تفسير القرطبي

تفسير الآية رقم 49 من سورة آل عمران

ورسولا أي ونجعله رسولا . أو يكلمهم رسولا . وقيل : هو معطوف على قوله ( وجيها ) . وقال الأخفش : وإن شئت جعلت الواو في قوله ورسولا مقحمة والرسول حالا للهاء ، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا . وفي حديثأبي ذر الطويل ( وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام ) .
أني أخلق لكم أي أصور وأقدر لكم . من الطين كهيئة الطير قرأ الأعرج وأبو جعفر ( كهية ) بالتشديد . الباقون بالهمز . والطير يذكر ويؤنث .
فأنفخ فيه أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائرا . وطائر وطير مثل تاجر وتجر . قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى . وقيل : لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا وأذنا ، وهي تحيض وتطهر وتلد . ويقال : إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق ; ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة . ويقال : إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا : اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك ; فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض ; وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله ، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله .
قوله تعالى : وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله الأكمه : الذي يولد أعمى ; عن ابن عباس . وكذا قال أبو عبيدة قال : هو الذي يولد أعمى ; وأنشد لرؤبة :
فارتد ارتداد الأكمه
وقال ابن فارس : الكمه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض . قال سويد :
كمهت عيناه حتى ابيضتا
مجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . عكرمة : هو الأعمش ، ولكنه في اللغة العمى ; يقال كمه يكمه كمها وكمهتها أنا إذا أعميتها . والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد ، والأبرص القمر ، وسام أبرص معروف ، ويجمع على الأبارص . وخص هذان بالذكر لأنهما عياءان . وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك . وأحيي الموتى بإذن الله قيل : أحيا أربعة أنفس : العاذر : وكان صديقا له ، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ; فالله أعلم . فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له ، وأما ابن العجوز فإنه مر به يحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله . وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها ; فلما رأوا ذلك قالوا : إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح . فقال لهم : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه ، حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه . فقال له عيسى : كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب ؟ فقال : يا روح الله ، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول : أجب روح الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن هول ذلك شاب رأسي . فسأله عن النزع فقال : يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ; وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، فقال للقوم : صدقوه فإنه نبي ; فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا : هذا سحر . وروي من حديث إسماعيل بن عياش قال : حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ابن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى : تبارك الذي بيده الملك . وفي الثانية " تنزيل السجدة " فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد ; ذكره البيهقي وقال : ليس إسناده بالقوي .
قوله تعالى : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين أي بالذي تأكلونه وما تدخرون . وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد ; فأخبرهم فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا ; فذلك قوله وأنبئكم الآية . وقرأ مجاهد والزهري والسختياني " وما تذخرون " بالذال المعجمة مخففا . وقال سعيد بن جبير وغيره : وكان يخبر الصبيان في الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه . قتادة : أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية .