وقفات بعد شهر الطاعات – طريق الإسلام

فلماذا يتكاسل الكثير منا بعد رمضان عن الاستمرار في الطاعات والأعمال الصالحات، فبئس العبد الذي لا يعرف ربَّه إلا في رمضان!

خطبة الحاجة:

المقدمة:

الحمد لله الذي أمر بتقواه على الدوام، والحمد لله الذي فرض طاعته في كل الأزمان، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

 

أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، واعملوا اليوم صالحًا تجدوه أمامكم، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

 

جعل سبحانه عمر الإنسان ميدان عمله، ويجزي يوم القيامة بكسبه، {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13، 14].

 

أيها الناس، إن الله تعالى أمر العباد بعبادته جل وعلا في كل لحظة من لحظات الحياة، فقيام العبد وقعوده، في ذلك عبادة، وفي نومه واستيقاظه عبادة، ونطق العبد وصمته عبادة، وحركته وسكونه كذلك، فوظيفتنا في هذه الحياة أن نكون عبيدًا لله تعالى؛ إذًا فمهِمَّتُنا في هذه الدنيا تحقيق العبودية لله تعالى.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقِ اللهَ حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخُلُق حسن» .

 

إن حياة الإنسان حياة إسلام دائم وحياة عمل متواصل، وحياة عبادة مستمرة؛ لأنه يعلم أن عبادته لله تعالى، ويعلم أن الله تعالى حيٌّ لا يموت، ويوقن أن العبادة ما شرعت إلا للدوام، وأن عمل العبد لا ينقطع إلا بالموت {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم..».

 

وقد جعل الله تعالى في كل جزء من حياتنا عبادة مستمرة، ففي الساعات الذكر، وفي الأيام الصلوات الخمس، وفي الأسابيع صلاة الجمعة، وفي الأشهر صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوُّعًا، وفي الأعوام صيام رمضان وحج بيت الله الحرام.

 

فلماذا يتكاسل الكثير منا بعد رمضان عن الاستمرار في الطاعات والأعمال الصالحات، فبئس العبد الذي لا يعرف ربَّه إلا في رمضان! ولهذا يجب على المسلم دوام العمل الصالح والتزوُّد من الخيرات والتنافس والتسابق على الأعمال الصالحات، وذلك للأمور التالية:

1- لأن الله تعالى يحب العمل الدائم «أحَبُّ العمل إلى الله أدومُه وإنْ قَلَّ».

 

2- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العمل الدائم، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها: أي العمل أحبُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم.

 

3- أن هدي رسول الله المداومة على الأعمال الصالحة.

 

4- أن فرائض الله تعالى شرعت للدوام؛ ولهذا يجب على المسلم بعد رمضان أن يداوم على العمل الصالح؛ كالصلوات الخمس في جماعة، ويداوم على قراءة القرآن، ويداوم على قيام الليل، وصلاة الوتر، وصيام النوافل إن استطاع، ويستكثر من الأعمال الصالحات، ويسابق إلى الخيرات؛ لينال بذلك أعلى الدرجات، ويحفظ من السيئات، وليكن المسلم على حذر من ضياع عمره، وتسويف نفسه، ووسوسة شيطانه، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].

 

الوقفة الثانية: بماذا خرج الصائمون؟

في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه».

 

فأنت أيها الصائم فرحت في ختام رمضان وإقبال العيد؛ لأنك أطعت الله ورسوله.

 

فرحت يا من صمت رمضان؛ لأنك تعلم أن أجر الصائم مضاعف «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».

 

فرحت أيها الصائم؛ لأنك في رمضان وَفَّقك الله إلى قيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن، وكثرة الدعاء، وكثرة ذكر الله، وما من باب من أبواب الخير والعمل الصالح إلا وأكرمك الله تعالى بدخول ذلك الباب، والحرص على التزوُّد من الأعمال الصالحة، فعندها يعد الله تعالى لك من الخير والأجر، والنعيم والجنات، والدرجات العليا عند الله، ففي الحديث «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

 

فرحت أيها الصائم برمضان؛ لأنك وفقت إلى صلة أرحامك {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22].

 

بشراكم أيها الواصلون لأرحامكم سعة الأرزاق، والبركة في الأعمار، وتعمير الديار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَرَّه أن يبسط له في رزقه ويُنْسأ له في أثره، فليَصِل رَحِمَه».

 

وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صِلة الرَّحِم وحسن الخُلُق يعمرن الديار ويزدن في الأعمار».

