خطبة إسلامية مكتوبة

طول الأمل

تركي بن عبدالله الميمانأحوال القلوب
وقت القراءة≈ 5 د
عدد الكلمات723
الأجزاءالأولى والثانية
موضوعات مرتبطة7
لديك تقدم محفوظ في هذه الخطبة:

بطاقة سريعة

تبدأ الخطبة بمحاور واضحة، وأولها: حقيقة الأمل

عناصر الخطبة

  1. حقيقة الأمل
  2. قصر الأمل يقوم على أمرين
  3. الأمل وقرب الأجل
  4. أثر قصر الأمل وطول الأمل

مقتطف من الخطبة

حَسِّنُوا أَعْمَالَكُمْ، وَقَصِّرُوا آمَالَكُمْ، ولَا تُؤَخِّرِوا التَّوْبَةَ، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً! يَقُولُ الحَسَنُ: “يَا ابْنَ آدَمَ: إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ؛ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكِ وَلَسْتَ بِغَدٍ، ومَا أَطَالَ عَبْدٌ الْأَمَلَ، إِلَّا...

من الخطبة إلى القرآن

وردت في الخطبة إشارات صريحة إلى السور التالية. يمكنك مواصلة القراءة داخل أقسام المصحف الإلكتروني.

الخطبة الأولى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ في السّرِّ والعَلَانِيَةِ؛ فَالمُتَّقُونَ هُم الفَائِزُونَ في الآخِرَةِ (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يُوسُفَ: 57].

عِبَادَ الله: إِنَّهُ دَاءٌ عُضَالٌ وَمَرَضٌ مُزْمِنٌ، مَتَى تَمَكَّنَ مِنَ الْقَلْبِ فَسَدَ مِزَاجُهُ، وَاشْتَدَّ عِلَاجُهُ إِنَّهُ طُولُ الأَمَلِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: “حَقِيقَةُ الْأَمَلِ: الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا، وَالِانْكِبَابُ عَلَيْهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْآخِرَةِ”.

وأَصْلُ الأَمَلِ: طَبِيْعَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وَغَرِيْزَةٌ بَشَرِيَّةٌ، قال صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ”(رواه البخاري). وفي روايةٍ: “يكْبُرُ ابْنُ آدَمَ، وَيَكْبُرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ”.

قال ابنُ حَجَر: “لَولا الْأَمَلُ مَا تَهَنَّى أَحَدٌ بِعَيْشٍ، وَلَا طَابَتْ نَفْسُهُ فِي عَمَلٍ، وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ: الِاسْتِرْسَالُ فِيهِ، وَعَدَمُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ”.

وَقِصَرُ الأَمَلِ، يَقُومُ عَلَى أَمْرَيْنِ:

1- اليقينِ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، 2- وَاليقينِ بِإِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا، قال جل جلاله: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشُّعَرَاءِ: 205-207] ، قال الشِّنْقِيْطِيُّ: “وَهَذِهِ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي إِزَالَةِ الدَّاءِ الْعُضَالِ: الَّذِي هُوَ طُولُ الْأَمَلِ”.

وَجَاءَ في الأثَر: “أَزْهَدُ النَّاسِ مِنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبِلَى، وَتَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتَى”.

والأَجَلُ أَقْرَبُ مِنَ الأَمَلِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: “خَطَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خُطُوطًا؛ فَقَالَ: هَذَا الأَمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ”(رواه البخاري). قالَ العُلَمَاءُ: “وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ الْأَمَلِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ”.

وَمَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ قَلَّ هَمُّهُ، وَتَنَوَّرَ قَلْبُهُ، وَتَلَذَّذَ بِالطَّاعَة، وَاسْتَرَاحَ بِالْقَنَاعَةِ، يَقُولُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: “إِنَّ الشَّقَاءَ: طُولُ الْأَمَلِ. وَإِنَّ السَّعَادَةَ: قِصَرُ الْأَمَلِ”.

وَبِطُولِ الأَمَلِ تَقْسُو الْقُلُوبُ؛ كَمَا قَالَ عَلَّامُ الغُيوب: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوْبُهُمْ) [الحديد: 16]. وجَاءَ في الأَثَرِ: “أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: 1-جُمُودُ الْعَيْنِ 2-وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ 3-وَطُولُ الْأَمَلِ 4-وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا”.

