تفسير ابن عاشور · سورة الشمس

تفسير الآية رقم 15 من سورة الشمس

حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
الآية 15

تفسير ابن عاشور

(وَلَا يَخَافُ عُقۡبَٰهَا )

وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)
فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ } { فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عقباها } .
أي صاح عليهم ربهم صيحة غضب . والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة التي أهلكوا بها قال تعالى : { فأخذتهم الصيحة } [ الحجر : 73 ] ، وإسناد ذلك إلى الله مجاز عقلي لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها .
فوزن دَمْدَم فَعْلَل ، وقال أكثر المفسرين : دمدم عليهم أطبق عليهم الأرض ، يقال : دَمَّمَ عليه القبر ، إذا أطبقه ودَمْدَم مكرر دَمَّم للمبالغة مثل كَبْكَب ، وعليه فوزن دَمْدَم فَعْلَلَ .
وفرع على «دمدم عليهم» { فسواها } أي فاستَووا في إصابتها لهم ، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من «دمدم عليهم» .
ومن فسروا «دمدم» بمعنى : أطبق عليهم الأرض قالوا معنَى «سوَّاها» : جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم ، وجَعَلوا ضمير المؤنث عائداً إلى الأرض المفهومة من فعل «دمدم» فيكون كقوله تعالى : { لو تسوى بهم الأرض } [ النساء : 42 ] .
وبين { فسواها } هنا وقوله : { وما سواها } [ الشمس : 7 ] قبله محسن الجناس التام .
والعقبى : ما يحصل عقِب فعل من الأفعال مِن تبعة لفاعِلِه أو مَثوبة ، ولما كان المذكور عقاباً وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنّى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدَأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثَّأْر المُنِيم ، أي الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذراً من أن يتمكن مغلوبُه من الثأر ، أخْبَرَ الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبُه على أخذ الثأر منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين ، وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز فجملة { فلا يخاف عقباها } تذييل للكلام وإيذان بالختام .
ويجوز أن يكون قوله : { فلا يخاف عقباها } تمثيلاً لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك مَن يثأر له فيكون المثَل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد .
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { فلا يخاف عقباها } بفاء العطف تفريعاً على { فدمدم عليهم ربهم } وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام . . . ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوَّتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين .
وقرأ الباقون من العشرة : { ولا يخاف عقباها } بواو العطف أو الحال ، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة ، وهي رواية قُرائها . وقال ابن القاسم وابن وهب : أخرج لنا مالك مصحفاً لجدِّه وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كَتب المصاحف وفيه { ولا يخاف } بالواو ، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرأوا بذلك لمخالفته روايتهم .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
فهرس آيات السورة
123456789101112131415

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.