـزل فيهم القرآن فقال: « لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » حتى بلغ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، وقال: لا حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال: أملاه عليَّ قال، حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، على علي بن بذيمة قال: سمعت أبا عبيدة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه غير أنهما قالا في حديثهما: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فاستوى جالسًا، ثم قال: كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا « . »

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم » ، قال فقال: لعنوا في الإنجيل وفي الزبور وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ رَحَى الإيمان قد دارت، فدُوروا مع القرآن حيث دار [ *فإنه... قد فرغ الله مما افترض فيه ] . [ وإن ابن مرح ] كان أمة من بني إسرائيل، كانوا أهل عدل، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فأخذه قومهم فنشروهم بالمناشير، وصلبوهم على الخشب، وبقيت منهم بقية، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك وجالسوهم، ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض فجعلها واحدة. فذلك قول الله تعالى: « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود » إلى: « ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » ، ماذا كانت معصيتهم؟ قال: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .

فتأويل الكلام إذًا: لَعَن الله الذين كفروا من اليهود بالله على لسان داود وعيسى ابن مريم، ولُعن والله آباؤهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، بما عصوا الله فخالفوا أمره « وكانوا يعتدون » ، يقول: وكانوا يتجاوزون حدودَه.

 

القول في تأويل قوله : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله « لا يتناهون » ، يقول: لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا. ويعني بـ « المنكر » ، المعاصي التي كانوا يعصون الله بها.

فتأويل الكلام: كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه « لبئس ما كانوا يفعلون » . وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: « كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه » ، لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر.

 

القول في تأويل قوله : تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ( 80 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: « ترى » ، يا محمد، كثيرًا من بني إسرائيل « يتولون الذين كفروا » ، يقول: يتولون المشركين من عَبَدة الأوثان، ويعادون أولياء الله ورسله « لبئس ما قدمت لهم أنفسهم » ، يقول تعالى ذكره: أُقسم: لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة « أنْ سخط الله عليهم » ، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا.

و « أن » في قوله: « أنْ سخط الله عليهم » ، في موضع رفع، ترجمةً عن « ما » ، الذي في قوله: « لبئس ما » .

« وفي العذاب هم خالدون » ، يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة « هم خالدون » ، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه.

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 81 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل « يؤمنون بالله والنبي » ، يقول: يصدِّقون الله ويقرُّون به ويوحِّدونه، ويصدقون نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه لله نبي مبعوث، ورسول مرسل « وما أنـزل إليه » ، يقول: ويقرُّون بما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من آي الفرقان

« ما اتخذوهم أولياء » ، يقول: ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين « ولكن كثيرًا منهم فاسقون » ، يقول: ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهلُ استحلال لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل.

وكان مجاهد يقول في ذلك بما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: « ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنـزل إليه ما اتخذوهم أولياء » ، قال: المنافقون.