تفسير الطبري · سورة المائدة

تفسير الآية رقم 35 من سورة المائدة

الآية 35

تفسير الطبري

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب (128) " اتقوا الله " يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم (129) =" وابتغوا إليه الوسيلة "، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. (130)
* * *
و " الوسيلة ": هي" الفعيلة " من قول القائل: " توسلت إلى فلان بكذا "، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة:
إنَّ الرِّجَــالَ لَهُــمْ إِلَيْــكِ وَسِـيلَةٌ
إِنْ يَــأْخُذُوكِ, تكَحَّــلِي وتَخَـضَّبي (131)
يعني بـ" الوسيلة "، القُرْبة، ومنه قول الآخر: (132)
إِذَا غَفَــلَ الوَاشُـونَ عُدْنَـا لِوَصْلِنَـا
وَعَــادَ التَّصَـافِي بَيْنَنَـا وَالوَسَـائِلُ (133)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
11899 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان= عن منصور، عن أبي وائل: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة في الأعمال.
11900 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= عن طلحة، عن عطاء: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.
11901 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: فهي المسألة والقربة. (134)
11902 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.
11902 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وابتغوا إليه الوسيلة "، القربة إلى الله جل وعزّ.
11903 - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، خبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.
11904 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.
11905 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [سورة الإسراء: 57].
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهدوا، أيها المؤمنون، أعدائي وأعداءَكم= في سبيلي، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام. (135) يقول: أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة، (136) =" لعلكم تفلحون "، يقول: كيما تنجحوا، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته.
* * *
وقد دللنا على معنى " الفلاح " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (137)
----------------------
الهوامش :
(128) في المطبوعة: "ووعدهم من الثواب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.
(129) انظر تفسير"اتقوا" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(130) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف 9: 480 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(131) أشعار الستة الجاهليين: 396 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 165 ، والخزانة 3: 11 ، وغيرها ، من أبيات له قالها لامرأته ، وكانت لا تزال تذكر خيله ، وتلومه في فرس كان يؤثره على سائر خيله ويسقيه ألبان إبله ، فقال:
لا تَذْكُــرِي مُهْــرِي وَمَـا أَطْعَمْتُـهُ
فَيَكُـونَ جِـلْدُكِ مِثْـلَ جِـلْـدِ الأَجْرَبِ
إِنَّ الْغَبُــوقَ لَــهُ، وَأَنْـتِ مَسُـوءَةٌ،
فَتَــأَوَّهِي مَــا شِـئْتِ ثُـمَّ تَحَـوَّبِي
كَــذَبَ الْعَتِيـقُ وَمَـاءُ شَـنٍّ بَـارِدٌ
إنْ كُــنْتِ سَـائِلَتِي غَبُوقًـا فَـاذْهَبي
إِنَّ الرِّجَـــالَ لَهُـــمْ. . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيَكُــونَ مَـرْكَبُكِ القَعُـودُ وَحِدْجُـهُ
وَابْـنُ النَّعَامَـةِ يَـوْمَ ذَلِـكَ مَـرْكَبِي!
ينذرها بالطلاق إن هي ألحت عليه بالملامة في فرسه ، فإن فرسه هو حصنه وملاذه. أما هي فما تكاد تؤسر في حرب ، حتى تتكحل وتتخضب لمن أسرها. يقول: إن أخذوك تكحلت وتخضبت لهم.
(132) لم أعرف قائله.
(133) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 164.
(134) في المطبوعة: "هي المسألة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(135) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.
(136) انظر تفسير"جاهد" فيما سلف 4: 318.
(137) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 1: 249 ، 250/3: 561/7: 91 ، 509
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869707172737475767778798081828384858687888990919293949596979899100101102103104105106107108109110111112113114115116117118119120

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير الطبري

المؤلف: محمد بن جرير الطبري

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.