تفسير الطبري

تفسير الآية رقم 135 من سورة النساء

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا
وهذا تقدُّم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله (1) أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرقٍ أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه، وذَبَّهم عنهم، وتحسينَهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر. يقول الله لهم: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط"، يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط (2) =يعني: بالعدل=" شهداء لله ".
* * *
= و " الشهداء " جمع " شهيد ". (3)
* * *
ونصبت " الشهداء " على القطع مما في قوله: " قوامين " من ذكر " الذين آمنوا "، (4) ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم= أو: حين شهادتكم.
=" ولو على أنفسكم "، يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، (5) فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا. فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل=" أولى بهما "، وأحق منكم، (6) لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما=" فلا تتبعوا الهوى أن تَعْدِلوا "، يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهدُ بالقسط؟ وهل يشهد الشاهد على نفسه؟ (7)
قيل: نعم، وذلك أن يكون عليه حق لغيره فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق= في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا ممن ذكرنا قبل (8) = عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح. فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقولوا فيها بالعدل، (9) ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، ولا يحملنكم غِنَى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورَحِمُه منكم، (10) على الشهادة له بالزور، ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها.
* * *
وقد قيل إنها نـزلت تأديبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك:
10678- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله "، قال: نـزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، الآية.
* * *
وقال آخرون: في ذلك نحو قولنا: إنها نـزلت في الشهادة، أمرًا من الله المؤمنين أن يسوُّوا -في قيامهم بشهاداتهم- لمن قاموا بها، (11) بين الغني والفقير.
*ذكر من قال ذلك:
10679- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين "، قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيًّا لغناه، ولا يرحموا مسكينًا لمسكنته، وذلك قوله: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، فتذروا الحق، فتجوروا.
10680- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة قال: كان ذلك فيما مضى من السُّنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما " الآية، فلم يكن يُتَّهَمُ سلفُ المسلمين الصالحُ في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناسُ بعد ذلك، (12) فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتركت شهادةُ من يتهم، إذا كانت من أقربائهم. وصار ذلك من الولد والوالد، والأخ والزوج والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. (13)
10681- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحَمه فلا تقيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد.
10682- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " الآية، هذا في الشهادة. فأقم الشهادة، يا ابن آدم، ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو شَرَفِ قومك. (14) فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزانُ الله في الأرض، به يردُّ الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق. وبالعدل يصدِّق الصادقَ، ويكذِّب الكاذبَ، ويردُّ المعتدي ويُرَنِّخُه، (15) تعالى ربنا وتبارك. وبالعدل يصلح الناس، يا ابن آدم=" إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما "، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله موسى عليه السلام قال: " يا ربِّ، أي شيء وضعت في الأرض أقلّ؟"، قال: " العدلُ أقلُّ ما وضعت في الأرض ". فلا يمنعك غِنى غنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق، وقال جل ثناؤه: " فالله أولى بهما ".
* * *
وقد قيل: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا "، الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير. لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال: " بهما "، ولم يقل " به ".
* * *
وقال آخرون: إنما قيل: " بهما "، لأنه قال: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا "، فلم يقصد فقيرًا بعينه ولا غنيًّا بعينه، وهو مجهول. وإذا كان مجهولا جاز الردُّ منه بالتوحيد والتثنية والجمع. (16)
* * *
وذكر قائلو هذا القول، أنه في قراءة أبيّ: ( فالله أولى بهم ) .
* * *
وقال آخرون: " أو " بمعنى " الواو " في هذا الموضع. (17)
* * *
وقال آخرون: جاز تثنية قوله: " بهما "، لأنهما قد ذكرا، كما قيل.
وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [سورة النساء: 12].
* * *
وقيل: جاز، لأنه أضمر فيه " مَن "، كأنه قيل: إن يكن مَن خاصم غنيًّا أو فقيرًا= بمعنى: غنيين أو فقيرين=" فالله أولى بهما ".
