الوسيط لطنطاوي · سورة الأعراف

تفسير الآية رقم 206 من سورة الأعراف

حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
الآية 206

الوسيط لطنطاوي

(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ )

والمراد بالجهر: رفع الصوت بإفراط، وبما دونه مما هو أقل منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس: هو أن يسمع نفسه.
وقوله بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ متعلق باذكر، والغدو جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب.
أى: اذكر ربك مستحضرا عظمته، في كل وقت، وراقبه في كل حال، لا سيما في هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به كان جديرا برعاية ربه.
قيل: وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش.
ثم نهى- سبحانه- عن الغفلة عن ذكره فقال: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله.
وفيه إشعار بطلب دوام ذكره- تعالى- واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية.
قال بعض العلماء: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من أهمها:
1- أن يكون في النفس لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
2- أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير.
3- أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير في العمل لتخشع النفس ويخضع القلب.
4- أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر، وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم يا أيها الناس: اربعوا على أنفسكم- أى هونوا على أنفسكم- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
5- أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله وَدُونَ الْجَهْرِ لأن معناه ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة، معطوفا على تَضَرُّعاً أو هو معطوف على فِي نَفْسِكَ أى: اذكره ذكرا في نفسك وذكرا بلسانك دون الجهر .
ثم ذكر- سبحانه- ما يقوى دواعي الذكر، وينهض بالهمم إليه، بمدحه للملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ وهم ملائكة الملأ الأعلى.
والمراد بالعندية القرب من الله- تعالى- بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزهه- سبحانه- عن ذلك.
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ بل يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة.
وَيُسَبِّحُونَهُ أى: ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله على ابلغ وجه.
وَلَهُ يَسْجُدُونَ أى: يخصونه وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع، ولا يشركون معه أحدا في عبادة من عباداتهم.
أما بعد: فهذه هي سورة الأعراف التي سبحت بنا سبحا طويلا وهي تحدثنا عن أدلة وحدانية الله، وعن هداية القرآن الكريم، وعن مظاهر نعم الله على خلقه، وعن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وعن بعض الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام، وعن سنن الله- تعالى- في إسعاد الأمم وإشقائها، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب الاجتماع، وشئون البشر.
وقد استعملت السورة في أوامرها ونواهيها وتوجيهاتها أساليب التذكير بالنعم، والتخويف من النقم، وإيراد الحجج المقنعة، ودفع الشبهات الفاسدة.
وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، ومقاصد جليلة، وحجج باهرة، ومواعظ مؤثرة.
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لنا يوم الدين.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869707172737475767778798081828384858687888990919293949596979899100101102103104105106107108109110111112113114115116117118119120121122123124125126127128129130131132133134135136137138139140141142143144145146147148149150151152153154155156157158159160161162163164165166167168169170171172173174175176177178179180181182183184185186187188189190191192193194195196197198199200201202203204205206

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

الوسيط لطنطاوي

المؤلف: محمد سيد طنطاوي

تفسير الوسيط من التفاسير المهمة التي أُلّفت في العصر الحديث، ومؤلفه الشيخ محمد سيد طنطاوي.