تفسير ابن عاشور · سورة النحل

تفسير الآية رقم 3 من سورة النحل

الآية 3

تفسير ابن عاشور

(خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ )

استئناف بياني ناشىء عن قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } [ سورة النحل : 1 ] لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقّبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء . فابتدىء بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير؛ وذلك دليل على أن ما يخلق لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفّريع عقب هذه الأدلّة بقوله الآتي { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } [ سورة النحل : 17 ].
وأعقب قوله : { سبحانه } بقوله : { وتعالى عما يشركون } تحقيقاً لنتيجة الدليل ، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقاً للوحدانية ، لأن الضلال فيها هو أصل انتقاض عقائد أهل الشرك ، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم إلى إنكار نبوءة من جاء ينهاهم عن الشرك فلا جرم كان الاعتناء بإثبات الوحدانية وإبطال الشرك مقدماً على إثبات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام المُبدأ به في أول السورة بقوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره } [ سورة النحل : 2 ].
وعُددت دلائل من الخلق كلها متضمنة نعماً جمّة على الناس إدماجاً للامتنان بنعم الله عليهم وتعريضاً بأن المنعم عليهم الذين عبدوا غيره قد كفروا نعمته عليهم؛ إذ شكروا ما لم يُنعم عليهم ونسوا من انفرد بالإنعام ، وذلك أعظم الكفران ، كما دلّ على ذلك عطف { وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها } [ سورة إبراهيم : 34 ] على جملة { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [ سورة النحل : 17 ].
والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلّة وأجمع لأنها محوية لهما ، ولأنهما من أعظم الموجودات ، فلذلك ابتدىء بهما ، لكن ما فيه من إجمال المَحويات اقتضى أن يعقّب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثنّي بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة ، ثم بخلق الحيوان وأحواله لأنه يجمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في أنواعها من المنن ، ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات ، ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت ، ثم بخلق المعادن الأرضية ، وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات وعلامات الاهتداء في السير . وسيأتي تفصيله .
والباء في قوله : { بالحق } للملابسة . وهي متعلقة ب { خلق } إذ الخلق هو الملابس للحقّ .
والحقّ : هنا ضد العبث ، فهو هنا بمعنى الحكمة والجدّ؛ ألا ترى إلى قوله { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } [ سورة الأنبياء : 16 ] وقوله تعالى : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } [ سورة ص : 27 ]. والحقّ والصدق يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه .
وجملة { تعالى عما يشركون } معترضة .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف { تعالى عما تشركون } بمثناة فوقية .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869707172737475767778798081828384858687888990919293949596979899100101102103104105106107108109110111112113114115116117118119120121122123124125126127128

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.