منذ حوالي ساعة
– ما هي مقاييس النجاح حقًّا؟ – لماذا نقبل من الآخرين أن يفرضوا مفاهيمهم ثم يحاكمونا إليها؟ – لم لا نستعرض المفاهيم في ضوء القرآن؟ ونقيم الأشخاص والآراء بناء عليها؟
انتشرت (مقاطع تحفيزية) كثيرة عربية وأجنبية تتحدث عن (تنمية الذات) وسبل النجاح وأسباب الفشل.
وعند سماعها يستقر في نفسك أن النجاح يدور حول المنصب والشهرة والأضواء والقيادة والمال.. إلخ، ومن كان على خلاف ذلك فهو يحوم حول الفشل، فمستقل ومستكثر.
وهكذا تتسلل هذه المفاهيم إليك ثم تقيِّم نفسك وغيرك من خلالها دون أن تشعر، فترى من جمع تلك الصفات قدوةً ناجحًا يغبط على ما هو عليه ولو كان كافرا، ويُزدرى الأشعث الأغبر ذو الطمرين، ولو كان مؤمنا لو أقسم على الله لأبرّه.
مقاييس جائرة تجعل التافه الذي لا يساوي درهمين ناجحًا لأنه حصّل المال والشهرة ولو حصّلها بما يُزري عليه في دينه وخلقه، ولذلك يجب أن نسأل:
– ما هي مقاييس النجاح حقًّا؟
– لماذا نقبل من الآخرين أن يفرضوا مفاهيمهم ثم يحاكمونا إليها؟
– لم لا نستعرض المفاهيم في ضوء القرآن؟ ونقيم الأشخاص والآراء بناء عليها؟
لنضرب مثلًا بما يكثر ذكره: (النجاح والفشل)، من هو الناجح والفاشل حسب المعنى القرآني؟
لم ترد لفظة النجاح في القرآن، ولم ترد لفظة الفشل بهذا المعنى الذي يريدون وإنما الفشل في اللغة وفي اصطلاح القرآن: ضعف وجبن.
ولكن وردت ألفاظ مقاربة لمعناها في القرآن وهي: الفلاح والفوز والخسارة، وإذا تتبعت مواردها في القرآن تجد الفلاح والفوز متعلقين بدخول الجنة وبالأعمال الموصلة إليها، والخسارة متعلقة بدخول النار وبالأعمال الموصولة إليها:
(قد أفلح المؤمنون. الذين هم صلاتهم خاشعون) الآيات. (قد أفلح من زكاها)، وراجع الأوامر والنواهي التي تختم بقوله: (لعلكم تفلحون)، وقد نُفي الفلاح في القرآن عن ثلاثة: الكافر والظالم والساحر.
ومن مواضع الفوز المتكررة: (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)، (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ولما كان في الدنيا فوز يُفرح به ختم الآية بقوله: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
ومن مواضع ذكر الخسارة سورة العصر: (إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا…).
هذه المفاهيم القرآنية ليست للتلاوة فحسب، بل يجب تمثّلها واستحضارها في كل حين، فإن اختلالها يعني الكد والسعي إلى نجاحٍ متوهَّمٍ أو ناقص.
الناجح حقًّا هو الملتزم بدينه، فإن وفق مع ذلك لمالٍ أو منصب أو شهرة فنعم ذلك للرجل الصالح، وإن لم يوفق إلى شيء منه فحسبه صلاحه، والذهب قيمته في نفسه وإن كان مغمورًا في الأرض فماهو إلا أن يُرى حتى يزاح عنه الغبار ويوضع في مكانه اللائق به، وأما العملة المزورة فقيمتها في رواجها عند المنخدعين بها، حتى إذا عُرِفت حقيقتها ألقيت كورقةٍ لا ينتفع بها.
______________________________________
الكاتب: د. ياسر المطيري
Source link