تفسير ابن عاشور

تفسير الآية رقم 143 من سورة الأنعام

جملة : { ثمانية أزواج } حال من { من الأنعام } [ الأنعام : 142 ]. ذكر توطئة لتقسيم الأنعام إلى أربعة أصناف الّذي هو توطئة للردّ على المشركين لقوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى قوله أم كنتم شهداء أي أنشأ من الأنعام حمولة إلى آخره حالة كونها ثمانية أزواج .
والأزواج جمع زوج ، والزوج اسم لذات منضمَّة إلى غيرها على وجه الملازمة ، فالزّوج ثان لواحد ، وكلّ من ذيْنِك الاثنين يقال له : زوج ، باعتبار أنّه مضموم ، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجَنَّة } في سورة البقرة ( 35 ) ، ويطلق الزوج غالباً على الذّكر والأنثى من بني آدم المتلازمين بعقدة نكاح ، وتوسّع في هذا الإطلاق فأطلق بالاستعارة على الذّكر والأنثى من الحيوان الّذي يتقارن ذكره وأنثاه مثل حمار الوحش وأتانه ، وذكر الحمام وأنثاه ، لشبهها بالزوجين من الإنسان . ويطلق الزّوج على الصنف من نوع كقوله تعالى : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين في سورة الرّعد ( 3 ). وكلا الإطلاقين الأخيرين صالح للإرادة هنا لأنّ الإبل والبقر والضأن والمعز أصناف للأنعام ، ولأنّ كلّ ذلك منه ذكر وأنثى . إذ المعنى أنّ الله خلق من الأنعام ذكرها وأنثاها ، فالأزواج هنا أزواج الأصناف ، وليس المراد زوْجاً بعينه ، إذ لا تعرف بأعيانها ، فثمانية أزواج هي أربعة ذكور من أربعة أصناف وأربعُ إناث كذلك .
وقوله : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } أُبدل { اثنين } من قوله : { ثمانية أزواج } قوله : { اثنين } : بدلَ تفصيل ، والمراد : اثنين منها أي من الأزواج ، أي ذَكَرٌ وأنثى كلّ واحد منهما زوج للآخر ، وفائدة هذا التّفصيل التوصّل لذكر أقسام الذّكور والإناث توطئة للاستدلال الآتي في قوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } الآية .
وسُلك في التّفصيل طريق التّوزيع تمييزاً للأنواع المتقاربة ، فإنّ الضأن والمعز متقاربان ، وكلاهما يذبح ، والإبلَ والبقرَ متقاربة ، والإبلُ تنحر ، والبقر تذبح وتُنحر أيضاً . ومن البقر صنف له سنام فهو أشبه بالإبل ويوجد في بلاد فارس ودخل بلاد العرب وهو الجاموس ، والبقرُ العربي لا سنام له وثَورها يسمّى الفريش .
ولمّا كانوا قد حرّموا في الجاهليّة بعض الغنم ، ومنها ما يسمّى بالوصيلة كما تقدّم ، وبعض الإبل كالبَحيرة والوصيلة أيضاً ، ولم يحرّموا بعض المعز ولا شيئاً من البقر ، ناسب أن يؤتى بهذا التّقسيم قبل الاستدلال تمهيداً لتحكّمهم إذْ حرّموا بعض أفراد من أنواع ، ولم يحرّموا بعضاً من أنواع أخرى ، وأسباب التّحريم المزعومة تتأتى في كلّ نوع فهذا إبطال إجمالي لما شرعوه وأنَّه ليس من دين الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً .
وهذا الاستدلال يسمى في علم المناظرة والبحث بالتحكّم .
والضأن بالهمز اسم جمع للغَنم لا واحد له من لفظه ، ومفرد الضأن شاة وجمعها شاءٌ .
وقيل هو جمع ضَائن . والضأن نوع من الأنعام ذواتتِ الظلف له صوف . والمعز اسم جمع مفرده ماعِز ، وهو نوع من الأنعام شبيه بالضأن من ذوات الظلف له شعر مستطيل ، ويقال : مَعْز بسكون العين ومَعز بفتح العين وبالأول قرأ نافع . وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف . وقرأ بالثّاني الباقون .
