تفسير ابن عاشور · سورة الطور

تفسير الآية رقم 16 من سورة الطور

حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
الآية 16

تفسير ابن عاشور

(ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ )

اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16(
ومعنى { لا تبصرون } : لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم تزعمون أنكم لا ترون ناراً كما كنتم في الدنيا تقولون : { بيننا وبينك حجاب } [ فصلت : 5 ] أي فلا نراك ، وتقولون { إنما سكرت أبصارنا } [ الحجر : 15 ] .
وجيء بالمسند إليه مخبراً عنه بخبر فعلي منفي لإِفادة تقوّي الحكم ، فلذلك لم يقل : أم لا تبصرون ، لأنه لا يفيد تقوياً ، ولا : أم لا تبصرون أنتم ، لأن مجيء الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد توكيداً ، وكل ذلك في طريقة التهكم .
وجملة { اصلوها } مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ والتغليظ السابقين ، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال : صلي النار يصلاها ، إذا قاسى حرها .
والأمر في { اصلوها } إمّا مكنًّى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم الاحتراق بنارها ، وإما مستعمل مجازاً في التنكيل . وفرع على { اصلوها } أمر للتسوية بين صبرهم على حرّها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان عنهم شيئاً من العذاب ، ألا ترى أنهم يقولون : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيض } [ إبراهيم : 21 ] لأن جُرمَهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه .
و { سواء عليكم } خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : ذلك سواء عليكم .
وجملة { سواء عليكم } مؤكدة لجملة { فاصبروا أو لا تصبروا } فلذلك فصلت عنها ولم تعطف .
وجملة { إنما تجزون ما كنتم تعملون } تعليل لجملة { اصلوها } إذ كلمة { إنما } مركبة من ( إنّ ( و ( ما ( الكافة ، فكما يصح التعليل ب ( إنّ ( وحدها كذلك يصح التعليل بها مع ( ما ( الكافة ، وعليه فجملتا { فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } معترضتان بين جملة { اصلوها } والجملة الواقعة تعليلاً لها .
والحصر المستفاد من كلمة { إنما } قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم من الفزع .
وعدي { تجزون } إلى { ما كنتم تعملون } بدون الباء خلافاً لقوله بعده { كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون } [ الطور : 19 ] ليشمل القصر مفعول الفعل المقصور ، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله ، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل بالباء إذ جعل الجزاء بمنزلة نفس الفعل .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
فهرس آيات السورة
12345678910111213141516171819202122232425262728293031323334353637383940414243444546474849

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.