فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ مفعولان أي أعقبهم الله تعالى نفاقا في قلوبهم . وقيل : أي أعقبهم البخل نفاقا ; ولهذا قال : " بخلوا به " . " نفاقا " النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر . فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها . إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) خرجه البخاري . وقد مضى في [ البقرة ] اشتقاق هذه الكلمة , فلا معنى لإعادتها . واختلف الناس في تأويل هذا الحديث ; فقالت طائفة : إنما ذلك لمن يحدث بحديث يعلم أنه كذب , ويعهد عهدا لا يعتقد الوفاء به , وينتظر الأمانة للخيانة فيها . وتعلقوا بحديث ضعيف الإسناد , وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان فقال علي : ما لي أراكما ثقيلين ؟ قالا حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال المنافقين ( إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف ) فقال علي : أفلا سألتماه ؟ فقالا : هبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكني سأسأله ; فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله , خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان , ثم ذكر ما قالاه , فقال : ( قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أنه يكذب وإذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون ) ابن العربي : قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا , وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو تكذيب له تعالى الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين . وقالت طائفة : ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتعلقوا بما رواه مقاتل بن حيان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس قالا : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه فقلنا : يا رسول الله , إنك قلت ( ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق ) فظننا أنا لم نسلم منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس ; قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله في كتابه أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل " إذا جاءك المنافقون .. . " [ المنافقون : 1 ] - الآية - ( أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا : لا . قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علي " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله .. . " - الآيات الثلاث - ( أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا لا , والله لو عاهدنا الله على شيء أوفينا به . قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي وإذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علي " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال .. . " [ الأحزاب : 72 ] - الآية - ( فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا لا قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء ) . وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة . قالت طائفة : هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال . ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة . قال ابن العربي : والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم يؤثر في الاعتقاد . قال علماؤنا : إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأخلفوه , وحدثوه فكذبوه , وائتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين . قال عطاء بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء . وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : النفاق نفاقان , نفاق الكذب ونفاق العمل ; فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة . وروى البخاري عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان .إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ في موضع خفض ; أي يلقون بخلهم , أي جزاء بخلهم ; كما يقال : أنت تلقى غدا عملك . وقيل : " إلى يوم يلقونه " أي يلقون الله . وفي هذا دليل على أنه مات منافقا . وهو يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها .بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ كذبهم نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك .