تفسير الطبري

تفسير الآية رقم 43 من سورة التوبة

القول في تأويل قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)
قال أبو جعفر: وهذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتبَ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، من المنافقين.
يقول جل ثناؤه: (عفا الله عنك)، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك, وفي التخلف عنك، من قبل أن تعلم صدقه من كذبه (24)
=(لم أذنت لهم)، لأي شيء أذنت لهم؟ = (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)، يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك إذ قالوا لك: (لو استطعنا لخرجنا معك), حتى تعرف مَن له العذر منهم في تخلفه، ومن لا عذر له منهم, فيكون إذنك لمن أذنتَ له منهم على علم منك بعذره, وتعلمَ مَنِ الكاذبُ منهم المتخلفُ نفاقًا وشكًّا في دين الله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16763- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، قال: ناسٌ قالوا: استأذِنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
16764- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا)، الآية, عاتبه كما تسمعون, ثم أنـزل الله التي في " سورة النور ", فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء, فقال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، [سورة النور: 62]، فجعله الله رخصةً في ذلك من ذلك.
16765- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن ميمون الأودي قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين, وأخذه من الأسارى, فأنـزل الله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، الآية.
16766- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، قرأت على سعيد بن أبي عروبة, قال: هكذا سمعته من قتادة, قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، الآية, ثم أنـزل الله بعد ذلك في " سورة النور ": فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، الآية.
16767- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا النضر بن شميل قال، أخبرنا موسى بن سَرْوان, قال: سألت مورِّقًا عن قوله: (عفا الله عنك)، قال: عاتبه ربه. (25)
------------------
الهوامش :
(24) انظر تفسير " العفو " فيما سلف من فهارس اللغة (عفا).
(25) الأثر : 16767 - "صالح بن مسمار المروزي السلمي"، شيخ الطبري، مضى برقم: 224.
و "النضر بن شميل المازني" الإمام النحوي، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: 11512 .
و " موسى بن سروان العجلي " ، ويقال : " ثروان " و " فروان " مضى برقم : 11411 ، وكان في المطبوعة هنا " موسى بن مروان " ، وهو خطأ ، وأثبت ما في المخطوطة .
و " مورق " ، هو " مورق بن مشمرج العجلي " ، ثقة عابد من العباد الخشن . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 51 ، وابن أبي حاتم 4 1 403 .