تفسير ابن عاشور · سورة الإسراء

تفسير الآية رقم 75 من سورة الإسراء

الآية 75

تفسير ابن عاشور

(إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا )

وجملة { إذا لأذقناك ضعف الحياة } جزاءٌ لجملة { لقد كدت تركن }. والمعنى : لو تركن إليهم لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات . ولِما في ( إذن ) من معنى الجزاء استغني عن ربط الجملة بحرف التفريع . والمعنى : لقد كدت تركن فلأذقناك .
والضعف بكسر الضاد : مماثل مقدار شيءٍ ذِي مقدار ، فهو لا يكون إلا مبيناً بجنسه لفظاً أو تقديراً مثل قوله تعالى : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } [ النور : 30 ] ، أي ضعفي ما أعد لتلك الفاحشة . ولما كان كذلك ساغ إطلاقه دون بيان اعتماداً على بيان السياق كما هنا ، فإن ذكر الإذاقة في مقام التحذير ينبىء بأنها إذاقة عذاب موصوف بأنه ضِعف .
ثم إن الضعف أطلق هنا على القوي الشديد لعدم حمل الضعف على حقيقته إذ ليس ثَمّ عِلم بمقدار العذاب يراد تضعيفه كقوله : { فآتهم عذاباً ضعفاً من النار وتقدم ذلك } في سورة [ الأعراف : 38 ].
وإضافة الضعف إلى الحياة وإلى الممات على معنى ( في ) ، فإن تقدير معنى ( في ) بَيْنَ المتضايفين لا يختص بإضافة ما يضاف إلى الأوقات . فالتقدير : لأذقناك ضعفاً في الحياة وضعفاً في الممات ، فضعف عذاب الحياة هو تراكم المصائب والأرزاء في مدة الحياة ، أي العمر بزوال ما كان يناله من بهجة وسرور بتمام دعوته وانتظام أمته ، ذلك أن يتمكن منه أعداؤه ، وعذاب الممات أن يموت مكموداً مستذلاً بين كفار يرون أنهم قد فازوا عليه بعد أن أشرفوا على السقوط أمامه .
ويشبه أن يكون قوله : { وضعف الممات } في استمرار ضعف الحياة ، فيكون المعنى : لأذقناك ضعف الحياة حتى المماتتِ .
فليس المراد من ضعف الممات عذاب الآخرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ركن إليهم شيئاً قليلاً لكان ذلك عن اجتهاد واجتلاباً لمصلحة الدين في نظره ، فلا يكون على الاجتهاد عقاب في الآخرة إذ العقاب الأخروي لا يكون إلا على مخالفة في التكليف ، وقد سوغ الله لنبيئه الاجتهاد وجعل للمخطىء في اجتهاده أجراً كما قرر في تفسير قوله تعالى :
{ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } في سورة [ الأنفال : 68 ].
وأما مصائب الدنيا وأرزاؤها فهي مسببة على أسباب من الأغلاط والأخطاء فلا يؤثر في التفادي منها حسن النية إن كان صاحبها قد أخطأ وجه الصواب ، فتدبر في هذه المعاني تدبر ذوي الألباب ، ولهذا خولف التعبير المعتاد استعماله لعذاب الآخرة . وعبر هنا بـ { ضعف الحياة وضعف الممات }.
وجملة { ثم لا تجد لك علينا نصيراً } معطوفة على جملة { لأذقناك }.
وموقعها تحقيق عدم الخلاص من تلك الإذاقة . و ( ثُم ) للترتيب الرتبي لأن عدم الخلاص من العذاب أهم من إذاقته ، فرتبته في الأهمية أرقى . والنصير : الناصر المخلص من الغلبة أو الذي يثأر للمغلوب ، أي لا تجد لنفسك من ينتصر لك فيصدنا عن إلحاق ذلك بك أو يثأر لك منا .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869707172737475767778798081828384858687888990919293949596979899100101102103104105106107108109110111

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.