* * *
وتأويل قوله: " فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، أي: عن الحق، فتجوزوا بترك إقامة الشهادة بالحق. ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تتَّبعوا أهواء أنفسكم هربًا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط، لكان وجهًا. (18)
* * *
وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا= كما يقال: " لا تتبع هواك لترضيَ ربك "، بمعنى: أنهاك عنه، كما ترضي ربّك بتركه. (19)
* * *
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: عنى: " وإن تلووا "، أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين على الآخر=" أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا ".
ووجهوا معنى الآية إلى أنها نـزلت في الحكام، على نحو القول الذي ذكرنا عن السدِّي من قوله: إن الآية نـزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا قبل. (20)
*ذكر من قال ذلك:
10683- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُه لأحدهما على الآخر. (21)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا، أيها الشهداء، في شهاداتكم فتحرِّفوها ولا تقيموها= أو تعرضوا عنها فتتركوها.
*ذكر من قال ذلك:
10684- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يقول: إن تلووا بألسنتكم بالشهادة، أو تعرضوا عنها.
10685- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ إلى قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. و " الإعراض "، الترك.
10686- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن تلووا "، أي تبدّلوا الشهادة=" أو تعرضوا "، قال: تكتموها.
10687- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا "، قال: بتبديل الشهادة، و " الإعراض " كتمانها.
10688- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: إن تحرفوا أو تتركوا.
10689- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: تلجلجوا، أو تكتموا. وهذا في الشهادة.
10690- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإن تلووا أو تعرضوا "، أما " تلووا "، فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها= وأما " تعرضوا " فتعرض عنها فتكتمها، وتقول: ليس عندي شهادة!
10691- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وإن تلووا "، فتكتموا الشهادة، يلوى ببعض منها (22) = أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! فذلك قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا .
10692- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا "، تحرّفوا=" أو تعرضوا "، تتركوا. (23)
10693- حدثنا محمد بن عمارة قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: " وإن تلووا "، قال: إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها=" أو تعرضوا "، قال: تتركوها. (24)
10694- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيمها على وجهها (25) =" أو تعرضوا "، قال: تكتموا الشهادة.
10695- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة: أنه كان يقول: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يعني: تلجلجوا=" أو تعرضوا "، قال: تدعها فلا تشهد.
10696- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، أما " تلووا "، فهو أن يلوي الرجل لسانَه بغير الحق. يعني: في الشهادة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من تأوله، أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، (26) وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه. (27)
وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها. (28)
وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء. وأظهر معاني" الشهداء "، ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وإن تلووا ".
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار سوى الكوفة: ( وَإِنْ تَلْوُوا ) بواوين، من: " لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني"= وذلك إذا مطلوه=" ليًّا ".
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ( وإن تلوا ) بواو واحدة.
* * *
ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان:
أحدهما: أن يكون قارئها أراد همز " الواو " لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذْ أسقطه، وبقيت واو واحدة. كأنه أراد: " تَلْؤُوا " ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه، كان معناه معنى من قرأ: " وإن تلووا "، بواوين، غير أنه خالف المعروف من كلام العرب. وذلك أن " الواو " الثانية من قوله: " تلووا " واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصح همزها، ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علَم المعنى الذي له أدخلت " الواو " المحذوفة. (29)
والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: أن " تلوا " من " الولاية "، فيكون معناه: وأن تلوا أمور الناس وتتركوا. وهذا معنى= إذا وجّه القارئ قراءته على ما وصفنا، إليه= خارج عن معاني أهل التأويل، وما وجّه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، تأويلَ الآية.
* * *
قال أبو جعفر: فإذْ كان فساد ذلك واضحًا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ) ، بمعنى: " اللي" الذي هو مطل.
