تفسير ابن عاشور · سورة الجاثية

تفسير الآية رقم 32 من سورة الجاثية

الآية 32

تفسير ابن عاشور

(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ )

. وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
فأما الإشكال من جهة موقعه ومعناه فلأن القائلين موقنون بانتفاء وقوع الساعة لما حُكي عنهم آنفاً من قولهم : { ما هي إلا حياتنا الدنيا } [ الجاثية : 24 ] الخ فلا يحق عليهم أنهم يظنون وقوع الساعة بوجه من الوجوه ولو احتِمالاً .
ولا يستقيم أن يطلق الظن هنا على الإيقان بعدم حصوله فيعضِل معنى قولهم { إن نظن إلا ظناً } ، فتأوله الفخر فقال : إن القوم كانوا فريقين ، وأن الذين قالوا { إن نظن إلا ظناً } فريق كانوا قاطعين بنفي البعث والقيامةِ وهم الذين ذكرهم الله في الآية المتقدمة بقوله : { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا } [ الجاثية : 24 ] . ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه وهم الذين أراد الله بهذه الآية اه .
وأقول : هذا لا يستقيم لأنه لو سلم أن فريقاً من المشركين كانوا يشكون في وقوع الساعة ولا يجزمون بانتفائه فإن جمهرة المشركين نافون لوقوعها فلا يناسب مقامَ التوبيخ تخصيصُه بالذين كانوا مترددين في ذلك . والوجه عندي في تأويله : إما يكون هذا حكاية لاستهزائهم بخبر البعث فإذا قيل لهم : { الساعة لا ريب فيها } قالوا استهزاء { ما نظنّ إلاّ ظنّاً } ، ويدل عليه قوله عقبه { وحاقَ بهم ما كانوا به يستهزئون } [ الجاثية : 33 ] .
وتأوله ابن عطية بأن معناه إن نظن بعدَ قبول خبركم إلا ظنًّا وليس يعطينا يقيناً اه ، أي فهو إبطالهم لخصوص قول المسلمين : الساعة لا ريب فيها .
وأما إشكاله من جهة النظم فمرجع الإشكال إلى استثناء الظن من نفسه في قوله : { إن نظن إلا ظناً } فإن الاستثناء المفرغ لا يصح أنْ يكون مفرغاً للمفعول المطلق لانتفاء فائدة التفريع . والخلاصُ من هذا ما ذهب إليه ابن هشام في «مغني اللّبيب» أن مصحح الاستثناء الظن من نفسه أن المسْتثنَى هو الظن الموصوفُ بما دل عليه تنكيره من التحقير المشعرِ به التنوينُ على حد قول الأعشى
: ... أحل به الشيب أثْقاله
وما اغتره الشيبُ إلا اغترارا ... أي ، إلا ظناً ضعيفاً .
ومفعولا { نظن } محذوفان لدليل الكلام عليهما . والتقدير : إن نظن الساعةَ واقعة .
وقولهم : { وما نحن بمستيقنين } يفيد تأكيد قولهم { ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً } ، وعطفه عطف مرادف ، أي للتشريك في اللفظ . والسين والتاء في { بمستيقنين } للمبالغة في حصول الفعل .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
12345678910111213141516171819202122232425262728293031323334353637

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.