تفسير ابن عاشور · سورة الملك

تفسير الآية رقم 23 من سورة الملك

الآية 23

تفسير ابن عاشور

(قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ )

قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)
هذا انتقال من توجيه الله تعالى الخطاب إلى المشركين للتبصير بالحجج والدلائل وما تخلل ذلك من الوعيد أو التهديد إلى خطابهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقُول لهم ما سيُذكر تفنناً في البيان وتنشيطاً للأذهان حتى كأنَّ الكلامَ صدَر من قائلين وترفيعاً لقدر نبيئه صلى الله عليه وسلم بإعطائه حظاً من التذكير معه كما قال تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك } [ الدخان : 58 ] .
والانتقال هنا إلى الاستدلال بفُروع المخلوقات بعد الاستدلال بأصولها ، ومن الاستدلال بفروع أعراض الإِنسان بعد أصلها ، فمن الاستدلال بخلق السماوات والأرض والموت والحياة ، إلى الاستدلال بخلق الإِنسان ومداركه ، وقد أتبع الأمر بالقول بخمسةٍ مِثْلِه بطريقة التكرير بدون عاطف اهتماماً بما بعد كل أمر من مقالة يبلغها إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال : { هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار } ، الخ .
والضمير { هو } إلى { الرحمان } من قوله : { من دون الرحمان } [ الملك : 20 ] .
والإِنشاء : الإيجاد .
وإفراد { السمع } لأن أصله مصدر ، أي جعل لكم حاسة السمع ، وأما { الأبصار } فهو جمع البصر بمعنى العَين ، وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } في سورة البقرة ( 7 ) والأفئدة } القلوب ، والمراد بها العقول ، وهو إطلاق شائع في استعمال العرب .
والقصر المستفاد من تعريف المسند إليه والمسندِ في قوله : { هو الذي أنشأكم } إلى آخره قصرُ إفراد بتنزيل المخاطبين لشركهم منزلةَ من يعتقد أن الأصنام شاركت الله في الإِنشاء وإعطاء الإِحساس والإِدراك .
و { قليلاً ما تشكرون } حال من ضمير المخاطبين ، أي أنعم عليكم بهذه النعم في حال إهمالكم شكرها .
و { مَا } مصدرية والمصدر المنسبك في موضع فاعل { قليلاً } لاعتماد { قليلاً } على صاحب حال . و { قليلاً } صفة مشبَّهة .
وقد استعمل { قليلاً } في معنى النفي والعدم ، وهذا الإِطلاق من ضروب الكناية والاقتصاد في الحكم على طريقة التمليح وتقدم عند قوله تعالى : { فقليلاً ما يؤمنون } [ البقرة : 88 ] وقوله تعالى : { فلا يؤمنون إلاّ قليلاً } في سورة النساء ( 155 ) ، وتقول العرب : هذه أرض قلما تنبت .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.