تفسير الطبري

تفسير الآية رقم 127 من سورة آل عمران

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم =" إلا بشرى لكم "، يعني بشرى، يبشركم بها =" ولتطمئن قلوبكم به "، يقول. وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم =" وما النصر إلا من عند الله "، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قِبَل المدد الذي يأتيكم من الملائكة. يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، (51) فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة = أحْرَى، (52) فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله ناصركم عليهم. كما:-
7793- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وما جعله الله إلا بشرى لكم "، يقول: إنما جعلهم ليستبشروا بهم وليطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ = يعني يوم أحد = قال مجاهد: ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر.
7794- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به "، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العزّ والحكم إلىّ، (53) لا إلى أحد من خلقي. (54)
7795- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وما النصر إلا من عند الله "، لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعَل " العزيز الحكيم ".
* * *
وأما معنى قوله: " العزيز الحكيم "، فإنه جل ثناؤه يعني: " العزيز " في انتقامه من أهل الكفر به بأيدي أوليائه من أهل طاعته =" الحكيم " في تدبيره لكم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره. (55) يقول: فأبشروا أيها المؤمنون، بتدبيري لكم على أعدائكم، ونصري إياكم عليهم، إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به، وصبرتم لجهاد عدوِّى وعدوِّكم.
----------------
الهوامش :
(51) في المخطوطة والمطبوعة: "وبعونه معكم من ملائكته. . ." بإسقاط الواو من"معكم" ، وهو خلل في الكلام والسياق.
(52) سياق الكلام: "فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم. . . أحرى". ثم انظر إلى هذا الإمام كيف يتحرى في بيان معاني كتاب الله إخلاص التوحيد لله ، ونفى الشرك عنه في صفاته سبحانه ، فأخرج من النصر ما يتوهم المتوهم أن نزول الملائكة كان هو سبب نصر المؤمنين ، فلخص المعنى تلخيصًا كله تقوى لله وإخلاص له ، ونفي للشرك عن صفاته سبحانه ، فبين أن النصر من عند الله للمؤمنين وللملائكة جميعًا على عدو الله وعدوهم ، وأنهم إنما كانوا مددًا للمؤمنين ، كما قال ربنا سبحانه. وهذا من فقه أبي جعفر وبصره وتحققه بمعاني هذا الكتاب الذي لا يدرك أحد توحيد الله حق توحيده إلا بتلاوته وفهمه وتفقهه فيه ، واتباعه لبيانه العربي المحكم. ورحم الله أبا جعفر ، فإنه كان إمامًا في التفسير ، قيما عليه.
(53) في المطبوعة: "وذلك أني أعرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو كلام قد ضل عنه معناه. وفي المخطوطة: "وذلك أن العرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو شبيه به في الخطل. والصواب ما أثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
(54) الأثر: 7994- سيرة ابن هشام 3: 114 ، وهو تابع للأثرين السالفين: 7733 ، 7741.
(55) في المخطوطة: "في تدبيره ولكم أيها المؤمنون وعلى أعدائكم" ، وهو لا يستقيم مع سياقته ، والصواب ما في المطبوعة.