 

فرحت أيها الصائم برمضان؛ لأنك وفقت بإذن الله إلى أن جعلك الله سببًا في رسم البسمة على أفواه الكثير من الناس ممن قد طحنهم الفقر وألجأتهم الحاجة إلى طلب العون من عباد الله فكان لك الشرف إعانتهم، ومد يد العون والمساعدة لهم.

 

كيف يضيع الله من كفل الأيتام، وقام على الأرامل، ورعى ضعفة المسلمين؟! كيف يضيع الله من فرج كربة المسلمين؟! كيف يضيع الله عبدًا سعى في تفريج كربات غيره، وتنافس في التنفيس عن المحتاجين وتسابق إلى الطاعات؟! كيف يضيع الله سعيه {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19]؟!

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58]

أيها المؤمنون، إن الاستقامة على العبادة، والمحافظة على الطاعات، والمداومة على الأعمال الصالحات، كل ذلك دليل على الرغبة في الخير، وعنوان على قوة الإيمان.

 

والاستقامة هي لزوم الطريق المستقيم، والاستقامة لزوم الطاعة والثبات عليها في كل وقت وآن {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].

 

ومن الوقفات بعد انقضاء شهر رمضان:

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].

 

عباد الله، فهل بعد الصلاة والصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر والصدقة، وأعمال الخير، يكون العصيان، والتقصير، والتفريط؟! إن هذا والله ليس من علامات التوفيق وقبول الأعمال.

 

إن الله عز وجل قد أمرنا بالاستقامة على الطاعة حتى نلقاه؛ لأن العبرة بخواتيم الأعمال قل آمنت بالله ثم استقم.

 

ومن الوقفات:

أن يتجنب المسلم مجالس اللهو المحرم؛ كالأغاني المحرمة، ومشاهدة ما حرم الله، والتبرج والسفور، والاختلاط بين غير المحارم، وضياع الصلوات، فإن مثل هذه الأعمال تفسد القلوب والعياذ بالله وتفسد الأخلاق.

 

وإن التعلق بالمحرمات يؤدي إلى ضياع الواجبات، والتفريط في الفرائض والصلوات.

 

ومن الوقفات الحث على صيام الست من شوال، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر»، فصيام الست من شوال سُنَّة مستحبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل صيام الست من شوال أنه يكمل أجر صيام سنة كاملة.

 

والحكمة من صيام الست من شوال، أنها كصلاة النوافل مع الفرائض، فهي ترفع ما شاب الصيام من نقص أو تقصير أو ذنب، كما أن في صيام الست من شوال شكرًا لله على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، ودليل على حب الله وطاعته وحب رسوله عليه الصلاة والسلام، وحسن اتِّباعه والاقتداء به وبسُنَّته، وعلامة على قبول صوم رمضان.

 

فإن الله تعالى إذا تقَبَّل عمل عبد وفَّقَه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

 

أيها الناس، الأمر في صيام الست من شوال واسع، فلا يخرج شهر شوال إلا وقد وفقه الله لصيام الست من شوال، ولا يشترط التتابع. فاتقوا الله عباد الله، وقدموا لأنفسكم، وداوموا على طاعة ربكم، واعلموا أن للمداومة على العمل الصالح ثمرات وكرامات.

 

أيها الناس، اتقوا الله، وتمتَّعوا بما أباح الله لكم من الطيبات، واشكروه عليها، فإن العيد السعيد عبادة، وتوحيد، وشكر لرب رحيم مجيد.

 

العيد السعيد ابتسامة وصفاء، وحب وإخاء، ولقاء.

 

الشكر يا عباد الله سبب لدوام النعم، فاشكروا ربكم، وحافظوا على صلاتكم، وحافظوا على طاعة ربكم، وكونوا ممن يحرص على اتِّباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسعوا في صلاح دينكم ودنياكم.

 

وصفُّوا قلوبكم من البغضاء، والشحناء، والغل، والحقد والحسد، والظلم والرياء وسائر المعاصي والآثام.

 

وكونوا لله طائعين، ولأوامره عاملين، وعن نواهيه مجتنبين، ولرسوله متبعين، وبسنته عاملين، ولحقوق عباد الله مؤدين، وعلى الصلوات محافظين، وللجوارح من الحافظين.

 

ولنعم الله تعالى من الشاكرين {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].

 

ألا وصلوا…..

__________________________________________
الكاتب: أبو سلمان راجح الحنق


Source link

عن Mohamed Alsharif

شاهد أيضاً

أذى الجيران.. – حميد بن خيبش

منذ حوالي ساعة وقد تفضي خصومة عابرة بين الصبيان إلى قطيعة أبدية بين الكبار، فيتحول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *