يجوز أن يعطف { الأنعام } عطف المفرد على المفرد عطفاً على { الإنسان } [ سورة النحل : 4 ] ، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعامَ ، وهي أيضاً مخلوقة من نطفة ، فيحصل اعتبار بهذا التكوين العجيب لشبهه بتكوين الإنسان ، وتكون جملة { خلقها } بمتعلقاتها مستأنفة ، فيحصل بذلك الامتنان . ويجوز أن يكون عطف الجملة على الجملة ، فيكون نصب { الأنعام } بفعل مضمر يفسّره المذكور بعده على طريقة الاشتغال . والتقدير : وخلق الأنعام خلقها . فيكون الكلام مفيداً للتأكيد لقصد تقوية الحكم اهتماماً بما في الأنعام من الفوائد؛ فيكون امتناناً على المخاطبين ، وتعريضاً بهم ، فإنهم كفروا نعمة الله بخلقها فجعلوا من نتاجها لشركائهم وجعلوا لله نصيباً . وأي كفران أعظم من أن يتقرّب بالمخلوقات إلى غير من خلقها . وليس في الكلام حصر على كلا التقديرين . وجملة { لكم فيها دفء } في موضع الحال من الضمير المنصوب في { خلقها } على كلا التقديرين؛ إلا أن الوجه الأول تمام مقابلة لقوله تعالى : { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين } [ سورة النحل : 4 ] من حيث حصول الاعتبار ابتداء ثم التعريض بالكفران ثانياً ، بخلاف الوجه الثاني فإن صريحه الامتنان ، ويحصل الاعتبار بطريق الكناية من الاهتمام . والمقصود من الاستدلال هو قوله تعالى : والأنعام خلقها } وما بعده إدماج للامتنان . و { الأنعام } : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز . وتقدم في سورة الأنعام . وأشهر الأنعام عند العرب الإبل ، ولذلك يغلب أن يطلق لفظ الأنعام عندهم على الإبل . والخطاب صالح لشمول المشركين ، وهم المقصود ابتداء من الاستدلال ، وأن يشمل جميع الناس ولا سيما فيما تضمّنه الكلام من الامتنان . وفيه التفات من طريق الغيبة الذي في قوله تعالى : { عما يشركون } [ سورة النحل : 3 ] باعتبار بعض المخاطبين . والدِّفء بكسر الدال اسم لما يتدفّأ به كالمِلْء و الحِمْل . وهو الثياب المنسوجة من أوبار الأنعام وأصوافها وأشعارها تتّخذ منها الخيام والملابس . فلمّا كانت تلك مادة النسج جعل المنسوج كأنه مظروف في الأنعام . وخص الدفء بالذكر من بين عموم المنافع للعناية به . وعطف { منافع } على { دفء } من عطف العام على الخاص لأن أمر الدفء قلّما تستحضره الخواطر . ثم عطف الأكلُ منها لأنه من ذواتها لا من ثمراتها .