تفسير الطبري

تفسير الآية رقم 31 من سورة التوبة

القول في تأويل قوله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: اتخذ اليهود أحبارهم, وهم العلماء.
* * *
وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا قبل. واحدهم " حَبْرٌ"، و " حِبْرٌ" بكسر الحاء منه وفتحها. (37)
وكان يونس الجرمي، (38) فيما ذكر عنه، يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا " حِبر " بكسر الحاء, ويحتج بقول الناس: " هذا مِدَادُ حِبْرٍ", يراد به: مدادُ عالم.
وذكر الفرَّاء أنه سمعه " حِبْرًا "، و " حَبْرًا " بكسر الحاء وفتحها.
* * *
= والنصارى " رهبانهم "، (39) وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم، (40) كما:-
16630- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة, عن الضحاك: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)، قال: قُرَّاءهم وعلماءهم.
* * *
=(أربابا من دون الله)، يعني: سادةً لهم من دون الله، (41) يطيعونهم في معاصي الله, فيحلون ما أحلُّوه لهم مما قد حرَّمه الله عليهم، ويحرِّمون ما يحرِّمونه عليهم مما قد أحلَّه الله لهم، كما:-
16631- حدثني الحسين بن يزيد الطحّان قال، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي, عن غطيف بن أعين, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في " سورة براءة ": (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، فقال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم, ولكن كانوا يحلّون لهم فيُحلُّون ". (42)
16632- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا مالك بن إسماعيل = وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد = جميعًا، عن عبد السلام بن حرب قال، حدثنا غطيف بن أعين, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي عُنُقي صليبٌ من ذهب, فقال: يا عديّ، اطرح هذا الوثنَ من عنقك ! قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في " سورة براءة ", فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله)، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدُهم! فقال: أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه, ويحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه؟ قال: قلت: بلى! قال: فتلك عبادتهم! = واللفظ لحديث أبي كريب. (43)
16633- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية، عن قيس بن الربيع, عن عبد السلام بن حرب النهدي, عن غضيف, عن مصعب بن سعد, عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ " سورة براءة "، فلما قرأ: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قلت: يا رسول الله, إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال: صدقت, ولكن كانوا يُحلُّون لهم ما حرَّم الله فيستحلُّونه, ويحرّمون ما أحلّ الله لهم فيحرِّمونه. (44)
16634- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي البختري, عن حذيفة: أنه سئل عن قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه, وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه.
16635- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حبيب, عن أبي البختري قال: قيل لأبي حذيفة، فذكر نحوه = غير أنه قال: ولكن كانوا يحلُّون لهم الحرام فيستحلُّونه, ويحرِّمون عليهم الحلال فيحرِّمونه.
16636- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن العوام بن حوشب, عن حبيب عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: أرأيت قول الله: (اتخذوا أحبارهم) ؟ قال: أمَا إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم, ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلُّوه, وإذا حرّموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرَّموه, فتلك كانت رُبوبيَّتهم.
16637-...... قال، حدثنا جرير وابن فضيل, عن عطاء, عن أبي البختري: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال: انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حرامًا, وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا فأطاعوهم في ذلك. فجعل الله طاعتهم عبادتهم. ولو قالوا لهم: " اعبدونا "، لم يفعلوا.
16638- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة فقال: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه, وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه.
16639- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن أبي عديّ, عن أشعث, عن الحسن: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا)، قال: في الطاعة.
16640- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، يقول: زيَّنُوا لهم طاعتهم.
16641- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال عبد الله بن عباس: لم يأمروهم أن يسجُدوا لهم, ولكن أمروهم بمعصية الله, فأطاعوهم, فسمَّاهم الله بذلك أربابًا.
16642- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا)، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الرُّبوبية التي كانت في بني إسرائيل؟ قال: [لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى] (45) " ما أمرونا به ائتمرنا, وما نهونا عنه انتهينا لقولهم "، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه, فاستنصحوا الرجالَ, ونبذُوا كتاب الله وراء ظهورهم.
16643- حدثني بشر بن سويد قال، حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن أبي البختري, عن حذيفة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)، قال: لم يعبدوهم, ولكنهم أطاعوهم في المعاصي. (46)
* * *
وأما قوله: (والمسيح ابن مريم)، فإن معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيحَ ابن مريم أربابًا من دون الله.