وبعد أن تمّ ذكر المنّة والتّمهيد للحجّة ، غيرّ أسلوب الكلام ، فابتدىء بخطاب الرّسول عليه الصّلاة والسلام بأن يجادل المشركين ويظهر افتراءهم على الله فيما زعموه من تحريم ما ابتدعوا تحريمه من أنواع وأصناف الأنعام على من عيّنوه من النّاس بقوله : { قل ءآلذكرين حرم } الآيات . فهذا الكلام ردّ على المشركين ، لإبطال ما شرعوه بقرينة قوله : { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } وقوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } الآية . فقوله : قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى آخرها في الموضعين ، اعتراض بعد قوله : { ومن المعز اثنين } وقوله : { ومن البقر اثنين }.وضمير : { حرّم } عائد إلى اسم الله في قوله : { كلوا مما رزقكم الله } [ الأنعام : 142 ] ، أو في قوله : { وحرموا ما رزقهم الله } [ الأنعام : 140 ] الآية . وفي تكرير الاستفهام مرّتين تعريض بالتّخطئة ، فالتّوبيخ والتّقريع الّذي يعقبه التّصريح به في قوله : { إن كنتم صادقين } وقوله : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً } الآية . فلا تردّد في أنّ المقصود من قوله : { قل ءآلذكرين حرم } في الموضعين إبطال تحريم ما حرّم المشركون أكله ، ونفي نسبة ذلك التّحريم إلى الله تعالى . وإنَّما النظر في طريق استفادة هذا المقصود من نظم الكلام . وهو من المعضلات .
فقال الفخر : «أطبق المفسّرون على أنّ تفسير هذه الآية أنّ المشركين كانوا يحرّمون بعض الأنعام فاحتجّ الله على إبطال قولهم بأنْ ذكَرَ الضأن والمعز والإبل والبقر . وذكر من كلّ واحد من هذه الأربعة زوجين ذكراً وأنثى ، ثمّ قال : إن كان حُرّم منها الذّكر وجب أن يكون كلّ ذكورها حراماً ، وإن كان حُرم الأنثى وجب أن يكون كلّ إناثها حراماً ، وأنَّه إن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلّها» . حاصل المعنى نفي أن يكون الله حرّم شيئاً ممّا زعموا تحريمه إياه بطريق السبّر والتّقسيم وهو من طريق الجدل .
قلت : هذا ما عزاه الطّبري إلى قتادة ، ومجاهد ، والسدّي ، وهذا لا يستقيم لأنّ السبر غير تامّ إذ لا ينحصر سبب التّحريم في النّوعيّة بل الأكثر أنّ سببه بعض أوصاف الممنوع وأحواله . 5
وقال البغوي : قالوا : { هذه أنعَام وحرث حجر } [ الأنعام : 138 ] وقالوا : { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] وحرّموا البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي ، فلمّا قام الإسلام جَادَلوا النّبيء صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالكَ بن عوف الجُشَمي قالوا : يا محمّد بلغَنا أنَّك تحرّم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّكم قد حرّمتم أصنافاً من النّعم على غير أصل ، وإنَّما خلق الله هذه الأزواج الثّمانية للأكل والانتفاع بها ، فمِن أيْن جاء هذا التّحريم أمِن قِبلَ الذّكر أم من قِبَل الأنثى . فسكت مالك بن عوف وتحيَّر اه ( أي وذلك قبل أن يُسلم مالك بن عوف ) ولم يعزه البغوي إلى قائل وهو قريب ممّا قاله قتادة والسّدي ومجاهد فتبيّن أنّ الحجاج كلّه في تحريم أكل بعض هذه الأنواع من الأنعام ، وفي عدم التّفرقة بين ما حرّموا أكله وما لم يحرّموه مع تماثل النّوع أو الصنف .
والّذي يؤخذ من كلام أئمَّة العربيّة في نظم الاستدلال على المشركين أنّ الاستفهام في قوله : { ءآلذكرين حرم } في الموضعين . استفهام إنكاري ، قال في «الكشاف» الهمزة في { ءآلذكرين } للإنكار . والمعنى : إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنسي الغنم شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها وما تحمل إناثها وكذلك في جنسي الإبل والبقر ، وبيّنه صاحب «المفتاح» في باب الطلب بقوله : وإن أردتَ به ( أي بالاستفهام ) الإنكا فانسجه على منوال النّفي فَقُل ( في إنكار نفس الضرب ) أضربت زيداً ، وقل ( في إنكار أن يكون للمخاطب مضروبٌ ) أزيداً ضربت أم عمراً ، فإنَّك إذا أنكرت من يُردّد الضّرب بينهما ( أي بزعمه ) تولّد منه ( أي من الإنكار عليه ) إنكار الضرب على وجه بُرهاني ومنه قوله تعالى : { ءآلذكرين حرم أم الأنثيين }.قال شارحه القطب الشّيرازي : لاستلزام انتفاء محلّ التّحريم انتفاءَ التّحريم لأنَّه عرض يمتنع وجوده ، أي التّحريم ، دون محلّ يقوم به فإذا انتفى ( أي محلّه ) انتفى هو أي التّحريم ا ه .
