وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وإعادة فعل «جعل» في قوله تعالى : { وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا } دون أن يقال : وأيمةً يهْدُون ، بعطف { أيمة } على { صالحين ، } اهتماماً بهذا الجعل الشريف ، وهو جعلهم هادين للناس بعد أن جعلهم صالحين في أنفسهم فأعيد الفعل ليكون له مزيد استقرار . ولأن في إعادة الفعل إعادة ذكر المفعول الأول فكانت إعادته وسيلة إلى إعادة ذكر المفعول الأول . وفي تلك الإعادة من الاعتناء ما في الإظهار في مقام الإضمار كما يظهر بالذوق . والأيمة : جمع إمام وهو القدوة والذي يُعمل كعمله . وأصل الإمام المثال الذي يصنع الشيء على صورته في الخير أو في الشر . وجملة { يهدون } في موضع الحال مقيدة لمعنى الإمامة ، أي أنهم أيمة هُدى وإرشاد . وقوله { بأمرنا } أي كانوا هادين بأمر الله ، وهو الوحي زيادة على الجعل . وفي «الكشاف» : «فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية محتومة عليه مأمور هُو بها ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها . وأول ذلك أن يهتدي بنفسه لأن الانتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاهتداء بالمهدي أميلُ» اه . وهذا الهدي هو تزكية نفوس الناس وإصلاحها وبث الإيمان ويشمل هذا شؤون الإيمان وشُعبه وآدابه . وأما قوله تعالى : { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } فذلك إقامة شرائع الدين بين الناس من العبادات والمعاملات . وقد شملها قوله تعالى { فعل الخيرات }. و { فعل الخيرات } مصدر مضاف إلى { الخيرات } ، ويتعين أنه مضاف إلى مفعوله لأن الخيرات مفعولة وليست فاعلة فالمصدر هنا بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن المقصود هو مفعوله ، وأما الفاعل فتبع له ، أي أن يفعلوا هُم ويفعَلَ قومهم الخيرات ، حتى تكون الخيرات مفعولة للناس كلهم ، فحذف الفاعل للتعميم مع الاختصار لاقتضاء المفعول إياه . واعتبارُ المصدر مصدراً لفعل مبني للنائب جائزٌ إذا قامت القرينة . وهذا ما يؤذن به صنيع الزمخشري . على أن الأخفش أجازه بدون شرط . ويجوز أن يكون { فعل الخيرات } هو الموحى به ، أي وأوحينا إليهم هذا الكلام ، فيكون المصدر قائماً مقام الفعل مراداً به الطلب ، والتقدير : افعلوا الخيرات ، كقوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } [ محمد : 4 ]. وتخصيص { إقام الصلاة وإيتاء الزكاة } بالذكر بعد شمول الخيرات إياهما تنويه بشأنهما لأن بالصلاة صلاح النفس إذ الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر ، وبالزكاة صلاحَ المجتمع لكفاية عوز المعوزين . وهذا إشارة إلى أصل الحنيفية التي أرسل بها إبراهيم عليه السلام . ومعنى الوحي بفعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أنه أوحي إليهم الأمر بذلك كما هو بيّن . ثم خصّهم بذكر ما كانوا متميزين به على بقية الناس من ملازمة العبادة لله تعالى كما دلّ عليه فعل الكَون المفيد تمكُّن الوصف ، ودلت عليه الإشارة بتقديم المجرور إلى أنهم أفردوا الله بالعبادة فلم يعبدوا غيره قط كما تقتضيه رتبة النبوءة من العصمة عن عبادة غير الله من وقت التكليف كما قال يوسف : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } [ يوسف : 38 ] وقال تعالى في الثناء على إبراهيم : { وما كان من المشركين } [ البقرة : 135 ].