* * *
فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيامُ له بها، فتغيروها وتبدلوا، أو تعرضوا عنها فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دينَ الرجل فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له، (30) كما قال الأعشى:
يَلْــوِينَني دَيْنِـي النَّهـارَ, وأَقْتَضِـي
دَيْنِــي إذَا وَقَــذَ النُّعَــاسُ الرُّقَّـدَا (31)
* * *
وأما تأويل قوله: " فإن الله كان بما تعملون خبيرًا "، فإنه أراد: " فإن الله كان بما تعملون "، من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها، وإعراضكم عنها بكتمانكموها=" خبيرًا "، يعني ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم، حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته. يقول: فاتقوا ربكم في ذلك. (32)
------------------
الهوامش :
(1) يقال: "تقدم إليه في كذا" أي أمره بأمر أو نهي ، وأراد هنا معنى النهي.
(2) انظر تفسير"القسط" فيما سلف 6 : 77 ، 270 / 7 : 541.
(3) انظر تفسير"شهيد" و"شهداء" فيما سلف من فهارس اللغة.
(4) "القطع" ، باب من الحال ، انظر ما سلف في فهارس المصطلحات.
(5) في المطبوعة: "أو على والديكم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(6) انظر تفسير"أولى" فيما سلف 6: 497.
(7) في المطبوعة: "وهل يشهد الشاهد" ، وفي المخطوطة: "وبما يشهد".
وأرجح أن ما في المطبوعة هو الصواب ، لقوله في جوابه"نعم" ، وكدت أقرؤها: "وبم يشهد الشاهد" ، لولا أن جواب أبي جعفر دل على غير ذلك.
(8) في المطبوعة: "وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله ..." ، وهو كلام فاسد ، غير ما في المخطوطة ، وهو كما أثبت ، إلا أنه كتب"من ذكرنا قبل" ووضع فتحة على الميم من"من" ، وهو خطأ في نسخ الناسخ ونقله ، إنما هذه الفتحة ميم أخرى في"ممن" أساء قراءتها ، فأساء نقلها. وقد مضى مثل هذا في مثل هذا الحرف ، مرارًا فيما سلف ونبهت إليه.
(9) في المطبوعة: "فقوموا فيها بالعدل" ، والذي في المخطوطة صواب محض.
(10) في المطبوعة"فلا يحملنكم" ، والجيد ما أثبت من المخطوطة.
(11) في المطبوعة: "لمن قاموا له بها" زاد"له" ، وهي مفسدة للكلام ، غمض عليه السياق. وإنما سياق الكلام: أمرًا من الله المؤمنين ... لمن قاموا بها" أي: لمن قام من المؤمنين بالشهادة ، وذكرها معترضة في كلام آخر ، وهو قوله: "في قيامهم بشهاداتهم".
(12) "دخل" على وزن"فرح" ، يقالك: "دخل أمره دخلا (بفتحتين)": أي فسد ، و"الدخل" (بفتحتين): الغش والفساد. و"فلان مدخول الإسلام" ، إذا كان فيه غش وفساد ، وهو النفاق.
(13) فليت شعري ما كان يقول ابن شهاب لو أدرك زماننا الذي نحن فيه!! نسأل السلامة ، ونستهديه في القيام بما أمرنا به في كتابه.
(14) في المطبوعة: "أو أشراف قومك" ، كأنه ظن"شرفًا" خطأ ، وهو محض صواب ، يجمع"شريف" على"أشراف" و"شرفاء" و"شرف" (بفتح الشين والراء). كما قالوا: "رجل كريم" و"قوم كرم". ولو قيل: وهو وصف بالمصدر مثل"عدل" لكان صوابًا.
(15) في المطبوعة: "ويوبخه" والتوبيخ لا معنى له هنا. وفي المخطوطة غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "رنخ الرجل": ذلَّلـه. ولو قرئت"يريخه" بالياء لكان صوابًا ، يقال: "ضربوا فلانًا حتى ريخوه" ، أي أوهنوه وأذلوه. هذا وقتادة السدوسي ، كان يكثر في كلامه غريب اللغة.