أقول وجه الاستدلال : أنّ الله لو حرّم أكل بعض الذّكور من أحد النّوعين لحرّم البعضَ الآخر ، ولو حرّم أكل بعض الإناث لحرّم البعض الآخر . لأنّ شأن أحكام الله أن تكون مطّردة في الأشياء المتّحدة بالنّوع والصّفة ، ولو حَرّم بعض ما في بطون الأنعام على النّساء لحرّم ذلك على الرّجال ، وإذْ لم يحرّم بعضها على بعض مَع تماثل الأنواع والأحوال . أنتجَ أنَّه لم يحرّم البعض المزعوم تحريمُه ، لأنّ أحكام الله منوطة بالحكمة ، فدلّ على أنّ ما حرّموه إنَّما حرّموه من تلقاء أنفسهم تحكّماً واعتباطاً ، وكان تحريمهم ما حرّموه افتراءً على الله . ونهضت الحجّة عليهم ، الملجئةُ لهم ، كما أشار إليه كلام النّبيء صلى الله عليه وسلم لمالك بن عوف الجُشمي المذكورُ آنفاً ، ولذلك سَجَّل عليهم بقوله : { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } فقوله : { ءآلذكرين حرم } أي لو حرّم الله ءآلذكرين لسوّى في تحريمهما بين الرّجال والنّساء . وكذلك القول في الأنثيين ، والاستفهام في قوله : { ءآلذكرين حرم } في الموضعين مُستعمل في التّقرير والإنكار بقرينة قوله قبله : { سيجزيهم وصفهم إنَّه حكيم عليم }
[ الأنعام : 139 ]. وقوله : { ولا تتَّبعوا خطوات الشّيطان } [ البقرة : 168 ]. ومعلوم أنّ استعمال الاستفهام في غير معنى طلب الفهم هو إما مجاز أو كناية .
ولذلك تعيَّن أن تكون { أم } منقطعة بمعنى ( بل ) ومعناها الإضراب الانتقالي تعديداً لهم ويُقَدّر بعدها استفهام . فالمفرد بعد { أم } مفعول لفعل محذوف ، والتّقدير : أم أحرّم الأنثيين . وكذلك التّقدير في قوله : { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } وكذلك التّقدير في نظيره .
وقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } مع قوله : { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } من مسلك السير والتقسيم المذكور في مسالك العلة من علم أصول الفقه .
وجملة : { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } بدل اشتمال من جملة؛ { ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } لأنّ إنكار أن يكون الله حرّم شيئاً من ذكور وإناث ذينك الصنفين يقتضي تكذيبهم في زعمهم أنّ الله حرّم ما ذكروه فيلزم منه طلبُ الدّليل على دعواهم . فموقع جملة { ءآلذكرين } بمنزلة الاستفسار في علم آداب البحث . وموقع جملة : { نبئوني بعلم إم كنتم صادقين } بمنزلة المنع . وهذا تهكّم لأنَّه لا يَطلب تلقّي علم منهم . وهذا التَّهكّم تابع لصورة الاستفهام وفرعٌ عنها . وهو هنا تجريد للمجاز أو للمعنى الملزوم المنتقل منه في الكناية . وتثنية ءآلذكرين والأنثيين : باعتبار ذكور وإناث النّوعين .
وتعدية فعل : { حَرّم } إلى { الذّكرين } و { الأنثيين } وما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، على تقدير مضاف معلوم من السّياق ، أي : حرّم أكل ءآلذكرين أم الأنثيين إلى آخره .
والتّعريف في قوله : { ءآلذكرين } وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } تعريف الجنس كما في «الكشاف» .
والباء في { بعلم } : يحتمل أن تكون لتعدية فعل الإنباء ، فالعلم بمعنى المعلوم . ويحتمل أن تكون للملابسة ، أي نبّئوني إنباء ملابساً للعلم ، فالعلم ما قابل الجهل أي إنباء عالم . ولمَّا كانوا عاجزين عن الإنباء دلّ ذلك على أنَّهم حرّموا ما حرّموه بجهالة وسوء عقل لا بعلم ، وشأن من يتصدّى للتحريم والتّحليل أن يكون ذا علم .
وقوله : { إن كنتم صادقين } أي في قولكم : إنّ الله حرّم ما ذكرتم أنَّه محرّم ، لأنَّهم لو كانوا صادقين في تحريم ذلك لاستطاعوا بيان ما حرّمه الله ، ولأبدوا حكمة تحريم ما حرّموه ونسبوا تحريمه إلى الله تعالى .