الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وجملة : { الذي خلق فسوى } اشتملت على وصفين : وصف الخلق ووصف تسويه الخلق ، وحذف مفعول { خلق } فيجوز أن يقدر عامّاً ، وهو ما قدره جمهور المفسرين ، وروي عن عطاء ، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل ، أي خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 50 ] . ويجوز أن يقدر خاصاً ، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج ، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك ، أي بقرينة قرن فعل { خلق } بفعل «سوى» قال تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } [ الحجر : 29 ] الآية . وعطف جملة : { فسوى } بالفاء دون الواو للإِشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة : ... يا لهفَ زيَابةً للحارث الصّ ابححِ فالغَانِم فالآيب ... لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالَهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه . فالفاء من قوله : { فسوى } للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في اعتبار المعتبر على التسويه ، وإن كان حصول التسويه مقارناً لحصول الخلق . والتسويه : تسويةُ ما خلقَه فإن حمل على العموم فالتسوية أنْ جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادِلاً ، أي مناسباً للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زُبَانَى العقرببِ من تسويه خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة . ولكونه مقارناً للخلقة عطف على فعل { خلق } بالفاء المفيدة للتسبب ، أي ترتَّبَ على الخَلق تسويتُه . والتقديرُ : وضْعُ المقدارِ وإيجادُه في الأشياء في ذواتها وقواها ، يقال : قَدَّر بالتضعيف وقدَر بالتخفيف بمعنىً . وقرأ الجمهور بالتشديد وقرأها الكسائي وحده بالتخفيف . والمقدار : أصله كمية الشيء التي تُضبط بالذرع أو الكيل أو الوزن أو العَدّ ، وأطلق هنا على تكوين المخلوقات على كيفيات منظّمة مطردة من تركيب الأجزاء الجسدية الظاهرة مثل اليدين ، والباطنة مثل القلب ، ومن إيداع القُوى العقلية كالحس والاستطاعة وحِيلَ الصناعة .