تفسير ابن عاشور · سورة الجاثية

تفسير الآية رقم 15 من سورة الجاثية

الآية 15

تفسير ابن عاشور

(مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ )

. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)
وتنكير { قوماً } للتعظيم ، فكأنه قيل : ليجزي أيما قوم ، أي قوماً مخصوصين . وهذا مدح لهم وثناء عليهم . ونحْوُه ما ذكر الطيبي عن ابن جنِّي عن أبي علي الفارسي في قول الشاعر
: ... أفآت بنو مروان ظلماً دماءنا
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل ... قال أبو علي : هو تعالى أعرف المعارف وسماه الشاعر : حكماً عدلاً وأخرج اللفظ مخرج التنكير ، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف اه . قيل : والأظهر أن { قوماً } مراد به الإبهام وتنوينه للتنكير فقط .
والمعنى : ليجزي الله كل قوم بما كانوا يكسبون من خير أو شر بما يناسب كسبهم فيكون وعيداً للمشركين المعتدين على المؤمنين ووعداً للمؤمنين المأمورين بالصفح والتجاوز عن أذى المشركين ، وهذا وجه عدم تعليق الجزاء بضمير الموقنين لأنه أريد العموم فليس ثمة إظهار في مقام الإضمار ويؤيد هذا قوله : { من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها } [ فصلت : 46 ] . وهذا كالتفصيل للإجمال الذي في قوله : { ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون } . ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف على سابقتها ، وتقدم نظيره في سورة فصّلت . وقرأ الجمهور { ليجزي قوماً } بتحتية في أوله ، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة في قوله : { يَرْجُونَ أَيَّامَ } . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بنون العظمة في أوله على الالتفات . وقرأه أبو جعفر بتحتية في أوله مضمومة وبفتح الزاي على البناء للمجهول ونَصبَ { قوماً } . وتأويلها أن نائب الفاعل مصدر مأخوذ من فعل ( يُجْزي ) . والتقدير : ليجزَى الجزاءُ . { وقوماً } مفعول ثان لفعل ( يجزى ) من باب كسا وأعطى . وليس هذا من إنابة المصدر الذي هو مفعول مطلق وقد منعه نحاة البصرة بل جعل المصدر مفعولاً أول من باب أعطى وهو في المعنى مفعول ثان لفعل جزى ، وإنابة المفعول الثاني في باب كسا وأعطى متفق على جوازه وإن كان الغالب إنابة المفعول الأول كقوله تعالى : { ثم يُجزاه الجزاءَ الأوفى } [ النجم : 41 ] .
وقوله : { ثم إلى ربّكم ترجعون } أي بعد الأعمال في الدنيا تصيرون إلى حكم الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم الصالحة والسيئة بما يناسب أعمالكم .
وأطلق على المصير إلى حكم الله أنه رجُوع إلى الله على طريقة التمثيل بحال من كان بعيداً عن سيده أو أميره فعمل ما شاء ثم رجع إلى سيده أو أميره فإنه يلاقي جزاء ما عمله ، وقد تقدمت نظائره .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
12345678910111213141516171819202122232425262728293031323334353637

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.