* * *
وأما قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به: وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا, وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق, المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية = " لا إله إلا هو " ، يقول تعالى ذكره: لا تنبغي الألوهية إلا للواحد الذي أمر الخلقُ بعبادته, ولزمت جميع العباد طاعته =(سبحانه عما يشركون)، يقول: تنـزيهًا وتطهيرًا لله عما يُشرك في طاعته وربوبيته، القائلون: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ , والقائلون: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ , المتخذون أحبارهم أربابًا من دون الله. (47)
------------------------
الهوامش:
(37) انظر تفسير " الحبر " فيما سلف 6 : 543 ، 544 / 10 : 341 ، 448 .
(38) " يونس الجرمي " ، انظر ما سلف 10 : 120 ، تعليق : 1 / 11 : 544 ، تعليق : 3 / 13 : 129 ، تعليق : 3 = 138 ، تعليق : 4 .
(39) قوله : " والنصارى ، ورهبانهم " هذا معطوف على قوله آنفا : " اتخذ اليهود أحبارهم " .
(40) انظر تفسير " الرهبان " فيما سلف 10 : 502 ، 503 .
(41) انظر تفسير " الرب " فيما سلف 1 : 142 / 12 : 286 ، 482 .
(42) الأثر : 16631 - حديث ( عدي بن حاتم الطائي ) ، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق متابعة ، كلها من طريق عبد السلام بن حرب ، عن غطيف بن أعين ، من 16631 - 16633 .
" الحسين بن يزيد السبيعي الطحان " ، شيخ الطبري ، وثقه ابن حبان، ولين حديثه أبو حاتم ، مضى برقم : 2892 ، 7863 ، 9153 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحسن بن يزيد " ، وهو خطأ "
و " عبد السلام بن حرب الملائي النهدي " ، الحافظ الثقة ، مضى برقم : 1184 ، 5471 ، 12478 .
و " غطيف بن أعين الشيباني الجزري " أو " غصيف " وثقه ابن حبان ، وقال الترمذي : " ليس بمعروف في الحديث " وضعفه الدارقطني ، مترجم التهذيب، والكبير 4 / 1 / 106 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وترجمه ابن أبي حاتم في " غضيف " بالضاد ، 3 / 2 / 55 ، ولم يذكر فيه جرحا . وسيأتي " غضيف " في رقم : 16633 .
و ( مصعب بن سعد بن أبي وقاص ) ، روى عن أبيه ، وعلي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعدي بن حاتم ، وابن عمر . وغيرهم ، وروي عن غطيف بن أعين ، وهو ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 9841 ، 11450 .
وهذا الخبر مختصر الذي يليه ، فراجع التخريج التالي .
ورواه الترمذي من هذه الطريق نفسها عن الحسين بن يزيد الكوفي الطحان في كتاب التفسير ، وقال : " هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب . وغطيف بن أعين ، ليس بمعروف في الحديث " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 230 ، وزاد نسبته إلى ابن سعد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه . ولم أجده في المطبوع من طبقات ابن سعد ، وضل عني مكانه في سنن البيهقي .
(43) الأثر : 16632 - رواه من طريق مالك بن إسماعيل ، عن عبد السلام بن حرب ، بلفظه ، البخاري في الكبير 4 / 1 / 106 . وانظر التخريج السالف .
(44) الأثر : 16633 - " غضيف " ، هو " غضيف بن أعين " ، و " غطيف " ، كما مر في تخريج الأثر : 16631 . وكان في المخطوطة : " حصف " وجعلها في المطبوعة : " غطيف " ، والصواب ما أثبت . كما أشرت إليه في التعليق المذكور .
(45) هذه الجملة التي وضعتها بين قوسين من المخطوطة ، ولا أدري ما هي ، ولكني أثبتها كما جاءت ، فلعل أحدا يجد الخبر في مكان آخر فيصححه .
(46) الأثر : 16643 - " بشر بن سويد " ، لم أجد من يسمى بهذا الاسم ، أخشى أن يكون : " بشر بن معاذ " شيخ الطبري ، عن " سويد بن نصر المروزي " .
(47) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف 13 : 102 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .