الوسيط للطنطاوي

تفسير الآية رقم 9 من سورة إبراهيم

وقوله- سبحانه-: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ....
يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى- عليه السلام- فيكون المعنى:
أن موسى- عليه السلام- بعد أن ذكر قومه بأيام الله- تعالى-، وبنعمه عليهم، وبسننه- سبحانه- في خلقه ...
بعد كل ذلك شرع في تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم، فقال لهم- كما حكى القرآن عنه-: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ....
ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف، والخطاب فيه لأمة الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون المعنى: أن الله- تعالى- بعد أن بين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين- سبحانه- أن له ما في السموات وما في الأرض، وهدد الكافرين بالعذاب الشديد، وحكى ما قاله موسى لقومه ...
بعد كل ذلك وجه- سبحانه- الخطاب إلى مشركي مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ....
قال الفخر الرازي ما ملخصه: «يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، والمقصود منه أنه- عليه السلام- كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم.
ويجوز أن يكون مخاطبة من الله- تعالى- على لسان موسى لقومه، يذكرهم أمر القرون الأولى. والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل على التقديرين، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومع أننا نؤيد الإمام الرازي في أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأى الثاني، لأن قوم الرسول صلى الله عليه وسلم هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى، ولأن الإمام ابن كثير- رحمه الله- يرى أنه لم يرد ذكر في التوراة لقوم عاد وثمود، فقد قال:
قال ابن جرير: «هذا من تمام قول موسى لقومه ... وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله- تعالى- لهذه الأمة، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم، فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان في التوراة .
والاستفهام في قوله أَلَمْ يَأْتِكُمْ ... للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذي كان مشهورا بينهم، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب، ومساكنهم في بلادهم، وهم يمرون على ديار قوم صالح في أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة. والمراد بالذين من بعدهم: أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود، كقوم إبراهيم وقم لوط وغيرهم.
وقوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أى: لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى.
وقوله وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مبتدأ، وقوله لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ خبره، والجملة اعتراض بين المفسر- بفتح السين- وهو نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وتفسيره وهو جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ.
والمعنى: لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله- تعالى- وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذي جاء لسعادتكم، لكي تنجوا من العذاب الأليم الذي حل بالظالمين من قبلكم.
وجملة جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ مستأنفة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟
فكان الجواب: جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات، وبالمعجزات الظاهرات، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
وقوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ....
بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم.
والضمائر في «ردوا» و «أيديهم» و «أفواههم» تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات. وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون في معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال:
منها: أن الكفار وضعوا أناملهم في أفواههم فعضوها غيظا وبغضا مما جاء به الرسل، وقالوا لهم بغضب وضجر: إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات، فاغربوا عن وجوهنا، واتركونا وشأننا.
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإمام ابن جرير، فقد قال: «وقوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ... اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه ... روى ذلك عن ابن مسعود وغيره.
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى: وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظا على الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال:
وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه .
ومنها: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها، وقالوا للرسل على سبيل التحدي والتكذيب. «إنا كفرنا بما أرسلتم به» أى: لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه.
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإمام الآلوسى، فقد صدر الأقوال التي ذكرها به، فقال ما ملخصه: قوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أى: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به، وقالوا لهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أى: على زعمكم، وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالتهم، ومرادهم بالكفر بها: الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم ...
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال: والذي يطابق المقام، وتشهد له البلاغة: هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى، لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار، حيث جمعوا في الإنكارين: الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب ... » .
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا.
وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال: «وهذا التركيب لا أعهد مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن: ومعنى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ.
يحتمل عدة وجوه أنهاها في الكشاف إلى سبعة، وفي بعضها بعد، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل .
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، لم يردوا عليهم، بل تركوهم إهمالا لشأنهم.
وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه: «وقال أبو عبيدة- ونعم ما قال- هو ضرب مثل. أى: لم يؤمنوا ولم يجيبوا. والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت:
قد رد يده في فيه. وهكذا قال الأخفش، واعترض على ذلك القتيبي فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول: رد يده في فيه، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدى حنقا وغيظا ...
فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب ... .
وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق في أن الآية الكريمة، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب ...
إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإمام ابن جرير، لأنه أظهر الأقوال في معناها، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب، ومنها قول الشاعر:
ترون في فيه غش الحسو ... د حتى يعض على الأكفا
يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه .
وقوله- سبحانه- وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ معطوف على قوله إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ.
ومريب: اسم فاعل من أراب. تقول: أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، فمعنى مريب: موقع في الريبة أى: في القلق والاضطراب.
أى: قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات.
وإنا لفي شك كبير موقع في الريبة مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحدانية الله، وبإخلاص العبادة له ...
قال الجمل ما ملخصه: «فإن قيل: إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل.
ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم فكيف ذلك؟
فالجواب: كأنهم قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإن لم نكن كذلك، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم.
أو يقال: المراد بقولهم «إنا كفرنا بما أرسلتم به» أى بالمعجزات والبينات، وبقولهم:
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ وهو الإيمان والتوحيد.
أو يقال: إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت ... .