الوسيط لطنطاوي · سورة الشورى

تفسير الآية رقم 50 من سورة الشورى

حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
الآية 50

الوسيط لطنطاوي

(أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ )

ثم فصل- سبحانه- بعض مظاهر هذه القدرة التامة، والإرادة النافذة فقال: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل، أو بدل بعض من كل. وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو- سبحانه- إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهم، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله- تعالى- أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات.
وإما أن يجعل بعضهم عقيما، أى: لا ذرية له، ذكرا كان أو أنثى. يقال رجل عقيم وامرأة عقيم، إذا كانا لا ذرية لهما.
وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة في حياة الناس، فمنهم من معه الإناث فقط، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس معه منهما شيء وهذا كله يدل على كمال قدرته- سبحانه-، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله- تعالى- وحده، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده، وهو- سبحانه- يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ليس لأحد مدخل في اختيار نوع معين من الذرية، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شيء منها، إذا أراد الله منعه من ذلك.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «فإن قلت: لم قدم الإناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟
قلت: قدم الإناث لبيان أنه- سبحانه- يفعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم ...
وأخر- سبحانه- الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، فكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: ذُكْراناً وَإِناثاً، كما قال:
إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى...
وقوله- تعالى- إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. أى: إنه- سبحانه- واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم، قدير على كل شيء، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار، لا مكره له ولا معقب لحكمه.
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
فهرس آيات السورة
1234567891011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344454647484950515253

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

الوسيط لطنطاوي

المؤلف: محمد سيد طنطاوي

تفسير الوسيط من التفاسير المهمة التي أُلّفت في العصر الحديث، ومؤلفه الشيخ محمد سيد طنطاوي.