تفسير الطبري

تفسير الآية رقم 153 من سورة البقرة

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
قال أبو جعفر: وهذه الآية حضٌّ من الله تعالى ذكره على طاعته، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال, فقال: " يا أيها الذينَ آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " على القيام بطاعتي، وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي، والانصراف عَما أنسخه منها إلى الذي أحدِثه لكم من فرائضي، وأنقلكم إليه من أحكامي, والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه, والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه -وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل, أو مشقةٌ على أبدانكم في قيامكم به، أو نقصٌ في أموالكم- (61) وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي, بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومَشقته عليكم, واحتمال عنائه وثقله, ثم بالفزع منكم فيما يَنوبكم من مُفظِعات الأمور إلى الصلاة لي, فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتي, وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبَلي، وتدركون حاجاتكم عندي, فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصيَّ, أنصرهُم وأرعاهم وأكلَؤُهم، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلوا قِبَلي.
* * *
وقد بينت معنى " الصبر " و " الصلاة " فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته، (62) كما:
2315- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " واستعينوا بالصبر والصلاة "، يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.
2316- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة "، اعلموا أنهما عَونٌ على طاعة الله.
* * *
وأما قوله: " إن الله مع الصابرين "، فإن تأويله: فإن الله نَاصرُه وظَهيرهُ وراضٍ بفعله, كقول القائل: " افعل يَا فلان كذا وأنا معك ", يعني: إني ناصرُك على فعلك ذلك ومُعينك عليه.
* * *
---------------------------
الهوامش :
(61) هذه جمل متداخلة ، والعطف سياقه في هذه الجملة : استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي ، وأداء فرائضي . . والانصراف عما أنسخه . . والتسليم لأمري . . والتحول عنه . . وعلى جهاد أعدائكم . . بالصبر . . " .
(62) انظر فيما سلف تفسير"الصلاة" 1 : 242-243 / ثم 2 : 11 . وتفسير"الصبر" في 2 : 11 ، 124 ، وانظر فهرس اللغة .