والانْغِمَاسُ في الآمَال مِنْ أَخْلَاقِ الفُجَّارِ، قال عز وجل: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3]. قالَ المُفَسِّرُونَ: “فِيهِ تَنْبِيهٌ على أَنَّ إِيْثَارِ التَّلَذُّذِ والتَّنَعُّمِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ طُولُ الأَمَل؛ لَيسَ مِنْ أَخْلَاقِ المُؤْمِنِيْنَ”.

وَالأَمَلُ سُلْطَانُ الشَّيْطَانِ عَلَى قُلُوبِ الْغَافِلِينَ، قال سبحانه وتعالى: (إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) [محمد:25]. قالَ الحَسَنُ: “زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَايَا، وَمَدَّ لَهُمْ فِي الْأَمَلِ”.

وَطُولُ الأَمَلِ عَلَامَةُ العَجْزِ والكَسَلِ، قال صلى الله عليه وسلم: “العَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِي”(رواه الترمذي وحسنه). قالَ ابنُ القَيِّم: “الْمُتَمَنِّي: مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ وَأَفْلَسِهِمْ، فَالتَّمَنِّي رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ، وَلَا يَرْضَى بِالْأَمَانِيِّ إِلَّا ذَوُو النُّفُوسِ الدَّنِيئَةِ”.

وَطُولُ الأَمَلِ مَادَّةُ كُلّ فَسَادٍ، وَمِفُتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، قالَ ابْنُ الجَوْزِي: “لَوْلَا طُولُ الأَمَلِ، مَا وَقَعَ إِهْمَالٌ أَصْلًا؛ فَإِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفِ؛ فَإِنَّهُ أَكْبَرُ جُنُودِ إِبْلِيْس”.

وَمِنْ عَجَائِبِ الصَّالِحِينَ في الجِدِّ والعَمَلِ، وَقَطْعِ الأَمَلِ والكَسَلِ مَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَة: “مَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ فَحَدَّثْتُ نَفْسِيَ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ”. وقال بَعْضُ السَّلَف: “مَا نِمْتُ يَوْمًا قَطُّ؛ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنِّي أَسْتَيْقِظُ مِنْهُ”. وقَالَ أَحَدُهُمْ: “قَدِ اسْتَعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ فَلَوْ أَتَانِي مَا أَحْبَبْتُ تَأْخِيرَه”.

وَقِصَرُ الأَمَلِ مِفْتَاحُ الاِسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ، قال ابنُ القَيِّم: “قِصَرُ الْأَمَلِ: هُوَ الْعِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَعِ الْأُمُورِ لِلْقَلْبِ! فَهُوَ يَبْعَثُ عَلَى انْتِهَازِ الْفُرَصِ، وَمُبَادَرَةِ الْأَعْمَالِ؛ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْفَعُ مِنْ قِصَرِ الأَمَلِ، وَلَا أَضَرّ مِنَ التَّسْوِيْفِ وَطُوْلِ الأَمَلِ”.

يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ *** وَغَرَّهُ طُوْلُ الأَمَل

المَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً *** وَالقَبْرُ صُنْدُوقُ العَمَل

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه.

أَمَّا بَعْدُ: فَحَسِّنُوا أَعْمَالَكُمْ، وَقَصِّرُوا آمَالَكُمْ، ولَا تُؤَخِّرِوا التَّوْبَةَ، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً! يَقُولُ الحَسَنُ: “يَا ابْنَ آدَمَ: إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ؛ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكِ وَلَسْتَ بِغَدٍ، ومَا أَطَالَ عَبْدٌ الْأَمَلَ، إِلَّا أَسَاءَ الْعَمَلَ”.

فَاعْمَلْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ! فَكَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لا يَسْتَكْمِلُهُ، وَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ لِغَدٍ لَا يُدْرِكُهُ! كما قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه: “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ”(رواه البخاري).

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِيْن.

اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُوْمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوْبِين.

اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوْطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُوْرِنَا، وَوَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لما تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا لِلْبِرِّ والتَّقْوَى.

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النَّحْلِ: 90].

فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 45].

خطب مرتبطة بالموضوع