تفسير ابن عاشور · سورة التغابن

تفسير الآية رقم 15 من سورة التغابن

حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
الآية 15

تفسير ابن عاشور

(إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ )

إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)
تذييل لأن فيه تعميمَ أحوال الأولاد بعد أن ذُكر حال خاص ببعْضهم .
وأدمج فيه الأموال لأنها لم يشملها طلب الحذر ولا وصف العداوة . وقدم ذكر الأموال على الأولاد لأن الأموال لم يتقدم ذكرها بخلاف الأولاد .
ووجه إدماج الأموال هنا أن المسلمين كانوا قد أصيبوا في أموالهم من المشركين فغلبوهم على أموالهم ولم تُذكر الأموال في الآية السابقة لأن الغرض هو التحذير من أشد الأشياء اتصالاً بهم وهي أزواجهم وأولادهم . ولأن فتنة هؤلاء مضاعفة لأن الداعي إليها يكون من أنفسهم ومن مساعي الآخرين وتسويلهم . وجُرد عن ذكر الأزواج هنا اكتفاء لدلالة فتنة الأولاد عليهن بدلالة فحوى الخطاب ، فإن فتنتهن أشد من فتنة الأولاد لأن جُرْأتهن على التسويل لأزواجهن ما يحاولنه منهم أشد من جرأة الأولاد .
والقصر المستفاد من { إنما } قصر موصوف على صفة ، أي ليست أموالكم وأولادكم إلا فتنةً . وهو قصر ادعائي للمبالغة في كثرة ملازمة هذه الصفة للموصوف إذ يندُر أن تخلو أفرادُ هذين النوعين ، وهما أموال المسلمين وأولادهم عن الاتصاف بالفتنة لمن يتلبس بهما .
والإِخبار ب { فتنة } للمبالغة . والمراد : أنهم سبب فتنة سواء سعوا في فعل الفَتْن أم لم يسعوا . فإن الشغل بالمال والعناية بالأولاد فيه فتنة .
ففي هذه الآية من خصوصيات علم المعاني التذييلُ والإِدماج ، وكلاهما من الإِطناب ، والاكتفاءُ وهو من الإِيجاز ، وفيها الإِخبار بالمصدر وهو { فتنة } ، والإِخبار به من المبالغة فهذه أربعة من المحسنات البديعية ، وفيها القصر ، وفيها التعليل ، وهو من خصوصيات الفصل ، وقد يعد من محسنات البديع أيضاً فتلك ست خصوصيات .
وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها اشتملت على التذييل والتعليل وكلاهما من مقتضيات الفصل .
والفتنة : اضطراب النفس وحيرتها من جراء أحوال لا تلائم مَن عرضت له ، وتقدم عند قوله تعالى { والفتنة أشد من القتل } في سورة [ البقرة : 191 ] .
أخرج أبو داود عن بريدة قال : إن رسول الله كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن والحسين يعثران ويقومان فنزل رسول الله عن المنبر فأخذهما وجذبهما ثم قرأ إنما أموالكم وأولادكم فتنة } . وقال : رأيت هذين فلم أصبر ، ثُم أخذ في خطبته» .
وذكر ابن عطية : أن عمر قال لحذيفة : كيف أصبحتَ فقال : أصبحتُ أحب الفتنة وأكره الحق . فقال عمر : ما هذا؟ فقال : أحب ولدي وأكره الموت .
وقوله : { والله عنده أجر عظيم } عطف على جملة { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأن قوله : { عنده أجر عظيم } كناية عن الجزاء عن تلك الفتنة لمن يصابر نفسه على مراجعة ما تسوله من الانحراف عن مرضاة الله إن كان في ذلك تسويل . والأجر العظيم على إعطاء حق المال والرأفة بالأولاد ، أي والله يؤجركم عليها . لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من ابتُلي من هذه البنات بشيء وكنّ له ستراً من النار " وفي حديث آخر " إن الصبر على سوء خلق الزوجة عبادة " .
والأحاديث كثيرة في هذا المعنى منها ما رواه حذيفة : فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.