(16) في المطبوعة: "الرد عليه بالتوحيد ..." ، والذي أثبت من المخطوطة هو محض الصواب.
(17) انظر "أو" بمعنى"الواو" فيما سلف 1 : 336 ، 337 / 2 : 237.
(18) في المطبوعة: "كان وجها" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(19) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 291.
(20) هو الأثر السالف رقم: 10678.
(21) الأثر: 10683 -"قابوس بن أبي ظبيان الجنبي" ، روى عن أبيه"حصين بن جندب" وآخرين. قال ابن معين: "ثقة ، ضعيف الحديث". وقال ابن حبان: "ينفرد عن أبيه بما لا أصل له ، فربما رفع المرسل ، وأسند الموقوف. وأبوه ثقة". وانظر ما سلف رقم: 9745.
وأبوه: "أبو ظبيان" ، هو: "حصين بن جندب". روى عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود. ثقة ، انظر ما سلف رقم: 9745.
(22) في المطبوعة: "تلوى تنقص منها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب جيد. من قولهم: "لوى عنه الخبر" ، إذا طواه ، أو أخبره به على غير وجهه.
وكان سياق الكلام في المطبوعة بالتاء على معنى الخطاب ، "تلوى""تعرض" الخ ، فأثبت ما هو في المخطوطة منقوطًا كذلك.
(23) في المخطوطة: "تحرفوا أو تحرفوا" مكررة ، لا أظنه تحريفًا.
(24) في المطبوعة: "فتتركوها" ، والجيد ما في المخطوطة.
(25) في المطبوعة: "أن لا تقيموها" بالجمع ، والذي في المخطوطة حسن جيد.
(26) في المطبوعة: "لسانه" بغير باء ، والصواب من المخطوطة.
(27) انظر تفسير"اللي" فيما سلف 6 : 535-537 / 8 : 435.
(28) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: 268 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(29) هذا موضع وهم غريب من مثل أبي جعفر ، فإن الهمز في"تلؤوا" على واو الفعل ، وهي عين الفعل"لوى" ، والحذف بعد طرح الهمزة ، واقع بواو الفعل لا بواو الجماعة ، وهي أصل ، لم تدخل لمعنى. فكيف أخطأ أبو جعفر فظنها واو الجماعة!! وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 291.
(30) انظر مراجع تفسير"اللي" فيما سلف ص: 309 ، تعليق: 5 وفي المطبوعة"على ما أوجب عليه" ، والصواب من المخطوطة.
(31) ديوانه: 151 ، واللسان (لوى) و(وقذ) ، من أبيات ، جياد أولها فيما قبله:
وَأَرَى الغَـوَانِي حِـينَ شِـبْتُ هَجَرْنَنِي
أَنْ لا أَكُــونَ لَهُــنّ مِثْـلِيَ أَمْـرَدَا
إنَّ الغَــوَانِي لا يُــوَاصِلْنَ امْـرَءًا
فَقَـدَ الشَّـبَابَ، وَقَـدْ يَصِلْـنَ الأَمْرَدَا
بَـلْ لَيْـتَ شِـعْرِي! هَلْ أَعُودَنْ نَاشِئًا
مِثْـلِي زُمَيْــنَ أَحُـلُّ بُرْقَـةَ أَنْقَـدَا
إذْ لِمَّتِــي سَــوْدَاءُ أَتْبَــعُ ظِلَّهَـا
دَدَنًــا قُعُــودَ غَوَايَـةٍ أَجْـرِي دَدَا
يَلْـــوِينَنِي دَيْنِــي ...............
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا ، ورواية الديوان: "وأجتزى ديني" ، يقال: "اجتزى دينه" أي: تقاضاه ، ومثله"تجازى دينه". و"وقذه": ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. و"وقذه النعاس" مجاز منه ، أي صاروا كأنهم سكارى قد استرخوا وهمدوا من النعاس.
(32) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة.