تفسير ابن عاشور · سورة النحل

تفسير الآية رقم 48 من سورة النحل

الآية 48

تفسير ابن عاشور

(أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ )

بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلّها مشعرةٍ بخضوعها لله تعالى خضوعاً مقارناً لوجودها وتقلّبها آناً فَآناً علم بذلك من علمه وجهله من جهله . وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لِما لا علم له ، وهو ما خلق الله عليه النظام الأرضي خلقاً ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى ، وذلك في أشدّ الأعراض مُلازمةً للذوات ، ومطابَقَةً لأشكالها وهو الظلّ .
وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى : { وظلالهم بالغدوّ والآصال } في سورة الرعد ( 15 ).
فالجملة معطوفة على الجُمل التي قبلها عطف القصّة على القصّة .
والاستفهام إنكاري ، أي قد رأوا ، والرؤية بصرية .
وقرأ الجمهور { أولم يروا } بتحتية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف { أولم تروا } بالمثناة الفوقية على الخطاب على طريقة الالتفات .
و { من شيء } بيانٌ للإبهام الذي في { ما } الموصولة ، وإنما كان بياناً باعتبار ما جرى عليه من الوصف بجملة { يتفيؤا ظلاله } الآية .
والتفيُّؤُ : تفعّل من فاء الظلّ فيئاً ، أي عاد بعد أن أزالَه ضوءُ الشمس . لعلّ أصلهُ من فاء إذا رجع بعد مغادرة المكان ، وتفيؤ الظلال تنقّلها من جهات بعد شروق الشمس وبعد زوالها .
وتقدم ذكر الظلال عند قوله : { وظلالهم بالغدو والآصال } في سورة الرعد ( 15 ).
وقوله : { عن اليمين والشمائل } ، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود به إيضاح الحالة العجيبة للظلّ إذ يكون عن يمين الشخص مرّة وعن شماله أخرى ، أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها .
وليس المراد خصوص اليمين والشمال بل كذلك الأمام والخَلْف ، فاختصر الكلام .
وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المَشرق . وجمع { الشمائل } مراداً به تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها ، كما قال : { فلا أقسم برب المشارق } [ سورة المعارج : 40 ]. فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنّن .
ومجيء فعل { يتفيؤا } بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين في الفعل إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح ، وبذلك قرأ الجمهور . وقرأ أبو عمرو ويعقوب { تتفيأ } بفوقيتين على الوجه الآخر .
وأفرد الضمير المضاف إليه ( ظلال ) مراعاةً للفظ { شيء } وإن كان في المعنى متعدّداً ، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع .
و { سجداً } حال من ضمير { ظلاله } العائد إلى { من شيء } فهو قيد للتفيّؤ ، أي أن ذلك التفيّؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه . وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى : { وظلالهم بالغدوّ والآصال في سورة الرعد .
وجملة { وهم داخرون } في موضع الحال من الضمير في { ظلاله } لأنه في معنى الجمع لرجوعه { ما خلق الله من شيء }. وجُمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء تغليباً لأن في جملة الخلائق العقلاء وهم الجنس الأهمّ .
والدّاخر : الخاضع الذّليل ، أي داخرون لعظمة الله تعالى .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869707172737475767778798081828384858687888990919293949596979899100101102103104105106107108109110111112113114115116117118119120121122123124125126127128

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.